Полный текст (65 431 стр.). Показаны 9521–9560 · переход к 9526.
стр. 9521
وأعيانها، والثاني خاص بغرب الأندلس وأعيانها، وأخبار اشبيلية وبني عباد؛ والثالث خاص بشرق الأندلس وبلنسية وأعيانها، والرابع بأخبار الجزيرة وأعيانها. وهو يلقي أعظم الضياء على تاريخ أسبانيا المسلمة وآدابها وأحوالها الاجتماعية في القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) أيام دول الطوائف. ويوجد بدار الكتب المصرية نسخة ناقصة من كتاب الذخيرة في مجلدين كبيرين، تحتوي على القسمين الأول والثاني فقط من الكتاب. ومن المحقق أن دوائر البحث الإسلامي سوف تنتظر بفارغ الصبر ثمرة الجهود المحمودة التي يبذلها الأستاذ ليفي بروفنسال وزملاؤه الأفاضل لإخراج هذا الأثر النفيس.
من آثار نابوليون
كشف البحث في مكتبة خاركوف العامة (روسيا) عن وجود اثر نفيس من آثار نابوليون، وهو عبارة عن كتاب منه بخطه إلى صديقه وعامله يوسف فوشيه، والكتاب مؤرخ في ١١ مايو سنة ١٨١١، وفيه يدعو الإمبراطور فوشية ليتولى إدارة شؤون بروسيا، ويحثه على القدوم إلى درسدن مع عدة من معاونيه الذين يعرفون اللغة الألمانية، وكان نابوليون في ذلك الحين قد غلب على بروسيا ومزقها، وأخذ يستعد لغزوته الروسية الشهيرة. أما يوسف فوشيه الذي يوجه إليه هذا الخطاب، فهو من اشهر الشخصيات في تاريخ نابوليون وتاريخ فرنسا في هذا العصر؛
وقد كان أقطاب الثورة وزعماء اليعاقبة، ولما بزغ نجم نابوليون عين مديراً لبوليس باريس، واستمر في هذا المنصب أعواماً طويلة ثم تولى بعد ذلك عدة مناصب في الإدارة وفي البطانة، وأشتهر فوشية بدسائسه الكثيرة التي جعلت منه شخصية روائية مدهشة، وكان داهية وافر الذكاء والخبث، وقلما تجد قصة من قصص هذا العصر لا تحتل فيها فوشية أعظم مكانة، وكان نابوليون يثق به وينتدبه لأخطر المهام السرية، ولكنه في أواخر أيامه أخذ يرتاب فيه ويقصيه عنه، وكان فوشية أديباً كاتباً، وقد ترك لنا عدة آثار ورسائل، وكتب عنه الكثيرون مؤلفات ضخمة، ولا سيما شتيفان زفايج الكاتب النمسوي، ولوي مادلين الكاتب الفرنسي.
وفاة فنان نمسوي
стр. 9522
من أبناء فينا أن المهندس والفنان الأشهر الأستاذ أوسكار شترناد قد توفي في السادسة والخمسين من عمره في مصيفه في (أو سنري)، وقد كان الأستاذ شترناد أعظم أخصائي في فنه، وهو الهندسة الزخرفية، واشتهر منذ أواخر عهد القيصرية، وتولي زخرفة كثير من المنشآت الشهيرة، ومنها (الأوبرا) النمسوية. ولبث مدى أعوام طويلة أستاذ هذا الفن في مدرسة الزخارف الفنية.
الرقابة الأدبية في روسيا
تفرض روسيا السوفيتية على الكتب والصحف رقابة صارمة؛ وكما أنها ترعى هذه الرقابة وتنظمها داخل روسيا، فلا يكتب أو ينشر شيء ينافي المبادئ الشيوعية أو يتوجه إلى نقدها والطعن فيها، فكذلك تنظم هذه الرقابة على الحدود تنظيماً دقيقاً فلا يتسرب إلى الأرض الروسية من الكتب أو الصحف شيء يخشى منه على عقول النشء الروسي الذي نشأ وترعرع في ظل الثورة الشيوعية، وآخر نوع من أنواع هذا الحجر قانون أصدرته وكالة الشؤون التجارية الخارجية، يقضي بأنه لا يجوز لشخص داخل روسيا أن يستورد من الخارج كتباً أو صحفاً أجنبية إلا بتصريح خاص من المكاتب التي ستنشأ لهذا الغرض، وكل صحيفة أو كتاب لم يؤذن باستيراده يعتبر مهرباً ويحاكم محرزه ولا سيما إذا كان فيه طعن على الحكومة السوفيتية أو مبادئها أو وسائلها، وقد حملت السلطات السوفيتية على تشديد الرقابة على هذا النحو بما لاحظته في الأعوام الأخيرة من اشتداد الحملة على روسيا السوفيتية، وتصور نظمها وأحوالها في معظم البلدان الأجنبية، سواء بطريق الكتب أو الصحف، تصويراً منفراً تقشعر منه القلوب.
إلى صديقي الشاعر الدكتور إبراهيم ناجي
كنت شديد الإعجاب بقصيدتك (عاصفة روح) التي سمعتك تنشدها قبل نشرها في العدد الأخير من (مجلتي) الصادرة في أول سبتمبر، ولكني لما خلوت إلى نفسي كنت كمن يفتش على مهل عن شيء ضائع في ذاكرتي!. . وأخيراً لقيت هذا الشيء الضائع. . . لقيت مطلع قصيدة من ذات العنوان والوزن، بل لقيت القصيدة كلها من نظم الشاعر الدمشقي مشيل عفلق منشورة في العدد السابع من مجلة الدهور الصادر في شهر سبتمبر سنة
стр. 9523
١٩٣٤ مطلعها:
أعصفي يا رياح … واهزئي يا سماء
من يكن ذا جناح … هل يهاب الفضاء؟
ولقيتك في المقطع الثاني من قصيدتك تقول:
أعولي يا جراح … اسمعي الديان
لا يهم الرياح … زورق غضبان
لقد أوغلت في قراءة قصيدتك، ووازنت بين أقوالك ومعانيك، وبين الأقوال والمعاني الواردة في قصيدة الشاعر الدمشقي، وأخيراً لقيت الأليق أن أسألك عما إذا كان هذا مجرد توارد خواطر، وقد ألفنا تعليل الاغارات الأدبية بتوارد الخواطر.
أريد أن أمضي معك في تعليلك، وأن أكتفي بنشر مقطع واحد من قصيدة ذلك الشاعر الدمشقي يتفق مع مقطع من قصيدتك، أريد ذلك حتى لا أضيف خسارة صديق جديدة إلى قائمة أولئك الضعفاء غير المأسوف على صداقتهم، فهل من تعليل؟. . . . إني لمنتظر.
حبيب الزحلاوي
стр. 9524
الكتب
ثلاث رسائل
بخط ياقوت الحموي الرومي
للأديب الفارسي عباس إقبال
ترجمها الدكتور عبد الوهاب عزام
عند كاتب هذا المقال مجموعة صغيرة في ثمان وأربعين ورقة صفراء، طول ورقة ١٥ سنتيمتراً وعرضها ١٠، وهي بخط نسخ جميل، كتبها كلها الأديب العالم الكبير شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي الرومي، المؤلف ذائع الصيت صاحب معجم البلدان، ومعجم الأدباء، المولودة سنة ٥٧٥ والمتوفىسنة ٦٢٦.
في هذه المجموعة أربع رسائل صغيرة كتبها ياقوت نفسه في أوقات مختلفة، ثم جمعها في مجلد واحد. وهي كما يأتي:
١ - كتاب الفصيح: لأبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب الشبابي (٢٠٠ - ٢٩١) وهو ٢٨ ورقة. وقد طبع مرات.
٢ - كتاب تمام الفصيح: لأبي الحسين أحمد بن فارس أبن زكريا اللغوي المتوفى سنة ٣٩٥. وفيه ١١ ورقة.
٣ - و ٤ - كتابان لأبي الحسن عليَّ بن عيسى الرمَّاني الوراق (٢٧٦ - ٣٨٤) الأول منهما، لسوء الحظ، سقط من المجموعة. ومحي عنوانه من الغلاف. والكتاب الثاني كتاب الحروف. وقد سقط أوله، وبقي معظمه في ٩ ورقات.
ولا شبهة في صحة نسبة هذه النسخة إلى ياقوت الحموي وأصالتها. فالخط والورق والتاريخ يؤيدها. ثم ياقوت نفسه يكتب هذا خمس مرات بالخط الذي كتبت به النسخة نفسها. ولدينا شواهد تاريخية أخرى نحصيها فيما يلي:
على غلاف هذه المجموعة، كما يظهر من الصورة هذه الكلمات:
كتاب الفصيح
تأليف أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب وكتاب تمام الفصيح
стр. 9525
تأليف أبي الحسين أحمد بن فارس
وفيه كتاب. . . . . . . . . وكتاب الحروف
كلاهما عن عليّ بن عيسى بن علي الرماني
وفي الحاشية اليسرى إزاء اسم كتاب الرماني (ملك لكاتبه ياقوت الحموي عفا الله عنه) ثم في أسفل صفحة الغلاف كتب ياقوت نفسه في سطور رأسية رواة كتاب الفصيح إلى زمانه وبين كيف نسخ هذه النسخة من الفصيح وصحيحها. ونحن ننقل هنا بعض ما كتب:
. . . . . وصاحب هذا الكتاب عبد الله الفقير إليه ياقوت ابن عبد الله الرومي الحموي، بعد أن عارض بأصله هذا نسخة السماع وكتب ما كان فيها من. . . . . وما كان في هذه النسخة من الزوايد مخالفاً للأصل ضرب عليه بالحمرة. وذلك بأعلى. . . الآخر سنة عشرين وستمائة. وهذا خط صاحب الكتاب ياقوت الحموي عفا الله عنه. . .
وفي آخر نسخة كتاب الفصيح: (منقول من خط أبي الحسين عليّ بن عبيد الله السمسمي اللغوي بحواشيه حرفاً حرفاً، وكان على وجه نسخته، وفي الحاشية اليمنى بجانب هذه العبارة كتب بخط أحمر: (قوبل بالأصل المنقول عنه؛ فصح والحمد لله رب العالمين، وقوبل ثانياً وصح)
وكتب في هذه النسخة، كما يقول ياقوت في حاشية الغلاف: اختلافات النسخ فوق الكلمات بمداد أحمر، وزيدت في الحواشي زيادات وتصحيحات. وهذا برهان بمقابلة النسخة بنسخ أخرى وليس في الرسالة تاريخ نسخها، ولكن يؤخذ من حاشية الغلاف المكتوبة في ربيع الآخر سنة ٦٢٠: أن مقابلة هذه النسخة بنسخة أخرى كان في هذا التاريخ، وقد حمل ياقوت هذه المجموعة معه حين فرّ من متوحشي التتار بين سنتي ٦١٧، ٦١٨. وكان من بركة هذا الفرار أن بقيت لنا هذه النسخة ولم يصيبها من أيدي هذه الجماعة الوحشية ما أصاب نفائس الكتاب فيما وراء النهر وخوارزم وخراسان.
وقد كتب على ظهر الورقة الأولى من كتاب تمام الفصيح لأحمد بن فارس: (كتاب تمام الفصيح تأليف الإمام أبي الحسين
احمد بن فارس بن زكريا ﵀. ومن خطه نقل)، وفي أول الكتاب (نقلت من خط أبي الحسين احمد بن فارس مصنف الكتاب) وتنتهي النسخة بهذه العبارة:
стр. 9526
(وكتب احمد بن فارس بن زكريا بخطه في شهر رمضان سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة بالمحمّدية. قال ناسخ هذه النسخة هذه جميعه صورة خط الإمام أبي الحسين بن فارس ﵀. فأما أنا فإني فرغت من نسخ هذه النسخة بكرة الأحد سابع ربيع الآخر سنة ست عشرة وستمائة بمرو الشاهجان حامداً لله ومصلياً على نبيه المصطفى محمد وآله وصحبه الكرام، وكتب ياقوت بن عبد الله الرومي الحموي).
وكتب في الحاشية مقابل كلمة المحمدية: (قلت المحمدية محلة بالري هي بين السور البرّاني والسور الداخلاني)، وهذه العبارة التي كتبها ياقوت في آخر نسخة تمام الفصيح علاوة على تصريحه بأن هذه النسخة خط يده، وأنه ختمها يوم الأحد سابع ربيع الآخر سنة ٦١٦ في مرو الشاهجان، ونقلها من نسخة المصنف التي كتبها بخطه في رمضان سنة ٣٩٣ في المحمدية ترينا تدقيق ياقوت في ضبط أسماء البلدان. فإن هذا العالم الكبير الذي أمضى شطراً من عمره في تحقيق أسماء البلاد وتعيين مواقعها، وجمع المعلومات التي مكنته من تأليف كتابه البديع الخالد معجم البلدان رأى في نسخته حتى أبان عنه، وكان من قبل خفياً عليه نفسه كما يتبين مما يأتي:
وقد ذكر ياقوت في معجم البلدان، بمناسبة كلمة المحمدية، نسخة كتاب تمام الفصيح التي كتبها بخطه المصنف أحمد بن فارس، ووقعت في يده بمرو الشاهجان، ونقل العبارة التي ذكرها أحمد بن فارس في آخر نسخته ونقلناها هنا، وهذه من أقوى الأدلة على صحة نسبة النسخة الحاضرة إلى ياقوت، وهذه عبارته في معجم البلدان (ووقع لي بمرو كتاب أسمه تمام الفصيح لابن فارس وبخطه. وقد كتب في آخره: وكتب أحمد بن فارس بن زكريا بخطه في شهر رمضان سنة ٣٩٥ (كذا بالرقم في النسخة المطبوعة في لايبسيك) بالمحمدية فغبرت دهراً أسائل عن موضوع بنواحي الجبال يعرف بهذا الاسم فلم أجده لان ابن فارس في هذه الأيام هناك كان حياً حتى وقعت على كتاب محمد بن أحمد بن الفقيه فذكر فيه. قال جعفر بن محمد الرازي: لما قدم المهدي الرّي في خلافة المنصور بنى مدينة الرّي التي بها الناس اليوم، وجعل حولها خندقاً، وبنى فيها مسجداً جامعاً، وجرى ذلك على يد عمار بن الخصيب. وكتب اسمه على حائطها، وتم عملها سنة ١٥٨. وجعل لها فصيلاً يطيف به فارقين آخر، وسماها المحمدية. فأهل الري يدعونه المدينة الداخلة المدينة،
стр. 9527
ويسمون الفصيل المدينة الخارجة، والحصن المعروف بالزبيدية في داخل المدينة بالمحمدية.
(له بقية)
عبد الوهاب عزام
стр. 9528
مطبوعات دار الكتب المصرية
للأستاذ محمد بك كرد علي
أصدرت دار الكتب المصرية الجزء الخامس من (النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة) لجمال الدين أبي المحاسن يوسف ابن تغري بردى الأتابكي في سنة ٤٦٧ صفحة كبيرة، مشفوعاً بفهرس الولاة الذين تولوا مصر من سنة ٤٢٨هـ إلى سنة ٥٦٦هـ، وفهرس الأعلام، وفهرس الأمم والقبائل والبطون والعشائر والأرهاط، وفهرس أسماء البلاد والجبال والأودية والأنهار وغير ذلك. وفهرس وفاء النيل من سنة ٤٢٨ إلى ٥٦٦ وهي الأعوام التي استغرق هذا الجزء الكلام عليها. وأصدرت أيضاً الجزء الثاني من (الجامع لأحكام القرآن) لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي الأندلسي المتوفى بمنية ابن خُصَيب في الصعيد الأدنى سنة ٦١٧هـ، وهو تفسير جليل (أسقط منه القصص والتواريخ، وأثبت عوضها أحكام القرآن، واستنباط الأدلة، وذكر القراءات والإعراب والناسخ والمنسوخ). وقد جاء الجزء الأول في ٣٩٦ صفحة والثاني في ٤٣٦، مصححاً بمعرفة الأستاذ السيد محمد الببلاوي مراقب إحياء الآداب العربية.
والدار آخذة في إتمام طبع كتاب (الأغاني) لأبي الفرج الأصبهاني، وقد أنجزت إلى الآن جزأه السابع. و (نهاية الأرب في فنون الأدب) للنويري، وقد أتمت طبع السفر الحادي عشر منه. وانتهت منذ مدة من طبع (صبح الأعشى) للقلقشندي في أربعة عشر مجلداً، ولا ينقصه إلا الفهارس التي تحلى بها كل من النجوم الزاهرة والأغاني ونهاية الأرب. وأتمت طبع (عيون الأخبار) لأبن قتيبة، في أربعة مجلدات، ويحمل الرابع منها الفهارس المنوعة. وطبعت ديوان مهيار الديلمي في أربعة مجلدات، وديوان صرَّدُرّ، وديوان نابغة بني شيبان، وديوان علم الدين أيدمر المحيوي، وديوان جران العود النميري، إلى غير ذلك مما أحيته في عهدها الأخير على نفقتها وبعناية رجالها. كما طبعت في خمسة مجلدات قائمة الكتب العربية المطبوعة والمخطوطة التي دخلت الدار
وكانت طبعت طائفة من الكتب الجليلة، منها (الطراز) لأمير المؤمنين يحيى بن حمزة العلوي اليمني في ثلاث مجلدات، و (الاعتصام) للشاطبي في ثلاث مجلدات، و (الأحكام) للآمدي في أربعة مجلدات وغير ذلك. جرى طبع هذه الكتب بإشرافها قبل أن تنشئ الغنية
стр. 9529
المتقنة، وكانت طبعت في دور آخر من أدوارها الماضية تاريخ مصر لأبن إياس في ثلاثة مجلدات مع الفهارس، و (التحفة السنية بأسماء البلاد المصرية) لأبن جيعان، و (تاريخ الفيوم وبلادها) للنابلسي الصفدي و (الانتصار لواسطة عقد الأمصار) لابن دقماق وغيرها.
هذا عمل دار الكتب اليوم وأمس، ورأيت بعض الغيورين على العلم ينتقدون عليها بطأها في إخراج الكتب للناس، وما عمل هذه الدار بما تنشر من الأسفار الممتعة إلا عمل علمي محض يراد منه إحياء ما قد يتعذر على الأفراد إحياؤه من الأمهات العربية، على غاية من العناية بالتصحيح، مع معارضة النسخ المختلفة بعضها ببعض، والتعليق على محال الإشكال من النسخ الأصلية المعتمدة، وشرح ما يجب شرحه من المشكلات اللغوية والأدبية والتاريخية والجغرافية وغيرها، وهو عمل شاق لا يدرك مبلغ خطورته إلا من عاناه؛ فقد يتوقف الناشر في صفحة محيت بعض كلماتها، أو طمست بعض سطورها أياماً كثيرة ويتقاضاه إثبات الرواية الصحيحة أوقاتاً، لو كان له أن يصفها كما يشاء لكتب رسالة مطولة في فن من الفنون. فإحياء كتاب من هذا الطراز، فيه ما فيه من الغموض واللبس أصعب من تأليف كتاب، ذلك لأن مصححه مقيداً بالنص ومقيد بالرسم والخط ومقيداً بالأمانة، ليس له أن يبدل على هواه كلمة بكلمة، ولو رأى ما ذهب إلى ذهنه أحق بالاتباع والإثبات. ولو كان عمل الدار تجارياً لأخرجت كل شهر بضعة مجلدات، ولكن ماذا تكون قيمتها العلمية؟.
أما من يتبجحون بأن بعض منشورات الدار لا تخلو، مع هذه الغاية البالغة، من أغلاط وتهاون، فجوابنا لهم أن يتفضلوا وينشروا لنا رسالة صغيرة للقدماء، في مثل هذه الصورة اللائقة التي تصدر بها مطبوعات دار الكتب، وعندئذ يحكم العارفون لهم أو عليهم. والدعوى الطويلة العريضة في خلوة غير العمل السديد، والنقد سهل والصعوبة في الإبداع.
وأي خدمة أعظم من الخدمات التي تقوم بها دار الكتب المصرية للآداب العربية، وكثير مما طبعته مَعْلمات أو إنسيكلوبيذيات في الأدب والإنشاء والعلوم. فالشكر للأستاذ المربي محمد أسعد بك برادة مدير دار الكتب على عنايته بالدقيق والجليل في ديوانه، ولإخوانه ومعاونيه الأساتذة المحققون: السيد محمد الببلاوي، وزكي العدوي، والشيخ محمد عبد الرسول، والشيخ أحمد الزين وغيرهم من الناظرين في الكتب. والشكر الكثير لمجلس دار
стр. 9530
الكتب الذي ما برح يقرر نشر كل مفيد من آثار السلف.
محمد كرد علي
стр. 9531
العدد ١١٦ - بتاريخ: ٢٣ - ٠٩ - ١٩٣٥
стр. 9532
ملكة الجمال
للدكتور عبد الوهاب عزام
للأقلام محن تقضي عليها أن تسف إلى ما لا تود الكتابة فيه، وتكره على أن تخط ما تريد الترفع عنه. وقلمي مكره على الكتابة في هذه الحماقات، مرغم على أن يعنى بهذه الترهات
- ١ -
كنت أحادث جماعة من الأصدقاء، فسارت بنا شجون الحديث إلى أن تكلمنا في المدينة الحاضرة حسنها وقبيحها، وجليلها وسفسافها. قلت: أحسب أن المسيطرين على أخلاق الناس في كثير من مناحي المعيشة الحاضرة جماعة من التجار المفسدين. قال صديق: كيف ذلك؟ قلت: في طبع الإنسان الكلف بالذات، والاستهتار بالشهوات، وقد سار العالم آلاف السنين على هدى التجاريب، وتعليم الأنبياء والحكماء، يزن آلامه ولذاته، ويعدل بين مصالحه وشهواته، ويضع شرائع، ويسن سنناً ليعيش الإنسان على شريعة تعرف وتنكر، وتستحسن وتستقبح، وتقول هذا حلال وهذا حرام، حتى استقامت للإنسان خطة في سياسة نفسه ومعاملة الناس. وصار يجاهد نفسه ليمنعها لذاتها، علما بأن وراء اللذة العاجلة شراً أعظم منها، ويصبر نفسه على ما يكره إيثاراً للعافية في العقبى، واستمساكا بالفضيلة التي سكن إليها، ومكنتها في نفسه سيرة الآباء
قال صديقي: هذا حق فما وراءه؟ قلت: أرى العصر الحاضر مفتوناً كل الفتنة بالأهواء، مستكلباً على الشهوات، قد فتحت له من الملاهي أبواب، ومدت له إلى الغي أسباب؛ فشغلت من الحياة جانباً. هذه الملاهي والمراقص والحانات والمواخير. ورأى كثير من الناس هذه الدور مجلبة ربح عظيم، ووسيلة مال وفير، فأقبلوا عليها إقبالاً، وافتنوا فيها افتناناً، واستعانوا على تزينها وجلب الناس إليها بكل ما أنتجت الحضارة من علم وفن، ولم يدعوا حيلة في الاستهواء إلا اتخذوها، ولا وسيلة إلى تهافت الناس عليها إلا توسلوا بها. امتن كل فيما يعرض، وتؤدي المنافسة والطمع في المال إلى استباحة المحظورات، فينظر الناس أول الأمر ثم يسكنون، ويخدعون أنفسهم فيما يرون، بما تصبو إليه غرائزهم وتغرم به شهواتهم حتى يصير هذا أمراً معروفاً وعملاً مألوفاً. ثم يحدوهم حب الربح والمنافسة إلى أن يثيروا شهوات الناس بأفانين أخرى وهلم جرا، حتى لا يصدهم وازع من فضيلة أو
стр. 9533
عادة، وعبثاً يحاول القانون أن يصد التيار، أو يقيم الجرف المنهار، وهكذا تقاد الأمم بأذنابها، وتأتم بضلالها. وقس يا صاحبي على هذا أزياء النساء. فتنافس التجار فيها هو الذي يطيلها ويقصرها، ويطلع كل يومين ببدعة تبين عما دق من المرأة وجل، وما ظهر وما بطن. ولست أجد بداً من ذكر الحقيقة (العارية)، وهي أن النساء الخليعات هن القدوة في هذه السبيل، يلبسن ما يلفت النظر إليهن، ويميزهن من غيرهن، فيروق النساء الأخر هذا الزي، والمرأة لا تحب أن تغلب في زينتها وتجملها. فيصير هذا الخروج على السنن سنة مألوفة وطرافة (مودة) معروفة. وما ترى في ألبسة البحر من تغير مستمر غايته أن تبرز المرأة عارية متزينة؛ فهذه سبيله، تبدأ به الخليعات الجريئات فتتهافت عليه الأخريات
ووراء هذه جماعة من تجار الكتاب، والفسقة المفسدين؛ يريدون أن ينالوا رغائبهم بشريعة، ويفسدوا في الأرض على علم فيكذبون على الجمال والفن والحرية ما شاءت مآربهم، ويحرفون الكلم عن مواضعه، ويسمون الرذائل بغير أسمائها، فالفسق إعجاب بالجمال، وكل خليعة فنانة، وكل خليع أستاذ، ويتنافس أصحاب المجلات في كتابة ما تحبه النفوس المريضة، وعرض الصور التي يهفو إليها الشبان، لا يبالون في سبيل المال أن تصلح الأمة وأن تفسد، وتعمل التجارة عملها حتى تجد الرجل الحريص على الفضيلة، الداعي إليها إذا ابتلى بمجلة أغضى عن مفاسدها، فصار له رأي في نفسه، وفي غير مجلته، وعمل آخر تجاري في المجلة. وقد عجبت لبعض الكتاب المعروفين بالغيرة على الأخلاق، والتنديد بالخلاعة والمجون، وبدع العصر الحاضر، إذ رأيت المجلة التي يشرف عليها تنشر من الصور والكلام ما لا يلائم آراءه، ويوافق مواعظه
- ٢ -
قال صديقي: والشيء بالشيء يذكر، وملكات الجمال ما ترى فيهن؟ لقد سرت البدعة إلينا، قلت استمع: كنت في الصيف الماضي ذاهباً إلى إيران فعرجت على لبنان أياماً. وبينا أنا في ظهور الشوير، رأيت الناس يزدحمون، ويستبقون إلى بعض الفنادق وسمعت أن هذه الجموع وتلك الوفود تتزاحم لتشهد اختيار ملكة الجمال في لبنان. قال رفيق لي: قد سرت العدوى إلى البلاد العربية، فقلت غاضباً: كلا. قال ألست ترى وتسمع؟ قلت لا أكذبك، لست أرى في هذه الأزياء ولا أسمع في هذه الرطانات عروبة، فلا تعد هؤلاء من العرب
стр. 9534
وقرأت منذ أيام أن ناساً اجتمعوا في حمانا من لبنان لاختيار امرأة يسمونها ملكة الجمال، وأن قنصل مصر ببيروت رأس هذا الجمع فأسفت أن شغل القنصل الفاضل نفسه بهذه السفاسف، وشارك في هذه المخازي. وقرأت عن انتخاب آخر في بكفيا. وحمدت الله، إذ لم أجد من المنتخبات اسماً يدل على عربية أو إسلام
وقرأت من بعد في الجرائد عن حماقات كهذه في الإسكندرية، فرأيت الداعين إليها بين صاحب ملهى يريد أن يجذب الناس إليه، وصاحب جريدة غير عربية يبغي رواج جريدته، وأمثال هذين. وبعد قليل رأيت صورة الملكة وقرأت أحاديث عنها، فعلمت أن فتاة أسمها شارلوت سماها بعض ذوي المآرب ملكة الجمال في مصر، ولقبوها مس إيجبت ورشحوها للذهاب إلى بروكسل لتشارك في مباراة الجمال. قلت شارلوت ليس اسماً مصرياً، ومس إيجبت لا تعرفها مصر، فما اهتمامك بجماعة من الحمقى أرادوا أن يشهروا فتاة، أو يشهروا بها، أو يتملقوا إليها، أو ينالوا مالاً أو لهم مآرب أخرى. ثم تذكرت ما سطرت في أول هذا المقال، تذكرت أن زمام الأخلاق في هذا العصر بأيدي هذه الطغمات وأشباهها، وأن هذا الذي تستنكره اليوم سيصبح إذا سكتنا عليه، عادة تعد المجادلة فيها ضرباً من الأفن. وفكرت أن مس إيجبت هذه ستذهب إلى أوربا باسم مصر، وتشارك في سوق الرقيق هناك، وتبوء مصر بكل ما في ذلك من عار وحماقة. فرأيت أن الأمر جدير بالاهتمام، وأنه إن سكت عنه عقلاء الأمة صار سنة، وظن المفسدون، كما تسول لهم مآربهم، أنها سنة حسنة ينبغي ألا تحرم منها مدينة أو قرية، وقد وفدت على مصر من قبل ملكة الجمال في تركيا فلم يستح بعض الوقحين من طلبة الجامعة أن يقترحوا أن يحتفل بها في نادي الجامعة. من مبلغ عنا هذه الفتاة، أنا لا نعرفها ولا نعرف جمالها ولا ملكها، وأن القحة البليغة أن تذهب إلى أوربا مدعية أن مصر أرسلتها، ومصر بريئة منها وممن يرسلونها. ليت شعري أرضى المصريون: الحكومة والأمة بهذه السبة. هل رضوا أن تنوب عنهم على رغم أنوفهم فتاة تذهب إلى بروكسل زاعمة أن مصر أرسلتها
كنت أحسب أن موقف مصر الحاضر بين دولة مستعبدة، ودولة مهددة سيخرج بطلاً أو بطلة، تهيب بالمصريين ليغسلوا العار، ويحموا الديار، أو نرسل وفداً يدفع عن حقوق مصر عند عصبة الأمم؛ فإذا السفهاء في شغل عما يحيط بهم باختيار امرأة يرسلونها إلى
стр. 9535
بروكسل!
وقد أجاب أهل دمشق داعي العروبة والكرامة والفضيلة، فاجتمعوا حين سمعوا أن امرأة ستذهب إلى سوق الرقيق باسم سورية، واستنكروا ذلك، وأجمعوا على مطالبة الحكومة بأخذ الطريق على هذه السنة السيئة، فأجابت الحكومة دعوة العقلاء ومنعت اجتماع السفهاء لاختيار ملكة للجمال، وفي ذلك للمصريين وغيرهم أسوة حسنة
سيقول السفهاء: جماعة لا يعرفون الجمال، ولا يقدرونه، ولا يميزون الحسن من القبيح، فهم ساخطون ثائرون. والله يعلم أن الجمال يعبد قلوبنا، ويملك مشاعرنا، وتهفو إليه أفئدتنا حيثما تجلى في السماء أو في الأرض، ولكنا لا نعرف الجمال في الأسواق، يصفق حوله الفساق، ولا نعرف الجمال تسأل فيه الآراء، وتعرض المرأة كما تعرض العجماء
عبد الوهاب عزام
стр. 9536
الجمال البائس
للأستاذ مصطفى صادق الرافعي
(وكيف يشعب صدع الحب في كبدي). كيف يشعب صدع الحب؟
لعمري ما رأيت الجمال مرة إلا كان عندي هو الألم في أجمل صوره وإبداعها؛ أتراني مخلوقاً بجرح في القلب؟
ولا تكون المرأة الجميلة في عيني إلا إذا أحسست حين أنظر إليها - أن في نفسي شيئاً قد عرفها، وأن في عيني لحظاتٍ موجهة إلي، وإن لم تنظر هي إلي
فإثبات الجمال نفسه لعيني، أن يثبت صداقته لروحي باللمحة التي تدل وتتكلم؛ تدل نفسي وتتكلم في قلبي
كنت أجلس في (إسكندرية) بين الضحى والظهر في مكان على شاطئ البحر، ومعي صديقي الأستاذ (ح) من أفاضل رجال السلك السياسي، وهو كاتب من ذوي الرأي، له أدب غض ونوادر وظرائف؛ وفي قلبه إيمان لا أعرف مثله في مثله قد بلغ ما شاء الله قوة وتمكنا، حتى لأحسب أنه رجل من أولياء الله قد عوقب فحكم عليه أن يكون محامياً، ثم زيد في الحكم فجعل قاضياً، ثم ضوعفت العقوبة فجعل سياسياً. . .
وهذا المكان ينقلب في الليل مسرحاً ومرقصاً وما بينهما. . . فيتغاوى فيه الجمال والحب، ويعرض الشيطان مصنوعاته في الهزل والرقص والغناء، فإذا دخلته في النهار رأيت نور النهار كأنه يغسله ويغسلك معه، فتحس للنور هناك عملاً في نفسك
ويرى المكان صدراً من النهار كأنه نائم بعد سهر الليل، فما تجيئه من ساعةٍ بين الصبح والظهر إلا وجدته ساكناً هادئاً كالجسم المستثقل نوماً، ولهذا كنت كثيراً ما أكتب فيه، بل لا أذهب إليه إلا للكتابة. فإذا كان الظهر أقبل نساء المسرح ومعهن من يطارحهن الأناشيد وألحانها، ومن يثقفهن في الرقص، ومن يرويهن ما يمثلن، إلى غير ذلك مما ابتلتهن به الحياة لتساقط عليهن الليالي بالموت ليلة بعد ليلة
وكن إذا جئن رأينني على تلك الحال من الكتابة والتفكير، فينصرفن إلى شأنهن، إلا واحدة كانت أجملهن. وأكثر هؤلاء المسكينات يظهرن لعين المتأمل، كأن المرأة منهن مثل العنز التي كسر أحد قرنيها، فهي تحمل على رأسها علامة الضعف والذلة والنقص، ولو أن امرأة
стр. 9537
تتبدد حيناً فلا تكون شيئاً، وتجمع حيناً فتكون مرة شيئاً مقلوباً، وأخرى شكلاً ناقصاً، وتارة هيئة مشوهة لكانت هي كل امرأة من هؤلاء المسكينات اللواتي يمشين في المسرات إلى المخاوف، ويعشن بمقدمات الموت، ويجدن في المال معنى الفقر، ويتلقين الكرامة فيها الاستهزاء، ثم لا يعرفن شاباً ولا رجلاً إلا وقعت عليهن من أجله لعنة أبٍ أو أم أو زوجة
وتلك الواحدة التي أومأت إليها كانت حزينة متسلبة فكأنما جذبها حزنها إلي، وكانت مفكرة فكأنما هداها إلي فكرها، وكانت جميلةً فدلها علي الحب، وما أدري والله أي نفسينا بدأت فقالت للأخرى أهلاً. . . ورأيتها لا تصرف نظرها عني إلا لترده إلي ثم لا ترده إلا لتصرفه، ثم رأيتها قد جال بها الغزل جولةً في معركته. . . فتشاغلت عنها لا أريها أني أنا الخصم الآخر في المعركة. . .
بيد أني جعلت آخذها في مطارح النظر وأتأملها خلسةً بعد خلسةٍ في ثوبها الحريري الأسود، فإذا هو يشب لونها فيجعلها يتلألأ، ويظهر وجهها بلون البدر في تمه، ويبديه لعيني أرق من الورد تحت نور الفجر
ورأيت لها وجهاً فيه المرأة كلها باختصار، يشرق على جسم بضٍ ألين من خمل النعام، تعرض فيه الأنوثة فنها الكامل؛ فلو خلق الدلال امرأة لكانتها
وتلوح للرأي من بعيد كأنها وضعت في فمها (زر ورد) أحمر منضما على نفسه. شفتان تكاد ابتسامتها تكون نداءً لشفتي محب ظمآن
أما عيناها فما رأيت مثلهما عيني امرأةٍ ولا ظبية؛ سوادهما أشد سواداً من عيون الظباء؛ وقد خلقتا في هيئة تثبت وجود السحر وفعله في النفس؛ فيهما القوة الواثقة أنها النافذة الأمر، يمازجها حنان أكثر مما في صدر أم على طفلها. وتمام الملاحة أنهما بهذا التكحيل، في هذه الهيئة، في هذا الوجه القمري
يا خالق هاتين العينين! سباحنك سبحانك!
قال الراوي:
وأتغافل عنها أياماً، وطال ذلك مني وشق عليها، وكأني صغرت إليها نفسها، وأرهقتها بمعنى الخضوع، بيد أن كبرياءها التي أبت لها أن تقدم، أبت عليها كذلك أن تنهزم
وأنا على كل أحوالي إنما أنظر إلى الجمال كما أستنشي العطر يكون متضوعاً في الهواء،
стр. 9538
لا أنا أستطيع أن أمسه ولا أحد يستطيع أن يقول أخذت مني. ثم لا تدفعني إليه إلا فطرة الشعر والإحساس الروحاني دون فطرة الشر والحيوانية، ومتى أحسست جمال المرأة أحسست فيه بمعنى اكبر من المرأة. أكبر منها؛ غير أنه هو منها
قال الراوي:
فإني لجالس ذات يوم وقد أقبلت على شأني من الكتابة وبازائي فتى ريق الشباب في العمر الذي ترى فيه الأعين بالحماسة والعاطفة اكثر مما ترى بالعقل والبصيرة، ناعم أملد تم شبابه ولم تتم قوته كأنما نكصت الرجولة عنه إذ وافته فلم تجده رجلا. . . . أو تلك هي شيمة أهل الظرف والقصف من شبان اليوم، ترى الواحد منهم فتعرف النضج في ثيابه أكثر مما تعرفه في جسمه، وتأبى الطبيعة عليه أن يكون أنثى فيجاهد ليكون ضرباً من الأنثى. . . . - إني لجالس إذ وافت الحسناء فأومأت إلى الفتى بتحيتها، ثم ذهبت فاعتلت المنصة مع الباقيات، ورقصت فأحسنت ما شاءت، وكأن في رقصها تعبيراً عن أهواء ونزعات تريد إثارتها في رجلٍ ما. . . . فقلت لصاحبنا الأستاذ (ح): إن كلمة الرقص إنما هي استعارة على مثل هذا كما يستعرن كلمة الحب لجمع المال. ولا رقص ولا حب إلا فجور وطمع
ثم إنها فرغت من شأنها فمرت تتهادى حتى جاءت فجلست إلى الفتى. . . . فقال الأستاذ (ح) وكان قد ألم بما في نفسها: أتراها جعلته ههنا محطة. . .؟
قال الراوي: أما أنا فقلت في نفسي لقد جاء الموضوع. . . . وإني لفي حاجةٍ أشد الحاجة إلى مقالة من المكحولات، فتفرغت لها أنظر ماذا تصنع، وأنا أعلم أن مثل هذه قليلاً ما يكون لها فكر أو فلسفة؛ غير أن الفكر والفلسفة والمعاني كلها تكون في نظرها وابتساماتها وعلى جسمها كله
وكان فتاها قد وضع طربوشه على يده؛ فقد انتهينا إلى عهد رجع حكم الطربوش فيه على رأس الشاب الجميل، كحكم البرقع على وجه الفتاة الجميلة. . . . فأسفر ذاك من طربوشه وأسفرت هذه من نقابها. قال الراوي: فما جلست إلى الفتى حتى أدنت رأسها من الطربوش، فاستنامت إليه، فألصقت به خدها. . . .
ثم التفت إلينا التفاتة الخشف المذعور استروح السبع ووجد مقدماته في الهواء، ثم أرخت
стр. 9539
عينيها في حياء لا يستحي. . .
وأنشأت تتكلم وهي في ذلك تسارقنا النظر كأن في ناحيتنا بعض معاني كلامها. . . .
ثم لا أدري ما الذي تضاحكت له، غير أن ضحكتها انشقت نصفين رأينا نحن أجملهما في ثغرها. . . .
ثم تزعزت في كرسيها كأنما تهم أن تنقلب لتمتد إليها يد فتمسكها أن تنقلب. . . .
ثم تساندت على نفسها كالمريضة النائمة تتناهض من فراشها فيكاد يئن بعضها من بعضها، وقامت فمشت، فحاذتنا، وتجاوزتنا غير بعيد، ثم رجعت إلى موضعها متكسرة متخاذلة كأن فيها قوة تعلن أنها انتهت. . . .
قال الراوي:
ونظرت إليها نظرة حزن، فتغضبت واغتاظت وشاجرت هذه النظرة من عينيها الدعجاوين بنظرات متهكمة لا أدري أهي توبخنا بها، أم تتهمنا بأننا أخذنا من حسنها مجاناً. . . .
فقلت للأستاذ (ح)، وأنا أجهر بالكلام ليبلغها:
أما ترى أن الدنيا قد انتكست في انتكاسها، وأن الدهر قد فسد فساده، وأن البلاء قد ضوعف على الناس، وأن بقية من الخير كانت في الشر القديم فانتزعت؟
قال: وهل كان في الشر القديم بقية خير وليس مثلها في الشر الحديث؟
قلت: ههنا في هذا المسرح قيان لو كانت إحداهن. . . في الزمن القديم لتنافس في شرائها الملوك والأمراء وسراة الناس وأعيانهم، فكان لها في عهارة الزمن صون وكرامة، وتتقلب في القصور فتجعل القصور لها حرمة تمنعها ابتذال فنها لكل من يدفع خمسة غروش، حتى لرذال الناس وغوغائهم وسفلتهم؛ ثم هي حين يدبر شبابها تكون في دار مولاها حميلة على كرم يحملها، وعلى مروءة تعيش بها
وقديماً أخذت سلامة الزرقاء في قبلتها لؤلؤتين بأربعين ألف درهم تبلغ ألفي جنيه. فهل تأخذ القينة من هؤلاء إلا دخينة بملليمين. . .؟
قال الأستاذ (ح): ما أبعدك يا أخي عن (بورصة) القبلة وأسعارها. . . . ولكن ما خبر اللؤلؤتين؟
قال الراوي: كانت سلامة هذه جاريةً لابن رامين وكانت من الجمال بحيث قيل في وصفها:
стр. 9540
كأن الشمس طالعة من بين رأسها وكتفيها؛ فاستأذن عليها في مجلس غنائها الصيرفي الملقب بالماجن، فلما أذنت له دخل فأقعى بين يديها، ثم أدخل يده في ثوبه فأخرج لؤلؤتين وقال: انظري يا زرقاء جعلت فداك، ثم حلف إنه نقد فيهما بالأمس أربعين ألف درهم. قالت: فما أصنع بذاك؟ قال: أردت أن تعلمي
ثم غنت صوتاً وقالت: يا ماجن هبهما لي ويحك. قال: إن شئت والله فعلت؛ قالت: قد شئت. قال: واليمين التي حلفت بها لازمة لي إن أخذتهما إلا بشفتيك من شفتي. . . .
قال الراوي: ورأيتها قد أذنت لي وأنصتت لكلامي وكأنما كانت تسمعني أعتذر إليها، واستيقنت أن ليس بي إلا الحزن عليها والرثاء لها، فبدت أشد حياءً من العذراء في أيام الخدر. . . . . .
ثم قالت: نعم كان ذلك الزمن سفيهاً ولكنها سفاهة فن لا سفاهة عربدةٍ وتصعلك كما هي اليوم
فنظرت إلي نظرةً لن أنساها؛ نظرة كأنها تدمع، نظرة تقول بها: ألست إنسانة؟ فلم أملك أن قلت لها: تعالي تعالي
وجاءت أحلى من الأمل المعترض سنحت به الفرصة، ولكن ماذا قلت لها وماذا قالت؟. . . .
(لها بقية)
مصطفى صادق الرافعي
стр. 9541
مصر وقناة السويس
دستور القناة وحق السيادة المصرية
لباحث دبلوماسي كبير
كان إنشاء قناة السويس في أرض مصر نذير سوء لمصر، كما كان نذير الخير والرخاء لتجارة الغرب وصناعته؛ ولم تجن مصر من إنشاء القناة في أرضها سوى المتاعب الخالدة، وما زالت بسبب هذه القناة عرضة لفروض مؤلمة من الاستعباد الأجنبي، كما أنها ما تزال عرضة لعدوان الاستعمار ووثباته؛ وقد شعرت مصر مرة أخرى بما يمكن أن يجره عليها وجود هذه القناة في أرضها من ضروب الشر والأذى، في الآونة الحاضرة التي يوشك أن يضطرم فيها النضال بين دولتين من دول الاستعمار، هما إيطاليا المتوثبة السابحة في أحلام عظمتها الجديدة، وبريطانيا العظمى التي تسيطر فعلاً على قناة السويس وتدعي عليها لنفسها حقوقاً خاصة ما تزال مصر تنازع فيها
ولما كانت مصر ما تزال ترتبط بحكم الظروف في شؤونها ومصايرها الحيوية بتطورات السياسة الإنكليزية، فإنها تجد نفسها اليوم عرضة لأخطار هذه الحرب الاستعمارية التي تصر إيطاليا على إضرامها في شرق أفريقية؛ وإذا كانت إنكلترا تلمح شبح الخطر من جراء هذه الفورة الفاشستية على إمبراطوريتها الاستعمارية، وعلى سيادتها في البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر، وتزمع على ما يبدو أن تقاوم هذا الخطر، وأن تسحق المطامع الإيطالية إذا اقتضى الأمر بقوة النار والسيف، فان مصر تجد نفسها من جراء ارتباطها بإنكلترا، ومن جراء موقعها الجغرافي وحراستها الاسمية لقناة السويس في أحرج مركز وأدقه. ماذا يكون موقف مصر إذا أصرت إيطاليا على مشروعها الاستعماري وأعلنت الحرب على الحبشة، وماذا يكون مصير قناة السويس طريق إيطاليا الوحيد إلى ميدان القتال؟ بل ماذا يكون موقف مصر إذا تفاقم الأمر، ونشبت الحرب بين إنكلترا وإيطاليا، ومصر تجاور إيطاليا من جهة الغرب، وثغورها لا تبتعد أكثر من سبعين ساعة عن مراكز الأسطول الإيطالي؟ هذه فروض خطيرة مزعجة، ولكنها أضحت تلوح في الجو قوية تكاد تنقض صواعقها بين آونة وأخرى؛ ومن ثم كانت موضع الاهتمام من جانب السياسة الإنكليزية ومن جانب ولاة الأمر في مصر
стр. 9542
وأول ما يشغل مصر في الآونة الحاضرة مسألة قناة السويس، ومدى ما يمكن أن يكون لمصر، سواء بمفردها أو بالاتحاد مع إنكلترا من حق في إغلاقها وقت نشوب الحرب الأفريقية، وهذا بفرض أن الحرب لم تتعد طرفي النزاع الأصليين: أعني إيطاليا والحبشة؛ ففي هذه الحالة تعتبر مصر من الوجهة الدولية في حالة حياد بالنسبة للدولتين، ولكنها لن تكون كذلك في الواقع لأن قناة السويس تغدو في هذه الحالة طريقاً حربياً لإيطاليا، وفتحها في وجه السفن والقوات الإيطالية لا يمكن أن يحقق معنى الحيدة، بل يكون وسيلة لمعاونة إيطاليا على افتراس الحبشة التي ترتبط مصر بها بروابط تاريخية ودينية وثيقة، ولمصر كما لإنكلترا مصلحة حيوية في ألا تقع منطقة تانا والنيل الأزرق في يد دولة قوية كإيطاليا يكون وجودها في تلك المنطقة خطراً على ماء النيل
وقد قيل لنا أخيراً إن فقهاء الدولة المصرية بحثوا مسألة قناة السويس ومدى ما لمصر من حق في إغلاقها إذا اقتضت الضرورات الدولية، وقيل لنا انهم انتهوا إلى تقرير حق مصر في إغلاقها في وجه الفريقين المتحاربين إذا نشبت حرب إيطالية حبشية. ونحن ممن يأخذون بحق مصر في إغلاق القناة سواء من الوجهة الدولية أو الوجهة الواقعية كما سنفصل بعد، ولكن الذي لفت نظرنا في مباحث فقهاء الدولة المصرية هو أنهم انتهوا إلى تقرير حق مصر في إغلاق القناة من طريق لا نعتقد أنه خير الطرق ولا خير الأسانيد لتدعيم هذا الحق. ذلك أنهم استندوا على ما قيل لنا في تقريره إلى ميثاق تحريم الحرب الأمريكي أو ميثاق كلوج الذي عقد في باريس في أغسطس سنة ١٩٢٨ وانضمت مصر إليه إلى جانب الدول الموقعة عليه. وميثاق تحريم الحرب كما نذكر، ينص على استنكار الدول الموقعة للحرب كأداة للسياسة القومية، وعلى تعهدها ألا تلجأ لحل المنازعات الدولية مهما كانت أنواعها وأسبابها إلا للوسائل السلمية. وقد وقع ميثاق تحريم الحرب في باريس في ٢٧ أغسطس سنة ١٩٢٨، وفي ٤ سبتمبر التالي أبلغت مصر حكومة الولايات المتحدة الأمريكية بأنها تقرر انضمامها للميثاق بصيغته الأصلية دون التسليم بأي تحفظ أبدي بشأنه، والمقصود بالتحفظات هنا ما أبدته بعض الدول الاستعمارية مثل بريطانيا من الاحتفاظ في ردودها بحقوق وتحفظات معينة في تسوية علائقها مع الدول التي تعتبرها واقعة تحت سيطرتها أو نفوذها
стр. 9543
ويلوح لنا أن ميثاق تحريم الحرب لا يمكن أن يعتبر سنداً كافياً لما نراه من حق مصر في إغلاق القناة. وفي رأينا أن هذا الحق يمكن إسناده من جانب مصر إلى حقوق السيادة القومية. ذلك أن مصر قد حلت بمقتضى التطورات الدولية منذ الحرب محل الدولة العثمانية الذاهبة واستعادت سيادتها القومية كاملة بانتهاء التبعية العثمانية الاسمية، وأضحت لها من الوجهة الدولية ما لأية دولة من حقوق السيادة الأرضية. هذا من الوجهة العامة. وأما من حيث مركز القناة الدولي، فقد وضعت معاهدة استانبول التي عقدت في ٢٩ أكتوبر سنة ١٨٨٨ بين الباب العالي، وبريطانيا العظمى، والنمسا والمجر، وألمانيا، وفرنسا، وإيطاليا، وإسبانيا، وهولندا، وروسيا، لقناة السويس دستوراً خاصاً من سبع عشرة مادة، أساسه حيدة القناة التامة وحرية الملاحة المطلقة فيها وقت الحرب والسلم. وقد نص في ديباجتها على أن الغرض من عقدها هو (الاتفاق الحر على نظام نهائي يكفل في كل الأوقات ولكل الدول حرية الملاحة في قناة السويس). وكفلت المادتان الأولى والرابعة هذه الحرية فيما يأتي:
المادة الأولى - (تبقى قناة السويس حرة مفتوحة دائماً أيام الحرب والسلم سواء لجميع السفن التجارية أو الحربية دون أي تفريق في جنسياتها
وعلى هذا فالدول الموقعة متفقة فيما بينها على ألا تمس حرية المرور في القناة أثناء الحرب أو السلم
ولا تخضع القناة مطلقاً إلى مزاولة حق الحصار)
المادة الرابعة - (تبقى القناة مفتوحة وقت الحرب ممراً حراً حتى لسفن الدول المتحاربة وفقاً لنص المادة الأولى. وقد اتفق المتعاقدون أعلاه على ألا تعرض القناة لمزاولة أي عمل حربي أو أي عمل من شأنه أن يخل بحرية الملاحة في القناة ذاتها أو في مواني الوصول إليها، أو في قطاع من هذه المواني طوله ثلاثة أميال بحرية، وهذا حتى لو كانت الدولة العثمانية هي إحدى الدول المتحاربة
ولا يجوز لسفن الدول المتحاربة المارة بالقناة وقت الحرب أن تتزود من المؤن في القنال أو موانيه إلا بالقدر الضروري؛ ويجب عليها أن تخترق القناة بسرعة؛ ويجب أن تمضي أربع وعشرون ساعة بين خروج سفينة حربية من أحد ثغور القناة وبين قيام سفينة تابعة
стр. 9544
سفينة تابعة لدولة معادية)
ففي هاتين المادتين جوهر دستور قناة السويس، وعليهما يستند أنصار الدعاية الإيطالية في القول بأن مصر لا تستطيع إغلاق القناة مطلقاً حتى ولو أعلنت إيطاليا الحرب على الحبشة، واتخذت القناة أثناء الحرب ممراً لأساطيلها وجنودها
بيد أن هنالك في معاهدة استانبول نصاً هاماً تضمنه المادة الثالثة عشرة، وهو أنه (فيما عدا التبعات المنصوص عليها صراحة في مواد هذه المعاهدة، فان ما لجلالة السلطان من حقوق السيادة، وما لسمو الخديو من حقوق بمقتضى الفرمانات لا يمس بأي حال) ففي هذا النص ما يؤيد حقوق السيادة المصرية التي نرجع إليها حق مصر في إغلاق القناة. ذلك أن حقوق السيادة التي كانت للدولة العثمانية على مصر قد آلت إلى مصر ذاتها بمقتضى معاهدة الصلح (معاهدة سيفر) أولا، ثم بمقتضى معاهدة لوزان (سنة ١٩٢٣)؛ فمصر من الوجهة الدولية هي صاحبة السيادة الأرضية على قناة السويس، ولا يحد من هذه السيادة سوى حقوق الامتياز الممنوح لشركة القناة وهي حقوق استغلال تجارية فقط؛ ولكن يحده من الوجهة الفعلية ما تدعيه إنكلترا لنفسها في تصريح فبراير سنة ١٩٢٢ من تحفظات يتعلق أحدها بحق إنكلترا في الدفاع عن الموصلات الإمبراطورية، والقناة في نظر إنكلترا شريان من شرايينها الهامة
وفي وسع مصر أن تدعم حقها في إغلاق قناة، باعتباره حقاً من حقوق السيادة القومية، أولاً بميثاق عصبة الأمم حيث ينص في المادة العشرين على ما يأتي: (يعترف أعضاء العصبة بأن الميثاق الحالي يلغي كل التعهدات أو الاتفاقات الخاصة التي تتعارض مع نصوصه، وتتعهد بألا تعقد في المستقبل أية معاهدة تتعارض مع هذه النصوص)، ولما كان دستور العصبة يقوم على فكرة السلام العام بين الأمم، وعلى مبدأ حسم المنازعات الدولية بالوسائل السلمية، فان هذا الدستور الذي يجعل من قناة السويس وقت الحرب، طريق حرب يزيد في ضرامها وأخطارها، يجب أن يعتبر وثيقة قديمة تنافي روح العصر ونصوص الميثاق. وثانياً بميثاق تحريم الحرب حيث ينص في المادة الثانية منه على أن الدول الموقعة عليه تقرر بأن تسوية المشاكل والمنازعات الدولية أيا كان نوعها وأسبابها يجب ألا يعالج إلا بالوسائل السلمية ومصر طرف في هذا الميثاق مثل إيطاليا
стр. 9545
ونذكر أن السنيور موسوليني قد أدلى في بعض أحاديثه الأخيرة، أن مصر وإنكلترا لا تستطيعان إغلاق قناة السويس لأن المادة ٢٨٢ من معاهدة الصلح (معاهدة فرساي)، وهي التي تنص على المعاهدات والاتفاقات التي يبقى مفعولها بين ألمانيا والحلفاء، قد ذكرت معاهدة أكتوبر سنة ١٨٨٨ الخاصة بدستور القناة ضمن المعاهدات النافذة الباقية (فقرة ١١ من المادة المذكورة)؛ وميثاق عصبة الأمم هو جزء من معاهدة فرساي، فليس فيه إذاً ما يمكن أن يتخذ سنداً لإلغاء معاهدة سنة ١٨٨٨، وهذا اعتراض له قيمته من الوجهة الفقهية لو لم تكن معاهدة سنة ١٨٨٨ قد غيرت في كثير من أجزائها بفعل التطورات الدولية؛ وليس المقصود هنا إلغاء المعاهدة برمتها، وإنما المقصود نسخ حق حرية الملاحة المطلق الذي قررته المعاهدة، لأنه يغدو في مثل هذه الظروف الحاضرة خطراً على سلام العالم، فضلاً عن أنه خطر على مصر ذاتها
هذا من جهة أخرى فان هنالك حالة فعلية لا يمكن إغفالها، هي أن القناة تقع فعلاً تحت سيطرة القوات الإنكليزية، وإنكلترا تدعي عليها بمقتضى تصريح فبراير سنة ١٩٢٣ حقوقاً تؤيدها هذه الحالة الفعلية، ومهما كان من اعتراض مصر على المسائل المحتفظ بها في تصريح فبراير، فانه لا شك أن هذه الحالة الفعلية هي لب المسألة كلها، وإذا كانت مصر تفكر حقاً في إغلاق القناة إذا أقدمت إيطاليا على إضرام نار الحرب، فإنها سوف تفعل ذلك بالتفاهم التام مع إنكلترا؛ وقد يؤيد تصرف الدولتين في ذلك قرار يصدر من عصبة الأمم بتوقيع العقوبات الاقتصادية المنصوص عليها في الميثاق ضد إيطاليا، ويكون إغلاق القناة وقتئذ ذات صبغة دولية محضة، ويكون في عرف العالم كله وسيلة من وسائل التي تتذرع بها مصر وإنكلترا لصون السلام العالمي الذي تصر إيطاليا الفاشستية على تكديره تحقيقاً لشهواتها الاستعمارية
стр. 9546
٤ - فريزر ودراسة الخرافة
احترام الحياة الإنسانية
للدكتور إبراهيم بيومي مدكور
المدرس بالجامعة المصرية
أسلفنا القول في بيان أثر الخرافة في تثبيت دعائم الحكومة والملكية الشخصية والزواج. وها نحن أولاء نشرح ما غرسته في النفوس من تقديس للإنسان واحترام لحياته! وبذا نكون قد أتممنا سلسلة النظم الاجتماعية التي شاء فريزر أن يبين مقدار تدخل الخرافة في نشأتها وتكوينها
بديهي أن معيشة البادية المبنية على حب الانتقام، والأخذ بالثأر، وحماية الجار، والدفاع المستميت عن المال والعرض، والمملوءة بالأضغان والأحقاد أدعى لإراقة الدماء واعتداء المرء على أخيه. فالإنسان الأول الذي عاش هذه العيشة المضطربة ما كان ينعم بضمانات كافية لحفظ روحه. فلم يكن له عسس منظم يسهر على حراسته، ولا قانون واضح يهدد بالعقوبة كل من اعتدى عليه، ولا محاكم محترمة تشهر بالجناة وسفاكي الدماء. ولا زلنا نشاهد إلى اليوم أن القتل وإزهاق الأرواح البريئة ينتشر حيث تسود الفوضى والاضطراب وفي الأوساط البدوية والقبائل الهمجية بوجه خاص. بيد أن الجمعية تعالج نفسها بنفسها وتعد لكل داء ما يناسبه من دواء. ولئن فات الإنسان المتوحش شرطتنا المنظمة، وجندنا الشاكي السلاح فانه لم تفته وسائل أخرى من وسائل الدفاع عن نفسه وحقن دمه. ومن بين هذه الوسائل خرافة الأشباح وأرواح الموتى التي تتمثل في صورة شياطين ومردة تنتقم ممن اعتدى عليها
قد لا تكون هناك خرافة سادت العالم سيادة هذه الخرافة. ظهرت مع الإنسان منذ نشأته، ولازمته في مراحل التاريخ المختلفة: تبدو في العصور القديمة والقرون الوسطى والأزمنة الحديثة، بين البدو والهمج ولدى الأمم المتمدينة. ويكفي أن نشير إلى أن كثيرين منا لا يجرؤن على السير ليلا - بل نهاراً - بجوار دار قتل فيها قتيل زعماً منهم بأن روحه الثائرة ستفتك بهم. وعل عادة تغيير المسكن السائدة بيننا على أثر حريق أو وفاة مما ترجع
стр. 9547
إلى هذه الخرافة، كما هو الشأن لدى بعض القبائل الهمجية. ويقص علينا عامتنا وسكان قرانا أغرب القصص عن المردة الذين لا قوهم في طريقهم ودار بينهم ما دار من حوار ونقاش؛ والماهر منهم من استطاع أن ينجو من المارد الذي اعترضه بجواب لبق أو حيلة ماكرة! وحديث (القرينة) والعفاريت ملأ قرانا ومدننا، وأصبح أشهر من أن يعرف عنه، وله طب خاص وقوامون على أمره يتعهدونه بالبخور (والدقة) وما إلى ذلك من علاج كله ضلال وبطلان
ليس بعسير على الباحث أن يثبت أن خرافة الأشباح هذه جنت على الإنسانية جنايات شنعاء، فبلت بعض الأشخاص بالخوف حتى من ظلهم، وقضت على آخرين بالجنون والصرع وكثير من المصائب والآفات. وقعدت بكثيرين عن السعي وراء أرزاقهم خشية أن يعدو عليهم شبح من الأشباح أو روح من الأرواح. وفي بعض القبائل المتوحشة لا يستطيع شخص أن ينتفع بمال أبيه وأهله وذويه بعد موتهم، لأن أرواحهم تنتقم منه أشد الانتقام غيرة على هذا الحرم المباح والمال المعتدى عليه، فكل يعيش ليومه، ولا يعمل شيئاً لغده؛ وعلى هذا كانت فكرة المستقبل التي هي أساس التقدم الصناعي والتجاري والاقتصادي ضائعة لدى هذه القبائل؛ وفي ضياع هذه الفكرة ما يتنافى وتكوين الثروة والمتاع، وكيف تكون الثروة عند قوم كل همهم من الدنيا عشرات السنين يعيشونها؛ فإذا ماتوا انقرضت أمتعتهم معهم وبددت أموالهم؟ يقول أحد كبار الرحالة: (إنه ليس لدى البتاجون (من سكان أمريكا الجنوبية) أي قانون ولا أية عقوبة ضد المجرمين. كل يعيش على حسب هواه، والسارق الماهر هو الجدير بالتقدير. وليس هناك ما يمنعهم من السرقة وإقامة الأبنية الثابتة إلا العقيدة السائدة من أنه إذا مات أحدهم وجب أن تبدد أملاكه. فكل بتاجوني حصل على ثروة طوال حياته بالسرقة أو الصيد أو التعامل مع القبائل المجاورة لا يفيد ورثته في شيء، ذلك لان كل ما أدخره يبلى معه، وعلى أبنائه أن يكونوا ثروتهم بمجهودهم الخاص. . . وقوم هذه معتقداتهم وتقاليدهم يقنعون بحاجاتهم العاجلة ولا يتعلقون برغبة حقيقية، ولا يصوبون نحو غاية بعيدة؛ وهذا سر كسلهم وتواكلهم ورضاهم بالقليل الذي يتنافى مع التقدم والحضارة، وعلام التعلق بالمستقبل الذي لا يرجى منه خير أو شر؟ الحاضر هو كل شيء في أعينهم، والمنفعة الذاتية مبدؤهم؛ فالابن لا يتعهد قطيع أبيه لعلمه
стр. 9548
أنه لا يعود عليه بطائل، وإنما يكد ويكدح وحده ليحصل على ثروة شخصية) فخرافة الأشباح والعفاريت والمردة سبب من أسباب الضعف السياسي والاقتصادي لدى بعض الشعوب الناشئة والجاهلة
غير أن هذه الخرافة ليست شراً كلها، بل كانت عاملا من عوامل الخير والدفاع عن الإنسان في الجمعيات التي سادت فيها، فالخوف من الأشباح وعدوانها والأرواح وانتقامها ساعد على حقن دماء كثيرة واحترام الحياة الإنسانية. وذلك أن طائفة من الشعوب تعتقد أن أرواح الموتى والقتلى ذات نفوذ عظيم وقوة هائلة تستطيع بها أن تعكر على الأحياء صفوهم وتعترضهم في طريقهم وتتقمص أجسامهم. وأرواح القتلى بوجه خاص مفطورة على الثأر ممن اعتدى عليها في شخصه أو في أهله وعشيرته. لهذا يضطر الأفراد والجماعات لترضيتها بالهدايا والقرابين، فيذبحون المعز والضأن والديكة والخنازير التي يغسل القاتل بدمها أقذار خطيئته. وأحياناً يحاربون هذه الأرواح ويطاردونها بمختلف الوسائل ويهجرون القرى والمساكن من جرائها. وكم من قرية كانت آهلة بالسكان صباحاً، ثم قتل فيها قتيل ظهراً فأضحت في المساء خراباً يباباً! وقد يمثل بالمقتول أشنع تمثيل لتبقى روحه كامنة في جسمه وعاجزة عن الثأر له
فالإغريق الأول كانوا يعتقدون أن روح القتيل تتأجج غيظاً ممن اعتدى عليها وتتابعه في حقله ومسكنه ولا ينجيه منها إلا فراره خارج الديار عاماً كاملاً يرجى فيه أن تهدأ هذه الروح من ثورتها. وإذا عاد إلى وطنه سارع إلى التقديم الضحايا والقرابين تكفيراً عن أثمه. وقاتل هذا شأنه يعد شراً يتقي وخطراً تخشاه الجمعية لما يحيط به من أرواح ثائرة قد تؤذي كل من حام حوله، فكان طبيعياً أن تحكم القبيلة على القاتل بمفارقة البلاد الزمن اللازم لتكفير خطيئته وإرضاء الروح التي جنى عليها والصينيون كانوا ولا يزالون يؤمنون ببقاء الأرواح وقدرتها على مكافأة المحسنين والانتقام من المسيئين؛ فهي تتدخل من غير انقطاع في عالم الأحياء وتتصرف فيه تمام التصرف. نعم إن هناك فرقاً بين الأشخاص والأرواح، بين الأحياء والأموات، بيد أن هذا الفرق طفيف والمسافة بين هذه الأطراف قصيرة للغاية. وما الديانة الصينية إلا مجموعة أفكار تدور حول الأرواح وما يتصل بها. وقوم يذعنون للأرواح هذا الإذعان لا يجرئون على الاعتداء عليها ويقدسون
стр. 9549
الحياة الإنسانية تمام التقديس ويعتقد سكان أفريقية الوسطى أن القاتل إذا قاسم قوماً في طعامهم أو بات في كوخهم أحل بهم غضب الله وربما كان سبباً في هلاكهم، اللهم إلا إن تداركهم القسس والكهنة بأدعيتهم وتضرعاتهم، ويزعم بعض القبائل الهندية أن الرجل إذا قتل عدوه لا يسلم من شر روحه إلا أن أراق دم خنزير أو جدي صغير، ومع أن البانتو يعدون الفوز في المعارك الحربية مفخرة عظيمة وشرفاً لا يعدله شرف فأنهم يخشون أرواح القتلى خشية تصل بهم أحياناً إلى الجنون والصرع. ولدرء هذا الخطر يبقى المحارب الظافر في العاصمة بضعة أيام لابساً خرقاً بالية آكلاً في أواني وبملاعق خاصة، وحرام عليه أن يشرب الماء وان يقرب النساء وأن يتناول أي طعام دافئ. وإذا قتل أحد سكان الكونغو قتيلاً حمل على رأسه بعض أرياش الببغاء وغطى جبهته بلون أحمر، وكأنما يريد ذلك أن يستتر عن أعين الروح التي تطارده. وفي غانا الجديدة تسارع القبيلة المحاربة بعد إنجازها هجوماً أو معركة ما بالعودة إلى مساكنها أو إلى قرية محالفة قبل أن يدخل الليل الذي تهيج فيه الأرواح وتتشبث بالقتلة والمحاربين. وفي مقدور الروح أن تتعرف من اعتدى عليها بما لصق بجسمه من دم القتيل أو أي أثر من آثاره. لذلك يطهر المحارب جسمه وحريته بعد أن يتم مهمته، وإذا وصل إلى قريته حيل بينه وبين أهله وذويه وبقى منعزلاً فترة من الزمن، وفي اليوم الثالث من وصوله يحتفل به أصدقاؤه احتفالاً مناسباً، وفي اليوم الرابع يلبس أجمل ثيابه وعدة حربه ويخرج شاكي السلاح مخترقاً شوارع القرية؛ وعله يرمي بهذا إلى استرداد قوته وشجاعته. وإذا شكا أحد أبناء القرية ألماً في معدته ظن أن ذلك راجع إلى أنه جلس في مكان شغله محارب من قبل؛ وإذا أصيب بأذى في أسنانه عزا هذا إلى أنه أكل فاكهة لمسها محارب
وأرواح الآباء والأقارب القتلى بوجه خاص شديدة الهول وعظيمة الخطر، لأنها تجد وسائل كثيرة للثأر لنفسها وأعرف بدخائل القاتل من الأرواح الأخرى. وقد يكون في هذا ما يفسر قسوة الجمهور إلى اليوم على قاتل أبيه أو أمه أو أخيه. والقوانين الجنائية نفسها مشربة بهذا المعنى في مختلف الأمم والشرائع، ولأبناء القرية الواحدة من الجلال والحرمة ما للأهل والأقارب، فلئن استساغ همجي إزهاق روح أجنبية لا يستطيع أن يخفي ذعره من اعتدائه على روح جاره ومواطنه. فسكان الكونغو مثلاً لا يرون غضاضة عليهم في
стр. 9550
العدوان على القرى المجاورة في حين أن عدوانهم على أبناء قبيلتهم وقريتهم يملؤهم خوفاً ورعباً، ولا يتردد القاتل في أن يلبس السواد على من قتله ويحزن عليه حزناً شديداً كأنه أحد أقاربه أو أصدقائه ولا يشرب ولا يأكل ويبكي بكاء مراً
وليس خطر الأرواح والأشباح بمقصور على الأفراد وحدهم بل يتعداهم إلى الجمعية بأسرها، لأن الأرواح الثائرة ربما تعدو على من صادفها دون أن تميز الجاني من غيره. لذلك تضطر الجمعية إلى تهدئة ثورة هذه الأرواح بشتى الوسائل أو إلى محاربتها والفرار منها. ومن الأمثلة على ذلك أن أهل برمانيا يزعمون أن أرواح القتلى لا تصعد إلى عالم السعادة ولا تنزل إلى عالم الشقاء، وإنما تبقى دائماً حائرة في الأرض تفزع من تلقى، ولترضية هذه الأرواح تقدم لها في الغابات المجاورة قرابين من الأرز مصحوبة بالأدعية الآتية: (أرواح من سقطوا من شجرة، أو من ماتوا جوعا وعطشاً، أو من أكلهم النمر والثعبان، أو من عدا عليهم الإنسان، أو من أهلكهم الطاعون والجرب، لا تسيئوا معاملتنا، ولا تؤذونا ولا تثوروا علينا، امكثوا هنا في هذه الغابة حيث الأرز اللازم لطعامكم) وقد لا تقف الجمعية عند القرابين والهدايا للتكفير عن خطيئة القتل وتهدئة الأرواح المضطربة، بل تعمل على مطاردة هذه الأرواح بطرق أخرى. فهنود أمريكا الشمالية إذا عادوا من معركة صاحوا صيحات عالية وأحدثوا جلبة وضوضاء يراد بها منع الأرواح من أن تدخل قراهم، ومن الغريب أنا نجد نفس هذه التقاليد لدى سكان غانا الجديدة الهولندية والألمانية، وفي استراليا. ويقطع جماعة الإسكيمو المقيمون في مضيق بيرنج عضلات ذراع وجنب القتيل ليحول ذلك دون سيره إن عادت روحه إلى جسمه طلباً للثأر. وفي أفريقية الجنوبية يهشم العمود الفقري تهشيماً منعاً للقتيل من الحركة. وتملأ طائفة أخرى عين القتيل بالفلفل كي تضل روحه السبيل
فخرافة الأرواح والأشباح ملأت الناس أفراداً وجماعات ذعراً وهولاً، ودفعتهم إلى احترام الحياة الإنسانية وتقديسها. وما القوانين الجنائية المنظمة؛ والمحاكم القائمة بين الناس بالعدل والإنصاف إلا أثر صالح من آثار هذه الخرافة. خشي الفرد القاتل الأرواح وعدوانها فلم يسرف في القتل حباً لذاته وتعلقاً بشخصه، ورأت الجماعة في هذه الأرواح خطراً يهدد كيانها فأنزلت بالقتلة صارم العقاب، وسنت ما سنت من حدود تروع الجناة وسفاكي الدماء،
стр. 9551
وبذا أضحت الحياة الإنسانية محفوظة بعاملين: داخلي وخارجي، فردي وجمعي، ومحمية بسلاح الأخلاق والقانون
يجهد الفقهاء والمشرعون أنفسهم اليوم في مناقشة النظرية القائلة بأن الحدود جوابر أو زواجر. ويختلف علماء القانون الجنائي في أثر العقوبة: فطائفة تقول إن الغرض منها إصلاح المجرم، وأخرى ترى فيها القصاص الملائم للمجني عليه، وثالثة تعدها ترضية لازمة لعاطفة الجمهور الثائرة والمعتدى عليها. وما هذه الآراء المتباينة والنظريات المختلفة إلا منطق مهذب ندخله في تقاليد القبائل الهمجية وتعليل منمق نصبغ به خرافات الشعوب الأولى. وهكذا تسير الإنسانية من الخيال إلى الحقيقة، ومن بحر الخرافة العميق إلى صخور العقل الثابتة، ومن الخارق للعادة إلى الطبيعي، ومن المسلم به إلى المنطقي
إبراهيم بيومي مدكور
دكتور في الآداب والفلسفة
стр. 9552
الشعر
في صدر الإسلام وعهد بني أمية
بقلم أحمد حسن الزيات
ظهر الإسلام وقد تحكم في حياة العرب جاهلية قاسية وعقلية جافية وعصبية مفرقة، فكان الشعر مظهر هذه الصفات وباعثها؛ فلما أعلن الرسول الحرب على هذه الأخلاق تمهيداً لألفة القلوب ووحدة العرب، كان من الطبيعي أن ينغض رأسه إليه، وألا يشجع الناس عليه، ففي القرآن: (والشعراء يتَّبعهم الغاوُون. وما علمناه الشعر وما ينبغي له)، وفي الحديث: (لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً حتى يريه خير له من أن يمتلئ فمه شعراً). فازور جانب المسلمين عن قرض الشعر وروايته، على علمهم بأن الدين لم يكرهه على إطلاقه، وإنما كره منه ذلك النوع الذي يمزق الشمل ويثير دفائن القلوب. ثم شغل العرب جميعاً بالدعوة العظمى، فمن مؤيد ومن معارض، واشتدت الخصومة بين الرسول وبين قريش، فجردوا عليه الأسنة والألسنة، ولكن شعراء العرب وقفوا موقف الحياد والتربص ينتظرون نتيجة المعركة بين التوحيد والوثنية، وبين الديمقراطية والأرستقراطية، وبين محمد وقريش. فلم يغامر في الخصومة إلا الشعراء القرشيون وقد كانوا قلالاً قبل الإسلام لشواغل الحضارة والتجارة، فصاروا كثاراً بعده لدواعي النزاع والمعارضة. بدأ هذه الحملة منهم عبد الله بن الزبعري وعمرو بن العاص وأبو سفيان، فآذوا الرسول وأتباعه بقوارص الهجاء، فهاج ذلك من شاعرية المسلمين وودوا لو يأذن لهم الرسول بمجالستهم، فما هو إلا أن قال لهم: (ماذا يمنع الذين نصروا الله ورسوله بأسلحتهم أن ينصروه بألسنتهم؟) حتى صمد للقرشيين نفر من الصحابة، فيهم حسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة، وشبهوها حرباً كلامية جاهلية لم يهاجم المهاجمون فيها بفضائل الوثنية، ولم يدافع المدافعون بفضائل الإسلام، حتى نقول إن الشعر قد خطأ في مذاهب الفن خطوة جديدة، بل كانوا يتهاجون على النمط المعروف من الفخر بالأنساب والتبجح بالسؤدد؛ يدل على ذلك قول الرسول لحسان: (أذهب إلى أبي بكر فهو أعلم بمثالب القوم)، وقوله: (كيف تهجو قريشاً وأنا منها؟) فقال: أسلك كما أسل الشعرة من العجين
فليس من شك في أن الشعر ظل على عهد الرسول جاهلياً. وخضعت قريش وسائر العرب
стр. 9553
للدين الجديد بعد لأي، فخرست الألسنة اللاذعة، وفر الشعر الجاهلي ثانية إلى البادية، وانصرف المسلمون إلى حفظ القرآن ورواية الحديث وجهاد الشرك، فخفت صوت الشعر لقلة الدواعي إليه، فما كان يظهر إلا الحين بعد الحين في صادق المدح والرثاء؛ وتساهل الرسول في سماعه حتى أثاب عليه، وحتى قال فيه: (إن من الشعر لحكمة)
تلك كانت حالة الشعر في عهد النبوة، وأما حاله بعدها فأقل شأناً وأحط مكانة لذهاب المعارضة ولشدة الخلفاء في تأديب الشعراء، وانصراف هم العرب إلى الفتوح؛ ولكن الدين قد بدأ يفعل في النفوس، ومظاهر الحضارة قد أخذت تؤثر في الأذهان، فظهر أثر ذلك ضئيلاً في شعر المخضرمين ككعب بن زهير والحطيئة ومعن بن أوس والنابغة الجعدي، ولكنه أثر لا يتعدى بعض الألفاظ الإسلامية كالمعروف والمنكر والصلاة والزكاة والجنة والنار والمهاجرين والأنصار. ولذلك نرى من المبالغة جعل المخضرمين طبقة ممتازة، فان شعرهم استمرار للمذهب الجاهلي لم يتأثر بالإسلام إلا تأثراً عرضياً كضعف الأسلوب في شعر حسان، أو قلة الإنتاج في قريحة لبيد، أو كثرته في الحطيئة والنابغة الجعدي مثلاً؛ والأشبه بالحق أن نقرر ما أشرنا إليه من قبل، وهو أن الشعر العربي ظل في الجاهلية والإسلام واحداً في مظهره وجوهرة ونوعه حتى أواخر عهد بني أمية؛ والتأثير الذي ناله من الموالي والسياسة والحضارة والدين لم يعطفه إلى طرق جديدة، وإنما وسع في معانيه ومناحيه، فقوى بعض أغراضه كالهجاء، وميز بعضاً أخر كالغزل وهل يمكن التجديد في الشعر وجل الشعراء إنما يأتون من البادية، والخلفاء يتعصبون للبادية، والرواة والأدباء واللغويون يطلبون اللغة والشعر في البادية، والعرب بطبيعتهم يميلون إلى التقليد ويجلون القديم المأثور من سؤدد وخلق وأدب؟ فليس من سبيلنا أن نتكلف البحث العقيم في القرن الأول عن مذهب شعري جديد يصبح أن يكون أساساً لأدب عربي جديد، فأن مذهب عمر بن أبي ربيعة في الغزل لا يختلف عن مذهب امرئ القيس إلا في المعاني الحضرية؛ ومذهب جرير والفرزدق في الهجاء لا يختلف عن مذهب الحطيئة والشماخ إلا في المعاني الأساسية، فلنقصر الجهد على تحليل نهضة الشعر في العراق والحجاز على عهد بين أمية وبيان خطرها وأثرها في الإنتاج العقلي للعرب
كانت القحطانية والعدنانية، والعلوية والبكرية، والهاشمية والأموية، والعروبة والشعوبية،
стр. 9554
تضطرم في نفوس المسلمين اضطرام البركان قبيل أن يثور، ولكنها كانت تضعف حيناً وتشد حيناً تبعاً لسياسة القائم بالأمر ونظام حكمه؛ فالقبائل كانت تنزل منزلها في البلاد على هذه الفكرة، والبصرة والكوفة تخططان على هذه الفكرة، والخلاف ينجم في فارس والشام والعراق والأندلس من هذه الفكرة، وكلها تدور على الزعامة والإمامة؛ فمن كان سيداً في الجاهلية أن يكون سيداً في الإسلام، كأن العرب لم يفهموا من الدين الجديد إلا أنه طريق إلى السلطان وسبيل إلى الغلبة والثروة والحكم ليس غير. ولعلك تذكر أن بعضاً من شيوخ القبائل كقيس بن عاصم والأحنف بن قيس كانوا يعرضون على الرسول أن يدخلوا في دين الله لا على أنه دين الحق، بل ليكون لهم من بعده
ظلت هذه الروح العصبية مكبوتة في عهد الشيخين لأخذهما الأمور بالحزم والعدل، ولانصراف العرب إلى المغنم من طريق الجهاد والفتح، فلما ولي الأمر عثمان وهنت اليد المصرفة فسندتها يد أخرى، وتشتت الرأي فلم يصدر عن الخليفة وحده، وحكم إله الناس بعصبيتهم الأموية لا بقوميتهم العربية؛ وكان المسلمون يومئذ قد أفاءت عليهم الفتوح والغنائم بالثراء إلى حد البطر، فاستيقظت الفتنة وقامت الثورة وانتهت بمقتل عثمان، وتجددت الخصومة على أثر ذلك بين علي ومعاوية، وقتل الإمام فتحرج الأمر وانشقت العصا، وانصرف العرب إلى جهاد العدو عن جهاد أنفسهم باللسان والسيف، وتفرقوا أحزاباً وشيعاً بعضها للدين وبعضها للدنيا. ففي الشام حزب يشايع بني أمية، يريض لهم الأمر، ويمكنهم في الملك. وفي الحجاز حزب يناصر أبن الزبير، يؤيده في دعواه وينصره في دعوته؛ وفي العراق حزب يشايع أهل البيت ويطلب لهم بحقهم في الخلافة؛ وهنالك حزب ديمقراطي ينكر الأحزاب ويكفر الزعماء ويقول بالشورى في الخلافة. وفي هذه الأحزاب الأربعة توزعت أهواء المسلمين وآراؤهم إلا طائفة قليلة لزمت الحياد وأرجأت الحكم بين المختلفين إلى قضاء الله يوم الدين، وهم المرجئة؛ واتصلت بين الأحزاب الخصومة، وأعنف فيها الخصوم، ولكن معاوية بعد أن تم له الأمر كان يصانع معارضيه بالدهاء والعطاء والإغضاء والحزم حتى أستوثق له الأمر طيلة حياته إلا من جهة الخوارج، فلما مات أفاق خصومه من خدر سياسته فزعزعوا عرشه، حتى إذا وهي أدركه مروان وبنوه فسنده واقتعدوه. وفي زمن عبد الملك أشتد المعارضة واستعرت الحروب، وكثر المطالبون
стр. 9555
بالخلافة، وأنبسط سلطان العرب، وزخرت موارد الفيء، وأكتمل شباب الجيل الذي نشأ في الإسلام واغتذى بثمرة الفتوح واستمتع بجمال الحضارة وأختلط بأنماط شتى من الناس وساهم بيده ولسانه في هذه الفتن، فبلغ الأدب العربي غاية ما قدر له أن يبلغ. فهل يمكن أن يظل الشعر بنجوة عن هذه الحياة الصاخبة، والعصبية الغالبة، والأحزاب المتحاربة، والأهواء المتضاربة، والشعر العربي ربيب الخصومة والجدل، تبعثه الحزبية ويقويه الهراش وتوحيه شيطان الفرقة؟ الواقع أنه كان وقود هذه الفتن ولسان هذه الأحزاب، يصطنعونه كما نصطنع نحن الصحف اليوم، فيناضل عن زعمائه، ويدافع عن آرائهم، ويصطبغ بصبغة العقيدة التي يدعو إليها وينافح عنها. وإذا علمت أن العرب جميعاً ساهموا في هذه الخصومات، وأن أكثرهم يقول الشعر وخصوصاً في هذه الأزمات، وأن الأمويين استمالوا بالمال هوى الشعراء، وأوقدوا بينهم نار التنافس والهجاء وأن الشعر أصبح صناعة متميزة يعيش عليها بعض الناس، أدركت سبب وفرة الشعر وكثرة الشعراء في عصر عبد الملك، إذ بلغ عدد الفحول المائة. وليس من شك في أن الشعر وأن حافظ على طريقته وطبيعته قد تأثر بهذه الحياة الجديدة تأثراً ظاهراً في معانيه وأغراضه؛ ولكن هذه الحياة لم تكن كلها نزاعاً سياسياً وجدالاً دينياً حتى يقف تأثيره عند هذا الحد، وإنما كان لها مظاهر أخرى يحسن أن نشير إليها قبل أن ندل على أثارها في الشعر
كان من الطبيعي تختلف مظاهر هذه الحياة في العواصم العربية لاختلاف الأحوال السياسية والاجتماعية فيها. فالعراق كان منذ القدم منتجع الخواطر العربية لخصبه ونمائه، ووفرة ظله ومائه؛ وقد لاذ العرب قبل الإسلام بأطرافه وأريافه واللسان واليد فيه للفرس، فأنشئوا إمارة المناذرة؛ فلما فتحوه في عهد عمر نزحوا إليه وأنشئوا على حدود البادية البصرة والكوفة. وكان في العراق ميراث وفر من العلم والأدب والدين خلفته الأمم الغابرة، ولم يؤت العراق ما أوتيت مصر من قوة الهضم والتمثيل حتى يحيل سكانه إلى جنسية واحدة وعقلية واحدة، فانطبعت الأهواء فيه على الفرقة، والنفوس على التنافر؛ وأتى إليه العرب بالعصبية اليمينية والنزارية، ووقعت فيه الأحداث الإسلامية الجلى كوقعة الجمل ومصرع الأئمة والقادة، وما نجم عن ذلك من قيام الشيعة والخوارج، واشتداد المعارضة لبني أمية، واستحكام الخلاف بين البصريين والكوفيين في السياسة والدين والعلم، فكانت البصرة
стр. 9556
عثمانية، والكوفة بعد استقرار الإمام بها علوية، والجزيرة الفراتية إما نصرانية وإما خارجية، لأنها مسكن ربيعة، وهم كما قال الأصمعي رأس كل فتنة؛ ومن ربيعة بنو تغلب الذين قال فيهم الإمام علي: (يا خنازير العرب والله لئن صار هذا الأمر إلي لأضعن عليكم الجزية). فكان الشعر العراقي صورة لهذه الحياة الثائرة المتنافرة؛ فهو قوي عنيف يكثر فيه الهجاء والفخر، وتتلون فيه العصبية القبلية ألواناً شتى من التحزب للمكان والعقيدة والجنس، وتتغلب فيه النزعات الجاهلية على التعاليم الإسلامية، وتغذيه نفحات بدوية وصلات أموية، فيزدهر وينتشر حتى يشغل كل لسان ويحتل كل مكان ويعبر عن كل مبدأ
والحجاز منبع الإسلام كان أشبه بينابيع النهر: يفيض منه الماء الصافي في سكون ورفق، حتى إذا بعد مجراه اعترضته الشلالات وتقسمته التيارات فتكدر نميره واشتد هديره، وتوزعته الجداول والأقنية، فبعضه في سباخ الأرض، وبعضه في الرياض، فروى بعضاً وأغرق بعضاً. انتقلت منه الخلافة والمعارضة والعلم إلى العراق والشام، وبقى هو كما كان وكما هو الآن يقبل المال والمعونة من كل قطر، واقتضت سياسة الأمويين أن يعتقلوا فيه شباب الهاشميين فلا يتركونه إلا بإذن، وسلطوا عليهم الترف، وشغلوهم بالمال عن الملك، وخلوا بينهم وبين الفراغ، وقد ورثوا مع ذلك عن آبائهم المجاهدين مغانم الفتح من أموال ورقيق، وفي أهل الحجاز ملاحة ظرف ووداعة نفس ولطافة حس وفصاحة لسان ومحبة لهو، فتبسطوا على النعيم وعكفوا على اللذة، وقطعوا أيامهم بالمنادرة والمنادمة، وذهبوا في حياة المجون كل مذهب؛ ووصل الحج بينهم وبين الحسان والقيان، واستهوت هذه الحال المغنين فوفدوا إلى مكة والمدينة من أقطار الدولة حتى اجتمع منهم في وقت واحد كما يقول أبو الفرج: (ابن سريج، والغريض، ومعبد، وحنين، وابن محرز، وجميلة، وهيت، وطويس، والدلال، وبرد الفؤاد، ونومة الضحى، ورحمة، وهبة الله، ومالك، وابن عائشة، وابن طنبورة، وعزة الميلاء، وحبابة، وسلامة، وبلبلة، ولذة العيش، وسعيدة، والزرقاء، وابن مسجح) وحتى غلب الغناء على أعمال الناس وميولهم؛ فقد حدث الإمام مالك عن نفسه قال: (نشأت وأنا غلام أتتبع المغنين وآخذ عنهم، فقالت لي أمي: يا بني إن المغنى إذا كان قبيح الوجه لا يلتفت إلى غنائه، فدع الغناء وأطلب الفقه فانه لا يضر معه قبح الوجه؛ فتركت المغنين وأتبعت الفقهاء فبلغ الله بي ما ترى). من ذلك شاع الحب في
стр. 9557
مدن الحجاز ورقت عواطف بنيه، فسلكوا في الشعر مسالك الغزل الحضري الرقيق الصادق، حتى كاد هذا الفن لافتنانهم فيه يبتدئ بهم وينتهي إليهم
وأما الشام فكان بنجوة من الثورات النفسية والأزمات السياسية لخضوعه لبني أمية وإخلاصه لهم وانصرافه إلى تأييدهم، فلا هو مضطرم العواطف كالحجاز، ولا هو مضطرب الأهواء كالعراق، وقد أمن الخلفاء جانبه فتركوه لشأنه دون أن يثيروا عصبية لخلاف، أو يهجوا طماعيته لمغنم، فبقى الشعر من جراء ذلك راكداً في نفوس أهله لا يبعثه باعث، ولا يتوافر على دراسته وروايته باحث؛ وأكثر ما كان فيه من ذلك إنما كان يفد إليه من العراق والحجاز مع الشعراء الذين يجذبهم سخاء القصر أو دهاؤه، والأدباء الذين يطلبهم الخلفاء من البصرة كلما أعضلتهم مسألة في اللغة والنحو والأدب
(يتبع)
الزيات
стр. 9558
إلى الدكتور طه حسين
نزيل حمص
للأستاذ محمد روحي فيصل
هو العبد الحبشي الماكر، ومولى السيد جبير بن مطعم، (وحشي). نزل حمص واستقر بها فيمن نزلها من المسلمين الفاتحين في صدر الإسلام، واتخذوها لهم مقاماً ومستقراً، وكان وحشي في الجاهلية، فتى شجاع رقيقاً يخضع على كره منه لما يخضع إليه الرق من ضعة الذل والعبودية، فلما كانت غزوة أحد وقامت الحرب التي لابد منها بين النبي وخصومه، صاح به مولاه جبير وقال:
- هذا العداء دائر بيننا وبين محمد، وأنت باسل طموح، فلئن قتلت حمزة عبد المطلب عم النبي وثأرت لي منه، فأنت حر طليق
- سمعاً وطاعة يا مولاي
وتشب النار، ويضطرب الناس، وتتساقط القتلى من الفريقين، ووحشي الماكر كامن أثناء المعركة وراء شجرة يستتر بها عن الأعين ويرقب الفرصة السانحة، فلما رأى أسد الله حمزة يجول في الميدان ويصول على جواده، رماه بحربة من هذه الحربات القاتلة التي لا تخطئ موضع الخطر في الإنسان، ولا تحيد عما قصد بها من غاية. .!!
وينطلق العبد إلى مولاه جذلان مرحاً، ويظفر بحريته الحبيبة، (ولكنه لم يعد إلى بلده، وكيف سبيل العودة إليها؟ ولم يسد في مكة، وكيف السبيل إلى السيادة فيها؟ إنما عاش بين قريش حراً كالعبد وطليقاً كالأسير)
ثم ينتشر الإسلام، وتنهار الوثنية، ويدخل المسلمون الظافرون مكة الكافرة، فتضيق الدنيا على رحبها بالعبد القاتل، ويفكر كثيراً في نجاته، فيفزع آخر الأمر مضطراً إلى الإسلام، ويقصد خائفاً وجه النبي، ولكن النبي لم يقتل قط رجلاً جاءه مسلماً. ويحزن النبي ﵇ حين رآه، ويسترجع بالذكرى والخيال عمل وحشي المنكر الماضي، فيقول له: غيب وجهك عني! فخضع التائب للأمر الواقع، وندم على ما فعل (وعاش وحشي في المدينة حراً كالعبد؛ وطليقاً كالأسير، وجعل الندم يحز في قلبه حزاً، ويمزق فؤاده تمزيقاً، يؤرقه إذا دنا الليل، ويعذبه إذا أقبل النهار!)
стр. 9559
ويلهو العبد النادم بالجهاد، ويشترك في حروب الردة، فيبلو فيها البلاء الجميل، ويقتل مسيلمة الكذاب، ثم يمعن في جهاده ويغزو مع من غزا بلاد الروم، فينزل حمص ويستقر بها فيمن نزلها من المسلمين الفاتحين، واتخذوها لهم مقاماً ومستقراً؛ ولكن الندم على هذا الجهاد المتصل لا يزال قوياً واضحاً يفعل أفاعيله في نفس وحشي المسلم، يقلق عليه مضجعه، ويشغله عن كل شيء، ويعذبه عذاباً أليماً
ويمضي على عادته أديب العربية الكبير الدكتور طه حسين في تحليل النفس النادمة، ووصف ما تعاني من الآلام، فإذا وحشي (يستعين على الندم بالخمر، وإذا هو يشرب ويسرف في الشرب، وإذا هو يضرب في الشراب فلا يمنعه الحد من معاودة الشراب، وإذا هو المعروف في أهل حمص بما قدم من خير وشر، وإذا هو معروف في أهل حمص بسكره إذا سكر، وبصحوه إذا صحا، وإذا هو يسكر حتى يصبح مخوفاً على من يدنو منه، ويصحو حتى يصبح عاقلاً حلو الحديث. والندم يلح عليه حتى يبغضه إلى نفسه تبغيضاً، ويصرفه عن الصحو صرفاً، وكلما مضت عليه الأيام ازداد إمعاناً في الشراب، والسن تتقدم به، وجسمه يضعف شيئاً فشيئاً، وعقله يذهب قليلاً قليلاً، والندم ماثل مع ذلك في نفسه، ملم بداره، يأخذه من كل وجه، وهو لا يجد سبيلاً إلى الفرار منه إلا إلى الشراب، وهو يضرب في الشراب، وقد ضعف وفني، فلا يحتمل الضرب فيموت
وقفت خاشعاً بالأمس على قبر وحشي المجاهد السكير، وهو قبر متواضع متهدم لا يزال قائماً في شرق حمص يزوره الناس كل يوم، أسترجع الجهاد العظيم الذي أبلاه صاحبه، وأتمثل مصرع حمزة (خير الناس) ومسيلمة (شر الناس) على يده، وأسأله هل شرب فأسرف في الشرب؟ وضرب على ذلك فلم يمتنع عن السكر؟ وهل كان حقاً لا يجد سبيلاً إلى الفرار من الندم إلا إلى الشراب، وهل ختم حياته الصالحة بهذا الشر المنكر؟ وما عهدتني قط في حياتي أقف على الأرماس البالية المتداعية، أخشع حيالها وأسكن إلى صمتها وأستنطقها تاريخ أصحابها كما يسجله الدهر، وتمليه الحقيقة، ويقتضيه المنطق، وخرس القبر الأبكم الأصم فلم يجب السائل ولم يتحدث إلى الواقف، ولكن معناً واضحاً أشرق على قلبي وتمدد في نفسي، يقول أن وحشي المجاهد قد ظلم ظلماً كبيراً، ونسب إليه ما هو منه براء، ولم يكن كما وصف مدمناً يفزع الخمر ليقتل ندمه الماثل وينسى ألمه
стр. 9560
الرازح
ورجعت إلى الكتب أستنطقها هي الأخرى عن حياة وحشي، فإذا بها تتحدث إلي عن كل شيء، وتقص لي ما تعرف في هدوء المنطق وجمال الحقيقة، ولكنها تنكر هذا الشرب المتصل الذي ختم به وحشي حياته وضرب من أجله مرات، والإسلام يمحو ما قبله، فكيف اشتد الندم بالصحابي هذا الاشتداد، حتى لجأ إلى الخمر يعاقرها ويلهو بها، وهو يعلم أن الله قد رضى عنه وغفر له حين دخل في الإسلام؟
أن الكاتب الأديب الروائي غير مطالب بالدقة التاريخية، ولا هو مسؤول حين يعمم القول ويرسله إرسالاً، مادام قوله لا يناقض وجه التاريخ ولا يهدم ظاهر الرواية؛ ولكنه مطالب مسؤول حين يقرر شيئاً يخالف المأثور الواقع أو لا يقره التاريخ عليه ولا يؤيده الحق فيه
وما أرى إلا أن عظام الصحابي الجليل قد اهتزت في قبره، وضج الحمصيون لما نسب إلى نزيلهم الكريم. ونحن خبيرون بثقافة الدكتور الواسعة العميقة، وشدة تحريه في كتب التاريخ الإسلامي، واستقامة منطقه ونظرته، فهل يدلنا الدكتور أو تحيلنا (الرسالة) على مصدر الرواية التي يصورها الأديب المثقف فيحسن تصويرها ويبدع في سردها، والتي لم نعثر عليها فيما بين أيدينا من كتب التاريخ ومراجع البحث؟
(حمص)
محمد روحي فيصل
следующие страницы →