← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 9451–9490 · переход к 9456.

стр. 9451

العربي من مضامين الكتاب عند ما يراد الكشف عن جريدة ومعرفة منشئها الأول وتاريخ صدورها والمدنية التي صدرت فيها الى غير ذلك من الفوائد. وفي الحقيقة إن اللبنانيين الأثر المحمود في إصدار الصحف في الشرق والغرب باللغة العربية، وكان للمؤلف الفضل الأوفر في تدوين أعمالهم والتدليل عليها بإحصاءاته المدققة، فله الشكر على هذه العناية وهذا الدؤوب الأمير فخر الدين المعنى الثاني أعظم أمير عربي قام في النصف الأول من القرن الحادي عشر من الهجرة في جبل لبنان وما إليه من بلاد الشام. وكان واسع المدارك محباً للعمران والحضارة، انتفع بكل قوة وجدها أمامه، وإذ كان حكمه يتناول الدروز والشيعة والسنة والموارنة والروم الأرثوذكس وغريهم من النحل في الساحل الشامي، ويريد أن يرضي كل فريق تبعاً للسياسة التي جرى عليها، اتهمه بعضهم بأنه كان يذهب مذهب الدروز، وفريق بأنه كان نصرانياً، والحقيقة أنه كان مسلماً يرى رأي أهل الستة والجماعة، وكان قد لجأ إلى إيطاليا في أُخريات أيامه فأخذ معه إمامه وأنشأ مسجداً ومنارة في البلد الذي نزله حتى أن فتاة له ماتت هناك لم يرض أن يدفنها في أرض إيطاليا، وحملها معه إلى الشام لما عاد إليها لتدفن في أرض إسلامية. وأهل لبنان يتمجدون بالأمير المعني لأنه حكم النصارى فأحسن إليهم ما وسعه الاحسان، واعتمد في الحكم على بعض نبهائهم يومئذ. ولذلك كان من الواجب تدوين تاريخه، والجمهورية اللبنانية الصغيرة في إبان نشأتها تحاول أن تجعل لها تاريخاً تعتز به، وقد تخلقه خلقاً، فكيف بتاريخ رجل جدير من كل وجه بالتخليد؟ وهذا ما تمحض له زمناً الأستاذ عيسى إسكندر المعلوف، واستطرد في كتابته استطرادات كثيرة حتى جاء كتابه في ٤٤٦ صفحة، مستنداً فيه إلى مصادر لبنانية وغيرها، باحثاً عما يهم وما لا يهم من الحوادث التي لها مساس بحاكم حكم لبنان من سنة ١٥٩٠ إلى سنة ١٦٣٥م، وكان قضى في الآستانة مقتولاً سنة ١٠٤٥هـ. وقد حَلَّى المؤلف كتابه بصور أثرية قديمة تمثل حالة البلاد في عصر الأمير المعني، وشرح كل ما رآه جديراً بالشرح في الحواشي، فاستحق شكر الباحثين في تاريخ هذا الجزء الصغير من الديار الشامية محمد كرد علي

стр. 9452

العدد ١١٥ - بتاريخ: ١٦ - ٠٩ - ١٩٣٥

стр. 9453

المسرح المصري للأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني أخفق المسرح المصري، أو لم يقم، وهذا أصح، لأن الذين حاولوا هذا الأمر لم يجدوا من يسدد خطاهم، ويأخذ بيدهم، ويشد أزرهم، فخابت مساعيهم، وضاعت عليهم جهودهم وأموالهم، وتخبطوا حيناً، ثم يئسوا وانصرفوا عن أمر لا طائل تحته، ولا محصول وراءه، ولا خير فيه لا لهم ولا للأدب ولا للناس. ويخطئ من يظن أن الذنب للحكومة وحدها، وأن تقصيرها في بذل العون للمسرح قعد به ثم قضى عليه، ولا ريب أن الحكومة أهملته وتركته للأقدار، حتى طار في النزع، ثم حاولت أن تدركه، ولكن بعد أن تفاقمت العلة وتعضَّلت المداوى، فلم ينفذه المال الذي بذل له، بل أزلفه إلى البوار الذي لم يبق منه مفر، ذلك أن المال لم يكن كل ما بالمسرح فقر إليه، فقد بدأ مستغنياً بنفسه عن مثل هذه المعونة، وكان في أول عهده يلقى من الإقبال والتشجيع ما ينفى عنه الشعور بوجود خلة تتطلب أن تسدّ، ثم فتر الإقبال وانصرف الناس لأنهم لم يجدوا ما يطلبون، وما كان خليقاً أن يؤدي إلى قيام مسرح مصري بالمعنى الصحيح، فقد كان المسرح معنياً بالترجمة والنقل والتمصير، فكان صدى للمسارح الغربية، ولم تكن له صبغة مصرية، وليس عندنا ممثلون في وزن ممثلي الغرب، والحياة المصرية لا تشبه الحياة الغربية إلا في بعض المظاهر المنقولة، ومجتمعنا يقوم على نظم تغاير نظم الغرب من وجوده شتى، على الرغم من كثرة ما أخذنا عنه واقتبسنا منه، وكذلك تختلف الروح والمزاج والطبائع والنزعات. فإنا شرقيون على فرط ما نحاول أن نتغرّب، ومازال صحيحاً أن الشرق شرقٌ، والغرب غربٌ، وأنهما لا يكادان يلتقيان، والشرق مهبط الأديان، والغرب مصانع آلات، والأديان لا تهبط الآن في شرق أو غرب، ولكن مزاج النفوس هو هو، كما كان، في الناحيتين، وتهيؤها واستعدادها واتجاهها، وأسلوبها في تلقي الحياة وتناولها، ولا عبرة بالتعليم أو الجهل في هذا الباب، وإنما العبرة بالروح العامة، قد يزوّرها التعليم ويخفيها أو يسترها، ولكنه لا يستطيع أن يغيرها. لهذا كان ما يمثل على المسرح المصري من الروايات المترجمة أو الممصرة، لا يستولي على هوى الجمهور، ولا يشعره أن ما يراه يصور حياته كما بدت للكاتب، وبعد أن أفرغ

стр. 9454

عليها صبغة الفن، فبقى المسرح غريباً أو أجنبياً وإن كانت لغته العربية حيناً، والعامية أحياناً، صار المرء يؤثر أن يقرأ هذه القصص في الأصل أو بإحدى اللغات التي نقلت إليها، أو أن يشاهد ما يعرض منها في دور السينما. وقد قطع المسرح - أو باعد على الأقل - ما بينه وبين الأدب، فكانت تلك جناية ليس كمثلها جناية، ألوت به أشد الإلواء، وأتت عليه من قواعده، ولسنا نفرد رجال المسرح أو الأدباء باللوم، فان كلا من هؤلاء يحمل نصيبه، ولعل رجال الأدب قصراً في الاتصال بالمسرح، وعسى أن يكون الذنب للاتجاه العام الذي سار فيه الأدب المصري بعد نهضته الحديثة، فقد كانت العناية كلها - أو جلها - بالشعر والبحث والنقد، ولم تكن القصة تشغل حيزاً في هذه الحلبة الواسعة، ولكن رجال المسرح كانوا أشد تقصيراً، فقد كانوا يستطيعون أن يحولوا إليهم جدولاً من ذلك النهر الفياض، غير أنهم تهيبوه وأشفقوا من مطالبه، وظنوا في مقدورهم أن يستغنوا عنه، واجروا سفينتهم على العامية فجنحت بهم ولزقت بالأرض، وتحطمت على الصخر. والعامية لفظة نطلقها هنا على اللغة وعلى أسلوب التناول أيضاً، فنحن نعنى بها الجمل باللغة، والجهل بالروح التي كان يجب أن يستوحيها المسرح، وهو توسع في التعبير نجيزه لأنفسنا في هذا المقام ولا نرى منه بأساً، ولا نخشى معه التباساً، والأدب وحده هو الذي يدخل في وسعه أن يهتدي إلى اللغة المرافقة لقصة المسرح، وهو وحده الذي يستطيع أن يستلهم روح الجماعة، فأما أنه هو الذي يقدر على الأداء الموافق، فلأن الأدب ذوق وبصر وسليقة وعلم وفن، فان لم يكن هذه فهو ليس بأدب، وأما قدرته على الاستيحاء فذاك لأنه فن، والفن ملكة يحصل بها إدراك الحقائق وإبرازها على نحو يصدق على العموم وإن كان يبدو أنه في أمر على الخصوص، ومن هنا فرق ما بينه وبين التجربة، فإنها معرفة بأحوال معينة وخبرة بها تقتصر عليها ولا تتسع حتى تكون شاملة، أما الفن فيتعاق بالحقائق العامة، وهو فطنة، لا علم، وملكة قد تساعدها الخبرة ولكنها لا تخلقها، وذوق تصقله وترهفه المرانة غير أنه لا يكتسب بها، وإن كانت المرانة تفيد الحذق والبراعة. ولا يقل أحد إن الجماهير لا تقدر الأدب، وإنها يشق عليها أن ترتفع إلى طبقته كما يتعذر عليه أن ترتفع إلى طبقته كما يتعذر عليه هو أن ينزل إليها، فان القول بهذا اجهل وغفلة،

стр. 9455

والذي يذهب إلى هذا الرأي إنما ينظر إلى الشكل والعبارة لا إلى الجوهر والموضوع، ثم هو يخلط بين ضروب متباينة من الأدب. نعم، يعسر على الجماهير غير المثقفة أن تنتفع أو تستمتع ببحث أو درس، أو أن تدرك القيمة الحقيقية لقصيدة، وأن تفطن إلى عناصر الجمال أو الجلال أو القوة فيها، ويعييها أن تبين لماذا يطربها الشعر أو يروقها الكلام ويطيب موقعه من نفوسها، أو يؤثر فيها، ولكنها تميز بغريزتها وإن لم تميز بعقلها، وتحس بروحها وإن عزها الاهتداء إلى السبب، والقصة، بعد، شيء لا عناء عليها في فهمه، لأنها حوادث ووقائع قد يكون أو لا يكون وراءها معنى عويص أو فكرة عميقة، على أن الوقوع على المراد لا يعجز الجمهور إذا سيق مساق القصة، وللناس نفوس، وفيهم نظر ولهم إدراك وإحساس إذا لم يكن لهم علم. وأسلوب القصة يسهل التلقف، ويقرب المغاص، وفي وسع القارئ أو المشاهد أن يعرف مبلغ الصدق في التصوير إذا لم يستطيع أن يقطن إلى دقائق الفن، كما يعجب بالصورة ويشهد لها بالصدق في التعبير، والقوة في النطق، وإن غابت عنه المزايا الفنية التي لا يراها أولا يستطيع الحكم عليها إلا أهل هذا الفن والعارفون به. وقد تم هدم المسرح لما ظهرت السينما الناطقة، لأن مجالها أرحب، وميدانها لا تكاد تحصره الحدود، وقد تضعضع المسرح في أوربا من جرائها، فلا بدع أن قوضته في مصر، وهو هناك يعانى منها البرح، فغير مستغرب أن يدركه هنا الفناء، وعسير بعد السينما الناطقة أن يقوم في مصر مسرح إلا في ظل الحكومة وبمالها ورعايتها، ولكنه لا خير في هذه الرعاية إذا لم يقض عليه القائمون به الصبغة المصرية، ولم يخلعوا عنه ذلك الثوب المستعار الذي انتهى بأن صار كفناً له، وقد صار أمل المسرح المصري معقوداً الآن برجلين أثنين يتوليانه: حافظ عفيفي باشا، والشاعر خليل مطران، فإذا خاب هذان، فلست أرى أملاً للمسرح وراءهما. وقد كانت عناية الحكومة - إلى الآن - بالأوبرا دون غيرها، وصحيح أنها اعتادت في السنوات الأخيرة أن تمنح الفرق إعانات، وأن تبذل للممثلين مكافآت، ولكن الإعانة كانت ضئيلة لا تغنى، والمكافأة كانت زرية، وكان الأسلوب الذي تجري عليه وزارة المعارف في منحها لا يخلو من استهان لكرامة الممثل. على أن هذا كله لم يكن إلا ستراً لجودها

стр. 9456

على الأوبرا، وليست الأوبرا مصرية، ولا التمثيل فيها بلغتنا، ولعل مصر هي الدولة الوحيدة التي تبنى داراً للأوبرا لتستقدم إليها فرقاً من أمم شتى تمثل بلغاتها ويضمن لها الربح، وإن كان أبناء البلاد لا يذهبون إليها ولا يشهدون ما يمثل على ملعبها. وهو تكلف شديد انفرادنا به، ولا غاية منه إلا أن تجد السياح حين يفدون داراً للأوبرا، عامرة بمثل ما ألقوه في ديارهم، ولو أن هذه الأوبرا كانت مصرية والتمثيل فيها كذلك، لكان هذا أبعث على سرور السياح، لأنهم لا يجيئون إلى بلادنا ليروا فيها ما يرون في بلادهم، بل ليطلعوا على ما عندنا نحن، مما لعنا تميزّنا به وخالفناهم فيه، ولو وثقوا أن ما عندنا ليس إلا صورة لما تركوه لما جشموا أنفسهم عناء السفر ومشقات الرحلة ونفقاتها. وليت الفرق التي نبذل لها المال لنفاخر بها من الطراز الأول! والغريب بعد ذلك أن الفرق المصرية كانت تذاد عن دار الأوبرا إلا في الندرة القليلة والفلتات المفرده. وهذا حال يجب أن يقلب ليعتدل، وعار ينبغي أن يغسل عنا، ومهزلة يجب أن تقصر الحكومة عنها، وإلا صح فينا بعد ألف سنة أننا أمة تضحك من جهلها الأمم. إبراهيم عبد القادر المازني

стр. 9457

ثباتُ الأخلاق للأستاذ مصطفى صادق الرافعى لو أنني سئلت أن أُجمل فلسفة الدين الإسلاميَّ كلها في لفظين، لقلتُ أنها: ثبات الأخلاق، ولو سئل أكبر فلاسفة الدنيا أن يوجز علاج الإنسانية كله في حرفين، لما زاد على القول إنه ثباتُ الأخلاق، ولو أجتمع كلُّ علماء أوربا ليدرسوا المدنية الأوربية ويحصروا ما يعوزها في كلمتين لقالوا: ثباتُ الأخلاق. فليس ينتظرُ العالمُ أنبياء ولا فلاسفةً ولا مصلحين ولا علماء يبدعون له بدعاً جديداً، وإنما هو يترقب من يستطيع أن يفسر له الإسلام هذا التفسير، ويثبتَ للدنيا أن كل العبادات الإسلامية هي وسائل عمليةٌ تمنع الأخلاقَ الإنسانية أن تتبدّل في الحي فيخلع منها ويلبس، إذا تبدلت أحوال الحياة فصعدت بإنسانها أو نزلت، وأن الإسلام يأبى على كل مسلم أن يكون إنسان حالته التي هو فيها من الثروة أو العلوم، ومن الارتفاع أو الضعة، ومن خمول المنزلة أو نباهتها، ويوجب على كل مسلم أن يكون إنسان الدرجة التي انتهى إليها الكونُ في سموهّ وكماله، وفي تقلبه على منازلة بعد أن صفى في شريعة بعد شريعة، وتجربة بعد تجربة، وعلم بعد علم. انتهت المدنيةُ إلى الأخلاق بتبدل أحوال الحياة، فمن كان تقياً على الفقرة والإملاق وحرمه الإعسارُ فنون اللذة، ثم أيسر من بعدُ، جاز له أن يكون فاجراً على الغنى، وأن يتسمح لفجوره على مدَّ ما يتطوع به المال، وإن أصبح في كل دينار من ماله شقاءُ نفس إنسانيةٍ أو فسادُها. ومن ولد في بطن كوخ، أو على ظهر الطريق، وجب أن يبقى أرضاً إنسانية، كأن الله سبحانه لم يبن من عظامه ولحمه وأعصابه إلا خربة آدمية من غير هندسة ولا نظام ولا فن. . . ثم يقابله من ولد في القصر أو شبه القصر فله حكم آخر، كأن الله سبحانه قد ركب من عظمه ودمه وتكوينه آية هندسة، وأعجوبة فن، وطرفة تدبير، وشيئاً مع شيء، وطبقة على طبقة ولكن الإسلام يقر ثبات الحلق ويوجبه وينشئ النفس عليه، ويجعله في حياطة المجتمع وحراسته، لأن هناك حدوداً في الإنسانية تتميز بحدود في الحياة، ولا بد من الضبط في هذه وهذه، حتى لا يكون وضعٌ إلا وراءه تقدير، ولا تقديرٌ إلا معه حكمة، ولا

стр. 9458

حكمة إلا فيها مصلحة، وحتى لا تعلوا الحياة ولا تنزل إلا بمثل ما ترى منِ كفتى ميزان شدَّتا في علاقة تجمعهما وتحركهما معاً، فهي بذاتها هي التي تنزلُ بالنازل لتدلَّ عليه وتشيل بالعالي لتبين عنه. فالإسلام من المدنية، هو مدنية هذه المدينة. إنها لن تتغيرَ مادة العظم واللحم ولدم في الإنسان فهي ثابتة مقدَّرة عليه، ولن تتبدل السنن الإلهية التي توجدها وتفنيها فهي مصرَّفة لها قاضيةٌ عليها، وبين عمل هذه المادة وعمل قانونها فيها، تكون أسرارُ التكوين، وفي هذه الأسرار تجد تاريخ الإنسانية كلة سابحاً في الدم. هي الغرائز تعمل في الإنسانية عملَها الإلهي، وهي محدَّدة محكمةٌ على ما يكون من تعاديها واختلاف بينها، وكأنها خُلقت بمجموعها لمجموعها. ومن ثم يكون الخلق الصحيح في معناه قانوناً إلهياً على قوة كقوة الكون وضبط كضبطه. وبهذه القوة وهذا الضبط يستطيع الخلق أن يحوَّل المادة التي تعارضه إذا هو أشتد وصلب، ولكنه يتحول معها إذا هو قوةُ الفصل بين ضعف. فهو قدرٌ إلا أنه في طاعتك، إذ هو قوة الفصل بين إنسانيتك وحيوانيتك، كما أنه قوة المزج بينهما، كما أنه قوة التعديل فيهما. وقد سوَّع القدرة على هذه الأحوال جميعاً، ولولا أنه بهذه المثابة لعاش الإنسان طول التاريخ قبل التاريخ، إذ لن يكون له حينئذ كونٌ تؤرخ فضائله أو رذائله بمدح أو ذم. فلا عبرة بمظهر الحياة في الفرد، إذ الفردُ مقيدٌ في ذات نفسه بمجموع وليس له وحده. فانك ترى الغرائز دائبة في إيجاد هذا الفرد لنوعه بسننٍ من أعمالها، ودائبةً كذلك في إهلاكه في النوع نفسه بسنن أخرى. فليس قانونُ الفرد إلا أمراً كما ترى، وبهذا يمكن أن يتحول الفرد على أسباب مختلفة. ثم تبقى الأخلاق التي بينه وبين المجموع ثابتةً على صورتها. فالأخلاقُ على أنها في الأفراد هي في حقيقتها حكمُ المجتمع على أفراده، فقوامها بالاعتبار الاجتماعيّ لا غير. وحين يقع الفسادُ في المجْمع عليه من آداب الناس، ويلتوي ما كان مستقيماً، وتشتبه العاليةُ والسافلة، وتطرحُ المبالاة بالضمير الاجتماعي، ويقوم وزن الحكم في اجتماعهم على القبيح والمنكر، وتجري العبرة فيما يعتبرونه بالرذائل والمحزمات، ولا يعجبُ الناسَ إلا ما يفسدهم، ويقع ذلك منهم بموقع القانون ويحلَّ في محل العادة، فهناك لا مساكَ للخلق السليم

стр. 9459

على الفرد، ولا بد من تحول الفرد في حقيقة إذ كان لا يجئ أبداً إلا متصدعاً في كل مظاهره الاجتماعية، فأينما وقع من أعمال الناس جاء مكسوراً أو مثلوماً، وكأنه منتقلٌ من عالم إلى عالم ثانٍ بغير نواميس الأول. وما شذّ من هذه القاعدة إلا الأنبياء وأفراد من الحكماء، فأما أولئك فهم قوة التحويل في تأريخ الإنسانية لا يبعث أحدهم إلا ليهيج به الهيج في التاريخ، ويتطرق به الناس إلى سبل جديدة كأنما تطردهم إليها العواصف والزلازل والبراكين، لا شريعته ومبادئه وآدابه. وأما الحكماء الناضجون فهم دائماً في هذه الإنسانية أمكنةٌ بشريةٌ محصنة لحفظ كنوزها وإحرازها في أنفسهم، فلهم في ذات أنفسهم عصمةٌ ومنصة كالجبال في ذات الأرض. الأخلاقُ في رأي هي الطريقة لتنظيم الشخصية الفردةِ على مقتضى الواجبات العامة، فإصلاح فيها إنما يكون فيها من عمل هذه الواجبات، أي من ناحية المجتمع والقائمين على حكمه. وعندي أن للشعب ظاهراً وباطناً، فباطنه هو الدينُ الذي يحكم الفرد، وظاهره هو القانونُ الذي يحكم الجميع، ولن يصلح للباطن المتصل بالغيب، إلا ذلك الحكم الديني المتصلُ بالغيب مثله، ومن هنا تتبينُ مواضع الاختلال في المدينة الأوربية الجديدة، فهي في ظاهر الشعب دون باطنه، والفردُ فاسدٌ بها في ذات نفسه إذا هو تحليل من الدين، ولكنه مع ذلك يبدو صالحاً منتظماً في ظاهره الاجتماعيّ بالقوانين وبالآداب العامة التي تفرضها القوانين، فلا يبرح هازئا من الأخلاق ساخراً بها لأنها غير ثابتة فيه، ثم لا تكون عنده أخلاقاً يعتدَّ بها إلا إذا درت بها منافعه وإلا فهي ضارةَّ إذا كانت منها مضرة، وهي مؤلمة إذا حالت دون اللذات. ولا ينفكُّ هذا الفرد يتحول لأنه مطلق في باطنه غير مقيدُ إلا بأهوائه ونزعاته، وكلمتا الفضيلة والرذيلة معدومتان في لغة الأهواء والنزعات إذ الغايةُ المتاعُ واللذة والنجاحُ، وليكن السببُ ما هو كائن. . . . وبهذا فلن تقوم القوانين في أوربا إذا فني المؤمنون بالأديان فيها أو كاثرهم الملحدون، وهم اليوم يبصرون بأعينهم ما فعلت عقلية الحرب العظمى في طوائف منهم قد خرجت أنفسهم من إيمانها فتحولوا ذلك التحول الذي أومأنا إليه، فإذا أعصابهم بعد الحرب ما تزال محاربةً مقاتلة ترمى في كل شيء بروح الدم والأشلاء والقبور والتعفُّن والبلى. . . . وانتهت الحربُ بين أمم وأمم، ولكنها بدأت بين أخلاق وأخلاق.

стр. 9460

وقديماً حارب المسلمون، وفتحوا العالم، ودوّخوا الأمم، فأثبتوا في كل أرض هدى دينهم وقوة أخلاقهم الثابتة، وكان من وراء أنفسهم في الحرب ما هو ورائها في السَّلم، وذلك بثبات باطنهم الذي لا يتحول، ولا تستخفه الحياةُ بنزقها، ولا تتسفّهُه المدنيات فتحمله على الطيش. ولو كانوا هم أهل هذه الحرب الأخيرة بكل ما قذفت به الدنيا، لبقيت لهم العقليةُ المؤمنةُ القوية، لأن كل مسلم فإنما هو وعقليتهُ في سلطان باطنه الثابت القارَّ على حدود بينةٍ محصلة مقسومة تحوطُها وتمسكها أعمال الأيمان التي أحكمها الإسلام أشد إحكام بفرْضها على النفوس منوعة مكررة كالصلاة والصوم والزكاة ليمنع بها تغيراً ويحدث بها تغيراً آخر، ويجعلها كالحارسة للإرادة ما تزال تمرُّ بها وتتعهدها بين الساعة والساعة. إنما الظاهرُ والباطنُ كالموج والساحل، فإذا جنَّ الموج فلن يضيره ما بقى الساحلُ رَكيناً هادئاً مشدوداً بإعضاده في طبقات الأرض. أما إذا ماج الساحل. . . فذلك أسلوب آخر غير أسلوب البحار والأعاصير، ولا جرمَ ألا يكون إلا خسْفاً بالأرض والماء وما يتصل بهما. في الكون أصلٌ لا يتغير ولا يتبدل، هو قانون ضبط القوة وتصريفها وتوجيهها على مقتضى الحكمة. ويقابلهُ في الإنسان قانون مثله لا بد منه لضبط معاني الإنسان وتصريفها وتوجيهها على مقتضى الكمال. وكل فروض الدين الإسلاميّ وواجباته وآدابه، إن هي إلا حركةُ هذا القانون في عمله، فما تلك إلا طرقُ ثابتة لخلق الحسّ الأدبيّ. وتثبيته بالتكرار، وإدخاله في ناموسٍ طبيعيّ بإجرائه في الأنفس مجرى العادة، وجعله بكل ذلك قوة في باطنها، فتسمى الواجبات والآداب فروضاً دينية، وما هي في الواقع إلا عناصرُ تكوين النفس العالية، وتكون أوامر وهي حقائق. من ذلك أرانا نحن الشرقيين نمتاز على الأوربيين بأننا أقربُ منهم إلى قوانين الكون، ففي أنفسنا ضوابطُ قوية متينة إذا نحن أقررنا مدنيتهم فيها - وهي بطبيعتها لا تقبل إلا محاسنَ هذه المدنية - سبقناهم وتركنا غبارَ أقدامنا في وجوههم، وكنا الطبقة المصفاةَ التي ينشدونها في إنسانيتهم الراهنة ولا يجدونها، ونمتاز عنهم من جهة أخرى بأننا لم ننشئ هذه المدينة ولم تنشئنا، فليس حقاً علينا أن نأخذ سيئاتها في حسناتها، وحماقتها في حكمتها، وتزويرها في حقيقتها، وأن نسيغ منها الحلوة والمرة، والناضجة والفجةُ، وإنما نحن نحصّلها ونقتبسها

стр. 9461

ونرتجع منها الرجعةَ الحسنة، فلا نأخذ إلا الشيء الصالح مكان الشيء قد كان عندنا وندع ما سوى ذلك، ثم لا نأخذ ولا ندع إلا على الأصول الضابطة في أدياننا وآدابنا، ولسنا مثلهم متصلين من حاضر مدنيتهم بمثل ماضيهم. بيد أن العجب الذي ما يفرغ عجبي منه أم الموسومين منا بالتجديد لا يحاولون أول وهلةٍ وآخرها غلا هدمَ تلك الضوابط التي هي كل ما نمتازُ به، والتي هي كذلك كل ما تحتاج إليه أوربا لضبط مدينتها، ويسمون ذلك تجديداً، ولهو بأن يسمى حماقةً وجهلاً أولى وأحق. أقول ولا أبالي: إننا ابتلينا في نهضتنا هذه بقوم من المترجمين قد احترفوا النقلَ من لغات أوربا، ولا عقل لهم إلا عقلُ ما ينقلونه، فصنعتهم الترجمة من حيث يدرون أو لا يدرون صنعة تقليدٍ محضٍ ومتابعةٍ مستعبدةٍ، وأصبح عقلهم بحكم العادة والطبيعة، إذا فكرَّ انجذب إلى ذلك الأصل لا يخرج عليه ولا يتحول عنه. وإذا صح أن أعمالنا هي التي تعلمنا كما يقول بعض الحكماء، فهم بذلك خطر أي خطر على الشعب وقوميته وذاتيته وخصائصه، ويوشك هو أطاعهم إلى كل ما يدعون إليه أن. . . أن يترجموه إلى شعب آخر. . . . إن أوربا ومدنيتها لا تساوى عندنا شيئاً إلا بمقدار ما تحقق فينا من اتساع الذاتية بعلومها وفنونها، فإنما الذاتية وحدها هي أساس قوتنا في النزاع العالميّ بكل مظاهره أيها كان؛ ولها وحدها، وباعتبار منها دون سواها، نأخذ ما نأخذه من مدنية أوربا ونهمل ما نهمل، ولا يجوز أن نترك التثبت في هذا ولا أن نتسامح في دقة المحاسبة عليه. فالمحافظة على الضوابط الإنسانية القوية التي هي مظاهر الأديان فينا، ثم إدخالُ الواجبات الاجتماعية الحديثة في هذه الضوابط لربطها بالعصر وحضارته، ثم تنسيق مظهر الأمة على مقتضى هذه الواجبات والضوابط، ثم العملُ على اتحاد المشاعر وتمازجها لتقويم هذا المظهر الشعبيّ في جملته بتقويم أجزائه. هذه هي الأركانُ الأربعة التي لا يقوم على غيرها بناءُ الشرق. والحاد والنزعات السافلة وتخانيث المدنية الأوربية التي لا عمل لها إلا أن تظهر الخطر في أجمل أشكاله. . . ثم الجهلُ بعلومالقوة الحديثة وبأصول التدبير وحياطة الاجتماع وما جرى في هذا المجرى. ثم التدليس على الأمة بآراء المقلدين والزائفين والمستعمرين لمحق الأخلاق الشعبية القوية، وما اتصل بذلك. ثم التخاذل والشقاق وتدابر الطوائف وما كان

стр. 9462

بسبيلها. تلك هي المعاول الأربعة التي لا يهدم غيرُها بناءَ الشرق. فليكن دائماً شعارنا نحن الشرقيين هذه الكلمة: أخلاقنا قبل مدنيتهم (طنطا) مصطفى صادق الرافعي

стр. 9463

طب النفس للأستاذ أحمد أمين لست أدري لماذا يؤمن الناس أشد الأيمان بمرض أجسامهم، ولا يؤمنون بمرض نفوسهم، فإذا شعر أحدهم بمرض جسمي أسرع إلى الطبيب يصف له أعراضه، ويستوصفه دواءه، وينفذ أوامر مهما دقت، ويبذل في ذلك الأموال مهما جلّت، ثم هو يمرض نفسياً، فلا يأبه لذلك، ولا يعيره عناية، ولا يستشير طبياً نفسياً، ولا يعني بدرس الأعراض ومعرفة الأسباب، وقد يلح عليه مرض النفس، ويصل به إلى اليأس، فلا يسمى لعلاج، ولا تجد في معرفة دواء، كأن نفسه أهون عليه من جسمه، وروحه أتفه من بدنه. ومن أجل عناية الناس بأجسامهم دون نفوسهم، كان لدينا نظام شامل واف لطب الأجسام دون طب النفوس، فمدرسة لتخريخ الأطباء حتى للطب البيطري، ومعاهد للتشريح والتجارب، وتخصصُ في الأمراض، فهذا طبيب عين، وهذا طبيب أنف وحنجرة، وهذا طبيب أسنان، وهذا طبيب باطني الخ، وكان لكل حيَّ طبيب أو أطباء، ولكل مدرسة طبيب، وفي الأمم الراقية لكل أسرة طبيب، ووجدت المستشفيات في أنحاء الأقطار، وعدها الناس عملاً خيرياً يتبرعون لها بأموالهم، كما عدتها الحكومة ضرورة اجتماعية ترصد لها الأموال في ميزانياتها، وأنشئت الصيدليات في كل حي وكل شارع لتلبية طلبات الأطباء والجماهير في كل وقت إسعافاً للجسم في مرضه وفي ترفه. وخضعت هذه النظم لسنة الارتقاء، فهي تساير الزمان، وتستفيد مما يؤدي إليه البحث والعلم، وتتكيّف حسب ما تقتضيه الأحوال، وتجهز بأحدث المخترعات. والعقل عنى بعض هذه العناية، فكان أطباء للأعصاب، ومستشفيات للمجاذيب، وبحوث وتجارب في أمراض العقل وعلاجه أما النفس فحظها من ذلك كله حظ الأرنب بجانب الأسد، فلا الناس يقدرون خطورة أمراظها، ولا تنشأ المدارس لأطبائها، ولا تؤسس المستشفيات لعلاجها. مع أني أعتقد أن آلام الناس مكن نفوسهم أكثر من آلامهم من جسومهم، وإضرار المجتمعات من مرضى النفوس تفوق أضرارها من مرضى الجسوم، وللنفس أمراض لا حصر لها، تختلف كاختلاف أمراض الجسم إلى مرض عين ومرض معدة ومرض أمعاء،

стр. 9464

فهناك حميات نفسية متعددة كحميات الأجسام، وهناك تسمم نفسي يشبه التسمم الجسمي، وهناك ميكروبات نفسية كالميكروبات المادية، وهناك عدوى بها تصيب النفوس كعدوى الأجسام - وهناك انفعالات تحرق النفس وتضني البدن إلى آخر ما هنالك، ولكل هذه الأمراض علاجات تختلف باختلاف المرض وباختلاف الشخص ولها أدوية من جنسها، منها ما يسكن الألم، ومنها ما يشفي المرض - وهي في دراستها وتشخيصها وعلاجها أدق وأصعب منالاً وأغمض كشفاً، والفرق بينها وبين أمراض الجسم وعلاجه كالفرق بين الجسم والنفس. فما أحوجها إلى أطباء مهرة، ومستشفيات صالحة معدة ودراسات عميقة منتجة، ونظم في ذلك ترقى مع الزمان رقي طب الأجسام. لعل الذي صرف الناس عن علاج نفوسهم إلى علاج جسومهم أنهم أو الكثير منهم لا يزالون يسبحون في دائرة الحس وحده، ولم يرتقوا إلى ملاحظة النفوس وشؤونها، فإذا جرح الإنسان جرحاً بسيطاً في جسمه هرع إلى الطبيب يعالجه ويحتاط له، وإذا كسر عظمه ذهب إلى الطبيب ليجبر كسره، ولكن إذا جرحت نفسه ولو جرحاً عميقاً، وكسرت ولو كسراً خطيراً احتمل الألم من غير بحث عن علته أو نتائجه أو طرق مداواته لأنه لا يزال مادياً في إدراكه أولياً في تفكيره. أو لعل السبب أن الناس لا يؤمنون بأطباء النفوس إيمانهم بأطباء الأجسام، فهم لا يعتقدون في صلاحيتهم، ويشكون كل الشك في قدرتهم على علاجهم، فيستسلمون للمرض النفسي كما يستسلمون لمرض جسمي استحال شفاؤه، ولم يستكشف دواؤه، إن كان هذا فعلى الطب النفسي أن يثبت أن قدرته، ويبرهن على نجاحه حتى يقبل الناس عليه ويؤمنوا به. وقد يكون السبب أن الناس يؤمنون بسهولة أمراض النفس وقدرتهم على علاجها والإشتفاء من غير طبيب، فما عليه إن كان حزيناً إلا يضحك، أو منقبضاً إلا أن يتسلى، وهذا خطأ بين؛ فأمراض النفوس كأمراض الجسم فيها ما يداوى بحمية وفيها ما يستعصي على الطبيب الماهر والخبير الحاذق. لعلك تزعم أن هذه الناحية من طب النفوس لم تهمل بتاتاً فهنالك المدارس للتهذيب، فيها إصلاح النفوس وفيها دروس الدين والأخلاق لمعالجة الأمراض، وهناك الوعّاظ لإرشاد

стр. 9465

الناس وعلاج النفس، وهناك العرف والقوانين توجه الناس إلى الخبير وتجذرهم من الشر، وفي تهذيب لنفسهم وإصلاح لجوانب الشر فيهم. ولكن يظهر لي أنها كلها مع فائدتها لا تكفي، لأنها - من ناحية - تكاد تكون علاجاً عاماً يقال لكل الأشخاص، وتخاطب بها كل النفوس، كالطبيب يذكر ضرر الإفراط في الأكل، وأضرار كثيرة التدخين، وفائدة الرياضة البدنية، وفائدة الاعتدال في المأكل والمشرب، وهي قل أن تتعرض للأزمات النفسية الخاصة بكل نفس وما أحاط بها من ظروف خاصة، ونوع النفس وما يلزم لها من علاج خاص بها، هي أقرب ما تكون إلى الوقاية لا إلى العلاج، وللاحتياط من الوقوع في المرض لا لعلاج المرض، فان تعرضت لعلاج وصفت علاجاً عاماً للناس على السواء، إذ ليس في استطاعتها - غالباً - أكثر من ذلك. ومن ناحية أخرى أكثر ما بأيدينا منها اليوم يؤسس على ما وصل إليه العلم الحديث، ولم يبن على ما أستكشف من قوانين علم النفس على قلة ما أستكشف منها، فالدراسة الحديثة أبانت عن اتجاهات كانت غامضة، وأخطاء كانت ترتكب في تصور النفس وإدراكها وجرائمها وطرق تهذيبها، ولا يزال علماء النفس يقومون في أول مراحلهم، ولم يقولوا في النفس إلا الكلمة الأولى، فكان من المعقول أن يساير التهذيب ودراسة الأخلاق وعلاج النفس ما وصل إليه علم النفس وعلم الاجتماع، كما يساير علم طب الأجسام ما يستكشف من مخترعات. فآلات الجراحة اليوم غيرها بالأمس، والمادة الطبية اليوم غيرها بالأمس، والمادة الطبية اليوم غيرها بالأمس وهكذا ولكن ذلك لم يكن. وربما كان أقرب المناحي إلى طب النفس منحى الصوفية، فقد كان لكل مريد شيخه يفضي إليه بدخائل قلبه وأزمات نفسه، ووسائسه وخطراته وآلامه وتوجهاته، والشيخ يصف لكل مريد ما يراه أنسب له وأقرب لعلاجه، ويصف له طرقاً يسلكها واتجاهات يتجهها وأوراداً يتلوها، يرى أنها تشفى مرضه، وتبرئ نفسه، وله في كل مريد نظرته وفراسته، بها يشخص وبها يصف، ولكن تكاد تقتصر هذه الحالة بين المريد والشيخ على الأزمات الدينية، أما ما عدا ذلك من أزمات دنيوية واجتماعية، فقلما يتناولها المريد والشيخ، على أنه، من لكل مريد بهذا الشيخ الدقيق النظر الصائب الفكر الصادق الفراسة الموفق في تبيُّن المرض ومعرفة العلاج.

стр. 9466

وإذا عدمنا مثل هذا الشيخ وحرمت مجتمعاتنا من نظم وافية شاملة للطب النفسي كالنظم الوافية الشاملة للطب الجسمي فلا أقل من أن نوجه النظر إلى أن يعنى كل شخص بناحيته النفسية عناية لا تقل عن عنايته الجسمية. فضحايا أمراض النفوس كثيرون، وصرعى المرض لا يحصون، والالتفات إلى فتك هذا النوع من الأمراض ضعيف فاتر - فهناك صرعى الخوف من الموت ومن الفقر ومن الرؤساء، وهناك صرعى الشك في الدين وفي الحياة وقيمتها وفي كل ما يحيط بهم مما في الأرض وما في السماء، وهناك صرعى الحزن لا يسرهم شيء في الحياة، ويودون أن يبكوا دائماً ويسودون كل منظر يرونه، ويحزنون عند ما يحزن الناس ويحزنون عند ما يضحك الناس، فإذا عدموا أسباب الحزن حلقوها حتى من أعمق منابع السرور - وهكذا تتعدد الصرعى كصرعى السل والسرطان وما إليها - يبدوا فيهم مكروب النفس صغيراً ثم ينمو شيئاً فشيئاً حتى يفترسهم، ثم من العجيب ألا يتوجهوا قليلاً ولا كثيراً إلى قتلها قبل أن تقتلهم وهزيمتها قبل أن تهزمهم، كأنهم يظنون أن المرض فوق أن يعالج والأمر أيأس من أن يفكر فيه. لأمراض النفس أسباب عدة: من حالة صحية، وبيئة اجتماعية، وبذور ميكوربات تسرب إليها من كتب قرأتها، ومقالات طالعتها، وأحاديث سمعتها، ومناظر رأتها إلى غير ذلك، ولعل أهم مرض نفسي يصيب طائفة المثقفين سببه أنهم لا يريدون أن يكونوا أنفسهم ويريدون أن يكونوا غيرهم. لقد خلقت النفوس البشرية متشابهة في بعض جهاتها، مختلفة في بعض جهاتها، شأنها في ذلك شأن الوجوه، فكل وجه فيه عينان وأنف بين العينين وفم تحت الأنف وذقن تحت الفم ولكن مع هذا الاشتراك لكل إنسان وجهه الخاص به لا يشاركه فيه غيره، وكذلك النفوس تشترك في اللذة والألم، وتشترك في أهم منابع اللذة ومنابع الألم وتشترك في الغرائز الأساسية وما إلى ذلك، ومع هذا فلكل إنسان نفسه الخاصة، لا يساويها في جميع وجوهها غيرها. ومما ألاحظه أن كل إنسان إن سارت على فطرتها، وعرفت أن تتغذى بما يناسبها، وطلبت لها مثلاً أعلى يتفق وطبيعتها، عاشت في الأغلب راضية مطمئنة، فان فطرتها وحاولت أن تكون غيرها أظلمت وأصابها الحزن والقلق والاضطراب، وفقدت سعادتها وهناءها،

стр. 9467

واطمئنانها ورضاءها، ومحال أن تنال ما يخالف فطرتها، كما هو محال أن يكون الوجه الأسود أبيض، أو الأبيض أسود، أو الطويل قصيراً، أو القصير طويلاً. يسعد الإنسان إذا عرف طبيعته وحدوده التي يستطيع أن يصل إليها، ونوع الرقى الذي يمكن أن يبلغه، فان حاول أن يكون غير ذلك كان في الحياة (ممثلاً) لا يعيش عيشته الطبيعية، فهو فقير يمثل دور ملك، وصعلوك يمثل دور وزير، وطفل يمثل شيخاً هرماً، ورجل يمثل دور امرأة، ومحال أن يوائم بين نفسه الحقيقية والدور الذي يمثله إلا بمقدار ما يظهر على المسرح، فان هو حاول أن يطيل ذلك بعد دوره فجزاؤه الهزؤبه، والسخرية منه، وقلق نفسه، واضطراب شأنه. فأكثر أسباب اضطراب المثقف ناشئ من أنه غبي يريد أن يكون ذكياً، أو ميال بطبعه إلى العزلة والانكماش، يريد أن يكون وجيهاً شهيراً، أو عالم يريد أن يكون أدبياً، أو أديب يريد أن يكون وقحاً، أو متزن نواحي العقل يريد أن يكون نابغاً شاذاً الخ. فهو يحاول، ثم يفشل ويفشل، لأنه يكلف النفس ضد طباعها، وهذا الفشل يهز نفسه هزة عنيفة تسبب له القلق الروحي والاضطراب النفسي، هو بذلك يريد أن يكون إنساناً صناعياً وهو مخلوق إنساناً طبيعياً، فالتوفيق محال، فخير نصيحة لهذا وأمثاله أن تقول له: (كن نفسك، ولا تنشُد إلا مثلك). أحمد أمين

стр. 9468

أقطاب الرواية المصرية عز الملك المسبحي جندي ومؤرخ وسياسي للأستاذ محمد عبد الله عنان كان المسبحي رجل حرب ورجل قلم، وكان سيل أسرة حّرانية نزحت إلى مصر قبل قيام الدولة الفاطمية، واستوطنت مصر وسطعت فيها؛ وكان إحدى هاته الشخصيات القوية البارزة التي كانت الدولة الفاطمية أبان قوتها وفتوتها تحشدها حولها، وتوليها ثقتها وعطفها، وتؤثر أن تختارها من غير المصريين البلديين. بيد أن المسبحي كان مصرياً بمولده، مصرياً بتربيته وبيئته، وقد خصص حياته ومواهبه الممتازة لدراسة مصر وأحوالها وتاريخها، ولو لم يذهب الزمن بآثاره ولا سيما بموسوعته الضخمة عن تاريخ مصر، لكان بين يدينا الآن أعظم أثر عن مصر وتاريخها في المرحلة الأولى من الحكم الفاطمي، أعني مرحلة العظمة والبهاء. ولد المسبحي بمصر حسبما ذكر في تاريخه ونقل إلينا الرواة المتأخرون في العاشر من رجب سنة ست وستين وثلئمائة (٩٧٧م)، وهو الأمير المختار عز الملك محمد بن عبد الله ابن أحمد بن إسماعيل المعروف بالمسبحي، ولم نعثر على تفاصيل عن حياته الأولى ولا تربيته وتكوينه، ولكن يبدو لنا من آثاره التي نسبت إليه، والتي انتهت إلينا شذور منها أنه تلقى ثقافة أدبية علمية واسعة متعددة النواحي، كذلك يظهر أن المسبحي بدأ حياته العامة جندياً ورجل ادارة، لأنه كان يرتدي زي الجند، ولأنه تقلد بعض المناصب الإدارية الهامة، وقد ذكر لنا المسبحي في تاريخه أيضاً، أن اتصاله بخدمة الحاكم بأمر الله يرجع إلى سنة ٣٩٨هـ، بيد أنه تقلب قبل ذلك في بعض الوظائف الهامة، فتقلد أعمال القيس والبهنسا من أعمال الصعيد ثم تولى ديوان الترتيب وهو يومئذ من مناصب الوزارة الهامة، ثم اصطفاه الحاكم بأمر الله وعينه في بطانته الشخصية في سنة ٣٩٨هـ وكان الحاكم يومئذ فتى في نحو الثالثة والعشرين من عمره، ولكنه كان في ذروة القوة والسلطان والبطش، وكانت هذه الفترة بالذات من أروع فترات حكمه، وفيها فتك بكثير من الوزراء ورجال الدولة (سنة ٣٩٥ - ٤٠٠هـ) ويروى لنا المسبحي نفسه في تاريخه طائفة من الحوادث الدموية التي شهدها في هذا العهد، وكان الحاكم دائم الفتك بالزعماء والكبراء لأسباب تتصل بسياسته

стр. 9469

العامة أو لريب ومخاوف تساوره، ولكن المسبحي تبوأ لدى الحاكم مركزاً من النفوذ والثقة لا تتطاول إليه الشكوك والريب، ولا تتجه إليه النقمة الغادرة، بل يظهر أن المسبحي كان من أخص خواص الحاكم، حسبما تدلى به الواقعة الآتية التي يرونها لنا في تاريخه، قال: (قال لي الحاكم، وقد جرى والده العزيز: يا مختار، استدعاني والدي قبل موته، وهو عاري الجسم، وعليه الخرق والضماد، قال فاستدعاني وقبلني وضمني إليه وقال: وأغمى عليك يا حبيب قلبي ودمعت عيناه، ثم قال: امض يا سيدي فالعب فأنا في عافية. قال الحاكم: فمضيت والتهيت بما يلتهي به الصبيان من اللعب إلى أن نقل الله تعالى العزيز إليه). ويقول لنا ابن خلكان إن المسبحي نال لدى الحاكم حظوة وسعادة، وإنه كانت له مع الحاكم مجالس ومحاضرات حسبما يشهد بها تاريخه الكبير، وتبدو دلائل هذه الصداقة التي توثقت عراها بين الحاكم والمسبحي في كثير مما يرونه المؤرخ في تاريخه وينقله عنه الكتاب المتأخرون مثل المقريزي وابن تغرى بردى عن عصر الحكام بأمر الله، وعن أحواله وتصرفاته الشخصية، ففي كثير من هذه المواطن يبدو المسبحي الصديق المخلص والمستشار الأمين. وهذه حقيقة تلفت النظر، فإن الحاكم كان أميراً خطر النزعات عنيف الأهواء، وقلما نجا من نقمته أحد من رجال الدولة الذين خدموه. بيد أن الذهبي يقدم إلينا في تاريخه تعليلاً لهذه الظاهرة، هو أن المسبحي كان رافضياً. والروافض فرقة من غلاة الشيعة تغلو في حب علي بن أبي طالب وفي بغض أبي بكر وعثمان ومعاوية ومن إليهم، وقد اختلفت في سبب تسميتهم بالروافض. وهنا نلمس سر هذه الصداقة التي توثقت بين المؤرخ وأميره، فقد كان الحاكم، جرياً على سنة آبائه، يصطفى غلاة الشيعة أبناء مذهبه ويوليهم مناصب النفوذ والثقة، وكان المسبحي يتمتع فوق صفته المذهبية بخلال باهرة تضاعف مكانته، فقد كان عارفاً بعلوم عصره، وكان راوية ومحدثاً ساحراً، وكان أيضاً شغوفاً بعلم النجوم الذي يشغف به الحاكم بأمر الله، وقد وضع فيه أكثر من مؤلف، وهذه كلها عوامل وظروف تلقي أكبر الضياء على طبيعة هذه الحظوة التي نالها المؤرخ في بلاط الحاكم بأمر الله. وقد استطاعت هذه الخطوة حتى وفاة الحاكم بأمر الله سنة ٤١١هـ، ولا نعرف ماذا كانت صلة المسبحي بالبلاط الفاطمي في الأعوام التالية، والظاهر أنه اعتزل الحياة العامة.

стр. 9470

وانقطع للبحث والكتابة، ووضع كثيراً من مؤلفاته في هذه الفترة التي استطاعت تسعة أعوام أخرى حتى وفاته في شهر ربيع الثاني سنة ٤٢٠هـ (١٠٢٩م). - ٢ - يقدم إلينا ابن خلكان ثبتاً حافلاً من مصنفات المسبحي، وفي هذا الثبت القوى المتباين معاً ما يدل على ما كان يتمتع به هذا الذهن الممتاز من نواحي التفكير والثقافة المتعددة، فقد ألف المسبحي في التاريخ والجغرافيا والأدب والاجتماع والفلك كتباً بل موسوعات ضخمة، وإليك مفردات هذا الثبت الذي يقدمة إلينا ابن خلكان: كتاب التاريخ الكبير في ثلاث عشرة ألف ورقة، كتاب التلويح والتصريح في معاني الشعر وغيره في ألف ورقة، كتاب الراح والارتياح في ألف وخمسمائة ورقة، كتاب الغرق والشرق في ذكر من مات غرقاً وشرقاً في مائتي ورقة، كتاب الطعام والأدام في ألف ورقة، كتاب درك البغية في وصف الأديار والعبادات ثلاث آلاف وخمسمائة ورقة، قصص الأنبياء ﵈ وأحوالهم ألف وخمسمائة ورقة، كتاب المفاتحة والمناكحة في أصناف الجماع ألف ومائتا ورقة، كتاب الأمثلة للدول المقبلة وهو في النجوم والحساب خمسمائة ورقة، كتاب القضايا الصائبة في معاني أحكام النجوم ثلاثة آلاف ورقة، ورقة، كتاب جونة الماشطة في غرائب الأخبار والأشعار والنوادر ألف وخمسمائة ورقة، كتاب الشحن في أخبار أهل الهوى وما يلقاه أربابه ألفان وخمسمائة ورقة، كتاب الشجن في أخبارأهل الهوى وما يلقاه أربابه ألفان وخمسمائة ورقة؛ كتاب السؤال والجواب ثلاثمائة ورقة؛ وكتاب مختار الأغاني ومعانيها، وغير ذلك من الكتب؛ ويقول لنا ابن خلكان أيضاً إن مصنفات المسبحي بلغت نحو الثلاثين وهو تراث حافل ضخم ينم عن غزارة مدهشة ويشهد من حيث تنوعه لصاحبه بطرافة يندر توفرها في آداب هذا العصر؛ بيد أننا لم نتلق من هذا التراث شيئاً يذكر، ولا نكاد نظفر في عصرنا للمسبحي بأثر تام أو فصل تام، وقد اشتهر المسبحي بالأخص بتاريخه الكبير، الذي يصف لنا محتوياته في مقدمته فيما يلي: (هو أخبار مصر ومن حلها من الولاة والأمراء والأئمة والخلفاء، وما بها من العجائب والأبنية واختلاف أصناف الأطعمة، وذكر نيلها، وأحوال من حل بها إلى الوقت الذي كتب فيه، وأشعار الشعراء، وأخبار المغنين، ومجالس القضاة والحكام والمعدلين والأدباء والمتغزلين وغيرهم)، وإذن فقد كان

стр. 9471

تاريخ المسبحي، سواء من حيث حجمه أو موضوعاته موسوعة قوية شاسعة؛ ولم يصلنا هذا الأثر الضخم الذي يلقى بلا ريب أعظم الضياء على تاريخ الدولة الفاطمية في عصرها الأول، ولا سيما عصر الحاكم بأمر الله، وشخصيته الغريبة الفذة التي درسها المسبحي عن كثب، ولكن الشذور القوية الممتعة التي وصلتنا منه على يد المقريزي وغيره من المؤرخين المتأخرين عن أحوال الدولة الفاطمية وقصورها وخزائنها وصروحها وبذخها وبهائها، تنوه بقيمة هذا الأثر ونفاسته وطرافته، وتدل أيضاً على أن مؤلفه قد تناول خطط وآثارها ومعاهدها في كثير من الإفاضة. وقد لبث تاريخ المسبحي مستقى خصباً لمؤرخي مصر الإسلامية حتى عصر متأخر جداً؛ فالمقريزي وابن تغري بردي والسخاوي والسيوطي وغيرهم يقتبسون منه ويشيرون إلى وجوده؛ وكذلك يذكره حاجي خلفية في (كشف الظنون) بما يأتي: (ومنها تاريخ مصر لعز الملك محمد بن عبد الله المسبحي الحراني المتوفى سنة ٤٢٠هـ، وهو كبير في اثني عشر مجلداً؛ واختصره تقي الدين الفاسي والذيل عليه لابن مُيَسّر)؛ وفي ذلك ما يدلي بأن تاريخ المسبحي كان موجوداً حتى القرن الحادي عشر الهجري (السابع عشر الميلادي)؛ بل هنالك ما يدل على أنه كان موجوداً كله أو بعضه حتى القرن الثاني عشر (الثامن عشر)؛ فقد ورد في معجم مخطوطات الأسكوريال الذي وضعه الغزيري اللبناني باللاتينية في سنة ١٧٧٠ بأنه يوجد في مكتبة الأسكوريال العربية (أربعة مجلدات من تاريخ مصر وأرضها وعجائبها مرتب حسب السنين لغاية سنة ٤١٤هـ، تصنيف محمد بن عبد الله بن عبد العزيز المسيحي (كذا) (معجم الأسكوريال رقم ٥٣١ فقرة ٢)، وليس من شك في أن المقصود هو تاريخ مصر للمسبحي، وذلك رغم تحريف الاسم. على أننا عند مراجعة فهرس الأسكوريال الحديث الذي وضعه ديرنبورج، ثم ليفي بروفنسال (سنة ١٩٢٨) لم نجد في كتب التاريخ ذكراً لكتاب المسبحي، مما يدل على أن ما كان موجوداً منه بقصر السكوريال في القرن الثامن عشر قد ضاع شأن كثير من الآثار التي اثبت الغزيري وجودها في معجمه بيد أنه يبدو من هذا الوصف الذي أثبته الغزيري في معجمه أن المسبحي أستمر في تتبع حوادث مصر وحوادث عصره حتى سنة ٤١٤هـ، وربما أستمر إلى ما قبل وفاته في سنة ٤٢٠هـ إذا

стр. 9472

لم يكن الغزيري قد وقف على نهاية كتابه. وهذا وقد كتب ابن ميسر المصري المتوفى سنة ٦٧٧هـ ذيلاً لتاريخ المسبحي، يبدأ فيه من حيث انتهى المسبحي، وسماه (أخبار مصر)، وانتهى الينا منه قسم يبدأ في سنة ٤٣٩هـ وينتهي سنة ٥٥٣هـ، وهذا الذيل هو الذي أشار إليه صاحب كشف الظنون فيما تقدم هذا وقد كان المسبحي شاعراً رقيقاً وله شعر جيد نقل إلينا ابن خلكان شيئاً منه، ومن قوله يرثي أم ولده: ألا في سبيل الله قلب تقطعا … وفادحة لم تبق للعين مدمعا أصبراً وقد حل الثرى من أوده … فلله هم ما أشد وأوجعا فيا ليتني للموت وقد قبلها … وإلا فليت الموت أذهبنا معاً وقوله من قصيدة يرثى بها والده: بأبي فجعت فأي ثكل مثله … ثكل الأبوة في الشباب أليم قد كنت أجزع أن يلم به الردى … أو يعتريه من الزمان هموم وقد رأينا أن المسبحي كتب فيما كتب كتاب (التلويح والتصريح في معاني الشعر وغيره) مما يدل على انه كان راسخ القدم في فنون الشعر رسوخه في النثر (النقل ممنوع) محمد عبد الله عنان

стр. 9473

من تراثنا العلمي ٣ - كتاب في البيزرة وصف وتحليل نسخة من كتاب مفقود، في علم ضائع، لمؤلف مجهول للأستاذ علي الطنطاوي تتمة وللصيد لذة مشتركة موجودة في طباع الأمم، وكأنها في سكان البدو والأطراف أقوى لمصاقبتهم ومنازلتهم إياها، فلا تزال تراهم ذاكرين وبها متمثلين، ومنها طاعمين، حتى أن نساءهم ليتصيدن على الخيل، ذكر ذلك بعض الرواة فقال: أتيت مكة فجلست في حلقة فيها عمر بن عبد الله بن غبي ربيعه المخزومي وإذاهم يتذاكرون العذريين وعشقهم وصبابتهم، فقال عمر: أحدثكم بعض ذلك: إنه كان لي خليل من بني عذرة (وقصّ قصة الدوحة، وهي على طولها، وعلى أنها أخذت من الكتاب نحواً من عشر صفحات من أجمل قصص الحب في الأدب العربي، وهي مشهورة لم نروها لطولها). وربما ألث السحاب وجرت الأدوية وتتابع السيل، وثلجت الصحراء، حتى يعم ذلك معاقل الأروَ، وكناس الظباء، ومرابض المها، ومفاحص القطا، ومسالك الطير من الهواء، فلتجأ الصوار والسّرب والعانة والرعيل والرف إلى العمارة، فتؤخذ قبضاً وتكون حالها في استسلامها، وضعف من يقدر عليها في تلك الصورة كقول علي بن الجهم في وصف غيث: وحتى رأينا الطير في جنباتها … تكاد أكف الغانيات تصيدها ولا يكون لصيدها ذلك الموقع، على أن ناساً قد أمكنهم مثل ذلك فرأوا تركه، وقالوا إنما لجأت إلينا وعاذت بجوارنا، فنؤمنها ولا نروعها ولا نجور عليها، وفعل مثل ذلك مجبر الجراد واسمه حارثة بن حنبل من طيء، وكان الجراد قد وقع في أرضه، فبدأ بالوقوع حول خبائه، فخرج أهل الحي ليصيدوه، فركب فرسه واشرع إليهم صدر قناعة وقال: ما كنت لأمكنكم من جاري وفخر بذلك قومه، فقال هلال بن معاوية التغلبي: ومنا الكريم أبو حنبل … أجار من الناس رجل الجراد

стр. 9474

وزيد لنا ولنا حاتم=غياث الورى في السنين الشداد وفعله رجل من بني عبد الله كلاب يقال له همام، وبات بأرض خلاء ليس معه أحد، فأوقد ناراً، وقد كان صاد صيداً، فلما رأى الذئب النار أتاها، وذلك من شأنه إذا رأى النار، فلما قرب الذئب منه وهو غرثان أقبل يتقرش ما يرميه همّام من العظام ولا يراه، فلما تبينه رمى إليه بقية صيده ولم يرعه، وأنشأ يقول: يارب ذئب باسل مقدام … منجرد في الليل والأظلام عاود أكل الشاء والأنعام … قد ضافني في الليل ذي التمام في ليلة دانية الأرزام … يقرش ما ألقى من العظام فبات في أمنى وفي ذمامي … مستدفئاً من لهب الضرام آثرته بالقسم من طعامي … ولا يخف نبلى ولا سهامى ولو أني غيري من الأقدام … من اللئام لا من الكرام إذن للأقي عاجل الحمام وأخبرني من وثقت بصدقه عن رجل من جله أهل همذان أن الثلج كثر في ضياعه حتى لجأت إليها عانات كثيرة، فأخذنا وكلاؤه ولم يحدثوا فيها حدثاً وكتبوا إليه بخبرها، فكتب إليهم أن أقيموا لها قضيماً وعلفاً إلى أن ينحسر الثلج، فإذا أنحسر الثلج فخلوا سبيلها واحموها حتى تصل إلى أبعد موضوع من العمارة ففعلوا ذلك. وتلجأ أيضاً إلى الأنس والعمارة إذا أجدبت السنة وعدمت الكلآ، وذكر هذا المعنى إبراهيم الموصلى في قوله يرثى أخاه اسمعيل بن جامع المغنى، فقال: وإني واسمعيل يوم فراقه … لكالغمد يوم الروع فارقه النصل فان أغش قوماً بعده أوازورهم … فكالوحوش يدنيها من الأنس المحل يذكرنيك الخير والشر والتقى … وقول الخنا والحلم والعلم والجهل فألقاك عن مذمومها متزهاً … وألقاك في محمودها ولك الفضل وقد زعم قوم أن هذا الشعر لمسلم بن الوليد الأنصاري ومثله لآخر: تخرم الدهر أشكالي فأفردنى … منهم وكنت أراهم خير جلاس

стр. 9475

وصرت أصحب قوماً لا أشاكلهم … والوحوش تانس عند المحل بالناس وأخبرني مخبر عن أبي العباس الخ … عن المعتصم أنه أوغل يوماً في الصيد وحده، فبصر بقاض يصيد ظباءً فاستدناه وقال حدثني أعجب ما رأيت في صيدك، فقال: خربقت المشارع التي تردها الظباء، فلما شمت الخريق صدرت عطاشاً، ثم عادت من غد فانصرفت أيضاً عطاشاً، ثم عادت في اليوم الثالث بأجمعها، فلما جهدها العطش رفعت رؤوسها إلى السماء فأتاها الغيث فما انصرفت حتى رويت وخاضت في الماء. وذكرت العلماء بطبائع الحيوان أن الوحش ربما انحازت إلى العمران عن مواضعها من الجبال والبر الذي يتصل بفصل الشتاء، فيستدل برده وثلجه لأنها تحس في الجبال بتغير الهواء وبرد شديد، فتستدل بذلك على ما بعده من قوة البرد وتخاف الهلاك فتلجأ إلى العمارة. (باب) من كان مستهتراً بالصيد من الأشراف: إسماعيل غبن إبراهيم الخ. . وحمزة بن عبد المطلب الخ. . ومن خلفاء بني العباس الخ. . الخ. . (وهو باب طويل حافل بالأخبار الممتعة، والأشعار المستملحة). (باب) صفة البواشق وذكر ألوانها وشياتها وأوزانها وصفة الفاره منها: فالأحمر الأسود الظهر جيد صبور على الكد، والأحمر الظهر والبطن رخو ماله جلد الخ. . . وأكثر ما رأيناه من أوزانها مائة وثلاثون درهماً، وأقله خمسة وتسعون الخ. . . (باب) في ضراءة الباشق وفراهته وما يصيد من الطرائد المعجزة التي هي من صيد البازي وذكر علاجات البواشق وعللها وما خلص منها من العلل ونجب، وذكر القرنصة وذكر ما عاش عندي منها بالقاهرة حرسها الله، وذكر ما يحتاج إليه في القرصنة من الخدمة، وذكر السبب الذي استحقت به التقدمة على البزاة إذا كان مؤلفو الكتب يقدمون البازي على سائر الجوارح. (فصل) صفة ضراءة الباشق وهو وحشي، يحتاج الباشق إلى أن يكون على يد رقيق من البيازرة يعرف ما يعمل هو، وهو أن يخيط عينه إلى أن يكلب على الطعم ومقدار ذلك سبعة أيام الخ. . . فإذا كلب كلباً تاماً على الطعم فأفتحه وأطعمه الخ. . . فإذا لم يبق عليك

стр. 9476

من إجابته شيء على ما وصفنا، فخذ له من طير الماء الفرافير ولقفه إياها الخ. . . الخ. . . (فصل) ذكر الضراءة على البيضاني والمكحل إذا أردت أن يصيد الباشق البيضاني والمكحل الخ. . . وقد رأيت من فراهة البواشق ثلاثة لم يسمع بمثلها قط الخ. . . وكان لنا باشق وحشي الخ. . . ولم أر مثله إلا باشقاً قط الخ. . . وكان لنا باشق وحشي الخ. . . ولم أر مثله إلا باشقاً كان لمولانا صلوات الله عليه (يعنى العزيز الفاطمي)، فانه أمرني في بعض الليالي أن أشبعه وشغل هو صلى الله عليه بطير الماء الخ. . . وإنه كان لنا باشق يعرف بباشق ابن حوفية، وكان يكون على يد أمير المؤمنين صلى الله عليه الخ. . . وهذا لم أر مثله إلا من باشق كان الخ. . . وقد كان عندي باشق حوام الخ. . . الخ. (فصل) صفة علاج القرنصة وذكر ما تحتاج إليه من آلتها. (فصل) ذكر علاج القرح في جناح الباشق وكيف يخرج (فصل) صفة علاج اللدود. (باب) في صفة البزاة وذكر شياتها وألوانها وأوزانها وضراءتها والحوادث التي تحدث لها وعلاجاتها وما تحتاج إليه من الخدمة في قرنصتها. (فصل) صفة شياتها (فصل) ذكر أوزانها. (فصل) صفة ضراءة البازي: إذا وقع البازي إلى الصياد فسبيله أن يخيط عينيه الخ. . . وقد كان لي باز، وكان الخ. . . وكان عندنا باز حمل إلينا من دمشق الخ. . . ولقد بلغنا في صيد البازي خبر عجيب، لم نسمع مثله، وذلك أن مسلماً دخل إلى بلد الروم الخ. . . (فصل) ذكر ما يحتاج إليه البازي في القرنصة. (فصل) ذكر سياسة الذرق. (فصل) ذكر الأدوية والعلاجات وما يستدل به من الذرق على كل علة.

стр. 9477

(فصل) ذكر ما يحدث الجص وصفة علاجه (فصل) ذكر علاج النفَس. (فصل) ذكر علاج البشم. (فصل) ذكر علاج البياض إذا أصاب عين البازي (فصل) ذكر ما يولد القمل في البازي وصفة علاجه. (فصل) ذكر علاج المسمار إذا أصاب كف الجارح (فصل) ذكر ما يحدث الورم في الكفين وصفة علاجه. (فصل) ذكر علاج القلاّع (فصل) ذكر ما يتبين به كون الدود في البازي وصفة علاجه. (فصل) صفة علاج الحرّ. (فصل) صفة علاج مخاليب الجارح إذا تقلعت (فصل) صفة علاج البرد. (فصل) صفة علاج اعوجاج ريش الجناح (فصل) صفة علاج العقر إذا أصاب كف البازي. (فصل) ذكر ما يحدث السدة في المنخرين وصفة علاجهما. (باب) في تفضيل الصقور على الشواهين لما فيها من الفراهة وهو السبب الموجب لتقديمها وذكر ألوانها وأوزانها وصفة ضراءتها، (وفي فصول طويلة كالذي مرّ في باب البواشق وباب البزاة). (باب) في صفة الشواهق وذكر ألوانها وأوزانها وصفة ضراءتها. (باب) السقاوات وذكر ألوانها وأوزانها وضراءتها، وما تصيده من الوبر والريش، وذكر ما يستدل به على جبدها ورديئها. (باب) العقبان الخ. . . (باب) الزمامجة الخ. . . (باب) ما قيل في العقاب من الشعر المستحسن. (باب) صيد الفهد الخ. . .

стр. 9478

(ذكر) الصيد بالفهد وما يستحسن منه الخ. . . وقال بعض الشعراء الخ. . . (وفي هذا الفصل كثير من الأشعار والأشعار والأخبار الجيدة). (ذكر) ما قيل في ابتذال الملك نفسه في الصيد بهذا الضاري ومباشرته له الخ. . . (وفي هذا الفصل أشعار كثيرة). (باب) في صفة الظباء وذكر مواضعها التي تأويها وصيدها وما فيها من المنافع، وما قيل في ذلك من الشعر. (باب) في ذكر كلاب سلوق وخصائصها وصيدها وعللها ودوائها، وما قيل فيها من الشعر (وفيه فصول وقد أورد المؤلف في بعضها طائفة صالحة من الشعر). (باب) ذكر ما قيل في الجوارح وما وصفت به من الشعر المستحسن لمتقدم ومتأخر، (وفيه فصول). (باب) صيد طير الماء في القمر بالبازي والباشق، وهو باب تفردنا دون غيرنا ولم نعلم أحداً سبقنا إليه من مؤلفي كتب البيزرة من المتقدمين (وهو آخر أبواب الكتاب) ثم تأتي الزيادات التي أشرنا إليها في صدر مقالنا السابق. وهذا وصف موجز، وبيان لقيمة هذا الكتاب الجليل، وإنا لنرجو أن يهيء الله له ناشراً، يسرع إلى طبعه ليستفيد منه أهل الأدب، وأصحاب هذه الصناعة، ويأخذ مكانه في المكتبة العربية، فان مكانه لا يزال خالياً، ولا يسده اليوم في الدنيا كتاب غيره، وإنا لنرجو أن تعنى بأمره (لجنة التأليف والترجمة والنشر) ويكون لها في نشرة مأثورة جديدة، تضم إلى مآثرها الجمة وأياديها الكثيرة على الثقافة والأدب. علي الطنطاوي

стр. 9479

دراسيات في النقد طريقة أرسطو في النقد الأدبي بقلم محمد رشاد رشدي كتب (أوسكار وايلد) مرة يقول: إن أنواع النقد هو سجل الروح. فالناقد لا يرى في العمل الفني أكثر من وحي يوحي إليه بعمل جديد شخصي قد لا يكون بينه وبين العمل المنتقد أي وجه من وجوه الشبه، هذا الرأي (لأوسكار وايلد) يصف لنا مدرسة بأجمعها من مدارس النقد - أعني بها مدرسة الشعوربين. وفي ضوء هذه المدرسة سأحاول أن أستخلص طريقة (أرسطو) في النقد ومدرسته. فإذا ما فرغت من هذا حاولت أن أناقش هاتين المدرستين مع أي مدرسة أخرى قد تمت إليها بسبب. ولأجل أن يكون المناقشة جلية واضحة سأبدأ الآن بأن أقتطف من بعض النقاد نبذاً عن شكسبير. كتب الناقد الفرنسي (تين) عن الشاعر الكبير فقال: (أظهر ما في شكسبير خياله القوى الذي لا يعرف قناعة أو راحة، فهو يبعثر الاستعارات فوق كل ما يكتبه، وفي كل لحظة تتغير خواطره إلى صور قوية واضحة، ويعرض لنا عقله رسومات وأشكالاً متتابعة، وشكسبير لا يرى الأشياء أبداً في هدوء. بل إن قوى عقله جميعاً تتركز في الصورة أو الخاطر الذي يعالجه تركيزاً يملك عليه كل نفسه ويمتص كل قواه الأخرى. إن كتابنا المتوسطين يجعلون كل همهم في أن تكون كتاباتهم منطقية واضحة جلية وهم في الغالب يصيبون ما يقصدون، بيد أن شيئاً واحداً يبقى بعيداً عن متناولهم. ألا وهو الحياة. أما شكسبير فهو على عكس هذا يدع الوضوح والمنطق لنفسيهما ويجعل كل همه أن يصيب ما يكتبه الحياة والحركة. ولهذا السبب يبدو شكسبير لنا غريباً وقوياً، ومبدعاً وخالقاً أكثر من أي شاعر من شعراء عصره أو غير عصره. أبدع من وصف النفس البشرية، وأبعد الشعراء عن المنطق وتفكير القدماء المتزن، وأقدرهم على أن يثير في النفس دنيا من الأشكال والصور الحية التي لا تموت). وكتب (كارليل) عن نفس الشاعر يقول: (إنه لفيما اسمه رسم الصورة - معالجة الرجال والأشياء تكون عظمة شكسبير. فعظمة الرجل تأتي يقيناً من هذه الناحية - من العين

стр. 9480

المبصرة! تلك هي العين التي تكشف لنا عن الموسيقى الكامنة في الخلق. عن الفكرة الجليلة التي قد ضمنها الطبيعة مخلوقاتها جميعاً. على أن الشاعر لأجل أن تكون لديه هذه الهبة يجب أن يكون عنده من العقلية القوية ما فيه الكفاية. فان امتلك الرجل عقلية قوية كان شاعراً في كلامه. فان لم يستطيع هذا كان - وذلك أفضل وأجدى - شاعراً في أفعاله. وكتب (سير والتر رولي) عن شكسبير فقال: (إن القوة خياله لا تسمح له بأن يجد الراحة في فكرة أو ناحية واحدة فهو في استطاعة أن يدرس حياة الرجال مثلما يدرس المرء الحياة على ظهر باخرة. وهو دائم الاهتمام بما يحدث يومياً بين أفراد العائلة الإنسانية، غير أن للصورة دائماً في عقله أساس واحدة تركيز عليه، ذلك أنه دائم التفكير في البحر - البحر الذي لا يعرف لقوته حداً والذي لا يسره عقل أو منطق، والآن من الواضح أن النقاد الثلاثة مشتركون جميعاً في تحديد الصفات الأساسية التي تكون عظمة شكسبير كما أنه من الواضح أيضاً أنهم يختلفون كل الاختلاف في الطرق التي سلكوها في نقدهم. فمع (تين) نرى أن شاعرية شكسبير إنما من أنه أبعد الناس عن المنطق العادي وتفكير القدماء المتزن، ومن (كارليل) نعلم أن ميزة الشاعر الأساسية في أن تكون عقليته ممتلئة ناضجة، ويبدو من هذا أن كلا من الناقدين يعتقد أن النقد إنما هو سجل روح الناقد ونفسه، (فتين) العاطفي القوى الخيال يزدري المنطق العادي، ويرى فيه عقبة في سبيل الشعر، و (كارليل) الذي كان اعتماده في حياته على فكره دون عاطفته يرى أن العقل وحده جدير بأن يخلق الشاعر وأن يجعله مبدعاً عظيماً. أما (رولي) فهو لا يفعل شيئاً من هذا، فهو يهتم فقط بأن يوضح ويعلق، وأن يشرح ويعلل دون أن يعنى بالمدح أو بالخط من قيمة الأشياء، ونحن في الواقع لا نستطيع أن نحكم ما إذا كان تفكير شكسبير الدائم في البحر، البحر الذي لا يعرف لقوته حداً والذي لا يسيره عقل أو منطق، يزيد في شاعرية الشاعر أو ينقص منها. ونحن لا نرى النقد هنا سجلاً لروح الناقد ومشاعره، وإنما ما نراه هو وضوح في الأسلوب ودقة في الوصف وقوة في المنطق، وتلك هي مدرسة أخرى من مدارس النقد تختلف عن مدرسة (أوسكار وايلد) ينحو النقد فيها منحى البحث العلمي حيث لا نجد لمشاعر الناقد نفسه أو لإحساسه الشخصي إزاء ما ينتقده أثراً من الآثار.

стр. 9481

تلك هي المدرسة الفكرية أو الاتباعية، وقد كان أول من أسسها الفيلسوف الأغريقي (أرسطو). ونحن لا نحسن هنا أثراً لذات الناقد، فهو بعيد كل البعد لا نراه إلا كما نرى الرجل العلمي من خلال بحثه - الفكر والمنطق - ذلك هو الأساس الذي بنى عليه (أرسطو) طريقته في النقد، كان الرجل دقيق الملاحظة للطبيعة والفنّ، وإنه لمن هذين الينبوعين فقط نراه يستقى كل آرائه، يبنى كل نظرياته ويستنتج كل إستقراءاته. وليس (لأرسطو) آراء شخصية يفرضها على القارئ، فهو إن مدح شيئاً فليس يمدحه لأن نفسه تتعشقه أو تميل إليه، ولكن لأن التجارب قد أثبتت أن هذا الشيء صحيح جدير بالتقدير. خذ مثلاً حديثه عن الشعر القصصي غذ يقول: (أما عن البحر الذي يكتبه فيه هذا الشعر فهو (بحر الأبطال)، فان أراد شاعر أن ينظم قصيدة قصصية في غير هذا البحر، كان شعره شاذاً غير مألوف. إذ أن التجربة والطبيعة نفسها قد وقفت هذا النوع من الشعر على ذلك البحر). (وأرسطو) لا يسمح لنفسه مطلقاً بأن تتمسك برأي من الآراء أو أن تمدح شيئاً أو تذم دون ذمّة، وأن يظهر الجميل دون مدحه، شانه في هذا شأن أصحاب المدرسة النظرية في النقد التي كتب عنها (أرنولد) يقول: (هي جماعة من النقاد ذات لون فلسفي باطل خداع، تجيش بنفوسها بعض الآراء الخاطئة التي لم تبنها التجربة والفكر، بل بنتها الأوهام والعواطف الذاتية تريد أن تفرضها على كل ما يقع في يدها من شعر أو فن. والناقد من اتباع تلك المدرسة لا يمدح عملاً إلا إذا صادف هوى في نفسه وسدّ حاجة من حاجياتها، فان هو لم يفعل كان العمل باطلاً زائفاً، وكذلك من مميزات هذا الصنف من النقاد أنهم يعنون بمحتويات العمل الفني أكثر من عنايتهم بالفن نفسه - أعنى بالأسلوب والطريقة والجمال - كما انك كثير ما تسمعهم يقولون: (حبذا لو ترك الشاعر هذا الموضوع وكتب في موضوع كذا وكيت)، وذلك كما لا يخفى أردأ أنواع النقد وأحطها قدراً، إذ أن واجب الناقد الأول أن يفحص ويحكم على العمل الذيأمامه داخل دائرة العمل نفسه وحدوده لا خارجها محاولاً أن يتفهم ما يقصده الشاعر ويرمى إليه، والى أي مدى استطاع أن يبلغ قصده وأن يبرز فكرته للقارئ.

стр. 9482

وقد يجدى أن نعطى هنا مثلاً من أمثلة هذه المدرسة النظرة الخاطئة لنرى إلى أي حدّ يبعد (أرسطو) عنها ويرتفع. كتب (أوسكار وايلد) أحد نقاد هذه المدرسة - رأيي - يقول: (لأن نمضي من فن عصر من العصور إلى العصر نفسه هو أكبر خطأ يرتكبه المؤرخون جميعاً، فالفن الرديء الزائف كله إنما يأتي من الرجوع إلى الحياة والطبيعة والتساهل بهما إلى مراتب المثل العليا!). من هذا النبذة نستطيع أن نحكم بأن (أوسكار وايلد) كان يدين بهذا الرأي الذي يعطينا إياه - ولكننا لا نستطيع القول بأن شيئاً أو سبباً معيناً أدى به إلى هذا الاعتقاد - أننا لا نستطيع أيضاً أن تحكم ما إذا كان هذا الرأي خاطئاً صحيحاً؟ وذلك لأن الناقد نفسه لم يخبرنا ولم يعلل ما يقوله: لم يكن (أرسطو) ليسمح لنفسه بأن ينفد بهذه الطريقة، ولكن تعال معي نرى كيف كان (أرسطو) يعالج مثل هذا الرأي لو أنه كان يدين به مثلما كان يدين الناقد الإنجليزي، فانه إذا قال إن الفن الزائف إنما يأتي من الرجوع إلى الطبيعة والحياة أتبع قوله: ذلك صحيح لأن (هوميروس) لم يذهب إلى الحياة في البحث عن مادته (هذه أمثلة فقط ولا تعتبر صحيحة)، وأن كل روعة فن (إيسكلس) إنما تأني من اعتماده على أساطير الآلهة كمادة لفن وأن فن (أريستوفانيس) كان أحط وأقل قيمة لأنه كان يصور الحياة ويستمد منها. ذلك أن (أرسطو) لا يسمح لنفسه بأن يكون نظرياً، بل يجب أن يعطيك براهين وأمثلة وأسباباً تعليل ما يقول خذ مثلاً آخر حديثة عن طول القصيدة القصصية إذ يقول: (يمكن في هذا الصنف من الشعر أن تعالج جميع أجزاء القصة معالجة مناسبة من حيث الزمن يأخذه سير حوادثها في الحياة، أما في القصة المسرحية فالأمر يختلف إذ أنك لو عالجت حوادث القصة في مثل ما تعالجها من الطول في القصيدة القصصية، كان الأثر الذي تحدثه في النفس أثراً سيئاً يجلب الملل والسأم، قد يبدو هذا القول نظرياً ولكنه يتبعه بأن يقول: (إن صحة ما نقوله واضحة لأن كل من حاول أن يصوغ قصة سقوط (ترواده) صياغة مسرحية، ولم بأن يختصر في الحوادث أو يركزها قد فشل فشلاً تاماً). كان (أرسطو) سريع الملاحظة، حاضر الذهن، يمقت النوع من القضايا الذي لا يبرزه

стр. 9483

سبب أو يشرحه مثال، كما أن المنطق كان دائماً رائده في البحث والنقد - ذلك لأن طبيعة عقله كانت طبيعة عملية واقعية مثل طبيعة أهله وقومه الإغريق. وهو إن سرد لك قضية من القضايا، أو نظرية من النظريات سردها في بساطة وغير كلفة تشعرك بأنك كنت تعلمها من قبل، وأن عكس هذه القضية لا يمكن أن يوجد أو أن يكون صحيحاً، كما أن قضاياه تمتاز بأنها يمكن أن تستخلص منها قضايا أخرى صغيرة، وأن تبني عليها نظريات أكبر وأوسع أفقاً في رأي أرسطو كناقد أن الشعر نوع من التقليد والمحاكاة - تقليد الحياة والطبيعة - وفي رأي (شلي) كناقد أيضاً أن (الشعر هو ما يحيل الأشياء كلها جمالاً - فهو يزيد الجميل جمالاً ويزين القبيح ويجمله) - كلنا يعرف أن قول (شلي) هذا صحيح، وأن الشعر فعلاً يؤدي كل هذا، ولكن هل نستطيع أن نسمي هذا القول تعريفاً للشعر؟ هنا نشعر بالقارق بين الناقد الشعوري والناقد الفكري، فكلاهما يعبّر عن أشياء صحيحة حقيقية، ولكن الثاني يجعلك تلمس ما يقول وتبصره، بينما يسحر الأول سمعك ثم يتركك ويمض - وقد لا يكون تعريف أرسطو للشعر في جمال أو حلاوة تعريف (شلي) لكنه ملموس محسوس نستطيع أن نبصره في وضوح وأن نبني ونعتمد عليه. وهناك فارق آخر بين الناقدين يبدو لنا أيضاً من خلال تعريفهما للشعر، فواضح من سطور شلي أن الناقد لا يعني فقط بطبيعة ما ينقده وماهيته، بل يعنى أيضاً بالغرض والرسالة التي عليه أن يؤديها الشعر - مما يجعل البحث بعيداً عن روح العلم - في حين أن (أرسطو) لا يتساءل مطلقاً عن رسالة الفن أو الشعر في الحياة، بل كل ما يهمه أن يهمه أن يبحث طبيعتهما وأن يشرحهما لنا - شان العالم الكيميائي أو الطبيعي -. وقد كان (لأرسطو) وجهة نظر في نقده خاصة به، وأعنى بها أنه كان يرى أن لكل فنّ من الفنون، قصصاً كان أم شعراً غنائياً، نهاية طبيعية لا بد أن يصل إليها وألا يتعداها، فان أراد صاحب الفن أن يتعدى بفنه نهايته كان مآله الفشل ومصيره السقوط الذي لا نجاة منه، فقد يصل شعر شاعر مثلاً مرتبة النضوج والكمال، وهو في سن الثلاثين، غير أنه مهما عمّر الشاعر بعد ذلك من سنين ومهما زاده العمر من حكمه وتجارب، فان شعره لن يزيد ولن ينضج أكثر مما نضج - وقد لا يرى البعض هذا الرأي غير أنه - في اعتقادي - رأي لا باس به، ساعد على تكوينه لدى (أرسطو) حب الإغريق الغريزي للاعتدال

стр. 9484

والوسيط، وخوفهم من بطش الآلهة وغيرتها إن اشتدَّ الرجل منهم أو زها وعظم أكثر من اللازم. وقد كان التوسط والاعتدال رائد الإغريق في كل شيء، ولم يكن التطرف عندهم ذنباً فحسب بل جريمة كبرى، ولذلك نرى الاعتدال أظهر ما يميز أدبهم وفهم، ولذلك أيضا ًكان (أرسطو) مؤسس المدرسة الفكرية التي تمنح نفسها للمنطق والعقل وتحاذر كل الحذر من الشعور والعاطفة. والآن واحسبني قد بسطت طريقة (أرسطو) في النقد وقارنتها بالطريقة الشعورية الأخرى أحب أن أقول كلمة عن المذهبين. إن كل ما يفعله (أرسطو) هو أن يشرح ويفصل ويرتب ويصنف ليعطينا في النهاية مجموعة من القوانين والقضايا ما أحسبها تخلق فناناً أو تصلح من شأن فنان آخر. وهو في هذا يخاطب الفكر لا العاطفة، وإني كلما تصورته يعالج (شكسبير) يضيق بي الخيال ولا أدري كيف كان يتيسر (لأرسطو) أن يفعل هذا. قد كنا نفهم بعض صفات فن شكسبير ومميزاته من نقد (أرسطو) له. على أني أشك كثيراً في أنه كان يجعلنا نتفهم الشاعر نفسه ونعشقه مثلما فعل (كولريدج) و (هزلت) و (تين) وفي رأيي أن أعلى أنواع النقد ما كان يؤثر في النفس ويوحي إليها النقد الذي يشرح ويفصل دون أن يزج في دائرة الفن ودون أن يصبح علماً من العلوم. ذلك هو النقد الذي يعالج الأدب مثلما يعالج الأدب نفسه الحياة، أعني عن طريق الخيال والعاطفة. كتب (تشارلس لام) يقول: (إني أفضل العاطفة على العلم) وفي يقيني أن كل من له صلة بالأدب ولا يفعل (لام) يكون مخطئاً في حق نفسه وفي حق صناعته أو فنه. محمد رشاد رشدي بكلوريس بامتياز في الأدب الإنجليزي

стр. 9485

٢ - الدكتور محمد إقبال أكبر شعراء الهند المسلمين في العصر الحاضر (أن صوتي قد أوقد النار القديمة في بلاد إيران ولكن العرب لا يعرفون شيئاً عن نغماتي الشجية) (إقبال) بقلم السيد أبو النصر أحمد الحسيني الهندي حينما ننعم النظر في شعر إقبال واتصافه بمميزات خاصة في الأزمان المختلفة نجد أنه يتمتع الآن بدور ثالث. فقد قطع قبله دورين: أولهما دور نشأته، حين كان إقبال لا يزال فتى يافعاً وطالباً بالمدرسة. فقد بدأ إقبال يقول الشعر باللغة الأردية وهو في صباه، فكان ينال به استحسان زملائه الطلبة، ويجمعهم حوله اغتباطهم بحدة ذكائه وتفوقه عليهم في الشعر. فكانت شهرة إقبال في الشعر بادئ ذي بدء محصورة بين أترابه وأقرانه، فلما انتقل من كلية سيالكوت إلى كلية الحكومة بلاهور بدأ يشترك في مجالس الشعراء ويقول القصائد للاحتفالات السنوية لجمعية حماية الإسلام الشهيرة بلاهور، فذاع صيته بين الخاص والعام. ينتهي هذا الدور لشعر إقبال سنة ١٩٠٥، أي قبل سفره إلى أوربا، ويمتاز شعره فيه بسعة الخيال، وابتكار المعاني، ولكنه مجرد عن دقة الفكر والتعمق بالنسبة إلى شعره في أدوار أخرى، ومعظمه باللغة الأردية، تتجلى فيه روح الحب وطلب الجمال وترحيب العشق، وأكبر ميزة لهذا الدور أنه دور أمل لشيء غير معلوم، ففيه تتوق روح الشاعر إلى المجهول، وتنزع إلى الغائب، وتضطرب، كما يظهر لك من ترجمته بيت من أبيات هذا الدور فيما يلي، قال: (أنا طالب النور، أنا قلق في معمورة هذا العالم أنا مثل الطفل الصغير في ظلام الوجود الحالك مضطرب كالزئبق). وأما الدور الثاني فهو الزمن الذي قضاه الدكتور في أوربا أي من سنة ١٩٠٥ إلى سنة ١٩٠٨. وهذا الدور من شعر الدكتور أقل إنتاجاً من الدورين الآخرين، ويمتاز من الأول

стр. 9486

بأن أثر مشاهدات أوربا بادٍ فيه، ولكن روح الحب، وطلب الجمال، وترحيب العشق لا تزال متجلية فيه كما كانت في الدور الأول. وقد حدثت فيه حادثة، وهي أن الأبحاث العلمية سطت مرة بنفسية الشاعر، فأراد أن يترك الشعر ويتوب عنه وينصرف إلى العلم، فمنعه عن ذلك صديق قديم له كان حينئذ في لندن، وحاول إقناعه فلم يقتنع، وأخيراً اتفقا على أن يستشيرا فيه أستاذه السر آرنلد. فأيد آرنلد رأى صديقه فعدل عن إرادته. وأكبر ميزة لهذا الدور أن بدأت أفكاره الشعرية تعلو وتتسع حتى ضاق عنها نطاق اللغة الأردية الحديثة السن فمال إلى الفارسية وبدأ يعبر بها عن إلهامه الشعري. وأما الدور الثالث فيبتدئ من بعد رجوع الدكتور من أوربا إلى الهند، أي من سنة ١٩٠٨ إلى الآن، وهو الأهم، إذ فيه تدرج شعره في معارج الكمال وتسم سنام المجد وبلغ من دقة المعاني وعمق الفكر وحسن البيان غاية لم تبلغها الآمال ولا نالتها الأماني. وفيه حلت السكينة والطمأنينة في روح الشاعر محل التوقان والاضطراب، كأنها أدركت ذلك الغائب المجهول الذي حنت إليه طويلاً ونزعت إليه سنين، وفيه خف عن نفسيه الشاعر سلطان المحبة والجمال، وقام مقامه توقان الحكمة والكمال، وفيه جادت قريحة الشاعر بما لم تجد في الدورين السابقين، إذ ظهرت إلى الآن سبعة دواوين، ونحن ندعو الله أن يمد في حياته ويوفقه أكثر من ذلك، وفي هذا الدور أيضاً تمكن الشاعر من إبراز معالم فلسفته في شعره للعالم، وفيه تحققت رسالة شعره للعالم الإسلامي والشرق إذ كان في نفسه تتساجل روحان: روح المحب للجمال والمحبذ للعشق، وروح المسلم الشرفي المتحمس الثائر. فكان في الدورين الأولين الحظ الأوفر وفي هذا الدور للثانية. حينما نحاول البحث عن العناصر التي تكونت منها نفسية الشاعر وشعره نجد أنهما قد تكونان من عناصر جمة، منها ما هو هبة من الله كالعبقرية والذكاء، ومنها ما هو وراثي غير كسبي، ومنها ما هو ثقافي كسبي، ومنها ما يرجع إلى البيئة سواء كانت جغرافية أم اجتماعية. فهذه الأصناف الأربعة من العناصر هي دعائم نفسية الشاعر ووطائد شعره. أما العناصر الموهوبة مثل العبقرية وغيرها فلا يقدر الإنسان على الكشف عن حقائقها، ولا الفحص عن دقائقها، وما يقدر عليه هو وصف ظواهرها بالمقارنة. فإذا قارنا ظواهر عبقرية الدكتور وذكائه بالشعراء الآخرين نجد أنه فريد زمانه، وقريع دهره، قد أوتى

стр. 9487

عبقرية شاملة لا يدرك شأوها ولا يلحق غبارها، وذكاءً متوقداً لا يجاري، وقلباً عقولاً لا يباري، وحذقاً حاداً مساماته وفكراً نافذاً مجاراته، وبصيرة قوية لا يجري في مضمارها. أما العناصر الوراثية فالدكتور من نسل آرى. والآريون يمتازون بدقة الفكر وسموا الخيال عن الشعوب الإنسانية الأخرى. ثم الدكتور ينتسب إلى طبقة البراهمة منهم، وهي طبقة قد سادت ولا تزال تسود بحدة ذكاءها ورحابة عقلها وحصافة رأيها جميع الطبقات الاجتماعية الأخرى في الهند منذ آلاف من السنين، فدقة الفكر وسمو الخيال بالقوة عنصران وراثيان هامان في نفسية الدكتور وشعره. وأما العناصر الثقافية الكسبية فهي التي يكسبها الإنسان بواسطة التربية والتعليم. فقد بلغ فيهما الدكتور رفعة لا تسامى ومنزلة لا تغالب، إذ تعلم في معاهد الشرق والغرب ونال منها أرقى الشهادات وأعلاها بالتفوق والامتياز وهضم الثقافتين - الشرقية والغربية - في معناها الحقيقي. فهو على اطلاع تام بالفكر الشرقي - الهند والإيراني - بجلبه وخفية وتأريخه وتقدمه، كما هو عالم متجر في الفكر الغربي بجميع أدواره وتحولاته، سواء كان عند اليونان أو الرومان، أو الإنجليز أو الألمان، أو فرنسا أو أمريكا. وقد سبر الدكتور غور الفكر السامي العربي أيضاً وبخاصة الإسلامي منه كما تميط اللثام عن ذلك مصنفاته، وقد أشار إليه هو أيضاً في خطاب حيث قال: (أنا قد صرفت معظم حياتي في دراسة فقه الإسلام وسياسته وحضارته ومدنيته وأدبه، فبناءً على دراستي الطويلة هذه وعلى العلاقة الخاصة التي لي بروح تعليم الإسلام اعتقد أنني على بصيرة أقدر بها أن أحكم على منزلة الإسلام في العالم من حيث الحقيقة العامة). والدكتور حائز في جميع هذه العلوم والمعارف درجة الاجتهاد وأما العناصر التي ترجع إلى البيئة فهي صنفان: الاجتماعية والجغرافية. أما الاجتماعية فقد ولد الدكتور في مجتمع إسلامي وتربي فيه ودرس حاضره وماضيه، فهو كأحد أركانه من محبيه الأوفياء، وعشاقه الصادقين، ومن أكبر الطامحين إلى خيره ومجده، كما هو من كبار العارفين بحقيقته وصلاحيته. وهذا الحب، والعشق، والطموح، والمعرفة كعناصر البيئة الاجتماعية متجلية في نفسه الشاعر وشعره، وليس هذا التجلي عن عاطفة وتعصب، بل عن علم وعقل، كما سيظهر لك من المقال الذي سنخصصه لذلك في المستقبل إن شاء الله.

стр. 9488

وأما عناصر البيئة الجغرافية. فقد ولد الدكتور في مقاطعة بنجاب وتربي فيها. وبنجاب أخصب المقاطعات الهندية في سفح جبال همالايا تجرى من تحتها خمسة أنهار. فهي بهوائها المعتدل ومناظرها الجميلة التي تفرح قلوب الشاهدين وتؤنس أبصار المبصرين، تملأ النفس بالمؤثرات القوية التي تربي الذوق وتقوى ملكة الشعر، وتغذي الفكر. فحسن الذوق، وحب الجمال، والتصرف فنون الشعر، وجولات الفكر المتجلية في شعر الدكتور ونفسيته فيها أثر للبيئة الجغرافية. أما شعر إقبال من حيث الفن فسنتحدث عنه في مقال تال السيد أبو النصر أحمد الحسني الهندي

стр. 9489

فلسفة الأسماء بقلم ظافر الدجاني إذا كانت اللغات من ألوان الفكرية الصريحة التي يتسم بها الإنسان وتميزه من سائر الكائنات الحية، فان الأسماء - أو ما يعبر عنه الصرفيون بأنه ما دل على معنى في نفسه غير مقترن وضعاً بأحد الأزمنة الثلاثة المعروفة - من وظاهر بيئاته الاجتماعية والطبيعية. فلسنا نبالغ إذن إذا بأن لعنصر الأسماء في اللغات فلسفة خاصة مستقلة، استطاع العلم الحديث مؤخراً أن يقتبسها ويستزيد منها بل يستغلها استغلالاً بالغاً يستحق عليه كل ثناء وإعجاب وإكبار. ومن الحق علينا القول بأن أقطاب اللغات في العالم لا يتفقون على أقدمية الأسماء وأسبقيتها في اللغة، فمنهم من يذهب إلى أنها أسبق مرتبة في الوضع والاستعمال من الحروف والأفعال، لأن منزلتها في النفس من حيث القوة والاعتقاد أن تكون قبل الفعل، والفعل قبل الحرف، ومنهم من يذهب - وهؤلاء معظمهم من أصحاب التوقيت ودعاة الإلهام - إلى أن جميع الأصول اللغوية إنما وقع الوضع فيها معاً فلا يجوز لك الاعتقاد بسبق الاسم على الفعل أو سبق الفعل على الحرف. ومهما يكن من شيء فان بعض الأسماء - أعني أسماء الأعلام والأجناس بوجه خاص - تمتاز على سائر الأصول اللغوية بأنها وضعت للدلالة على الأشياء المحيطة بالإنسان في بيئتيه الطبيعية ولاجتماعية، وما عساه ينجم عنهما في حياته الفكرية، بعكس الحروف والأفعال - مثلاً - التي إنما وضعت لتدخيل بها (الأسماء في المعاني والأحوال)، أو بعبارة أخرى لتربط ما بين الأسماء في جمل مستقلة بدلالاتها اللفظية. ومعنى ذلك أنه يتعذر على الإنسان مثلاً أن يستدل بالأفعال والحروف العربية على نوع الحياة الطبيعية والاجتماعية التي كان يحياها العرب قبل الإسلام، إن لم يكن ذلك مستحيلاً عليه، في حين أن استدلاله بالأسماء يكاد يكون في حكم الواجب الذي لا عدول عنه، لأنها تعكس لنا ألوانهً من البيئات المتنوعة التي كان العربي عرضة لها آنئذ، كأسماء الكائنات الحية وغير الحية التي كان على اتصال بها، وأنواع الأسلحة التي كان يستعملها في حروبه وغاراته، والموازين والأثقال التي كان يصطنعها في بيعه وشرائه ونحوه. كما أنها تعكس لنا أيضاً شيئاً من أثر البيئة الطبيعية في نفسه وإحساساته، ففي ميسورك مثلاً أن

стр. 9490

تقربإحصاء الأسماء التي تعبر في العربية عن ضروب المصائب والرزايا من ناحية، والأسماء التي تعبر عن مظاهر اللهو والعبث من ناحية أخرى، ثم الموازنة بينها، وما إذا كانت بيئة العرب قبل بيئة قاسية مظلمة قاحلة أم بيئة مشرقة سمحة خصبة. وليس ذلك وحسب، بل ميسورك الاستدلال بالأسماء العربية (العاربة) منها و (المعرّبة)، الأصيلة والدخيلة، على مختلف التقلبات السياسية التي طرأت على الوسط الإسلامي في غضون تاريخه الطويل الحافل، وبالتالي الاستدلال على مختلف الأدوار الاجتماعية التي تقلب عليه، ومقدار نفوذ كل من العناصر الفلسفية والجنسية فيه، فإذا كانت الأسماء الفارسية مثلاً في الآداب والفنون أغزر من الأسماء اليونانية دل ذلك على أن نفوذ الفرس من هذه الناحية كان أبعد من نفوذ اليونان، وإذا كانت الأسماء اليونانية في ميدان الفلسفة أوفر من الأسماء الفارسية والهندية دل ذلك على أن العرب قد تأثروا بالفلسفة اليونانية أكثر من تأثرهم بفلسفة الفرس والهند. بيد أنه بالأسف ليس الوصول إلى هذا الاستدلال باليسير الهين لأن المعجم العربي ناقص من وجوه كثيرة، أهمها الوجه التاريخي المدعم بالشواهد والأدلة مما لا يتسع المقام لذكره. هذا إلى عثورك خلال أزمنة التيقظ الفكري والنهضات الدينية الحافلة على بعض أسماء الإعلام الذائعة بين الأوساط العامة لأنها غالباً هي أسماء بعض الزعماء أو القادة أو الأنبياء الذين لهم الفضل كل الفضل في بعث هذه النهضات وإحيائها، بحيث يستدل منها على ما لهؤلاء المصلحين من حظوة لدى الجمهور، وما لتلك النهضات من سحر في أفئدة العامة. ومن ثم كانت لبعض الملل أسماء خاصة تعرف بها ولا يصطنعها غيرها كعزرا وإسرائيل في اليهودية، وحنا وبطرس في المسيحية، ومحمد والحسين في الإسلام. بل ترى في بعض أزمنة الاضطهاد والغلو الديني أن لفظ المولى يشترك عادة في أسماء الملوك والأمراء من أولي الحل والعقد في تلك الأعصر الرهيبة. يتضح ذلك من أسماء الخلفاء من ولد العباس في أواخر أيامهم حين أمست الخلافة رمزاً للنفوذ الديني مجرداً عن السلطة الزمنية، وفي خلفاء الفاطميين وغير الفاطميين من السلالات الملكية التي قامت على الدعايات الدينية. ومن ناحية أخرى ترى أن بعض الأسماء قد تضيع في زوايا الإهمال والنسيان، ولو إلى
следующие страницы →