Полный текст (65 431 стр.). Показаны 9486–9525 · переход к 9491.
стр. 9486
بأن أثر مشاهدات أوربا بادٍ فيه، ولكن روح الحب، وطلب الجمال، وترحيب العشق لا تزال متجلية فيه كما كانت في الدور الأول. وقد حدثت فيه حادثة، وهي أن الأبحاث العلمية سطت مرة بنفسية الشاعر، فأراد أن يترك الشعر ويتوب عنه وينصرف إلى العلم، فمنعه عن ذلك صديق قديم له كان حينئذ في لندن، وحاول إقناعه فلم يقتنع، وأخيراً اتفقا على أن يستشيرا فيه أستاذه السر آرنلد. فأيد آرنلد رأى صديقه فعدل عن إرادته. وأكبر ميزة لهذا الدور أن بدأت أفكاره الشعرية تعلو وتتسع حتى ضاق عنها نطاق اللغة الأردية الحديثة السن فمال إلى الفارسية وبدأ يعبر بها عن إلهامه الشعري.
وأما الدور الثالث فيبتدئ من بعد رجوع الدكتور من أوربا إلى الهند، أي من سنة ١٩٠٨ إلى الآن، وهو الأهم، إذ فيه تدرج شعره في معارج الكمال وتسم سنام المجد وبلغ من دقة المعاني وعمق الفكر وحسن البيان غاية لم تبلغها الآمال ولا نالتها الأماني. وفيه حلت السكينة والطمأنينة في روح الشاعر محل التوقان والاضطراب، كأنها أدركت ذلك الغائب المجهول الذي حنت إليه طويلاً ونزعت إليه سنين، وفيه خف عن نفسيه الشاعر سلطان المحبة والجمال، وقام مقامه توقان الحكمة والكمال، وفيه جادت قريحة الشاعر بما لم تجد في الدورين السابقين، إذ ظهرت إلى الآن سبعة دواوين، ونحن ندعو الله أن يمد في حياته ويوفقه أكثر من ذلك، وفي هذا الدور أيضاً تمكن الشاعر من إبراز معالم فلسفته في شعره للعالم، وفيه تحققت رسالة شعره للعالم الإسلامي والشرق إذ كان في نفسه تتساجل روحان: روح المحب للجمال والمحبذ للعشق، وروح المسلم الشرفي المتحمس الثائر. فكان في الدورين الأولين الحظ الأوفر وفي هذا الدور للثانية.
حينما نحاول البحث عن العناصر التي تكونت منها نفسية الشاعر وشعره نجد أنهما قد تكونان من عناصر جمة، منها ما هو هبة من الله كالعبقرية والذكاء، ومنها ما هو وراثي غير كسبي، ومنها ما هو ثقافي كسبي، ومنها ما يرجع إلى البيئة سواء كانت جغرافية أم اجتماعية. فهذه الأصناف الأربعة من العناصر هي دعائم نفسية الشاعر ووطائد شعره.
أما العناصر الموهوبة مثل العبقرية وغيرها فلا يقدر الإنسان على الكشف عن حقائقها، ولا الفحص عن دقائقها، وما يقدر عليه هو وصف ظواهرها بالمقارنة. فإذا قارنا ظواهر عبقرية الدكتور وذكائه بالشعراء الآخرين نجد أنه فريد زمانه، وقريع دهره، قد أوتى
стр. 9487
عبقرية شاملة لا يدرك شأوها ولا يلحق غبارها، وذكاءً متوقداً لا يجاري، وقلباً عقولاً لا يباري، وحذقاً حاداً مساماته وفكراً نافذاً مجاراته، وبصيرة قوية لا يجري في مضمارها.
أما العناصر الوراثية فالدكتور من نسل آرى. والآريون يمتازون بدقة الفكر وسموا الخيال عن الشعوب الإنسانية الأخرى. ثم الدكتور ينتسب إلى طبقة البراهمة منهم، وهي طبقة قد سادت ولا تزال تسود بحدة ذكاءها ورحابة عقلها وحصافة رأيها جميع الطبقات الاجتماعية الأخرى في الهند منذ آلاف من السنين، فدقة الفكر وسمو الخيال بالقوة عنصران وراثيان هامان في نفسية الدكتور وشعره.
وأما العناصر الثقافية الكسبية فهي التي يكسبها الإنسان بواسطة التربية والتعليم. فقد بلغ فيهما الدكتور رفعة لا تسامى ومنزلة لا تغالب، إذ تعلم في معاهد الشرق والغرب ونال منها أرقى الشهادات وأعلاها بالتفوق والامتياز وهضم الثقافتين - الشرقية والغربية - في معناها الحقيقي. فهو على اطلاع تام بالفكر الشرقي - الهند والإيراني - بجلبه وخفية وتأريخه وتقدمه، كما هو عالم متجر في الفكر الغربي بجميع أدواره وتحولاته، سواء كان عند اليونان أو الرومان، أو الإنجليز أو الألمان، أو فرنسا أو أمريكا. وقد سبر الدكتور غور الفكر السامي العربي أيضاً وبخاصة الإسلامي منه كما تميط اللثام عن ذلك مصنفاته، وقد أشار إليه هو أيضاً في خطاب حيث قال:
(أنا قد صرفت معظم حياتي في دراسة فقه الإسلام وسياسته وحضارته ومدنيته وأدبه، فبناءً على دراستي الطويلة هذه وعلى العلاقة الخاصة التي لي بروح تعليم الإسلام اعتقد أنني على بصيرة أقدر بها أن أحكم على منزلة الإسلام في العالم من حيث الحقيقة العامة).
والدكتور حائز في جميع هذه العلوم والمعارف درجة الاجتهاد وأما العناصر التي ترجع إلى البيئة فهي صنفان: الاجتماعية والجغرافية. أما الاجتماعية فقد ولد الدكتور في مجتمع إسلامي وتربي فيه ودرس حاضره وماضيه، فهو كأحد أركانه من محبيه الأوفياء، وعشاقه الصادقين، ومن أكبر الطامحين إلى خيره ومجده، كما هو من كبار العارفين بحقيقته وصلاحيته. وهذا الحب، والعشق، والطموح، والمعرفة كعناصر البيئة الاجتماعية متجلية في نفسه الشاعر وشعره، وليس هذا التجلي عن عاطفة وتعصب، بل عن علم وعقل، كما سيظهر لك من المقال الذي سنخصصه لذلك في المستقبل إن شاء الله.
стр. 9488
وأما عناصر البيئة الجغرافية. فقد ولد الدكتور في مقاطعة بنجاب وتربي فيها. وبنجاب أخصب المقاطعات الهندية في سفح جبال همالايا تجرى من تحتها خمسة أنهار. فهي بهوائها المعتدل ومناظرها الجميلة التي تفرح قلوب الشاهدين وتؤنس أبصار المبصرين، تملأ النفس بالمؤثرات القوية التي تربي الذوق وتقوى ملكة الشعر، وتغذي الفكر. فحسن الذوق، وحب الجمال، والتصرف فنون الشعر، وجولات الفكر المتجلية في شعر الدكتور ونفسيته فيها أثر للبيئة الجغرافية.
أما شعر إقبال من حيث الفن فسنتحدث عنه في مقال تال
السيد أبو النصر أحمد الحسني الهندي
стр. 9489
فلسفة الأسماء
بقلم ظافر الدجاني
إذا كانت اللغات من ألوان الفكرية الصريحة التي يتسم بها الإنسان وتميزه من سائر الكائنات الحية، فان الأسماء - أو ما يعبر عنه الصرفيون بأنه ما دل على معنى في نفسه غير مقترن وضعاً بأحد الأزمنة الثلاثة المعروفة - من وظاهر بيئاته الاجتماعية والطبيعية. فلسنا نبالغ إذن إذا بأن لعنصر الأسماء في اللغات فلسفة خاصة مستقلة، استطاع العلم الحديث مؤخراً أن يقتبسها ويستزيد منها بل يستغلها استغلالاً بالغاً يستحق عليه كل ثناء وإعجاب وإكبار. ومن الحق علينا القول بأن أقطاب اللغات في العالم لا يتفقون على أقدمية الأسماء وأسبقيتها في اللغة، فمنهم من يذهب إلى أنها أسبق مرتبة في الوضع والاستعمال من الحروف والأفعال، لأن منزلتها في النفس من حيث القوة والاعتقاد أن تكون قبل الفعل، والفعل قبل الحرف، ومنهم من يذهب - وهؤلاء معظمهم من أصحاب التوقيت ودعاة الإلهام - إلى أن جميع الأصول اللغوية إنما وقع الوضع فيها معاً فلا يجوز لك الاعتقاد بسبق الاسم على الفعل أو سبق الفعل على الحرف.
ومهما يكن من شيء فان بعض الأسماء - أعني أسماء الأعلام والأجناس بوجه خاص - تمتاز على سائر الأصول اللغوية بأنها وضعت للدلالة على الأشياء المحيطة بالإنسان في بيئتيه الطبيعية ولاجتماعية، وما عساه ينجم عنهما في حياته الفكرية، بعكس الحروف والأفعال - مثلاً - التي إنما وضعت لتدخيل بها (الأسماء في المعاني والأحوال)، أو بعبارة أخرى لتربط ما بين الأسماء في جمل مستقلة بدلالاتها اللفظية.
ومعنى ذلك أنه يتعذر على الإنسان مثلاً أن يستدل بالأفعال والحروف العربية على نوع الحياة الطبيعية والاجتماعية التي كان يحياها العرب قبل الإسلام، إن لم يكن ذلك مستحيلاً عليه، في حين أن استدلاله بالأسماء يكاد يكون في حكم الواجب الذي لا عدول عنه، لأنها تعكس لنا ألوانهً من البيئات المتنوعة التي كان العربي عرضة لها آنئذ، كأسماء الكائنات الحية وغير الحية التي كان على اتصال بها، وأنواع الأسلحة التي كان يستعملها في حروبه وغاراته، والموازين والأثقال التي كان يصطنعها في بيعه وشرائه ونحوه. كما أنها تعكس لنا أيضاً شيئاً من أثر البيئة الطبيعية في نفسه وإحساساته، ففي ميسورك مثلاً أن
стр. 9490
تقربإحصاء الأسماء التي تعبر في العربية عن ضروب المصائب والرزايا من ناحية، والأسماء التي تعبر عن مظاهر اللهو والعبث من ناحية أخرى، ثم الموازنة بينها، وما إذا كانت بيئة العرب قبل بيئة قاسية مظلمة قاحلة أم بيئة مشرقة سمحة خصبة.
وليس ذلك وحسب، بل ميسورك الاستدلال بالأسماء العربية (العاربة) منها و (المعرّبة)، الأصيلة والدخيلة، على مختلف التقلبات السياسية التي طرأت على الوسط الإسلامي في غضون تاريخه الطويل الحافل، وبالتالي الاستدلال على مختلف الأدوار الاجتماعية التي تقلب عليه، ومقدار نفوذ كل من العناصر الفلسفية والجنسية فيه، فإذا كانت الأسماء الفارسية مثلاً في الآداب والفنون أغزر من الأسماء اليونانية دل ذلك على أن نفوذ الفرس من هذه الناحية كان أبعد من نفوذ اليونان، وإذا كانت الأسماء اليونانية في ميدان الفلسفة أوفر من الأسماء الفارسية والهندية دل ذلك على أن العرب قد تأثروا بالفلسفة اليونانية أكثر من تأثرهم بفلسفة الفرس والهند. بيد أنه بالأسف ليس الوصول إلى هذا الاستدلال باليسير الهين لأن المعجم العربي ناقص من وجوه كثيرة، أهمها الوجه التاريخي المدعم بالشواهد والأدلة مما لا يتسع المقام لذكره.
هذا إلى عثورك خلال أزمنة التيقظ الفكري والنهضات الدينية الحافلة على بعض أسماء الإعلام الذائعة بين الأوساط العامة لأنها غالباً هي أسماء بعض الزعماء أو القادة أو الأنبياء الذين لهم الفضل كل الفضل في بعث هذه النهضات وإحيائها، بحيث يستدل منها على ما لهؤلاء المصلحين من حظوة لدى الجمهور، وما لتلك النهضات من سحر في أفئدة العامة. ومن ثم كانت لبعض الملل أسماء خاصة تعرف بها ولا يصطنعها غيرها كعزرا وإسرائيل في اليهودية، وحنا وبطرس في المسيحية، ومحمد والحسين في الإسلام.
بل ترى في بعض أزمنة الاضطهاد والغلو الديني أن لفظ المولى يشترك عادة في أسماء الملوك والأمراء من أولي الحل والعقد في تلك الأعصر الرهيبة. يتضح ذلك من أسماء الخلفاء من ولد العباس في أواخر أيامهم حين أمست الخلافة رمزاً للنفوذ الديني مجرداً عن السلطة الزمنية، وفي خلفاء الفاطميين وغير الفاطميين من السلالات الملكية التي قامت على الدعايات الدينية.
ومن ناحية أخرى ترى أن بعض الأسماء قد تضيع في زوايا الإهمال والنسيان، ولو إلى
стр. 9491
حين، لأنها تكون عادة أسماء بعض الأفراد أو الجماعات المضطهدة، بحيث يستدل من ذلك على مبلغ غلو الدولة القائمة وشدتها على الفرق المناوئة فمثلاً إذا علم القارئ أن العلويين والشيعة كانوا مضطهدين في الدولة الأموية، فانه يستطيع أن يستدل على مقدار هذا الاضطهاد إذا ذكر أن الناس في أيامها كانوا كما يقول المستشرق (مارجليوث) يتحاشون تسمية الأبناء والأحفاد بأسماء علوية كعلي والحسن والحسين وأشباهها.
وبعد فقد أوردنا لك بعض فلسفة الأسماء موضحة بالأمثلة النظرية، ولكننا لم نشرح لك كيف كان استغلال العلم الحديث لها، لأن هذه الأمثلة على وفرتها قليلة النفع من ناحية عملية تطبيقية إن لم تكن عديمته، لأن الحياة العربية الجاهلية من الأزمنة التاريخية التي تتوفر فيها النصوص والوثائق والآثار. ومن هنا قطعنا بأن الحاجة غير ماسة إلى استيضاح الأسماء العربية وتفصيل ما تنطوي عليه من ألوان هذه الحياة المتنوعة.
وإنما تتبين فلسفة الأسماء الخاصة وترجح قيمتها العملية المحسوسة في الأبحاث الدقيقة المنعقدة حول حياة الإنسان الأولى، التي لا تجد لدرسها من المصادر الأولية سوى اللغات وبعض الآثار الجيولوجية التي نراها نكتشف بين حين وحين، وينفض الغبار عنها فتقيم المعوج من هذه الدراسات وتنير المهم المستغلين.
فمن ذلك أن اصل اللغات الأوروبية ظل إلى عهد قريب مجهولاً أو في حكم المجهول، فنشأت حول ذلك نظريات عديدة متباينة، لكل نظرية أنصار متحزبون وعلماء محققون، ثم إن بعض الثقات حاولوا درس هذه اللغات بطريق القياس والمقابلة فخرجوا من هذا الدرس بنتائج باهرة لم يتسق للمنطق والتاريخ أن يتوصلا إليها. إذ وجدوا أن بين اللغات الأوروبية على اختلافها من ناحية واللغة السنسكريتية - اقدم اللغات الهندية الموجودة - من ناحية أخرى كثيراً من الشبه في القواعد والأوضاع اللغوية، كما وجدوا أن فيها بعض الأسماء المشتركة كبعض أسماء الأعداد والأجناس ونحوها، فاستخلصوا من ذلك أنه لا بد من أن تكون اللغات الأوربية والهندية من فصيلة واحدة دعوها باللغات (الأندو أوروبية) -
وإذ انتهوا من ذلك فانهم حاولوا أن يستدلوا بهذه الأسماء على مواطن (الأندو أوروبين) الأصلي ووصف بيئتهم الطبيعية والاجتماعية، وما إذا كانوا يعرفون البحر والأحراج
стр. 9492
والأنهار، وأي أنواع الحيوانات كانوا على اتصال وثيق بها، وهل عرفوا الحديد والبرونز قبل شتاتهم وانقسامهم قبائل وشعوباً، ثم هل كانوا على درجة كبيرة من التمدن والحضارة؟ أم كانوا بعد في طور الفطرة الإنسانية العريقة في البداوة، ولهم في ذلك أبحاث مطولة دقيقة تنطوى على كثير من قوة التحقيق والتحليل ورجاحة الفكر والنظر.
وقس عليه محاولات المستشرقين في الاستدلال ببعض الأسماء المشتركة بين الأقوام السامية على مواطن الساميين الأول ونوعه، وحضارة الساميين ومقدارها، بل قس عليه أبحاث المحققين في مختلف نواحي الحياة الإنسانية قبل الأعصر التاريخية حيث تنعدم الآثار والمنقولات، فلا تكاد تجد من مصادر درسها إلا اللغات التي نشأت مع الإنسان وسايرته في تطوره واستوائه.
فالعجب من العلم الحديث ونشاطه ومؤهلات البالغة التي لم تترك كبيرة ولا صغيرة من صامت الكون أو ناطقة دون أن تحاول استقراءها ونبش عسى أن يكون فيها ما ينير سبل القوم في تفهم أسرار الكون ومظاهر الحياة الإنسانية.
ظافر الدجاني
стр. 9493
شكوى الشيخ إلى ابنه
للشاعر الفيلسوف جميل صدقي الزهاوي
أبوك بان يردى بنىَّ مهدُ … كأن الردى سيف عليه مجرد
ويشكو تباريحاً تكاد تهده … وشيخوخة ليست عن الموت تبعد
أحسُّ بقرٍ في عروقي وأعظمي … يكاد دمي منه بجسميَ يجمد
أقادُ إذا رمتُ المضيَّ لحاجة … وأمشي كما يمشي الأسير المقيد
كأنك بي شلواً على النعش سائراً … وعما قليل في التراب يوسَّد
وليس مخيفي الموت إن هو زارني … ولكن وراَء الموتِ شملٌ مبدَّد
تعال فقبلني بني مودَّعا … فانّ فراقي عنك يا ابني مؤبَّد
ولي من حياتي يا بُني بقيةٌ … ولكنها عما قليل ستَنْفُذ
بنيَّ أقم حيناً بجنبي فإنني … على غير ما قد كنتَ من قبل تعد
أبوك من الآمال جرَّد نفسه … وأنت فتى فيه المنى تتجدد
ولم يك حظاًنا من الدَّهر واحداً … فلي الأمس من أيامه ولك الغد
أنا اليوم أشقى بالمشيب ووهنه … وأنت بشرح من شبابك تسعد
لعمرك لا عهد المشيب الذي به … برمت ولا عهد الشبيبة سرمد
وما نحن إلا كالسيوف بحومةٍ … نجردُ حيناً للوغى ثم نغمد
ستحدثُ فوق الأرض أشياء جمةٌ … وأنت لها بعدي بنيَّ ستشهد
خلقت لعهد غير عهدي فلا تكن … جباناً إذا ما ضيمَ لا يتمرد
وما الشيب شعرٌ أبيض فوق مفرقي … ولكنه نار على الرأس توقد
وليست حياة بالأياس شقيةٌ … كأخرى بادراك الأمانيَّ ترغد
تفتح ورد السؤل إلا بروضتي … وما قيمة الروض الذي لا يورد؟
أغرّد في روض الحياة كبلبلٍ … ومن بعد حين موشك لا أغرّد
سأرحل عن دنيا إلىّ حبيبةٍ … بها هام حتى الزاهدُ المتعبد
تحاول نفسي بالحياة تمسكاً … ولكنما خيط الحياة معقَّد
بنيَّ وإني ذاهب غير أيبٍ … إلى حيث يبلى الجسم منى ويفسد
стр. 9494
وما أنا وحدي هالك فيثور بي … على الموت حب للحياة موطَّد
فقبلي أجيالٌ ألمَّ بها الردى … وبعديَ أجيال سترْديَ كما ردؤا
نجئ ونمى زمرة بعد زمرة … وننْبُتُ مثل العشب والموت يحص
مقيدةٌ منا الجسومُ بأرضها … ولكنما الأرواح لا تتقيدَّ
ستذهب ذراتٌ لجسميِ ألفت … بداد وعلَّ الروح لا يتبدد
وقد تسبح الأرواح في ضوء أنجم … فيجمعها جنحٌ من الليل أسود
وما هذه الدنيا بدار سعادة وإن طاب فيها الأثرياء وأرغدوا
قفي كل يوم للتعاسة لوحة … وفي كل يوم للشقاوة مشهد
وإن فؤاداً لا يرقَّ لزفرة … يصعدّها قلب كسير لجلمد
ومن كان في بيداء يشكو لهاثه … فليس له غير المنية مورد
سئمت مِرَاس الحرب فالسلم بغيتي … ولكن باب السلم دونيَ موصد
بني لقد كانت حياتي شقية … وعلّك من بعدي بني ستسعد
قضيت حياتي كلها في تمردٍ … ومن ذا يرى خسفاً ولا يتمردَّ
لقد وُلدَ الإنسانُ حرَّا بطبعه … ولكنه للنفس منه مقيدَّ
أناخ عليها بالخرافات مثقلاً … وقيدها بالوهم والوهم مفسد
يلوذ بمن أثرى ويعنو لمن طغى … فيصبح عبداً صاغراً وهو سيد
تداولت الدنيا شعوبٌ كثيرة … وقد حبّذوا تلك القيود وأيدوا
أمَن كان حمّاداً لها فهو مؤمن … ومن كان نقاداً لها فهو ملحد؟
وإنك مني يابُني بقيَّة … أعيش بها في الموت أو أتجدد
بني أرى مستقبلي فيك ماثلاً … وفيك أقول الشعر غضَّا وأنشد
إذا متُّ فاذكرني بنيّ مكرراً … فبالذكر أحيا ثم بالذكر أخلد
(بغداد)
جميل صدقي الزهاوي
стр. 9495
المساء
للدكتورابراهيم ناجي
يا غلَّة المتلهف الصادق … يا آيتي وقَصِيدَتِي الكبْرَى
زادي لقاؤك: طاب من زاد … وإذا نأيْتِ أعيِشُ بالذكرَى
يلْقي خَيَالَكِ كيفما باتا … صبٌ له لفَتَاتُ مسحوُرِ
يرْوَي ويشبَع منكِ هيهاتا … لا يرتوي بصر من النور
بعد الأوَارِ في الغرس … لَا يرْتوِي عودٌ من الطلّ
ومن احْتسى من لفحة الشمس … لا يرتوي أبداً من الظَّلَّ
ذقْتُ المنايا عدّ أنْفَاسي … والبعثُ كانَ شبابَكِ الزاهي
زمن ارْتوى من سخَط الناس … لم يرْوِه غير رضا اللهّ!
يا للمساء العبقريّ وما … مَنَحَتْ من النّفَحَات عيناكِ
أو كان رؤيا واهم حلما … ما كان أقدسَهُ وأسناكِ
يا للنسائم من مُسَبّحةٍ … خَشعت بهيكل ذلك الوادي
فحفيفها همساتُ أجنحة … ورفيفُها صلواتُ عبّاد
نمشى وقد طال الطّريق بنا … ونودّ لو نمشي إلى الأبدِ
ونود لو خلَتِ الحياُة لنا … كطريقنا وغدتْ بلَا أحدِ
نَبْني على أنقْاَضِ ماضينا … قصراً مِن الأوهامِ عِمْلاقاً
ونظلَّ ننشد مِنَ أمانينا … وشياً من الأحلامِ برَّاقاً
وأظل أسقيها وتملأ لي … من منبع فوق الظَّنون خَفِي
حتى إذا سكِرَت من الأمل … وترنّحتْ ماَلتْ على كتفِي
حَلَقتْ بأنّي أغْتدي معها … حيث اغتدت وهواي في دمها
فَمسحْتُ بالقُبلاتِ أدمعها … وطبْعتُ أقْسامِي على فَمِها
إنّا لقومٌ أنكَروا الجَسَدا … فاعجب لمفترقْينِ ما افترقاَ
أو ما ترى روحيهما اتحّدا … أو ما ترى ظليْهما اعتنقا
إبراهيم ناجي
стр. 9496
حياة الأحلام
بقلم الياس قنصل
لستُ أرثى لمن يكونُ طَموحاَ … ذا أمانيَّ شِبهةٍ بالمحالِ
إن يُفْته تحقيقها لدواعٍ … تصرف العزمَ عن طلاب المعالي
لم يفْته تمثيل تحقيقها في … عالم الفكرِ تحت جوَّ الخيالِ
يقطع العمرَ بين رؤيا وحلمٍ … ليس فيها وفيه غير الظلالِ
خالقاً من أوهامه ما تمنّى … جاعلاً منها مسرحاً للكمالِ
لستُ أرثى لحالمٍ ليس يدري … رغم طول البقاء معنى الملالِ
إنما أرثى للذي يبتغي (الملمو … س) في دنيا أُبدعتْ للزوال
كل شيء - مهما غلا - إن ينَلْه ال … مرء أمسى في عرفه غير غالِ
أين من عاش نائلاً كلَّ ما … يطلبه ممن عاش بالآمالِ!
عاصمة الأرجنتين
الياس قنصل
стр. 9497
١١ - شاعرنا العالمي أبو العتاهية
للأستاذ عبد العال الصعيدي
منزلته في الشعر:
قد يكفى أبا العتاهية عندنا توجيهه الشعر هذه الوجهة الصالحة، وذهابه به في الحياة نحو تربية الشعوب وهدايتها، وإنارة السبيل أمامها، وتقويم عوجها؛ وهذا أبو نواس وهو من أعلام الشعر في عصره يشهد له بهذا الفضل، ويفضله به على نفسه. حدث هرون بن سعدان قال: كنت جالساً مع أبي نواس في بعض طرق بغداد، وجعل الناس يمرون به وهو ممدود الرجل، بين بني هاشم وفتيانهم، والقواد وأبنائهم، ووجوه أهل بغداد، فكل يسلم عليه فلا يقوم إلى أحد منهم، ولا يقبض رجله إليه، إذ قيل شيخ راكباً على حمار مريسى، وعليه ثوبان ديبقيان، قميص ورداء قد تقنع ورده على أذنيه، فوثب إليه أبو نواس، وأمسك الشيخ عليه حماره واعتنقا، وجعل أبو نواس يحادثه وهو قائم على رجليه، فمكثا بذلك ملياً، حتى رأيت أبا نواس يرفع إحدى رجليه ويضعها على الأخرى، مستريحاً من الأعياء، ثم انصرف الشيخ وأقبل أبو نواس، فجلس في مكانه، فقال له بعض من بالحضرة: من هذا الشيخ الذي رأيتك تعظمه هذا الإعظام، وتجله هذا الإجلال؟ فقال: هذا إسماعيل بن القاسك أبو العتاهية. فقال له السائل: لم أجللته هذا الإجلال؟ وساعة منك عند الناس أكثر منه. قال: ويحك لا تفعل، فوالله ما رأيته قط إلا توهمت أنه سماوي وأنا أرضي.
وقد يكفى أبا العتاهية أيضاً أنه هو الشاعر الشعبي الذي أمكنه أن يدنو بالشعر العربي إلى إفهام العامة، فوردوا مناهله العذبة بعد أن حرموا منها زمناً طويلاً بنزول لغتهم عن لغته، وانصراف الشعراء عنهم كأنهم عجماوات لا حظ لها من علم وأدب، وهذا كله مع احتفاظه للشعر بما يتطلبه منه الخاصة أيضاً، فأرضى بشعره الفريقين، ولم ينزل به عن مرتبة فحول الشعر في عصره وقبل عصره، وقد قلنا إنه يقصد إلى ذلك قصداً، ويثور به على الطريقة القديمة عامداً، وسقنا من قصته في ذلك مع سلم الخاسر ما يؤيده، وهذه هي قصته معه كاملة:
قال أبو الفرج: حدثني على بن مهدي، قال: حدثني أحمد بن عيسى. قال حدثني الجماز. قال: قال سلم الخاسر: صار إلى أبو العتاهية، فقال: جئتك زائراً، فقلت: مقبول منك
стр. 9498
ومشكور أنت عليه فأقم، فقال إن هذا مما يشتد عليَّ، قلت: ولم يشتد عليك ما يسهل على أهل الأدب؟ فقال لمعرفتي بضيق صدرك، فقلت له وأنا أضحك وأعجب من مكابرته: (رمتني بدائها وانسلت)، فقال: دعني من هذا واسمع مني أبياتاً، فقلت: هات، فأنشدني:
نغًّص الموتُ كلَّ لذة عيش … يا لقومي للموت ما أوْحَاه
عجباً إنه إذا مات ميْتٌ … صدَّ عنه حَبيِبُه وجفاه
حيثما وجَّهَ أمرؤٌ ليفوتَ ال … موتَ فالموتُ واقفِ بحذاه
إنما الشيب لابن آدم ناعٍ … قام في عارضيه ثم نعاه
من تمّنى المُنَى فأغرق فيها … مات من قبل أن ينال مُنَاه
ما أذلَّ المقِلَّ في أعين النا … س لا قلاله وما أقْمَاه
إنما تنظر العيون من النا … س إلى من ترجوه أو تخشاه
ثم قال لي: كيف رأيتها؟ فقلت له: لقد جودتها لو لم تكن ألفاظها سوقية. فقال: والله ما يرغبني فيها إلا الذي زهدك فيها
وقد ذكر ابن رشيق القيرواني أبا العتاهية فيمن كان يذهب إلى سهولة اللفظ، ويعني بها مع الإجادة وملاحة القصد، وأنه اجتمع يوماً مع أبي نواس والحسين بن الضحّاك الخليع، فقال أبو نواس: لينشد كل واحد منكم قصيدة لنفسه في مراده من غير مدح ولا هجاء، فأنشد أبو العتاهية:
يا إخوتي إن الهوى قاتلي … فسيَّروا الأكفانَ من عاجل
ولا تلوموا في اتباعِ الهوى … فإنني في شُغُلٍ شاغل
عيني على عُتْبَةَ منهلَّهٌ … بدمعها المنسكب السائل
يا من رأى قبلي قتيلاً بَكى … من شدة الوجد على القاتل
بسطت كَفّي نحوكم سائلاً … ماذا تردُّون على السائل
إن لمُ تنيلُوُه فقولوا له … قولاً جميِلاً بَدَلَ النائل
أو كُنْتُم العام على عُسرةٍ … منه فمُنُّوه إلى قابل
فسلما له وامتنعا من الإنشاد بعده، وقالا له: أما مع سهولة هذه الألفاظ، وملاحة هذا القصد، وحسن هذه الأشارات، فلا ننشد شيئاً. قال ابن رشيق: وذلك في بابه من الغزل جيد أيضاً
стр. 9499
لا يفضله غيره.
ولم يكن أبو العتاهية في ذلك يتكلف شيئاً لا تواتيه فيه سجيته، بل كان يجري فيه على سجية مواتية، وشعر مطبوع لا تكلف فيه ولا تصنع، وقد بلغ من سهولة الشعر عليه أنه كان يقول: لو شئت أن أجعل كلامي كله شعراً لفعلت، وقيل له: كيف تقول الشعر؟ قال: ما أردته قط إلا مثل لي، فأقول ما أريد، وأترك ما لا أريد. وحدث عبد الله بن الحسن قال: جاءني أبو العتاهية وأنا في الديوان؛ فجلس إليّ، فقلت: يا أبا إسحاق، أما يصعب عليك شيء من الألفاظ فتحتاج فيه إلى استعمال الغريب كما يحتاج إليه سائر من يقول الشعر، أو إلى ألفاظ مستكرهة؟ قال: لا، فقلت له: إني لأحسب ذلك من كثيرة ركوبك القوافي السهلة، قال: فاعرض عليّ ما شئت من القوافي الصعبة، فقلت: قل أبياتاً على مثل البلاغ، فقال من ساعته:
أيُّ عيش يكون أبلغ من عي … شٍ كَفافٍ قوتٍ بقدر البلاغِ
صاحبُ البغي ليس يسلم منه … وعلى نفسه بَغَى كلُّ باغي
ربَّ ذي نعمة تَعرَّض منها … حائلٌ بينه وبين المساغ
أبلغَ الدهرُ في مواعظه بل … زاد فيهنَّ لي على الإبلاغ
غبنتني الأيامُ عقلي ومالي … وشبابي وصحتي وفراغي
وكان أبو العتاهية مع هذا أراد تفخيم لفظة ومعناه لم يقصر به ذلك عن غيره، ومضى فيه كأنه من أولئك الشعراء الجاهلين أو المخضرمين أو الإسلاميين، وقد قال مسعود بن بشر المازني: لقيت ابن مناذر بمكة، فقلت له: من أشعر أهل الإسلام؟ فقال: أترى من إذا شئت هزل، وإذا شئت جد؟ قلت: من؟ قال: جرير حين يقول في النسيب:
إن الذين غَدَوْا بلبك غادروا … وشلاً بعينك ما يزال معينا
غَيَضْن من عَبراتهنَّ وقلن لي … ماذا لقيتَ من الهوى ولقينا
ثم قال حين جد:
إن الذي حَرمَ المكارمَ تَغْلباً … جعل النبوةَ والخلافة فينا
مضرٌ أبي وأبو الملوك فهل لكم … يا آل تَغلبَ من أب كأبينا
هذا ابن عمي في دمشق خليفة … لو شئتُ ساقكمُ إلي قطينا
стр. 9500
ومن المحدثين هذا الخبيث الذي يتناول شعره من كمه، فقلت: من؟ قال: أبو العتاهية، فقلت فيماذا؟ قال قوله:
الله بيني وبين مولاتي … أبدتْ لي الصدَّ والملَالاتِ
لا تغفر الذنب إن أسائت ولا … تقبل عذري ولا مُواتاتي
منحتُها مهجتي وخالصتي … فكان هجرانها مكافاتي
أقلقني حبُّها وصّيرني … أحْدُوثة في جميع جاراتي
ثم قال حين جد:
ومهمة قد قطعتُ طامسه … قَفرٍ على الهول والمحاماةِ
بحُرَّةٍ جسرةٍ عُذا فِرَةٍ … خوْصاء عَيْرَانهٍ عَلَنَدَاة
تبادِرُ الشمس كلما طلعتْ … بالسير تبغي بذاك مرضاتي
ياناق خُبَّي ولا تَعِدي … نفسك مما ترَيْنَ راحات
حتى تُناخِي بنا إلى ملك … تَوَّجه الله بالمهابات
عليه تاجان فوق مَفْرقه … تاج جِلال وتاج إخبات
يقول للريح كلما عصفت … هل لكِ يا ريح في مباراتي
مَنْ من عمُّه الرسول ومن … أخواله أكرم الخؤولات
وإذا كنت فيما سبق قد جعلت أبا العتاهية زعيم شعراء عصره، فهذا ابن مناذر يقضي له أيضاً بهذا السبق، وهذا بشار قد سئل من أشعر أهل زمانه؟ فقال: مخنث أهل بغداد، يعني أبا العتاهية، وكذلك كان يرى فيه هذا الرأي كثيرون مثل الفراء وجعفر بن يحيى وأبي نواس، قد وازن الحرمازي بينه وبين أبي نواس، فقال: شهدت أبا العتاهية وأبا نواس في مجلس، فكان أبو العتاهية أسرع الرجلين جواباً عند البديهة، وكان أبو نواس أسرعهما في قول الشعر، فإذا تعاطيا جميعاً السرعة فضله أبو العتاهية وإذا توقفا وتمهلا فضله أبو نواس، وقد يرجع هذا عندي إلى ما كان لأبي نواس من دراسة واسعة في اللغة وغيرها من العلوم، فلا يخفى أن مثل هذه الدراسة لم يتح مثلها لأبي العتاهية.
ولكنه يبقى بعد هذا ما قد يفيده ظاهر بعض ما رواه صاحب الأغاني من أن أبا العتاهية لم يكن يرى في شعره هذا الرأي، قال: نسخت من كتاب هرون بن علي، قال حدثني علي بن
стр. 9501
مهدي، قال: حدثني ابن أبي الأبيض، قال: أتيت أبا العتاهية فقلت له: إني رجل أقول الشعر في الزهد، ولي فيه أشعار كثيرة، وهو مذهب استحسنه لأني أرجو ألا آثم فيه، وسمعت شعرك في هذا المعنى فأحببت أن أستزيد منه، فأحب أن تنشدني من جيد ما قلت، فقال: أعلم أن ما قلته ردئ، قلت: وكيف؟ قال: لأن الشعر ينبغي أن يكون مثل أشعار الفحول المتقدمين، أو مثل شعر بشار وغبي هرمة، فان لم يكن كذلك فالصواب لقائله أن تكون ألفاظه مما لا يخفى على جمهور الناس مثل شعري، ولا سيما الأشعار التي في الزهد، فان الزهد ليس من مذاهب الملوك، ولا من مذاهب رواة الشعر، ولا طلاب الغريب، وهو مذهب أشغف الناس به، الزهاد وأصحاب الحديث والفقهاء وأصحاب الرياء والعامة، وأعجب الأشياء ما فهموه، فقلت: صدقت، ثم أنشدني قصيدته:
لِدوا للموت وابنوا للخراب … فَكلُّكُم يصير إلى تَباب
ألا يا موتُ لم أر منك بُدَّاً … أتيتَ وما تحيفُ وما تحابي
كأنك قد هجمت على مشيبي … كما هجم المشيب على شبابي
قال: فصرت إلى أبي نواس فأعلمته ما دار بيننا، فقال: والله ما احسب في شعره مثل ما أنشدك بيتاً آخر، فصرت إليه فأخبرته بقول أبي نواس، فأنشدني قصيدته التي يقول فيها:
طولُ التعاشرَّ بين الناس محلول … ما لابن آدمَ إن فتشتَ معقولُ
يا راعِيَ الشاءِ لا تغفل رعايتها … فأنت عن كل ما أسترعيت مسئول
إني لفي منزل أعمره … على يقين بأني عنه منقول
وليس من موضوع يأتيه ذو نفَسِ … إلا وللموت سيفٌ فيه مسلول
لمُ يشغَل الموتُ عنا مذ أعدَّ لنا … وكلُّنا عنه بالذات مشغول
ومن يمت فهو مقطوع ومجتنب … والحيُّ ما عاش مَغشيٌ وموصول
كلْ ما بدا لك فالآكال فانية … وكلُّ ذي أكل لا بد مأكول
قال: ثم أنشدني عدة قصائد ما هي بدون هذه، فصرت إلى أبي نواس فأخبرته فتغير لونه، وقال: لم أخبرته بما قلت؟ قد والله أجاد، ولم يقل فيه سواءاً.
والذي أراه في ذلك أن أبا العتاهية كان يريد بهذا صرف هذا الرجل عنع، لأنه كان معتزا بشعره معتدا به، وقد قارع به بشاراً وغيره لدى الملوك والأمراء فخار به قصب السبق،
стр. 9502
ونال من صلاتهم وجوائزهم ما لم ينله غيره، ولو كان يراه دون غيره من الشعر لقعد به في بيته، ولم يقو أن يقارع أحداً به.
عبد المتعال الصعيدي
стр. 9503
فصول ملخصة في الفلسفة الألمانية
٢٠ - تطوير الحركة الفلسفية في ألمانيا
الناحية السلبية من مذهب نيتش
الإنسان
للأستاذ خليل هنداوي
كل جيل أو كل حضارة مرتبطة بسلسة من القيم الاجتماعية تؤمن بأن هنالك شيئاً أسمى من شيء، وأن عملاً أفضل من عمل، وترى أن الحقيقة أسمى من الضلال، وأن عاطفة الرأفة أفضل من عاطفة القسوة، وواجب التاريخ البشري هو تعيين هذه المقامات والفصل بينها، لأن هذه المقامات المنطوية على التقاليد الاجتماعية هي التي تسيطر على حياة الأفراد والجماعات، وتؤثر في كل أحكامنا ومناقشاتنا. وجدير بها والحالة هذه أن تشغل عقل الفيلسوف وأن تستبد بأكثر عقله وفراغه.
نظر نيتشه إلى هذه المقامات وتأملها ملياً، فجاءت نتيجة تأمله أن هذه المقامات التي تتعاقب عليها الحياة الأوروبية اليوم لهي مقامات فاسدة يجب تنكيسها لأنها لا تصلح للبقاء، وبهذا يتبدل مجرى حياتنا، وتبيد هذه العكازات التي تتوكأ عليها أحكامنا وأفكارنا. وقد نرى نيتشه - في أحد نوبات ألمه العنيف قبل ضياع عقله - ينذر بخراب مروع لهذه البشرية: (إنني أحلف لكم بأن الأرض ستتلوى متشنجة خلال عامين أثنين. . . إنني بنفسي قضاء وقدر)
إن الإنسان الحالي يضع في قائمة (القيم الاجتماعية) عدداً من القيم المطلقة العالية التي لا يمسها سوء ولا يشرف عليها عقل، ولا يتطاول إليها نقاش، وبواسطة هذه القيم يسعى إلى تبيين الحقيقة. من هذه القيم المعروفة مثلاً عنصرا الخير والحقيقة. وقديماً وحديثاً نرى أن تعبد الحقيقة والصدق هو رأس عقائدنا وإيماننا. ناهيك أن المفكرين أنفسهم وقفوا متهيبين إزاء مسألة الخير والشر حين عرضت لهم، وقد ظلموا مترددين أمامها، راعين للتقاليد التي توارثوها عنها. (فكانت) قد افترض وجودها.
وشوبنهاور وجد أن العقدة الأخلاقية إنما عقدة عامة، جميع الناس فيها سواء. (فلا تسئ
стр. 9504
لأخيك، وأغث إخوانك ما استطعت). وهكذا تطامن الفلاسفة على هذه العقدة ولم يهزوا شجرتها. وكلهم تجمهروا ليدرسوا رأس الأخلاق وهذا الضمير الخلقي الذي أصطلح البشر عامتهم على احترامه والذي لا يزال يسيطر على الأجيال الحالية.
أعلن نيتشه الحرب على هذا التعبد للحقيقة وهذه العبادة لشريعة الأخلاق. وبدلاً من أن يتقبلها قبولاً لا مفر منه ولا وجه لمقابلته بجدل. رأيناه يقابلها كمسألة يدرس وجوهها ويحل مبهمها ويفترض ما يفترض في سبيل تفهمها. أليس من حقه أن يتساءل (ولماذا كانت الحقيقة خيراً وأحرى؟: ولماذا كان الخير أجدر من الشر بالأخذ؟) ثم حلّ هذه المسألة بذات الجرأة التي ظهر بها جاعلاً قاعدة الإنسان الحر هذه الكلمة المأثورة (لا شيء حقيقي في الوجود، كل شيء حلٌ للإنسان).
وما هذه الكلمات النظرية التي تتردد بحروف مختلفة وأسماء متباينة دون أن يخرج معناها بخروج مبناها إلا كلمات ابتدعها الخيال وثبتها الوهم. أما الحقيقة الجدير بالنظر، الحقيقة التي ينبغي لنا أن نعرفها فهي حقيقة عالم رغائبنا وأهوائنا. فكل ما تحتوي عليه حياتنا وإرادتنا وفكرتنا هو في الحقيقة نتاج ما فينا من الغرائز الحاكمة. وهذه الغرائز المتفرقة إنما تتشعب بها السبل إلى غريرة واحد، لا ترد إلا أليها ولا تصدر إلا عنها. هذه الغريزة هي إرادة القوة، هذه الإرادة التي تغنينا - لو رجعنا إليها في تحليل جميع مظاهر الحياة التي تحيط بنا ونحيط بها. فكل كائن - سواء كان من عالم الحيوان أو النبات أو الإنسان - يسعى إلى بسط سلطانه على غيره من الكائنات حتى يخضع له ما يخضع منها. وإن الحرب القائمة وهذه الجهود الدائمة، حيث لا تستقر حياة موجود إلا ببسط نفوذها ونشر قواها، هي الشريعة الأساسية في الوجود، وفي كل مظاهر الحياة - أنى كانت - ترى الغزيرة قائدها وهاديها: فإذا رأيت إنساناً ما يجنح بطبعه إلى حب الفضيلة والفن والحقيقة فهذا الجنوح إنما قام بفضل هذه الغريزة الطبيعية التي رأت من خيرها أن تسلك هذا السبيل، وهكذا قل في الفضيلة الدينية التي تجد بها بعض النفوس أقواتها وطعام غرائزها. وفي الحقيقة التي يضحي العالم في سبيلها بأزهى عمره تسوقه إليها إرادة القوة التي تعمل على بسط سلطانها، ولكن الإنسان مال إلى عبادة ما ابتدعه بنفسه (كمثل أعلى) ليشبع حاجة فيه من حاجاته. فبدلاً من أن يقول: سأحيا أنا لإشباع غرائزي، وسأتحرى عن الخير
стр. 9505
والحقيقة تبعاً لهذه الشريعة حيث تدفعني إرادة قوتي: قال: إنما الخير والحقيقة شيئان ينبغي أن يطلبا لنفسيهما. . . يجب صنع الخير لأنه الخير. ويجب نشدان الحقيقة حباً للحقيقة. وحياة الإنسان ليس لها قيمة إلا بقدر ما تنكر من أنانيتها وذاتيتها في سبيل خدمة هذا المثل الأعلى، فلتقُتل إذن كل ميولها الغريزية في سبيل هذا الإنسان نفسه الذي قدر هذا التقدير إنما تسوقه غريزة - لأن الغريزة هي سائقة النفوس إلى ما تعمل - ولكن هذه الغريزة غريزة فاسدة.
على أن هذه الغرائز ليست في الناس سواء، فبعضها، فبعضها معتدلة تعمل على تغذية حياتها وصيانة نموها، وبعضها فاسدة معتلة تعمل على إخفاء مادتها الحيوية. وللعلل الجسدية تأثير كبير فيها قد يتداركها الطبيب قبل أن تضوي الجسد. وهنالك علل (الشخصية) ولهذه العلل أسباب طبيعية. وبحسب هذه الغرائز المختلفة المتسيطرة على الإنسان يأتي صاحبها صالحاً أو طالحاً، مثلاً عالياً أو مثلاً سافلاً.
إن - هنالك - رجالاً خالصي الأجسام والأرواح يقولون (نعم) للوجود! هم سعداء ناعمون بحياتهم، وهم ممن يجدر بالحياة أن تخلد لهم. وهنالك رجال منحطون ضعفاء مرضى قد أظلمت غريزتهم وماتت حيويتهم، يقولون (لا) للوجود! يجنحون إلى الموت والفناء، لا غاية لهم يتحرون عنها، وليس لهم - والحالة هذه - أن يتحروا عن بقائهم في الوجود، وهذه سنة طبيعية تنطبق على الحياة التي لا تتمرد، والحياة - في كل صقع - سائرة في طريق التقدم أو في طريق الانحطاط. والإنسان فيها مثل غرسة، طوراً تحيا ذابلة يائسة، وطوراً تتفتح مشرفة زاهية، تسمو منها فروع عالية.
يتبع
خليل هنداوي
стр. 9506
القصص
صور من هوميروس
٥ - حروب طَرْوَادَة
أخيل
للأستاذ دريني خشبة
شده القوم، ونظر بعضهم إلى بعض، ونهض الكاهن الوقور ذو اللحية المرتعشة يضرب في غَبْشَةِ الصبح، متكئاً على عكازه الذي أحنته وأحنتْ صاحبه السنون، ولم يكد يتسم ذروة الجبل حتى أشرقت ذُكاء، فاختلط ذهب أشعتها بفضة لحيته، فزادته رهْيةً، وزاده البعد وقاراً، وملأ بهامته السامقة وطيلسانه القشيب، قلوب العسكر، وعيون القادة، ألغازاً وأسراراً. . .
عاشت ذيتيس في كنف بليوز قانعة راضيةً، لا يعنيها من هذا العالم الرحب إلا الجنين الحبيب الذي يتقلب في أحشائها، فتتقلب معه أكبر الآمال.
ومضت شهور. . . ووضعته غلاماً بكاءً كثير الصخب، يضرب الهواء برجليه الصغيرتين، فكأنما يضرب المشرقين والمغربين، وينظر في السماء العميقة بعينيه الزرقاوين، وكأنما يبحث في أغوارها عن جده. . ومجده! وترى إليه أمة وتبتسم!
وشبّ الغلام وأيفع؛ وتحدَّثت إلى أمه العرَّافات والكاشفاتُ الغيب أنه سيكون محارباً عظيماً، تتحدث بذكره الركبان، وتتعطر باسمة المحافل في كل زمن ومكان؛ وأن لا بد من رحلةٍ به إلى الدار الآخرة - هيدز مملكة بلوتو - حيث تستطيع الأم غَسلَ ابنها في أمواه ستيكس، نهر الخلود الزاخر، الذي أودعته الآلهة أسرارها، ونظمت فيه شعراء الأولمب أشعارها واشتهرت بركاته في العالمين.
حدثنها أنها إذا غسلت أبنها في أمواه ستيكس، فانها تكسب جسمة مناعةً ضد الموت، وحِفَاظاً من الفناء؛ لأن جلده يصبح كالدرعِ المسرودة من حديد، لا تنفذ فيه السهام، ولا يؤثر فيه طعن القنا، ولا ضرب المشرفيات البيض.
ووقفت به على شواطئ ستيكس!.
стр. 9507
وهالها أن تنظر فترى إلى المنايا تقفز على غوارب الموج، وتثب فوق نواصي الثبج؛ تدمدم كأنها الذئاب، وتهوم كأنها البواشق، وترقص ظلالاً سوداء كأنها الجن!.
لقد ريعت الأم المسكينة، وكادت تنثني بطفلها المعبود، إشفاقاً عليه من هول ما شاهدت. . . بيد أن الطفل. . . بيد أن أخيل الصغير، كان يصرخ وينتحب كلما بعدت به أمه عن شواطئ النهر، في حين كان يهدأ وبتسم كلما اقتربت به منها. فتعجبت ذيتيس، وجلست ترقب من النهر فرصة هادئة فتغمر ابنها في مائه لحظةً وتمضى لشأنها. . .
وكأن الآلهة قد استجابت لتوسّلاتها. . . . فقد نامت الآمواج، واستقر سطح الماء، وقالت شياطين النهر المصطخب؛ فتقدمت الأم المضطربة، حاملة ولدها من إحدى رجليه، وذكرت أربابها، متبهلةٍ إليهم، وغمست أخيل في الماء الهادئ في أقل من لمح البصر، وعادت أدراجها فرحة متهللة. . .
جزء واد من جسم أخيل لم يغمره الماء!!
ذلك هو عقب قدمه اليسرى! فيا للهول!
لقد أسلمت ذيتيس ولدها الحبيب للسنتور العظيم شيرون، مؤدب هرقل ومدربه، يلقنه الفنون الحربية، وبنشئه على أعمال الفروسية، ويبث فيه من ذلك الروح الكبير، الذي بثه في سائر تلاميذه من قبل، فكانوا فرسان كل حلْبة، وصناديد كل ميدان، ولقد نبغ أخيل في استعمال السيف، والعب بالرمح وتوتير القسِي، وثقف حِيل المصارعة والملاكمة. . . . وقصارى القول، أصبح فتى زمانه، والهلع الملقى في قلوب أنداده وأقرانه. . . إن كان له أنداد وأقران.
وعاد إلى أمه فاحتفت به، وذهبت من فوْرها هذا إلى العرافات القُدامى، وكهنة المعبد، فاستوحتهم ما عسى أن يكون في كتاب الغيب من حظ لابنها في الميدان. . .
ولكنها حزنت، ودهاها من الهم ما دهاها، حين قال لها الكاهن الأكبر، مؤمَّناً على ما تنبأت به العرَّافات، إن أخيل سيدعى للقتال في صفوف الإغريق، وأنه سيلقى حتفه تحت أسوار طرواده، بسهم يرميه بع ألد أعدائه، يصيب منه مقتلاً في موضع دقيق من جسمه، هو، واأسفاه، عَقِبُ قدمه اليسرى، التي لم تغمرها مياه ستيكس!!.
حزنت ذيتيس، وتجهمت للحياة المشرقة، وتجهمت الحياة المشرقة لها، وآلت إلا أن تحول
стр. 9508
بين أبنها وبين الحملة على طرواده التي كانت الصيحة لها تجوب آفاق هيلاس في تلك الآونة. . .
وجلست تفكر. . .
وبدالها أن ترسل بأخيل حيث يحل ضيفاً على ليقوميدس ملك سيروس الكريم المضياف، وان تنتحل الأعذار الواهية، فتعرض على الملك أن يسمح لولده بالتنكر، بأن يصفَّف طرته ويرسل غدائره، ويزجج عينيه وحاجبيه، ويصبغ خذيه وشفتيه ويضفي عليه من وشي العرئس، وأفواف الاناث، وحِبَرَ القيان الغيد، ما يبدو به كأنه واحدة من بنات الملك أو إحدى سراريه! تحسب المسكينة أنها تعفيه مما قدر له، وأينما كان يدركه القتل، ولو كان في برج مشيد!!.
واشتد طلب الإغريق لأخيل، ولبث الأسطول الضخم يرقب مجيئه في كل لحظةٍ عدة أيام، وخشى اجاممنون إن هو أقلع بالفلك، ورسا عند شطئان طرواده أن ترسل الآلهة ريحاً صرصراً تسخرها عليه فتأتي على أسطوله، أو يظل تحت أسوار أعدائه مرابطاً أبداً، لا يتقدّم. . . ولا يتأخر؛ وتكون إقامته ثمة بالهزيمة أشبه، وإلى الانخذال أقرب. فأخذ يبعث الرسول يتلو الرسول للبحث عن أخيل، الذي أنبأت الآلهة أن فتح طرواده مستحيل بدونه؛ ولكن عبثاً حاول أحد من الرسل العثور بأخيل أو بظل أخيل؛ بل كانوا يعودون جميعاً وهم يتعثرون في أذيال الخيبة، ويلملمون أطراف الفشل!.
وهنا، نهض البطل الملك، أوليسيز، فتى إيتاكا، وندب نفسه للبحث عن أخيل، وأقسم لا يعودن إلا به!.
ومع أن بعض القادة من أعضاء المجلس الحربي، أوجس خيفةً من أن يفر أوليسيز، وأن يكون ندبه لنفسه بحجة البحث عن أخيل، إن هو إلا حيلة يريد بها أن يفلت من تبعات الحرب وأهوالها، إلا أن أجا ممنون نفسه، وهو القائد الأعلى للجيوش والأساطيل، قبل أن يذهب أوليسيز كيما يقص أثر أخيل، بعد أن أخذ عليه (يميناً على حَدَّ الحسام المهنّد!).
استطاع اوليسيز أن ينفذ إلى مملكة بليوز في أعماق المحيط واستطاع أيضاً أن يختلط بالخدم والخول وحاشية القصر، وأمكنه أن يستدرج بعض الأمراء المقربين من رجال الأسرة المالكة فيعلم منهم أين يختبي أخيل، وكيف يمارس حياة العذارى في بلاط
стр. 9509
ليقوميدس، ملك سيروس، كأنه إحداهن، وعلم أيضاً أن أخيل نشأ نشأة عسكرية على يدي شيرون العظيم، ومن كان تلميذ شيرون فأخلق به إلا يستنيم لهذه الحياة الناعمة التي لا تليق إلا بأبكار الخدور، وربات الحجال، لا بالأبطال وصناديد الرجال. . . . . . فانطلق إلى سيروس من فوره!.
انطلق أوليسيز إلى سيروس النائية، التي تكاد تكون منقطعة عن العالم، وقد حمل على ظهره العريض، وكاهله القوي حقيبة كبيرة جمع فيها من كتان مصر واصباغها، وعطورها وحِبَرَ الشام، وحريره وممُّوره، وتصاوير فارس، وقاقمها وسنجابها، ومشرفيات الهند، وتحف السند، وطرق الصقلب. . . . . . ومن كل ما غلا وارتفع ثمنه من أدق صناعات العالم جميعاً.
فلما كان في حاضرة المملكة، يمم شطر قصر الملك. . . وكان الوقت ضحى؛ ثم إنه طفق يصيح باللهجة السيروسية، معدَّداً أسماء السلع التي: (استحضرناها حديثاً من مصر الجميلة المتفننة، والهند العظيمة، والسند ال. . . ونحن لا نبيع إلا للملوك وأبناء الملوك، لأن الشعب فقير لا يقدَّر بضائعنا الغالية. . . ونحن معروفون في مصر، لا يشتري فرعون إلا منا، وفي الشام، وفي فارس، وفي الهند، حيث الأقيال العظام وال. . .).
وأرسلت بنات الملك فأحضرن هذا التاجر المفاخر بما معه واجتمعن حوله يتفرّجن ويتلَّهيْن؛ هذه تختار منديلاً من حرير الهند، أو منطقة من خز الشام، وتلك تشتري من أصباغ مصر وعطورها وخرزها، وثالثة تفتن بتصاوير فارس، فتشتري كل ما مع الرجل منها. . . . . .
ولكن فتاةً مُلَّثمة. . . وقفت وحدها ترمق سائر الفتيات بنظرات ساخرة، ولا تكاد تبين إلا عن عينين زرقاوين متألقتين، تقدمت في خطوات متزنة، ومشية منتظمة، وأخذت الحقيبة من الرجال فقلبتها، وما كادت ترى إلى المشرفيات الرقاق الظَّبي، حتى تهللت، وبدا البْشر في عينيها، وتناولت حساماً مرهفاً وشرعت تلعب به في الهواء، ههنا وههنا، كأنما تطيح به رؤوس أعدائها الذين تتصورهم في لوحة الخيال البعيد، المنطبع على أسوار طروادة!!. . .
وشُده أوليسيز مما رأى!.
стр. 9510
إنه هو نفسه لا يستطيع أن يلاعب السيف كما تلاعبه هذه الفتاة!.
وإن فتاة تغازل السيف هكذا، لا يستطيع عشرة آلاف فارس أن يقفوا في وجهها؛ إذا جمعتهم وإياها حلبَةٌ للوغى!.
إنها تأخذ على الهواء مسلكه، فالهواء نفسه ذبيح هذه الضربات القاسيات!
وانقشع الشك من نفس أوليسيز، وأيقن أنه أمام البطل المنشود، فصاح بصوته الجهوري، وكأن الرعد ينبري من بين شدقيه:
(أخيل!. . . . . . . . .).
وكأن كل ما في الأرض والسماء راح يردد صيحة أوليسيز:
(أخيل. . . أخيل. . . أخيل. . .).
ووقف أخيل لحظة جامداً، شارد اللب، زائغ العينين، كأنه مستيقظ من حلم كريه مفزع؛ ثم ما هو إلا أن نثر لثامه ومزق الغلالة الحريرية التي تحبس جسمه العظيم في سجن امرأة، وصاح بأوليسيز وقد بدا في بُرْد الأسد.
(أنا هو. . . أنا أخيل. . . فمرحى يا رجل!).
- (أنت هو. . . .؟!)
- (أجل. . . أخيل بن بليوز. . . أبي إله عظيم وأمي بنت إله عظيم، فلبيك وسعديك!)
- (وأنت مختبئ هنا في خدور النساء خشية الحرب التي احتشد لها قومك دفاعاً عن الوطن؟)
- (أية حرب يا رجل؟)
- (بين هيلاس وبين طرواده!)
- (ومن أثارها؟)
- (لقد سرق باريس بن بريام، هيلين ملكة أسباطة)
- (سرقها؟ ولم لم تقتله الفاجرة؟)
- (فرَّت معه، ولم يُعنها أن تلقي شرف هيلاس في الوحل)
- (ولم لم تذهب أنت إلى الصفوف، ويبدو لي أنك محارب كبير؟)
- (بل أقبلت من الصفوف لا بحث عنك!!)
стр. 9511
- (ومن أنت حتى ينتدبك الجيش للبحث عن أخيل؟)
- (ومن أنا؟ وماذا أسرك أن أكون؟)
- (ومن أنت يا رجل؟)
- (أيسرك أن ملكاً هو الذي يبحث عنك يا أخيل أبن بليوز؟)
- (ماذا تعني؟ أأنت ملك إذن؟ ملك ماذا؟)
- (ملكإيتاكا يا أخيل!!).
- (أنت ملك إيتاكا؟ أنت أوليسيز؟ هاها. . . وما تلك الحقيبة إذن؟)
- (هي وسيلتي اليك، لقد مزقت بها خمارك؛ وهتكت بما فيها براقعك!)
- (أنت تهيني!)
- (لا عليك، مادام محدثك أوليسيز!)
- (أفي الحق انك هو. . . . . .؟؟)
- (أقسم لك بالكُناس الذي آواك. . .)
- (وفيم كنت تحرث شاطئ البحر إذن؟ لقد ذُكر أنك زرعته ملحاً، فهل حصدت سرديناً يا أوليسيز؟.)
- (أخيل! الأسطول ينتظرنا، ألف ألفٍ يتحرقون شوقاً لرؤياك، وأنت أكرم من أن تفر من حرب. . . فهلم!.)
- (هلم إلى أين؟.)
- (إلى أوليس أيها العزيز. . إلى حياة البطولة والمجد والشرف!)
- (البطولة والمجد والشرف!! ماذا تقول؟.)
- (لم يخلق تلاميذ شيرون للتقلب في الراحة، في قصور الراحة، والتلذذ بما في العيش من طراوةٍ ونعومة. . . هلم يا أخيل نخض المعمعة، ونلق طروادة العاتية، ونُلَقّنهْا درساً دامياً في الذود عن كرامة الوطن! لا تقتل وقتنا فقد حرصنا جميعاً على أن تكون معنا، وتحدثت إلينا آلهتنا أن طروادة لا تُفْتَح إلا عليك، ولا تعنو إلا لك، وقد اتفقت المقادير أن ترميها بك. . . لا تترك لخصومك فرصة أن يقولوا فر أخيل وتقاعس، فأين أبطال هيلاس!! هلم هلم، فقومك بنو الكريهة وقروم الحرب وحتوف الأقران. . . لو رأيت إليهم مستلْئمين في
стр. 9512
سلاحهم، مُقَنّعين في حديدهم، مُلملمين في سفينهم، لزهاك عسكرهم الجرار، وبهرك خميسُهم العرمرم! وتمنيت أن تكون أحدهم بالدنيا وما فيها.
دع الغيد يفاخرون بالقلائد والعقود، وتعال نحن ما في أجسامنا من ضربات السيوف، ووخزات الرماح، ومواقع السهام، فهذه أعز مفاخر الرجال يا أخيل!.
أخيل! ردّ علىّ! قل سأحضر معك! كلنا ننتظرك يا أخيل! لن تفتح طروادة إلا عليك! فأي فخر ينتظرك تحت أسوارها، وأي مجد يكلل هامتك يا بطلها الصنديد!.
تكلم، ولا تصمت هكذا. . . إن ملك إيتاكا يتوسل إليك أنا أوليسيز كله! سأكون خدنك في الحوْمة، وصديقك في المعمعة! وأجا ممنون! إنه قائدنا إلى الفخار، وصاحبنا في مصارع الشرف! وديوميديز! بطل الأبطال وفارس كل كريهة وقتال! سينسى شجاعته حين ينظر إليك تلاعب الأسنَّة، وتقّبل مراشف الرقاق البيض! وأجاكس يا أخيل! لقد بهره ما سمعه عنك، وهو يتمنى أن يراك، ويحارب تحت بند خفاق من بنودك! أجاكس نفسه، يود أن يكون جندياً من جنودك وهو أقوى وأبسل جنودنا جميعاً. . .!
ماذا؟ تبكي؟. . . لا لا يا أخيل. . . لترقأ دموعك فهي أغلى من أن تنسكب هكذا! أكرم بك هيلانياً رقيق القلب، باراً ببلادك، مناضلاً عن رايتها في ساحة المجد!.
لتشربْ من دموع أخيل يا ثري الوطن!
لتروك هذه العبرات الغاليات، فهي ترياقك إذا حزبك أمر، أو ادلهمت بك الخطوب!).
وهكذا كان أوليسيز ماهراً في إثارة النخوة في قلب البطل!
وهل أحلى من كلمات البطولة، وأوقع من حديث المجد، في نفس شاب مثل أخيل؟ لقد تقدم مختاراً طائعاً فقبل جبين أوليسيز، ولثم سيفه، ثم ودّع بنات الملك، وحيا القصر، وتزود من الحدائق نظرات
وأنطلق في إثر أوليسيز!
إلى. . .
أوليس!
(لها بقية)
دريني خشبة
стр. 9513
أشكر الأستاذ الأديب محمد روحي فيصل، وأدع للرسالة أن تجزيه عني دريني
стр. 9514
من الفن القصصي الحديث
المشعوذ
للقصصي الألماني أريش كستنر
ترجمة علي كامل
في ليلة من ليالي الصيف الماضي شوهد على شرفة مقهى (مجلس الوصاية) الواقع على رصيف مون بلان بجنيف منظر كان حقاً غير عادي، إذ قبل أن ينتصف الليل بقليل كان المقهى يفيض بالزبائن الوجهاء الذين كانوا يشربون قبل أن يذهبوا للنوم مختلف المشروبات المثلجة. فقد كان الجو ثقيلاً، ثقيلاً لدرجة أن رياح البحيرة لم تستطيع إحداث أقل إنعاش أو تخفيف.
وكان الأغنياء البرجوازيون من أهل جنيف يوقفون عرباتهم أمام الفندق ثم يبحثون بعد أن ينزلوا منها عن مكان وسط ذلك الجمع المختلف الأجناس المحتشد في ذلك المكان.
وكان فريق الأوركسترا يعزف في الهواء الطلق بضع مقطوعات من أوبرات شهيرة، وكان كل الجالسين يشعرون بأنه يحيط بهم جو على أتم ما يرام: فجوازات السفر تامة من كل الوجوه، والحقائب مهيأة للغاية، وأربطة الرقبة متفقة مع (البدل)، والقهوة المثلجة في درجة الحرارة التي يرغبونها، وأمواج الأوبرات التي يعزفونها جيداً تفتن جميع الآذان.
وفي هذا الجو المفعم بالنعيم والفخامة برز مرة واحدة وسط الشارع أحد حمالي البواخر، وكان أشبه ما يكون بمصارع، وكان جسمه كله برنزي اللون من أثر الشمس. وبدل القميص كلن يلبس (مايوه) بنفسجياً وحول فخذيه بنطلون أحمر متسخ. وكان يلّوح بيديه بكوبه من الجعة نصفها فارغ. محيياً - وهو يضحك - الجالسين في المقهى الذين لم يكن من السهل لعينيه أن تراهم جميعاً. ولقد كان يبدو من منظره أن الشراب قد أسكره قليلاً. وكانت ابتسامته تبدو غريبة، وبعد أن عبر شرفة المقهى عاد أدراجه وبدا على وجهه كأنه يريد أن يشرب في صحة الحاضرين. ثم أفرغ ببطء ما تحتويه كوبته ولم يظهر على من بالمقهى أنهم وجدوا في هذا المنظر تسلية كبيرة جداً، وأفرغ الرجل ما تبقى من الجعة على
стр. 9515
الرصيف دون أن يبدو عليه أي أرتباك، ثم مسك الكوب بكلتا يديه وحطمها كاملاً بين أسنانه كإنسان عضه الجوع. وكان بالقرب منه فتاة أمريكية من اعظم الموجودات رشاقة فصرخت حين رأته يفعل ذلك وأصفر لونها مرة واحدة. أما جارتها ملكها الفزع وضعت منديلها سريعاً على فمها. ووقف عدد من الزبائن ودفعوا كراسيهم إلى الوراء وجروَا بأقصى سرعة. أما أفراد الأوركسترا أنفسهم فقد تحولت أنظارهم عن النوت إلى أمامهم وطاشت أنغام كل منهم
وفي أثناء كل ذلك الوقت كان الرجل يسحق قطع الزجاج بصوت مرتفع دون أن يتحرك من مكانه متابعاً بعينيه بكل هدوء عصبية المتفرجين المتزايدة، وكان صوت مضغ الزجاج - ذلك الأمر العجيب النادر - هو وحده الذي يزعج ذلك السكون الشامل. ثم أحنى الرجل رأسه كأنه يتحدث سراً مع أحد من الناس وتأرجح على ركبتيه ثم أتجه إلى مناضد أكثر بعداً وهز من جديد كوبه ونظر بهدوء شديد إلى الوجوه الخائفة وحطم قطعة أخرى بين أسنانه. وهرب هذه المرة أيضاً عدد من الجالسين بينما طلب عدد آخر - وقد أثارهم ذلك المنظر الغريب - من خدم المقهى أن يطردوا ذلك الرجل. على أن الخدم اكتفوا بهز أكتافهم، فقد كانوا على جانب من التعب الشديد غير قادرين حتى على جمع الحساب الذي لهم عند الزبائن. كما أن الفزع كان قد أخذ منهم كل مأخذ. ومن الحق القول أيضاً بأنهم كانوا لا يودون مطلقاً أن يتشاجروا مع (آكل الزجاج) وطلب رجل فرنسي - كان قد أصبح وجهه رمادي اللون من هول الرعب - مدير المحل كيما يوجه إليه اللوم الشديد. ووعد مدير المحل بأن يقدم مساعدته وتقدم خطوات نحو حمال البواخر، لكن شجاعته خانته حالاً فتقهقر. ذلك لأن المشعوذ لم ينقطع عن التردد بين طرفي المقهى وهو يمضغ على مهل بقايا كوبه الجعة، وبعد أن ازدرد جزءاً منها لفظ البقية على الأرض.
وبدا على جانب شفتيه مجرى رفيع من الدم انساب حتى ذقنه دون أن يشعر هو نفسه بذلك إذ كان منشغلاً تماماً بمضغ غذائه الوحيد.
ومر بالمكان مصادفة أحد رجال البوليس قادماً من رصيف و. ولسن وكان يرتدي (بدلة) زرقاء بأشرطة بيضاء، فعندما رأى ذلك المنظر الغريب انسل بهدوء إلى شارع الناقوس، واختفى دون أن يصرخ آمراً بعودة النظام.
стр. 9516
ووقفت السيارات في عرض الطريق بينما جلس السائحون صامتين من الذهول، وقد اتجهت أنظارهم - دون أن تتحول مطلقاً - صوب النوافذ الزجاجية.
لقد فقد زبائن المقهى وعيهم كلية، وملكهم الرعب من جراء شجاعة ذلك الرجل الخارقة، ولقد دفعهم الخوف لأن يضعوا أيديهم على حقائبهم، فقد تكون هي احسن وسيلة لأبعاد ذلك الحمال الذي حمل إليهم الألم والأذى.
على أنه لم تكن هناك وسيلة ما!.
لم يبق من الكوبة شيء يذكر، كان الرجل يمضغ بهدوء البقايا الأخيرة ولم يقاومه إلا القاعدة لأن زجاجها أكثر سمكاً فلوح بها في الهواء وعليه إمارات النصر الممتلئ بالاحتقار.
كان السكون التام يسود المكان كله ولم يكن هناك إلا فتاة صغيرة - عيناها نصف مقفولتين - تبكي بوداعة. وفي تلك اللحظة اقترب رجلنا من المنضدة المجاورة وقبض - دون أن ينطق بكلمة واحدة - على آنية السكر المعدنية وأدارها على المنضدة ثم قدمها وهي فارغة مما كانت تحويه طالباً المعونة، وقد علت وجهه إمارات التهديد. وفي الحال انفتحت حقائب النقود كأن قوة سحرية فعلت بها ذلك. وتراكمت قطعه النقود في آنية السكر كأنها قطرات مطر هاطل، وتنقل الرجل من منضدة إلى أخرى وهو مالك نفسه أكثر من رجل مسلح من رجال العصابات. ماداً آنية السكر كأنه يصوت مسدساً. إنه لم يستجد بلسانه مطلقاً، كما أنه لم يشكر من أعطوه، على أنه لم يكن يغادر المنضدة إلا بعد أن يعطيه الجالسون عليها نقوداً.
وفي الطريق وقف المارون ينظرون في صمت ما يفعله الرجل وقد ظهر عليهم السرور واضحاً. لاحظ مدير المحل - ولكن بعد أن فات الأوان - أن سمعته في خطر كبير فانحنى يطلب بأدب جم إلى العامل أن يوقف هذه الشحاذة، لكن الرجل أبعد ذلك الشخص الذي يضايقه بأن هز كتفه هزة خفيفة ثم استمر في تكديس النقود كأن شيئاً لم يحدث قط، فقد كان يعتبر الجالسين في المقهى كأنهم أكياس منتفخة من الذهب.
لقد جاء إلى المكان وأطاعوه بسهولة! وفي اللحظة التي شعر فيها بأنه حصل على ما يريد أفرغ ما تحتويه آنية السكر في جيبه وألقى على الأرض - دون أي مراعاة - قاع الكوبة
стр. 9517
الذي لم ينقطع عن التلويح به في الهواء حتى تلك اللحظة، ثم ارتدى بنطلونه بإهمال، كما هي حال الطبقات الدنيا، وسار في طريقه باحتقار وازدراء.
وبقي الزبائن المساكين جالسين في أماكنهم ذاهلين، أشبه ما يكونون بمرضى في دور النقاهة، محطمين من التعب والإرهاق والآن ما الذي حدث؟
الذي حدث أن رجلاً لا يلبس ياقة ولا رباطاً للرقبة ازدرد الزجاج. بيد أن وقع الحادث على المتفرجين كان أكثر من ذلك هولاً ورهبة.
وابتداء فريق الأوركسترا يعزف مقطوعات للموسيقي فيردي بينما كان أحد خدم المقهى يمسح جبهته خفية.
стр. 9518
البريد الأدبي
مستعرب عظيم
يلومني بعضهم لتنويهي في كل مناسبة بفضل علماء المشرقيات في الغرب على حضارتنا وآدابنا، ولقولي إننا كنا نجهل كثيراً من علم أمتنا ومدنيتها لو لم يقم الغربيون يحيون كتب العرب منذ القرن السادس عشر من الميلاد؛ حتى طبعوا منها خزانة عظيمة بإتقان وضبط، مل برحت الدارسين والباحثين، وإذا أشرت إلى علماء أمتي بالجري في طريقة أولئك العاملين، فهناك الامتعاض، وهناك الغمز واللمز، وهناك الأعذار التي لا مبرر لها.
أنا لا أجادل إلا بإيراد مثال واحد على صحة مدعاي، والأمثلة متوفرة كثيرة. هذا الأستاذ كرنكو الألماني لم يجد منشطاً من دولة، ولا من جامعة، ولا من جماعة؛ ومع هذا طبع نيفاً وعشرين كتاباً من كتبنا لخدمة العلم والحضارة العربية. وترجمة الرجل طريفة عسى أن يكون في نشر طرف منها بعض العبرة لقومي، وألا يثقل عليهم إذا قلنا إنهم مقصرون عن اللحاق بغيرهم
ولد (فريتس كرنكو) أو (سالم الكرينكوي)، كما سمى نفسه بعد في قرية شونبرغ في شمال ألمانيا، وتعلم مع لغته الألمانية، وكان شاعراً، اللغات الإنجليزية والفرنسية واللاتينية واليونانية، فأتقنها اتقاناً جيداً، ثم بدأ وهو صبي يافع يتعلم اللغات الأوربية الأخرى واللغة الفارسية، وتعلم طرفاً صالحاً من الحميرية والعبرية والآرامية والتركية، ثم رحل إلى إنجلترا واشتغل بالتجارة حتى أسس مصنعاً للأقمشة في (لستر) كان يشغل فيه أكثر من ألف عامل وعاملة، ولم تفته مع كثرة أشغاله العقلية ساعة إلا طالع فيها الكتب العلمية، وسما له شوق إلى درس آداب العربية والحضارة الإسلامية، ولا سيما ما كان له علاقة بأوائل الإسلام والقرون التي سبقته، فتعلمها وأتقنها حتى أصبح يكتب فيها ويؤلف مثل أبناء العرب.
وفي الحرب نكب بفقد وحيده، ثم بخسارة كبرى في تجارته حدث به إلى تركها في سنة ١٩٢٧. وتفرغ بعد ذلك للعلم، وهو اليوم يعرف لغات أوربا وثلاث لغات من لغات الشرق: العربية والفارسية والهندية معرفة جيدة، ودروس اللغات الأخيرة في الكتب من أستاذ، وهو اليوم لا منصف له يعيش براتبه، وماله مال أمثاله ممن يحترف الأدب، ولما
стр. 9519
اشتدت به الضائقة كتب إليه أحد أصدقائه من مسلمي الهند أن ينسخ له من الكتب العربية ما يراه جديراً بالطبع من خزانة المتحف البريطاني في لندرا، وجعل له جعلاً سنوياً مناسباً. وقال لي الأستاذ: إني الآن أعيش بفضل لغتكم.
هذه جملة حاله، أما إنتاجه فكثير جداً، لا تكاد تقوم بمثله المجامع العلمية الكبرى، ورجائي أن يقتدي بسيرته رجالنا، فهي غريبة في بابها.
طبع الأستاذ كرنكو مجموعة من كتب العرب أعرف منها الكتب التالية:
(١) قصيدة طفيل الغنوي البائية مع ترجمة إنجليزية
(٢) قصيدة بانت سعاد لكعب بن زهير مع مقدمة ألمانية
(٣) شعر أبي ذهبل الجمحي رواية الزبيري بكار مع زيادة وحواش وملاحظات
(٤) طبقات النحاة لأبي بكر الزُّبيدي مع مقدمة وشروح عليها باللغة الإيطالية
(٥) ديوان مزاحم العُقيلي بترجمة إنجليزية
(٦) كتاب المجتبي لأبي بكر بن دريد
(٧) ديوان النعمان بن بشير الأنصاري وفي ذيله ديوان بكر بن العزيز العجلي
(٨) حماسة هبة الله بن الشجري
(٩) ديوان طفيل الغنوي وديوان الطُّرماح بن حكيم مع مقدمة وترجمة وشروح وفهارس مطولة بالإنجليزية
(١٠) الكتاب المأثور لأبي العميْثل الأعرابي عن نسخة قديمة كتبت سنة ٢٨٠ مع مقدمة ألمانية وفهارس
(١١) جمهرة ابن دريد في ثلاثة مجلدات مع فهارس له في مجلد كبير
(١٢) تنقيح المناظر لكمال الدين الشيرازي شرح كتاب المناظر لأبي الهيثم البصري
(١٣) كتاب التيجان في تواريخ ملوك حمير لعبد الملك ابن هشام عن وهب بن منبَّه التابعي وفي ذيله ما بقي من رواية عبيد بن سَنْرِيةَ عن الأمم البائدة، وقد كتب في مجلة (مدنية الإسلام) الألمانية أن هذين الكتابين من أقدم الآثار المدونة باللغة العربية
(١٤) (الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة) لابن حجر العسقلاني في أربعة مجلدات. ويطبع الآن ويصحح كتاب (معاني الشعر الكبير) لأبن قتيبة، وهو في ألف صفحة و
стр. 9520
(إعراب ثلاثين سورة لأبن خالوية) والمجلدات الثلاثة الأخيرة من (التاريخ المنتظم) لأبن الجوزي، و (المؤتلف والمختلف) للآمدي، وكتاب (نجاة البصرة) للسيرافي، و (الجماهر في معرفة الجواهر) لأبي الرَّيحْان البيروني، إلى غير ذلك مما يطبعه من كتبنا في الهند ومصر والشام والجزائر وأوربا.
وبعد هذا ألا نرى من الواجب أن نرسل من هذه الأقطار العربية تحيتنا إلى هذا العالم العامل الكامل في الديار الغربية، وندعو بطول بقائه ليخدمنا بعقله ونبوغه، وندعو أن يهيئ الله لأمتنا أمثلة من العلماء العاملين.
محمد كرد علي
كتاب الذخيرة لأبن بسام
تألفت أخيراً برياسة العلامة المستشرق الفرنسي الأستاذ ليفي بروفنسال لجنة من أفضل المستشرقين لتعني بإخراج أثر إسلامي أندلسي ضخم هو كتاب: (الذخيرة في التعريف بمحاسن أهل الجزيرة) لابن بسام، وهو من أكابر أدباء الأندلس في أواخر القرن الخامس وأوائل القرن السادس الهجري. ولم يكن موجوداً ولا معروفاً قبل بضعة أعوام من كتاب ابن بسام غير أجراء أو نسخ ناقصة، ولكن الأستاذ ليفي بروفنسال، وهو من خيرة المستشرقين الذين وقفوا على استقصاء تاريخ الأندلس المسلمة وآدابها وحضارتها، لبث يبحث وينقب أعواماً طويلة في خفايا المكاتب المغربية حتى ظفر بنسخة حسنة كاملة من كتاب: (الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة)؛ وساعده على ذلك وجوده بالمغرب الأقصى، مدى أعوام طويلة، مديراً لمعهد المباحث الإسلامية في رباط الفتح (مراكش)، وتجوله الدائم في أنحاء مراكش والجزائر، وتمكنه من معرفة الآثار والمخطوطات الأندلسية؛ وهو صاحب القسم الثاني من فهرس المكتبة العربية في الأسكوريال، وله عن أسبانيا المسلمة مؤلفات عديدة. منها: (أسبانيا في القرن العاشر) و (النقوش الإسلامية في أسبانيا المسلمة) و (وثائق جديدة عن تاريخ الموحدين) و (وصف لمدينة سبتة في القرن الخامس عشر) الخ. وقد طبع كتاب دوزي عن الأندلس طبعه جديدة منظمة منقحة؛ وكتاب الذخيرة الذي يعني الآن بإخراجه، أثر أدبي تاريخي ضخم ينقسم إلى أربعة أقسام: الأول خاص بقرطبة
стр. 9521
وأعيانها، والثاني خاص بغرب الأندلس وأعيانها، وأخبار اشبيلية وبني عباد؛ والثالث خاص بشرق الأندلس وبلنسية وأعيانها، والرابع بأخبار الجزيرة وأعيانها. وهو يلقي أعظم الضياء على تاريخ أسبانيا المسلمة وآدابها وأحوالها الاجتماعية في القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) أيام دول الطوائف. ويوجد بدار الكتب المصرية نسخة ناقصة من كتاب الذخيرة في مجلدين كبيرين، تحتوي على القسمين الأول والثاني فقط من الكتاب. ومن المحقق أن دوائر البحث الإسلامي سوف تنتظر بفارغ الصبر ثمرة الجهود المحمودة التي يبذلها الأستاذ ليفي بروفنسال وزملاؤه الأفاضل لإخراج هذا الأثر النفيس.
من آثار نابوليون
كشف البحث في مكتبة خاركوف العامة (روسيا) عن وجود اثر نفيس من آثار نابوليون، وهو عبارة عن كتاب منه بخطه إلى صديقه وعامله يوسف فوشيه، والكتاب مؤرخ في ١١ مايو سنة ١٨١١، وفيه يدعو الإمبراطور فوشية ليتولى إدارة شؤون بروسيا، ويحثه على القدوم إلى درسدن مع عدة من معاونيه الذين يعرفون اللغة الألمانية، وكان نابوليون في ذلك الحين قد غلب على بروسيا ومزقها، وأخذ يستعد لغزوته الروسية الشهيرة. أما يوسف فوشيه الذي يوجه إليه هذا الخطاب، فهو من اشهر الشخصيات في تاريخ نابوليون وتاريخ فرنسا في هذا العصر؛
وقد كان أقطاب الثورة وزعماء اليعاقبة، ولما بزغ نجم نابوليون عين مديراً لبوليس باريس، واستمر في هذا المنصب أعواماً طويلة ثم تولى بعد ذلك عدة مناصب في الإدارة وفي البطانة، وأشتهر فوشية بدسائسه الكثيرة التي جعلت منه شخصية روائية مدهشة، وكان داهية وافر الذكاء والخبث، وقلما تجد قصة من قصص هذا العصر لا تحتل فيها فوشية أعظم مكانة، وكان نابوليون يثق به وينتدبه لأخطر المهام السرية، ولكنه في أواخر أيامه أخذ يرتاب فيه ويقصيه عنه، وكان فوشية أديباً كاتباً، وقد ترك لنا عدة آثار ورسائل، وكتب عنه الكثيرون مؤلفات ضخمة، ولا سيما شتيفان زفايج الكاتب النمسوي، ولوي مادلين الكاتب الفرنسي.
وفاة فنان نمسوي
стр. 9522
من أبناء فينا أن المهندس والفنان الأشهر الأستاذ أوسكار شترناد قد توفي في السادسة والخمسين من عمره في مصيفه في (أو سنري)، وقد كان الأستاذ شترناد أعظم أخصائي في فنه، وهو الهندسة الزخرفية، واشتهر منذ أواخر عهد القيصرية، وتولي زخرفة كثير من المنشآت الشهيرة، ومنها (الأوبرا) النمسوية. ولبث مدى أعوام طويلة أستاذ هذا الفن في مدرسة الزخارف الفنية.
الرقابة الأدبية في روسيا
تفرض روسيا السوفيتية على الكتب والصحف رقابة صارمة؛ وكما أنها ترعى هذه الرقابة وتنظمها داخل روسيا، فلا يكتب أو ينشر شيء ينافي المبادئ الشيوعية أو يتوجه إلى نقدها والطعن فيها، فكذلك تنظم هذه الرقابة على الحدود تنظيماً دقيقاً فلا يتسرب إلى الأرض الروسية من الكتب أو الصحف شيء يخشى منه على عقول النشء الروسي الذي نشأ وترعرع في ظل الثورة الشيوعية، وآخر نوع من أنواع هذا الحجر قانون أصدرته وكالة الشؤون التجارية الخارجية، يقضي بأنه لا يجوز لشخص داخل روسيا أن يستورد من الخارج كتباً أو صحفاً أجنبية إلا بتصريح خاص من المكاتب التي ستنشأ لهذا الغرض، وكل صحيفة أو كتاب لم يؤذن باستيراده يعتبر مهرباً ويحاكم محرزه ولا سيما إذا كان فيه طعن على الحكومة السوفيتية أو مبادئها أو وسائلها، وقد حملت السلطات السوفيتية على تشديد الرقابة على هذا النحو بما لاحظته في الأعوام الأخيرة من اشتداد الحملة على روسيا السوفيتية، وتصور نظمها وأحوالها في معظم البلدان الأجنبية، سواء بطريق الكتب أو الصحف، تصويراً منفراً تقشعر منه القلوب.
إلى صديقي الشاعر الدكتور إبراهيم ناجي
كنت شديد الإعجاب بقصيدتك (عاصفة روح) التي سمعتك تنشدها قبل نشرها في العدد الأخير من (مجلتي) الصادرة في أول سبتمبر، ولكني لما خلوت إلى نفسي كنت كمن يفتش على مهل عن شيء ضائع في ذاكرتي!. . وأخيراً لقيت هذا الشيء الضائع. . . لقيت مطلع قصيدة من ذات العنوان والوزن، بل لقيت القصيدة كلها من نظم الشاعر الدمشقي مشيل عفلق منشورة في العدد السابع من مجلة الدهور الصادر في شهر سبتمبر سنة
стр. 9523
١٩٣٤ مطلعها:
أعصفي يا رياح … واهزئي يا سماء
من يكن ذا جناح … هل يهاب الفضاء؟
ولقيتك في المقطع الثاني من قصيدتك تقول:
أعولي يا جراح … اسمعي الديان
لا يهم الرياح … زورق غضبان
لقد أوغلت في قراءة قصيدتك، ووازنت بين أقوالك ومعانيك، وبين الأقوال والمعاني الواردة في قصيدة الشاعر الدمشقي، وأخيراً لقيت الأليق أن أسألك عما إذا كان هذا مجرد توارد خواطر، وقد ألفنا تعليل الاغارات الأدبية بتوارد الخواطر.
أريد أن أمضي معك في تعليلك، وأن أكتفي بنشر مقطع واحد من قصيدة ذلك الشاعر الدمشقي يتفق مع مقطع من قصيدتك، أريد ذلك حتى لا أضيف خسارة صديق جديدة إلى قائمة أولئك الضعفاء غير المأسوف على صداقتهم، فهل من تعليل؟. . . . إني لمنتظر.
حبيب الزحلاوي
стр. 9524
الكتب
ثلاث رسائل
بخط ياقوت الحموي الرومي
للأديب الفارسي عباس إقبال
ترجمها الدكتور عبد الوهاب عزام
عند كاتب هذا المقال مجموعة صغيرة في ثمان وأربعين ورقة صفراء، طول ورقة ١٥ سنتيمتراً وعرضها ١٠، وهي بخط نسخ جميل، كتبها كلها الأديب العالم الكبير شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي الرومي، المؤلف ذائع الصيت صاحب معجم البلدان، ومعجم الأدباء، المولودة سنة ٥٧٥ والمتوفىسنة ٦٢٦.
في هذه المجموعة أربع رسائل صغيرة كتبها ياقوت نفسه في أوقات مختلفة، ثم جمعها في مجلد واحد. وهي كما يأتي:
١ - كتاب الفصيح: لأبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب الشبابي (٢٠٠ - ٢٩١) وهو ٢٨ ورقة. وقد طبع مرات.
٢ - كتاب تمام الفصيح: لأبي الحسين أحمد بن فارس أبن زكريا اللغوي المتوفى سنة ٣٩٥. وفيه ١١ ورقة.
٣ - و ٤ - كتابان لأبي الحسن عليَّ بن عيسى الرمَّاني الوراق (٢٧٦ - ٣٨٤) الأول منهما، لسوء الحظ، سقط من المجموعة. ومحي عنوانه من الغلاف. والكتاب الثاني كتاب الحروف. وقد سقط أوله، وبقي معظمه في ٩ ورقات.
ولا شبهة في صحة نسبة هذه النسخة إلى ياقوت الحموي وأصالتها. فالخط والورق والتاريخ يؤيدها. ثم ياقوت نفسه يكتب هذا خمس مرات بالخط الذي كتبت به النسخة نفسها. ولدينا شواهد تاريخية أخرى نحصيها فيما يلي:
على غلاف هذه المجموعة، كما يظهر من الصورة هذه الكلمات:
كتاب الفصيح
تأليف أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب وكتاب تمام الفصيح
стр. 9525
تأليف أبي الحسين أحمد بن فارس
وفيه كتاب. . . . . . . . . وكتاب الحروف
كلاهما عن عليّ بن عيسى بن علي الرماني
وفي الحاشية اليسرى إزاء اسم كتاب الرماني (ملك لكاتبه ياقوت الحموي عفا الله عنه) ثم في أسفل صفحة الغلاف كتب ياقوت نفسه في سطور رأسية رواة كتاب الفصيح إلى زمانه وبين كيف نسخ هذه النسخة من الفصيح وصحيحها. ونحن ننقل هنا بعض ما كتب:
. . . . . وصاحب هذا الكتاب عبد الله الفقير إليه ياقوت ابن عبد الله الرومي الحموي، بعد أن عارض بأصله هذا نسخة السماع وكتب ما كان فيها من. . . . . وما كان في هذه النسخة من الزوايد مخالفاً للأصل ضرب عليه بالحمرة. وذلك بأعلى. . . الآخر سنة عشرين وستمائة. وهذا خط صاحب الكتاب ياقوت الحموي عفا الله عنه. . .
وفي آخر نسخة كتاب الفصيح: (منقول من خط أبي الحسين عليّ بن عبيد الله السمسمي اللغوي بحواشيه حرفاً حرفاً، وكان على وجه نسخته، وفي الحاشية اليمنى بجانب هذه العبارة كتب بخط أحمر: (قوبل بالأصل المنقول عنه؛ فصح والحمد لله رب العالمين، وقوبل ثانياً وصح)
وكتب في هذه النسخة، كما يقول ياقوت في حاشية الغلاف: اختلافات النسخ فوق الكلمات بمداد أحمر، وزيدت في الحواشي زيادات وتصحيحات. وهذا برهان بمقابلة النسخة بنسخ أخرى وليس في الرسالة تاريخ نسخها، ولكن يؤخذ من حاشية الغلاف المكتوبة في ربيع الآخر سنة ٦٢٠: أن مقابلة هذه النسخة بنسخة أخرى كان في هذا التاريخ، وقد حمل ياقوت هذه المجموعة معه حين فرّ من متوحشي التتار بين سنتي ٦١٧، ٦١٨. وكان من بركة هذا الفرار أن بقيت لنا هذه النسخة ولم يصيبها من أيدي هذه الجماعة الوحشية ما أصاب نفائس الكتاب فيما وراء النهر وخوارزم وخراسان.
وقد كتب على ظهر الورقة الأولى من كتاب تمام الفصيح لأحمد بن فارس: (كتاب تمام الفصيح تأليف الإمام أبي الحسين
احمد بن فارس بن زكريا ﵀. ومن خطه نقل)، وفي أول الكتاب (نقلت من خط أبي الحسين احمد بن فارس مصنف الكتاب) وتنتهي النسخة بهذه العبارة:
следующие страницы →