Полный текст (65 431 стр.). Показаны 9346–9385 · переход к 9351.
стр. 9346
الزهرُ والأعشابُ في يقظةٍ … كأنها تمشي إلى عرسِها
أَوَقْعُها أَلينْ من وقعِها؟ … أم حُّسها أرفقُ من حسِّها؟
رنا إلى خلفُ على رقبةٍ … وقد عراه الشكُّ من عودِها
إن لم تعد حيةً فلأَعد! … إنَّ الردى أهونُ من فقدِها
فأبصَرَ الغادةَ شفافةً … كشعلةٍ تَسطعُ من وقدِها
ولمعةُ الأحلاِم في عينهِا … وجذوةُ الأشواقِ في خدِّها
تقابلا! لكنَّ صوتَ الردى … صاحَ، فحالَت كُتلةً من ترابْ
فلم يعانِقْ غير أحلامِه … ولم يُشارِفْ غيرَ لمعِ السرابْ
وهاتفٍ صاح به: يا فتى … عُدْ للهوى الباكي، وعُدْ للعذابْ
واحمل بقايا العود، لا تمتهِلْ … حَرَقْتَهَا: ليس لها من إيابْ
غداً إذا آبَ وآلامهُ … هادئةٌ، يسكُتُ قيثارُه
غذوه بالآلام لا ترأَفوا … تَرِنُّ بالآلام أوتارُه
لا تقتلوا الأشجانَ في نفسِه … تفيضُ بالأشجانِ أشعارُه
لولا الذي تسكُبُه يا ندى! … ما ضحِكَتْ في الروضِ أزهارُه
لنا بآلامِ الورى لذةٌ … وبالنَّدَى يُشرِقُ لونُ الزهَرْ
نريدُه يشدو لنا فليعدْ! … حليفُه الهمُّ وطولُ الضجرْ
نريده يشدو فلا تَقطعوا … من مِعزَف الألحانِ هذا الوترْ
قد يَطرَبُ اللهُ وأملاكُه … لنكبةٍ تُنطِق قلبَ البشرْ
لِلأرضِ من قلب الفتى مِزقةٌ … ومزقةٌ يرفعها للسماءْ
فوزعِ القلبَ على أهلهِ … وامنحْ من الآلاِم معنى الهناءْ
خُلقتَ هتافاً فلا تبتئسْ=هل نتاجُ الطيرِ إلا غناءْ؟
إن تَبقَ منه بضعةٌ فلتكنْ=هديةً مشكورةً للفناءْ. . .
دمشق
خليل هنداوي
стр. 9347
ظمأ على ظمأ
بقلم فريد عين شوكه
ظمأ على ظمأ وليس لمهجتي … رِيٌّ سواك يَبُلُّ حَرَّ ظِمائي
يا مهد أحلامي ومُتعة خاطري … ومناط آمالي وفيض رجائي
أنت الحياة ولا أزيدك بعدها … وصفا، فذلك منتهى إيفائي
كم ذا تشعُّ بخاطري فأغيب عن … صحبي ولا أصغي إلى خلصائي
وأظل أسبح في هواك وألتقي … بك في الخيال وأنت عنيَ نائي
وأراٍجع العهد الحبيب المشتهَى … فلعل في ذكراه بعض عزائي
والصحب من حولي عيون تجتلى … حالي وتلحظني على استحياء
حتى إذا جمح الحنين ولج في … خلدي وألهب بالأسى أحشائي
مدُّوا إليَّ عيونهم وتساءلوا … عما يغُول بشاشتي وصفائي
فأحار ثم أجيب غيرَ موفَّق … مع وفرة الأعذار في حوبائي
يا غائباً عن ناظريّ وليس في … قلبي سواه يرِفُّ بين دمائي
كم أشتهي برح الضنى لتعودني … وأراك رأي العين في جلسائي
يا مستريح البال من عبث الهوى … لو كنت تعلم في نواك شقائي
الفرقة الهوجاء قد رانت على … كبدي فيا للفرقة الهوجاء
شتان ما بيني وبينك في النوى … كالبعد بين قراراتي وسمائي
ما أبعد الحالين! أنت منعَّم … غافي العيون على رضىً وهناء
تسعى لك الدنيا وتحتشد المنى … للقاك كل صبيحة ومساء
وتعيش في وادي الهوى متفيئاً … أندى الظلال وأكرم الأفياء
وأنا، وقاك الله من سَرَف الجوى … وكفاك ما ألقى من الأعباء!
وأنا - كما تدري - أهيم بمهمه … قفر الجوانب موحش الأرجاء
حَرَّانُ تلفحني الهواجر باللظى … حتى تذيب عزيمتي ومضائي
ظمآن أستسقي الغمام وإنه … ليضن أن يهمى بقطرة ماء
حيران ما أرتاح لحظ بصيرة … حتى أعاف إقامتي وثوائي
стр. 9348
وا لوعة المهجور في وادي النوى … مما يساوره من البرحاء
يا جنة السلوان، ناءت عزمتي … من فادح الذكرى وخار بنائي
فمتى أفيء إلى ذَراك وأستقي … بَرْد العزاء ونشوة التأساء
فريد عين شوكه
стр. 9349
فصول ملخصة في الفلسفة الألمانية
١٨ - تطور الحركة الفلسفة في ألمانيا
فريدريك نيتشه
للأستاذ خليل هنداوي
الآن تبين لنيتشه أن هاوية سحيقة تفصل بينه وبين شوبنهاور وفاجنر، وقد تقبل مذهب التشاؤم من قبل ليتخذه سلاحاً يصرع به التفاؤل الخادع، وقد بدا له أن نقد الوجود نقداً مصحوباً بالتشاؤم هو من واجب كل نفس خالصة، ولكنه لم يتقبل تلك النتائج السلبية التي استخلصها شوبنهاور من نظراته، ولم يتقبل العدم وسلب الحياة كغاية منشودة في الوجود. ولكن هذا المذهب العدمي الذي يستسر فيه الخطر، قد لا يكاد يقل مذهب التفاؤل المطلق عنه خطراً، فان جيلنا إذا نمت فيه الروح الراضية القانعة والذات الخانعة، كان هذا منه علامة الوهن والضعف والانحطاط. تنشأ في جيل تعب من الحياة وتصدع من الألم، ويرتاح إلى الراحة المتمثلة في العدم، وهكذا بدرت لنيتشه مسألة جديدة شغلته طيلة حياته. . . ما هو منشأ هذا الانحطاط الحديث؟ ما هي العلامات التي ساعدت على نشره. وما هو داء العدمية؟ وما هو دواؤه؟ ولم يكد يبلغ هذه النقطة حتى وجد أن حكمه على ذينك المعلمين قد تحول من الكل إلى الكل. وإذا برفيقيه اللذين كانا عدته في مكافحة التفاؤل يغدوان خصمين عنيفين له تثقل عداوتهما عليه وعلى المجتمع. وأدرك في النهاية أن ثباته على صداقتهما فيه خطر عليه كبير، فإذا لم يبرأ من هذه الصداقة ويخلص من تأثيرها ومرضها فانه لن يتاح له أن يقف أمام نفسه واعياً همسها فاهماً نجواها لابساً لباسها، ولن يتاح له أن يأتي الناس بإنسانه الكامل الذي أوحته إليه تعاليمه الجبارة فيما درس من عبقريات اليونان، فنفض عنه هذه الزخارف الصبيانية التي يتحلى بها أسلوب (فاجنر) ووجد فيه ذلك الدليل الأمين الذي ينفع المفكر الذي يبغي أن يدرس هذه النفس وينحدر إلى أعماقها. فهو اعتنق مذهب (فاجنر) بادئ ذي بدء ليصل إلى هذه النفس. والآن يحاول أن ينجو من حبائل هذا الساحر. (إن ما يشغلني الآن هو الشقاء. . . لم يكن (فاجنر) إلا علة من عللي). . على أن الأندية الأدبية قد ارتاعت لهذا الانقلاب وهذه المفاجأة. وأجمعت كلها
стр. 9350
الحملة على نيتشه العقوق الذي رأت فيه الناكث للعهود. وأخذت الأندية تبعث بتآويل شتى لمعنى هذه الانفصال. وكلها أزمعت القول بأن نيتشه كان في الحالة الأولى خير من تفهم (فاجنر) ووقف على دقائق مذهبه، وكان تحليله الأول له خير ما أخرجه ناقد محلل عن هذا الفنان. وعللت بأن ما عراه من مرضه العقلي الذي ساقه إلى قطع علاقاته مع المجتمع، هو الذي ساقه إلى التنكر لأصدقائه، ولكن هذا التعليل تعليل فاسد يفسد على الرجل كل فلسفة، وهو الذي كتب نظراته وأعطى مذهبه حراً مفكراً مختاراً. لم يكن مجنوناً ولا مخبولاً يوم طعن (فاجنر) ونال من مذهبه. أما أصدقاء نيتشه فهم يعزون ذلك إلى انخداع نيتشه بهذا الفنان. وهنالك آراء تقاربت تجئ طوراً مع نيتشه وتارة عليه. أما الذين يمقتونه فهم ينقمون منه هذه الشخصية أو هذه الأنانية التي قادته إلى نكران الصداقة، زاعمين أن شخصية نيتشه لا تود أن ترى ظلاً لشخصية غيرها، وشخصية نيتشه في الحقيقة شخصية ذاتية قوية، لأن الرجل يرى أن الشخصية هي كل شيء، يضحي في سبيلها بكل شيء ولا يضحي بها في سبيل أي شيء. فوجد نيتشه أن شخصيته تكاد تفنى في شخصية (فاجنر) وهو الذي التصق به واتصل لمجرد الوصول إلى نفسه وتفهمها. ولم يجعل منه رسولاً هادياً ولا مثلاً سامياً. . وهكذا أخذت هذه الشخصية الغالبة تضيق عليه ويضيق بها، وتخفي صوته الحقيقي، فليضح بكل شيء في سبيل ذاته. ولعل نيتشه أدرك أن القوم سيختلفون في تعليل هذا الانقلاب فكتب هذه الرسالة التي تنطوي على صفاته ولون تفكيره. (كنا صديقين غريبين. . . . . كنا كمركبين. كلاهما له غايته وله سبيله. . . . قد نتلاقى ونرفع أعلام اللقاء كما فعلنا. . . وفي هذه اللحظة ذاتها قد رسا المركبان في مرفأ واحد، يغمرهما شعاع واحد، كأنهما مقدمان على هدفهما، وكأن هذا الهدف واحد عندهما، ولكن الضرورة التي لا تُدفع قد تقذف بمركبينا قذفة جديدة نحو بحار مختلفة وأنواء متباينة. وقد نتراءى ولكن لا نتلاقى. كم لوحتنا الشمس والأمواج! نظل غريبين لأن الشريعة الغالبة تريد ذلك. . ولكن صداقتنا القديمة تبقى شيئاً قدسياً. . . وهكذا نريد أن نؤمن بصداقتنا (في النجوم) حتى في العهد الذي يجب أن نكون فيه خصمين علٍى الأرض)
أليس في هذه الكلمة ما يجعل نيتشه بريئاً شريفاً بازاء خصميه وأنصار خصميه؟
نيتشه الفيلسوف!
стр. 9351
- ١ -
لم تكن نهاية عمر نيتشه إلا معركة متصلة الأسباب، يشنها صاحبها على الداء الذي خامره، يصرعه حيناً وحيناً يصرعه. وهو خلال ذلك يطول صراعه ويمتد نزاعه، يحول الداء بينه وبين إتمام عمله الذي تصدى له، ولا يشعر بالمجد الذي صار يركض إليه في أصقاع العالم
هذه الفلسفة الغريبة الشاذة قد شك عند مناقشتها النقاد الذين لم تتسع لها عقولهم، فقالوا عنها: إنها فلسفة طائشة جاء بها مجنون، قد تمخض بها الجنون فناً من قبل! وهؤلاء قد ظلموا الرجل ميتاً كما ظلمته الطبيعة حياً، على أن شذوذ هذه الفلسفة لا يدعو إلى حسبانها فلسفة مجنونة، فقد كتبها صاحبها واعياً وغالب بها ألمه قبل أن يستحيل إلى جنون، ومهما ذهب النقاد في تعليل جنون نيتشه: أهو جنون اكتسابي أم وراثي، فان الرجل قد استطاع بما أوتي من عبقرية سامية أن يحدث في صفحة الحياة أمواجاً عنيفة بالحجر الذي ألقاه. وبهذا لا ينبغي لنا أن نعتقد أن الجنون أثر في آثاره وهو الذي دل على وعي خارق في أحدِّ نوباته وأعنف آلامه
- ٢ -
أراد نيتشه آلامه، وعمل على تحملها غير مستثقل ولا مستضعف، يحولها إلى الحاجة التي يريدها ويستخلص منها ما يلائم حياته. فإذا لم يكن هذا الرجل جديراً بالرأفة والشفقة لأنه لا يريدهما؛ فهو جدير بالاحترام. والبطل يحترم مستلئماً ومكفَّناً
أول نعمة احتسبها للألم أنه أنقذه من مهنة التعليم ودراسة اللغات المندثرة، إذ أخذ يحس أن هذه المهنة برغم شرفها لا تتلاءم والغرض الذي تتوق إليه روحه. فهو فيلسوف قبل أن يكون عالماً بدراسة اللغات. وأخذ يشعر بأن وفاءه لهذه المهنة دفعه إلى قتل أزهى أيامه وتعطيل دراساته، فما أثقل اليوم على ظهره هذه الأعباء! فجاء الداء وأجبره على تحطيم كل حلقة تربطه بالماضي الذي أصبح يعده غريباً عنه وهو منه. جاء فبدل حياته بحياة ثانية تختلف مظاهرها، وألقاه في عزلة عميقة لا يقر فيها إلا إلى نفسه لأنها حرمت عليه الانكباب على المطالعة والانصراف إلى الدرس. فهو اليوم وحيد مع نفسه، أمام نفسه. يسمع نداء من كان في أذنه وقر عنها. فرحت اليوم نفسه بعودته إليها، بأوبته إلى العزلة
стр. 9352
والراحة الخالدة: هذه النفس التي كادت تقتلها الحادثات وتطغي عليها جبلة المجتمع قد نفضت عنها الأكفان ورفعت صوتها الرنان (ما تذوق يوماً من السعادة ما تذوقه خلال أيام دائه لأنه عاد إلى نفسه. وهذه العودة إليها كانت شفاءه. وهذا الشفاء يتلوه شفاءه المادي)
على أن الداء لم يزد نيتشه إلا احترازاً في النظر إلى مسائل الكون والحياة، وهو عاكف على التطلع إلى هذه المبادئ الفلسفية، ولكن يراها بمجموعها جملة مبادئ هي حقائق بعينها؛ اطلع إليها كأنها ابنة طبع مبدع وشخصية مبدعة، ومما ينبغي أن ينظر إليه بعين الاعتبار مسألة تأثير الصحة والسقم في العقل البشري، فإذا تألم جسدنا - وهو العقل الأكبر - فالعقل الصغير لابد متأثر بما نزل بالعقل الكبير، وإذ ذاك يسأل السائل: هل هذا المذهب علامة من علامات صحة صاحبه أو انحطاطه؟ وقد أيقن نيتشه بأن السقم زاده احتراساً وانتباهاً من سلطة الأخلية والأوهام التي تتولد عادة عند من راقت لهم صفحة الحياة وبهجة الدنيا (بلى! إنني أدرك أن الألم لا يحمل الإنسان إلى المقام الأحسن، ولكن الألم ينحدر بنا إلى أعماقنا!)
والإنسان الذي يريد أن يناضل ما ينتابه من قلق جسماني متسيطر ينبغي له أن يفرض على نفسه قوة يقهر بها نفسه، تخرج منها إرادته المتمرنة ظافرة كما يصنع الهندي المستسلم لألوان من العذاب، أو أن يستسلم لزهد مطلق واعتزال كامل وهجر للإرادة، والإنسان الذي يتمكن من هذا الامتحان يقضيه من غير ضعف، يتعلم منه أن يتأمل مسائل الحياة بوضوح وجلاء، لا يخدعه عن حقيقتها شيء؛ فهو يأبى أن تصرفه عن حقيقة الوجود هذه التشابيه والخزعبلات المغرية، وكأن دافعاً للانتقام والثأر من الحياة يتحرك في طوايا نفسه، يريد أن يستبدل بها آلاماً تتولد له حين يقابلها وجها لوجه يميط عن وجهها النقاب. وينزع كل زينة خادعة تتبرج بها لإغواء الناس؛ وهو إذا أحب الحياة بعد ذلك فانه يحبها كالعاشق الغيور المتحرز، حبك لامرأة خدعتك وأصبحت مثار الشك عندك
يلاحظ نيتشه أن الألم هو الذي جعله متفائلاً، والسقم قد علمه ما يبلغ تأثير الانحطاط الجسماني في عقل المفكر، ولاحظ به كيف يسعى الألم إلى قهر عزة النفس العقل الفلسفي ورد هذه العزة ضعفا وذلة وحزناً وكآبة. وأدرك ما هي المواضيع والزوايا السماوية التي يلجأ إليها عقل المرضى والمنحطين سعياً وراء ما يخفف عنهم من فاقتهم وكآبتهم. وأدرك
стр. 9353
بعد هذا كله أن كل فلسفة تضع السلم فوق الحرب، وكل فضيلة تعطي للسعادة تحديداً سلبياً، وكل علم من علوم ما وراء الطبيعة يرى أن في مراحل الاعتدال والراحة التامة والأمل الديني في عالم خير من هذا العالم، وفي برزخ غير هذا البرزخ، يرى في هذا كله حداً للرفعة والسمو؛ إن هذه الفلسفة مهما كانت مظاهرها فهي تحمل طابع الفساد والانحطاط؛ وآمن بأنه فهم أن كل هذه المذاهب الداعية إلى التشاؤم والركون المطلق تدل على أن أصحابها الواضعيها كانوا في حالة مرض عضوي؛ ولما أراد هذا المريض أن يشفى ركن إلى التفاؤل؛ وقد نفعته أيام البلاء بالوقوف على أسباب التشاؤم، فانصب على الداء بكل ما يحوي جسده ونفسه من عزم، يقاومه في معركة لا هوادة فيها ولا رحمة، وبقوة روحه قد انتصر في عالمي جسده ونفسه؛ عاد متفائلاً، وعادت إليه العافية، (ألا إنني اكتشفتُ حياة جديدة؛ اكتشفتُ نفسي. إنني قد جرعتُ الأشياء الكبيرة كما رشفت الصغيرة منها، وجعلتُ من رغبتي في الشفاء والحياة كل فلسفتي، حذار جميعاً؛ إن الأعوام التي انحطت فيها حيويتي، هي الأعوام التي طلقتُ فيها تشاؤمي، وغريزة الوقاية هي التي صرفت عني فلسفة اليأس والفاقة)
(يتبع)
خليل هنداوي
стр. 9354
القصص
صور من هوميروس
٣ - حروب طَرْوَادَة
إلى أسبارطه!
للأستاذ دريني خشبة
- (سمعت يا أبي قصة أختك المعذبة (هسيونيه) إذ أنا أرعى الشاه والبهم، فكان قلبي ينفطر أسى، كيف يسكت شعب عظيم كشعب طروادة على إهانة تصيبه في الصميم من شرفه، وعار ليس أيسر من دفعه، لكنه يغضي عليه، وينام عنه، كأن العزة القومية عند أهل هذا البلد ليست إلا أسطورة قديمة، أو حلماً لا يدور لهم بخلد!؟)
- (حسبك يا باريس! حسبك يا بني! إنها محنةٌ كتبت على طروادة،، صنعها جدك بيديه!)
- (جدي؟)
- (أجل! جدك. . . أبي. . . أبي لا يوميدون! هو الذي نكث بعهده لبطل الأبطال هرقل. . . الرجل العظيم الذي أنقذ هسيونيه من براثن هذا الوحش البحري الهائل. . . الوحش الذي فتك بعذارى طروادة. . . لقد أعلن أبي أن من يقتل هذا التنين فانه يتزوج هسيونيه. ولما قتله هرقل العظيم. . .
- (رفض والدك أن يزوجها منه!)
- (هو ذاك!)
- (لم أسمع بهذا من قبل. . . ولكن كيف سمحتم لهرقل وملئِه أن يستبيحوا طروادة ويذهبوا ببعض الأعزاء من أفراد البيت الملكي!
- (كنت طفلاً. . . وقد كنت بعض هذا السبي. . . ثم من كان يستطيع دفع هرقل، أقوى أبناء زيوس، وصاحب المجازفات الخرافية! من كان يستطيع حماية طروادة منه، بعد أن نكث الملك بوعده؟
أنت كنت بعض السبي؟ أنت يا أبي؟
- (أجل يا باريس! وقضيت في أيدي أعدائنا الشرفاء أجمل حقبة من شبابي! لله كم كانوا
стр. 9355
كرماء حقاً؟. . .)
- (وكيف عدت إلى طروادة إذن؟)
- (مات أبي بعد حياة مفعمة بالمتاعب، ولم يكن له ولي عهد غيري، فتوجه الطرواديون إلى الأعداء يطالبونني ملكا لهم، بأي ثمن. . . ولكن أعداءنا كانوا أكرم من أن يسترقوا الملوك أو يبيعوا الأمراء. . . لقد أعادوني معززاً مكرماً إلى وطني، بعد إذ أخمد خصومتهم موت هرقل. . .
- (ولم لم تعد عمتي هسيونيه يا أبتاه؟)
- (لقد تزوجها تيلامون يا بني، وأحسبها الآن أيما)
- (ذلك أدعى لعودتها. . . إنها لا شك تتعذب في دار غربتها. . . مسكينة!! إن حدائق الخلد لا تجدي نفعاً إذا كانت سجناً لأحدنا!
- (هذا حق يا بني. . . ومثله القفص من ذهب يحبس فيه البلبل المحزون!
- (أنا حزين يا أبتاه. . . لابد أن تعود عمتي. . . أفتأذن لي في الإبحار إلى هيلاس؟ إذا أذنت، فلن أعود إلا بها
الآلهة لا تكذب!
هكذا قالت فينوس! وإذا كانت الآلهة لا تكذب، فلن يكذب أبوللو! لابد أن تصدق النبوءة القديمة؛ لابد أن يبحر باريس إلى هيلاس ليجر الخراب على طروادة، وليخيم الموت في داراتها جميعاً. . .
الآلهة لا تكذب!
لقد أبحر إلى إسبارطة في يوم عاصف؛ أسود من جبين الموت! وأبرد من بطون القبور! ولقد كان أسطوله اللجب يرقص على نواصي الموج، كما يرقص الطائر المذبوح في قبضة الفناء. . .
هيلين
ثمرة الحب الأولمبي الساحر. . . ابنة زيوس، الغزل، زير النساء؛ من ليدا الفاتنة، التي حولها حبيبها كبير الآلهة، وسيد أرباب الأولمب؛ إلى بجعة بيضاء تتهادى في مرايا المستنقعات والغدران، ليسهل عليه لقاؤها دون عزول. . . أو رقيب! ولقد ولدت له هذه
стр. 9356
الطفلة التي كانت كقطرة المداد يمهر بها إعلان الحرب!
شبت هيلين وشبت في أثرها شياطين الفتنة؛ وكبرت، وكثرت تحت قدميها مصارع العشاق!
لقد كان جمالها أسطورةً مصورةً في السحب، موشاةً بذهب الأصيل! كانت نظراتها تغتذي بأرواح المحبين في غير شره، وترتوي بماء حياتهم في غير نهم. . . وإن كان محبوها يحصون بالآلاف. . .!
وهي لم تعمد يوماً إلى قتل هذه الأرواح المظلومة؛ ولم يكن ذنبها كذلك أن تنظر فتصرع، أو تنعس فتُصمي. . . ولكن القتل كان يذهب بأرواح عاشقيها عفواً كلما نظرت هنا أو هنا. . . وذاك هو القتل البريء. . .!
وكان لها فم شَتيتٌ حلو، أودعت فيه السماء أسرارها، وصبغته عرائس الفنون بحمرة القبل؛ فهو دائماً يبتسم، وكل ابتسامة منهُ تحي وتُميت!
وخداها الأسيلان كذلك! لقد كانت لهما نعومة ولمعة، و (نونةٌ) خلابة، هي ملتقى الفتنة بين الخد والفم والعين والأنف!!
ثم عنقها الطويل البلوري الشفاف، وجيدها الممتلئ الخصب! وجسدها الرخص المرمري! وساقاها الملتفتان، يختلط في بشرتهما بياض الندف بحمرة الورد!
هذه هي هيلين!
فإذا فترت العينين؛ وأرخيت الأهداب الكحيلة السوداء، ذات الوطف؛ وأرسلت نظراتك المذهولة ترف بالخد والجيد، والفم النضيد، فترتد إلى فؤادك بأحمال الحب، وأثقال الهوى. . . رأيت التمثال المعبود الذي خلب ألباب أمراء هيلاس، وأجج قلوبهم بالفتنة، وقرح أجفانهم بالسهاد!
لم تنشأ هيلين مع ذاك في حجور الآلهة، إذ تزوجت أمها، بعد أن هجرها زيوس، من تنداريوس، أحد أمراء هيلاس، فترعرعت الطفلة في مهاد النعمة، وسعدت بالهناءة والعيش المخفرج حتى كانت هيلين التي رأيت!؟
وقد تقدم إلى خطبتها كثير من سادة الإغريق ونبلائهم، ولكن أحداً منهم لم تقبله هيلين بعْلاً لها. . . لا لعيب فيهم. . . ولكن القلب!!
стр. 9357
أجل، لم يكن يتفتح قلب هيلين الأولمبية الرائعة، إلا لكل جميل رائع! ولما لم يكن في كل من تقدموا لخطبتها من هو سليل الآلهة مثلها، فقد رفضتهم جميعاً، وعلة ذاك هذا الدم المتكبر الذي يتدفق في عروقها، وذلك الجمال المعبود الذي كان أكثر من أن يحصر في امرأة واحدة!!
وجرت الألسن في هيلين، وجمال هيلين، وعشاق هيلين. . والساخطين على هيلين ممن جرحت كبرياءهم لرفضها إياهم، ولقي زوج أمها من جراء ذلك هولاً شديداً ورهقاً. . .
تحدثوا أن عشاق هيلين، ومنهم أبطال هيلاس وشجعانها وذوو الصولة والجبروت فيها، كانوا يضربون معسكراتهم حول بيت زوج أمها، يطمع كل منهم أن يفوز هو بيد هذه الغادة ذات المفاتن، التي أذلت الأعناق العزيزة، ورغمت بها الأنوف الإغريقية الشماء!
وخشي تنداريوس أن تشب الحرب بينهم، لو أن هيلين قبلت أحدهم زوجاً لها دون الآخرين. . . وأسقط في يده حين تقدم منالايوس، ملك أسبارطة، وسليل الآلهة أيضاً، إلى هيلين يطلب يدها. . . فلما أسرت الفتاة إلى زوج أمها أنها ترضى ملك إسبارطة بعلاً لها، تضاعف فزعه، وازدادت خشيته، وأيقن أنه لو أنفذ من أمر ذلك الزواج شيئاً، فان أمراء هيلاس بأسرهم يصبحون له أعداء ألداء، وهو لا حول له بعداوة أحدهم بمفرده ولا طول!!
ولجأ تنداريوس إلى الحيلة. . .
لقد أقام حفلاً شائقاً دعا إليه كل من تقدموا لطلب يد هيلين، وبالغ في إكرامهم والاحتفاء بهم، ثم خطبهم فتحدث عن فتاته وما كان من أمر خطبتهم لها وعدم التوفيق في إنجاز شيء مما أقدموا له واختلفوا فيه. . .: (أفأن بدا لهيلين يا سادة أن تختار أحدكم ليكون لها زوجاً من دونكم انقلبتم على أعقابكم وثرتم بمن يقع عليه اختيار الفتاة فقتلتموه أو فضحتموه في عرضه، وجعلتم اسم هذا البيت الكريم مضغةً في أفواه الهيلانيين وجيرانهم؟؟ إنما نريد أن نتقي هذا الشر فلا يستطير، ونتدارك الأمر؛ فلا ندعه همجية بيننا؛ ولن أكلفكم في سبيل ذلك شططاً. . . يمين، يا سادة، صادقة، تقسمونها فتكون عهد الوفاء بيننا، أن ترتضوا جميعاً ما ترتضيه هيلين، وأن تكونوا يداً على من يحنث ولو كان أعزكم جانباً وأكثركم قوة. . . بل لنتفق جميعاً على أمر يكون أعم مما أشرت إليه، أن نكون يداً على من تحدثه نفسه بالأضرار بهيلين أو بِسَبْيها، فقد تحدث إلي من عنده علم أن بعضكم ينتوي هذه النية
стр. 9358
السوداء. . . ينتوي أن يسرق هيلين إذا لم يكن من حظه أن يقع اختيارها عليه ليكون بعلاً لها، وأنتم السادة النُّجب من علية الإغريق وجيرة الأولمب، أفترضون أن يحدث هذا الحدث في أمر كلكم شاركتم فيه من قبل؟. . .)
ويجيب المدعون في صوت واحد: (حاشا حاشا! لنقسم جميعاً. . .) وأشرقت هيلين على الملأ، وكادوا يفتتنون بعد إذ أقسموا، لولا أن أرسلت الفتاة صوتها الموسيقي الرنان. . . تختار ملك إسبارطة، الملك منلايوس، ليكون زوجها الوفي الأمين!!
وطأطئوا رؤوسهم. . . وانصرف أحدهم في إثر الآخر. . .
رسا أسطول باريس في مرفأ ليسديمونيا الأمين، وخرج الإسبارطيون وعلى رأسهم ملكهم ومليكتهم للقاء أبن بريام العظيم، حيث شاع أنه ينزل ضيفاً كريماً على صاحبي العرش، فيلبث أياماً في ضيافتهما، ثم يعود أدراجه إلى طروادة مصطحباً عمته الأيم هسيونيه!
وتقدم الملك والملكة فسلما على الضيف الشاب، وتحرك الموكب الكبير في طريق حُفت بالشعب الطروب، وفُرشت بأوراق الورد، وتأرجت في جنباتها أنواع الرياحين. وكانت فرق من الموسيقيين تعزف هنا وهناك، فتراقص ألحانها العذبة حبات القلوب. وكم كان جميلاً رائعاً إنشاد الجنود وقد وقفوا صفوفاً صفوفاً، كلما مر الموكب الملكي بفرقة منهم دوى هتافها حتى يبلغ عنان السماء. . . فإذا فرغوا وصلت هتافهم فرقة تالية. . . وهكذا. . .
وكان سرب من أجمل قيان اليونان وحسانها يحيط بالملكة الجميلة، وقد قصرن ثيابهن وأرسلن شعورهن، فبدون فتنة الركب، وكن سحر الموكب، ولفتن من باريس بصره وسمعه وفؤاده!
وكان الفتى يخالسهن نظرات مشغوفةً، وكن بدورهن يبسمن له ويتبرجن، حتى التقت عيناه بعيني الملكة. . . فنسى نفسه!!
لقد خُيل له أن قلبه انخلع من مكانه الذي بين جنبيه، ليتأرجح في مقلتيه! أين رأى هذه الملكة من قبل يا ترى؟ إنه لم يذهب إلى الأولمب قط، وهل لبشري أن تطأ قدماه أرض الأولمب فيرى مثل هذا الجمال الساحر، والحسن الفتان؟
الحق أن هيلين تعمدت أن تشك قلب باريس في قوة وعنف، حين أدركت رُسُل العيون
стр. 9359
تنتقل بسرعة بينه وبين قيانها وحسانها! فلما التقت عيناها بعينيه غمزت قلبه الضعيف الغض بسهمٍ مُراش من عينيها الساجيتين، انطلق إلى جوانحه في بروقٍ من بسماتها. . . ورعود!
لقد زلزل قلبه. . .
وأحس كأن قوى خفية تجذب روحه لتمرغها تحت قدمي هيلين! وطفق يفكر ويفكر أين رآها من قبل. . . ولكن بلا جدوى. . .
ثم بدت له فينوس بحيث لا يراها أحد غيره. . . وقالت له: (هِيَ. . . هي. . . كن شجاعاً!). . . ثم غابت ربة الحسن. . .
فذكر ماضيه القريب، وذكر ما وعدته به فينوس، وذكر أن هيلين إن هي إلا صورة أرضية. . . سماوية. . . من ربة الحب، وأنها مخلوقة كخلقها، عذوبة روح، ورقة نفس، ودفء دم، وسحر عيون. . .
فصمم على أن تكون له!!
ولبث باريس في ضيافة الملك أياماً كانت تتصرم كأطياف الأحلام! ثم حدث حادث جلل في أطراف المملكة استلزم وجود الملك نفسه ليرى رأيه فيه، فلما كان يوم السفر ودع منلايوس زوجته الحسناء، وأوصاها بإكرام ضيفه العظيم، باريس، (ابن صديقي ملك طروادة!). فطمأنته هيلين، وخرجت تودعه، حتى إذا كانت عند أسوار ليسديمونيا، حيته تحية فاترة. . . وعادت لترعى عصفورها الغِرّيد. . .!!
أقبلت هيلين على ضيفها غير هيابة، وأقبل هو عليها في غير وجل. أقبلت عليه تؤانسه كما أوصاها زوجها! وأقبل هو عليها يغازلها، ويبحث فيها عن أجمل امرأة في العالم كما وعدته فينوس!
(هيَ هيَ. . . كن شجاعا!). وهكذا كانت تتردد هذه العبارة المقتضبة في أذني باريس كلما ذكر الوفاء وشكران الجميل؛ وكلما هم أن يبتعد بقلبه عن زوجة الملك الكريم المضياف الذي احتفى به وأكرم مثواه. . .
(هيَ هيَ. . . كن شجاعاً!) إذن فليكن باريس شجاعا كما أمرته فينوس! ليقترب من هيلين في هذه الخلوات الحلوة التي تمن عليه بها، فتستطيل كل مرة إلى ساعات وساعات؟
стр. 9360
ليقترب منها، ولتصب هي سلسبيلاً من الموسيقى في أذنيه المرهفتين لكل كلمة من كلماتها. . . وليرشف هو هذه الخمر التي تتدفق من عينيها وأهدابها. . . ليرشف من هذه الخمر حتى تثمل روحه، ويسكر قلبه، وتزيغ عيناه!
ليقترب! ليقترب كثيراً! ليمس جسده المشتعل، جسدها المعطر الفينان! إنها لا ترفض أن يكون ذراعه فوق كاهلها! بل هي أيضاً تنثر ذراعها فوق كاهله؟ هاهما يتخاصران! الخبيث يضغط ثديها الأيسر بشدة! هل يبحث عما يكنه قلبها؟ أم يفتش عن شيء مفقود في نفسها؟ إن عينيه ما يتحولان عن عينيها! إنه يحملق فيهما بشراهة!
قُبلة. . .
هي القبلة الأولى من غير شك! هي الاعتراف الصريح بنضوج الحب!
وقبلة ثانية. . .
وهي القبلة المؤكدة لأختها الأولى! هي عدم المبالاة بما عساه أن يكون! هي أول شرط في عقد هذا الغرام الأثيم. . .! هي الاعتداء الصارخ على عرض منالايوس. . . منالايوس العظيم ملك إسبارطة. . . وسليل الآلهة!!
- (ألا يسرك يا هيلين أن نعيش سوياً أبد الدهر!. . .)
- (ألا يسرني! ما السرور إذن يا حبيبي باريس؟)
- (إذن فلنرحل في ظلام الفجر!)
- (إلى أين؟)
- (إلى طروادة؟)
وأقلع الأسطول في غبشة البكور يحمل. . .
هيلين!!
وعفا الحب عن عمة باريس! عفا الحب عن الأيم هسيرنيه!
(لها بقية)
دريني خشبة
стр. 9361
من أساطير الإغريق
المحسن
(مهداة إلى الأستاذ دريني خشبة)
للأستاذ محمد روحي فيصل
منذ آلاف السنين، بينما الناس في اللهو والضلال كانوا منغمسين، سُمع من جانب السماء صوتٌ هائل كأنه الرعد القاصف قد اهتزت له أطباق الفضاء ومادت منه جوانب الأرض؛ فإذا بميازيب النور تجف على أثر ذلك، والظلام يغمر الدنيا كلها؛ كأنما الشمس الحبيبة - أمُّ الحياة - قد غاضت أشعتها الزاهية وانطفأ معناها الحي، وإذا بالأنهار والينابيع والغدران تجمد وتكف عن السعي، وقد استحال خريرها المؤنس الجميل إلى صمت كئيب موحش كصمت القبور، وإذا بريح صرصر عاتية تهب مجنونة على الأرض فتقتلع الأشجار بأصولها وفروعها وتهيج الغبار، وتخطف المنازل من أماكنها، وإذا بالضواري المروعة تنفر من مكامنها هائجة غاضبة تزأر. . .!!
وريع الناس وجبنوا فما يدرون ماذا دهاهم من الخطوب، ثم أقبل بعضهم إلى بعض يتساءلون: أي ذنب اقترفناه، وأية فريضة لم نقم بها حتى صب علينا الإله العظيم غضبه وويله؟
وكانت قافلة الحياة يومئذ من الشر والضلال في منزلة لم يعرفها التاريخ في أدنى عهوده، تسير على غير هدى وإلى غير غاية في معمعهٍ من الفساد وطريق من الرذيلة، وكان رجال الفن أدق الناس شعوراً وأرهفهم إحساساً. فقال الشاعر: (إني نظمت في مديح الإله قصيدة رائعة منتزعة من النفس؛ لا صادرة عن اللسان، ما احسب أن أحداً من الشعراء سبقني إلى مثلها على كثرة المادحين، أودعت فيه قلبي ودمي، وحرقت لها مخي وكبدي، ثم صغتها في لفظ عذب جميل! فأنا أسبح بحمده ما نطقت، وأنشر روحه أنى حللت ولقد أجثو في محرابه خاشعاً متصدعاً، أتلو آي التمجيد والاجلال، فكيف يغضب مني وينقم علي؟)
وقال الموسيقي: (وأنا أيضاً لحنت أنشودة قوية تحكي هديل الحمام وتغريد العنادل، ورجعتها ترجيع عاشق محزون، ثم قدمتها هدية حقيرة للإله الجبار، فلماذا غضب.؟)
стр. 9362
وقال النحات: (أما أنا فقد صنعت له تمثالاً عظيماً يجمع إلى معاني الجبروت تهاويل الجمال، وإلى قوة البنية رشاقة القسمات تُرى أيغضب الإله مني وأنا مجسَّده؟)
وانتفض المصور وقال: (أأنا مغضب الإله إذن؟ لقد أخذت زرقة السماء وخضرة الأوراق واحمرار الشفق، ونزعت من الورود ألوانها، والتمست من ذلك كله صورة لألهنا الكبير فما زلت أعمل فيها وأنسقها حتى برزت حية ناطقة في إطار واضح مشرق. . .)
ويضطرب الناس، وتطغي عليهم حيرة جاهلة عمياء؛ تتبينها في الوجوه الواجمة، والنظرات الحائرة، والخطى الثقيلة! ويتداولون الأمر همسا ويلتمسون الخلاص من الخطب ويجمعون رأيهم على الذهاب إلى وادي عبقر، موطن الوحي والإلهام. فراحوا جميعاً إلى حيث يلاقون إلههم الغاضب، يتقدمهم الشاعر ساهم الوجه، تائه البصر، وحمل المصور لوحته وريشته العذراء، وتأبط الموسيقي قيثارته المشدودة الأوتار، وجمع النحات إزميله ومنقاشه وحجره. . .
وفي لمحة خاطفة، طلعت الشمس، وغردت الطيور، واستأنفت الأنهار سعيها، ثم لامست الوادي غيمة كبيرة بيضاء هبط منها الإله الجبار!!
وخر الناس من الخشية سُجداً يلتمسون البركة والضراعة والغفران! وكما يسمع الحالم في النوم سمعوا صوت إلههم يقول:
لقد بعثت فيكم رسولاً كريماً ينشر الرحمة ويعلمكم العطف والتقدير فتجاهلتموه!
بعثته والإخلاص ملء برديه وفيض إهابه فلم تقدروه!
هو خادمكم الأمين يبذل عرق جبينه لصلاح مجتمعكم الواهي وينفق المال الذي بين يديه دون أجر غير أجري؛ لأنه يعطيكم أكثر مما يأخذ منكم، ويبني المستشفيات والملاجئ، ويقيم دوراً للعلم فنسيتموه أو تناسيتموه!
وحق عظمتي، لولا رحمتي التي وسعت كل شيء لجعلت الأرض فوقكم قاعاً صفصفاً. . .
عند ذلك صاح الساجدون كلهم:
ما اسم هذا الرسول الكريم؟
فأجاب الإله الجبار: المحسن
حمص
стр. 9363
محمد روحي فيصل
стр. 9364
الهدية
للأستاذ بشير الشريقي
حدثني صديق لي وهو في مقتبل عمره، وأول عهده بالوظيفة، قال:
في صباح أحد الأيام، وأنا متهيئ للخروج إلى عملي، إذا بباب غرفتي يطرق، وإذا بالطارق فتى جميل المحيا، يقظ الملامح، يحمل على يديه سفطاً مستطيل الشكل، كبير الحجم، فما وقع نظري على الفتى والسفط بين يديه حتى تولاني الانقباض، لأنني عرفته من هو؟ وأين يشتغل
تمتم الفتى: لقد عاد عمي الشيخ من دمشق مساء أمس وهو يهديك تحياته، وقد أرسلني بهذا السفط هديته من دمشق إليك
ولكن عقلي كان قد اهتدى إلى أني موظف، وأن لصاحب هذه الهدية مصالح كثيرة عندي يهمه قضاؤها
فبادرت الفتى بتؤدة: ما هذا؟ ليس من الضروري. . . . له مني الشكر. . . أعد السفط إليه. . . ليس من الضروري. . . ولكنه قاطعني بأدب: لقد بعث به الشيخ إليك. . وهو هديته من دمشق. . . وسيغضب علي إن رجعت به
قلت بلهجة الآمر: أرجعه. . . سوف لا آخذه
عاد الفتى بالسفط وهو لا يصدق أني رفضت قبوله؛ وعدت فأغلقت علي باب غرفتي أفكر في الذي صنعت: لولا أنه صاحب حاجة عندي لما خطرت هذه الهدية له على بال ولما فكر في لحظة، إذ لا صداقة بيني وبينه، وأنا لا أراه إلا في الدائرة حين يريدني في أمر رسمي، أو في الطريق فنتبادل التحية من بعيد، وفوق ذلك فهو من التجار الذين يحاسبون على السحتوت والقطمير، والذين يعطون القرش ليستردوه قرشين؛ وهكذا كان الظاهر محاطاً كله بالريب فلم يدخل في نفسي أن هدية الشيخ منزهة عن الغرض
وبينا أنا على هذه الحال، إذ أرى الشيخ من نافذة غرفتي قادماً إلي، فأسرعت وفتحت له الباب:
أهلاً وسهلاً بحضرة الشيخ، الحمد لله على سلامتك، تفضل. . . جلس فإذا به قد تجاوز الخامسة والخمسين، ولكنه لا يزال محتفظاً بقوته ونشاطه، قد تدلت من ذقنه لحية كبيرة
стр. 9365
بيضاء، يرتدي سروالاً وجبه، نظيف البزة، وسيم الطلعة، حسن القيام على نفسه
- ماذا فعلت يا ابن أخي، لقد كان النبي ﷺ يقبل الهدية
قلت: ويرد الصدقة
قال: ويرد الصدقة؟! ولكن قسما بهذه اللحية - وقبض على لحيته - إن الهدية قد صنعت على اسمك وحملتها من دمشق إليك
قلت: أشكرك. . . أشكرك. . .
قال: ولا أزيدك علماً أنه يروى عن النبي ﷺ ما معناه: (من أُهدي إليه شيء ورده فكأنما ردّه على الله)
قلت: صدق رسول الله الكريم. . أنا لا أشك في حسن نية الشيخ، ولكن القانون يا عم. . . هذا القانون المكلفون نحن قبل غيرنا بحفظه واحترامه ينهانا عن أخذ مثل هذه الهدية، فهي في عرفه رشوة والعياذ بالله، يستحق معطيها وآخذها شديد العقاب - إليك المواد - ٦٧ و٦٨ و٦٩ و٧٦ من قانون العقوبات العثماني - وقرأت له نصوصها - إنه لأمر خطير
وقلت له:
ولكي تثق بواسع علم المشرع الذي سن لنا قانون العقوبات وببعد نظره أروي لك هذا الحديث الشريف المثبت في الصحيحين عن أبي حميد الساعدي قال: استعمل النبي ﷺ رجلاً من الأزد يقال له ابن النبيه على الصدقة فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أهدي إلي فقال النبي: ما بال الرجل نستعمله على العمل مما ولانا الله فيقول هذا لكم وهذا أهدي إلي فهل قعد في بيت أبيه أو بيت أمه فينظر أيهدى إليه أم لا!)
وهنا صمت الشيخ ولكن لسان حاله كان يقول:
- لقد عرفت كثيرين غيرك من الموظفين كباراً وصغاراً فلم يحدثني واحد منهم عن مواد قانون العقوبات ولا عن حراسة القانون، لم يذكر لي واحد منهم حديث النبي ﷺ مع عامله على الصدقة بل كان أمري معهم ولا يزال على عكس تماما فأنا مكلف عند كل خطوة وعند كل حاجة أن أقدم الهدايا وألبي الطلبات. . .
وإلى هنا انتهى حديث الصديق فوجدته جديراً بالتدوين؛ فدونته في الحال؛ وهاهو كما سمعته بلا زيادة ولا نقصان.
стр. 9366
(شرق الأردن)
بشير الشريقي
стр. 9367
البريد الأدبي
جورج رسل عميد الشعر الارلندي
من أنباء ارلندة أن شاعرها الكبير جورج وليم رسل قد توفي في الثامنة والستين من عمره. وكان رسل عميد الشعراء الأرلنديين منذ أوائل هذا القرن، كما كان السير وليم وطسون عميد الشعراء الإنكليز، وقد توفي كلاهما هذا الصيف، ففقد الأدب الإنكليزي بذلك آخر زعماء المدرسة الشعرية القديمة؛ وكان مولد جورج رسل في لورجان سنة ١٨٦٧؛ وتلقى تربيته في دبلن ودرس التصوير ومارسه؛ ثم غدا زعيما لحلقة أدبية كانت تنشر صحيفة عنوانها (الثيوسوفي الأرلندي)، وفيها نشر أشعاره الأولى التي جمعت بعد ذلك في ديوان سمي (أغنية وطنية متناثرة) (سنة ١٨٩٤) وفي مجلد آخر سمي (أنفاس الثرى) (سنة ١٨٩٧). وكان رسل إلى جانب مواطنه الشاعر ييتس زعيما للأحياء الأدبي في أرلنده؛ ودرس رسل التصوف الشرقي، وتوثقت أواصره بزميله ييتس؛ وكان يعمل مدى أعوام طويلة كاتباً في شركة للأقمشة، فقدمه صديقه ييتس إلى الزعيم والمثري الأرلندي الكبير السير هوراس بلانكيت وأوصاه به خيراً، فألحقه بالشركة الزراعية الكبيرة التي ألفها لمعاونة المزارعين؛ وتولى رسل الطواف على دراجة في القرى الأرلندية يستفهم من السكان عن أحوالهم ورغباتهم. وفي سنة ١٩٠٥ اختار السير بلانكيت لتحرير صحيفة الجمعية، وهي صحيفة سياسية تعاونية، فاستمر في تحريرها حتى سنة ١٩٢٣. وفي ذلك العام أصدر رسل لنفسه صحيفة جديدة عنوانها (السياسي الأرلندي) فاستمرت حتى سنة ١٩٣٠. وأصدر خلال هذه الفترة عدة مؤلفات شعرية ونثرية منها كتاب (لب المعرفة) (سنة ١٩٠٣) ورواية مسرحية عنوانها (ديدري) (١٩٠٧) وكتاب (مثل المجتمع الأرلندي الريفي) (١٩١١) وقصيدة كبيرة عن ثورة سنة ١٩١٦ عنوانها (التحية)، وديوان عنوانه (السحر وقصائد أخرى) وغير ذلك مما يضيق بذكره المقام
وقد كان رسل وطنياً كبيراً، يشتغل بالسياسة إلى جانب الأدب، ويسخر الأدب لخدمة وطنه، وتأييد مثله العليا في الحرية والاستقلال، وكان أيضاً إنسانا عظيما يبذل وسعه لمعاونة البائس وغوثه، وانتشال الطبقات الدنيا من وهدتها
فكتور هوجو الصحفي
стр. 9368
كان فكتور هوجو شاعر فرنسا الأشهر صحفياً كبيراً؛ وقد تناول هذه الناحية من حياة الكاتب الكبير، مسيو بول سوشون، بمناسبة الذكرى الخمسينية لوفاته، فقال: إن هوجو قد مارس خلال حياته ثلاثة أنواع من الصحافة: الصحافة الأدبية، والصحافة السياسية، والصحافة الخبرية. وقد بدأ هوجو حياته الصحفية في جريدة (كونس فاتير لترير)، وكان يكتب فيها فصولاً نقدية، أثارت إعجاب النقدة يومئذ، ووصف ادموند بيريه يومئذ كاتبها بما يأتي: (صحفي وناقد، كانت لذعاته الأولى لذعات أستاذ مبرز؛ وعند هذا الفتى الذي لم يجاوز الثامنة عشرة موهبة نثرية لا تقل عن موهبته الشعرية. ومما يلفت النظر لأول وهلة سعة معارفه الأدبية، فهو يكاد يستوعب كل شعراء العصر القديم. ثم الشباب! وهذا هو الذي يفيض على صحف (الكونسر فاتير لترير) سحراً لا يقاوم)
ولما صدرت في سنة ١٨٠٩ أول طبعة من مؤلفات شينيه، كتب هوجو في التعليق عليها أن نزعة شعرية جديدة قد ولدت، ولما صدر ديوان (التأملات) استقبله بحماسه وترحاب
أما في الصحافة السياسة فان هوجو لم يرتفع إلى هذا المدى وقد أبان مسيو سوشون في بحثه وجوه الضعف التي كانت تغلب على الشاعر الكبير في هذا المضمار. بيد أن هوجو كان من الناحية الخبرية صحفياً لا يجارى. وقد كان يقدم أخباره للجمهور تحت عنوان (أشياء رؤيت). وقد ظهرت مجموعة منها بعد وفاته تحت هذا العنوان، وفيها يقيد الحوادث التي شهدها خلال حياته وخواص العظماء الذين لقيهم
تلك صفحة من حياة هوجو لم تأخذ حقها من التعريف في حياة الشاعر الكبير
آثار قديمة في سوريا
كشفت الحفريات الأثرية التي يقوم بها العلامة الأثري الفرنسي أندريه بييرو في سوريا على مقربة من بلدة أبي كمال عن آثار هامة ترجع إلى نحو ثلاثة آلاف عام قبل المسيح، وتدل على أن حضارة زاهرة قامت في ذلك العهد في تلك الانحناء، وتدل النصوص والنقوش التي عثر عليها أن هذه المنطقة كانت منزل الحيثيين الذين استطاعوا أن يقاوموا طويلاً غزوات البابليين والمصريين، أما الآثار المكتشفة فهي عبارة عن بقايا قصر تبدو منه مراكزه الوسطى، ويلوح أنه كان مقراً ملوكياً، وملاذاً للكبراء ومركزاً لبعض
стр. 9369
الصناعات التي كانت زاهرة في ذلك العصر، وهنالك ما يدل على أن حصونه التي كانت محيطة به قد قوضت، وأن حمورابي زعيم البابليين قد اقتحمها وأحرق القصر
ومن الآثار الغريبة التي اكتشفت فصل حقيقي من فصول التعليم بمقاعده وأدراجه، مما يدل على أنه كان مدرسة يؤمها الشباب. وتدل مواقع القصر في مجموعها على أن كبراء هذا العصر كانوا يتمتعون بضروب من الرفاهية والترف، لم تعرفها العصور الوسطى في أوربا؛ وتتخلله طرق مستقية ذات زوايا قائمة، وسلالم داخلية كبيرة، ومخازن للمؤن، ومجار منظمة تحمل المياه والفضلات إلى خارج المدينة، ووجدت في معظم الأبنية المجاورة آثار حمامات وأحواض للاستحمام صنعت من الفخار المحروق
برناردشو في التاسعة والسبعين
احتفل الكاتب الإنكليزي الأشهر جورج برناردشو أخيراً ببلوغه التاسعة والسبعين من عمره، وذلك في بلده ومسقط رأسه هرتفوردشير. وفي يوم الاحتفال بمولده اعتكف الكاتب الشهير واحتجب طول الصباح في مكتبه؛ وعند الظهر أعلن انه قد انتهى من كتابة الفصل الأول من قطعة مسرحية جديدة، وقال انه سيعالج فيها موضوعا جديدا هو (الحب)
حول كتاب قواعد التحديث للقاسمي
أليس من الحق وقد كتب عن هذا الكتاب كاتبان من أكبر كتاب العربية في كبرى مجلاتها، وكان السبب في هذه الفصول الممتعة، وهذه المساجلات الأدبية الطريفة بين أمير البيان الأمير شكيب أرسلان، ومؤرخ الشام وكاتبها العلامة محمد بك كرد على أن ننوه في (الرسالة) بفضل هؤلاء الشباب الغير على الدين واللغة والثقافة الإسلامية الذين ألفوا (مكتب النشر العربي) ونشروا طائفة صالحة من كتب الفلسفة والحديث للغزالي وابن الطفيل والقاسمي وغيرهم، وأنجزوا في مدة قليلة ما لم ينجز مثله سواهم في برهة طويلة؟
أليس من الحق أن نشكر للسادة الأذكياء المثقفين العاملين: ظافر القاسمي، وداود التكريتي، وعصام الإنكليزي، أعضاء (مكتب النشر العربي) قيامهم بهذا الغرض الذي قصرنا جميعاً في القيام به؟ وثباتهم على تأدية على قلة التشجيع، ورقة الحال، وشدة الزمان؟
(متأدب)
стр. 9370
ملكة الجمال في سوريا ولبنان
تقوم الزميلة جريدة ليزيكو الغراء بتنظيم مباراة الجمال التي كلفت القيام بهذه المهمة لتشترك ملكة الجمال في سورية ولبنان بمباراة الجمال في مدينة بروكسل وقد تقرر أن تقام حفلة كبرى في فندق بلودان يوم الخميس المقبل لهذه الغاية وتألفت لجنة من السيدة عقيلة رئيس الجمهورية والسيدة عقيلة وزير المعارف والسيدة عقيلة مدير البرق والبريد العام على أن يقوم بسكرتارية اللجنة السيد باسيل مكرديج مدير المطبوعات في وزارة الداخلية لانتخاب ثلاث أوانس واحدة من دمشق والثانية من حلب والثالثة من اللاذقية من بين المتباريات ثم تشترك الأوانس الثلاث في حفلة مباريات الجمال في صوفر مع الأوانس اللبنانيات اللواتي ينتخبن فيها الآنسة التي تتربع على عرش الجمال في سوريا ولبنان
وستكون هذه الحفلة تحت رعاية رئيس الجمهورية.
(الأيام)
أقول: هذا بعض ما أنشئ له فندق بلودان الذي لم يُعص الله في الشام بمثل إنشائه نبعث به إلى (الرسالة) بلا تعليق
(متأدب)
стр. 9371
الكتب
كتاب الأموال
في ٦١٦ صفحة
لأبي عبيد القاسم بن سلام
للأستاذ محمد بك كرد علي
ولد أبو عبيد في هراة وأبوه مملوك رومي، وتخرج في بغداد على أئمة وقته وروى عنه أئمة مذكورون، وكان آية في النحو واللغة والحديث والفقه، وعدَّ أعلم رجال عصره بلغات العرب، قال إبراهيم الحربي:
رأيت ثلاثة تعجز النساء أن تلد مثلهم: رأيت أبا عبيد ما أمثله إلا بجبل نفخ فيه روح، ورأيت بشر بن الحرث فما شبهته إلا برجل عجن من قرنه إلى قدمه عقلاً، ورأيت أحمد بن حنبل فرأيت كأن الله قد جمع له علوم الأولين من كل صنف، يقول ما يشاء ويمسك ما يشاء. وروى الناس من الكتب المصنفة لأبي عبيد بضعة وعشرين كتاباً في القرآن والفقه وغريب الحديث والغريب المصنف والأمثال ومعاني الشعر وكتاب الأموال، والغريب المصنف زعموا أنه أجل كتبه
كان أبو عبيد خاصاً بعبد الله بن طاهر الوزير المشهور أغناه بما أعطاه، ولقد بعث أبو دُلف إلى عبد الله بن طاهر يستهديه أبا عبيد شهرين، فأنفذه إليه فأقام شهرين، فلما أراد الانصراف وصله بثلاثين ألف درهم فلم يقبلها. وقال: أنا في جنبة رجل لم يحوجني إلى صلة غيره، فلما عاد إلى ابن طاهر وصله بثلاثين ألف دينار. فقال: أيها الأمير قد قبلتها، ولكن قد أغنيتني بمعروفك وبرك، وقد رأيت أن أشتري بها سلاحاً وخيلاً وأُوجه بها إلى الثغر ليكون الثواب متوفراً على الأمير ففعل، وهذا من العلم الحقيقي والخلق الكامل، وعزة النفس إذا فقدت من العلماء خاصة صار العلم تهريجاً ومهزلة
قالوا: ولما عمل أبو عبيد كتاب الغريب عرضه على عبد الله ابن طاهر فاستحسنه وقال: إن عقلاً بعث صاحبه على عمل مثل هذا الكتاب لحقيق ألا يخرج عنا إلى طلب المعاش. فأجرى له عشرة آلاف درهم في كل شهر، قال أبو عبيد: كنت في تصنيف هذا الكتاب
стр. 9372
أربعين سنة؛ وربما كنت أستفيد الفائدة من أفواه الرجال فأضعها في مواضعها من الكتاب، فأبيت ساهراً فرحاً مني بتلك الفائدة، وأحدكم يجيئني فيقيم عندي أربعة أشهر أو خمسة أشهر فيقول قد أقمت الكثير. وكان أبو عبيد يقسم الليل أثلاثا فيصلي ثلثه وينام ثلثه ويصنف ثلثه. وذكر من ترجموا له أنه كان فاضلاً في دينه وفي علمه، ربانياً متفننا في أصناف علوم الإسلام، صحيح النقل لم يطعن عليه في شيء من أمره ودينه
غلب على أبي عبيد جمع المتفرق في الكتب وتفسيره وذكر الأسانيد، وصنف المسند على حدته، وأحاديث كل رجل من الصحابة والتابعين على حدته، وأجاد تصنيفه، فرغب فيه أهل الحديث والفقه واللغة لاجتماع ما يحتاجون إليه فيه، وكتابه الوحيد الذي ظهر بالطبع كتاب الأموال وهو كما وصفوه من أحسن ما صنف في الفقه وأجوده. جرى فيه على أسلوب قدماء المؤلفين من إيراد الرواية والسند في الأحاديث، لكنه لا يطيل في ذكر الرواة وينسب الحديث إلى آخر راوية معتمد، ثم يشرع في شرح ما أبهم وتفسير ما أعضل من الأحكام، يرجح ما هو أولى بالترجيح، ويبين عن رأيه بصراحة. بأسلوب محكم سلس ينم عن إحاطته بالأقوال الصحيحة المأثورة عن صاحب الشرع، ثم يشير إلى عمل الصحابة والتابعين من بعده في أحكام الأموال وصنوفها والفيء والصدقات والجزية وفتوح الأرضين صلحاً أو عنوة، وما يتبع ذلك من الأحكام التي قال بها القرآن أو فسرتها السنة أو عدلها بعض الصحابة بحسب الحال
فقد ذكر في باب ما لا يجوز لأهل الذمة أن يحدثوا في أرض العنوة وفي أمصار المسلمين وما لا يجوز قول عمر (ض) (لا كنيسة في الإسلام ولا خصاء) وقول عمر بن عبد العزيز: (لا تهدموا كنيسة ولا بيعة ولا بيت نار، ولا تحدثوا كنيسة ولا بيعة ولا بيت نار)، فقال أبو عبيد: أُراه يعني الكنائس والبيع وبيوت النيران يقول: لا ينبغي أن تكون مع المساجد في أمصار المسلمين. قال أبو عبيد، فهذا ما جاء في الكنائس والبيع وبيوت النار، وكذلك الخمر والخنازير قد جاء فيهما النهي عن عمر، ثم قال: وأما وجوه هذه الأحاديث التي منع فيها أهل الذمة من الكنائس والبيع وبيوت النيران والصليب والخنازير والخمر أن يكون ذلك في أمصار المسلمين خاصة، وبيانه في حديث ابن عباس. حدثنا أبو عبيد قال: سمعت علي بن عاصم يحدث عن أبي علي الرحبي عن عكرمة عن ابن عباس قال:
стр. 9373
أيُّما مِصرٍ مَصّرَته العرب؛ فليس لأحد من أهل الذمة أن يبنوا فيه بيعة ولا يباع فيه خمر، ولا يقتنى فيه خنزير ولا يضرب فيه بنقوس، وما كان قبل ذلك فحق على المسلمين أن يوفوا لهم به. قال أبو عبيد: وقوله كل مصر مصرته العرب يكون التمصير على وجوه: فمنها البلاد التي يسلم عليها أهليها مثل المدينة والطائف واليمن، ومنها كل أرض لم يكن لها أهل فاختطها المسلمون اختطاطاً، ثم نزلوها مثل الكوفة والبصرة وكذلك الثغور، ومنها كل قرية افتتحت عنوة، فلم ير الإمام أب يردها إلى الذين أخذت منهم. ولكنه قسما بين الذين افتتحوها كفعل رسول الله (ص) بأهل خيبر. فهذه أمصار المسلمين التي لا حظَّ لأهل الذمة فيها، إلا أن الرسول كان أعطى أهل خيبر اليهود معاملة لحاجة المسلمين وكانت إليهم، فلما استغنى عنهم أجلاهم عمر وعادت كسائر بلاد السلام: فهذا حكم أمصار العرب، وإنما نرى أصل هذا من قول رسول الله (ص) أخرجوا المشركين من جزيرة العرب. وفي ذلك آثار ثم ساق الأحاديث، والمأثور عن عمر في جلاء غير المسلمين من جزيرة العرب، وذكر بلاد الصلح كهَجر والبحرين وأَيلة ودومة الجندل وأَذْرُح. وذكر أحكام البلاد التي فتحها عمر كالشام ومصر والعراق الخ
ومما ذكر، وهو ما نطيل بنقله إرادة الوقوف على طريقته في تأليفه، (ص ١٦٩) أن عمر بن الخطاب استعمل عُمَيْر ابن سعد أو سعد على طائفة الشام، فقدم عليه قَدمة فقال: يا أمير المؤمنين، إن بيننا وبين الروم مدينة يقال لها عرب السوس وإنهم لا يخفون على عدونا من عوراتنا شيئاً، ولا يظهروننا على عوراتهم، فقال له عمر: فإذا قدمت فخيرهم بين أن تعطيهم مكان كل شاة شاتين، ومكان كل بعير بعيرين، ومكان كل شيء شيئين فان رضوا بذلك فأعطهم وخَرّبها، فان أبو فانبذ إليهم وأجلهم سنة ثم خرّبها، فقال: اكتب لي عهداً بذلك فكتب له عهداً، فلما قدِم عمر عليهم عرض عليهم فأبوا، فأجلهم سنة ثم أخَرّبها. قال أبو عبيد: وهذه مدينة بالثغر من ناحية الحدث يقال لها عرب سوس وهي معروفة هناك - ومعروفة لعهدنا بهذا الاسم أيضاً - وقد كان لهم عهد فصاروا إلى هذا. وإنما نرى عمر عرض عليهم ما عرض من الجلاء، وأن يُعْطَوْا الضعف من أموالهم، لأنه لم يتحقق ذلك عنده من أمرهم، أو أن النكث كان من طوائف منهم دون إجماعهم، ولو أطبقت جماعتهم عليه ما أعطاهم من ذلك شيئاً إلا القتال والمحاربة، وقد كان نحوٌ من هذا قريباً الآن في
стр. 9374
دهر الأوزاعي بموضع بالشام يقال له جبل لبنان، وكان ناس من أهل العهد فأحدثوا حدثاً، وعلى الشام يومئذ صالح بن علي فحاربهم وأجلاهم، فكتب الأوزاعي فيما ذكر لنا محمد بن كثير برسالة طويلة منها: (قد كان من إجلاء أهل الذمة من أهل جبل لبنان، مما لم يكن تمالأ عليه خروج من خرج منهم، ولم تُطبق عليه جماعتهم، فقتل منهم طائفة ورجع بقيتهم إلى قراهم. فكيف تأخذ عامة بعمل خاصة فيخرجون من ديارهم وأموالهم. وقد بلغنا أن من حكم الله جل وعز أنه لا يأخذ العامة بعمل الخاصة ولكن يأخذ الخاصة بعمل العامة، ثم يبعثهم على أعمالهم، فأحق ما اقتدى به ووقف عليه حكم الله ﵎، وأحق الوصايا بأن تحفظ وصية رسول الله (ص)، وقوله: (من ظلم معاهداً أو كفله فوق طاقته فأنا حجيجه، ومن كانت له حرمة في دمه فله في ماله والعدل عليه مثلها، فانهم ليسوا بعبيد فتكونوا من تحويلهم من بلد إلى بلد في سعة، ولكنهم أحرار أهل ذمة الخ). وكتاب الأوزاعي هذا نقله البلاذري في فتوح البلدان مع اختلاف يسير
وهكذا يمضي المؤلف في تأليفه ومعالجة فصول كتابه الممتع. يأتي بالآثار المشهورة الصحيحة على مثل هذه الطريقة السهلة، وفيها جمل من الأحكام التي استخرجها الحكام بعد عهد صاحب الشرع الأعظم. وقد أورد كثيراً من الكتب والمعاهدات والعقود والاقطاع، وذكر فصولاً في الصدقات والغنائم والزكوات وثمار الأرضين وما يجبى منها وما لا يجنى والمعادن والركاز والمكاييل والمكوس والعشور ومخارج الصدقة وسبيلها التي توضع فيها والوقف، إلى غير ذلك من الأبواب بحيث لم يترك شيئاً مما يحتاج إليه من يريد الوقوف على أحكام كل ذلك في الإسلام، وإن كان أكثره، ويا للأسف أصبح يتلى اليوم للعلم به فقط، أو التربك بسيره السلف الصالح وترداده لمعرفة تاريخ تشريعهم
ومما قال في إسقاط الجزية عمن أسلم: وإنما احتاج الناس إلى هذه الآثار (عن الصحابة وغيرهم) في زمن بني أُمية، لأنه يروى عنهم أو عن بعضهم أنهم كانوا يأخذونها منهم وقد أسلموا، يذهبون إلى أن الجزية بمنزلة الضرائب على العبيد، يقولون فلا يسقط إسلام العبد عنه ضريبته، ولهذا استجاز من استجاز من القراء الخروج عليهم، وقال إن عمر بن عبد العزيز فرض على رهبان الديارات على كل راهب دينارين، ولا أرى عمر فعل هذا إلا لعلمه بطاقتهم له، وأن أهل دينهم يتحملون ذلك لهم، كما أنهم يكفونهم جميع مؤوناتهم! وقال
стр. 9375
إن رسول الله (ص) استحل دماء بني قريظة لمظاهرتهم الأحزاب عليه، وكانوا في عهد منه، فرأى ذلك نكثاً لعهدهم وإن كانوا لم يقتلوا من أصحابه أحدا، ونزل بذلك القرآن في سورة الأحزاب، قال وكذلك آل أبي الحقيق رأى كتمانهم إياه فاشترطوا له ألا يكتموه نكثاً، وقد حكم بمثل ذلك عمرو بن العاص بمصر
وقال في القريات التي أقطعها الرسول لتميم الداري في فلسطين: إنها أرض معمورة لها أهل فإنما ذلك على وجه النفل له من رسول الله (ص)، لأن هذا كان قبل أن تفتح الشام، وقبل أن يملكها المسلمون، فجعلها له نفلا من أموال أهل الحرب إذا ظهر عليها، وهذا كفعلة بابن بقيلة عظيم الحيرة حين سأله إياها الشيباني، فجعلها له بمثل افتتاح الحيرة، فأمضاها له خالد ابن الوليد حين ظهر عليها، وكذلك إمضاء عمر لتميم حين افتتح فلسطين. ومما قال في الإقطاع: (وأما إقطاع أبي بكر طلحة وعيينة، وما كان من إنكار عمر ذلك وامتناعه من الختم عليه، فلا أعلم له مذهبا إلا أن يكون رأي عمر أنه كان يومئذ يكره الإقطاع ولا يراه، ألا تسمع قول طلحة: (أهذا لك دون الناس) ثم رأى بعد ما أفضى الأمر إليه غير ذلك، فقد علمنا أنه قد أقطع غير واحد في خلافته، وهذا كالرأي يراه الرجل ثم يتبين له الرشد في غيره فيرجع إليه، وهذا من أخلاق العلماء قديما وحديثا)
ومما قال في السبب الذي دعا إلى ضرب الدراهم: (قال أبو عبيد: سمعت شيخا من أهل العلم بأمر الناس، كان معنياً بهذا الشأن، يذكر قصة الدراهم وسبب ضربها في الإسلام، وقال: إن الدراهم التي كانت نقد الناس على وجه الدهر لم تزل نوعين: هذه السود الوافية، وهذه الطبرية العُتُق، فجاء الإسلام وهي كذلك، فلما كانت بنو أُمية وأرادوا ضرب الدراهم نظروا في العواقب فقالوا: إن هذه تبقى مع الدهر، وقد جاء فرض الزكاة (إن في كل مائتين أو في خمس أواقيَّ خمسة دراهم) والأوقية أربعون، فأشفقوا إن جعلوها كلها على مثال السود؛ ثم فشا فشواً بعد لا يعرفون غيرها، أن يحملوا معنى الزكاة على أنها لا تجب حتى تبلغ تلك السود العظام، مائتين عدداً فصاعداً، فيكون في هذا بخس للزكاة؛ وأشفقوا إن جعلوها كلها على مثال الطبرية أن يحملوا المعنى على أنها إذا بلغت مائتين عدداً حلت فيها الزكاة، فيكون ذلك اشتطاطاً على رب المال، فأرادوا منزلة بينهما يكون فيها كمال الزكاة من غير إضرار بالناس، وأن يكون مع هذا موافقا لما وقت رسول الله (ص) في الزكاة؛
стр. 9376
إلى أن قال بعد شرح ما عملوه بشأن الدراهم: فمضت سنة الدراهم على هذا واجتمعت عليه الأمة فلم تختلف أن الدرهم التام هو ستة دوانيق، فما زاد أو نقص قيل درهم زائد أو ناقص، فالناس في زكاتهم بحمد الله ونعمته على الأصل الذي هو السنة والهدى لم يزيغوا عنه ولا التباس فيه، وكذلك المبايعات والديات على أهل الورق، وكل ما يحتاج إلى ذكرها فيه، هذا كما بلغنا، أو هذا معناه اهـ)
ومما روي في صدقة الحلي من الذهب والفضة: (إن عبد الله ابن عمرو حَلّى ثلاث بنات له بستة آلاف دينار، فكان يبعث مولى له جليداً كل عام فيخرج زكاته منه)، ومما قال: (وشرائع الإسلام أُمهات لا يقاس بعضها ببعض، لأن لكل واحدة حكماً غيرُ الأخرى)، ونقل كثيراً من كتب عمر بن عبد العزيز تأييداً للأحكام التي وردت في القرآن وفسرتها السنة، وكان عمل الراشدين ومن بعدهم سنة متبعة في الأموال، ومنها كتب عمر بن عبد العزيز: أن اقضوا عن الغارمين، فكتب إليه: إنا نجد الرجل له المسكن والخادم والفرس والأثاث. فكتب عمر: لابد للمرء المسلم من مسكن يسكنه، وخادم يكفيه مهنته، وفرس يجاهد عليه عدوه، ومن أن يكون له الأثاث في بيته، نعم فاقضوا عنه فانه غارم)
ويغتبط قارئ كتاب الأموال أن يرى نور العقل يتخلل كلام أبي عبيد، وأن يقرأ فيه صورة جميلة من تأليف القوم في القرن الثاني وأوائل الثالث بهذه البلاغة الخالية من التكلف. ولو كتبت العلوم الإسلامية كلها على المثال الذي كتب به علماء القرون الأولى لاقتصرت على طالبها طرق التعليم. ولنجا الناس من استظهار تلك الدساتير التي جمد من اقتصر عليها، وسار من تفلت من قيودها سيراً متساوقاً وصل به إلى الغاية، ويشبه كتاب الأموال في تأليفه تأليف يحيى بن آدم في الخراج، ولا يشبه كتاب الخراج لأبي يوسف بأسلوبه، لأن هذا عبارة عن رسالة شرعية سياسية إدارية كتبها إمام عظيم لإمام عظيم في إصلاح مملكته، وأورد له الأحكام للتدليل على ما يقول، ولم يكتبها للتعليم والتفقيه، وفي كتاب الأموال كثير من الفصح والشوارد اللغوية وألفاظ يمكن إحياؤها وهي اليوم منسية أو في حكم المنسي
ويسرني أن ناشر كتاب الأموال الأستاذ محمد حامد الفقي هو من علماء الأزهر، وقد جوّد في التصحيح والتعليق عليه، وإيراد الروايات المختلفة، وطبعه على نسختين مصرية
стр. 9377
وشامية، على ما كان وقف على طبع غيره مثل: (تيسير الوصول إلى جامع الأصول من حديث الرسول) لابن الديبع الشيباني (٩٤٤هـ)، ويلاحظ أنه كان من المفيد للكتاب لو أن ناشره الأستاذ الفقي وضع له فهارس على نحو ما فعل الأستاذ أحمد محمد شاكر لما أعاد نشر كتاب الخراج ليحيى بن آدم القرشي، فانه حلاه بالفهارس على مثال علماء المشرقيات عندما يعانون نشر كتبنا، فيقربون فوائدها بما يؤلفون لها من فهارس بأسماء الرجال والبلدان وغير ذلك، وقد يضعون للكتاب الواحد خمساً أو سبعاً من الفهرستات المختلفة تيسيراً على القارئ، وهذا ما بدأت به دار الكتب المصرية في مطبوعاتها في الأمهات المعتبرة التي تتحف بها العالم العربي الحين بعد الآخر
محمد كرد علي
стр. 9378
العدد ١١٤ - بتاريخ: ٠٩ - ٠٩ - ١٩٣٥
стр. 9379
مصر وعصبة جنيف
تحدث بعض الكتاب لمناسبة الموقف الدقيق الذي تقفه مصر من النزاع الإيطالي الحبشي، عما كانت تجنيه مصر من المزايا لو أنها كانت عضواً في عصبة الأمم، وعما كانت تستطيع أن تؤديه في الظرف الحاضر لصون حقوقها لو أتيح لها أن تبسط وجهة نظرها أمام العصبة؛ وفي رأي هؤلاء أن مصر تخسر كثيراً إذ تحرم في هذه الآونة من رفع صوتها بطريق العصبة، وأن السياسة الإنكليزية هي التي عملت لإسكات صوتها وحالت بينها وبين جنيف.
ولسنا من رأي هؤلاء، ولسنا ممن يحسن الظن بالعصبة ولا ممن يؤمنون بوسائلها ومبادئها وغاياتها؛ ومن رأينا أن مصر لم تخسر شيئاً بابتعادها عن العصبة مهما كانت أسباب هذا الابتعاد.
ويكفي أن نتأمل هذا المنظر الذي تقدمه إلينا عصبة جنيف ونحن نكتبهذه السطور، لنقتنع بأن هذه الهيئة التي تزعم أنها رسول السلام والإخاء والحقوق الإنسانية، إنما هي شبح وستار فقط، تعمل وراءه قوى الاستعمار، فتأتمر وتتجاذب وتمثل مختلف الأدوار التي تمكنها من أعناق الفرائس؛ والفرائس هي الأمم الشرقية التي سلبت أو يراد أن تسلب حرياتها باسم المدنية الأوربية والتهذيب الأوربي.
فإيطاليا والحبشة كلتاهما عضو في عصبة الأمم، وبينهما نزاع أثارته السياسة الإيطالية عن عمد وإصرار سابق، وقد طرح النزاع أمام عصبة جنيف منذ يناير الماضي،، فماذا فعلت العصبة لتطبق نصوص ميثاقها؟ لقد أوصت بالعمل على حسم النزاع بطريق التحكيم، ولكنها ما زالت تصغي إلى وعيد السياسة الإيطالية، وتشهد نياتها وتصريحاتها الواضحة لغزو الحبشة وافتراسها؛ والحبشة تستغيث بالعصبة، والعصبة تسوف وتمد إيطاليا بالوقت اللازم لاستكمال أهبتها، وتفسح كل مجال لما تعرضه دول الاستعمار لاقتسام الحبشة أو فرض نوع من الحماية أو الانتداب عليها كوسيلة لإرضاء إيطاليا وحسم النزاع وتأييد السلام، وإيطاليا خلال ذلك تبرق وترعد وتصرح بأن العصبة إذا حاولت أن تنحرف ضد المطامع الإيطالية أو تنتقص من شرعيتها، فإنها تصفع العصبة وتجري مشيئتها بالعنف والقوة القاهرة
والدول الاستعمارية تحرك اليوم عصبة الأمم، وتوجهها علنا دون خفاء؛ وقد ابتدعت
стр. 9380
العصبة أو حملت أن تبتدع يوم قيامها نظام الانتداب خدعة غادرة تصفد بها عدداً من الأمم والشعوب التي وقعت في يد الحلفاء غداة النصر، والتي ما زالت ترزح تحت هذا الرياء الشفاف.
ولم نشهد عصبة الأمم تنتصر مرة لدولة شرقية أو أُمة مستضعفة مهما كان في جانبها الحق، ولا سيما إذا كانت هنالك مصلحة أو غاية لدولة من دول الاستعمار، سادة العصبة؛ ولم يغب عن الذاكرة بعد موقفها من النزاع بين إنكلترا وتركيا على مسألة كردستان، وموقفها من النزاع بين إنكلترا وإيران على مسألة جزائر البحرين، ثم موقفها من مسالة منشوريا وعجزها المطبق عن أن تعمل شيئاً لرد الاعتداء الياباني على الصين؛ بل لم يغب عن الذاكرة بعد موقفها من العراق يوم التحقت بها ويوم اشترطت عليها أفدح الشروط ثمناً لهذا الالتحاق
ولماذا نذهب بعيداً ونقلب صحف العصبة ونحن نشهد موقفها اليوم إزاء النزاع بين إيطاليا والحبشة؟ إن صفة الاعتداء الصارخ هنا تلحق إيطاليا بلا ريب، ومع ذلك فهل استطاعت العصبة أن ترفع صوتها ضد المعتدي؟ وهل استطاعت حتى اليوم أن تفعل شيئاً ولو من الوجهة النظرية لغوث المجني عليه؟ وهو لن تفعل شيئاً بلا ريب حتى يقع المحتوم وتنقض إيطاليا على الفريسة تحاول التهامها، ولن ينفع الفريسة يومئذ إلا ما يتاح لها من وسائلها الخاصة للدفاع عن نفسها.
وبعد، فمن هم السادة في العصبة؟ ومن هم الذين يشرفون على مجلسها ويوجهونه؟ هم أقطاب الاستعمار ومنظموه، وهم المغيرون على حريات الأمم، وهم المستمرئون لاستغلالها وإذلالها واستلاب حقوقها المدنية الأوربية؛ هذه المدنية التي أضحت تلتمس ذريعة للسفك وافتراس الشعوب الآمنة
لقد كان قيام عصبة جنيف مهزلة وخديعة شائنة؛ مهزلة لأنها زعمت في ميثاقها أنها قامت لتحقق ما لم تستطع أن تحققه الأمم والإنسانية جميعاً مدى الأحقاب، أعني منع الحرب وتحقيق العدالة الدولية، وحماية الضعيف من القوى بالوسائل السلمية؛ وخديعة شائنة لأنها تبطن وراء هذه المظاهر الخلابة دستور الاستعمار المنظم والانتهاك المثير لحقوق الأمم باسم الانتداب والمدنية والتهذيب وما إليها.
стр. 9381
فما الذي يمكن أن تجنيه مصر من الانتظام في عصبة جنيف؟ وأي ضير عليها إذ تبقى بعيدة عن هذه الهيئة المريبة العاجزة التي يفتضح أمرها اليوم؟ فعلى أولئك الذين يزعمون الغيرة على حقوق مصر - ومصر تعرفهم حق المعرفة - أن يفروا على أنفسهم أمثال هذه الدعاية التي تنم دائماً عما وراءها.
стр. 9382
عربة اللُّقطَاء
للأستاذ مصطفى صادق الرافعي
جلستُ على ساحل الشاطئ (في إسكندرية) أتأملُ البحر، وقد ارتفع الضُّحى، ولكن النهار لدن ناعم رطيبٌ كأن الفجر ممتد فيه إلى الظهر
وجاءت عربة اللُّقَطاء فأشرفت على الساحل، وكأنها في منظرها غمامةٌ تتحرك إذ تعلوها ظُلةٌ كبيرة في لون الغيم. وهي كعربات النقل غير أنها مُسورة بألواحٍ من الخشب كجوانب النعش تُمسك من فيها من الصغار أن يتدحرجوا منها إذ هي تدرُجُ وتتقلقل
ووقفت في الشارع لتُنزل ركبها إلى شاطئ البحر؛ أولئك ثلاثون صغيراً من كل سفيح ولقيط ومنبوذ، وقد انكمشوا وتضاغطوا إذ لا يمكن أن تُمط العربة فتسعهم، ولكن يمكن أن يُكبسوا ويتداخلوا حتى يشغل الثلاثةُ أو الأربعةُ منهم حيز اثنين. ومن منهم إذا تألم سيذهب فيشكو لأبيه. . .؟
وترى هؤلاء المساكين خليطاً مُلتبساً يشعرك اجتماعهم أنهم صيدٌ في شبكة لا أطفال في عربة، ويدلك منظرهم البائسُ الذليلُ أنهم ليسوا أولاد أمهات وآباء، ولكنهم كانوا وساوس آباء وأمهات. . . .
هذه العربةُ يجرها جوادان: أحدهما أدهمُ والآخر كُميْت. فلما وقفت لوى الأدهم عُنقه والتفت ينظر؛ أيُفرغون العربة أم يزيدون عليها. .؟ أما الكُمَيْتُ فحرك رأسه وعلك لجامه كأنه يقول لصاحبه: إن الفكر في تخفيف العبء الذي تحمله يجعله أثقل عليك مما هو إذ يضيف إليه الهم والهم أثقل ما حملت نفس؛ فما دمت في العمل فلا تتوهمن الراحة فان يوهن القوة، ويخذُلُ النشاط، ويجلبُ السأم، وإنما روحُ العمل الصبر، وإنما روح الصبر العزم.
ورآهم الأدهم ينزلون اللقطاء، فاستخفه الطرب، وحرك رأسه كأنما يسخر بالكميت وفلسفته، وكأنما يقول له: إنما هو النزوعُ إلى الحرية، فان لم تكن لك في ذاتها فلتكن لك في ذانك. وإذا تعذرت اللذة عليك فاحتفظ بخيالها فانه وُصلتك بها إلى أن تمكن وتتسهل؛ ولا تجعلن كل طباعك طباعاً عاملة كادحةً وإلا فأنت أداة ليس فيها إلا الحياةُ كما تريدك؛ وليكن لك طبعٌ شاعر مع هذه الطباع العاملة فتكون لك الحياة كما تريدك وكما تريدها
стр. 9383
إن الدنيا شيء واحد في الواقع، ولكن هذا الشيء الواحد هو في كل خيال جنيا وحدها
وفي العربة امرأتان تقومان على اللقطاء؛ وكلتاهما تزويرٌ للأم على هؤلاء الأطفال المساكين؛ فلما سكنت العربة انحدرت منهما واحدة وقامت الأخرى تُناولها الصغار قائلةً: واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة. . . إلى أن تم العدد وخلا قفصُ الدجاج من الدجاج. .!
ومشى الأطفالُ بوجوه يتيمة، يقرأ من يقرأ فيها أنها مستسلمةٌ، مستكينة، معترفة أن لا حق لها في شيء من هذا العالم إلا هذا الإحسان البخس القليل
جاءوا بهم لينظروا الطبيعة والبحر والشمس، فغفل الصغار عن كل ذلك وصرفوا أعينهم إلى الأطفال الذين لهم آباء وأمهات. . .
واكَبِدي أضنى الأسى كبدي، فقد ضاق صدري بعد انفساحه، ونالني وجع الفكر في هؤلاء التعساء، وعرتني منهم علة كدس الحمى في الدم. وانقلبت إلى مثواي، والعربة وأهلها ومكانها وزمانها في رأسي
فلما طاف بي النوم طاف كل ذلك بي، فرأيتني في موضعي ذاك وأبصرت العربة قد وقفت، وتحاور الأدهمُ والكميت. فلما أفرغوها وشعر الجوادان بخفتها التفتا معاً ثم جمعا رأسيهما يتحدثان!
قال الكُميت: كنتُ قبل هذا أجرُّ عربة الكلاب التي يقتلها الشرطة بالسم، فآخذ الموت لهذه الكلاب المسكينة. ثم أرجع بها موْتى؛ وكنتُ أذهب وأجئ في كل مرادٍ ومضطرب من شوارع المدينة وأزقتها وسككها ولا أشعر بغير الثقل الذي أجره؛ فلما ابتليت بعربة هؤلاء الصغار الذين يسمونهم اللقطاء، أحسست ثقلاً آخر وقع نفسي وما أدري ما هو، ولكن يخيل إلي أن ظل كل طفل منهم يُثقل وحده العربة
قال الأدهم: وأنا فقد كنت أجر عربة القمامة والأقذار، وما كان أقذرها وأنتنها، ولكنها على نفسي كانت أطهر من هؤلاء وأنظف، كنتُ أجدُ ريحها الخبيثة ما دمتُ أجرها؛ فإذا أنا تركتُ العربة استروحتُ النسيم واستطعمت الجو، أما الآن فالريحُ الخبيثةُ في الزمن نفسه كأن هذا الزمن قد أروح وأنتن منذُ قرنت بهؤلاء وعربتهم
قال الكميت: إن ابن الحيوان يستقبلُ الوجود بأمه إذ يكون وراءها كالقطعة المتممة لها، ولا تقبل أمُّه إلا هذا ولا يصرفها عنه صارف، فترغمُ الوجود على أن يتقبل ابنها وعلى أن
стр. 9384
يعطيه قوانينه. أما هؤلاء الأطفالُ فقد طردهم الوجود منه كما يطرد الله آباءهم وأمهاتهم من رحمته. وقد هُديتُ الآن إلى أن هذا هو سر ما نشعر به؛ فلسنا نجر للناس ولكن للشياطين. .
وهنا وقف على حوذي العربة صديقٌ من أصدقائه فقال: من هؤلاء يا أبا علي؟
قال الحوذي: هؤلاء هؤلاء يا أبا هاشم
قال أبو هاشم: سبحان الله، أما تترك طبعك في النكتة يا شيخ؟
قال الحوذي: وهل أعرفهم أنا؟ هم بضاعة العربة والسلام. اركبوا يا أولاد، انزلوا يا أولاد , هذا كل ما أسمع
قال أبو هاشم: ولكن ما بالك ساخطاً عليهم، كأنهم أولاد أعدائك؟
قال الحوذي: ليت شعري من يدري أي رجل سيخرج من هذا الطفل، وأية امرأة ستكون من هذه الطفلة؟
انظر كيف تعلقت هذه البنتُ وعمرها سنتان، في عُنق هذا الولد الذي كان من سنتين ابن سنتين. . . . لا أراني أحمل في عربتي أطفالاً كالأطفال الذين تحملهم العربات إلى أبواب دوُرهم فان هؤلاء اللقطاء يُحملون إلى باب الملجأ، وهو بابٌ للحارات والسكك لا يأخذُ إلا منها، فلا يرسل إلا إليها
أنا والله يا أبا هاشم ضيقُ الصدر، كاسفُ البال من هذه المهنة، ويخيل إلي أني لا أحمل في عربتي إلا الجنون والفجور والسرقة والقتل والدعارة والسكر وعواصف وزوابع. . . .
قال أبو هاشم: ولكن هؤلاء الأطفال مساكين، ولا ذنب لهم
قال الحوذي: نعم لا ذنب لهم، غير أنهم في أنفسهم ذنوب. إن كل واحد من هؤلاء إن هو إلا جريمة تُثبت امتداد الإثم والشر في الدنيا. ولدتهم أمهاتهم لِغَيَّة
فقطع صاحبه عليه وقال: وهل ولدْنهُم إلا كما تلد سائر الأمهات أولادهن؟
قال: نعم إنه عمل واحد، غير أن أحواله في الجهتين مختلفة لا تتكافأ، وهل تستوي حالُ من يشتري المتاع، ومن يسرق المتاع؟
ههنا باعثٌ من الشهوة قد عجز أن يسمو سموه - وما سموه إلا الزواج - فتسفل وانحط، ورجع فسقاً، وعاد أوله على آخره. كان أوله حزماً فلا يزال إلى آخره حزماً، ولا يزال أبداً
стр. 9385
يعود أوله على آخره. فلما حملت المرأة وفاءت إلى أمرها، وذهب عنها جنونُ الرجل والرجلُ معاً؛ انطوت للرجال على الثأر والحقد والضغينة؛ فلا يكون ابنُ العار إلا ابن هذه الشرور أيضاً
والأمهاتُ يُعددن لأجنتهن الثياب والأكسية قبل أن يولدوا، ويهيئن لهم بالفكر آمالاً وأحلاماً في الحياة، فيكسبهم في بطونهن شعور الفرح والابتهاج وارتقب الحياة الهنيئة والرغبة في السمو بها؛ ولكن أمهات هؤلاء يعددن لهم الشوارع والأزقة منذ البدء، ولا تترقب إحداهن طول أشهر حملها أن يجيئها الوليد بل أن يتركها حياً أو مقتولاً؛ فيورثهم بذلك وهم أجنة شعور اللهفة والحسرة والبغض والمقت، ويطبعنهم على فكرة الخطيئة والرغبة في القتل، فلا يكون ابن العار إلا ابن هذه الرذائل أيضاً
وتظل الفاسقة مدة حملها تسعة أشهر في إحساس خائف، مترقب، منفرد بنفسه، منعزل عن الإنسانية، ناقم، متبرم، متستر، منافق. فلو كان السَّفيحُ من أبوين كريمين لجاء ثعباناً آدمياً فيه سمه من هذا الإحساس العنيف. ومتى ألقت الفاسقة ذا بطنها قطعته لتوه من روابط أهله وزمنه وتاريخه ورمت به ليموت؛ فان هلك فقد هلك، وإن عاش لمثل هذه الحياة فهو موت آخر شرٌ من ذاك؛ ومهما يتولهُ الناسُ والمحسنونُ، فلا يزال أوله يعود على آخره مما في دمه وطباعه الموروثة، ولا يبرحُ جريمةً ممتدةً متطاولة، ولا ينفكُّ قصةً فيها زانٍ وزانيةٌ، وفيها خطيئة ولعنة
فهؤلاء كما رأيت أولادُ الجرأة على الله، والتعدي على الناس والاستخفاف بالشرائع، والاستهزاء بالفضائل؛ وهم البغضُ الخارج من الحب، والوقاحةُ الآتيةُ من الخجل، والاستهتارُ المنبعث من الندامة؛ وكل منهم مسألة شر تطلب جلها أو تعقيدها من الدنيا، وفيهم دماءٌ فوارة تجمع سمومها شيئاً فشيئاً كلما كبروا سنة فسنة
قال أبو هاشم: ألا لعنة الله على ذلك الرجل الفاسق الذي اغترًّ تلك المرأة فاستزلها وهوَّرها في هذه المَهواة. أكان حقُّ الشهوة عليه أعظم من حق هذا الآدمي. أما كان ينبغي أن يكون هذا الآخرُ هو الأول في الاعتبار، فيعلم أن هذا اللقيط المسكين هو سبيله إلى صاحبه، وهو البلاغُ إلى ما يحاوله منها، فيكون كأنما دخل بين الاثنين ثالث يراهما. . . فلعلهما يستحيان
قال الحوذي الفيلسوف: لعنة الله على ذلك الرجل، ولعناتُ الله كلها، ولعناتُ الملائكة
следующие страницы →