← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 9416–9455 · переход к 9421.

стр. 9416

المشين ولست أدعي انطباق كل ما قلت عليك يا حضرة مناظري الأديب! كلا! ولكني أقوله بمناسبة ما رأيته ملموساً في مقالك من نزعة الافتتان بأروبا وتقليدها ودفاعك عنها دفاع المستميت، ثم تظلمك لعلمائها بعبارات جعلتني أتخيل أننا صرنا في عصر صار فيه الشرق رب الصولة والدولة وكان الغرب على عكس ذلك، وكأنك قمت محتسباً تستعطف العالم لإنصاف الغرب الضعيف المظلوم من بني الشرق وعنت الشباب وماذا صنعنا سوى أننا أنكرنا أن يكون الفقه الإسلامي متأثراً بالقوانين الرومانية، وأنه إذا كان بين الفقهين تشابه فليس الحكم على أن الفقه الإسلامي هو المتأثر بأولى من العكس، فأدلة الفقه الإسلامي صريحة والمستنبطون منها وهم مؤسسو المذاهب لا يجوز أن يقال بتأثرهم بالقانون الروماني إذا لم يتصلوا بالرومان ولم يعرفوا لغتهم ونشأوا ودرجوا في محيط إسلامي وفي ثقافة إسلامية محضة، ومن خطل الرأي وعدم الإنصاف أن يقال لمجرد وجود التشابه بين الفقهين إن الفقه الإسلامي هو المتأثر أو الآخذ مع فقد الدليل وتوفر القرائن على ضده، ولم لا يقول زاعمو التأثر إن هذا التشابه وليد المصادفة؛ إذا أن الدين الإسلامي أتى في أحكامه بما يوافق العقل السليم من العدل والانصاف، وهو دين حسن الحسن وقبح القبيح، فما أمرنا بأمر فقال العقل السليم ليته نهي عنه، ولا نهى عن أمر فقال العقل السليم ليته أمر به، هكذا وصفه بعض الصحابة، وعن هذا نشأ الخلاف بين الأشاعرة والمعتزلة في مسئلة الوجوب بالعقل أو بالشرع والقول بالتحسين والتقبيح العقليين؛ فلا يبعد أن تكون العقول التي عنت بوضع القوانين لتحديد الحقوق وفصل الخصومات، قد صادفت بعض ما قرر الفقه الإسلامي الملازم لمطابقة العقل في قضائه وأحكامه، وقد نقلنا حكاية اختفاء القوانين الرومانية وزعم ظهورها بعد، وأن تاريخ ظهورها بزعمهم كان بعد تأسيس المذاهب وانصرام عصر أئمتها ومن المستحيل تأثرهم بشيء لما يظهر بعدُ من اختفائه، وإذا كنا رجحنا أن القوانين الرومانية هي الآخذة عن الفقه الإسلامي فلم نقل ذلك اعتباطاً ولكن ببراهين نعتقدها كافية في ذلك، وأخذ أروبا عن علوم العرب غير مجهول كما تكرره المجلات العلمية عند كل مناسبة القول باختفاء القوانين الرومانية ثم ظهورها

стр. 9417

أما القول بأن القوانين الرومانية قد اختفت ودرست ثم ظهرت فجأة؛ فلسنا نحن منحليه وإنما قاله علماء غربيون، فقد حكى جيبون أن هذه القوانين - أي قوانين الإثنتي عشرة لوحة - بقيت إلى زمان جستنيان ثم فقدت، ونقل العلامة موسهيم الجرمني في تاريخ الكنيسة في حوادث القرن الثاني عشر في العدد ٥ من الفصل الأول من القسم الثاني من الكتاب الثالث: إن الملك لوثاريوس اكتشف في افتتاح أمْلَغي سنة ١١٣٧ نسخة مجموع الشريعة الشهيرة التي كانت مجهولة على أجيال كثيرة؛ فأتى بها الملك الآن إلى مدينة بيزا. . . . الخ ولا شك أن القوانين المعمول بها قبل ظهور هذه القوانين كانت مغايرة لها أي مغايرة كما سيأتي. وأول من ابتدع هذه الحكاية أي حكاية اختفائها واكتشافها هولود فيكوس سنة ١٥٠١م، ثم راجت هذه الحكاية وانتشرت في القرون الوسطى إلى الآن (انظر جيبون جزء ٤ صفحة ٥٥٥)، وقال اللورد ماكنزي في كتابه على القانون الروماني صحيفة ٦ إن هذا القانون (يعني قانون الإثنتي عشرة لوحة) لم يصل إلى أيدينا وغاية معلوماتنا فيه تستند على بعض أوراق مفرقة وبعض ملاحظات تاريخية مما فقدت آثاره. . . . الخ القوانين الرومانية القديمة أما القوانين الرومانية القديمة؛ فهذه نماذج منها ذكرها الأستاذ عبد الجليل سعد قال: إن فقه الرومانيين الأولين كان أشبه شيء بالفصول المضحكة (انظر تاريخ الدولة الرومانية للعلامة جيبون جزء ٤ صفحة ٥٢٧) وذلك لأن جميع معاملاتهم كانت لا تخلو من الحركات والطقوس، وكانوا لا يفرقون بين المعاملات والأحوال الشخصية، بل كانت الصيغة المستعملة واحدة للجميع وهي ما يسمونه: (مانسيباشيو) فإذا أراد أي إنسان إجراء أي عمل قانوني سواء كان زواجاً أو بيعاً أو وصية أو غيره، فعليه أن يحضر القباني ومعه الميزان، وعليه أن يحضر الشهود الذين يشترط ألا يقل عددهم عن خمسة، وعندئذٍ يبتدئون في عمل الطقوس المفروضة؛ فيتلون بعض العبارات ويصنعون بعض الإشارات أو الحركات، ثم يمسك المشتري أو الموصى إليه أو الموهوب له قطعة من النحاس ويضرب بها في كفة الميزان ليقلد الطريقة القديمة المتبعة في وزن البدل، ثم بعد ذلك يتفوه الطرف

стр. 9418

الثاني بجُمَلٍ معلومة تدل على أنه قابل ومقر على هذا العمل (انظر ماين على القوانين القديمة صحفية ٢٩٥ و٣٠٥) فلم يكن إذن لدى الرومانيين القدماء عقود مختلفة تتوقف على النية، بل كان من الضروري إجراء حركات معينة، فكان الخصمان في الدعوى يتكافحان أمام القاضي، وكان المتظلم يمسك بخصمه من قفاه ويتضرع إلى إخوانه أن يساعدوه، وكان الموصي إليه لا بد وأن يخلع لباسه ويقفز ويرقص! وكان الأب هو الحاكم والقاضي في أسرته. وجميع أفرادها داخلون في ملكه يتصرف فيهم كما يتصرف الإنسان في ملكه المنقول، فله بيعهم كالعبيد سواء كانوا نساء أو رجالاً (راجع جيبون صحيفة ٥٦٣ جزء ٤) ولم يكن حق الملكية معروفاً لديهم على النسق الذي نعرفه، بل كان الملوك يقطعون الإقطاعاتللضباط والعساكر، وهؤلاء يجبون الخراج من أصحابها المزارعين (ماين صحيفة ٢٦٥)، ومن أراد الزواج يذهب ويشتري زوجته من والدها على الصورة المتقدمة مع إحضار القباني والميزان والشهود، ثم قال: ومن يطلع على أحكام هذا القانون يجد بعضها في غاية الشدة والقسوة كمعاملة المدين المفلس، فانه كان يمهل ثلاثين يوماً وهو مسجون مكبل بالحديد والقيود والسلاسل التي لا تقل وزنها عن خمسة عشر رطلا ثم يعرض ثلاث مرات في السوق العمومي لاستجداء الأصحاب والأقارب، وبعد انتهاء الثلاثين يوماً إما أن يعدم أو يصير عبداً للدائن يبيعه ويقضي دينه، وإذا كان له جملة دائنين حق لهم أن يجزئوا لحمه قطعاً وينتقم كل منهم لنفسه بتقسيم بدنه هذا التقسيم الشنيع (انظر جيبون جزء ٤ صحيفة ٥٨٩ إلى٦٠٠) وكانت أحكام الرومان الجنائية قاسية للغاية، فكانوا يلقون المذنب لافتراس الوحوش الكاسرة في محل يسمى: الأنفتياتر. . . الخ ما ذكره هذا بعض ما قاله العلماء الغربيون عن الفقه الروماني القديم ومخالفته للجديد، وهو كاف - بلا شك - في خرق الإجماع الذي ادعيته عندهم يا حضرة الأستاذ على استمرار القانون المعهود بينهم من ذلك العهد، ولا نناقشك الآن في أصل احتجاجاتك بسكوت الأوربيين عن جرح القانون الروماني المعهود لديكم أو تلفيقه إلا بهذا، ولا نعيد لك ما قاله العلامة ابن تيمية، ولا أبو الوليد ابن خيره؛ فقد يكون كل كلام لا يروج لديكم إلا إذا كان عليه الطابع الأوربي، فذاك عند بعض قضاء لا يرد قائله، غير أننا سنمهلكم وننتظر حتى يأتي يوم تصيح بكم فيه أوربا الحبيبة: أن أصلحوا معلوماتكم، وغيروا مُذكراتكم، فعند ذلك تخفون

стр. 9419

لصوتها قائلين: غطى هواك وما ألقى علي بصري! سقوط قياس القانون الروماني بالقرآن قلت أيها الأستاذ في الصفحة ١٢١٦ من الرسالة: (إن البينات تختلف بحسب الأمور المراد إثباتها، فإذا كانت هذه الأمور غير مدونة بنفسها كالحديث الشريف فلابد حينئذ من ذكر الأسانيد وسرد الروايات، أما إذا كان المراد إثباته مدوناً بنفسه لم يعد مجال حينئذ إلى الأخذ بطريق الرواية والإسناد، وصار لا بد من التدليل عليه بنسخه الأصلية، التي وضع بها، أو بالنسخة التي أخذت من هذه، فالقرآن الكريم مثلاً لما كان قد دون في العهد الذي نزل فيه وجمعت صحفه المدونة في عهد الخليفة الأول، وانتقلت إلينا نسخ مخطوطة منه كتبت في عهد قريب من عهد نزوله، لم يلجأ إلى الرواية لثبات صحته؛ وكذلك أيضاً شأن الشرع الروماني الخ) وقلت في صفحة ١٢١٥: (لئن جاز في نظرنا لأحد من النصارى أو اليهود المتعصبين أن يجزم بأن القرآن الذي بأيدينا هو غير القرآن الذي أنزل على محمد ﷺ ، وأنه مختلف من جماعة من علماء المسلمين الحديثين، مكتفياً للتدليل على ذلك بأن يقول لنا: هاتوا دليلكم، فقد حق كذلك لصاحبي المقالين المتحمسين أن يزعما ما زعماه) فما أغناك أيها الأستاذ عن قياس القانون الروماني بالقرآن الكريم؛ وزعمك أن الاستناد في إثبات كونه هو المنزل على رسول الله ﵌ إنما هي نسخة المخطوطة القديمة الموجودة، لا روايته الصحيحة، فحينئذ هو عندك في نسبته إلى الشارع (كنسبة القانون الروماني المعروف إلى جوستنيان؛ وهذا تقرير لا أعلم مسلماً قاله قبلك أيها الأستاذ الفاضل، فالعمدة في إثبات القرآن الكريم ليست نسخة المخطوطة فحسب، بل المقرر حتى عند تلاميذ المدارس الابتدائية أن العمدة في إثبات القرآن الكريم إنما هو التواتر، والتواتر أقوى الأسانيد وقد تلقاه الجيل عن الجيل؛ ورواه الخلف عن السلف بالتواتر في كل عصر من عهد نزوله إلى اليوم، ولم يقل أحد بأن العمدة في ثبات القرآن إنما هي نسخة المخطوطة القديمة فقط. وكيف يقاس القانون الروماني الذي لا يعلمه إلا الأفراد من المتعلمين بكتاب يتلى في كل مسجد وزاوية، بل في كل بيت في بلاد الإسلام، وفرض على كل فرد من المسلمين تلاوة شيء منه في كل يوم خمس مرات، ذلك بعد أن حفظه الجم الغفير عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في عصره، حتى ثبت أنه

стр. 9420

قتل في يوم اليمامة فقط سبعون قارئاً، وروته الألوف عن الألوف من ذلك العصر، وهكذا دواليك إلى اليوم، ولا يبلغ الطفل المسلم سن التميز إلا ويوجه لتعلم القرآن الكريم قبل دراسته لأي شيء كان أين يكون قانون لا يعرفه إلا الأفراد من المتصدين لدراسة الحقوق من كتاب يدرسه العابد في محرابه، والتاجر في سوقه، والزارع في ريفه؛ ويشترك في تلاوته الشريف والوضيع، والذكر والأنثى من الطفل الصغير إلى الشيخ الكبير، حتى أننا لو فرضنا أن المدنية العصرية قد عمت العالم وتخللت أوساطه الرفيعة والمنحطة، وأريد أن يتلى القرآن بالمذياع على كل ذي مصحف لانفتحت عند سماعه مائة مليون مصحف في شرق الأرض وغربها، ولو أخطأ القارئ في فاتحته لرد عليه عند ذلك فوق ثلثمائة مليون صوت من أنحاء الدنيا! هل يقاس هذا إلى ذاك إلا إذا قيست الذبالة بالغزالة؟ وقلت: أما المناقضات التي وقع فيها. . . صالح العلوي. . . فأشير منها إلى ما جاء في السطر الثاني من الجانب الأول من الصفحة الـ ٧٨١ من الرسالة، فبعد أن قال: إن الفقه الروماني اختفى ثم اكتشف ولم يظهر ولم يعمل به إلا في القرن الثاني عشر وأنه لم يكن معروفاً حتى عند الرومان أنفسهم قبل القرن الحادي عشر) وقال في السطر ٢٢ من الصفحة نفسها (إن دعوى اختفائه أكذوبة) ثم ما لبث أن استند إلى قول العلامة سافنيه: (إن القوانين الرومانية لم تختف لأنها ظلت معمولاً بها إلى اليوم من غير انقطاع الخ ومحصل ما نسبته إلي أيها الأستاذ أنني أؤيد دعوى اختفاء القوانين ثم اكتشافها ثم أدعي أنها لم تختف بل بقيت معمولاً بها وأستند لذلك بقول سافنيه: هكذا شاء قلمك يا أستاذ الحقوق أن يصنع، وهكذا أراد أن يمسخ الحق ليصوره باطلاً فيقطع من عباراتي ما شاء ويصل، ولا يتورع من أن يبلع بعض الكلمات بلعاً؛ ذلك ليبني مما قلته تناقضاً وانظروا أيها القراء ثم احكموا، أما ما قلته في السطر الثاني من الصفحة ٧٨١ فهذا نصه بالحرف: (ثم إن الفقه الروماني - على زعم أنه اختفى ثم اكتشف - لم يظهر ولم يعمل به إلا في القرن الثاني عشر أو الثالث عشر بعد الميلاد، أما قبل الحادي عشر فانه لم يكن معروفاً حتى عند الرومان أنفسهم، ولا شك أن الفقه الإسلامي قد قرر وصنف الخ) فقلت

стр. 9421

هنا على زعم أنه اكتشف الخ، لأبين أن تأثير الفقه الإسلامي بالفقه الروماني غير معقول حتى على زعم أن الفقه الروماني الموجود هو القديم نفسه وأنه اختفى ثم اكتشف لأنه على هذا الزعم لم يظهر بزعمهم إلا بعد الحادي عشر وقد وجد فقهاء الإسلام وألفوا وصنفوا قبل ذلك بزمن طويل وهناك قلت: وما قيمة زعم تأثر الفقهاء بالقوانين الرومانية إذا كان مصنفو الفقهاء وأئمتهم ومنهم: مالك والشافعي وأحمد وأبو حنيفة والثوري والأوزاعي الخ. درسوا وألفوا وصنفوا قبل أن توجد أو تعرف القوانين الرومانية للرومان أنفسهم. أليست هذه مهزلة مضحكة؟ وقلت إنني قلت في السطر ٢٢ من الصفحة نفسها (إن دعوى اختفائه أكذوبة) وجعلتها بين قوسين، وهذا يفهم أنها بالحرف، وأصلها بالنص: (إن دعوى اختفاء الفقه الروماني ثم ظهوره بعد ستة قرون أكذوبة لا مرية فيها، وقد كان الفقه الروماني معروفاً وهو أشبه بالفصول المضحكة)، ولكن قلمك يا أستاذ الحقوق أدى منها هذه الكلمات الثلاث أو الأربع وذهبت الكلمات الباقية ضحية في سبيل خلق التناقض الموهوم! وأما العبارة الأخيرة فلم تذكر سطرها ولا جانبها، وقد يكون ذلك لكونها تبعد عما قبلها بأسطر والغرض إيهام القراء وجود التناقض في عبارة متصلة وقد ذكرتها أعني العبارة الأخيرة بنصها ولك الشكر، غير إنك اختزلتها اختزالاً كي تجعلني أمام القراء ملزماً بها بزعمك بالاعتراف بأن الفقه الروماني الحديث هو القديم، والعبارة (ثم إن حكاية اختفائها وبروزها في القرن الحادي عشر لم يقل بها غير هولود فيكوس سنة ١٥٠١ م ثم راجت. أنظر جيبون ٤ صفحة ٥٥٥، وقد اعتبرها بعض العلماء إذ ذاك غير حقيقة فقد قال القانوني الشهير سافنيه إن القوانين الرومانية لم تختلف لأنها ظلت معمولاً بها إلى اليوم من غير انقطاع. اهـ، ويعني بها القوانين القديمة المقدم ذكرها) هذه عباراتي حرفياً، وبهذا وذاك ينكشف للقارئ الكريم أنني لم أقل إن الفقه الروماني اختفى ثم اكتشف إلا وأنا مبين بأن مبين ذلك زعم، وقلت إن للرومان قانوناً معروفاً كله همجية وقسوة، وهو الذي لم يختف وهو المعنى بقوله سافنيه، وكلامي صريح في ذلك وبهذا يتضح ألا تناقض وإن كان فإنما هو في مخيلة الكاتب الأديب! يا حبذا العصبية والعاطفة القومية!

стр. 9422

وتقول أيها الأستاذ: فأولى بشبابنا ألا يكونوا أسرى عواطفهم من تعصب للدين ثم تقول: (إن في دعاواهم ما يضر بالإسلام ويسئ بثقافته الظنون) فيا عجباً لك أيها الأستاذ أدفاعنا عن الإسلام بالبرهان والمنطق يضر بالإسلاموتعصبنا لديننا يسيء بثقافتنا الظنون؟ هكذا تعصبنا نحن فقط يضر بديننا؟ لماذا يضر التعصب (على فرض وجوده) بنا وبديننا ولم يضر بأروبا ولا بدينها وقد ضربت فيه الرقم القياسي وبلغت النهاية؟ ألم تتقول أروبا على الإسلام بما ليس فيه وتقذف أهله بما يندى له جبين الشرف، وترمي نبينا العربي ﵌ بفري تصرخ منها الحقيقة ويضج لها التاريخ؟ فعلت ذاك ولا تزال تفعل إلى اليوم. فهل أضر بها لديكم فتيلاً؟ لقد أشبع الأوربيون ديننا زوراً وأوسعوا تاريخنا مسخاً وتشويهاً مما لو جمعنا بازائه كل ما قاله متعصبو المسلمين فيهم لما كانت نسبته إليه إلا كنسبة التأفيف إلى حرب البسوس؛ وهاهم أولاء يملأون الدنيا تبشيراً بدينهم، ودعاية لهم غير آبهين عند ذلك بأن يسفهوا الأديان ويكيلوا أنواع الأفك على مشرعيها. فهل أضر ذلك أيها الأستاذ بمسيحيتهم؟ وهل أساء بثقافتهم لديكم الظنون؟ أو هنيئاً مريئاً غير داء مخامر لعزة من أعراضنا ما استحلت أما إذا قمنا لندافع عن ديننا بالتي هي أحسن ونظهر فضل تشريعه على العالم ببراهين كافية وأدلة وافية متذرعين بأقوال بعض الأروبيين أنفسهم غير قاذفين لأحد ولا متهجمين على أحد قلتم إننا متعصبون نسرف في القول على علماء أروبا الذين لا يمكن أن يزوروا، وأنهم وضعوا الحقيقة في أعلى المنازل وجعلوها فوق كل شيء لأن فلاناً ألف كتاباً عن النبي صلى الله عليه وعليه وآله وسلم، وفلاناً قال كلمات تعتبر ثناء على الاسلام، والآخر مدح فلاناً المؤرخ العربي وقال إنه من سلف علمائنا، فأولئك قوم رضى الله عنهم ورضوا عنه، فاصمتوا فلن يقولوا إلا حقاً، ولن يخبروا إلا صدقاً. ومعنى هذا أغلقوا أبواب البحث عن أروبا وتلقوا كل ما تلقيه عليكم بالتسليم. هكذا احتججتم وبهذا قضيتم؛ فما لكم كيف تحكمون؟ أما العصبية أيها الأستاذ فما أعظم رزء قومنا بفقدها. وأما العاطفة القومية فما أحوج أمتنا إلى الشعور بها فإننا الآن في زمان لا ملاذ فيه إلا للقوة ولا صولة فيه إلا للعصبية. فنحن في عهد تنشد فيه العصبية وتحمد فيه العاطفة الدينية، ومن لا يتعصب لدينه لا يتعصب

стр. 9423

لقومه ولا وطنه؛ وهل تلتمس القومية عند من لا عصبية له إلا كما تلتمس عند الديوث خلال الشرف. إنني أنصحكم أيها الشباب عن هذا الضعف وأحذركم عن هذا التلاشي والاندماج في أروبا، إنكم في حاجة لغير هذا فيا شباب العرب! كونوا في عصبيتكم لدينكم ناراً تتلهب، وكونوا في عواطفكم أعاصير تلوي بكل ما هو أمامها من باطل وبغي. وكونوا في مبادئكم جبالاً لا تعبأ بالزلازل ولا تحركها هوج العواصف إن المجد والحرية يدعوانكم من وراء القرون أن تتقدموا إلى الأمام. فتجهزوا يا أبناء جنود الفتوح وسلالة فوارس بدر. فحيا الله عصبية العروبة وعاطفة الإسلام، وسلام على صدور امتلأت أحناؤها بنور الإسلام، وفي سبيل الله نفوس للآباء أزهقت طعناً بالرماح وقعصاً بالسيوف ضحايا على أعتاب الإسلام! سنغافورة صالح بن علي الحامد العلوي

стр. 9424

المصيف للأستاذ محمود خيرت خلا الرّبعُ في الصيف من ربّه … فهلاَّ خلا الدمعُ من غَربه وكم ضاق ربعٌ بِسُكانِه … فولَّوا فراراً على رَحبه وحَسْبهمُ القيظ عذراً فمَن … يُؤاوى الجحيمَ إلى جَنبه ترى الناس في زُمَرٍ يركُضون … منازيحَ كالطَّير في سِربه إذا سعَّر الحرُّ رطْبَ النَّسيم … تنقَّلَ يبحثُ عَن رَطبِه وليْس السِّفارُ ووعثاؤه … بِصارفِه عن جَني طلْبه ومْهما تمرَّرَ طعْمُ الدواء … فإنَّ السلامة في شرْبِه وأما المصيف فمن ذا الذي … تعلَّلَ منهُ ولم يُصبِه هناكَ الطَّبيعةُ فتَّانةٌ … ترِفُّ من الحْسن في ثوبِه هناك الجمال وسُلطانه … هناك الهوى بأساليِبه إذا ما الغواني رمي لحظهنّ … شرِبتَ الدموعَ على نخْبِه وهَمَّ الخليُّ ثقيلَ الهموِم … يُسِرُّ إلى جاره ما بِه وقد سبَقَتْ وعْيَهُ كفُّهُ … إلى موضع الجُرح من قَلبِه وتخطرُ في الشَّطّ أغصانُهنَّ … دلالاً فيُوغِلُ في عُجبه وعُجْبُ المليحات مِن دأبهنَّ … وما كان للشطِّ مِن دأبه ويَجلِسْن تحت مظلاّتهنَّ … نَشاوى وكلٌ إلى صحْبِه يطوف الحديث بأرجائهنَّ … أَلذَّ مِنَ الصفو في ذَوْبِه إذا حل أُذْنَ نَزِيلِ الشباب … لواهُ وزعزع مِن لُبَّه وإن حلَّ أُذْن المشِيب … أعاد الشَّباب إلى شَيْبه ويسمعُه الطير في روضهِ … فيهتزُّ الأنوفَ شَذا طيبِه ومهُنَّ مَن راقَها في العُبَاب … زئير الضَّراغمِ مِن صَخْبِه فوافَتْه تَسْبحُ جبَّارةً … فهلْ خرَجتْ فيهِ من صُلبِه فما راعَها هوْلُ أمْواجِهَ … ولا راعها الهول في جُبِّه

стр. 9425

ومَن كان في الخَطْب ذا مِرَّةٍ … أصاب المَقاتل من خَطْبه فهذا المصيفُ ولذَّاته … وهذا هو السِّرُّ في حُبِّه فشتان بين لهيب الجحيم … وطيب النعيم وأسبابه إسكندرية محمود خيرت

стр. 9426

تحية مصر بقلم الياس قنصل أبليتُ كلّ تصلُّبي وعُرامي … - قال الزمانُ - وما بلغت مرامي جمعتْهما بيضُ الخلال ووثَّقتْ … تلك العرى لغُة الكتاب يتسابقان إلى العُلا بأُخُوَّةٍ … وشّى سناها صفحةَ الأرحاِم قطران في عقدِ العروبةِ برّزا … أرضُ الشآم وموطن الأهراِم يا مصرُ (سعدُكِ) كان أيضاً سعدنا … في دفع شر الظلِم والظلاِم وجهادُ فتيةِ جلَّق لكِ حصَّة … منه، تخلخل أضلع الأخصاِم من يخبر الغربَّي أَنَّ رجاَءه … في شرقنا وهم من الأوهاِم يحظى بنيل الحقِّ شعبٌ صادَفتْ … أسيافُه دعماً من الأقلاِم يا مصرُ يا أُمَّ الحضاراتِ التي … مهدتْ سبيل الحقِّ للأَفهاِم ما دشَّن التاريخَ قبلكِ للورى … شعبٌ بآي السؤدد المترامي أنتِ التي نطق الجمادُ بمجدِها … من غير ماعَيٍ ولا إبهاِم في كلُّ تمثالٍ هناك عضارة … من عزّكِ المبنيّ بالاقدامِ في أيِّ عصرٍ لم تكوني معقلاً … من كلّ نائبةٍ لكلِّ مُضاِم لجأَ المسيحُ إليكِ فاتَّضعتْ له … بعد الهياج عواصفُ الأياِم وأتاكِ أعلامُ فأُمِّنوا … من شرَّةٍ الحكَّاِم والأحكاِم خلقٌ لنيلكِ ما تضاءل فضلُه … بل عزّزتْه فضائلُ الإِسلاِم للشعرِ فيكِ بلابلٌ صدَّاحة … علويّة الألحانِ والأنغاِم قبستْ من الروض الجمال فكان في … إنشادِها بسنائه النَّماِم لا ترتضي لخيالها يوماً سوى … مغنى الأثيرِ ومسرح الأَجراِم قلبُ العروبة منصت لنشيدها … إنصاته للوحيِ والإلهاِم! كم في سجلّ الفنّ عندكِ من فتي … بلغ النبوغُ به أجلّ مقاِم إن كان فخركِ بالممثّلِ رائعاً … ما القول في النحَّاتِ والرساِم؟ في كلِّ ميدانٍ لأهلكِ جولةٌ … محفوفةٌ بالفوز والإعظاِم

стр. 9427

أنتِ المليكةُ والفنون لآلئٌ … في تاجكِ المتألق البسَّاِم يا مصرُ لم أنبس بذكركِ مرَّة … إلاّ وروح الشوقِ طيّ كلامي إن كانت الأقدارُ تأبى أن أرى … فيكِ البهاَء فأنتِ في أحلامي هذى مناجاتي لنيلكِ اكبرتْ … ببني الكنانِة حكمةَ الأعواِم لا زلتِ للمجدِ المؤثَّل شارةً … وعليكِ منِّي ألف ألف سلاِم! عاصمة الأرجنتين الياس قنصل

стр. 9428

فصول ملخصة في الفلسفة الألمانية ١٩ - تطور الحركة الفلسفية في ألمانيا فريدريك نيتشه للأستاذ خليل هنداوي كانت أولى مآثر نيتشه للامعة في الفلسفة (نشأة المأساة)، فهي المثل الأعلى الذي وجده في البطل (ايشيل) والفيلسوف (شوبهناور) والفنان (فاجنر)، وفي أخريات أيامه جدد نيتشه العهد لمثله الأعلى الذي تكرر في (السوبرمان - الإنسان الكامل)، وبين هذين العصرين تمتد هاوية عميقة تفصل بين هاتين القمتين: عصر سلب ونقد مفرط. إن نيتشه قد عجل بالبناء وكأني به قد شعر بأن مواد بنائه لم تكن صلبة بالمقدار الذي يجب أن تكون عليه. ألم يحس في نشأته الأولى أن في أصول (شوبهناور وفاجنر) ما لا يمت بأصوله ولا يلتقي مع فكرته، فعمل على اقتلاع ما لا يتصل به واستخلاص ما داخل فكرته مما لا يوائمها. وفي العصر الثاني رأيناه يقتفي سبيله الذي انتهجه في البدء بعد أن حطم ما حطم من قيم فاسدة ونظم معفنة دون ما رأفة ولا شفقة. وبهذا انتقل من مرحلة السلب إلى مرحلة الاثبات، واستبدل جرأة الناقد بذهول النبي. وكان من آثار ذلك العهد الأول (أشياء إنسانية) و (آراء مختلفة) و (المسافر وظله) و (فجر)، وكلها سطرت يوم كانت الحادثات تهد صحة نيتشه، وكلها وليدة ذلك الحذر الأعمى من الوجود، هذا الحذر الذي ولده الداء في نفسه، فالريح الذي يخفق حوله بارد قاتم، ونيتشه يلوح كالمهدم العابث الذي زال من صدره عامل الإشفاق، يعمل على تهديم أسوار الشرائع وتحطيم أبراج الأخلاق، ففي كتابه (أشياء إنسانية) يحارب التشاؤم ويسطو على معلمه (شوبنهاور) جاحداً مذهبه، كافراً بتعاليمه، لا يؤمن بأن الإرادة شيء قائم بذاته، نافياً القول بإمكان (شيء يقوم بذاته)، يقاتل عاطفة الرأفة والشفقة، ويرذل فضيلة الزهد، هذه الفضيلة التي تجرد الإنسان من شخصيته وأنانيته، وفي هذا الكتاب أصبح لا يرى غاية الإنسانية توليد العبقرية كما جهر من قبل؛ ولكنها بمجموعها تمشي ولا غاية تسعى إليها. وفي كتاب (المسافر وظله)، يعلن ذلك الظل الذي يلحق الأشياء حين تشرق عليها شمس المعرفة، ويعتقد بأن الأشياء لا تدرس واضحة

стр. 9429

جلية عندما يحدد دارسوها دراستها على ضوء المعرفة (المثالية) لأنه لا يبدو إذ ذاك من الأشياء إلا أجزاؤها المضيئة، أما الأجزاء القاتمة فتبقى بعيدة عن نظر المجتلي، وهكذا ينبغي للمفكر الحقيقي الذي يرغب بأن تكون له فكرة تامة عن الحقيقة أن يتأملها من وجهها الخفي. وفي كتابه (فجر) يُخضع نيتشه لنقده مسألة (القيم والنظم الأخلاقية) التي يقدسها الناس ويحترمون قواعدها، هو يرى أن الأيمان بالواجب ليس بنظام سماوي ولا بتعليم أوحته السماء على البشر، وليس هنالك قاعدة خالدة لتمييز الخير من الشر، وهذه الشريعة الأخلاقية التي تجبر الإنسان على أن يكون صادقاً أمام نفسه في كل شأن، قد تنتهي بالاضمحلال، فقد يغدو الإنسان بالأخلاق ردئ الأخلاق، كما يغدو بالدين زنديقاً، لأن إخلاصه لعقله يزجيه إلى أن يقذف بنقده الأخلاق ذاتها، وأن يكون في ريب من نظمها والمثل الذي استخلصه نيتشه من الوجود أصبح يدنو الآن من المثل الواقعي، فقد يرى أن كل كائن في الثلاثين من أعوامه الأولى تتولد فيه حركة قد تحتاج الإنسانية إلى ثلاثين ألف سنة لتحقيقها. الإنسان الأول ينشأ في حداثته مؤمناً متديناً، ثم فاقداً لإيمانه في الله والخلود، مأخوذاً بما يزين له العلم النظري، ثم يفقد العلم النظري تأثيره، حين يمسي لا يشبع نفسه ولا يكفي عقله. وفي النهاية تستيقظ فيه الروح العلمية فتقوده إلى دراسة التاريخ والطبيعة درساً صحيحاً. وفي إنسان العلم وفي الروح الحر المفلت من كل وهم زائل والمنعتق من كل اعتقاد باطل، في هذا الإنسان يرى نيتشه الإنسانية المتسامية، فالروح الحر هو متشائم يعتمد على عقله، وهو مفتقر إلى صحة أدبية قوية لا غش فيها، تعمل على الحيلولة بينه وبين الاستسلام إلى اليأس والفناء، وليس من السهل على الإنسان أن يمزق عن جسده أثواب الخطأ الملتفة عليه في كل جانب ليرى الحقيقة ماثلة أمام عينيه، (فالحياة الإنسانية غارقة بأكملها في الأخطاء، وليس في استطاعة الفرد أن ينتشل نفسه من هذه الهاوية إذا لم يكن خصماً قاسياً على ماضيه، كثير السخرية من الإهواء التي تدفعنا إلى الإيمان بالمستقبل وبالسعادة الآتية)، وبهذا يستطيع إذا كان جريئاً صافي الطبع أن يجد في العلم ما يعمل على استنقاذ روحه من اليأس، فان المعرفة المبطنة بالتشاؤم تنقذه من السأم الذي يأكل قلوب سواد الناس. حتى إذا قدر أن يتحرر من كل ما يحترمه الناس زاده تمتعه بالأشياء طرباً وجمالاً، فهو يهوى أن يحلق فوق الاضطراب البشري لا يخفق قلبه رعباً فوق العادات

стр. 9430

والأوهام والعقائد، هو يحيا لكي يفهم فهماً صحيحاً، وإن أسمى مكافأة عنده هي أن يتفهم في نفسه وفي غيره من الأكوان هذه النواميس الضرورية المتجلية في حركات الكون، وأن يستدل - كالمنجم - على مستقبل الذرية البشرية (وهل تعتقد بأن مثل هذه الحياة المتجلببة بمثل هذه الغاية باعثة للفناء خالية من اللذة؟. . . . إنك لم تدرك أن السحب الثقيلة، سحب الأحزان هي أثداء ضخمة ترضع منها أفاويق عذبة حلوة، لتقبل الشيخوخة فتفهم بنفسك كيف تلبي نداء الطبيعة، نداء هذه الطبيعة التي توجه العالم إلى السرور. هذه الحياة التي اتخذت الشيخوخة سنامها اتخذت الحكمة ذروتها. . . وهل الحكمة إلا ذلك الشعاع المنبثق من الفرح العقلي. . . الحكمة والشيخوخة عنصران نراهما على قمة طود واحد - هكذا شاءت الطبيعة - قد تقترب الساعة فلا تهتج! ولتكن حركتك الأخيرة - حين يتراكم ضباب الموت - جهداً تبذله وتوقاناً نزاعاً إلى النور، لتكن تنهداتك الأخيرة أنشودة انتصار الحكمة) ومنذ عام ١٨٨٢ بدأت تتبدل لهجة نيتشه تبدلاً محسوساً على أنه ثابر على نضاله ومحاربته لعقائد جيله حتى النهاية. فكتبه الأخيرة إنما هي غارة شعواء ضد المسيحية وما تحمله من زهد وتقشف. ولكن هذه الصيحات التي يرسلها قوية عالية أصبح يمازجها قليل من الألحان العاطفية؛ ألحان نشيد الانتصار عاد نيتشه إلى صحته بعد أن قضى أيام علة وسأم، يرتقب الموت في كل فجر يتنفس، وفي كل ليل يتعسعس. عاد إليه رجاء جديد وتنفس جديد، - والأرض أرحب بكثير من كفة الحابل. . .! - يقول في فاتحة كتابه (العلم الطرب): (إن هذا الكتاب هو صيحة طرب بعد أيام طويلة مكفنة بالبؤس والعجز. هو إغنية مرح تتهادى فيها أصوات قوى بعثت بعثاً جديداً وألحان إيمان واسع في الغد وما بعده، في مستقبل مفتوح لي يحمل طيه حوادث قريبة، ينطوي على بحار حرة وغابات جديدة تجذبني نحو ما أستطيع أن أبلغه وأقدر أن أومن به) وهكذا تقشع من سماء نيتشه سحاب اليأس القاتم، فبانت له سماء صافية مضيئة. رحل الشتاء المتجمد وخفق قلب ربيع جديد. وفي هذه الخطرات الجديدة التي هيمنت عليه عادة الشك في قيمة ذلك الروح الحر الذي بشر به وجعل منه مثالاً عالياً. إن هذا الروح الحر عابس ينقصه روح الطرب، قد جعل

стр. 9431

منه الألم كائناً كئيباً وهذا الروح لا يزال ثقيلاً لم يتعلم أن يرقص وأن يلعب ويفرح حراً طرباً وثاباً على أمواج الحياة، إن هذه الفكرة خلقت لنيتشه خيالاً جديداً انطوى على الصورة الرائعة التي وجدها في نبيه (زرادشت) هذا النبي الذي قضى في الصحراء عشرة أعوام، مرتاحاً لعزلته وفكرته، ثم نزل إلى الناس يلقنهم الديانة الجديدة، ديانة السوبرمان والعودة الخالدة، وهو يجمع حوله في مناراته المنعزلة نماذج متقاربة صافية للإنسانية المتألمة السامية. إن رجال الرغبة الكبيرة والاحتقار الكبير والسأم الكبير؛ هؤلاء الرجال يجب أن يفسحوا مكاناً للسوبرمان الذي يشفيهم من تشاؤمهم ويضيء لأعينهم آفاق المستقبل، ثم يموت في اللحظة التي يبلغ فيها أعلى ذروة الحكمة، في اللحظة التي تبلغ فيها شمس وجوده سمتها الأعلى في الهاجرة الكبرى، معلناً بموته انتصار مذهبه وقد رأينا توصلاً إلى تحليل فلسفة نيتشه تحليلاً منطقياً أن نقسمها إلى قسمين: الناحية السلبية، وهي تنطوي على نقد الإنسان الحالي ونقد إيمانه وغريزته، والناحية الإيجابية، يبحث فيها السوبرمان وعودته الخالدة، وبهذا تبدو أفكار نيتشه مرصوفة ضمن نظام مذهبي لم تعرف به من قبل. لأن هذه الأفكار في الآونة الأخيرة لم تثبت على حال معهودة فهي سريعة التبدل وسريعة التنقل. ونتشه نفسه لا يريد أن يكون فيلسوف مدرسة. . . لأن الحقيقة عنده لا خلاف فيها. على أنه لم يحجم عن مهاجمة الآراء التي يراها فاسدة بأدلة باهرة وحجة منطقية (إلا أن غريزتي تريني في هذا الإنسان أو في هذه الكتلة من الناس جماعة منحطة تدعو إلى الاحتقار. . . وفي هذا المذهب أو في هذا الإيمان جرثومة مرض. . . إنني أحاربهم وأكافحهم كما يكافح الخطر والمرض. فإذا صح أنني أنصر مذهباً حياً وخصومي ينصرون مذهباً فاسداً فالنصر لا ريب معاودي، وفي الحالة المعاكسة لا يأتيني إلا الخسران! وبما أنني لا أريد إلا شيئاً واحداً هو انتصار الحياة، أراني أطرب بانكساراتي كما أطرب بانتصاراتي وكل ما وراء ذلك عندي سواء أو ليس من الغباوة أن نشيد مذهباً منطقياً لفلسفة نيتشه ضمن هذه البوادر، شأن فلسفة (كانت) وشوبنهاور، وليس للمنطق كبير شأن في هذه الفلسفة؟. على أن نيتشه إذا صح حدسي كان يأتي المسألة ويدرسها من جوانب مختلفة، يتلقنها ثم يدرسها ثم يفحصها حتى تحين اللحظة التي يطلق فيها حكمه الأخير. فإذا درست آثاره أثراً أثراً ألفيت أن المواضيع

стр. 9432

نفسها تطوي وتنشر ومن وراء ذلك عقل نيتشه العظيم. وإذا لم يأخذ نيتشه بالمنطق ونظامه الدقيق كما يأخذ به أرباب الفلسفة فليس معنى ذلك أن الرجل خلت أحكامه منها، أو أن عقله لم يكن منطقياً. فالرجل حاد الفكر، وفلسفته - من حيث المجموع - يربط بينهما نظام منطقي دقيق. ولكن صحته السيئة حالت بينه وبين ترتيبها ترتيباً فنياً، فجاءت مقاطيع متفككة بأجزائها كاملة بكليتها. مقاطيع أودع فيها صاحبها كل نفسه وقلبه (يتبع) خليل هنداوي

стр. 9433

القصص صور من هوميروس ٤ - حروب طَرْوَادَة التعبئة للأستاذ دريني خشبة عاد منالايوس من رحلته في الحدود، وليته لم يعد! لقد جُن جنونه حينما علم من أمر زوجه وضيفه ما علم! (علام إذن كانت كل هذه الضجة التي أحدثتها تلك اللعينة قُبيل زواجها؟ لقد تركت عشاقها الكثيرين صرعى حول قصر أبيها، وظلت تتيه وتدل وتتأبى وترفض، وفيهم شجعان هيلاس وحماتها وأباتها، وملوكها الصيد، وفرسانها المذاويد! فيم إذن كانت كل هذه الضجة؟ هل منحتني جسمها فقط، يوم اختارتني بعلاً لها؟ وهل ذخرت قلبها للعشق الأثيم، والهوى الفاجر، حتى ترزقها شياطين الفتنة هذا الشاب الغرانقاللاهي المستهتر، فراحت تقدمه فوق مذبح جمالها قرباناً للذاتها النجسة، وتقدمه لشبابه الذميم؟ واحربا! هل اختارتني بعلاً لها، لا لشيءٍ إلا أنني ملك وسليل آلهة؟! يا للفاجرة! أفي ذلك البيت الرفيع الذرى، ظلت تتقلب التاعسة في ذراعي هذا الخائن، شبقةً متلذذة؟ هل ظل هو يضمها إلى صدره الثائر في شدة وعنف؟! هل كانت تستزيده؟ أيتها الجدران الحزينة! كم قبلةٍ دنسة أصمت آذانك، وكم صرخةٍ فاجرة دوت كالرعد في حناياك؟ حدثيني أيها الهواء المسمم عما كنت تشهد في صميمهما، حين كانا ينفثانك من صدريهما سماً قتالاً! خبري أيتها الستائر، أيتها المصابيح، يا شموع قصري، أيتها الأرض الملوثة، أيها العرش المهين، أيها التاج الذليل. . . أيتها الكؤوس المتناثرة، والأكواب المقلوبة. . . تحدثي إلي!! حدثيني يا كل شيءٍ هنا عن مهازل الفسق ومذابح الشرف!

стр. 9434

آه! الشرف؟! الخرافة الكبرى! الحرب!. . . الحرب!. . . الانتقام!. . . الانتقام من الفاجرة. . . اقتلوا الخائن. . . يا حلفائي. . . تندرايوس. . . أدعُ حلفاءك. . . لقد أقسموا جمعياً. . . لقد كنت تتوقع هذه النهاية تنداريوس. . . استيقظ. . . استيقظي يا أسبارطة. . . جنودي. . . شعبي. . . هلموا إلي. . .) وهكذا أرسلها منالايوس صرخةً داوية تجاوبت أصداؤها في جميع أجواء هيلاس، واستجاب لها كل قادر على الحرب فيها. . . إلا القليل لقد عجب عشاق هيلين حين وصلتهم صيحة تنداروس، وصدقوا يمينهم التي أقسموا، فلبوا سراعاً؛ وانتفضت هيلاس كلها فصارت ثكنة عسكرية تعج بالجند وتضج بآلات الحرب، واضطربت البحار بالأساطيل تيمم شطر أوليس، حيث اتفقت الكلمة على أن يبحر منها الأسطول المتحد؛ فلا يرسو إلا في مياه طروادة لبى الصيحة كل عشاق هيلين الذين أقسموا اليمين فهرعوا من المشارق والمغارب بخيلهم ورجلهم. . . إلا ملك إيتاكا. . . أوليسيز أوليسيز كبر في نفس أوليسيز أن يتقدم لخطبة هيلين فترفضه فيمن رفضت، وهو مع ذاك ملك إيتاكا وبطلها الحلاحل، وفارس هيلاس الذي لا يشق له غبار. وكبر في نفسه أن تؤثر عليه منالايوس، وهو مع ذاك دونه شجاعة وأقل منه إقداماً حين يثار النقع وتستحر الحرب العوان؛ وكبر في نفسه أيضاً ألا تكون له زوجة يفاخر بها هيلين، وأتراب هيلين، وآل هيلين، فذهب من فوره إلى عمها فتزوج أبنته الجميلة الرائعة بنلوب: (الزهرة التي تهتز للندى، وترقص لخيوط الشمس الذهبية، وتُغني مع الأطيار، ويسكر النسيم إذا داعب خديها. . . قُبلة الحب الخالد على خدود الجمال الطليق، وابتسامة السماء الضاحكة في قلوب المحبين المعذبين. . . بنلوب. . . الوديعة كالأطفال، الحلوة كالرضى، الصافية كقطرة الندى في أوراق الورد، المرحة كسطور الغرام في خطاب الحب. . . بنلوب. . . التي تفخر الأرض بأنها تحملها. . . والهواء بأنها تستنشقه. . . والسماء بأنها تظللها وتشرف عليها. . . والجبل بأنها تنظر إليه. . . والبحر بأنه يغسل قدميها المعبودتين! بنلوب! ذات الفم العطري، والخد اللامع المورد، والجبين الناصع الوضاح، والعنق

стр. 9435

الناهضة الجَيْداء. . . ربيبة الآلهة، ولمحة الأولب، وبندورا الثانية. . .) تزوج أوليسيز من بنلوب هذه، فأخلصت له الحب، وأصفاها المودة والغرام؛ وولدت طفله الجميل المتلألئ تليماخوس (تلماك)، فزادت محبتها له، وتضاعفت عبادته لها، بعد هذا الرباط القدسي الكريم عز على أوليسيز أن ينأى عن زوجته الجميلة وطفله العزيز المحبوب، لا لشيءٍ يجر عليه مغنماً أو رفعة، ولكن ليحارب حرباً لا تعلم إلا الآلهة كيف تنتهي؛ فقد تكون عقباها القتل أو الغرق أو الأسر، فتعيش الزوجة الجميلة أيما محزونة، ويحيا الطفل يتيماً مُفجعاً. . . وثمن ماذا كل هذه المصائب وتلك الآلام؟ ثمن امرأة أذلت سادة هيلاس، وجرحت كبرياء زوجها، وفضحت أباها. . . ثم. . . هتكت عرضها، إذا كان لها عرض، بفرارها مع هذا العاشق الفاجر الأثيم!! لم يشأ أوليسيز أن يقامر بسعادته وحياته في هذه الحرب إذن، ولو كان في ذلك، كله أو بعضه، الحنث العظيم. . . فما يمين شرفٍ هذه التي يتمسك بها ملك كملك إيتاكا، من أجل امرأة ليس لها شرف؟! ليقعد إذن عن هذه الحرب، وليصم أذنيه دون صيحتها الكبرى، فإذا ألح عليه الملحون. . . فهو مجنون مأفون مخبول. . . لا تهيمن عليه مسكةٌ من عقل ولا ترشده أثارة من تفكير أرسلوا إليه رسولهم السياسي الكبير بالاميديز يحضه على الحرب ويذكره بيمينه التي آلاها، ويحرضه على (الطرواديين اللؤماء، الذين يوشكون أن يفضحوا الهيلانيين في أعراضهم) ولكنه ألفاه يحرث شاطئ البحر بمحراثٍ هائل يجره ثورٌ ذو خوار. . . وحصان عربي أصيل!! - (عم صباحاً أيها الملك. . .) - (. . .!. . .) - (ماذا يصنع مولاي؟) - (أحرث هذا الحقل الخصيب!) - (أي حقل؟) - (الحقل الذي ترى. . . أليس لك عينان تسمع بهما، وأذنان تريان ما أفعل؟)

стр. 9436

- (عينان تسمعان، وأذنان تريان؟. . .) - (اذهب. . . لا تشغلني. . . أريد أن أبذر حقلي هذا الصباح) - (وماذا عساك أن تبذر أيها الملك) - (لست ملكاً لا تهزأ بي. . . نحن الفلاحين نطعمكم ونسمنكم ثم يكون جزاؤنا أن تسخروا بنا. . . اذهب. . . اذهب. . .) - (ماذا تحاول أن تزرع هنا؟) - (سأزرع مِلْحاً؟!) - (تزرع ملحاً؟! وتحصد ماذا؟) - (أزرع ملحاً، وأحصد. . . سمكا. . . ها ها. . . لالا. . . سأحصد باذنجاناً. . . . . . ولكن لماذا تقف هكذا جنباً مني؟ لماذا لا تذهب؟) - (ألا تعرفني يا مولاي؟) - (أرجوك! أنا لست مولاك ولا مولى أحد! اذهب ودعني اشتغل) - (أنا بالاميديز يا مولاي! واأسفاه! إن هيلاس كلها تنتظرك ليومها المشهود!) - (تنتظرني؟. . . إنها لابد جائعة يا بالا. . . يا باما. . . يا بالاديز!!) - (لست بالاديز يا مولاي!. . . أنا بالاميديز!) - بالاميديز! هذا عجيب! تعال إذن فاعمل معي. . . سَأسَأ. . . . . . . . .) - (الحرب يا مولاي! الأساطيل في أوليس!) - (أي حرب، وأي أساطيل يا رجل؟) - (سنحارب طروادة!) - (ولم لم تذهبوا بعد؟) - (نريد أن تكون معنا، فالكل يهتف بك ويدعوك؟) - (أنا؟ يدعوني أنا؟. . . أنت يا رجل لا تريد أن أزرع هذا الحقل ملحاً؟ وماذا أصنع في الحرب؟ هلى أخبروك أنني فارس؟. . . اذهب اذهب. . . سأسأ. . . . . . سأسأ. . .) - (ألا تعرف من أنت يا مولاي؟) - (وهل تعرف أنت من أنت؟)

стр. 9437

- (أنا بالاميديز، وأنت؟) - (أنا؟ أتريد أن ترسل اسمي إلى الميدان؟. . . أتتركني بغير اسم يا رجل؟) لم يستطع بالاميديز أن يفوز من أوليسيز بطائل، فقد مثل ملك إيتاكادور مجنون تمثيلاً متقناً، يحاول أن يفلت من هذه الحرب التي لا شاة له فيها ولا جمل، والتي قد يقتل فيها أو يؤسر من أجل زوجة خائنة لا شرف لها ولا عرض. بيد أن بالاميديز لم ييأس حين ما شدهه من جنون الملك، فان وسواساً وقر في قلبه أن هذا البله قد يكون تبالهاً، وأن ما بالملك من مس إن هو إلا حيلة يحاول أن يفلت بها من أرزاء الحرب وأهوالها، ثم هو حيلة كذلك للتحلل من اليمين التي أقسمت عشاق هيلين لذلك لجأ بالاميديز إلى الحيلة هو الآخر، فانقطع أياماً ظل يرقب الملك فيها عن كثب، بحيث لا يراه أوليسيز، ولكن الجواسيس كانت تحمل أخبار السياسي الداهية أولاً فأولاً إلى رئيس البلاط، وهذا يحملها بدوره إلى مولاه. . . الذي يفطن إلى مكر بالاميديز فيبالغ في ادعاء الجنون، وينزل إلى البحر يحرث موجه. . . بعد إذ فرغ من حرث شاطئه!. . . ويسقط في يد بالاميديز فيطلق آخر سهم في كنانته. . . ذلك أنه تحايل فسرق تليماخوس الصغير، ولي عهد أوليسيز، والأعز عليه من نفسه، ومن الدنيا وما فيها. . . . . . سرقه فذهب به إلى حيث والده يحرث الشاطئ ويحرث البحر، فطفق يضع الغلام أمام المحراث ليرى ما يكون جنون الملك، هل يقتل ابنه، ويكون بذلك مجنوناً حقاً، أم يتفاداه، ويكون جنونه محض ادعاء وبلهه تلفيقاً؟! ولكن الملك كان أحرص على ولي عهده، وقرة عينه، من أن يتم فيه حيلة بالاميديز الداهية! فكان كلما تعرض ابنه لخطر الموت، لوى عنان الثور، وذاد الفرس، متفادياً الطفل إلى الناحية التي لا يكون عليه فيها خطر. . . فتضاحك بالاميديز، وفضح جنون الملك، وأخجل حيلته. . ثم لم يزل به حاضاً محرضاً حتى أقنعه بوجوب خوض هذه الحرب مع إخوانه الهيلانيين ازدحمت جحافل الهيلانيين في أوليس، وانعقد المجلس الحربي لانتخاب القائد الأعلى، فاختير ابن الشمس البكر، أجامنون، شقيق منالايوس وصفيه، بالإجماع اختير أجاممنون للقيادة العامة ولو لم يكن خير أعضاء المجلس الحربي. وكيف يكون كذلك

стр. 9438

ومن أعضاء هذا المجلس أوليسيز العظيم ملك إيتاكا، وأجاكس بطل الأبطال وفارس كل نزال، ونسطور أحكم من أشار بخطة في معمعان، وديوميديز المحارب الصنديد. . . إلى آخر هذه العصبة المختارة من جيرة الأولمب، والسادة النجب من فرسان هيلاس اختير أجاممنون إذن لأنه شقيق منالايوس وممثله في هذه الحرب، ثم لأنه أكبر أعضاء المجلس الحربي سناً، وهو هو ذاك أحد شجعان هيلاس المعدودين انتظمت صفوف الجند، وأخذوا في مران عنيف أياماً معدودات، ركبوا بعدها في سفائن أسطولهم العظيم، وظلوا ينتظرون إذن القائد الأعلى، أمير البر والبحر، بالإقلاع، فتجري بهم الجواري المنشآت في موج كالجبال. . . إلى. . . طروادة!. . . يحملون إليها المنايا الصفز، والغوائل السود، في شفار المشرفيات البيض! ولكن أمير البحر والبر لم يأذن لهم بالإقلاع. . . ذلك أن بعض أعضاء المجلس الحربي أشار بوجوب إستيحاء الآلهة عما إذا كانت حملتهم العظيمة هذه قد كتب لها الظفر والانتصار، أم الهزيمة والانكسار؟ ليكونوا من أمرهم على بينة، وليكونوا أيضاً قد استخاروا أربابهم فتخير لهم، واستشاروها فتخلص لهم المشورة، ويمضون بعد ذلك على بركتها وفي حراستها وارتقبوا نبوءة الآلهة بقلوب فارغة، ونفوس مبتهلة. . . ومضت أيام. . . ثم رأوا إلى كاهن المعبد يدلف نحوهم في هدأة فجر صامت، فشخصت أبصارهم، وظنوا فيه الظنون وجلس الكاهن المسن يقلب في القادة عينيه الكبيرتين، وصمت لحظة ثم قال: (أين ابن بليوس أيها الملأ. . .؟) ونظر القادة بعضهم إلى بعض ولم يحيروا. . . فقال الكاهن: (ابن بليوس رب الأعماق، من زوجته ذيتيس! أليس فيكم أخيل؟!. . .) فأجاب أجاممنون: (ومن أخيل أيها الأب المقدس؟!) فقال الكاهن: (هو ابن ذيتيس التي قالت فيها ربات الأقدار إنها تلد غلاماً يكسف مجده مجد أبيه. . . ابحثوا عنه، فلن تفتح طروادة إلا على يديه. . . لن ينفعكم أن تذهبوا بدونه. . . هكذا قالت الآلهة. . .)

стр. 9439

(لها بقية) دريني خشبة

стр. 9440

النقد والمثال للأستاذ أحمد الزين كتبت إلي - أعزك الله، وأمتع الأدباء ببقائك - أنه قد بعد عهدك بمطالعة ما كنت أكتبه في الصحف من فصول في النقد، ممتعةٍ في حسن ظنك بأخيك، وبحوثٍ ضافيةٍ دقيقةٍ فيما تنظره عين رضاك عن صديقك، وقلت: إنها لامست موضع هواك، وحققت غاية مناك، وشفت من صدرك غلة لم يكن ليشفيها ما طالعت أو سمعت من فصولٍ غيرها في النقد مما ملئت به صدور الصحف والمجلات، وحشيت به بطون المؤلفات، وأفاض فيه أساتذة النقد الأدبي في الدروس والمحاضرات، إذ كان أكثرها بل كلها من إملاء الغرض ووحي الهوى، وليس للفن فيها من الحظ إلا بمقدار ما يبرر الناقد به تفضيل صاحبه على غيره، واتهام الآخر بالعي والقصور في نثره أو شعره؛ يغفلون الأذواق والعقول، ويحكمون النزعات والميول، ويتبعون القلوب على ما يعرفون من تقلبها، ويستلمون العواطف الخادعة على تحولها وعدم استقرارها؛ فتخرج بحوثهم مختلة السياق، مضطربة الآراء، لا تحمل قارئاً على احترامها، ولا باحثاً على الاعتماد عليها. فهي بقصائد المدح والهجاء، أشبهُ منها ببحوث الأدباء والعلماء، حتى إن الشعراء والكتاب أنفسهم لم يعودوا يأبهون لما ينشره هؤلاء النقاد من ثمرات قرائحهم، إذ كان نقدهم إما مدحاً تمليه مودة أو منفعة، وإما هجاءٌ تبعثهم عليه عداوة أو حسد، ولقد قلتُ مرة لبعض الشعراء المجيدين: إن فلاناً الناقد المعروف قد كتب فصلاً طويلاً في صحيفة كذا يثني فيه على بعض قصائدك ثناء لو قرأته لسررت به، وهششت له؛ وطفقت أطيل في ذكر ما كتب؛ فقال صاحبي: بعض هذا يا أخي، فما مدح هؤلاء مما أرجو، ولا نقدهم مما أخشى، فما أيسر الوسائل التي ينال بها مدح هؤلاء ورضاهم، وإن ثناءهم لأشبه شيء بالشهادة للميت حين يحمل إلى قبره، ويقال: (ما تشهدون في هذا الرجل؟) فيقول المشيعون: (صالح وابن صالح) ولعله كان على خلاف ما شهدوا به في حياته، وقد أراح الله البلاد والعباد بمماته، ولم تقتصر متابعة الغرض ومسايرة الهوى في النقد الأدبي على صغار النقاد في هذا البلد، بل شمل ذلك أساتذة النقد وذوى الكلمة الفاصلة منهم، ومن يرتقب رأيه في كل أثر فني، كما يرتقب المتهم حكم القضاء العادل الذي لا مرد له، ولا جدال فيه، فطغى على الجميع سيلُ الغرض، واندفعوا

стр. 9441

في تيار الهوى، ولم يبال واحد منهم بمكانه في الأدب، ولا بمنزلته الرفيعة في نفوس الأدباء، وآيةُ ذلك أنك لا تجد اثنين من الناقدين يتفقان في الشاعر الواحد على رأيٍ واحدٍ في شعره، ويضعانه في المنزلة التي يستحقها مع غيره، بل تختلف الآراء فيه - بل في البيت الواحد من شعره - اختلافاً ظاهراً إلى حد التناقض، فبينا أحدهم يرى في الشاعر أنه شاعر العربية، إذا بالآخر يقول: (إنه ليس بالشاعر ولا شبه الشاعر)، وهكذا ترى المبالغة والإغراق في طرفي الرأي، مما أسقط النقد الأدبي وأضاع الغرض منه في تهذيب الفن، وأضعف أثره في نفوس الكتاب والشعراء. مع أنه مما لا نزاع فيه أن للذوق الأدبي مقياساً عاماً لا يختلف في أصله؛ وإن اختلف في بعض الفروع التي لا تقدم ولا تؤخر في الحكم على الشاعر في جملته، ولا في منزلته الشعرية بين أبناء جلدته وثمة أمر آخر هو أمر نكاية في الأدب، وأبلغ في هدمه، وهو أن أكثر هؤلاء النقاد يقيسون الأدب العربي بمقاييس الأدب الغربي، فيطلبون إلى الشاعر المصري العربي أن يحاكي شعراء الغرب في أغراضهم ومعانيهم، وإن كان أكثرها لا يلائم بيئته، ولا يجري مع قانون حياته، ولا يتفق بوجه مع الطبيعة الشرقية؛ وأطالوا في اتهام من خالفهم بالجمود، وضيق الأفق الفكري حتى حاول بعض الشعراء الناشئين تكلف هذه المحاكاة مراغمةً لشعور القلب وإحساس الفؤاد، وإرضاءً لهؤلاء النقاد فخرجت قصائدهم لا شرقية ولا غربية، مشوهة الصور ضعيفة الأثر، كالحة الظاهر، جوفاء الباطن، لم تصور إحساساً في فرد ولا في جماعة، ولم تعبر عن شعور في الأمة ولا في الشاعر نفسه، فلم تسترع هذه القصائد سمعاً، ولم تجتذب إليها قلباً؛ ولولا طائفة قليلة أمسكت بسلسلة البيان أن تنقطع، وآوت إليها طرائد الشعر العربي، وصبرت وصابرت في مدافعة هؤلاء المستغربين في شرقهم، وصانت ذخائر العرب - وأخصها اللغة - حتى تسلمها إلى طائفة أخرى مثلها ممن قوى في نفوسهم شعور القومية ونظروا في الأدب العربي نظرةً واسعةً منصفة، فعرفوا من نفائسه ما لم يعرفه سواهم؛ لولا هؤلاء لأفل نجم البيان العربي عن هذه البلاد، ومات الشعر أو كاد وقلت: إن آثر النقاد عندك وأجداهم بحثاً على طالب الشعر والكتابة من يعني بالبحث في آثار الكتاب والشعراء واختبار ثمرات قرائحهم، فيميز جيدها من رديئها، وناضجها من فجها، ويُرى القارئ أسباب الإجادة فيما يستجيد من شعر أو نثر فيأخذ بها ومواضع الزلل

стр. 9442

والمؤاخذة فيما لا يستجيد منهما فيجتنب الوقوع فيها أما البحث في تحليل حياة الشعراء وكيف نشأوا والعصور التي يعيشون فيها، والبيئات المحيطة بهم فذلك أولى بالمؤرخ الأدبي منه بالناقد الفني، على أن تلك البحوث لا تفيد طالب الشعر فائدة قليلة ولا كثيرة في الإجادة الفنية، وإن إفادته في توسيع ثقافته العلمية ثم سألتني أيها الأخ الكريم أن أعود إلى محادثة الأدباء والمتأدبين فيما قرأتُ وأقرأ من جيد الكلام ورديئه، وتبيين سبب الإجادة في الأول، وموضع المؤاخذة في الآخر، والترجيح بين المتساويين في أول النظر على صاحبه، ثم لا أذكر بيتاً فيه زلةٌ لشاعر إلا عقبته ببيت قد سلم منها لمعاصر أو غير معاصر، مفاضلاً بين البيتين، موازناً بين الشعرين، ليكون ذلك مثالاً يتبع، وقياساً ينتهج، فان لم أجد فيما أحفظ من الشعر ما يصلح مثالاً، ويتخذ قياساً، غيرتُ من البيت نظمه، وداويتُ سقمه، وذهبتُ بشكله، وأبقيت على أصله، وذلك هو ما انتهجته في البحوث السابقة، وشرحته في أول بحث كتبته، وإنا لسؤالك لباذلون، ولدعوتك لملبون؛ نسأل الذي فطر الفطرة، ووهب القدرة أن يعصمنا من هوى لا نستطيع غلابه، وأن يعيذنا من خطأ لا نعرف صوابه، ولست أعد قراء (الرسالة) بأن تحمل حديثي إليهم في كل أسبوع، بل قد تطول الفترة بين الحديثين، وقد تقتصر، إذ لم أتعود فيما أكتب التقيد بالوقت، فان هذه القيود الصحفية مما يحمل الكتاب في بعض الأحيان على أن يملأوا الصحائف بالسطور، وإن خلت من فائدة الجمهور أحمد الزين

стр. 9443

البريد الأدبي هنري باربيس توفي في أواخر شهر أغسطس المنصرم كاتب وشاعر من أعظم كتاب فرنسا وشعرائها المعاصرين، هو هنري باربيس؛ وكان باربيس زعيم المدرسة الثورية وأعظم كتابها، ولم نمض أشهر قلائل على صدور كتابه الأخير الذي كتبه عن ستالين طاغية روسيا البلشفية، وعن تاريخ الحركات الثورية في روسيا القيصرية، وهو الكتاب الذي أشرنا إليه وقت صدوره في هذا المكان من (الرسالة) وقد ولد هنري باربيس في ازنيير في سنة ١٨٧٤، وتلقى تربية جامعية حسنة، ونظم الشعر القوي منذ شبابه، وكتب القصص؛ وظهر لأول مرة في أفق الأدب بصدور ديوانه المسمى (الباكيات في سنة ١٨٩٥. وفي سنة ١٩٠٣م نشر قصته (المتضرعون ثم أخرج قصته (جهنم ' في سنة ١٩٠٨، وامتهن باربيس الصحافة وبرز فيها؛ وفي سنة ١٩١٠ تولى تحرير صحيفة الشهيرة ولما نشبت الحرب الكبرى انخرط في سلك الجيش العامل كجندي في المشاة، وأبدى شجاعة فائقة في الذود عن وطنه استحق من أجلها وسام (صليب الحرب)، وفي أثناء الحرب أخرج باربيس أعظم قصصه وهي: (النار وهي مذكرات فرقة محاربة والشعلة وبهما يرتفع باربيس إلى صف أعظم كتاب العصر ويصل إلى ذروة قوته، ولما انتهت الحرب وقع تحول عظيم في تفكير باربيس وفي مبادئه فاعتنق المذهب الشيوعي، وتولى التحرير في جريدة (لومانتيه) الشيوعية التي أنشأها جان جوريس واشتهر بكتاباته الملتهبة، وفي سنة ١٩٢٠ أصدر باربيس قصته (النور في الهاوية ' وفي العام التالي أخرج قصة قوية أخرى عنوانها: (بعض زوايا القلب ثم أصدر كتاب (الأغلال وفي سنة ١٩٢٧ أصدر كتابه (بيان إلى العقلاء ومنذ أشهر قلائل أخرج كتابه عن ستالين. وكان باربيس في أعوامه الأخيرة دائم التردد على موسكو وثيق الصلة بزعمائها، وكانت وفاته في موسكو في مستشفى الكرملين بعد مرض قصير. ومما ذكره أنه تزوج من ابنة كاتيل مانديس الكاتب والفنان الشهير، وهي أيضاً كاتبة وأديبة معروفة قوانين الملكية في روسيا

стр. 9444

يخطئ من يعتقد أن روسيا البلشفية تعيش في ظل النظم الشيوعية؛ والحقيقة أنها لا تكاد تطبق اليوم نوعاً من اشتراكية الدولة أو الاشتراكية المخففة؛ وقد اقتنع البلاشفة بعد تجارب شائكة أن الحياة الاقتصادية والاجتماعية المنظمة في ظل الشيوعية ضرب من الخيال. ومما يدل على أن روسيا السوفيتية تعود شيئاً فشيئاً الى النظم الفردية، أن الحكومة البلشفية قد أصدرت أخيراً قانوناً جديداً بتحديد ملكية الأراضي في مختلف الولايات الروسية، ولاسيما في جمهوريات التركمان وأزبكستان وأزربيجان وقازاقستان، وبعض مناطق سيبريا الزراعية، وفيه تفصيل لما يمكن أن يملكه المزارع من الأرض أو الماشية لاستعماله الشخصي؛ والقانون الجديد يتحدث عن وضع اليد والحيازة فقط، على أن تلحقه قوانين أخرى بتثبيت الملكية متى استقر تقسيم الأراضي نهائياً. وليس القانون جديداً في الواقع، فان المزارع (الكولاك) يتمتع منذ أعوام بحق ملكية حديقته وبعض الماشية، ولكن القانون الجديد يزيد في نسبة الملكية إلى حدود لم تعرف من قبل في ظل النظام البلشفي، هذا فضلاً عما يتضمنه من الوعد بتثبيت الملكية وتطمين المزارعين بذلك على مصير أراضيهم ومواشيهم. وبمقتضى هذا القانون يصبح للمزارعين في سيبيريا الحق في امتلاك أرض تبلغ مساحتها إلى هكتار واحد حسب منطقة الأرض، وفي امتلاك الماشية من خمسين رأساً من الرندير إلى مائتي رأس، ومن الكلاب ما شاء. وفي جمهوريات أزربيجان وأزبكستان وما إليها يستطيع المزارع أن يمتلك من ٢٠ إلى ٣٠ في المائة من الهكتار أرضاً زراعية، ومن الماشية جواداً وحماراً وخمس عشرة إلى ثلاثين رأساً من الغنم وفي هذه القوانين الجديدة دليل قاطع على ما انتهت إليه سياسة السوفييت من التطور نحو الفلاحين. وقد كان لتنفيذ المشاريع الاقتصادية الجديدة أثر كبير في هذا التطور، لأنها أقنعت زعماء البلاشفة بأن الترويح عن المزارعين وتحريرهم من قيود الإنتاج الإجماعي مما يضاعف أسباب الإنتاج والرخاء الزراعي أعمدة سبعة من الحكمة لم يمض على وفاة الكولونل لورنس زهاء أربعة أشهر، ومع ذلك فان آثاره وذكرياته تشغل اليوم فراغاً كبيراً في الأدب الإنكليزي، فقد صدرت أول طبعة جديدة تذكارية من كتابه

стр. 9445

الشهير (سبعة أعمدة من الحكمة وهذه الأعمدة السبعة هي: القاهرة وأزمير وقسطنطينية وحلب وبيروت ودمشق والمدينة. وكان الكولونل لورنس قد بدأ في كتابته منذ سنة ١٩٢١، وفيه يقص سيرة أعماله المدهشة في بلاد العرب، وما اشترك في تدبيره من الثورات والانقلابات والوقائع الغريبة التي انتهت بتمكين الإنكليز من الاستيلاء على فلسطين والعراق، وسيرة مغامراته الشخصية، وفيه روايات وأسرار خطيرة عن كثير من القادة والزعماء الذين عملوا مع لورنس. وفي سنة ١٩٢٦ ظهر كتاب (أعمدة الحكمة السبعة) وظهرت منه فقط مائة وعشرون نسخة باسم المشتركين، فكأنه لم يطبع ولم يذع في الواقع إلا في دائرة خاصة جدا، ثم لخص منه لورنس كتاباً آخر هو (الثورة في الصحراء) وهو الذي طبع وأذيع بكثرة، وقد كان من أكبر أماني أصدقاء لورنس والمعجبين به، أن يخرج كتابه الشهير في طبعة جديدة ذائعة، والآن تتحقق هذه الأمنية بعد وفاته، ويصبح كتاب (أعمدة الحكمة السبعة) في متناول كثيرين ممن لم يحظوا باقتنائه مآسي التاريخ صدر أخيراً كتاب جديد للمؤرخ الفرنسي ح. لينوتر الذي توفي منذ أشهر قلائل، عنوانه: (مآسي التاريخ وقد اشتهر لينوتر بنوع خاص من التاريخ لبث يكتبه أعواماً طويلة في جريدة الطان تحت عنوان: (التاريخ الصغير) وفيه يتناول من حوادث التاريخ المنسية ومآسيه الطريفة ما يفوق في الحقيقة كثيراً من وقائع الخيال، وتوفر لينوتر على دراسة هذا النوع، حتى أصبح أستاذه الحقيقي، وكانت الثورة الفرنسية وحوادثها العجيبة أعظم مصادره، فتناول كثيراً من حوادثها الخفية وتفاصيلها العجيبة التي يغفل عنها المؤرخ العام وأخرج فيها كتباً ورسائل ساحرة، ومن مؤلفاته الشهيرة في هذا الباب: (من ثورة إلى أخرى) و (من السجن إلى النطع) و (ملك بلا مملكة) و (باريس الثائرة) وغيرها، وأما كتابه الأخير (مآسي التاريخ) فقد كتبه في أواخر حياته، وتناول فيه عدة مآس شهيرة مثل سقوط الجيرونديين، ومصرع الدوق دنجين، ومقتل الكاتب بول لوي كورييه وغيرها، وكتبها بأسلوبه القوي الساحر، الذي يدنو في تفاصيله من الرواية، ويجمع في جوهره عناصر التاريخ المنسية، وقد كانت فصول لينوتر التي تنشرها (الطان) مثلا بديعاً لهذا النوع الشعبي من التاريخ، وكان لينوتر دائب التوفر على إخراجها حتى أواخر أيامه، بل

стр. 9446

نذكر أن الفصل الأخير الذي كتيه فيها لم ينسر في الطان إلا بعد وفاته بيوم أو اثنين، وقد فاز لينوتر قبل وفاته بنحو عامين بكرسي الأكاديمية، وكان من الخالدين لقب جديد لربات الجمال كان لفوز الإسبانية الحسناء كاناريني أليشا نافارو في مباراة الجمال الأوربية العامة وفوزها بلقب (مس أوربا) وقع عميق في أسبانيا حيث يبدي الشعب الأسباني حماسة عظيمة لهذا الفوز لاسيما وانه أول حادث من نوعه في أسبانيا؛ ويؤمل الأسبان أن تفوز فتاتهم بتاج الجمال العالمي. بيد أن بعض المفكرين الأسبان رأوا أن الجمال المادي وحده لا يكفي لأن تتبوأ الفتاة مركزها الممتاز في المجتمع؛ ولابد أن تتحلى إلى جانبه بالصفات الأدبية والمنزلية التي يجب أن تختص بها المرأة، ولذلك أقيمت في مدريد مباراة من نوع خاص بين لفيف من الفتيات الحسان يتبارين للفوز بلقب (ربة الدار)؛ وتضمنت هذه المباراة امتحان الفتيات في أعمال الطهي والكي والخياطة وغيرها من الأعمال المنزلية، ففازت بهذا اللقب الآنسة كونشيتا مانسيجوي دي لارا. ونالت أول لقب من نوعه بين الحسان وهو (ربة الدار) أغراض المستشرقين قرأت في (الرسالة) ما كتبه الأستاذ محمد روحي فيصل في أن علماء المشرقيات أبعد الناس عن البحث العلمي المجرد يوم يخوضون الأبحاث الإسلامية، وأنهم يقصدون من الاستشراق خدمة دينهم وسياسة دولهم. وقد لامني لقولي من مقالة في الرسالة إن علماء المشرقيات يحمدون لنشرهم كتب العرب، وإنه كان على سادتنا العلماء أن يأخذوا باليمين آثار السلف يحيونها، حتى لا يطول مقامها في تزييف بعض من تعلموا لغات الشرق واختصوا في علومه، إلا أنني لا أغمط حق العاملين منهم، لتفضلهم بنشر كتبنا. وأرجوا ولا أزال أرجو أن ينقطع فريق من علمائنا وأدبائنا لمساهمة علماء المشرقيات هذه الخدمة الجليلة؛ لأن الكتب كتبنا، والمدنية مدنيتنا، وصاحب البيت أحق الخلائق بالعطف عليه وعلى ما فيه وقد وقع لصديقي العلامة الشيخ عبد العزيز جاويش، يوم ألقيت في دار المعلمين العليا

стр. 9447

بالقاهرة (٥ مايو سنة ١٩٢٧) محاضرة في (أثر المستعربين من علماء المشرقيات في الحضارة العربية) وعددت ما نشره علماء المشرقيات في كل أمة غربية من كتبنا، أن قام ﵀ يعدد أغراض علماء المشرقيات من الغربيين في الدين والسياسة، وما كان موضوع المحاضرة غير التنويه بفضل من خدموا آثار أمتنا فاستفدنا نحن بالعرض. وأذكر أن بعض أساتذة مصر ممن حضروا المجلس تبرموا بكلام الأستاذ جاويش وعدوه خروجا عن الموضوع، لأني لم أمتدح المستشرقين إلا من الوجهة التي أفادوا بها حضارتنا، حتى إن الأستاذ علي الشمسي باشا (وزير المعارف المصري يومئذ) كان ممن حضر فقال: سامح الله الأستاذ جاويش، إن صاحب المحاضرة لم يتعرض لمدح المستشرقين في السياسة والدين، وإنما ذكر افضالهم على لغتنا وحضارتنا بنشر كتبنا. قال ذلك للأستاذ سيد كامل ﵀، (راجع المحاضرة في مجلة المجمع العلمي العربي م٧ ص ٤٣٣) فأنا والحالة هذه إذا امتدحت من علماء المشرقيات، وأعجبت بعلمهم في خدمة آدابنا، فإنما تنويهي بهم من هذه الناحية فقط. وأعلم أن كثيرين منهم يعملون لسياسة بلادهم أولا، وأن منهم دعاة دين متعصبين يتخذون الاستشراق سلماً لخدمة دينهم على نحو ما كان أسلافهم في القرون الوسطى، ومن أحب أن يقف على تخريف المخرفين من المستشرقين، وإنصاف المنصفين منهم في أحكامهم على الإسلام والعرب فليرجع إلى كتابي الأخير (الآلام والحضارة العربية) فمعظم هذا السفر يدور على هذا المحور، وأحب مع هذا ألا يفوتنا أنه ليس من المعقول أن نكلف من لم يتأدبوا بأدبنا، ولم تعمل فيهم أحاسيسنا، ولا دانوا ديننا، أن يعتقدوا ما نعتقد، ويكتبوا فينا ما نحب. فلكل جنس تفكيره، ولكل جيل مدنيته، ولكل إنسان أهواؤه وأغراضه. محمد كردي علي

стр. 9448

الكتب ١ - حياة الوزان الفاسي وآثاره تأليف الأستاذ محمد المهدي الحجوي ٢ - تاريخ الصحافة (الجزء الرابع) للفيكونت فليب دي طرازي ٣ - تاريخ الأمير فخر الدين المعنى الثاني تأليف الأستاذ عيسى إسكندر المعلوف للأستاذ محمد بك كرد علي في شمالي أفريقية اليوم حركة مباركة في التأليف تدل على انتباه فكري يبشر بخير كثير لتلك البلاد الإسلامية العربية؛ ما ينشرون؛ ويضعون أسفارهم على النمط العصري الحديث، ومما طالعناه مؤخراً (التذكار فيمن ملك طرابلس، وما كان بها من الأخبار) لابن غلبون الطرابلسي نشره وعلق عليه الأستاذ الطاهر أحمد الزواوي، و (كشف الحجب عن مدنية العرب) للأستاذ محمد بن عمار الوارثتاني التونسي، و (رسائل الرحالة) العالم عبد العزيز الثعالبي، وبعض تآليف في الأدب والشريعة للأستاذ طاهر بن عاشور؛ وتآليف عالم أفريقية حسن حسني عبد الوهاب معروفة مشهورة، وكذلك تآليف العلامة الشيخ محمد بن أبن شنب ﵀ في الجزائر فانها من الممتع الجيد و (كتاب الجزائر) للأستاذ أحمد توفيق المدني من أجود ما كتب في تاريخ الجزائر وتقويم بلدانها وحالتها الاجتماعية والإدارية والسياسية والاقتصادية. هذه بعض ما وصل إلينا من تآليف أهل المغرب الأدنى والأوسط، أما المغرب الأقصى، فقد ظهر أربعة مجلدات ضخمة من كتاب (اتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس) للمؤرخ المدقق مولاي عبد الرحمن ابن زيدان، وهو في تاريخ مراكش في السياسة والاجتماع والأدب، أبان واضعه عن نفس طويل ومادة واسعة ظهرت منها عظمة تلك الديار في الدهر السالف، ونشر في فاس الأستاذ عبد الحي الكتاني كتباً نفيسة وعلق عليها فأحسن؛ ونشر العلامة سيدي محمد بن الحسن الحجوي الفاسي في فاس والرباط (رباط الفتح) كتاب (الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي) في

стр. 9449

أربعة مجلدات، دل على علو كعبه في الشريعة وتاريخها وأدبها، وله غير ذلك من المصنفات والأبحاث والمحاضرات والمسامرات، وها هو نجله الأستاذ أبو عبد الله محمد المهدي يطالعنا ببحث طريف في حياة الوزان الفاسي وآثاره، فكان النجيب ابن النجيب. زادنا الله في أفريقية من أنباء نجباء الأبناء هو بحث قدمه المؤلف لمؤتمر المستشرقين الثامن الذي أقامه معهد المباحث العليا المغربي بفاس يوم ٢٠ أغسطس سنة ١٩٢٢ في ترجمة أبي علي الحسن الوزان الفاسي المعروف عند الإفرنج باسم ليون الأفريقي , وكان هذا الرجل العظيم من أصل أدلسي، نشأ في فاس وتجلى فيه الذكاء منذ الصغر، فتعلم العلوم الدينية والأدبية ثم ساح في بلاد المغرب الأقصى أوائل المائة العاشرة وكتب رحلات ومفكرات في جغرافية تلك البلاد بناها على مشاهداته، ورحل إلى الروم ومصر والحجاز، وكان في بعض رحلاته سفيراً عن بعض ملوك المغرب الأقصى في زمن الدولة الوطاسية، وارثة الدولة المرينية (دولة العلم والعرفان والفن الرائق الفتان) وقيام الدولة السعدية في الجنوب، ووقع للوزان أن أسره قرصان البحر من الطليان فأتوا به هدية لطيفة إلى البابا ليون العاشر في رومية، وكانت إيطاليا آخذة بنهضتها في عهد ذاك البابا العظيم حامي المعارف والآداب فوجد في الرحلة الوزان ضالته المنشودة لخدمة المعارف، وبعد موت البابا سنة ١٥٢١م ٩٢٧هـ دخل الوزان تحت حماية الكردينال (جيل دي فيطرب) وكان يعلمه العربية، ثم تولى مدة تدريس العربية في كلية بوبونيا في إيطاليا؛ وبذلك تعلم الإيطالية واللاتينية، وكان من قبل يعرف الأسبانية والعبرانية. وألف هناك قاموسه الطبي بأمر البابا كتابه في وصف أفريقية، وقد جود في هذا الكتاب من وراء الغاية حتى جعله الغربيون أعظم مرجع لهم للوقوف على تلك الأرجاء الشاسعة. وصف فيه كل ما رآه من طبيعتها وأجوائها وحاصلاتها وعالمها وأخلاقها وعاداتها وقد طبع كتاب الوزّان من القديم في إيطاليا وفرنسا غير مرة؛ وعلق عليه ناشروه شروحاً كثيرة واستفادوا منه. فصل كل ذلك الأستاذ المؤلف تفصيل باحث محيط بأطراف موضوعه. وأجاب من اعترضوا عليه مستغربين نبوغ المترجم له في سن الفتوة فقال: دخل الوزّان معترك الحياة دخول أبطال الرجال على حداثته سنّ فجلى وأبلى بلاء تجده

стр. 9450

غريباً في حياة الرجال. نعم ذاك غريب إذا قيس بسنه، ولكن لا بدع هناك في حق الشباب المغربي، فقد حفظ له التاريخ أعمال كثير من أفراده المبكرين في النبوغ العلمي والسياسي، وذلك باب فتحه المولى إدريس رمز الشباب المغربي والعربي بما فيه من نبوغ وكفاءة، ومثال الفضيلة المحمدية، والشمم الهاشمي، والعبقرية القرشية. فقد بويع وهو ابن إحدى عشرة سنة وقام بالملك أحسن قيام وأسس دولة من أفخر الدول تأسيساً ونظاماً، وأسس لمملكته عاصمة من أفخر العواصم، وهو ابن خمس عشرة سنة، لم يؤسس العرب مدينة أحسن منها مناخاً ولا أليق منها بقعة للعمران، ومات بعد أن بلغت دولته العنفوان، وهو ابن ست وثلاثين سنة، وله نظائر في تاريخ المغرب نبغوا مبكرين في مختلف نظاهر الحياة لا نطيل بهم، ومنهم المترجم) - ٢ - هذا هو الجزء الأخير من تاريخ الصحافة تصنيف الأستاذ فيليب طرزاي أمين داري الكتب والآثار في بيروت، وقد اشتغل في هذا الموضوع الطريف أربعاً وأربعين سنة وصرف فيه مالاً ووقتاً وجهداً حتى تسنى له اقتناء مجموعة من الصحف والمجلات العربية التي صدرت في القارات الخمس منذ عام ١٨٠٠م إلى عام ١٩٢٩ وبلغ عدد ما لديه من أعداد هذه الصحف والمجلات وهو يحرص على العدد الأول منها في الغالب - نيفا وثلاثة آلاف ومائتين وخمسين جريدة ومجلة، فكان عدد ما صدر من المجلات في المملكة المصرية منذ تكوين الصحافة إلى سنة ١٩٢٩: ١٣٩٨ جريدة ومجلة وعدد ما صدر في بلاد الشام ٧٧٩ كان من حصة الجمهورية اللبنانية ٤٢٦ الخ واتضح (أن بعض المدن النائية في أوربا وأمريكا والتي لا ينطق سكانها بالضاد فاقت بعدد جرائدها ومجلاتها كثيراً من عواصم الدول وشهيرات المدن الواقعة في صميم البلدان العربية ويعزى ذلك الى هجرة العدد الوافر من الكتاب في عهد الدولة العثمانية. فقد كانت هذه الدولة تضطهد المفكرين والمثقفين من سكان بلادها وتشدد عليهم وتخاف صرير أقلامهم. ويرجع أكثر الفضل في هذه النهضة الصحافية الميمونة إلى أدباء لبنان الذي نزح منه مئات الألوف إلى تلك الديار العامرة ولاسيما إلى العالم الجديد، ويقع هذا الجزء في ٥٤٥ صفحة وقد ترجمت أكثر فصوله إلى الإنجليزية ليعمم الانتفاع بهذا الاحصاء، ويستفيد الغربي كما يستفيد

стр. 9451

العربي من مضامين الكتاب عند ما يراد الكشف عن جريدة ومعرفة منشئها الأول وتاريخ صدورها والمدنية التي صدرت فيها الى غير ذلك من الفوائد. وفي الحقيقة إن اللبنانيين الأثر المحمود في إصدار الصحف في الشرق والغرب باللغة العربية، وكان للمؤلف الفضل الأوفر في تدوين أعمالهم والتدليل عليها بإحصاءاته المدققة، فله الشكر على هذه العناية وهذا الدؤوب الأمير فخر الدين المعنى الثاني أعظم أمير عربي قام في النصف الأول من القرن الحادي عشر من الهجرة في جبل لبنان وما إليه من بلاد الشام. وكان واسع المدارك محباً للعمران والحضارة، انتفع بكل قوة وجدها أمامه، وإذ كان حكمه يتناول الدروز والشيعة والسنة والموارنة والروم الأرثوذكس وغريهم من النحل في الساحل الشامي، ويريد أن يرضي كل فريق تبعاً للسياسة التي جرى عليها، اتهمه بعضهم بأنه كان يذهب مذهب الدروز، وفريق بأنه كان نصرانياً، والحقيقة أنه كان مسلماً يرى رأي أهل الستة والجماعة، وكان قد لجأ إلى إيطاليا في أُخريات أيامه فأخذ معه إمامه وأنشأ مسجداً ومنارة في البلد الذي نزله حتى أن فتاة له ماتت هناك لم يرض أن يدفنها في أرض إيطاليا، وحملها معه إلى الشام لما عاد إليها لتدفن في أرض إسلامية. وأهل لبنان يتمجدون بالأمير المعني لأنه حكم النصارى فأحسن إليهم ما وسعه الاحسان، واعتمد في الحكم على بعض نبهائهم يومئذ. ولذلك كان من الواجب تدوين تاريخه، والجمهورية اللبنانية الصغيرة في إبان نشأتها تحاول أن تجعل لها تاريخاً تعتز به، وقد تخلقه خلقاً، فكيف بتاريخ رجل جدير من كل وجه بالتخليد؟ وهذا ما تمحض له زمناً الأستاذ عيسى إسكندر المعلوف، واستطرد في كتابته استطرادات كثيرة حتى جاء كتابه في ٤٤٦ صفحة، مستنداً فيه إلى مصادر لبنانية وغيرها، باحثاً عما يهم وما لا يهم من الحوادث التي لها مساس بحاكم حكم لبنان من سنة ١٥٩٠ إلى سنة ١٦٣٥م، وكان قضى في الآستانة مقتولاً سنة ١٠٤٥هـ. وقد حَلَّى المؤلف كتابه بصور أثرية قديمة تمثل حالة البلاد في عصر الأمير المعني، وشرح كل ما رآه جديراً بالشرح في الحواشي، فاستحق شكر الباحثين في تاريخ هذا الجزء الصغير من الديار الشامية محمد كرد علي

стр. 9452

العدد ١١٥ - بتاريخ: ١٦ - ٠٩ - ١٩٣٥

стр. 9453

المسرح المصري للأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني أخفق المسرح المصري، أو لم يقم، وهذا أصح، لأن الذين حاولوا هذا الأمر لم يجدوا من يسدد خطاهم، ويأخذ بيدهم، ويشد أزرهم، فخابت مساعيهم، وضاعت عليهم جهودهم وأموالهم، وتخبطوا حيناً، ثم يئسوا وانصرفوا عن أمر لا طائل تحته، ولا محصول وراءه، ولا خير فيه لا لهم ولا للأدب ولا للناس. ويخطئ من يظن أن الذنب للحكومة وحدها، وأن تقصيرها في بذل العون للمسرح قعد به ثم قضى عليه، ولا ريب أن الحكومة أهملته وتركته للأقدار، حتى طار في النزع، ثم حاولت أن تدركه، ولكن بعد أن تفاقمت العلة وتعضَّلت المداوى، فلم ينفذه المال الذي بذل له، بل أزلفه إلى البوار الذي لم يبق منه مفر، ذلك أن المال لم يكن كل ما بالمسرح فقر إليه، فقد بدأ مستغنياً بنفسه عن مثل هذه المعونة، وكان في أول عهده يلقى من الإقبال والتشجيع ما ينفى عنه الشعور بوجود خلة تتطلب أن تسدّ، ثم فتر الإقبال وانصرف الناس لأنهم لم يجدوا ما يطلبون، وما كان خليقاً أن يؤدي إلى قيام مسرح مصري بالمعنى الصحيح، فقد كان المسرح معنياً بالترجمة والنقل والتمصير، فكان صدى للمسارح الغربية، ولم تكن له صبغة مصرية، وليس عندنا ممثلون في وزن ممثلي الغرب، والحياة المصرية لا تشبه الحياة الغربية إلا في بعض المظاهر المنقولة، ومجتمعنا يقوم على نظم تغاير نظم الغرب من وجوده شتى، على الرغم من كثرة ما أخذنا عنه واقتبسنا منه، وكذلك تختلف الروح والمزاج والطبائع والنزعات. فإنا شرقيون على فرط ما نحاول أن نتغرّب، ومازال صحيحاً أن الشرق شرقٌ، والغرب غربٌ، وأنهما لا يكادان يلتقيان، والشرق مهبط الأديان، والغرب مصانع آلات، والأديان لا تهبط الآن في شرق أو غرب، ولكن مزاج النفوس هو هو، كما كان، في الناحيتين، وتهيؤها واستعدادها واتجاهها، وأسلوبها في تلقي الحياة وتناولها، ولا عبرة بالتعليم أو الجهل في هذا الباب، وإنما العبرة بالروح العامة، قد يزوّرها التعليم ويخفيها أو يسترها، ولكنه لا يستطيع أن يغيرها. لهذا كان ما يمثل على المسرح المصري من الروايات المترجمة أو الممصرة، لا يستولي على هوى الجمهور، ولا يشعره أن ما يراه يصور حياته كما بدت للكاتب، وبعد أن أفرغ

стр. 9454

عليها صبغة الفن، فبقى المسرح غريباً أو أجنبياً وإن كانت لغته العربية حيناً، والعامية أحياناً، صار المرء يؤثر أن يقرأ هذه القصص في الأصل أو بإحدى اللغات التي نقلت إليها، أو أن يشاهد ما يعرض منها في دور السينما. وقد قطع المسرح - أو باعد على الأقل - ما بينه وبين الأدب، فكانت تلك جناية ليس كمثلها جناية، ألوت به أشد الإلواء، وأتت عليه من قواعده، ولسنا نفرد رجال المسرح أو الأدباء باللوم، فان كلا من هؤلاء يحمل نصيبه، ولعل رجال الأدب قصراً في الاتصال بالمسرح، وعسى أن يكون الذنب للاتجاه العام الذي سار فيه الأدب المصري بعد نهضته الحديثة، فقد كانت العناية كلها - أو جلها - بالشعر والبحث والنقد، ولم تكن القصة تشغل حيزاً في هذه الحلبة الواسعة، ولكن رجال المسرح كانوا أشد تقصيراً، فقد كانوا يستطيعون أن يحولوا إليهم جدولاً من ذلك النهر الفياض، غير أنهم تهيبوه وأشفقوا من مطالبه، وظنوا في مقدورهم أن يستغنوا عنه، واجروا سفينتهم على العامية فجنحت بهم ولزقت بالأرض، وتحطمت على الصخر. والعامية لفظة نطلقها هنا على اللغة وعلى أسلوب التناول أيضاً، فنحن نعنى بها الجمل باللغة، والجهل بالروح التي كان يجب أن يستوحيها المسرح، وهو توسع في التعبير نجيزه لأنفسنا في هذا المقام ولا نرى منه بأساً، ولا نخشى معه التباساً، والأدب وحده هو الذي يدخل في وسعه أن يهتدي إلى اللغة المرافقة لقصة المسرح، وهو وحده الذي يستطيع أن يستلهم روح الجماعة، فأما أنه هو الذي يقدر على الأداء الموافق، فلأن الأدب ذوق وبصر وسليقة وعلم وفن، فان لم يكن هذه فهو ليس بأدب، وأما قدرته على الاستيحاء فذاك لأنه فن، والفن ملكة يحصل بها إدراك الحقائق وإبرازها على نحو يصدق على العموم وإن كان يبدو أنه في أمر على الخصوص، ومن هنا فرق ما بينه وبين التجربة، فإنها معرفة بأحوال معينة وخبرة بها تقتصر عليها ولا تتسع حتى تكون شاملة، أما الفن فيتعاق بالحقائق العامة، وهو فطنة، لا علم، وملكة قد تساعدها الخبرة ولكنها لا تخلقها، وذوق تصقله وترهفه المرانة غير أنه لا يكتسب بها، وإن كانت المرانة تفيد الحذق والبراعة. ولا يقل أحد إن الجماهير لا تقدر الأدب، وإنها يشق عليها أن ترتفع إلى طبقته كما يتعذر عليه أن ترتفع إلى طبقته كما يتعذر عليه هو أن ينزل إليها، فان القول بهذا اجهل وغفلة،

стр. 9455

والذي يذهب إلى هذا الرأي إنما ينظر إلى الشكل والعبارة لا إلى الجوهر والموضوع، ثم هو يخلط بين ضروب متباينة من الأدب. نعم، يعسر على الجماهير غير المثقفة أن تنتفع أو تستمتع ببحث أو درس، أو أن تدرك القيمة الحقيقية لقصيدة، وأن تفطن إلى عناصر الجمال أو الجلال أو القوة فيها، ويعييها أن تبين لماذا يطربها الشعر أو يروقها الكلام ويطيب موقعه من نفوسها، أو يؤثر فيها، ولكنها تميز بغريزتها وإن لم تميز بعقلها، وتحس بروحها وإن عزها الاهتداء إلى السبب، والقصة، بعد، شيء لا عناء عليها في فهمه، لأنها حوادث ووقائع قد يكون أو لا يكون وراءها معنى عويص أو فكرة عميقة، على أن الوقوع على المراد لا يعجز الجمهور إذا سيق مساق القصة، وللناس نفوس، وفيهم نظر ولهم إدراك وإحساس إذا لم يكن لهم علم. وأسلوب القصة يسهل التلقف، ويقرب المغاص، وفي وسع القارئ أو المشاهد أن يعرف مبلغ الصدق في التصوير إذا لم يستطيع أن يقطن إلى دقائق الفن، كما يعجب بالصورة ويشهد لها بالصدق في التعبير، والقوة في النطق، وإن غابت عنه المزايا الفنية التي لا يراها أولا يستطيع الحكم عليها إلا أهل هذا الفن والعارفون به. وقد تم هدم المسرح لما ظهرت السينما الناطقة، لأن مجالها أرحب، وميدانها لا تكاد تحصره الحدود، وقد تضعضع المسرح في أوربا من جرائها، فلا بدع أن قوضته في مصر، وهو هناك يعانى منها البرح، فغير مستغرب أن يدركه هنا الفناء، وعسير بعد السينما الناطقة أن يقوم في مصر مسرح إلا في ظل الحكومة وبمالها ورعايتها، ولكنه لا خير في هذه الرعاية إذا لم يقض عليه القائمون به الصبغة المصرية، ولم يخلعوا عنه ذلك الثوب المستعار الذي انتهى بأن صار كفناً له، وقد صار أمل المسرح المصري معقوداً الآن برجلين أثنين يتوليانه: حافظ عفيفي باشا، والشاعر خليل مطران، فإذا خاب هذان، فلست أرى أملاً للمسرح وراءهما. وقد كانت عناية الحكومة - إلى الآن - بالأوبرا دون غيرها، وصحيح أنها اعتادت في السنوات الأخيرة أن تمنح الفرق إعانات، وأن تبذل للممثلين مكافآت، ولكن الإعانة كانت ضئيلة لا تغنى، والمكافأة كانت زرية، وكان الأسلوب الذي تجري عليه وزارة المعارف في منحها لا يخلو من استهان لكرامة الممثل. على أن هذا كله لم يكن إلا ستراً لجودها
следующие страницы →