Полный текст (65 431 стр.). Показаны 9381–9420 · переход к 9386.
стр. 9381
فما الذي يمكن أن تجنيه مصر من الانتظام في عصبة جنيف؟ وأي ضير عليها إذ تبقى بعيدة عن هذه الهيئة المريبة العاجزة التي يفتضح أمرها اليوم؟ فعلى أولئك الذين يزعمون الغيرة على حقوق مصر - ومصر تعرفهم حق المعرفة - أن يفروا على أنفسهم أمثال هذه الدعاية التي تنم دائماً عما وراءها.
стр. 9382
عربة اللُّقطَاء
للأستاذ مصطفى صادق الرافعي
جلستُ على ساحل الشاطئ (في إسكندرية) أتأملُ البحر، وقد ارتفع الضُّحى، ولكن النهار لدن ناعم رطيبٌ كأن الفجر ممتد فيه إلى الظهر
وجاءت عربة اللُّقَطاء فأشرفت على الساحل، وكأنها في منظرها غمامةٌ تتحرك إذ تعلوها ظُلةٌ كبيرة في لون الغيم. وهي كعربات النقل غير أنها مُسورة بألواحٍ من الخشب كجوانب النعش تُمسك من فيها من الصغار أن يتدحرجوا منها إذ هي تدرُجُ وتتقلقل
ووقفت في الشارع لتُنزل ركبها إلى شاطئ البحر؛ أولئك ثلاثون صغيراً من كل سفيح ولقيط ومنبوذ، وقد انكمشوا وتضاغطوا إذ لا يمكن أن تُمط العربة فتسعهم، ولكن يمكن أن يُكبسوا ويتداخلوا حتى يشغل الثلاثةُ أو الأربعةُ منهم حيز اثنين. ومن منهم إذا تألم سيذهب فيشكو لأبيه. . .؟
وترى هؤلاء المساكين خليطاً مُلتبساً يشعرك اجتماعهم أنهم صيدٌ في شبكة لا أطفال في عربة، ويدلك منظرهم البائسُ الذليلُ أنهم ليسوا أولاد أمهات وآباء، ولكنهم كانوا وساوس آباء وأمهات. . . .
هذه العربةُ يجرها جوادان: أحدهما أدهمُ والآخر كُميْت. فلما وقفت لوى الأدهم عُنقه والتفت ينظر؛ أيُفرغون العربة أم يزيدون عليها. .؟ أما الكُمَيْتُ فحرك رأسه وعلك لجامه كأنه يقول لصاحبه: إن الفكر في تخفيف العبء الذي تحمله يجعله أثقل عليك مما هو إذ يضيف إليه الهم والهم أثقل ما حملت نفس؛ فما دمت في العمل فلا تتوهمن الراحة فان يوهن القوة، ويخذُلُ النشاط، ويجلبُ السأم، وإنما روحُ العمل الصبر، وإنما روح الصبر العزم.
ورآهم الأدهم ينزلون اللقطاء، فاستخفه الطرب، وحرك رأسه كأنما يسخر بالكميت وفلسفته، وكأنما يقول له: إنما هو النزوعُ إلى الحرية، فان لم تكن لك في ذاتها فلتكن لك في ذانك. وإذا تعذرت اللذة عليك فاحتفظ بخيالها فانه وُصلتك بها إلى أن تمكن وتتسهل؛ ولا تجعلن كل طباعك طباعاً عاملة كادحةً وإلا فأنت أداة ليس فيها إلا الحياةُ كما تريدك؛ وليكن لك طبعٌ شاعر مع هذه الطباع العاملة فتكون لك الحياة كما تريدك وكما تريدها
стр. 9383
إن الدنيا شيء واحد في الواقع، ولكن هذا الشيء الواحد هو في كل خيال جنيا وحدها
وفي العربة امرأتان تقومان على اللقطاء؛ وكلتاهما تزويرٌ للأم على هؤلاء الأطفال المساكين؛ فلما سكنت العربة انحدرت منهما واحدة وقامت الأخرى تُناولها الصغار قائلةً: واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة. . . إلى أن تم العدد وخلا قفصُ الدجاج من الدجاج. .!
ومشى الأطفالُ بوجوه يتيمة، يقرأ من يقرأ فيها أنها مستسلمةٌ، مستكينة، معترفة أن لا حق لها في شيء من هذا العالم إلا هذا الإحسان البخس القليل
جاءوا بهم لينظروا الطبيعة والبحر والشمس، فغفل الصغار عن كل ذلك وصرفوا أعينهم إلى الأطفال الذين لهم آباء وأمهات. . .
واكَبِدي أضنى الأسى كبدي، فقد ضاق صدري بعد انفساحه، ونالني وجع الفكر في هؤلاء التعساء، وعرتني منهم علة كدس الحمى في الدم. وانقلبت إلى مثواي، والعربة وأهلها ومكانها وزمانها في رأسي
فلما طاف بي النوم طاف كل ذلك بي، فرأيتني في موضعي ذاك وأبصرت العربة قد وقفت، وتحاور الأدهمُ والكميت. فلما أفرغوها وشعر الجوادان بخفتها التفتا معاً ثم جمعا رأسيهما يتحدثان!
قال الكُميت: كنتُ قبل هذا أجرُّ عربة الكلاب التي يقتلها الشرطة بالسم، فآخذ الموت لهذه الكلاب المسكينة. ثم أرجع بها موْتى؛ وكنتُ أذهب وأجئ في كل مرادٍ ومضطرب من شوارع المدينة وأزقتها وسككها ولا أشعر بغير الثقل الذي أجره؛ فلما ابتليت بعربة هؤلاء الصغار الذين يسمونهم اللقطاء، أحسست ثقلاً آخر وقع نفسي وما أدري ما هو، ولكن يخيل إلي أن ظل كل طفل منهم يُثقل وحده العربة
قال الأدهم: وأنا فقد كنت أجر عربة القمامة والأقذار، وما كان أقذرها وأنتنها، ولكنها على نفسي كانت أطهر من هؤلاء وأنظف، كنتُ أجدُ ريحها الخبيثة ما دمتُ أجرها؛ فإذا أنا تركتُ العربة استروحتُ النسيم واستطعمت الجو، أما الآن فالريحُ الخبيثةُ في الزمن نفسه كأن هذا الزمن قد أروح وأنتن منذُ قرنت بهؤلاء وعربتهم
قال الكميت: إن ابن الحيوان يستقبلُ الوجود بأمه إذ يكون وراءها كالقطعة المتممة لها، ولا تقبل أمُّه إلا هذا ولا يصرفها عنه صارف، فترغمُ الوجود على أن يتقبل ابنها وعلى أن
стр. 9384
يعطيه قوانينه. أما هؤلاء الأطفالُ فقد طردهم الوجود منه كما يطرد الله آباءهم وأمهاتهم من رحمته. وقد هُديتُ الآن إلى أن هذا هو سر ما نشعر به؛ فلسنا نجر للناس ولكن للشياطين. .
وهنا وقف على حوذي العربة صديقٌ من أصدقائه فقال: من هؤلاء يا أبا علي؟
قال الحوذي: هؤلاء هؤلاء يا أبا هاشم
قال أبو هاشم: سبحان الله، أما تترك طبعك في النكتة يا شيخ؟
قال الحوذي: وهل أعرفهم أنا؟ هم بضاعة العربة والسلام. اركبوا يا أولاد، انزلوا يا أولاد , هذا كل ما أسمع
قال أبو هاشم: ولكن ما بالك ساخطاً عليهم، كأنهم أولاد أعدائك؟
قال الحوذي: ليت شعري من يدري أي رجل سيخرج من هذا الطفل، وأية امرأة ستكون من هذه الطفلة؟
انظر كيف تعلقت هذه البنتُ وعمرها سنتان، في عُنق هذا الولد الذي كان من سنتين ابن سنتين. . . . لا أراني أحمل في عربتي أطفالاً كالأطفال الذين تحملهم العربات إلى أبواب دوُرهم فان هؤلاء اللقطاء يُحملون إلى باب الملجأ، وهو بابٌ للحارات والسكك لا يأخذُ إلا منها، فلا يرسل إلا إليها
أنا والله يا أبا هاشم ضيقُ الصدر، كاسفُ البال من هذه المهنة، ويخيل إلي أني لا أحمل في عربتي إلا الجنون والفجور والسرقة والقتل والدعارة والسكر وعواصف وزوابع. . . .
قال أبو هاشم: ولكن هؤلاء الأطفال مساكين، ولا ذنب لهم
قال الحوذي: نعم لا ذنب لهم، غير أنهم في أنفسهم ذنوب. إن كل واحد من هؤلاء إن هو إلا جريمة تُثبت امتداد الإثم والشر في الدنيا. ولدتهم أمهاتهم لِغَيَّة
فقطع صاحبه عليه وقال: وهل ولدْنهُم إلا كما تلد سائر الأمهات أولادهن؟
قال: نعم إنه عمل واحد، غير أن أحواله في الجهتين مختلفة لا تتكافأ، وهل تستوي حالُ من يشتري المتاع، ومن يسرق المتاع؟
ههنا باعثٌ من الشهوة قد عجز أن يسمو سموه - وما سموه إلا الزواج - فتسفل وانحط، ورجع فسقاً، وعاد أوله على آخره. كان أوله حزماً فلا يزال إلى آخره حزماً، ولا يزال أبداً
стр. 9385
يعود أوله على آخره. فلما حملت المرأة وفاءت إلى أمرها، وذهب عنها جنونُ الرجل والرجلُ معاً؛ انطوت للرجال على الثأر والحقد والضغينة؛ فلا يكون ابنُ العار إلا ابن هذه الشرور أيضاً
والأمهاتُ يُعددن لأجنتهن الثياب والأكسية قبل أن يولدوا، ويهيئن لهم بالفكر آمالاً وأحلاماً في الحياة، فيكسبهم في بطونهن شعور الفرح والابتهاج وارتقب الحياة الهنيئة والرغبة في السمو بها؛ ولكن أمهات هؤلاء يعددن لهم الشوارع والأزقة منذ البدء، ولا تترقب إحداهن طول أشهر حملها أن يجيئها الوليد بل أن يتركها حياً أو مقتولاً؛ فيورثهم بذلك وهم أجنة شعور اللهفة والحسرة والبغض والمقت، ويطبعنهم على فكرة الخطيئة والرغبة في القتل، فلا يكون ابن العار إلا ابن هذه الرذائل أيضاً
وتظل الفاسقة مدة حملها تسعة أشهر في إحساس خائف، مترقب، منفرد بنفسه، منعزل عن الإنسانية، ناقم، متبرم، متستر، منافق. فلو كان السَّفيحُ من أبوين كريمين لجاء ثعباناً آدمياً فيه سمه من هذا الإحساس العنيف. ومتى ألقت الفاسقة ذا بطنها قطعته لتوه من روابط أهله وزمنه وتاريخه ورمت به ليموت؛ فان هلك فقد هلك، وإن عاش لمثل هذه الحياة فهو موت آخر شرٌ من ذاك؛ ومهما يتولهُ الناسُ والمحسنونُ، فلا يزال أوله يعود على آخره مما في دمه وطباعه الموروثة، ولا يبرحُ جريمةً ممتدةً متطاولة، ولا ينفكُّ قصةً فيها زانٍ وزانيةٌ، وفيها خطيئة ولعنة
فهؤلاء كما رأيت أولادُ الجرأة على الله، والتعدي على الناس والاستخفاف بالشرائع، والاستهزاء بالفضائل؛ وهم البغضُ الخارج من الحب، والوقاحةُ الآتيةُ من الخجل، والاستهتارُ المنبعث من الندامة؛ وكل منهم مسألة شر تطلب جلها أو تعقيدها من الدنيا، وفيهم دماءٌ فوارة تجمع سمومها شيئاً فشيئاً كلما كبروا سنة فسنة
قال أبو هاشم: ألا لعنة الله على ذلك الرجل الفاسق الذي اغترًّ تلك المرأة فاستزلها وهوَّرها في هذه المَهواة. أكان حقُّ الشهوة عليه أعظم من حق هذا الآدمي. أما كان ينبغي أن يكون هذا الآخرُ هو الأول في الاعتبار، فيعلم أن هذا اللقيط المسكين هو سبيله إلى صاحبه، وهو البلاغُ إلى ما يحاوله منها، فيكون كأنما دخل بين الاثنين ثالث يراهما. . . فلعلهما يستحيان
قال الحوذي الفيلسوف: لعنة الله على ذلك الرجل، ولعناتُ الله كلها، ولعناتُ الملائكة
стр. 9386
والناس أجمعين على تلك المرأة التي انقادت له واغترت به. إن الرجل ليس شيئاً في هذه الجريمة فقد كانت بصقةٌ واحدةُ تغرفهُ، وكانت صفعةٌ واحدة تهزمه، وكان مع المرأة الحومةُ والشرائعُ والفضائلُ ومعها جهنم أيضاً
ألم تعلم الحمقاء أن الرجل الذي ليس زوجاً لها ليس رجلاً معها، وأن الشريعة لو أيقنت أنه رجل لما حرمت عليها أن تخالطه؟ إنه ليس الرجل هو الذي ساور هذه المرأة، بل هي مادة الحياة التي رأت في المرأة مُستودعها فتريد أن تقتحم إلى مقرها عنوة أو خداعاً أو رضى أو كما يتفق؛ إذ كان قانون هذه المادة أن توجد، ولا شيء إلا أن توجد؛ فلا تعرف خيراً ولا شراً ولا فضيلة ولا رذيلة
لأيهما يجب التحصين. أللصاعقة المنقضة، أم للمكان الذي يُخشى أن تنقض عليه؟ لقد أجابت الشريعة الإسلامية: حصنوا المكان؛ ولكن المدنية أجابت: حصنوا الصاعقة. . .!
وكانت المرأتان المصاحبتان لجماعة اللقطاء تتناجيان، فقالت الكبرى منهما:
يا حسرتا علي هؤلاء المساكين. إن حياة الأطفال فيما فوق مادة الحياة، أي في سرورهم وأفراحهم، وحياة هؤلاء البائسين فيما هو دون مادة الحياة، أي في وجودهم فقط
وكبرُ الأطفال منه إدخالهم في نظام الدنيا، وكبرُ هؤلاء إخراجهم من (الملجأ) وهو كل النظام في دنياهم، ليس بعده إلا التشريدُ والفقر وابتداء القصة المحزنة
فقالت الصغرى: ولم لا يفرحون كأولاد الناس. أليس الطبيعةُ لهم جميعاً، وهل تجمعُ الشمس أشعتها عن هؤلاء لتضاعفها لأولئك؟
قالت الأخرى: الطبيعة؟ تقولين الطبيعة؟ إنك يا ابنتي عذراء لم تبدأ في حياتك حياةٌ بعد، ولم تجاوبي بقلبك القلب الصغير الذي كان تحت قلبك تسعة أشهر. وإنما أنت مع هؤلاء (موظفة) لا تعرفين منهم إلا جانب النظام وقانون الملجأ
لقد ولدت يا ابنتي خمسة أطفال، وبالعين البليغة التي أنظر بها إليهم، أنظر إلى هؤلاء فما أراهم إلا منقطعين من صلة القلب الإنساني؛ يعبسُ لهم حتى الجو، ويُظلم عليهم حتى النور؛ ويبدو الطفل منهم على صغره كأنه يحملُ الغم المقبل عليه طول عمره
يا لهْفي على عودٍ أخضر ناعمٍ ريان كان للثمر فقيل له: كن للحطب
الفرحُ يا ابنتي هو شعورُ الحي بأنه حيٌ كما يهوى، ورؤيته نفسه على ما يشاء في الحياة
стр. 9387
الخاصة به. وهؤلاء اللقطاءُ في حياةٍ عامة قد نُزعت منها الأمُّ والأب والدار فليس لهم ماضٍ كالأطفال وكأنهم يبدأون من أنفسهم لا من الآباء والأمهات
قالت الصغيرة: ولكنهم أطفال
قالت تلك: نعم يا ابنتي هم أطفال، غير أنهم طردوا من حقوق الطفولة كما طردوا من حقوق الأهل. وحسبك بشقاء الطفل الذي لم يعرف من جنان أمه أنها لم تقتله، ولا من شفقتها إلا أنها طرحته في الطريق
إن الطبيعة كلها عاجزة أن تعطي أحدهم مكاناً كالموضع الذي كان يتبوأه بين أمه وأبيه
ليس الأطفالُ يا ابنتي إلا صوراً مبهمة صغيرة من كل جمال العالم، تفسرها أعينُ ذويهم بكل التفاسير القلبية الجميلة؛ فأين أين العيون التي فيها تفسير هذه الصور اللقيطة؟
ألا لعنةُ الله والملائكة والناس أجمعين على أولئك الرجال الأنذال الطَّغاة الذين أولدوا النساء هؤلاء المنبوذين. يزعمون لأنفسهم الرجولة فهذه هي رجولتهم بين أيدينا، هذه هي شهامتهم، هذه هي عقولهم، هذه هي آدابُهم. . عجباً إن سيئات اللصوص والقتلة كلها يُنسى ويتلاشى، ولكن سيئات العشاق والمحبين تعيش وتكبر. . .
أكان ذنبُ المرأة أنها صادقةٌ فصدقت، وأنها مخلصةٌ فأخلصت، وأنها رقيقةٌ فلانت، وأنها محسنة فرحمت، وأنها سليمة القلب فانخدعت؟
واكبدي للمسكينة هل انخدعت إلا من ناحية الأمومة التي خلقت لها. هل انخدعت إلا الأم التي فيها، وهل خدعتها من ذلك اللئيم إلا الأبُ الذي فيه؟
واكبدي لمن تُفجع بالنكبة الواحدة ثلاث فجائع: في كرامتها التي ابتُذلت، وفي الحبيب الذي تبرأ منها، وفي طفلها الذي قطعته بيدها وتركته لما كتب عليه
إن هذا لا يعوضه في الطبيعة - إلا أن يكون لكل رجل من أولئك الأنذال ثلاثُ أرواح، فيُقتل ثلاث مرات، واحدة بالشنق، والثانية بالحرق، والثالثة بالرجم بالحجارة
وكان اللقطاءُ قد تبعثروا على الساحل جماعاتٍ وشتى، فوقف أحدهم على طفل صغير يلعب بما بين يديه، وأُمه على كثب منه، وهي تتلهى بالمخرم تتلوى فيه أصابعُها
فنظر الطفل إلى اللقيط وأومأ إلى جماعته ثم قال: أأنتم جميعاً أولاد هاتين المرأتين أم إحداهما؟
стр. 9388
قال اللقيط: هما المراقبتان، وأنت أفليست هذه التي معك مراقبة؟
قال الطفل: ما معنى مراقبة؟ هذه ماما؟
قال الآخر: فما معنى ماما؟ هذه مراقبة
قال الطفل: وكلكم أهل دار واحدة؟
قال: نحن في الملجأ، ومتى كبرنا أخذونا إلى دُورنا
فقال الطفل: وهل تبكي في الملجأ إذا أردت شيئاً ليعطوك؛ ثم تغضب إذا أعطوك ليزيدوك، وهل يُسكتونك بالقرش والحلوى والقُبلة على هذا الخد وعلى هذا الخد؟ إن كان هذا فأنا أذهب معكم إلى الملجأ، فان أبي قد ضربني اليوم، وقد أمر (ماما) أن لا تعطيني شيئاً إذا بكيت، ولا تزيدني إذا غضبت، ولا. . . . . . . . . . . . . . .
وهنا صاحت المراقبة الصغيرة: تعال يا رقم عشرة. . . .
فلوى اللقيط المسكينُ وجهه، وانصاع وأدبر
) ومشى الأطفال بوجوه يتيمة، يقرأ من يقرأ فيها أنها مستسلمة، مستكينة، معترفة أن لا حق لها في شيء من هذا العالم إلا الإحسان البخس القليل). . . .
(إسكندرية)
مصطفى صادق الرافعي
стр. 9389
أقطاب الرواية المصرية
أبو عبد الله القضاعي
فقيه ومؤرخ وسياسي
للأستاذ محمد عبد الله عنان
عنيت منذ أعوام بدراسة طائفة من أقطاب الرواية التاريخية عن مصر الإسلامية ودرس آثارهم، ما دثر منها وما تبقى؛ وكتبت بالفعل عدة فصول عن ابن عبد الحكم والكندي وابن زولاق استقصيت فيها حياتهم وآثارهم؛ ثم تناولت بعد ذلك عدة أخرى من مؤرخي مصر الإسلامية في عصور متأخرة، مثل النويري والمقريزي وابن تغري بردي والسخاوي وابن إياس؛ وقصدي بذلك أن أترجم لمؤرخي مصر الإسلامية كلما سنحت الفرص، وأن أستوعب مصادر التاريخ المصري
والآن نستأنف هذا الدرس، ونخصص هذا الفصل لأستاذ من أساتذة الرواية المصرية، هو أبو عبد الله القضاعي، وهو مؤرخ وفقيه وسياسي معاً، عاش في فترة من أدق الفترات التي جازتها مصر الاسلامية، وشهد الدولة الفاطمية في ذروة القوة والعظمة، ثم شهدها تنحدر سراعاً إلى دور من الانحلال والتفكك يكاد يؤذن بذهابها، وشهد محنة من أشنع المحن التي عانتها مصر الإسلامية، وانتدب أيام المحنة ليكون سفيراً لأمته في طلب العون والغوث؛ وكتب عن مصر الإسلامية وعن حوادث عصره آثاراً هامة، لم تصل للأسف كلها الينا، ولكن ما انتهى إلينا منها على يد المؤرخين المتأخرين يدل على أهميتها وقيمتها
وهو القاضي أبو عبد الله بن سلامة بن جعفر القضاعي الشافعي المصري؛ ولد بمصر في أواخر القرن الرابع الهجري، في عصر الحاكم بأمر الله، ودرس الحديث، والفقه على مذهب الشافعي وبرع فيه، وبرز في التاريخ والأدب؛ وبدأ حياته العامة بتولي القضاء، ولبث يليه حيناً بالنيابة كلما خلا منصب قاضي القضاة بالوفاة أو العزل، ثم تولى التوقيع (أو العلامة) لأبي القاسم الجرجائي المعروف بالقطع وزير الخليفة الظاهر لاعزاز الله ابن الحاكم بأمر الله، ثم وزير ولده المستنصر بالله من بعده. ولما توفي الوزير أبو القاسم (سنة ٤٣٦هـ) تقلب القضاعي في عدة وظائف ومهام رسمية؛ وكان المستنصر بالله يقربه ويثق
стр. 9390
بحكمته وحسن تصريفه للأمور؛ وتجول القضاعي ودرس في بغداد ومكة والشام؛ ووقف على أحوال الدول الإسلامية يومئذ، وجرى السياسة في القصور المختلفة، وتبوأ في البلاط المصري ذروة الثقة والنفوذ. ثم جاء ظرف عهد فيه إلى القضاعي بمهمة سياسية دقيقة. ذلك أن الأزمات والفتن الداخلية التي توالت على مصر في عهد المستنصر بالله لبثت تتفاقم حتى انتهت بوقوع الغلاء والقحط؛ ثم كانت الطامة الكبرى بوقوع الوباء في سنة ٤٤٦ هـ ١٠٥٣م؛ وعانت مصر يومئذ آلاماً ومحناً مروعة. وتعرف هذه النكبة في تاريخ مصر الإسلامية (بالشدة العظمى). وقد بدأت كالعادة بالغلاء وندرة الأقوات، وكان بين مصر والدولة البيزنطية يومئذ علائق حسنة، فأرسل المستنصر بالله في سنة ٤٤٦ هـ إلى إمبراطور قسطنطينية، وهو يومئذ قسطنطين السابع، أن يمد يده بالغلال والمؤن؛ وكانت الدولة البيزنطية تواجه يومئذ خطر السلاجقة الذين أشرفوا على حدودها الشرقية وعاثوا في آسا الصغرى؛ وكانت ترى أن تقوي صداقتها وتحالفها مع مصر التي كانت تخشى غزواتها من الجنوب ومن البحر؛ فاستجاب قسطنطين لدعوة المستنصر، وتم الاتفاق على أن ترسل المؤن من قسطنطينية إلى مصر، وأعدت بالفعل لتلك الغاية مقادير وافرة من الغلال تقدرها الرواية الإسلامية بأربعمائة ألف أردب ولكن قسطنطين السابع توفي قبل تنفيذ الاتفاق، وخلفه على عرش قسطنطينية الإمبراطورة تيودورا، واشترطت لإرسال المؤن إلى مصر شروطاً أباها الستنصر، ومنها أن يمدها بالجند لمحاربة السلاجقة؛ فانقطعت المفاوضات بين الفريقين، وسير المستنصر جيوشه إلى الحدود الشمالية، ونشبت بين الفريقين معارك انتصر فيها المصريون بادئ ذي بدء. ولكن الأسطول البيزنطي غزا مياه الشام، وهزم المصريين في عدة مواقع؛ فكف المستنصر عن متابعة الحرب، وعاد إلى المهادنة والمفاوضة، وأرسل إلى بلاط قسطنطينية سفيراً مختاراً يسعى إلى عقد الصلح وتنظيم العلائق بين الفريقين
وكان ذلك السفير المصري إلى بلاط القياصرة، هو أبو عبد الله القضاعي الذي يحبوه المستنصر بثقته وتقديره. فقصد القضاعي إلى بيزنطية عن طريق الشام؛ وتضع الرواية الإسلامية تاريخ هذه السفارة الشهيرة في سنة (٤٤٦ هـ ١٠٥٥م) ويقع هذا التاريخ في عصر الإمبراطورة تيودورا التي جلست على العرش سنة ١٥٤٥م وتوفيت في أغسطس
стр. 9391
سنة ١٠٧٥م؛ وعلى هذا فقد كانت سفارة المستنصر إلى الإمبراطورة تيودورا. وهذا ما يذكره ابن ميسر مؤرخ مصر بوضوح في حوادث سنة ٤٤٧ هـ إذ يقول: (وفيها سير المستنصر، فقبض على جميع ما في كنيسة القمامة؛ وسبب ذلك أن أبا عبد الله القضاعي كان قد توجه من مصر برسالة إلى القسطنطينية، فقدم إليها رسول طغرلبك يلتمس من ملكتها أن يصلي رسوله في جامع قسطنطينية، فأذنت له في ذلك؛ فدخل وصلى بجامعها، وخطب للخليفة القائم؛ فبعث القضاعي بذلك إلى المستنصر فأخذ ما كان بقمامة؛ وكان هذا من الأسباب الموجبة للفساد بين المصريين والروم) بيد أن هنالك من جهة أخرى ما يدل على أن الجالس على عرش قسطنطينية وقت مقدم القضاعي إليها لم يكن الإمبراطورة تيودورا، وأن الذي استقبل السفير المصري هو خلف تيودورا الإمبراطور ميخائيل السادس (ستراتيو تيكوس) الذي تولى عرش قسطنطينية في أغسطس سنة ١٠٥٧م؛ فقد نقل المقريزي في كتابه (المقفى) في ترجمة القضاعي ما يأتي: (وقال أبو بكر محمد بن سامع الصنوبري، سمعت القاضي أبا عبد الله محمد بن سلامة بن جعفر القضاعي يقول: لما دخلت على ملك الروم اليون، رسولاً من قبل المستنصر بالله، وأحضرت المائدة، فلما رفعت جعلت ألتقط الفتات؛ فأمر الفراش أن يحضر أخرى، ففعل؛ فقال لي الملك أصبت منه وإنك لم تشبع، فقلت أنا والله مستكف؛ فقال لي لم أكلت الفتات؟ فقلت: بلغني مرفوعاً إلى النبي ﷺ أنه قال: من التقط ما سقط من المائدة برئ من الحمق والفقر؛ فأمر الخازن في الحال بإحضار ألف دينار وإعطائها؛ فقلت صدق رسول الله ﷺ ، فاستغنيت وبريت من الحمق)؛ وذكر المقريزي في الخطط أيضاً ما يؤيد هذه الرواية. على أننا نستطيع أن نوفق بين الروايتين فنفترض أن القضاعي وصل إلى قسطنطينية في أواخر عهد الإمبراطورة تيودورا؛ واستمر في أداء مهمته بعد وفاتها لدى الإمبراطور ميخائيل السادس؛ ومكث حيناً بقسطنطينية؛ ومما يؤيد طول مكث القضاعي بعاصمة القياصرة أنه عني هنالك بالدرس وجمع المواد التاريخية عن المدينة وخططها. أما مهمة السفير المصري لدى البلاط البيزنطي فلم تحددها الرواية الإسلامية تحديداً واضحاً، ولكنا نستنتج مما قدمنا من الظروف والحوادث أنها كانت تقوم على السعي في إقناع البلاط البيزنطي بالتحالف مع مصر ضد السلاجقة، وإعانة مصر بالأقوات والمؤن، تنفيذاً للعهود
стр. 9392
التي قطعها قسطنطين السابع للمستنصر وتوفي قبل الوفاء بها
ولكن القضاعي أخفق في مهمته. ذلك أن السياسة البيزنطية آثرت جانب السلاجقة، لأنهم كانوا يومئذ أشد خطراً على الدولة الشرقية من مصر، وآثر القيصرأن يتعاقد مع رسول طغرلبك؛ وبعث القضاعي بذلك إلى المستنصر، فرد المستنصر بالقبض على أحبار قمامة ومصادرة نفائسها، واضطربت العلائق بين مصر وبيزنطية كرة أخرى؛ وعاد القضاعي إلى مصر على أثر هذا الفشل، ونستطيع أن نضع تاريخ عودته في سنة ٤٥٠ هـ (١٠٥٨م) أعني بعد أن أنفق أكثر من عامين في رحلته. ثم توفي القضاعي بعد ذلك ببضعة أعوام، في ١٦ ذي القعدة سنة ٤٥٤
كتب القضاعي عدة مصنفات في الفقه والتاريخ منها كتاب (الشهاب) وكتاب (مناقب الإمام الشافعي وأخباره) وكتاب (الأنباء عن الأنبياء وتواريخ الخلفاء) وكتاب (المختار في ذكر الخطط والآثار) وكتاب (عيون المعارف)، وقد دثر معظم هذه الآثار، ولم يصلنا منها سوى كتاب (الشهاب) و (مسند الشهاب) أو (مسند الصحابة) وهما في الحديث، وكلاهما بمكتبة الأسكوريال بمدريد؛ وانتهى إلينا أيضاً، كتاب (عيون المعارف) وهو على ما يصفه مؤلفه في مقدمته (موجز في ذكر الأنبياء وتاريخ الخلفاء وولايات الملوك والخلفاء إلى سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة من الهجرة)، وتوجد من عيون المعارف نسخة مخطوطة بدار الكتب المصرية، ولكنا نرتاب في أنها مختصر لكتاب أكبر ربما كان هو المعروف (بتاريخ القضاعي) وهو الذي يقتبس منه كثير من المؤرخين المتأخرين، والظاهر أيضاً أن (عيون المعارف) و (الأنباء عن الأنبياء وتواريخ الخلفاء) هما اسمان لمؤلف واحد حسبما يبدو من مقدمة (عيون المعارف) المشار أليها
بيد أن أهم آثار القضاعي هو بلا ريب كتابه الشهير في الخطط وهو المسمى: (المختار في ذكر الخطط والآثار)؛ ولم يصلنا هذا الأثر، ولكن انتهت إلينا منه على يد الكتاب والمؤرخين المتأخرين، ولا سيما القلقشندي والمقريزي وابن تغري بردي والسيوطي شذور كثيرة تدل على قيمته وأهميته؛ وقد كان لمؤلف القضاعي في الخطط أهمية خاصة لأنه آخر رواية كتبت عن خطط مصر والقاهرة قبل أن تغير معالمها فترة الشدة والخراب التي نزلت بمصر أيام المستنصر بالله، وقبل أن تبعث بعد ذلك خلقاً جديداً في معظم معالمها
стр. 9393
وصروحها، وهي حقيقة ينوه بها المقريزي في مقدمة (الخطط) إذ يذكر كتاب القضاعي (المختار) ضمن مصادره ثم يقول: (ومات (أي القضاعي) في سنة سبع وخمسين وأربعمائة قبل سني الشدة فدثرا أكثر ما ذكر ولم يبق إلا يلمع وموضع بقلع) والظاهر مما نقل ألينا من كتاب القضاعي أنه أثر ضخم تناول فيه خطط مصر وآثارها وتاريخها منذ الفتح الإسلامي بإفاضة، وأضاف أليه ما انتهت إليه أحوال القاهرة المعزية حتى منتصف القرن الخامس والظاهر أيضاً أن كتاب (المختار) إنما هو المنعوت (بتاريخ القضاعي) لأن ما نقل إلينا منه من الشذوذ يمتاز بإفاضة واضحة، ولا وجود له في الموجز المسمى (عيون المعارف)
وقد كان القضاعي، كما يبدو من آثاره، مؤرخاً دقيقاً ثقة، يزن روايته ويمحصها، وكانت روايته عن مصر الإسلامية، ولاسيما عن حوادث عصره، مستقى خصباً لكثير من المؤرخين المتأخرين؛ وما زالت هذه الرواية ذائعة تتخذ مكانها بين مصادر التاريخ المصري حتى أواخر القرن التاسع حيث نرى السيوطي ينقل في حوادث فتح مصر عن كتاب (الخطط) للقضاعي مكتوباً بخطه، وفي ذلك ما يؤيد أيضاً أن الكتاب المنعوت (بتاريخ القضاعي) إنما هو كتاب يحتجب عنا هذا الأثر الهام بين مصادر التاريخ المصري، ولاسيما بين مصادر العصر الفاطمي الأول، الذي احتجب عنا معظم الآثار الخاصة به، والتي غدت كالحلقة المفقودة في مصادر تاريخ مصر الإسلامية
(النقل ممنوع)
محمد عبد الله عنان
стр. 9394
في اللغة والألفاظ
الدعوة إلى اختصارها لتسهيلها
للأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني
اللغة تتبع الدولة، وتسير في ظلها، ولا سبيل إلى انتشار لغةٍ يُغلب أهلها على أمرهم، وبعيدٌ أن تُصد عن الذيوع لغةٌ يتسع سلطان أبنائها وتنبسط رقعة ملكهم أو نفوذهم، ولا عبرة في هذا الأمر بما في اللغة نفسها من سهولة أو عسر في التحصيل، والمعول على القوة والسلطان، لا على أن اللغة قريبة المنال أو بعيدته، ويسير المطلب أو عميقة المغاص، وقد استطاعت اللغة الإنجليزية أن تنتشر في الأرض وأن تنفذ إلى مجاهلها، وأن تزحزح الفرنسية وتحطمها عن عرشها، لأن سلطان هذه الدولة امتد شرقاً غربياً، وليست الإنجليزية أسهل من الفرنسية أو العربية، ولكن قوة أهلها أكبر، ونشاطهم أعظم؛ وهذه (الاسبرانتو) التي اخترعوها لتكون اللغة المشتركة بين الأمم ماذا كان مآلها؟ يعرفها آحاد راقتهم الفكرة، ولا يعبأ بها أحد فيما عدا هؤلاء النفر القليلين، لأنه ليس وراءها ولا قدامها دولة لها سطوة، وفي الهند لغات لا رجاء لا حداها حتى في أن تصبح لغة الهند كلها ما دامت إنجلترا تحكمها، وفي مصر جالية أجنبية ليس أنشط منها ولا أكثر عدداً، هي الجالية اليونانية، ولكنه يندر أن يعني مصري بتعلم لغتها، على حين نتعلم الإنجليزية في مدارسنا ونعدها لغتنا الثانية
ولا آخر لما يمكن أن نضربه من الأمثال ونسوقه من الشواهد، فحسبنا هذا القدر، فالذين يقولون إن المستر اوجدن قد تخير من اللغة الإنجليزية خمسين وثمانمائة لفظ رآها كافية وافية بحاجات التعبير كلها، وأن مثل هذا الاختصار أو الاختزال ميسور في اللغة العربية، وإنه يعين على نشر اللغة ويفضي إلى ذيوعها، ويتيح لها أن تصبح (عالمية) - أقول إن الذين يذهبون هذا المذهب، ويفكرون على هذا النحو، يغلظون ويقلبون المسألة، وذلك أن هذه الألفاظ الثمانمائة ليست الإنجليزية، ولا فيها لأبنائها وعلمائها وكتابها وساستهاأي كفاية، وإنما هي حسب الأجنبي الذي يريد أن يتصل بأهلها اتصال تجارة أو ما هو من هذا بسبيل، وقد ابتكر المستر اوجدن هذه الوسيلة ليمكن للغته ويزيدها ذيوعاً، لا لينشرها، فقد تكلفت بنشرها الإمبراطورية الطويلة العريضة من قبل أن يخلق المستر اوجدن؛ ولو أنك
стр. 9395
عمدت إلى مثل ذلك في لغة الفرس أو إحدى لغات البلقان الكثيرة، لما أجدى ذلك شيئاً، ولما جاوز بها هذا التسهيل صبغتها المحلية
وشيء آخر يغلط فيه أصحابنا الذين افتتنوا بالتسهيل، ذلك أن السهولة مرجعها إلى العقل، لا إلى الألفاظ، فلو أنك قصرت اللغة على ثمانين لفظاً، لا ثمانمائة، لما أختلف الحال، ولبقيت المسألة حيث كانت، لأن المعول في التعبير على الكاتب؛ وليس على عدد الألفاظ، وما من كاتب أو شاعر في الدنيا يستعمل كل ما في لغته من كلمات، والسهولة مردها إلى أمور لا علاقة لها باللفظ في ذاته ومن حيث هو، منها أن يكون المعنى الذي يلتمس المرء العبارة عنه، واضحاً في الذهن، ومنها أن يحسن الكاتب بعد ذلك انتقاء الألفاظ التي يؤدي بها المعاني، وكثيراً ما يحدث أن يكون المعنى غائماً، أو غامضاً، أو غير واضح على العموم، في ذهن المرء، فيحاول العبارة عنه قبل أن يدركه هو نفسه أو يحيط به، فيجئ الكلام مضطرباً غير مفهوم، لأنه لا سبيل إلى البيان إلا بعد أن يعرف المرء ماذا يريد أن يقول، وقد يكون المرء عارفاً بما في نفسه؛ مدركاً للمعاني الدائرة فيها، ولكنه لا يعرف كيف يعبر عنها ويبرزها في صورة واضحة، فيسئ الأداء؛ وإن كان قد أحسن التفكير، ويقصر في العبارة؛ وإن لم يقصر في فهم ما يرد على خاطره ويتمثل له من الخوالج. وفي وسعي أن أكتب لك سطوراً ليس فيها كلمة واحدة غير مألوفة، أو لا يعرفها العامة والأميون ومع ذلك لا يستطيع أن يفهمها أحد، وفي مقدوري كذلك أن أعبر عن أدق الاحساسات وأعمق المعاني وأعوصها تعبيراً يحمل القارئ على الظن بأن هذه كلها من البدائه، لأن العبرة كما قلت ليست بالألفاظ ولا بكونها غريبة أو مألوفة، وحوشيّة أو مأنوسة، بل بالكاتب نفسه، أي بوضوح المعنى الذي في رأسه أو غموضه، وبقدرته على أدائه أو عجزه عن ذلك. وقد يتفق لك أن تحادث رجلاً عامياً لا يقرأ ولا يكتب، فتسمع منه كلاماً كالتخليط أو الهذيان لا تستطيع أن تتبين منه مراده، فهذا العامي الأمي لم يرجع إلى الغريب من ألفاظ اللغة ولم يستعمل المهجور والدارس منها، وإنما استعمل ألفاظاً يعرفها الأطفال والباعة والجهلة والمتعلمون، ومع ذلك أعياك أن تفهم كلامه. فلو أن الألفاظ هي التي يرجع إليها أمر الغموض أو البيان، والصعوبة أو السهولة، لوجب أن تفهم عنه، ولما كنت معذوراً إذا لم تفهم
стр. 9396
فلا قيمة إذن لعدد الألفاظ التي في اللغة، ولتكن ألفاً لا أكثر، أو مائة ألف، أو أقل من ذلك أو أكثر، فلن يختلف الأمر في الحالتين، والأمر من حيث الأداء في اللغة مثله في التصوير، ذلك أن الألوان التي يستعملها المصور قليلة العدد جداً، وهي أداة المصورين جميعاً كما أن الألفاظ أداة الكتاب. ولسنا نظن أن أحداً سيزعم أن قلة الألوان التي يستخدمها المصور جعلت التصوير أسهل، وما من مصور إلا وهو عارف بالألوان وكيف يستعملها وكيف يزاوج بينها، ومع ذلك يجئ آخر بغير شيء، ولا نحتاج أن نقول إن الألوان لا ذنب لها، وإن المصور نفسه هو الذي يستطيع أن يؤدي بها ما أراد أن يبرزه أو يثبته أو يدل عليه أو يرمز له، وكذلك في الكتابة: لا ذنب للألفاظ، فإنها - وهي مفردة - لا تؤدي شيئاً، ولا فرق بينها، ولا فضل لواحدة على واحدة، وإنما تصير كلاماً بعد أن يحدث فيها الكاتب نظما أي بعد أن يؤلف بينها، كذلك الألوان ليست هي الصورة، وإنما تصبح صورة بعد المزج والمزاوجة والتأليف
وسواء أقلت الألفاظ المستعملة أم كثرت، فسيظل هناك كتاب مشرقون واضحون يسهل ورود كلامهم ويحسن وقعه، وآخرون غامضون أو معوصون، يحطمون رؤوس القراء لأنهم يكتبون قبل أن يتبنوا ما في نفوسهم من الخواطر أو الاحساسات أو لأنهم لم يرزقوا القدرة على ألداء الحسن الواضح، أو لأن في أسلوب تفكيرهم التواء، أو لأن في طريقة تناولهم للموضوع عوجاً، أو لغير ذلك من الأسباب الراجعة - في مرد أمرها - إلى المرء نفسه لا إلى الألفاظ. ولو كان الأمر رهناً باللفظ وحده لهان الخطب، وما على الإنسان حينئذ إلا أن يفتح معجما - إذا اعترضه لفظ غريب
وعلى أن الواقع أن عدد الكلمات التي يستعملها الكتاب، قليل جداً إذا قيس إلى ما في اللغة، وهو لا يزيد على بضع مئات، ومن هذه المئات القليلة يحدث كل كاتب أو شاعر آلافاً من الصور، وبها يؤدي ما لا يستطيعأن يحسبه الحاسب من المعاني والخواطر والاحساسات، كما يستطيع المصور - ببضعة ألوان - أن يرسم مئات من الصور لا تشبه واحدة منها أختها، فلا معنى إذن لهذه الضجة التي يثيرها بعض إخواننا الكتاب حول اللغة ووجوب الاقتصار على المألوف من ألفاظها، وهجر المهجور منها، لأن هذا حاصل من تلقاء نفسه، والكاتب الذي يؤثر الأغراب ويلجأ إلى الميت والدارس من الألفاظ، يجني على نفسه بذلك،
стр. 9397
وكثيراً ما يحدث أن يضطر أمثاله إلى تنكب هذا الطريق الأعوج والرجوع إلى النهج المستقيم
وبعد، فانه لا يصح أن يقال إن لغةمن اللغات عيبها كثرة ألفاظها، فان الألفاظ تنشأ، وتحيا، وتموت، على حسب الحاجة، والناس لا يشتقونها أو ينحتونها، أو يضعونها، أو يستعيرونها من اللغات الأخرى، للترف، بل للضرورة في وقتها، وللألفاظ حياتها كما للناس، وهي - مثلهم - أجيال، حتى معانيها تتطور على الأيام، ويجري عليها من الحظوظ ما يجري على كل كائن حي، وإنما الذي يصح أن يقال، والذي يقبل من قائله، هو أننا نسيء تعليم لغتنا، ونجعلها بسوء طريقتنا في تعليمها وبتقصيرنا في حقها، أعوص مطلباً مما هي في الحقيقة وأشق في التحصيل على أبنائها - فضلا عن الغرباء - من اللغات الأجنبية التي أحسن أهلها القيام على خدمتها وذللوا لطلابها ما فيها من صعوبات لا تخلو منها لغة
وما عدا ذلك خلط لا قيمة له
إبراهيم عبد القادر المازني
стр. 9398
كيف ارتاد الشيخ رشيد مصر
رسالة تاريخية قيمة
من المرحوم السيد رشيد رضا إلى صديقه الأستاذ المغربي
. . . كان السيد رشيد ﵀ أشار في مصنفاته الأخيرة إلى مبلغ الود الذي توثقت بيننا في عهد طلبنا العلم في طرابلس الشام، وقد استمرت هذه المودة زهاء عشرين سنة، حتى سافر إلى مصر، واتصل الأستاذ الإمام، وأنشأ المنار. وكانت هذه الرحلة إلى مصر نتيجة الدراسة العلمية الحرة المشتركة بيننا خلال تلك المدة. ولا أدل على ذلك من هذه الرسالة المرسلة إليكم. وكان السيد رشيد كتبها بعد أن وصل مصر سنة ١٨٩٨م والرسالة المذكورة تدخل في نحو ٢٠٠ رسالة مثلها أرسلها إلى السيد رشيد خلال تسع سنوات (من ١٨٩٨ - ١٩٠٦) حتى جئت مصر وحررت في المؤيد
والرسائل المذكورة محفوظة لدي لا يعوزها إلا حذف بعض (الخصوصيات) فتتمثل كتاباً يحتوي على مذكرات في مواضيع مختلفة هامة، لما فيها من وصف الحالة الاجتماعية والأدبية في مصر خلال تسع سنوات
(المغربي)
الرسالة
أخي وسيدي:
سلام وتحية - وأشواق قلبية
لقد امتلأت المخيلة ولا سعة في الوقت لشرح ما ينبغي شرحه بل ولا لكتابته موجزاً بعبارة بسيطة. ولكن لابد من الأيماء إلى بعض بما يحتمله الوقت من البيان
(١) في بيروت: رغب إلي الوطني الفاضل عبد القادر أفندي القباني أن أحرر جريدة الثمرات، وأعلم في المدرسة التي أنشأها مع الشيخ أحمد عباس فإنها تحتاج لمثلي ولم يجداه
(٢) حدثني المومأ إليه عن السيد محمد بيرم حديثاً طويلا يتضمن حالته في بيروت والآستانة ورجوعه إلى تونس ثم إقامته في مصر: أهمه أنه في بيروت جرى له مع
стр. 9399
قاضيها يومئذ مذاكرة علمية طويلة ما كان أحد غيرهما يفهم ما يقولان. وبعد الانصراف سأل عبد القادر أفندي السيد بيرم عن القاضي فقال إنه أعلم من رأى، ثم سأل القاضي عنه فقال انه زنديق فلم يسلم له باطناً. وأن جريدته (الإعلام) ذكرتهم بكلام القاضي بعد زمان، لأنها كانت خادمة للإنكليز، وأنه رأى عدداً يتكلم فيه على الكمال ويقول فيه إن الكمال موجود عند الإنكليز، فيجب أن نأخذه عنهم بعد ما قدم مقدمه أنه يجب أخذ الكمال حيثما كان
(٣) حدثني أيضاً عن ترجمة فانديك، وأن أطباء الإفرنج لا يعترفون له بأنه طبيب ماهر ولا علماءهم بأنه عالم وإنما كان مترجماً. وحزبه - ومنهم جماعة المقتطف - الذين تحزبوا له يوم أخرجته الجمعية الأمريكانية من المدرسة بناء على أنه ليس لديه من العلم ما يؤهله لها - يسمونه فيلسوفاً
(٤) اجتماعاتي مع الأمير شكيب وحديثه لي عن شؤونه في الآستانة لاسيما مع إبراهيم بك المويلحي وترددهما بين السيد جمال الدين (الأفغاني) وبين أبي الهدى أفندي وقضيت العجب مما ذكر لي من خبث المويلحي
(٥) اجتماعاتي مع وجوه الجبل (لبنان) متصرفه فمن دونه أمور شخصية ليس فيها فائدة تاريخية أو علمية إلا مسألة توليه نسيب بك جنبلاط قائم مقامية صيدا بإرادة سنية وذهابه بأمر الوالي إليها وما كان من الاحتفال الغريب من أهلها به وإرسال الوالي تلغرافا صبيحة ليلة وصوله بطلبه لبيروت وإقامة وكيل لصيدا مكانه بحيث لم ينم في صيدا إلا ليلة واحدة
(٦) بور سعيد والإسكندرية ومرفأ كل منهما ومبانيهما وشوارعهما لا سعة للكلام في ذلك
(٧) مدرسة جمعية العروة الوثقى بالإسكندرية وتعليمها ورئيسها عبد القادر أفندي سري
(٨) اجتمعنا بالسيد عبد الفتاح النديم بداره في الإسكندرية وأهداني نسخة من الجزء الأول من سلافة النديم وأخبرني أن كتب أخيه (عبد الله نديم) لم تول في الآستانة وهي عند الشيخ ظافر، ولم يعطوها له بناء على صدور الأمر بفحصها، وأن كتاب المسامير الذي ألفه بالطعن في أبي الهدى أفندي توجد نسخة منه عند أخ لجورجي كان يتردد بين السيدين الأفغاني والنديم في الآستانة وأخو جورجي الآن في مصر لكنه يطلب في مقابلة الكتاب مئات من الجنيهات
стр. 9400
(٩) مولد السيد البدوي الرجبي في طنطا وما يقام في ذلك المسجد العظيم في أيامه من الأذكار والنوبات واجتماع الألوف من النساء والرجال وطوافهم بقفص قبر السيد كما يطاف بالكعبة، وتقبيلهم وتمسحهم به، بل وتقبيل عتبة باب مقصورته
(١٠) بحيرة الإسكندرية، الملاحة. أراضي مصر وفيها سباخ كثير، أشجارها، النيل، عظمتها لاسيما في كفر الزيات والمنصورة ودمياط، الطرق الحديدية والترام الكهربائي - أمور عمومية
(١١) ذهبت إلى دمياط عن طريق المنصورة ومعنا أبو النهي والشيخ أبو النصر (القاوقجيان) فنمنا بالمنصورة عند صديقنا الشيخ عبد الرزاق أفندي الرافعي القاضي ولم يكن ثمة، لكن تلقانا ولده محمد أفندي بالترحاب وهو لطيف جداً، وسهر عندنا المفتي والنائب وبعض أهل العلم، ولما سمعوا حديث أخيكم أعجبوا به، ودعانا المفتي للغداء في اليوم التالي فسافرنا إلى دمياط ولم نجب دعوته
(١٢) الجمعية الأدبية للخطابة في المنصورة وكلام المقطم فيها
(١٣) اجتماعنا بالعلماء في دمياط وكثرة سؤالهم لي عن المسائل الدينية والصوفية والفلسفية، وبفضل الله لم أتوقف في جواب. وقد تمنى الكثير منهم أن أبقى عندهم وبعضهم أن يكون معي
(١٤) فريد بك (وجدي) ابن وكيل محافظ دمياط بحالة الإسلام والوقت وجهته مثلنا دينية، يطالع الأحياء، وله اعتناء بالفلسفة، ألف كتاباً صغيراً سماه الفلسفة الحقة أهداني نسخة منه، وهو الآن يستعد لتأليف كتاب بالفرنسيةفي الديانة الإسلامية ويعرضه في معرض باريز الآتي، وهو منفرد بهذه الأفكار في دمياط، لأن دمياط بلدة إسلامية لا مداخلة للنصارى والإفرنج فيها، ومن ثم هي ضعيفة في العمران، قوية في التمسك بالدين، لا نظير لها في مدن مصر. زرت فريد بك وزارني، وقد أعجب بي كل الإعجاب، وتمنى أن أكون معه دائما، ونشط على إنشاء الجريدة (المنار) وسيكتب فيها
(١٥) فاتني أن أذكر لكم عند ذكر الإسكندرية أنني اجتمعت هناك برجل يدعى السيد حسن أنين وهو رجل باقعة أصله بيروتي ودخل النصرانية وتعلم اللاهوتي البرتستانتي ثم رجع للإسلام، وهو متقن الإنكليزية ومتزوج بإفرنجية، وقد ساح في البلاد كثيراً وأكثر إقامته في
стр. 9401
عدن يتعاطى الأعمال التجارية، وله مداخلة مع جميع طبقات الناس، ويعاشر كلاً على مشربه خيراً أو شراً، يجتمع باللورد كرومر وبمختار باشا (الغازي) وبسائر الوزراء والكبراء وكتاب الجرائد، وله صحبة مع أصحاب المقطم أثنوا عليه يوم جاء مصر، وفي هذه المدة الأخيرة أقامه الشيخ الميرغني الشهير خليفة على تلاميذه في شرقي أفريقيا إلى رأس الرجاء، ولا نعلم ما يكون من أمره، وقد وعدنا بالمساعدة في أمر الجريدة (المنار)
(١٦) مصر وما أدراك ما مصر!! وصلنا إليها قبيل العصر يوم السبت الماضي، وأتينا تواً للأزهر؛ فتلقانا الشيخ إسماعيل (الحافظ) وغيره، وشربنا الشاي في غرفة الشيخ بدر الغزي - يظهر أنه بابي على مذهب شيخه - وفي ضحوة يوم الأحد ذهبت لزيارة المصلح العظيم الأستاذ الشيخ محمد عبده ومعي الشيخ إسماعيل والشيخ أبو النهي. قعدنا في المندرة وأعطيت العبد بطاقة الزيارة فأوصلها إليه في الحريم. فلم يلبث أن نزل وهي في يده ولم يتركها مدة جلوسنا، بل جعل يقلبها بيده ويتكلم
سألنا أولاً عن أستاذنا الشيخ حسين أفندي (الجسر) ثم عن عزيز أفندي سلطان ومحمد باشا المحمد، ثم عن طلبة العلم وشيوخهم وتعليمهم. ومما قلنا إن الطلبة نحو مائتين والمستفيد المجتهد نحو اثنين
ثم أنشأ يتكلم عن حالة الأزهر والأمة. فعلمنا أن ما كنا نعتقده فيه من أنه موجه كل همه وسعيه للأزهر صحيح. ومن جملة كلامه أن سعادة هذه الأمة في الأزهر، وأن شقاءها من إهمال الأزهر. وإنه لا يرى نفسه سعيداً إلا إذا نجحت مساعيه في إصلاح التعليم فيه. وإنه إذا رأى انتظامه قبل موته يموت قرير العين ويرى أنه ملك عظيم، وحدثنا بأمر الامتحان في الأزهر حديثاً كله تنديد بشيوخه وبتعليمهم، بل قال إن الكثير من مدرسي الأزهر لا قابلية فيه الآن لأن يكون طالب علم: ومنهم من يصلح اليوم لأن يطلب العلم من طريقه
قال: كنت في الامتحان أسأل أحد الطلبة عن عبارة فيحل ألفاظها المفردة بإرجاع ضمائرها وبيان متعلق ظروفها - هذا إن أحسن الجواب - فأسأله عن المراد بهذه العبارة فلا يحير جواباً. قال لأحدهم مرة: ما مراد المصنف من هذه العبارات - ثلاث مرات - وهو يعيد له الحل السابق. فقال له في الأخير: إن مراده كذا، فقل مثلما قلت؛ فلم يحسن ذلك. وقال - بمناسبة ذم كتبهم: - سألت أحدهم في المنطق فأجاب بما يبعد عن الصواب. قال: فقلت:
стр. 9402
من أين لك هذا الكلام. فقال: من حاشية الصبان على السلم. قال: فلم أصدقه فنظرت في الكتاب فرأيتها كما قال. فقلت للشيوخ كيف يعرف المنطق وشارحه لا يعرف المنطق ومحشّيه (الصبان) لا يعرف المنطق
قال: كان مراده من العام الماضي قلب هيئة الأزهر دفعة واحدة، لكن قيل له إن الشيوخ يصعب عليهم ذلك، ولابد من أخذهم بالتدريج
وقال: إن مداخلته بالحكومة إنما هي لأجل الأزهر لأنه لولا مركزه في الحكومة لا يقبل له قول ولا يستطيع أن يعمل شيئاً فيه. وانه يعلم أن كثيراً من الشيوخ الذين ينقادون له الآن ساخطون عليه في نفوسهم، مع أنه سعى لعلماء الأزهر بمبلغ خمسة آلاف جنيه بعضها من الحكومة وبعضها من الأوقاف، وكانوا في غاية الضيق
مما ينقمون عليه أنه لا يطول أكمامه، مثلهم، وأنه يركب الحصان ويلبس الجزمة عند ركوبه كما فهمت من الشيخ إسماعيل فتأمل. وقال: لما ولاه الخديو السابق القضاء قال لناظر الحقانية: أنا خلقت لأن أكون معلماً لا لأن أكون حاكماً: أقول حكمت على فلان بكذا وعلى فلان بكذا. فقل للخديو يجعلني في دار العلوم، فلم يرض الخديو، وقال: إن الحكومة أرادت الإصلاح بكذا وكذا
قال: وإن المصريين منهم من يعتمد على فرنسا وعلى. . . وعلى. . . وكل هذا أوهام، والصحيح أنه لا يضمن لنا الاستقلال والحياة للأمة إلا شيء واحد وهو التربية والتعليم الصحيح
ثم تكلم عن ضعفنا وقوة أوربا: إن جميع ما حولنا - لاسيما حكامنا وعلماءنا - يدل على اليأس، ومع هذا فان لي أملاً كاملاً، ويوجد رجل آخر في مصر له نصف أمل سأسأله عنه، ثم بكلام تاريخي عن حالة أوربا في ضعفها وكيف قويت
سألته عن الكتاب المعهود، فقال: إنه لم يتمه وأنه لابد منه ومن كتبٍ أخرى. لكنه يحتاج إلى مساعد حاذق أمين: يفحص له عن النصوص؛ فان جميع أرباب التآليف الكثيرة كالغزالي وغيره كانوا كذلك، وإلا فان الوقت لا يتسع لتلك المؤلفات. وإنه لم يجد ذلك المساعد ولا بالمال. فقلت له: (ستجدني إن شاء الله من الصالحين) وربما يحصل بيني وبينه ارتباط عظيم. ولو جئت مصر غير متعلق بغيري ربما كان أولى؛ فإني أجد قبولاً
стр. 9403
عظيما عند الكبراء والوجهاء من أهل العلم وأهل الدنيا: ما تكلمت أمام أحد إلا اعتبرني اعتباراً زائداً. وقد تبين لي صحة قول من كان يقول لي: إنك ضائع في بلادك ولو كان في الوقت سعة لأخبرتك بما يسرك جداً من التفصيل
أخبرنا الأستاذ (الإمام) أيضاً أنه كان شرع في تأليف رسالة في التوحيد منذ كان في بيروت، وانه سيتمها ويقرؤها درساً في الأزهر في أول السنة الآتية، ويقرأ كتاب السيرة المعهود أيضاً إذ قراءته تدعو إلى إتمامه
وقال بمناسبة صعوبة التآليف المهمة في العربية - إن بعض الكتب التاريخية وغيرها ربما لا يوجد فيه من العبارات المفيدة إلا عبارة واحد أو اثنتان والباقي لا أهمية له. فاستخراج المفيد صعب، ومثل مثلاً فقال: إذا أردنا أن نكتب في تاريخ علم الكلام فمن أين نستفيد: كيف كان هذا العلم في عصر الصحابة ومن بعدهم؟ وكيف اعتزل واصل بن عطاء مجلس الحسن البصري؟ ومن أين جاءه ذلك الفكر في المخالفة؟ وهل كان غيره على رأيه؟ وما الذي حمل أبا الحسن الأشعري على القول بأن الوجود عين الموجود مثلا؟ وما غرضه من ذلك؟ ومتى دخلت الفلسفة ونحوها من الفنون في هذا العلم؟ وما غرض العلماء من جعل الفلسفة تدخل على العقول مع عقائد الدين في وقت واحد؟ مسائل لم يشرحها أحد من علماء الإسلام. وقال: إن لعلماء الإفرنج ومؤرخيهم كلاماً في الدين الإسلامي لم يهتد له أحد من المسلمين، وذكر لنا بعض تلك الكتب ومؤلفيها وكيفية أبحاثها
وقال: إن الأمم تتقدم إلى الأمام ونحن نرى من سعادتنا في تقدم الأمة أن ترجع للوراء تسعمائة سنة. وأن تكون كتبنا وتعاليمنا كما كانت منذ تسعمائة سنة
وذكر في معرض الانتقاد ابن عابدين وانتقد عليه وقال: كان يمكن جعل الكتاب مجلدين بذكر ما يفيد والسكوت عما لا يفيد، وذكر الإحياء وأنه ينبغي اختصاره، وأنه رأى له مختصراً في مجلدين في المكتبة الخديوية مدحه كثيراً، ولولا أنه مخروم لسعى في نشره، وقد تعجبت لرضائه عنه رضاءً تاماً، ولعله لا يعجبه غير كذلك
أما سيرة الأستاذ (الإمام) في مصر فكلٌ يعلم أن بيده زمام الأزهر، وأنه هو الساعي في انتظامه. وشيخ الإسلام فمن دونه تبع له، وفي إنشاء الرواق الجديد الذي أنشأه الخديو ويسمى بالرواق العباسي وهو حسن جداً، وقد سعى بمبلغ من النقود ليوزع على النابغين
стр. 9404
في الامتحان من الطلبة، وسيوزع قريباً في احتفال يخطب هو فيه الخ
وأما من حيث المحكمة فقد سمعت أنه يأتي الساعة واحدة فيحل المشاكل ويفصل الدعاوي المتراكمة. وينقلون عنه حكايات لطيفة في بيان الحيل وكشف الدسائس
ذكرت له: أن غرضي الأول تلقي الحكمة منه في أوقات الفراغ؛ فسر لذلك وعهد إلي أن أجيء لبيته صباح يوم الجمعة (نهار غد) وأنه يأخذني حيث يذهب
فإنني أن أكتب لكم عند ذكر التربية أنه قال للسيد جمال الدين (الأفغاني) عند ما كانا في فرنسا، دعنا من السياسة ولنختر لنا مكانا مهملا لا اعتبار له في نظر الحكام (أو ما معناه) ونعلم به ونربي بعض الأولاد، فلا تمضي عشر سنسن إلا ويبرع منهم جماعة على رأينا يقلدوننا في ترك أوطانهم والهجرة في نشر العلم والدين فنرسلهم للجهات، وأن السيد (الأفغاني) أبى عليه هذا وقال له: أنت مثبط فلم يكن مندوحة عن الانصياع له. وقال: لو أن السيد ترك السياسة والتفت إلى التعليم لأصلح إصلاحا عظيماً
ذكرت له بمناسبة ما شاهدته من طواف الناس بقبر السيد البدوي ولثم أعتابه، فحدثنا أن بعض الوجهاء كان عنده في يوم مولد السيدة زينب وأنه قام ليحضر المولد. فسأله الأستاذ أين تذهب؟ قال: لزيارة السيدة. فقال: لأي شيء خصصت زيارتها بهذا اليوم. قال: لأنه يوم المولد. فقال له: ما هو يوم المولد؟ أنا لا أفهم معنى هذا اللفظ. هل هو عبارة عن يوم تقوم فيه من قبرها وتستقبل الزائرين، وطفق يندد بهذا الأمر. فقال له الرجل إن كثير من العلماء والفضلاء يحضرون هذه الموالد وتهيأ للقيام. فقال الأستاذ: أنا لا أعتبرك وأعتبر هؤلاء الذين تسميهم فضلاء إلا وثنيين، لأن هذه الأعمال أعمال الوثنيين؛ إن كل آيات الكتاب ونصوص السنة تذم هذا (أو ما معنى هذا) بل الفاتحة التي تصححون بها عبادتكم تنهاكم عن هذا وتعده خلاف العقيدة، أنتم في كل ركعة من الصلاة تقولون: (إياك نعبد وإياك نستعين) فكيف تصدقون بهذا وأنتم تطلبون الإعانة من هؤلاء الأموات، أفعالكم متناقضة، لأن قراءتكم الفاتحة له يدل على أنهم محتاجون إليكم بهذا العمل الذي تهدونه لهم ليكون في ثواب أعمالهم ثم تطلبون منهم الحوائج الخ
أهل مصر عموماً لاسيما العلماء الوجهاء وأركان الحزب الوطني يلعنون أبا فلان في المجالس ويكفرونه، ويقولون إنه هادم لأساس الدولة وإنه موقع الفتنة بين السلطان
стр. 9405
والخديو، حيث أوهم الأول أن الثاني طالب للخلافة ويساعده على هذا العمل توفيق البكري الإنكليزي المشرب
ما كنت أتخيل أني أكتب هذا المقدار لضيق الوقت علي ولا أراك تؤاخذني على قبح الخط وعدم انتظام الكلام، واقرأه على الشيخ محمد (كامل) أفندي الرفاعي لأني أود أن يطلع عليه، وكنت عازماً أن أكتب له بمثل هذا فلم يساعدني الوقت.
أخوكم
محمد رشيد رضا
стр. 9406
المعنى والأسلوب
في الأدبين العربي والإنجليزي
للأستاذ فخري أبو السعود
المعنى الصادق الرفيع والأسلوب المحكم الجميل هما قوام كل أدب جديد بهذا الاسم؛ لا يغني أحدهما إذا غاب الثاني، ولا يرتفع الأديب إلى الذروة العليا في الأدب إلا باجتماعهما له
وقد كان كبار شعراء الإنجليزية - كشكسبير وملتون ووردزورث وتنيسون - يجمعون إلى خصب شعورهم بصيرة باللغة بعيدة ومقدرة على التصرف بمفرداتها وتراكيبها تصرفاً يبرز معانيهم في أحسن صورة، أما توماس هاردي فقصر به عن بلوغ ذروتهم - رغم خصوبة شاعريته - إعواز الرصانة في أسلوب شعره الذي هو أشبه بالنثر الجيد، وقصوره عن أولئك وتعابيرها، ومن ثم ينزله النقاد الإنجليز المرتبة الثانية بين شعرائهم
وقد كان للمعنى - المعنى الصادق الجدير بالتعبير عنه - المنزلة الأولى عند كبار الأدباء الإنجليز دائماً، وكان الأسلوب يحل عندهم في المحل الثاني، ويأتي لأداء المعنى لا ليحل محله أو يتحيَّفه، ولم يشتد الولع بالأسلوب إلى حد الإغراق إلا في عهد قصير في القرن الثامن عشر ما يزال يُعد أحط أزمان الشعر الإنجليزي، وسرعان ما تحرر الأدب من قيوده، وعاد كما كان تعبيراً صحيحاً عن الشعور الصادق في أسلوب طبيعي مستقيم
أما الأدب العربي فطغى الأسلوب على جانب كبير منه في مختلف عصوره وتحيف المعنى أو ألغاه: ففي الأدب العربي شعر ونثر كثيران يروع أسلوبهما والمعنى فيهما ضئيل هزيل أو مصطنع كاذب غير معبر عن شعور صحيح أو تفكير سليم، لأن الأديب قدم براعة الأسلوب على التعبير عن حقيقة خواطره أو الإتيان بمعنى جديد يستحق عناء الإنشاء
لقد كان العرب شعراء السليقة لا شك، يُحِلُّون الشعر أو الأدب عامة مكانة عالية ويحتفون به ويطربون له، حتى أوشك أن يكون فهم الجميل الوحيد، ولكن من العجيب بل من المؤسف أن الأدب العربي أحاطت به ظروف أزاغت نظرة كثير من أدبائه إلى الأدب أو وظيفته أو رسالته، وقد أشرت في كلمات سابقة إلى بعض تلك الظروف، ومنها دخول الأعاجم في اللسان العربي، واعتزال الأدباء مجتمعهم واعتمادهم على صلات الكبراء،
стр. 9407
وتغلب نزعة التقليد على نزعة التطور في الأدب العربي، واعتزاله غيره من الآداب القديمة والمعاصرة له إلى حد كبير
زاغت نظرة كثير من الأدباء إلى الأدب فحسبوه صنعة لا فناً جميلاً، وظنوا الغرض منه إظهار البراعة لا التعبير عن الشعور والفكر الصادقين، فجاءت آثارهم صناعة وبراعة خالية من المعاني الصادقة العالية والشعور العميق الصحيح: فالمقامات ورسائل الدواوين وأشعار النسيبِ الاستهلالي والمدح والهجاء المأجورين والفخر الأجوف، والمنثورُ والمنظومُ المرصعان بغرائب السجع والجناس والزِّواج والمقابلة وهلم جراً، كل هذه آثار أدبية قليلة الحظ من الصدق والحياة وعمق الفكرة، وإن تكن لها مزية فهي الأسلوب إن كان مُنشئها بارعاً
وهناك عدا ذلك آثار أدبية لم يقدم أصحابها الأسلوب على المعنى، ولكن المعنى فيها تافه بذاته غير ذي بال. فالأدب الرفيع هو ما تحدث عن مشاعر النفس العميقة وتأثراتها بأسباب الحياة، ومشاهد الكون، وتناول حياة الإنسانية على الإطلاق ناظراً في ماضيها وحاضرها ومستقبلها، معبراً عن آمالها وآلامها، فأين من هذا خمريات أبي نواس ومقذعات جرير والفرزدق ومجونيات بشار؟ لقد كان هؤلاء شعراء صادقي المعاني في كثير مما قالوا رائعي الديباجة، ولكن شعرهم لتفاهة المواضيع التي سخروه فيها أو حطتها لا يرتفع إلى الطراز الأول من الشعر الإنساني، ولا تبقى له قيمة إذا جردته من أسلوبه الجزل
فإذا نظرت إلى كثير من منتجات أولئك الأدباء طالباً تلك النظرة الإنسانية العامة، وراغباً في شيء من الثقافة تضيفه إلى ما عندك، ومنتظراً أن ترى نفسية الأديب وشخصيته مرتسمتين في آثاره لم تصب من ذلك شيئاً، ولم تزدد علماً من دواوين وكتب كاملة بغير فائدة لغوية أو براعة لفظية أو تعبير جديد عن معنى متداول قديم
فإذا ألغيت من آداب اللغة كل الآثار التي لا تتعدى مزيتُها أسلوبها، والتي هزلت معانيها أو كذبت أو لم تزد على التمحل والمبالغة والتخريج والأغراب، لم يبق لك إلا القليل من الأدب السامي الذي اجتمعت له مزايا المعنى القيم والموضوع المهم المفيد والأسلوب المحكم، كأشعار الفحول في الحكمة والوصف الطبيعي والتعبير الصادق عن الوجدان والنسيب الحقيقي والحماسة وما إلى ذلك، وتلك دون غيرها هي الجديرة أن تسمى أدبا
стр. 9408
وهذه الآثار - وأحسن نماذجها حكمة المتنبي وأوصاف أبن الرومي وأبي تمام والبحتري ونظرات المعري ووجدانيات الشريف الرضى، ورسائل الجاحظ - هي خلاصة الثقافة هو بلا شك دون المحصول الذي يظفر به مطالع الأدب الإنجليزي، الذي أوسع أقطابه النفس الإنسانية والحياة البشرية والمحاسن الطبيعية درساً ووصفاً ومناجاة
لقد أشرت إلى الظروف التي أحاطت بالأدب العربي فأدخلت فيه كثيراً من زيف الصنعة وكاذب القول وغلَّبَتْ الأسلوب في كثير منه على المعنى، ولعل طبيعة اللغة العربية قد ساعدت على هذا التغليب، وأمدت لمن انصرفوا بكلياتهم إلى الأسلوب وجمعت حولهم المستجيدين: لما للغة العربية من بلاغة أصلية، وموسيقى فخمة، وما لألفاظها وتراكيبها في الآذان والنفوس من روعة وفتنة، وما لأوزان الشعر العربي وقوافيه من رصانة واتساق بحيث يستطيع المتمكن من كل هذا أن يستولي على الألباب دون أن يبتدع في المعنى، كما يصرفك جمال اللحن الموسيقي عن تفاهة المعنى المتغنى به أحياناً
وقد زالت اليوم الظروف التي لابست الأدب العربي قديماً، فهبطت بمعاني الكثير منه وأدخلت عليه الزيف والصنعة وزيغ النظرة إلى الغرض منه، وما زالت للغة سعتها ومقدرتها وجمالها وموسيقاها، فإذا اجتمع صدقُ النظرة إلى الأدب ومطاوعةُ أداته وهي اللغة، إذا قرنت المعاني المبتكرة السامية إلى اللغة الفنية المساعدة، فما أجدر الأدب العربي أن يتبوأ منزلة عالية بين الآداب، وما أقوى الأمل في أن يفوق مستقبله كل ما عرف ماضيه
فخري أبو السعود
стр. 9409
من تراثنا العلمي
٢ - كتاب في البَيْزَرَة
وصف وتحليل لنسخة فريدة من كتاب مفقود، في علم ضائع،
لمؤلف مجهول
للأستاذ علي الطنطاوي
(أبواب الكتاب)
المقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد الله الذي له في كل لطيف من خلقه مُعجز يُتفكرُ فيه، وخفي من صُنعهُ يتنبهُ به عليه، ونعم تقتضي مواصلة حمده، ومننٌ تحث على متابعة شكره. والذي ميز كل نوع من حيوان خلقه على حدته، وأبانه بشكله وصورته، وجعل له من الآلة ما يلائم طبعه ومُركبه، ويسره للأمر الذي خلق له، ويُؤديه إلى مصلحته، وقوام جسمه. وجعلنا من أشرف ذلك كله نوعاً، وأتمه معرفة، وجمع فينا بالقوة ما فرقه في تلك الأصناف بالآلة، فليس منها شيء مخصوص بحالٍ له فيها مصلحة إلا ونحن قادرون على مثلها؛ كذوات الأوبار التي جعلت لها وقاءً وكسوة تلزمها ولا تعدمها، فإنا بفضل حيلة العقل نستعمل مثل ذلك إذا احتجنا إليه، ونفارقه إذا استغنينا عنه؛ وكذوات الحد والشوكة من صدف أو مخلب، فان له مكان ما نستعمله من السيوف والرماح وسائر الأسلحة؛ وكذوات الحافر والظلف فان لنا أمثال ذلك مما ننتعله ونتقي أذى الأرض به. وجعل لنا خدماً وأعواناً، وزينة وجمالاً، وأكلاً وأقواتاً؛ فبعض نمتطيه، وبعض نقتنيه، وبعض نغتذيه. وأحل لنا صيد البر والبحر والهواء؛ نقتنص الوحش من كناسها، ونحطمها من معاقلها، ونستنزل الطير من الهواء، ونستخرج الحوت من الماء. ولم يكلنا في ذلك إلى مبلغ حيلتنا حتى عضدنا عليه، وسهل السبيل إليه، بأن خلق لنا من تلك الأنواع أشخاصاً أغراها بغير من سائر أجناسها، ووصلها من آلة الخلْفَه وسلاح البنية، وقبول التأديب والتضْرية، والانطباع على الأكفّ، والاستجابة فدلنا
стр. 9410
على موضع الصنع فيها، وموقع الانتفاع بها، كالفهد والكلب وسائر الضواري، والبازي والشاهين وسائر الجوارح كلما يحويه من ذلك لنا كاسب وعلينا كادح، وبمصلحتنا عائد؛ نستوزعه ﷻ الشكر على ما منحناه من هذه الموهبة، وفضلنا به من هذه المكرمة، وفوائد قسمه؛ ونرغب إليه ﷻ في العون على طاعته، ومقابلة إحسانه باستحقاقه. وصلى الله على محمد نبيه الصادق الأمين، البشير النذير، وعلى آله الطيبين الأخيار وسلم تسليما، وعلى الأئمة من ولد الحسين بن علي بن أبي طالب حتى تنتهي إلى العزيز بالله أمير المؤمنين فتشمله ونسله إلى يوم الدين
إن للصيد فوائد جمة، وملاذ ممتعة، ومحاسن بينة، وخصائص في ظلف النفس ونزاهتها وجلالة المكاسب وطيبها كثيرة؛ فيه يستفاد النشاط والأريحية، والمنافع الظاهرة والباطنة والمران والرياضة، والخفوف والحركة، وانبعاث الشهوة واتساع الخطوة، وخفة الركاب، وأمن من الأوصاب؛ مع ما فيه من الآداب البارعة، والأمثال السائرة، ومسائل الفقه الدقيقة، والأخبار المأثورة ما نحن مجتهدون في شرحه وتلخيصه، وتفصيله وتبويبه في هذا الكتاب المترجم بكتاب (البَيزرة) على مبلغ حفظنا، ومنتهى وسعنا، وبحسب ما يحضرنا، وينتظم لنا اتباعاً فيما لا يجوز الابتداع فيه، وابتداعاً فيما أغفله من تقدمنا ممن يدعيه، ونحن مقدمون ذكر الأبواب التي تشتمل على ذلك ليتأتى كل باب منها في معناه، وبالله الحول والقوة، ومنه التوفيق والمعونة
(باب) من كانت له رغبة في الصيد وعنده شيء من آلته من الأنبياء صلوات الله عليهم، وأصحاب رسول الله ﷺ ومن الأشراف
(باب) تمرين الخيل بالصيد والضراءة، وجرأة الفارس على ركوبها باقتحام العقاب، وتسنّم الهضاب، والحدور والانصباب
(باب) ما قيل في طرد كل صنف من وحش وطير
(باب) فضائل الصيد، وأنه لا يكاد يحب الصيد ويؤثره إلا رجلان متباينان في الحال، متقاربان في علو الهمة: إما ملك ذو ثروة، أو زاهد ذو قناعة، وكلاهما يرمي إليه من طريق الهمة إما لما تداوله الملوك من الطلب وحب الغلبة الخ. . . والفقير الزاهد لظلف نفسه عن دنيء المكاسب، ورغبتها الخ، فمن هذه الطبقة من يقتات من صيده ما يكفيه،
стр. 9411
ويتصدق بما يفضل عنه توقياً من المعاملة والمبايعة، ونهم من يبيع ما فضل عن قوته، ويعود بثمنه في سائر مصلحته، وكانت هذه حال الخليل بن أحمد الفرهودي مع فضله وأدبه وكمال علمه وآلاته الخ. . . وكان جلة الناس في عصره يجتذبونه الخ. . . فأحد من كاتبه سليمان بن علي الهاشمي، فكتب الخليل بن أحمد إليه:
أبلغ سليمان إني عنه في سعة … وفي غنى غير أني لست ذا مال
شحي بنفسي أني لا أرى أحداً … يموت هزلاً ولا يبقى على حال
(قال) وقلما رأيت صائداً إلا تبينت فيه من سيما القناعة الخ. . . وقال أرسطا طاليس: أول الصناعات الضرورية الصيد، ثم البناء ثم الفلاحة. ولو أن رجلاً سقط إلى بلدة ليس بها أنيس ولا زرع لم تكن له همة إلا حفظ جسمه ونفسه بالغذاء الخ. . . ويغدو للصيد اثنان متفاوتان: صعلوك متسحق الأطمار. وملك جبار، فينكفئ الصعلوك غانماً، وينكفئ الملك غارماً، وإنما يشتركان في لذة الظفر الخ. . . وقال أبو العباس السفاح لأبي دلامة سل!. . . فقال: كلباً، قال: ويلك وما تصنع بكلب؟ قال: قلت سل، والكلب حاجتي، قال: هو لك، قال: ودابة تكون للصيد، قال: ودابة! قال: وغلام يركبها ويتصيد عليها، قال: وغلام! قال: وجارية تصلح لنا صيدنا وتعالج طعامنا، قال: وجارية! قال أبو دلامة: كلب ودابة وغلام وجارية! هؤلاء عيال! لابد من دار! قال: ودار! قال: ولابد من غلة وضيعة لهؤلاء، قال: قد أقطعناك مائة جريب عامرة ومائة جريب غامرة قال: ما الغامرة؟ قال: التي لا نبات فيها، قال: أنا أقطعك خمسمائة جريب في فيافي بني أسد، قال: قد جعلنا لك المائتين عامرة بقى لك شيء؟ قال: أقبل يدك، قال: أما هذه فدعها! قال: ما منعت عيالي شيئاً أهون عليهم فقدا من هذا
وقيل لبعض من كان مدمناً على الصيد من حكماء الملوك الخ. . . وقيل للزاهد المشغوف بالصيد الخ. . . وهذا كتاب كليلة ودمنة الخ. . . وكانت ملوك الأعاجم تجمع أصنافها (أي الحيوانات)، وتدخل أصاغر أولادها عليها وتعرفها الخ. . .
وأشرف الغذاء الذي يحفظ به الأعضاء، وليس شيء أشبه بها وأسرع استحالة إليها من اللحم، وأفضل اللحمان ما استدعته الشهوة، وتقبلته الطبيعة بقوة عليه، ولا لحم أسرع انهضاماً وأخص بالشهوة موقعاً من لحم الصيد المكدود، لأن ذلك ينضجه الخ. . .
стр. 9412
وإن كان الحيوان غليظاً، عكست هذه الأسباب طبعه، ونفت ضرره، وقمعت كيموسه؛ وربما أكل اللطيف الخفيف على تعنف وتكره، فكان إلى أن يأخذ من الأعضاء، أقرب من أن تأخذ منه الأعضاء
وتأول الرواة امرئ القيس في قوله:
رُبَّ رامٍ من بني ثُعَلٍ … مخرِج كَفَّيْه من سُتَرهِ
فأتَتْه الوحشُ واردَةً … فَتمّتى النزْعَ من يَسرِهِ
فَرَماها في فراِئصِها … من إزاء الحوض أو عُقَرِهِ
مطعمٌ للصيد ليسَ لهُ … غيرها كسبٌ على كبرِهِ
على المدح بإدمان الصيد، ويمن الطائر فيه؛ واستثناؤه بقوله على كبره زائد عندهم في المدح لوصفه أنه يتكلف من ذلك مع فدح السن وأخذها منه شيئاً لا يعجزه مع هذه الحال، ولا يلحقه فيها ما يعرض للمسن من الفتور والكلال؛ وبنو ثعل بنو عمه لأنهم فخذ من طيء، وكندة فخذ من مرّة، ومرّة أخو طيء فلم يرد غير المدح؛ وهذا الرامي عمرو الثعلي، وكان من أرمى الناس الخ. . .
وفي أبيات امرئ القيس هذه، أدب من أدب الصيد، ولطائف حيله، وهو قوله: فتمتى النزع من يسره، وتمتى وتمطى واحد، أبدلت التاء من الطاء، وفي تمتى معنيان: أحدهما الاعتماد والتوسط من قولهم حصلته في متى كمى، فتمتاه بمعنى تعمد متاه (كذا) والآخر بمعنى إبدال التاء من الطاء يريد التمطي وهو أن مريد الصيد بالرمي يتمطى بيساره نحو الأرض مرات حتى يؤنس الطريدة فتألف ذلك منه ولا تذعر له، ثم حينئذ يستغرق نزعه ويمضي سهمه
ولا يزال امرؤ القيس في كثير من شعره يفخر بالصيد، وأكل لحمه، كقوله الخ. . .
ومن فضائل الصيد ما فيه من التبريز على ركوب الخيل صعوداً، وحدوراً، وكراً، وانكفاء، وتعطفاً، وانثناء الخ. . .
وقال بعض الحكماء: قلما يعمش ناظر زهرة، أو يزمن مريغ طريدة، يعني بذلك الخ. . .
وليس يكبر الملك الرئيس العظيم الوقور، إذا أثيرت الطريدة أن يستخف نفسه في اراغتها، ويستحفز فرسه في أثرها الخ. . . وحكي عن عظماء الأكاسرة الخ. . . وعن الخلفاء
стр. 9413
الراشدين الخ. . .
ومنها ما يسنح فيه من النشاط والأريحية الخ. . . وربما قويت النفس حينئذ، وانبسطت الحرارة الغريزية فعملت في كوامن العلل. أخبرني غير واحد ممن شاهد مثل ذلك: أنه رأى من غدا إلى الصيد وهو يجد صداعاً مزمناً، فظفر فعرض له رعاف حلل ما كان في رأسه، وآخر كانت به سلعة يجبن عن بطها قويت عليها الطبيعة فانبطت، وآخر كان في بدنه جرح الخ. . . وربما عكس ما يعرض له من ذلك ذميم حالاته، فآلت إلى ضدها من الخيرية حتى يتشجع إن كان جباناً، ويجود وإن كان بخيلاً، ويتطلق وجه وإن كان عبوساً
أخبرني بعض الأدباء، عن رجل من الشعراء، قصد بعض الكبراء فتعذر عليه ما أمله عنده، وحال بينه وبينه الحجاب وكان آلفاً للصيد، مغري به، فعمد الشاعر إلى رقاع لطاف، فكتب فيها ما قاله من الشعر في مديحه، وصاد عدة من الظباء والأرانب والثعالب، وشد تلك الرقاع في أذناب بعضها وآذان بعض، وراعى خروجه إلى الصيد، فلما خرج كمن له في مظانه ثم أطلقها فلما ظفر بها واستبشر، ورأى تلك الرقاع ووقف عليها زاد في طربه واستظرف الرجل واستلطفه وتنبه على رعي ذمامه، وأمر بطلبه فأحضر ونال منه خيراً كثيراً
ومن شأن النفس أن تتبع ما عزها، وبعد من إدراكها الخ. . . وهذا شبيه بما تأوله يحي بن خالد البرمكي في توصية ولده بتقديم العدات أمام الهبات فانه قال لهم الخ. . .
ولو أن محاول حرب، أو مقارع جيش، ملك عدوه قبل مكافحته إياه حتف أنفه، أو انفل جيشه من سوء تدبيره فانصرف، أو جاءه ضارعاً طالباً لأمانه، لما كان مقدار السرور بذلك كمقداره لو نازله فقهره، أو بارزه فأسره، وهذا بين في الملاعب بالشطرنج الخ. . .
لا أستلذ العيش لم أدأب له … طلباً وسعياً في الهواجر والغلس
وأرى حراماً أن يواتيني الغنى … حتى يحاول بالعناء ويلتمس
فاحبس نوالك عن أخيك موقراً … فالليث ليس يسيغ إلا ما افترس
ومن فضل العلم بالصيد ما حكاه لي أبي عن إسحاق بن إبراهيم السندي عن عبد الملك بن صالح الهاشمي عن خالد بن برمك؛ أنه كان نظر وهو على سطح قرية نازل مع قحطبة حين فصلوا من خراسان وبينهم وبين عدوهم مسيرة أيام إلى أقاطيع ظباء مقبلة من البر
стр. 9414
حتى كادت تخالط العسكر، فقال لقحطبة: ناد في الناس بالإسراج والإلجام وأخذ الأهبة، فتشوف قحطبة فلم ير شيئاً يروعه، فقال لخالد: ما هذا الرأي؟ فقال: أما ترى الوحش قد أقبلت، إن وراءها لجمعاً يكشفهاً؛ فما تمالك الناس أن يتأهبوا حتى رأوا الطليعة، ولولا علم خالد بالصيد لكان ذلك العسكر قد اصطلم
وعذل بعض أبناء الملوك في الاستهتار بالصيد والشغف به الخ
ولما شهد أبو علقمة المرى عند سوار أو غيره من القضاة؛ وقف في قبول شهادته، فقال له أبو علقمة: الخ
ومن فضائل الصيد أنه كان الملك من ملوك فارس الخ. . .
وكانت لبهرام شوبين حظية الخ. . .
وذكر الأصمعي عن الحارث بن مصرف الخ. . .
ووقف بعض الملوك بصومعة حكيم من الرهبان فناداه فاستجاب له فقال له: ما اللذة فقال له: كبائر اللذات أربع، فعن أيهن تسأل؟ فقال: صفهن لي، فقال: هل تصيدت قط؟ قال: لا (وسأله عن خصال) قال: لا، قال: فما بقى لك من اللذات؟
يتبع
علي الطنطاوي
стр. 9415
إلى الأستاذ البرازي
حول الفقه الإسلامي والفقه الروماني
للأستاذ صالح بن علي الحامد العلوي
قرأت ما سطره قلمكم أيها الأستاذ الفاضل في العدد ١٠٨ من الرسالة الغراء رداً عليّ وعلى الأستاذ علي الطنطاوي وما كدت أوغل في أسطره حتى أرسلت زفرة حارة تتخللها آهة من أعماق صدري لا لأنك خالفتني في رأيي أو لأنك أتيت لتدافع عن الفقه الروماني أو غيره. ولكن لتلك الروح التي تبدو من خلال سطوره، وروح الافتتان بأوربا وما تقوله أوربا والاستماتة في سبيل الدفاع عنها والفناء فيها وعدم الاستقلال أمام ما تمليه من الآراء والتقريرات، ثم الوقوف مع الإسلام بروح ميتة تزعمونها روح العدل وإنصاف البحث العلمي كما سماها لكم الشيوخ المحنكون، والحقيقة غير ذلك. ويا ليت الأمر وقف عند هذا الحد فقط ولكنه تعدى إلى الإزراء بالعصبية الدينية واستهجان العاطفة القومية ودعوة الشباب المسلم إلى هذا التقليد الأعمى الذي تسمونه الإنصاف لأوربا، وإلى الاقتداء بأئمة أوربا الأبرار الذين لا ينطقون عندكم عن الهوى بل عن علم وبحث وإنصاف. هذه النزعة الغالية جعلتني أرسل الآهة تلو الآهة على الشباب المسلم المتعلم منا معاشر العرب ممن يفدون على أوربا القوية المادية بقلوب فارغة وطباع فطيرة غير مجهزين من سلاح الإسلام إلا بوراثة اسمه، يأتون ليكرعوا من غمار موارد أوربا ويتشبعوا من علومها وثقافتها. فتنفحهم من فتونها وحبها وتملأ صدورهم الفارغة مما تشاء هي لا ما يشاء الآباء. فيعودون وقد تشبعوا بثقافة أوربا وأخلاق أوربا والتعصب لأوربا أيضاً. وقد يكونون مزودين من كل شيء إلا من تعاليم الإسلام والحماس للإسلام، وماذا يصنعون أمام أوربا وقد أتاهم هواها قبل أن يعرفوا الهوى؟ إن أمثال هؤلاء لا يعدون عندي إلا جرائم لآبائهم تتكرر بتكرر أنفاسهم
ووالله إننا لا نكره ذات أروبا ولا علوم أروبا ولا ثقافة أروبا وكنا نكره هذه النزفة الغالية، وهذه الثقافة الببغاوية الصورية التي يتمشدق بها بعض الشبان المتطرفين. أما علومها وأما ثقافتها الجدية وصناعاتها النافعة فإننا في مقدمة من يحبذها ويدعو إليها ولكن بعد غرس العصبية الدينية والعاطفة القومية في نفوس الناشئة حذراً من هذا الفناء وهذا الإدغام
стр. 9416
المشين
ولست أدعي انطباق كل ما قلت عليك يا حضرة مناظري الأديب! كلا! ولكني أقوله بمناسبة ما رأيته ملموساً في مقالك من نزعة الافتتان بأروبا وتقليدها ودفاعك عنها دفاع المستميت، ثم تظلمك لعلمائها بعبارات جعلتني أتخيل أننا صرنا في عصر صار فيه الشرق رب الصولة والدولة وكان الغرب على عكس ذلك، وكأنك قمت محتسباً تستعطف العالم لإنصاف الغرب الضعيف المظلوم من بني الشرق وعنت الشباب
وماذا صنعنا سوى أننا أنكرنا أن يكون الفقه الإسلامي متأثراً بالقوانين الرومانية، وأنه إذا كان بين الفقهين تشابه فليس الحكم على أن الفقه الإسلامي هو المتأثر بأولى من العكس، فأدلة الفقه الإسلامي صريحة والمستنبطون منها وهم مؤسسو المذاهب لا يجوز أن يقال بتأثرهم بالقانون الروماني إذا لم يتصلوا بالرومان ولم يعرفوا لغتهم ونشأوا ودرجوا في محيط إسلامي وفي ثقافة إسلامية محضة، ومن خطل الرأي وعدم الإنصاف أن يقال لمجرد وجود التشابه بين الفقهين إن الفقه الإسلامي هو المتأثر أو الآخذ مع فقد الدليل وتوفر القرائن على ضده، ولم لا يقول زاعمو التأثر إن هذا التشابه وليد المصادفة؛ إذا أن الدين الإسلامي أتى في أحكامه بما يوافق العقل السليم من العدل والانصاف، وهو دين حسن الحسن وقبح القبيح، فما أمرنا بأمر فقال العقل السليم ليته نهي عنه، ولا نهى عن أمر فقال العقل السليم ليته أمر به، هكذا وصفه بعض الصحابة، وعن هذا نشأ الخلاف بين الأشاعرة والمعتزلة في مسئلة الوجوب بالعقل أو بالشرع والقول بالتحسين والتقبيح العقليين؛ فلا يبعد أن تكون العقول التي عنت بوضع القوانين لتحديد الحقوق وفصل الخصومات، قد صادفت بعض ما قرر الفقه الإسلامي الملازم لمطابقة العقل في قضائه وأحكامه، وقد نقلنا حكاية اختفاء القوانين الرومانية وزعم ظهورها بعد، وأن تاريخ ظهورها بزعمهم كان بعد تأسيس المذاهب وانصرام عصر أئمتها ومن المستحيل تأثرهم بشيء لما يظهر بعدُ من اختفائه، وإذا كنا رجحنا أن القوانين الرومانية هي الآخذة عن الفقه الإسلامي فلم نقل ذلك اعتباطاً ولكن ببراهين نعتقدها كافية في ذلك، وأخذ أروبا عن علوم العرب غير مجهول كما تكرره المجلات العلمية عند كل مناسبة
القول باختفاء القوانين الرومانية ثم ظهورها
стр. 9417
أما القول بأن القوانين الرومانية قد اختفت ودرست ثم ظهرت فجأة؛ فلسنا نحن منحليه وإنما قاله علماء غربيون، فقد حكى جيبون أن هذه القوانين - أي قوانين الإثنتي عشرة لوحة - بقيت إلى زمان جستنيان ثم فقدت، ونقل العلامة موسهيم الجرمني في تاريخ الكنيسة في حوادث القرن الثاني عشر في العدد ٥ من الفصل الأول من القسم الثاني من الكتاب الثالث: إن الملك لوثاريوس اكتشف في افتتاح أمْلَغي سنة ١١٣٧ نسخة مجموع الشريعة الشهيرة التي كانت مجهولة على أجيال كثيرة؛ فأتى بها الملك الآن إلى مدينة بيزا. . . . الخ
ولا شك أن القوانين المعمول بها قبل ظهور هذه القوانين كانت مغايرة لها أي مغايرة كما سيأتي. وأول من ابتدع هذه الحكاية أي حكاية اختفائها واكتشافها هولود فيكوس سنة ١٥٠١م، ثم راجت هذه الحكاية وانتشرت في القرون الوسطى إلى الآن (انظر جيبون جزء ٤ صفحة ٥٥٥)، وقال اللورد ماكنزي في كتابه على القانون الروماني صحيفة ٦ إن هذا القانون (يعني قانون الإثنتي عشرة لوحة) لم يصل إلى أيدينا وغاية معلوماتنا فيه تستند على بعض أوراق مفرقة وبعض ملاحظات تاريخية مما فقدت آثاره. . . . الخ
القوانين الرومانية القديمة
أما القوانين الرومانية القديمة؛ فهذه نماذج منها ذكرها الأستاذ عبد الجليل سعد قال: إن فقه الرومانيين الأولين كان أشبه شيء بالفصول المضحكة (انظر تاريخ الدولة الرومانية للعلامة جيبون جزء ٤ صفحة ٥٢٧) وذلك لأن جميع معاملاتهم كانت لا تخلو من الحركات والطقوس، وكانوا لا يفرقون بين المعاملات والأحوال الشخصية، بل كانت الصيغة المستعملة واحدة للجميع وهي ما يسمونه: (مانسيباشيو) فإذا أراد أي إنسان إجراء أي عمل قانوني سواء كان زواجاً أو بيعاً أو وصية أو غيره، فعليه أن يحضر القباني ومعه الميزان، وعليه أن يحضر الشهود الذين يشترط ألا يقل عددهم عن خمسة، وعندئذٍ يبتدئون في عمل الطقوس المفروضة؛ فيتلون بعض العبارات ويصنعون بعض الإشارات أو الحركات، ثم يمسك المشتري أو الموصى إليه أو الموهوب له قطعة من النحاس ويضرب بها في كفة الميزان ليقلد الطريقة القديمة المتبعة في وزن البدل، ثم بعد ذلك يتفوه الطرف
стр. 9418
الثاني بجُمَلٍ معلومة تدل على أنه قابل ومقر على هذا العمل (انظر ماين على القوانين القديمة صحفية ٢٩٥ و٣٠٥) فلم يكن إذن لدى الرومانيين القدماء عقود مختلفة تتوقف على النية، بل كان من الضروري إجراء حركات معينة، فكان الخصمان في الدعوى يتكافحان أمام القاضي، وكان المتظلم يمسك بخصمه من قفاه ويتضرع إلى إخوانه أن يساعدوه، وكان الموصي إليه لا بد وأن يخلع لباسه ويقفز ويرقص! وكان الأب هو الحاكم والقاضي في أسرته. وجميع أفرادها داخلون في ملكه يتصرف فيهم كما يتصرف الإنسان في ملكه المنقول، فله بيعهم كالعبيد سواء كانوا نساء أو رجالاً (راجع جيبون صحيفة ٥٦٣ جزء ٤) ولم يكن حق الملكية معروفاً لديهم على النسق الذي نعرفه، بل كان الملوك يقطعون الإقطاعاتللضباط والعساكر، وهؤلاء يجبون الخراج من أصحابها المزارعين (ماين صحيفة ٢٦٥)، ومن أراد الزواج يذهب ويشتري زوجته من والدها على الصورة المتقدمة مع إحضار القباني والميزان والشهود، ثم قال: ومن يطلع على أحكام هذا القانون يجد بعضها في غاية الشدة والقسوة كمعاملة المدين المفلس، فانه كان يمهل ثلاثين يوماً وهو مسجون مكبل بالحديد والقيود والسلاسل التي لا تقل وزنها عن خمسة عشر رطلا ثم يعرض ثلاث مرات في السوق العمومي لاستجداء الأصحاب والأقارب، وبعد انتهاء الثلاثين يوماً إما أن يعدم أو يصير عبداً للدائن يبيعه ويقضي دينه، وإذا كان له جملة دائنين حق لهم أن يجزئوا لحمه قطعاً وينتقم كل منهم لنفسه بتقسيم بدنه هذا التقسيم الشنيع (انظر جيبون جزء ٤ صحيفة ٥٨٩ إلى٦٠٠) وكانت أحكام الرومان الجنائية قاسية للغاية، فكانوا يلقون المذنب لافتراس الوحوش الكاسرة في محل يسمى: الأنفتياتر. . . الخ ما ذكره
هذا بعض ما قاله العلماء الغربيون عن الفقه الروماني القديم ومخالفته للجديد، وهو كاف - بلا شك - في خرق الإجماع الذي ادعيته عندهم يا حضرة الأستاذ على استمرار القانون المعهود بينهم من ذلك العهد، ولا نناقشك الآن في أصل احتجاجاتك بسكوت الأوربيين عن جرح القانون الروماني المعهود لديكم أو تلفيقه إلا بهذا، ولا نعيد لك ما قاله العلامة ابن تيمية، ولا أبو الوليد ابن خيره؛ فقد يكون كل كلام لا يروج لديكم إلا إذا كان عليه الطابع الأوربي، فذاك عند بعض قضاء لا يرد قائله، غير أننا سنمهلكم وننتظر حتى يأتي يوم تصيح بكم فيه أوربا الحبيبة: أن أصلحوا معلوماتكم، وغيروا مُذكراتكم، فعند ذلك تخفون
стр. 9419
لصوتها قائلين: غطى هواك وما ألقى علي بصري!
سقوط قياس القانون الروماني بالقرآن
قلت أيها الأستاذ في الصفحة ١٢١٦ من الرسالة: (إن البينات تختلف بحسب الأمور المراد إثباتها، فإذا كانت هذه الأمور غير مدونة بنفسها كالحديث الشريف فلابد حينئذ من ذكر الأسانيد وسرد الروايات، أما إذا كان المراد إثباته مدوناً بنفسه لم يعد مجال حينئذ إلى الأخذ بطريق الرواية والإسناد، وصار لا بد من التدليل عليه بنسخه الأصلية، التي وضع بها، أو بالنسخة التي أخذت من هذه، فالقرآن الكريم مثلاً لما كان قد دون في العهد الذي نزل فيه وجمعت صحفه المدونة في عهد الخليفة الأول، وانتقلت إلينا نسخ مخطوطة منه كتبت في عهد قريب من عهد نزوله، لم يلجأ إلى الرواية لثبات صحته؛ وكذلك أيضاً شأن الشرع الروماني الخ) وقلت في صفحة ١٢١٥: (لئن جاز في نظرنا لأحد من النصارى أو اليهود المتعصبين أن يجزم بأن القرآن الذي بأيدينا هو غير القرآن الذي أنزل على محمد ﷺ ، وأنه مختلف من جماعة من علماء المسلمين الحديثين، مكتفياً للتدليل على ذلك بأن يقول لنا: هاتوا دليلكم، فقد حق كذلك لصاحبي المقالين المتحمسين أن يزعما ما زعماه) فما أغناك أيها الأستاذ عن قياس القانون الروماني بالقرآن الكريم؛ وزعمك أن الاستناد في إثبات كونه هو المنزل على رسول الله ﵌ إنما هي نسخة المخطوطة القديمة الموجودة، لا روايته الصحيحة، فحينئذ هو عندك في نسبته إلى الشارع (كنسبة القانون الروماني المعروف إلى جوستنيان؛ وهذا تقرير لا أعلم مسلماً قاله قبلك أيها الأستاذ الفاضل، فالعمدة في إثبات القرآن الكريم ليست نسخة المخطوطة فحسب، بل المقرر حتى عند تلاميذ المدارس الابتدائية أن العمدة في إثبات القرآن الكريم إنما هو التواتر، والتواتر أقوى الأسانيد وقد تلقاه الجيل عن الجيل؛ ورواه الخلف عن السلف بالتواتر في كل عصر من عهد نزوله إلى اليوم، ولم يقل أحد بأن العمدة في ثبات القرآن إنما هي نسخة المخطوطة القديمة فقط. وكيف يقاس القانون الروماني الذي لا يعلمه إلا الأفراد من المتعلمين بكتاب يتلى في كل مسجد وزاوية، بل في كل بيت في بلاد الإسلام، وفرض على كل فرد من المسلمين تلاوة شيء منه في كل يوم خمس مرات، ذلك بعد أن حفظه الجم الغفير عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في عصره، حتى ثبت أنه
стр. 9420
قتل في يوم اليمامة فقط سبعون قارئاً، وروته الألوف عن الألوف من ذلك العصر، وهكذا دواليك إلى اليوم، ولا يبلغ الطفل المسلم سن التميز إلا ويوجه لتعلم القرآن الكريم قبل دراسته لأي شيء كان
أين يكون قانون لا يعرفه إلا الأفراد من المتصدين لدراسة الحقوق من كتاب يدرسه العابد في محرابه، والتاجر في سوقه، والزارع في ريفه؛ ويشترك في تلاوته الشريف والوضيع، والذكر والأنثى من الطفل الصغير إلى الشيخ الكبير، حتى أننا لو فرضنا أن المدنية العصرية قد عمت العالم وتخللت أوساطه الرفيعة والمنحطة، وأريد أن يتلى القرآن بالمذياع على كل ذي مصحف لانفتحت عند سماعه مائة مليون مصحف في شرق الأرض وغربها، ولو أخطأ القارئ في فاتحته لرد عليه عند ذلك فوق ثلثمائة مليون صوت من أنحاء الدنيا!
هل يقاس هذا إلى ذاك إلا إذا قيست الذبالة بالغزالة؟
وقلت: أما المناقضات التي وقع فيها. . . صالح العلوي. . . فأشير منها إلى ما جاء في السطر الثاني من الجانب الأول من الصفحة الـ ٧٨١ من الرسالة، فبعد أن قال: إن الفقه الروماني اختفى ثم اكتشف ولم يظهر ولم يعمل به إلا في القرن الثاني عشر وأنه لم يكن معروفاً حتى عند الرومان أنفسهم قبل القرن الحادي عشر) وقال في السطر ٢٢ من الصفحة نفسها (إن دعوى اختفائه أكذوبة) ثم ما لبث أن استند إلى قول العلامة سافنيه: (إن القوانين الرومانية لم تختف لأنها ظلت معمولاً بها إلى اليوم من غير انقطاع الخ
ومحصل ما نسبته إلي أيها الأستاذ أنني أؤيد دعوى اختفاء القوانين ثم اكتشافها ثم أدعي أنها لم تختف بل بقيت معمولاً بها وأستند لذلك بقول سافنيه:
هكذا شاء قلمك يا أستاذ الحقوق أن يصنع، وهكذا أراد أن يمسخ الحق ليصوره باطلاً فيقطع من عباراتي ما شاء ويصل، ولا يتورع من أن يبلع بعض الكلمات بلعاً؛ ذلك ليبني مما قلته تناقضاً
وانظروا أيها القراء ثم احكموا، أما ما قلته في السطر الثاني من الصفحة ٧٨١ فهذا نصه بالحرف: (ثم إن الفقه الروماني - على زعم أنه اختفى ثم اكتشف - لم يظهر ولم يعمل به إلا في القرن الثاني عشر أو الثالث عشر بعد الميلاد، أما قبل الحادي عشر فانه لم يكن معروفاً حتى عند الرومان أنفسهم، ولا شك أن الفقه الإسلامي قد قرر وصنف الخ) فقلت
следующие страницы →