← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 9556–9595 · переход к 9561.

стр. 9556

عثمانية، والكوفة بعد استقرار الإمام بها علوية، والجزيرة الفراتية إما نصرانية وإما خارجية، لأنها مسكن ربيعة، وهم كما قال الأصمعي رأس كل فتنة؛ ومن ربيعة بنو تغلب الذين قال فيهم الإمام علي: (يا خنازير العرب والله لئن صار هذا الأمر إلي لأضعن عليكم الجزية). فكان الشعر العراقي صورة لهذه الحياة الثائرة المتنافرة؛ فهو قوي عنيف يكثر فيه الهجاء والفخر، وتتلون فيه العصبية القبلية ألواناً شتى من التحزب للمكان والعقيدة والجنس، وتتغلب فيه النزعات الجاهلية على التعاليم الإسلامية، وتغذيه نفحات بدوية وصلات أموية، فيزدهر وينتشر حتى يشغل كل لسان ويحتل كل مكان ويعبر عن كل مبدأ والحجاز منبع الإسلام كان أشبه بينابيع النهر: يفيض منه الماء الصافي في سكون ورفق، حتى إذا بعد مجراه اعترضته الشلالات وتقسمته التيارات فتكدر نميره واشتد هديره، وتوزعته الجداول والأقنية، فبعضه في سباخ الأرض، وبعضه في الرياض، فروى بعضاً وأغرق بعضاً. انتقلت منه الخلافة والمعارضة والعلم إلى العراق والشام، وبقى هو كما كان وكما هو الآن يقبل المال والمعونة من كل قطر، واقتضت سياسة الأمويين أن يعتقلوا فيه شباب الهاشميين فلا يتركونه إلا بإذن، وسلطوا عليهم الترف، وشغلوهم بالمال عن الملك، وخلوا بينهم وبين الفراغ، وقد ورثوا مع ذلك عن آبائهم المجاهدين مغانم الفتح من أموال ورقيق، وفي أهل الحجاز ملاحة ظرف ووداعة نفس ولطافة حس وفصاحة لسان ومحبة لهو، فتبسطوا على النعيم وعكفوا على اللذة، وقطعوا أيامهم بالمنادرة والمنادمة، وذهبوا في حياة المجون كل مذهب؛ ووصل الحج بينهم وبين الحسان والقيان، واستهوت هذه الحال المغنين فوفدوا إلى مكة والمدينة من أقطار الدولة حتى اجتمع منهم في وقت واحد كما يقول أبو الفرج: (ابن سريج، والغريض، ومعبد، وحنين، وابن محرز، وجميلة، وهيت، وطويس، والدلال، وبرد الفؤاد، ونومة الضحى، ورحمة، وهبة الله، ومالك، وابن عائشة، وابن طنبورة، وعزة الميلاء، وحبابة، وسلامة، وبلبلة، ولذة العيش، وسعيدة، والزرقاء، وابن مسجح) وحتى غلب الغناء على أعمال الناس وميولهم؛ فقد حدث الإمام مالك عن نفسه قال: (نشأت وأنا غلام أتتبع المغنين وآخذ عنهم، فقالت لي أمي: يا بني إن المغنى إذا كان قبيح الوجه لا يلتفت إلى غنائه، فدع الغناء وأطلب الفقه فانه لا يضر معه قبح الوجه؛ فتركت المغنين وأتبعت الفقهاء فبلغ الله بي ما ترى). من ذلك شاع الحب في

стр. 9557

مدن الحجاز ورقت عواطف بنيه، فسلكوا في الشعر مسالك الغزل الحضري الرقيق الصادق، حتى كاد هذا الفن لافتنانهم فيه يبتدئ بهم وينتهي إليهم وأما الشام فكان بنجوة من الثورات النفسية والأزمات السياسية لخضوعه لبني أمية وإخلاصه لهم وانصرافه إلى تأييدهم، فلا هو مضطرم العواطف كالحجاز، ولا هو مضطرب الأهواء كالعراق، وقد أمن الخلفاء جانبه فتركوه لشأنه دون أن يثيروا عصبية لخلاف، أو يهجوا طماعيته لمغنم، فبقى الشعر من جراء ذلك راكداً في نفوس أهله لا يبعثه باعث، ولا يتوافر على دراسته وروايته باحث؛ وأكثر ما كان فيه من ذلك إنما كان يفد إليه من العراق والحجاز مع الشعراء الذين يجذبهم سخاء القصر أو دهاؤه، والأدباء الذين يطلبهم الخلفاء من البصرة كلما أعضلتهم مسألة في اللغة والنحو والأدب (يتبع) الزيات

стр. 9558

إلى الدكتور طه حسين نزيل حمص للأستاذ محمد روحي فيصل هو العبد الحبشي الماكر، ومولى السيد جبير بن مطعم، (وحشي). نزل حمص واستقر بها فيمن نزلها من المسلمين الفاتحين في صدر الإسلام، واتخذوها لهم مقاماً ومستقراً، وكان وحشي في الجاهلية، فتى شجاع رقيقاً يخضع على كره منه لما يخضع إليه الرق من ضعة الذل والعبودية، فلما كانت غزوة أحد وقامت الحرب التي لابد منها بين النبي وخصومه، صاح به مولاه جبير وقال: - هذا العداء دائر بيننا وبين محمد، وأنت باسل طموح، فلئن قتلت حمزة عبد المطلب عم النبي وثأرت لي منه، فأنت حر طليق - سمعاً وطاعة يا مولاي وتشب النار، ويضطرب الناس، وتتساقط القتلى من الفريقين، ووحشي الماكر كامن أثناء المعركة وراء شجرة يستتر بها عن الأعين ويرقب الفرصة السانحة، فلما رأى أسد الله حمزة يجول في الميدان ويصول على جواده، رماه بحربة من هذه الحربات القاتلة التي لا تخطئ موضع الخطر في الإنسان، ولا تحيد عما قصد بها من غاية. .!! وينطلق العبد إلى مولاه جذلان مرحاً، ويظفر بحريته الحبيبة، (ولكنه لم يعد إلى بلده، وكيف سبيل العودة إليها؟ ولم يسد في مكة، وكيف السبيل إلى السيادة فيها؟ إنما عاش بين قريش حراً كالعبد وطليقاً كالأسير) ثم ينتشر الإسلام، وتنهار الوثنية، ويدخل المسلمون الظافرون مكة الكافرة، فتضيق الدنيا على رحبها بالعبد القاتل، ويفكر كثيراً في نجاته، فيفزع آخر الأمر مضطراً إلى الإسلام، ويقصد خائفاً وجه النبي، ولكن النبي لم يقتل قط رجلاً جاءه مسلماً. ويحزن النبي ﵇ حين رآه، ويسترجع بالذكرى والخيال عمل وحشي المنكر الماضي، فيقول له: غيب وجهك عني! فخضع التائب للأمر الواقع، وندم على ما فعل (وعاش وحشي في المدينة حراً كالعبد؛ وطليقاً كالأسير، وجعل الندم يحز في قلبه حزاً، ويمزق فؤاده تمزيقاً، يؤرقه إذا دنا الليل، ويعذبه إذا أقبل النهار!)

стр. 9559

ويلهو العبد النادم بالجهاد، ويشترك في حروب الردة، فيبلو فيها البلاء الجميل، ويقتل مسيلمة الكذاب، ثم يمعن في جهاده ويغزو مع من غزا بلاد الروم، فينزل حمص ويستقر بها فيمن نزلها من المسلمين الفاتحين، واتخذوها لهم مقاماً ومستقراً؛ ولكن الندم على هذا الجهاد المتصل لا يزال قوياً واضحاً يفعل أفاعيله في نفس وحشي المسلم، يقلق عليه مضجعه، ويشغله عن كل شيء، ويعذبه عذاباً أليماً ويمضي على عادته أديب العربية الكبير الدكتور طه حسين في تحليل النفس النادمة، ووصف ما تعاني من الآلام، فإذا وحشي (يستعين على الندم بالخمر، وإذا هو يشرب ويسرف في الشرب، وإذا هو يضرب في الشراب فلا يمنعه الحد من معاودة الشراب، وإذا هو المعروف في أهل حمص بما قدم من خير وشر، وإذا هو معروف في أهل حمص بسكره إذا سكر، وبصحوه إذا صحا، وإذا هو يسكر حتى يصبح مخوفاً على من يدنو منه، ويصحو حتى يصبح عاقلاً حلو الحديث. والندم يلح عليه حتى يبغضه إلى نفسه تبغيضاً، ويصرفه عن الصحو صرفاً، وكلما مضت عليه الأيام ازداد إمعاناً في الشراب، والسن تتقدم به، وجسمه يضعف شيئاً فشيئاً، وعقله يذهب قليلاً قليلاً، والندم ماثل مع ذلك في نفسه، ملم بداره، يأخذه من كل وجه، وهو لا يجد سبيلاً إلى الفرار منه إلا إلى الشراب، وهو يضرب في الشراب، وقد ضعف وفني، فلا يحتمل الضرب فيموت وقفت خاشعاً بالأمس على قبر وحشي المجاهد السكير، وهو قبر متواضع متهدم لا يزال قائماً في شرق حمص يزوره الناس كل يوم، أسترجع الجهاد العظيم الذي أبلاه صاحبه، وأتمثل مصرع حمزة (خير الناس) ومسيلمة (شر الناس) على يده، وأسأله هل شرب فأسرف في الشرب؟ وضرب على ذلك فلم يمتنع عن السكر؟ وهل كان حقاً لا يجد سبيلاً إلى الفرار من الندم إلا إلى الشراب، وهل ختم حياته الصالحة بهذا الشر المنكر؟ وما عهدتني قط في حياتي أقف على الأرماس البالية المتداعية، أخشع حيالها وأسكن إلى صمتها وأستنطقها تاريخ أصحابها كما يسجله الدهر، وتمليه الحقيقة، ويقتضيه المنطق، وخرس القبر الأبكم الأصم فلم يجب السائل ولم يتحدث إلى الواقف، ولكن معناً واضحاً أشرق على قلبي وتمدد في نفسي، يقول أن وحشي المجاهد قد ظلم ظلماً كبيراً، ونسب إليه ما هو منه براء، ولم يكن كما وصف مدمناً يفزع الخمر ليقتل ندمه الماثل وينسى ألمه

стр. 9560

الرازح ورجعت إلى الكتب أستنطقها هي الأخرى عن حياة وحشي، فإذا بها تتحدث إلي عن كل شيء، وتقص لي ما تعرف في هدوء المنطق وجمال الحقيقة، ولكنها تنكر هذا الشرب المتصل الذي ختم به وحشي حياته وضرب من أجله مرات، والإسلام يمحو ما قبله، فكيف اشتد الندم بالصحابي هذا الاشتداد، حتى لجأ إلى الخمر يعاقرها ويلهو بها، وهو يعلم أن الله قد رضى عنه وغفر له حين دخل في الإسلام؟ أن الكاتب الأديب الروائي غير مطالب بالدقة التاريخية، ولا هو مسؤول حين يعمم القول ويرسله إرسالاً، مادام قوله لا يناقض وجه التاريخ ولا يهدم ظاهر الرواية؛ ولكنه مطالب مسؤول حين يقرر شيئاً يخالف المأثور الواقع أو لا يقره التاريخ عليه ولا يؤيده الحق فيه وما أرى إلا أن عظام الصحابي الجليل قد اهتزت في قبره، وضج الحمصيون لما نسب إلى نزيلهم الكريم. ونحن خبيرون بثقافة الدكتور الواسعة العميقة، وشدة تحريه في كتب التاريخ الإسلامي، واستقامة منطقه ونظرته، فهل يدلنا الدكتور أو تحيلنا (الرسالة) على مصدر الرواية التي يصورها الأديب المثقف فيحسن تصويرها ويبدع في سردها، والتي لم نعثر عليها فيما بين أيدينا من كتب التاريخ ومراجع البحث؟ (حمص) محمد روحي فيصل

стр. 9561

حب الاستعمار والجشع سيقضيان على الحضارة مؤتمر الكتاب في باريس لحفظ الثقافة (الماركسية حلقة من سلسلة الثورات التي قام بها البشر) (كهينو) بقلم ماجد شيخ الأرض احتشد نيف ومائة كاتب أموا باريس من جميع أقطار المعمورة في قاعة (قصر التواليه) وجلس وراءهم حشد عظيم من النظارة أتوا يشاركون الكتاب عواطفهم نحو المدنية التي يبحث عن درء الخطر الذي يتهددها، ويستمعون إلى أقوال كبار الكتاب وآرائهم في المحافظة على مخلفات الثقافة التي ينعم الإنسان بثمارها اليانعة ويحس بشهوتها إذا غمرت فضيلة العلم فؤاده، وتفتحت أمام عينيه بعض أسرار هذا الكون العجيب المغلقة هبت عاصفة من التصفيق الشديد، وعلت أصوات الحضور بالهتافات لسير الثقافة مرفوعة الجبين بالرغم من معارضة الرجعيين عندما انتهى أندره جيد من خطابه الذي أفتتح به المؤتمر وأتى على ذكر غايته وبيان أبحاثه، وكأن الجمهور أحس بالواجب المقدس الذي حدا بفنان مثل جيد إلى الظهور من عزلته التي اعتادها طيلة خمسة وستين عاماً مسافراً يجوب البلدان والأقطار، أو منزويا في بيته يدون آراءه وأفكاره في كتب لا يطبع منها إلا عدداً محدوداً، كأن الجمهور شعر بالخطر المداهم الذي يحتم على كل فرد له ميزة من العقل والإحساس أن ينتبه فيصمد في جملة الصامدين. لم يكتف الجمهور بالهتاف، وما كاد جيد ينتهي من خطابه حتى تقدم إليه رهط من الشباب المثقف بلغ بهم الحماس مبلغه يريدون رفعه على الأيدي لولا أن حال دون بغيتهم الاعتذار وتطبيق النظام المؤتمر، ثم تلبث عاطفة الحماس أن هبت من جديد لكن في هذه المرة كان يعلوها حزن عميق ارتسم على الوجوه عندما قام إلى المنبر عضو المؤتمر الكاتب (اراغون) يؤبن بعبارات رقيقة الكاتب الثوري (رنيه كريفيل) الذي قضى في منتصف الطريق التي يعمل فيها للحرية وإحقاق الحق، وقد دمعت عيون بعض الفتيات إذا أتى الخطيب على فقرات مؤتمر للكاتب الراحل كان انعقاد المؤتمر في مساء اليوم الحادي والعشرين من شهر يونيو الفائت، ودامت

стр. 9562

الجلسات تتري بعضها في النهار وبعضها في المساء حتى الخامس والعشرين، وقد قسمت الأبحاث على عشر جلسات تناوب بعض الأعضاء رياستها، وتعين لكل جلسة مقررين منهم. أما الأبحاث التي تنوقش فيها وجرى إقرار ما يجب عمله بشأنها فهي: تراث الثقافة. موقف الكاتب في المجتمع الإنساني. الشخصية. الإنسانية. الشعب والثقافة. الإبداع عند الكاتب وقيمة الفكر. تنظيم مقررات المؤتمر. الدفاع عن الثقافة ولمعرفة أهمية هذا المؤتمر يكفينا أن نذكر جيد ومالرو وكوتوريه وارغون ونيزان وكهينو وبندا من الفرنسويين، وتولر وهنريخ مان من الألمان، وفرانك من الأمريكان، وإهر مبورغ وكولتسوف وتيخانوف والشاعر باسترنيك من السوفيت، والسيدة كارن ميكائيليس الدانماركية، والسيدة واديا ولعل اسمها وديعة الهندية وهكسلي وفوستر من الإنكليز بدت الجلسة الأولى جدية أكثر من أخواتها لأن بعض المؤتمرين لم يكونوا بعد قد تعارفوا وإن سبق تعارفهم روحياً منذ زمن طويل، أو لأن الموضوع الذي طرحه المسيو بندا في هذه الجلسة كان دقيقاً وكان خطيراً احتدم حوله النقاش مع أن أكثر هذه الخطب كانت مهيأة من قبل ليتسنى لهم ترجمتها، ولوحظ أن الخطب التي تطرق أصحابها فيها إلى السياسة هي الخطب التي تحمس لها الجمهور وأظهر إعجابه بها إلى حد كاد يخرجه عن المألوف في مثل هذه الاجتماعات، حتى بتنا نقول إن في كل يوم مظاهرة، تارة ضد الرأسمالية، وتارة للحرية المهددة بالفاشستية، وطوراً للطبقات العاملة التي لا تستفيد من الوضع الحاضر غير دفع الغرم. بل كيف لا يتحمس الجمهور وهو يرى الكتاب وقد وفدوا من أقصى الجهات وتحملوا أعباء السفر على اختلاف نزعاتهم وتباين آرائهم ليضعوا لهم نظاماً يحفظون به تراث الثقافة الذي خلقته لنا حضارة الإنسان وليدة دمه المهراق وعراكه المستمر قال جوليان بندا ما خلاصته: (إن نظرة أمم أوربا للآداب والفنون تختلف اختلافاً بيناً مع النظرة الشيوعية من حيث علاقة الحياة الفكرية بالحياة الاقتصادية فان الأولى تعتقد باستقلال وسمو الحياة الفكرية عن الحياة الاقتصادية، أما الثانية فإنها تعتقد بتضامن الحياتين. فالاختلاف يبدو لنا أساسياً مما يجعل التسوية بينهما مستحيلة لابد لها من حرب

стр. 9563

ثم هناك مسألة أخرى اختلف فيها الناس كثيراً: هل وجهة النظر الشيوعية المذكورة شيء فجائي من شأنه أن يقضي على وجهة النظر السائدة في الغرب، ويقطع عليها الطريق، أو أنها نتيجة سير وجهة النظر الثانية وتطورها؟ فبعضهم يقول بأنها وليدة التطور والاتساع العام للمدارك عند الأمم الغربية، يشبهونها بمذهب (الرومانتيسم) الذي كان وليد الاتساع الخاص للمدارك الأدبية لكن الأمر على غير ما يتصورون، فأن الرومانتيسم برغم ما أدخله من العناصر الجديدة في الأدب لم يكف أصحابه عن الاعتقاد باستقلال الرجل الموهوب وبعده عن المؤثرات والأوضاع الاقتصادية فبين وجهتي النظر الغربية والشيوعية إذاً تباين ليس في المرتبة أو المسافة، بل في الروح والتكوين) لم يكد ينتهي المسيو بندا من خطابه حتى قفز إلى المنبر العضوان الفرنسيان المسيو كهينو والمسيو نيزان، وإليك خلاصة ما قاله الأول: (إن الأمر أهون بكثير مما يتوهمه المسيو بندا، فحسب رأيه إذا أنتقل واحدنا من هذه البلاد إلى بلاد الاتحاد السوفيتي فلابد أن تستقيم له غير هذه الروح وغير هذا الدماغ للتفكير لا حاجة عندي لكل هذا التغيير وإذا لم يكن بد من شيء فهو اتباع العقل في مجرى تدرجه الطبيعي وليست الثورة البلشفية الأخيرة عن بواعث دينية أو إقليمية محلية، بل هي حلقة من سلسلة الثورات الإنسانية التي ابتدأت منذ أن دب الإنسان على الأرض ولست أرى في كارل ماركس غير مفكر من هؤلاء المفكرين الذي يظهر أمثالهم كل يوم في الغرب، وليس هنالك من شيء في رأي يدفع بنا إلى مقاومة الماركسية ونبذها ومن العبث والسذاجة أن نقابل هذا الخط الطويل من الآراء المثالية بخط مثله من الآراء الاقتصادية التي لا تقل في قدمها وفي تدرج حركتها عن الآراء الأولى أما إنجاح الماركسية، فمتوقف على الفئة التي تهتدي قلوبهم إليها وعلى مقدار إخلاصهم وتضامنهم، ولا أظن أن هنالك فريقاً من البشر يلحقه خيرها وفريقاً آخر يلحقه شرها؛ مادام الناس في هذا العالم متشابهين من أكثر الوجوه، وذلك ما يقوله لنا إحساسنا الداخلي في كل

стр. 9564

ساعة: أننا متشابهون. فان مصير الناس كلهم واحد، كما يقول هوجو، ومقدراتهم متشابهة سواء أكان الإنسان عالماً أم عاملاً. أليست الحياة والموت محتمين! ومشاكل العيشة العامة والخاصة تنتابهم بدون استثناء، وكل ما عمله الذين سبقونا وما نعمله لكشف خبايا هذه الأسرار المحيطة بنا، ومازال ويا للأسف ابتدائياً، وهذا ما يشجع فينا الشعور بالتشابه، والشعور بالتشابه يجعل الاحساسات الشائعة بيننا واحدة، وكلاهما يدفع بنا إلى إنشاء الجمعية المشتركة في النفع والضرر، بل نحن نعمل على إنشائها بدافع طبيعي فينا ونريدها من صميم أفئدتنا) وإليك خلاصة ما قاله المسيو نيزان: (لا أستطيع الكلام بدون الاعتماد على التاريخ لأن ما جاء به الفيلسوف بندا يتضمن شيئاً كثيراً منه لقد صور لنا المسيو بندا العالم الغربي في صورة متناسبة متناسقة تجمع شتى الأقوام وشتى الطبقات، وأكثر ظني أن هذه الصورة لا تتفق مع صحائف التاريخ، ومن المستحيل أن تكون لهذا العالم صورة جامعة متناسقة فيها مختلف العناصر البشرية الغربية ما دامت مراجعها وينابيع حياتها مستقاة من مدنية الإغريق والنصرانية ثم النهضة الأوربية (الرينسانس) وعهد الإصلاح (الريفورم) والثورات البرجوازية المختلفة. فأستطرد وأؤكد إن المدنية الإغريقية نفسها لم تكن في أيامها السوالف عمل جميع الإغريق ينظر المسيو بندا إلى الغرب نظرة أفلاطونية، نظرة إيجابية، لا تتطلع إلا إلى الآثار الثمينة وإلى الأفكار من حيث هي أفكار رفيعة، نظرة محدودة لا تعبأ بما تحت هذه الآثار من دوافع واحتمالات غامضة، ولا تهتم بالحوادث البارزة التي سهلت تلك النتائج صحيح أن هذه النظرة سادت برهة عند اليونان القدماء، ثم أصبحت فيما بعد قوام التفكير النظري عند الأمم الأوربية البرجوازية لكن مذهب أفلاطون ليس كل ما عند الإغريق من مذاهب للتفكير أتى المسيو كهينو فيمن ذكرهم على اسم أبيقور الذي كان يوجه كلامه إلى العبيد الأرقاء، وهو الرجل الذي ما كان يتوخى تطهير جمهرة مختارة من البشر، ولا كان يستنسب جلساته بين طائفة متميزة منهم، وإليكم الآن مجمل ردي على المسيو بندا:

стр. 9565

إن هذه الطائفة المثقفة التي شاء أن نسميها بالعالم الغربي نقبل كل انتقاد يمكن أن يوجه إليها، أو إلى الأوضاع التي تعيش فيها، ونرحب بكل تحوير ممكن لهذه الأوضاع يكون في جانب الطبقات التي تحيى وتفكر، وتجوع وتموت. ونقبل في آن واحد أن نؤمن ونشك في كفاءة الإنسان وقدرته، كما قبل ذلك كارل ماركس في كلامه عن الإنسان (الذي اكتفى حاجاته) ونحن قبل كل شيء نرفض المعتقدات الدينية، والصفات الإلهية رفضاً باتاً ونعتبرها - كما أعتبرها أبيقور وكتاب فرنسا في القرن الثامن عشر - أشياء تتمثل فيها مخاوف الإنسان وأثر اضطهاده أما موقفنا من وجهة النظر الغربية فهو ليس قطعاً لها وانفصالاً عنها، بل هو موقف المنور الهادي الذي يقبل الحالين معاً فيتسع إلى أقصى حد ويضيق إلى أقصى حد ونحطم بالحجة الدامغة هذه الميثولوجيا الإنسانية التي تريد منا أن نعبد ونمجد إنساناً غامضاً نجهل وجوده، وتحملنا على أن ننسى أو نتناسى أننا للآن لم نكن متساوين في الآلام، وفي الانتصارات، وحتى في الموت) يتبين لنا من خلال الخطب الثالث التي تخيرنا تلخيصها في هذا المقال، المنطق الذي جرى عليه الخطباء في نقشاهم، فلا سبيل إلى الحشو والتنميق، وكانت الأبحاث على بساطة إنشاءها دقيقة إلى حد كبير، يقرأها القارئ الفطن بدون عناء، فتتجلى أمامه المشاكل الكبرى التي طالما دوخه التفكير فيها محلوله فيها لا تحتاج لغير التنفيذ، وكأنما العالم مريض أصيب بداء عضال عالجه هؤلاء الكتاب فأحسنوا التشخيص وأحسنوا الدواء ولعل أكثر جلسات المؤتمر حماسة هي الجلسة التي بحث فيها الكتاب موقفهم من المجتمع، فكانت مظاهرة علمية قامت ضد الظلم والجور والاضطهاد، وكيف لا يتظاهر الكتاب للحرية المغتصبة، والحق المضاع، وهم رسل الحرية ورواد الحقيقة، بل كيف لا يثورون وبينهم قسم كبير طردوا من بلادهم بعد أن أحرقت كتبهم وسيموا أنواع العذاب والتنكيل، لكن هذا الحماس ما لبث دقائق حتى عاد الكتاب يبينون آراءهم في جو مشبع بالهدوء والسكينة شكت كارن ميكائيليس مندوبة الدانمارك من أن الكتاب لا يأبهون كثيراً إلى المهمة التي خلقوا لها، ولا يقدرون الدور الذي يجب أن يلعبوه على مسرح الحياة حق قدره فيؤدوه خير

стр. 9566

أداء، إن الكتاب بحكم وظيفتهم إدلاء، ومن واجب الدليل أن يكون في الطليعة، لكنهم يخشون العزلة، وتراهم يفتشون عمن يحل محلهم، ثم يلتجئون إلى حلقة منزوية من أصحابهم وزملائهم، يصوبون جامات الغضب على القادة المضلين لكن همسهم هذا ويا للأسف لا تسمعه غير آذانهم. . . . وشكا جيد من قلة إخلاص الكتاب فيما يكتبون. . . وشكا مالروا من تدجيلهم لينيل المال والجاه. . . . والخلاصة قد أوضح الكتاب أن المجتمع البرجوازي لا يمكن الكاتب من أن يخلص فيه لفنه وأدبه، وقد شذ بعض القصصيين الإنكليز، إذ أطروا الحرية التي تمنحهم إياها النظام الديمقراطي القائم في بلادهم، لكن وجد من بينهم من تصدى لهذه الفكرة، وأبان لهم أن هذه الديمقراطية البرجوازية التي يتبجحون بها لا تشمل غير طبقتها وهي مع ذلك صائرة إلى الزوال يتآمر عليها أبناءها البرجوازيون نشطت حركة الحاضرين في إحدى الجلسات نشاطاً زائداً واشرأبت الأعناق وحملقت العيون وأخذوا يتهامسون بكثير من الدهشة: (مندوبو السوفيت) كأنما هؤلاء هبطوا عليهم من جرم سماوي لم يأتوهم من بلاد تدعى الاتحاد السوفييتي فوق هذه البسيطة، يريدون استطلاع ما ظهر من هيئتهم وما استتر. ثم ساد سكون رهيب استعداداً لسماع الرد المستمد من التجربة الصحيحة على ما جاء في خطاب المسيو بندا، غير أن مندوبي السوفيت خيبوا هذا الظن واكتفوا برد المسيو كهينو والمسيو نيزان، وأتوا على وصف بعض مناحي الأدب السوفييتي الجديد وقال إهرمبورغ صاحب كتاب (ثاني أيام الخليقة) ما خلاصته: (إذا كان الكاتب في المجتمع البرجوازي يكرم ويمجد باعتبار إنه قام بخدمة وطنية تعادل الخدمات التي يقوم بها أمثاله في البلاد الأخرى، ويقرأ كتبه من أراد أن تسمو مداركه أو أن يجد لذة يملأ بها أوقات فراغه - والقراء في هذا المجتمع من توفرت أسباب حياتهم قليلون - وإذا كان القراء لا يقرئون الأدب بقصد أن يستعينوا بما يقرئونه في حياتهم الخاصة والعامة وأن يجدوا فيها هدياً لقلوبهم وسموا لنفوسهم وما يضمرون، فلا يكون لما يشاهدونه في ليلتهم من عواطف نبيلة على أحد المسارح أو لما يقرئونه في إحدى

стр. 9567

القصص، من تأثير فيما يعملونه في نهارهم. وكثيراً ما تخالف أعمالهم ما اختلجت في الليل قلوبهم له. إذا كانت هذه قيمة الأدباء في المجتمع الأوروبي فإني أقول بكل فخر: (إننا توصلنا إلى أن يكرم الكاتب والشاعر في الاتحاد السوفييتي على أنهما يؤديان عملاً مثل سائر الأعمال الحيوية التي لا يستغنى عنها بحال من الأحوال. فقراءة الأدب للمزارع والعامل ولأي شخص آخر مثل قمحه ولبنه وثوبه ومأواه. يقرأه فيلتذ، لكنه لا يقتصر على هذه اللذة، فانه يفتح قلبه له فتهديه هذه العواطف النبيلة التي للأدب في حياته وفي عمله اليومي هذا هو تأثير الأدب السوفييتي، مع أنه لا يزال طفلاً لا يحسن الكلام بدون تمتمة) كانت خطب مندوبي السوفييت على هذا النمط: استعراض للموضوع في المجتمع البورجوازي، ومقارنة ما أستجد في بلادهم بشأنه مع بيان اوجه الانتقاد، وما حدا إلى نبذ الأسلوب القديم لا عجب أن نرى الكتاب في العالم المتمدن يهبون للدفاع عن الثقافة من عاديات الزمان، وهي حملتها ورفعوا لواء مجدها، بل ومن حقهم قبل كل إنسان آخر أن يهتموا لهذا الأمر في مثل هذا الوقت العصيب الذي ينذر العالم بالشر وسوء المصير، ألم نر المدنيات القديمة التي لو بقيت لكانت للإنسان مدنية تفوق مدنيته الغربية بمراتب - كيف اندثرت وعنقها الحروب والمنازعات والوهن الذي إذا دب إلى جسم أمة قضي عليها بالتفسخ والانحلال وليست أوروبا اليوم بأحسن مما أشرنا إليه، فان النزاع على الممتلكات الاستعمارية، والتفاخر بالقومية، وتفاقم جشع الناس، وتفشي الأثرة بينهم أرزاء تنوء تحتها الثقافة وستؤدي إلى أوخم العواقب ماجد شيخ الأرض

стр. 9568

عرض لإحدى مشاكل الأدب الإنكليزي هل ألف شكسبير رواياته؟ بقلم جريس القسوس أخي ح. ش. كتبت إلي تسألني أن أجلو لك حقيقة هذا النابغة، الذي على سعة شهرته وذيوع اسمه في مختلف الأزمان والبلدان، مازال مبهم الشخصية، مجهول الهوية؛ وما فتئ الكثيرون من الأدباء في إنكلترا وفي أمريكا يرتابون في أمر تأليفه الروايات المنسوبة إليه؛ فتراهم في كل حين يكتشفون لهم مؤلفاً جديداً غير شكسبير، مؤيدين آراءهم باقطع البراهين وأقواها ولقد بلغت هذه المسألة من الأهمية وخطورة الشأن ما جعل الأدباء ينقسمون إلى مدرستين، الأولى تنتصر لشكسبير وتعضده وتعرف هذه بمدرسة مستقيمي الرأي (أورثوذكس) بينما الثانية وهي - نسبة إلى ستراتفورد قرية شكسبير ومسقط رأسه - تجرده من كل صبغة أدبية، وتتهمه بضعف الإرادة والجهل، فهي لا تود أن تنسب هذه المؤلفات الرائعة إلى امرئ كشكسبير وضيع النسب، نشأ نشأة الوضعاء من عامة البشر، فلم يلتحق بمعهد عال أو يتفقه على مدرب كبير أنه لمن العار بل من الحرام - على رأيهم - أن تنشأ العبقرية في الأكواخ؛ وإنه لمن الشائن المزري إذن أن تعزى هذه الروايات على فيها من روعة وجلال إلى شكسبير العامي القروي. في ذلك يتفق أصحاب هذه المدرسة، غير أنهم يختلفون في أمر مؤلفها أما أول الأدباء الذي نسب إليهم تأليف روايات شكسبير ففرنسيس (١٥٦١ - ١٦٢٦) الفيلسوف الإنكليزي الشهير، وأول واضع أسس النظرية فهربرت إذ ألف سنة ١٧٦٩ كتاباً سماه (مجازفات في الذوق السليم) بيد أن هذه الآراء لم تثر اهتمام الأدباء ولم تحرك لهم ساكناً مدة نصف قرن أو أكثر. بعد ذلك لقيت لها أنصاراً عضدوها بالمؤلفات العديدة، منهم ج. س. في كتاب ألفه سنة ١٨٤٨، وفي مقالة موضوعها (من ألف روايات شكسبير؟) نشرت في التشمبرز ' ومنهم و. هـ. سمث في رسالة بعث بها إلى لورد اليسمير موضوعها (هل ألف بيكون روايات شكسبير؟) ومنهم أيضاً الكاتبة ديليا في كتاب اسمه (كشف القناع عن فلسفة روايات شكسبير)

стр. 9569

وقد ظهر مؤخراً غير هؤلاء في إنكلترا وفي أمريكا كاللورد بنرانس وسر. ت. مارتن، وج. قرينود وغيرهم من مشاهير الأدباء وكبار النقدة ممن عززوا النظرية البيكونية، وحملوا على شكسبير كادت أن تمحو أسمه محواً؛ وتدحر جيش أنصاره دحراً ويبني معظم أنصار بيكون حجتهم على النقط التالية: (١) إن سر توبي ماتيوس سنة ١٦٢١ برسالة إلى بيكون يمتدحه فيما ويعده (أنبغ من أنجبت إنكلترا، ومن عاش على هذا الجانب من البحر، في العصر الحاضر) (٢) إن في روايات شكسبير بعض فقرات ومفردات تدل على تبحر مؤلفها في العلم وتعمقه في الفلسفة والقانون مما لا يمكن أن يعزى إلى شكسبير كما يظهر في ترجمة حياته المعروفة (٣) إن في روايات شكسبير مشاهد وأبياتاً تشهد بأن ناظم عقدها أرستقراطي النزعة والنشأة. مثال ذلك أنه: يسخر بالرعاع، ويزدري عامة البشر في كل من (يوليوس قيصر) و (كور يولانس) سخرية وازدراء لا يمكن أن يصدرا من شكسبير القروي الوضيع النسب، إن ذلك إلا مظهر عن مظاهر نبذ الأرستقراطية للعامة وكراهيتها لها، واعتزازها برجالها، وفي مقدمتهم بيكون (٤) أما أخر هذه البراهين، والذي عليه يبني جميع خصوم شكسبير، على اختلاف أشخاصهم، آراءهم واعتقادهم الراسخ في أن شكسبير على ما في نسبه من ضعةٍ، وفي نشأته من حقارة، وفي علمه من نقص، وفي خلقه من مغمز، وفي حياته من غموض وإبهام، لا يمكن أن يكون مؤلف تلك الروايات الخالدة، التي تشهد لصاحبها بعبقرية تفوق كل عبقرية، ونبوغ هو فوق كل نبوغ، كيف يمكن هذا، مادام هناك بيكون الفيلسوف الكبير، والنابغة الفذ الذي شغل أهل زمانه، وملأ أسماعهم وأبصارهم؟ ويأخذ أنصار شكسبير هذه الحجج ويفدونها واحدةً واحدة. فيقولون - مثلاً في الرد على الحجة الأولى إن (سر توبي ماتيوس) لم يعن في رسالته بيكون الفيلسوف، وإنما عني راهباً يسوعياً آخر اسمه طوماس كان يعرف بلقب بيكون. مع كل هذا يرى أنصار شكسبير - مسلمين جدلاً بأني سر توبي يعني الفيلسوف بيكون - أن ليس في هذا ما يدل كل الدلالة على إن بيكون إنما هو مؤلف روايات شكسبير. إن هي إلا العاطفة، عاطفة

стр. 9570

الصداقة العمياء هذه ذات التعليمات والأحكام الجارفة أما فيما يخص الأشعار فليس في البقية الباقية من شعر الفيلسوف بيكون ما يدل على أنه شاعر بالمعنى الصحيح؛ ذلك الشاعر الفذ الذي يمكن أن يعزى إليه نظم تلك القطع الرائعة التي تتخلل معظم رواياته وخاصة الأخيرة منها هذا أما المفردات أو الفقرات العديدة الواردة في روايات شكسبير والدالة على تبصر في العلم وتبحر في الفلسفة والقانون وإلمام بأغلب الفنون فلم تكن مقصورة على شكسبير أو على بيكون وحدهما. فقد كانت بحق ملك جميع المؤلفين في عصر اليصابات وبالأخص الأخير منه. إذ شاع فيه التقليد والنسج على منوال الأولين. فالذي يجوز لنا الارتياب في أمر تأليف شكسبير لهذه الروايات على هذا الأساس الواهي، يجوز لنا أيضاً الاشتباه في غيرهم من الكتاب والشعراء وعلاوة على هذا يرى أنصار شكسبير أن ليس في هذه الروايات ما يدل على إلمام واسع بالعلوم والفنون أو تعمق في الفلسفة والقانون، إلماماً وتعمقاً يصح معهما أن ينسب تأليفها إلى بيكون صاحب النظريات الفلسفية الخالدة والنثر الأدبي الرائع أما القول بأن مؤلف هذه الروايات لابد أن يكون أرستقراطي النسب والنزعة كما يظهر من شعوره نحو الرعاع وخصوصاً في (يوليوس قيصر) و (كور يولانوس) فليس بالقول الذي يعتمد عليه بنيان مثل هذه النظرية وتحقيقها. إذ ما روايات شكسبير إلا مملكة كبيرة، فيها الملوك والنبلاء، والرعاع والعلماء، وفيها الجنود والصناع، والأرواح والآلهة، كل منهم يفكر ويقول ويعمل حسب طبيعته ونزعته، وعلى قدر قوته ومعرفته، غير مقيد برأي الشاعر أو عقيدته الخاصة. بذا يمتاز شكسبير عن (بروننج) خاصة وعن باقي الشعراء والكتاب عامة. فما الرعاع في الحقيقة إلا من هذا البشر الذي توخى شكسبير في تصوير طبيعته ونفسيته الصدق والعدل هذا بعض مما يقوله أنصار شكسبير في الرد على خصومه، غير أنهم لا يقفون عند هذا الحد، بل يوردون الحجج الإيجابية الدامغة التي تؤيد آراءهم كل التأييد. من ذلك قولهم إن حياة شكسبير ليست محاطة بالإبهام كما يظن خصومه. فلو استعرضنا تراجم معاصريه من الأدباء لألفينا في جميعها - اللهم إلا من اتصل منهم بالسياسة أو القانون وكان له فيها شأن

стр. 9571

كبير - غموضاً وإبهاماً يساويان، إن لم يزيدا، ما في ترجمة حياة شكسبير من غموض وإبهام ويرى أنصار شكسبير أيضاً أن لديهم تقارير عديدة تدل على اتصال الشاعر بالمسرح وانشغاله بأموره مدة ليست باليسيرة. وفي بعض رواياته نلمح ما يدل على إلمام الشاعر بفن المسرح ودقائقه. يحضرنا على ذلك - على سبيل التمثيل - ما جاء على لسان هملت في تلقينه الغلمان سبل الإلقاء والتمثيل تلقيناً يشهد له - أي لشكسبير - بطول الباع في هذا الفن. وليس في ترجمة حياة بيكون الضافية، ما يدل على ولوعه بالتمثيل أو كلفه بالمسرح. أما ادعاء خصوم شكسبير إن ما في رواياته من مفردات في القانون، يكفل لبيكون - وهو بالطبع قانوني - تأليفه الروايات لحجة واهية، من السهل دحضها. فقد كانت لندن في عصر اليصابات تكتظ بالطلاب الحقوق هواة المسرح، فكان لشكسبير في ذلك فرصة سانحة لمجالستهم والاستماع إلى أحاديثهم التي تدور، في أغلب الأحيان، حول القانون. هذا عدا تجاربه واختباراته في هذا الفرع كابن أحد الملاك أو التجار ومن البيانات الواضحة التي يعتمدها أنصار شكسبير في الرد على خصومه، ورود اسم شكسبير مع التعليق على فنه في بعض النسخ الأولى من رواياته مفردة مجموعة معاصريه، وخاصةً فرنسيس في كتابه (بلادس تيميا وروبرت جرين تهكمه اللاذع على شكسبير، وفي قصيدة بن جونسون التي فيها يخلد (وزة وقد ظهر مؤخراً غير بيكون مرشحون آخرون لروايات شكسبير، منهم (لورد تلند الخامس عشر ومنهم كونت أحدثهم ظهوراً وأشدهم خطراً على الممثل الستراتفوردي ديفر ايرل اوف اوكسفورد السابع عشر. فقد وضع ج. طوماس سنة ١٩٢٠ كتاباً في هذا الموضوع سماه (إثبات شخصية شكسبير في دي فير ايرل أوف أوكسفورد) وآخر كتاب ظهر في هذا الموضوع هو لمونتاجو رئيس جمعية أدبية أخذت على نفسها معاضدة دي فير ودحض آراء أنصار شكسبير. فقد وضع كتاب (ايرل أوف أوكسفورد لشكسبير وهو يجمع باختصار كل ما يمكن أن يقال في هذا الأديب كمؤلف للروايات المنسوبة لشكسبير أما النظرية الشيخزبيرية فما هي في الحقيقة بنظرية، وإنما هي خرافة أكبر عامل في

стр. 9572

خلقها التشابه الظاهر بين اسمي الشيخ زبير وشكسبير. ليس هذا فحسب، بل إن علاقة شكسبير الغرامية مع (السيدة السمراء) ويظن بعضهم أنها مصرية - وحبه للخيول وخاصة خيول رواد المسرح وما في رواياتها من امتداح لجزيرة العرب وتغن بسمائها وطيرها (فونكس وزهرها وشجرها، كل هذه بعض من الشواهد التي قد يتخذها هواة النظريات أساساً للنظرية الشيخزبيرية ولقد غرب عن بالي ن أذكر لك أن من الأدباء من يعزو إلى شكسبير تأليف نحو أربعين رواية أخرى، ومنهم من يرى أن شكسبير لم يؤلف كل رواياته، بل شاركه في ذلك كتاب آخرون كبيمونت وفليتشر، وخاصة في (تيطس ادرونيكس) وثلاثة أجزاء: (هنري السادس)، و (تيمون أثينا)، و (بيركليس)، و (هنري الثامن) هذا عرض موجز لما يمكن أن أخبرك به في هذا الموضوع، ولا أنكر عليك أنني بعد دراسة حجج الفريقين وتمحيصها بكل دقة - أراني ميالاً كل الميل إلى المدرسة الستراتفوردية. ولا أشك في أن النجاح سيحالفها، مهما وجه إليها من نقد لاذع، ولشكسبير من تهم هو بريء منها الكرك: شرق الأردن جريس القسوس

стр. 9573

تبتغي أمها للشاعر الفيلسوف جميل صدقي الزهاوي دفنوا في حفيرة أمَّ سلمى … ثم عادوا يجرّرون الذيولا كتموا عن سلمى الصغيرة موتَ ال … أمّ حقاً وآثروا التضليلا سألتهم والعينُ بالدمع شَكْرَي … غير مخدوعة بما قد قيلا أين أُمّي عودوا إليّ بأمّي … أنا لا أبتغي بأمّي بديلا أنا إن لم ألعب بجانب أُمّي … لم يجد للأفراح قلبي سبيلا أنا إن عشُت وهي تبعد عني … كان عيشي عليّ عبئاً ثقيلا إنها لي تُنيم في الحضن منها … وتغنّي لي بكرةً وأصيلا وإذا ما بكيتُ تمسح دمعي … بيديها منعاً له أن يسيلا ثم من حبها تقبّلني في … وجناتي فتُحسن التقبيلا ثم تعطيني دُميةً هي ما أص … بو إليه حُبَّ الخليل الخليلا دُميتي بنتي مثلما أنا بنتٌ … لإِمُيمي التي رعتني طويلا ثم تُهدي إليّ شيئاً من الحل … وى فيغدو الحلوى لهمّي مزيلا أرجعوا لي أميّ الحنونَ فإن لم … تُرجعوها يكون خطبي جليلا وإذا ما لم تُرجعوا ليَ أميّ … أملا الأرضَ والسماَء عويلا أنا في حاجة إلى عطف أميّ … أيها الناس فارحموني قليلا هي أميّ التي فتحتُ عيوني … أجتلي وجهَها فكان جميلا ورضعتُ اللبانَ منها فكان الث … ديُ منها لي منهلاً معسولا إنني عند غيبة الأمّ عني … لا حناناً أرى ولا تدليلا أرجعوا لي أمي ولا تخدعوني … بالأباطيل إن صبريَ عيلا وإذا صَّح أن أمّيَ أوْدَت … فاجعلوني لقبرها إكليلا (بغداد) جميل صدقي الزهاوي

стр. 9574

مناجاة الأمل للأستاذ عبد الرحمن شكري أَلا عِدْ وأخلف أنت بالوعد مانح … فمطلك مغفور وخيرك راجح ولم تك مثلَ الآلَِ فالآلُ مهلك … ووحيك اسخى ما تضم الجوانح وكم ناقمٍ من خلف وعدك لا غنىً … له عنك أو تغني المنايا اللوافح وأعشقُ مَنْ يهواك من هو ناقم … وأمدحُ مَن يرجوكَ منهو قادح نَشاوَى همومٍ قد تُدِيرُ عليهمُ … كؤوساً فتفترُّ الثغور الكوالح سلام على الدنيا ورضوان راحمٍ … إذا ضاء نجم منك في الأفق لائح عَفَاءٌ على الدنيا وهُلْكٌ ونقمةٌ … إذا لم تكن والمرء بالعيش رازح وكم في ثنايا اليأس منك كوامن … إذا فنِيتْ فالعيش فان وطائح أيا بهجة العمران لولاك لم يكن … فلا شَيَّدَ الباني ولا كَدَّ كادح إذا اشتدت اللأَّ واءُ زدت تألقاً … كذلك سواد الليل للنجم قادح وليس بعيب أن تُراد لمحنة … فمن ذا يريد النجم والصبح واضح أيا بلسم الأحزان لولاك لم يعش … على عَنت الدنيا لهيفٌ ونائح معين على البلوى معين على الضنى … إذا لم يكن فيه معين وناصح ويا حادي الركبان في العيش مثلما … حدا الركبَ في الصحراء حادٍ وصادح ويا رحمة الله التي عمت الورى … ولم يخل منها جارم النفس جامح على صاحب الكوخ المهدم مشرق … ببشرى ورب القصر راجٍ وَطامح وأسعد ما تُلْفَى إذا كنت ماطلاً … فكل طليب شائق وهو نازحُ رست بك في لج الحياة نفوسنا … فلم تتقاذفها الهموم السوارحُ لشيَّدت للإيمان في قلب آملٍ … معابد قد ضمت عليها الجوانحُ ثبات وصبر واعتزام وهمة … فضائل نفس كلها أنت مانح ولولا مساعٍ أنت عاقد أمرها … لآثر عقر الدار غادٍ ورائح تكاد تنير الليل إمَّا توقدت … أمانيُّ تذكو حين تخبو المصابح تأرج من ذكراك نفحة خاطر … أأنت أريج من شذا الزهر فائح

стр. 9575

وإن غَنِيَّ الناس من أنت ذخره … وأيُ غِنى يغني وضوؤك نازح وسائل من جدواك أنت استثرتها … وتُفْتَقُ إن لحتَ النهى والقرائح وكم لك دون النفس وحي وهمسة … إذا نطقت تَعْيَا اللغاتُ الفصائح وكم من غريق أسقط الجهد كفه … فما لحت إلا وهو في اليَمَّ سابح منحت حياة مرة بعد مرة … وتبخل بالعيش النفوس الشحائح ورب حبيس أنزل السجن ظلمة … عليه ونور منك في السجن لائح أيا طائراً يشدو وفي النفس أَيْكُهُ … فيخفت فيها يأسها المتناوح ويا آسِىَ الأحزان والظلم والضنى … ولولاك أعْيَا الطب مودٍ وطائح تَخَلَّلُ أَنَّات الشقاء ونوحه … فتعذب في الأسماع حتى المنائح خلعت على الأيام أحسن خلعة … فيخفي بعيش شره والمقابح سقيت فأنسيت المؤجل من ضنى … ومن وخط شيب في غد وهو واضح وأنسيت أن الشر حتم مقدر … وأن المنايا غاديات روائح تضاحك في يأس ونحس وكربة … كأن الرزايا عابثات موازح بها مؤنس من طيب عهدك عامر … بشائر في لأوائها ومفارح وتخلق منك النفس دنيا سنية … وفي أفق منها النجوم اللوائح مباديك شتى كالأزهر جمة … ففي كل حال موطن منك صالح أيا سحر إنْ لم تُغْنِ فالسحر كاذب … مغاليقه فيما تريد مفاتح تعللنا بالسعد من بعد ميتة … فتحسن في مرآك حتى الضرائح عبد الرحمن شكري

стр. 9576

ذهب الشباب للأستاذ فخري أبو السعود ذهب الشبابُ وغاض ذلك الرونقُ … لم يبقَ إلا حسرة وتحرُّقُ لم يبق إلا ذكر عهد زائل … إذ أنت أملَحُ مَن يُحَبُّ ويُعْلَقُ حالَ الجمالُ فلا قَوامٌ مرهفٌ … يصبي النفوسَ ولا محيًّا مُشرِق ما أنت إلا الروض صُوِّحَ بعد إذ … هو مثمرٌ نضر الأزاهر مورق ولقد يُجاد الروضُ بعد جفافه … ويَجِدُّ من أبراده ما يَخْلَق وأرى جمالك ليس يَبْعَثٌ مَيْتَهُ … شمسٌ تضئ ولا غمامٌ يُغدِق ولقد يروق الزهرُ بعد ذبوله … وتَظَلُّ منه ريحة تتَنَشَّقُ ورأيتُ حُسنَك حين أدبَرَ لم يَذَرْ … إلا قذى يُؤْذي العيونَ ويُوبق إلا مَقَاَبحَ كم تحاول سَتْرَها … فتَنُمُّ من دون الطلاء وتنطق قد جّفَّ عودُك والصِّبا مازال في … أعطاف غيرك ناضراً يترقرق ألْوَتْ بِقَدِّكَ بعد لين مَهَزِّهِ … غِيَرُ الزمانِ وما عليها موثق رَهَّلْنَهُ في حيث تَجْمُلُ دِقَّةٌ … وهَزَلْنَهُ حيث الجزالةُ أخْلَق فَغَدَتْ تَقَحَّمُهُ العيونُ وطالما … قد راعها منه الرُّواء المونق وتبدلَّ الطبعُ المحبَّب لم يَعُدْ … دَلٌ يَشُوق ولا شمائلُ تُعْشَقُ وتَطَامَنَ القلبُ الأبيُّ وإنَّهُ … بالأمس لَلْحِصْنُ المنيعُ المغلق ومضى شِمَاسٌ كان فيك سجيةً … فاليوم فيك وداعةٌ وتَرَفُق واليوم فيك تلطُّفٌ وموَدَّة … كم كان يخطبها المحبُّ الشَّيِّق وتخلفَتْ بك في الهوى أسبابُهُ … ولقد عَهِدْتُك سابقاً لا يُلْحَقُ ولقد عَلمِتْك في الملاحة مُفْرَداً … ما لاحَ من حُسْنٍ جِوَارَك يُمْحَق كانت لحُسْنِك دولةٌ فتفرقَتْ … هيهات يجُمع شملُها المتفرق نُثِرَتْ كِنانةُ عابديك وكلُّهم … سالٍ لعهدِك أو لحالك مُشفق وانفضَّ منهم مخِلصٌ ومُنافِقٌ … وأقَلَّ مَدْحَكَ صادقٌ ومُمَلِّق وغَدَوْتَ بعضَ الناسِ حيث تسير لا … مجدٌ يَحُفُّ ولا جَلَالٌ يُحْدِقُ

стр. 9577

تبدو، فلا حَدَقُ العيونِ مُبَادِرُ … لهفاً إليك ولا الجوانح تخفق وتبينُ، لا قلبٌ لبيِنك مُدْنَفٌ … عانٍ ولا جفنٌ لذكرك يأرق نَبَتِِ القُلوبُ وكنتَ قبلُ مُحَكماً … فيهنَّ تأسر ما تشاء وتعُتِق وإذا القلوبُ تغيَّرتْ وتفرقت … عَيَّ الحليمُ بجمعها والأخرق سكنتْ نفوسٌ كنتَ أمس عناَءها … ولعلك اليوم المُعَنَّى المُقْلَق ولىَّ جمالُك والطبيعةُ لم تزل … تزهو وترفل في الضياء وتَعْبَق تمضي على عادتها ما راعَها … حُسْنٌ تَصَوَّحَ أو شبابٌ يَنْفق فخري أبو السعود

стр. 9578

فصول ملخصة في الفلسفة الألمانية ٢١ - تطور الحركة الفلسفية في ألمانيا الناحية السلبية من مذهب نيتشه الإنسان للأستاذ خليل هنداوي يقول نيتشه مبيناً نظرته في مجموعة القيم الاجتماعية: أنا لا أدري إذا كانت الحياة بذاتها جميلة أو قبيحة. لا شيء عندي باطل إلا هذا النزاع المستمر بين المتفائلين والمتشائمين. وأي إنسان في الوجود يحق له أن يقدر قيمة الحياة؟ أما الأحياء فلا يقدرون لأنهم فريق من المتجادلين المتخاصمين. والأموات - وإنهم لأجدر بألا يجيبوا - لأنهم أموات. فلا أحد بقادر على إبداء قيمة الحياة، وإنني لأجهل كل الجهل إذا كان وجودي خيراً أو عدمي؟ ولكني في اللحظة التي أحيا فيها الآن أريد بأن تكون الحياة فياضة مضيئة لامعة في نفسي وخارج نفسي. فأقول إذ ذاك - نعم - لكل ما يجمل الحياة ويجعلها جديرة بأن تحيى. وإذا تبين لي أن الضلال والوهم يساعدانني على تذوق الحياة أقول - نعم - للضلال والأوهام. وإذا بدا لي أن الصفات السيئة مهما كانت ألوانها تساعدني على انتصار حيوية الإنسان أقول - نعم - للخطيئة والشر، وإذا اتضح لي أن الألم هو أنجع من السرور في تهذيب النوع الإنساني أقول - نعم - للألم وأقول - لا - لكل ما يمسخ حيوية الشجرة الإنسانية، وإذا اكتشفت أن الحقيقة والفضيلة والخير وكل ما اصطلح البشر على احترامه من تقاليد وشرائع تضر بالحياة أقول - لا - للعلم والمعرفة والخير - ٢ - يبحث الآن نيتشه كيف نشأت بين الناس هذه القيم الاجتماعية ويصور التأثير الذي تركته في روح الرجل الغربي الحديث، نقب نيتشه في أصول المذاهب الخلقية التي تواضع عليها البشر فألفى أن أصولها المتشابهة تعود إلى فضيلتين اثنتين توزعت عنهما كل الفضائل: فضيلة الأسياد والسلالات القوية الحاكمة، وفضيلة العبيد والضعفاء الأذلاء

стр. 9579

وإنك لواجد في منشأ الحضارة الأوروبية هذا العمل الذي ولد هذين المذهبين. فهناك طائفة محبة للقتال، وعصابة من الرجال المفترسين الذين يسطون على طائفة جانحة للسلم، نافرة من الحرب كما هو الأمر في الحضارة اليونانية الرومانية، التي تلاشت إزاء هجمات الأقوام الجرمانية. إن الرجل الشديد المعتمد على نفسه، تموج في صدره رغبته بتعيين قيم الناس والأشياء بنفسه. وليست فضيلته إلا بهجته الراقصة بشعوره بقوته وكماله. يدعو (حسناً) من كان يماثله شرفاً وسيادة، ويدعو (رديئاً) من يختلف عنه. الخير عنده ما هو إلا مجموعة تلك الصفات الطيبة والخلقية التي يقدرها في نفسه وفي أقرانه. يبهج نفسه أن يكون قوياً وقديراً. يعرف أن يخضع غيره ويخضع نفسه. يقسو على نفسه كما يقسو على سواه. يقدس هذه الصفات عند الآخرين ويحتقر الضعف والجبن حيث ظهرا، يسخر من عاطفة الشفقة والنزاهة؛ ومن كل الفضائل السائدة اليوم، لأنه لا يراها صفات تليق بسيد. يعجب بالقوة والقسوة والخداع، لأن هذه الصفات تحقق له ظفره في النضال، يحترم الميثاق عند أمثاله الأقوياء، ويجد نفسه في حل مع العبيد الضعفاء، ينكل بهم إذا أراد نكالاً، ويسعدهم إذا أراد إسعادهم. له الأمر في أمرهم. يبذل روحه في سبيل قائده وأميره، ويكرم شيخ قبيلته، ويحترم تقاليد أهله ألا أن الفضيلة الأرستقراطية لفضيلة قاسية متعصبة، ولما كان الشرفاء أقلية ضئيلة في جحافل كثيرة تتمنى الإيقاع بها، فعليهم أن يصونوا صفاتهم الخاصة التي تضمن لهم الفوز. وتقاليدهم التي اصطلحوا عليها في زواجهم وتربية أبنائهم وارتباط بعضهم ببعض هي من التقاليد العاملة على صيانة ذريتهم من الأخطار. لهذه الذرية الأرستقراطية إلهها الذي تتجسد فيه كل فضائلها التي قادتها إلى القوة وإلى هذا المظهر الذي بدت به، إن هذا الإله هو - إرادة القوة - التي ساقت الزعماء إلى السلطة، وجعلت منهم أقوياء سعداء، والعبادة التي يقومون له بها هي تفسير ابتهاجهم بالحياة على النمط الذي يفهمون منه أنهم جميلون أقوياء هذه الفضيلة تختلف جد الاختلاف عن فضيلة العبيد، والضعفاء الأذلاء، وإذا كانت الكبرياء والبهجة بالحياة، هي العاطفة التي تموج في صدور الأسياد، فلا عجب إذا نما في صدور الضعفاء التشاؤم، ومقت الحياة، وكره الأقوياء. الأقوياء يكيد بعضهم لبعض. أما الضعيف

стр. 9580

الغريب الذي يتصدى لهم فويل له، لأن غريزتهم في البأس والقوة لا تشبع إلا بسحقه! لأنهم يعتقدون أنهم بما فعلوا أتوا عملاً جليلاً يحق لهم به أن يغدوا على أفواه الشعراء أسماء مرددة، وهم - في ناظر هذا الغريب المغلوب على أمره - شياطين وقردة؛ تحمل الرعب والهول للآمنين. إن جرأة هذه الطائفة وجنونها وقسوتها، واحتقارها للأمان والحياة واغتباطها العميق بالتهديم وظفرها. كل هذه الصفات ينعتها أولئك المقهورون بالبربر والبربرية، وهكذا رجل القوة والبأس والرجولة في مذهب فضيلة الأسياد يصبح رجل اللؤم والرداءة في مذهب فضيلة العبيد. والرديء الشرير - في عرف الضعيف - هو كل من ارتدى رداء القسوة والعنف والرعب، والجميل عنده كل هذه الفضائل التي يحتقرها الأسياد؛ الفضائل التي تخفف من شدة الظلم، وتمنع إرهاق المظلومين، وترأف بالبائسين المتألمين؛ فضائل الشفقة والرقة والصبر والتواضع والإحسان فضائله. إن العظيم الذي كان محارباً مخيفاً قوياً في شريعة الأسياد، يحول في شريعة العبيد هادئاً حليماً، ويصبح جديراً بالصغار، لأنه بالغ في توانيه عن القتال، وبالغ في لبسه ثوب المساكين - ٣ - والآن لننظر في هذه القيم الاجتماعية التي أنشأها العبيد، فان الشريعة المسيحية وفضائلها تولدت في تلك البيئة. وعصابة العبيد والضعفاء والمنحطين وجدت زعيمها في الكاهن، ومن هو الكائن؟ ينبغي للكاهن أن يكون (منحطاً) ليمكنه تفهم رغائب شعبه المريض، وهو بعد هذا يجب أن يصون سلطته وزعامته لتتجه إليه ثقة المتألمين، ويكون حارسهم الأمين المسيطر عليهم، وإلههم الذي منه يخشون. وهي مهنة تستلزم منه أن يحرس الضعفاء من الأقوياء، ويعلن العداوة بينه وبين الأسياد. عداوة سلاحها سلاح الضعيف: مراوغة وكذب ورياء. فيحول بنفسه حيواناً مفترساً مروعاً كالحيوانات المفترسة التي يحاربها، ولا تقف مهنته عند هذا فحسب، فهو مضطر إلى أن يحرس الشعب من نفسه ومن النوازع السيئة التي تتمشى عادة في الشعوب المريضة، يقاتل بحكمة وقسوة كل ما يخيل إليه فيه فوضى أو تفسخ أو انحلال، يلمس هذه النوازع الملتهبة ويزيدها ضراماً دون أن يعود ضرر منها على القطيع وعلى راعي القطيع. قد تكون هذه المهنة نافعة من وجه، لأنها تهذب بعض الفاسد، وضارة من وجهه لأنها تقف عثرة في سبيل حركة التقدم الطبيعي

стр. 9581

ألا نجد (المرفأ) المرفأ الأمين الذي تأوي إليه هذه السفن المشحونة بالمرضى والمتألمين، هو الموت. . . الموت الذي يسكن كل الآلام ويذهب بكل الأوجاع؟ وهؤلاء الذين أظلمت في نفوسهم قوة الحياة تبقى قوة الإرادة عندهم متيقظة تعارك الفناء وتناضل العدم، وهي التي شوهت معنى الحياة عندهم، أمست تمدهم بقواعد للحياة جديدة، وحيل تعمل على تسكين آلامهم، تخدعهم عن حقيقة ألمهم، فيحس الكاهن انتفاعاً بهذه الغريزة الطبيعية، فيسوقها ويديرها ويثيرها حتى يجعل منها آلة سلطته وزعامتها، فيصبح زعيم جماعة لا تحصى من المرضى والمنحطين. وما هو الثمن يا ترى؟ (يتبع) خليل هنداوي

стр. 9582

القصص صور من هوميروس ٦ - حروب طروادة للأستاذ دريني خشبة لم يبق إذن على الأسطول إلا أن يقلع إلى طروادة فيدمرها تدميراً! ولكن البحر هادئ، والرياح نائمة، ولابد لهذه السفن المثقلة بالعدة والعديد من قوة هائلة تدفعها في هذا الخضم الساخر! الأيام تمضي دون أن تستيقظ الريح! والملال يدب في قلوب الجند من طول ما لبثوا في تلك الجهة من شاطئ العابس المتجهم لا يريمون! والميرة تكاد تنفذ!. . . . . والخيل تعلك حديدها كأنها برمت بهذا الركود! - (كالخاس!) - (مولاي!) - (أذهب يا رجل فاستوح لنا أربابك ماذا تنبغي لتطلق الرياح؟؟. . . . . . . .) - (لبيك يا مولاي) وانطلق عراف الحملة إلى المعبد القريب فمكث غير قليل، وعاد بقلبٍ موهون، وجسمٍ مضعضع، ووجه مغبر، وجبين كاسفٍ معقد - (ما ورائك يا كالخاس؟!) - (مولاي!. . . . . . . . .) - (تكلم! تكلم يا كالخاس!) - (الآلهة! الآلهة عطشى يا مولاي!) ولم يتمالك العراف الشيخ أن سقط على نفسه من الإعياء، ومما يخترم فؤاده من الهم! وأسقط في أيدي القادة. . . وعالجوا كالخاس بالماء، ودهنوه بالطيوب، حتى أفاق

стр. 9583

وقال العراف مخاطباً أجاممنون: - (مولاي؛ ابنتك يا مولاي!) - (ابنتي؟! ابنتي من؟) - (إفجينيا!. . .) - (ماذا؟ افجينيا مالها؟) - (لابد من تقديمها قرباناً! لابد من أن يطل دمها على مذبح الإله الأكبر!) - (ولمه؟) - (لكي تطلق الرياح من عقالها، ولكي تكون فدى للجيش كله، ولهيلاس جميعاً!!!) - (يا للهول! لا كانت هذه الحرب!) وما كاد يقولها حتى تكبكب القواد حوله، وطفقوا يترضونه: (من أجل الآلهة، وفي سبيل الوطن!)، والرجل يبكي وينشج، ويذهب نفسه شعاعاً!! وأمرهم أن يتركوه وحده ليرى رأيه. . . . فلما انصرفوا دعا إليه كالخاس، وأخذ معه في حوار طويل، ثم رجاه أن يذهب إلى المعبد فيضرع إلى الآلهة، عسى أن تقبل قرباناً آخر غير هذه الفتاة الحبيبة المنكودة، مهما غلت قيمة هذا القربان! وعاد كالخاس، وأخبر أن الآلهة لا تبتغي بافجنيا بديلا! وانهزم أجاممنون الأب، وانتصر أجاممنون المؤمن التقي الورع، الذي يقدس الآلهة، ويعرف لها قدرها، فأمر بقرطاس وقلم، وكتب إلى زوجه كليتمنسترا: (بشراك يا حبيبتي! أتعرفين أخيل؟ أخيل الذي أصبح ملء الأسماع والأفواه والقلوب! بطل هيلاس الذي وعدتنا الآلهة طروادة على يديه! الشاب الوسيم القسيم القوي الأبي الشجاع! يتقدم أخيل لخطبة إفجنيا - ابنتنا المحبوبة - ويود لو تزف إليه قبل أن يقلع الأسطول لتدمير طروادة! إنه لاشك سيرى في مرآة إفجنيا وطنه، وحينئذ يكون حرباً على الأعداء، ونقمة عليهم من السماء! أرسليها أيتها العزيزة، وأحب إلى أن تسرعي بإرسالها من دون ما جلبة ولا عناد، فالوقت

стр. 9584

ضيق ونحن على وشك الإبحار) (أجاممنون) وانطلق رقيق عجوز بالخطاب إلى آرجوس. . . حيث تثوى كليتمنسترا في قصرها المنيف (أتريدي) مع أبنتها أفجنيا، وأبنائها الآخرين! وخفق قلب الفتاة حينما أخبرتها أمها أن أخيل يريد يدها. فقد كانت هيلاس كلها تتحدث باسم الفتى، وتصلي للآلهة التي وفقته للانضمام إلى الجيوش الغازية خفق قلب إفجنيا. . . وكأنما غرقت في لجة من الأحلام التي تجيش عادةً في قلوب العذارى، حين يمر بهن هذا الطور الناعم الجميل من أطوار الحياة. . . ولكن ما الذي أوحى إلى أجاممنون بهذا التدبير؟ ولم أختار هذه الحيلة المكشوفة لاستدعاء ابنته التاعسة؟ لا ندري! لقد مرت أيام دون أن تحضر إفجنيا. ولم يكن الطريق طويلاً أو شاقاً بين أوليس وآرجوس حتى تتأخر كل هذه المدة. . . فهل حدث شيء؟. . . وكأنما طول الانتظار قد أثار العاصفة من جديد في قلب أجاممنون الأب! فبدا له ألا يصدع لهذا الظلم الأولمبي، ولو صار بعدها زنديقاً ملحداً مطروداً من جنة الآلهة، مغضوباً عليه من قلب الوطن!! قد كان! فانه استدعي الرقيق العجوز، الذي كان يحمل دائماً بريد القائد العام إلى آرجوس، ودفع إليه برقعة أمر فيها ألا تحضر إفجنيا!! وأمره أن يسرع بها إلى زوجه، قبل أن تكون قد أخذت أهبتما للسفر! وا أسفاه! لقد لقي منالايوس - شقيق أجاممنون وزوج هيلين وملك إسبارطة؛ والذي من أجله شبت هذه الحرب - الرقيق العجوز حامل الرسالة، فاستوقفه وقرأها! ودارت الدنيا بالملك المحزون، واحلولكت الحياة في عينيه وقصد من فوره إلى أخيه فانتهره، ونشبت بينهما معركة حامية من السباب والتعيير. يدفع أجاممنون عن ابنته، وفلذة كبده، ويفتديها بنفسه وبالدنيا وما فيها، ويعيره منالايوس بالمروق من الدين، وعصيان

стр. 9585

الآلهة، وشق عصا الطاعة على السماء! وإنهما لكذلك، إذا برسول بعلنهما أن كليتمنسترا، زوجة أجاممنون وابنتها إفجنيا، تستأذنان في المثول بين يدي الملك، ويدي القائد العام!! يا لسخرية المقادير؟ يتفجر الحنان في قلب منالايوس المتحجر، ويرق لأخيه البائس الملتاع، فيقول له: (أخي! أنقذها يا أخي! إنها ابنتي كما هي ابنتك، فأنقذها كما يحلو لك!!) ويبهت أجاممنون لهول الموقف، ولا يدري ماذا يقدم أو يؤخر؛ ثم يراه واقفاً وحده يبكي. . . كما يبكي الأطفال. . . بعد إذ غادره أخوه ويلمح زوجه مقبلة، فيصلح من شأنه، ويتكلف البشاشة والتبسم، وإنها لبشاشة باكية، وإنه لتبسم حزين!! - (أهلاً أهلا إفجنيا!! مرحباً مرحبا كليتمنسترا! سفر حميد ورحلة طيبة!! - (أين أخيل، وماذا أعددتم للاحتفال بالعروسين؟) - (أ. . . أ. . . أجل. ولكن لابد أن تعودي أنت إلى آرجوس!) - (أعود إلى آرجوس! أعود واترك ابنتي!) - (أجل! تعودين وتتركين إفجنيا!) - (والعرس! وإعلان الخطبة على الأقل؟ ألا أحضر شيئاً من ذلك؟ هذا لا يكون! لن أعود حتى أشهد كل شيء!) وتصر كليتمنسترا على بقائها حتى تحتفل بابنتها، وحتى ترى إلى هذا العسكر المجر والأساطيل المنتشرة في البحر كالدبى، تحي ابنتها وتحي أخيل، وترقص طرباً للعروسين!! ثم يحدث ما ليس في حسبان أحد!! يحضر أخيل ليقابل القائد العام، وليبدي له سخطه وسخط جنوده (الميرميدون) من طول هذا الانتظار الذي يبدو أن ليس له آخر. . . ويلح لديه في وجوب الإقلاع إلى طروادة مهما كلفهم الأمر! وما تكاد كليتمنسترا تسمع كلام أخيل، وتسمعه يذكر فرقة الميرميدون المشهورة في جميع الآفاق ببسالتها وكلفها الخارق بالحروب، حتى تعرفه أنه أخيل. . . أخيل بعينه. . . خطب

стр. 9586

ابنتها. . . وزوج إفجنيا الحبيب! فتتقدم إليه هاشةً محيية، حتى إذا أنس إليها، بدهته بالسؤال عن العرس! - (عرس؟ عرس ماذا؟) - (عرس ماذا؟ ألست أخيل! ألست قد تقدمت إلى أجاممنون، أمير آرجوس، تطلب أن تكون إفجنيا زوجة لك؟ ألم تطلب يد إفجنيا؟ تكلم!. . .) ولكن أخيل يسمر مكانه باهتا، لا يدري ماذا يقول، لأنه لا يعرف مما قالت السيدة شيئاً!! وتحملق الملكة في أخيل طويلاً، ويتصبب العرق من جبين إفجنيا، الفتاة البريئة، لما ترى من حيرة أمها، وارتباك هذا الجندي الباسق الجميل، الذي كانت تحلم به زوجاً كريماً لها؟! وكأن هذا الموقف لم يرض أحداً. . . حتى الرقيق العجوز، حامل بريد القائد العام؛ فقد انفجر هذا الخادم الأمين من شدة الحنق، فباح بكل شيء. . . . . .! باح بكل ما سمع من تحاور منالايوس الملك، وأجاممنون القائد الأعلى، بخصوص هذا الزواج المفترى: (مولاتي الملكة! خذي حذرك لفتاتك المسكينة، إنها ستذبح! إن الكهنة الأشرار سيذبحونها اليوم ليسقوا أربابهم الظامئة من دمها الثمين! إن أخيل الكريم لم يتقدم ليطلب يد إفجنيا! بل هو لا يعرف من أمر ذلك قليلاً أو كثيراً! هاهو أمامك فاسأليه!. . .) وكأن صواعق السماء جميعاً نزلت على قلوب القوم! لقد تحطمت كليتمنسترا! وذاب الثلج في عروق إفجنيا! وزلزل أجاممنون! أما أخيل! فقد شده، وحجبت ناظريه سحابة كثيفة من الذهول! ثم ما هو إلا أن أفيق فاضطربت به الأرض، وأحنقه أن يتخذ مطية لهذا العبث العابث، والسخرية المهينة! وصاح الشاب كأنه أسد مهيج، وانقدح شرر الغضب من عينيه، حتى خيف أن يبطش بأجاممنون وجنوده،. . . كيما يثأر لاسمه، ويطهر كرامته. . . وانتهزتها الملكة فرصة غالية لتنقذ ابنتها من القتل، فانبطحت عند قدمي أخيل تقبلهما، وتغسلهما بدموعها، متوسلة إليه أن يدفع عن إفجنيا، ويحول بينها وبين الموت! - (فان لم يكن بحسبك أن أمرغ خدي تحت قدميك لتكون حامي ابنتي، فإنها هي أيضاً

стр. 9587

تفعل مثلي يا أخيل! إنها تمرغ حر جبينها عند موطئ هذه القدم الطاهرة لتكون حاميها وحارسها!!) - (قفي يا سيدتي! وكلمي أباها في شأنها، فان لم يحل بينها وبين الموت، فإني سأقتتل من دونها حتى أنقذها من الهلاك، ولو حاربت هيلاس جميعاً!!) وترجو الأم زوجها أن يحول بين ابنته وبين هذه القتلة الشنيعة؛ ويتصدع قلب أجاممنون، وتنهمر دموعه شفقة على الفتاة التعسة. . . فيعد! ولكن. . . لآت حين موعد!! لقد نمى إلى العسكر أن أخيل أنذر أن سيقف دون الدم الذي أمرت الآلهة أن يراق فغيظوا وأحنقوا، وذهبوا إليه يتحسسون جلية الأمر، فصارحهم به، فانقضوا عليه يرشقونه بألسنتهم الحداد، ويرجمونه بحجارة الشاطئ. . . فولى مدبرا!! وريعت الأم حين رأت إلى الميرميدون - جنود أخيل الأمناء - يرجمون سيدهم فيمن يرجمه من الجنود الآخرين، فعولت على أن تحمل السلاح وتقف إلى جانبه، تذود هؤلاء الوحوش!! ولكن إفجنيا الصغيرة! إفجنيا الفتاة! إفجنيا العظيمة! وقفت في وجه أمها، وصرخت قائلة: (مكانك يا أماه! لن يموت أخيل من أجل فتاة! من أنا حتى يفتديني هذا البطل العظيم؟ وما حياتي التافهة في حياته المذخورة الغالية؟. . . إن رجلاً يحارب من أجل هيلاس، أجدر بالحياة من عشرة آلاف امرأة لا يستطعن إلى حرب من سبيل؟ أيها الجنود! خلوا سبيل سيدكم، فلن تفتح طروادة إلا عليه، كما أخبرت بذلك آلهتكم! ومادام النصر معلقاً بحياتي، فكم يبهجني أن أفتدى الوطن، وأرضى أربابي!! أن هيلاس كلها تنظر إلي اليوم! فهل فخرأكثر من أن أكون عند حسن ظنها بي!! أنا لها! أنا أفديك يا وطني! أماه! لا تحزني! انظري إلي! هأنا أبتسم للموت. . . . للقتل. . . . للذبح. . . . هلموا يا سادة. . . . هلموا. . . أين المذبح. . . صلوا من أجلي. . . تحيى هيلاس!. .) وفي هذه اللحظة فقط، تكبر إفجنيا في عيني أخيل، فيتمنى لو أجلت في حياتها لتكون زوجة كريمة له. . . ويعرض استعداده للمنافحة عنها بسيفه، ولكنها تنهاه، وتوصيه أن

стр. 9588

يعيش لوطنه، ويذب عن بيضته، ويعلي كلمته. . . وتنسكب دموع أخيل. . . ويسير الجميع وراء إفجنيا العظيمة. . . إلى. . . المذبح!! فيا للفتاة. . . ويا للأم. . . ويا لأخيل البطل! وتضع إفجنيا رأسها على رخامة المذبح، ويرهف الكاهن مديته. . . ولكن؟. . . لقد شده القوم. . .! ونظر بعضهم إلى بعض. . .! انهم ينظرون فلا يرون إفجنيا!! بل يرون مكانها ظبياً. . . رشاً غريراً!! إذن هي المعجزة!! لقد تفطر قلب ديانا الكريمة من أجل الفتاة، فهبطت من ذرى الأولمب لتنقذها. . . فرفعتها إلى السماء. . . ثم أرسلتها لتكون راهبة معبدها العظيم في مملكة توريس!! وارتفعت أغاني الغواني. . . يسبحن للآلهة العطشى!! (لها بقية) دريني خشبة

стр. 9589

أقصوصة عراقية نكتة العمامة للأستاذ محمود. أ. السيد على الشرفة الغربية الكبرى، في فندق دجلة الكبير، المشرف على الصالحية وجسرها، في ذات ليلة قمراء من ليالي صيف عام ١٩٣٥، كنا جماعة صغيرة من أخوان الصفاء، فيها طبيب وكيميائي وصحافي وأديب؛ نحف بسيدة فاضلة، وافدة من بلاد المجر للسياحة ودراسة تقاليد العرب، وأطوار سكان البادية، وأحوال العامة، والأدب الشعبي غير المكتوب في العراق نكرمها مكبرين همتها القعساء التي جشمتها عناء السفر إلى بلادنا، في هذا الفصل الذي يشتد حره؛ فهرب منه كثير من أهلها المترفين إلى مصائف لبنان وغير لبنان، فراحت تتنقل بين القبائل أياماً وأسابيع، ثم تعود إلى هذا القصر الذي أعده أصحابه نزلاً للتجار والسياح والسياسيين والعلماء الأجانب من الأوربيين وأمريكيين وغيرهم، لتدون مذكراتها العلمية، وتسجل ما تقف عليه من قصص وأساطير، وما يحكي لها الرواة من حكايات وروايات تستعين بها على أداء مهمتها العلمية، ولتستريح يوماً أو أياماً قليلة ثم تعود إلى زيارة القبائل والتنقل في القرى والمدن باحثة مدونة ثم تعود. . . ومع أنها كانت تبدو للرائي في أقل من الأربعين من العمر، فقد كان يعلوها جلال الشيوخ. وهي تنتمي إلى (عصبة علمية) تضم رجالاً أفذاذاً من الباحثين وعلماء المشرقيات. طويلة القامة، مغولية الملامح، لأنها من سلالة الهون. عالمة بخمس لغات ومنها التركية الحديثة التي تعلمتها في أستانبول. وقد عرفناها في ذلك الفندق مصادفة. وكنا نؤمه كل ليلة - في الشتاء والصيف - لنزجي فيه بعض أوقات فراغنا بالحديث والمسامرة، واستطلاع طلع (الغربيين) الكثيرين الذين نراهم فيه، فنتقرب إليهم متشوفين، متبينين نواياهم ونوايا حكوماتهم في بلادنا، منافحين عنها، ذاكرين لهم ما يخفى عليهم من محاسنها، وما في طبيعة قطينها وقطين الشرق كله، وقرارات نفوسهم من سمو في الخلق والعاطفة وقرب إلى الإنسانية والحق والخير، ناعين على الغرب ماديته وحضارته الرأسمالية الاستعمارية. وكثيراً ما كنا نجادلهم عن إيمان بحقنا وبحق الشعوب المظلومة في الحياة، فننتصر عليهم أحياناً بقوة الحجة، وينتصرون علينا أحياناً بالعناد والمغالطة والمكابرة وما إليها مما يتسلح

стр. 9590

الغربي به في مناضلة الشرقي اليوم وكان اسم هذه السيدة المجرية ماجدا قالت ماجدا تخاطبنا في شيء من الاستغراب: - (إليكم حادثة من حوادث قطركم هذا ما كان أغربها عندي إذ تلوتها مجملة في هذه الجريدة الإنكليزية التي تصدر عن عاصمتكم دار السلام بل التي كانت يوماً ما دار السلام) وأخرجت جريدة (التيمس) البغدادية من حقيبتها فألقتها على المائدة التي كانت في وسط مجلسنا مغطاة بأقداح الشاي وعدته. ثم ابتسمت ابتسمنا مدركين المعنى المقصود بقولها عن بغدادنا (التي كانت دار السلام) لأنها أصبحت دار الحرب منذ سنة ١٩١٧، الحرب النارية الدامية أولاً، والحرب السياسية ثانياً، وقالت: - (هل يصدق أحد منا نحن معشر الأوربيين لو سمع هذا الخبر في بلده، إذا كان يجهل حقيقة الحياة الاجتماعية في بلادكم: أن صبياً في الحادية عشرة من العمر وأخاً له أصغر منه يقتلان أختاً لهما لأنها انحرفت عن صراط العفاف. هذا ما تقوله هذه الصحيفة - اليوم - عن صبيين من حي (باب الشيخ). فواعجبا! حتى الصبيان تجعل منهم النخوة البدوية والغيرة قساة ذابحين؟) قلت وقد بدا لي أن أهون عليها ما سمعت: - (لقد نقلت هذا الخبر جريدة أخرى وقالت عن الصبين القاتلين إنهما يحترفان نحر الجزور لدى جزار. وربما كان احترافهما هذه الحرفة التي ألفا فيها رؤية الدماء والضحايا من الخراف وغيرها صباح مساء ذا أثر عميق في نفسيهما، فهان عليهما ما فعلا. وأرجو ألا ترى سيدتي الفاضلة في ذلك دليلاً على وجود ميل طبيعي في مواطنينا إلى التوحش وقتل الإنسان. . . وأردت أن أعلل الدوافع التي دفعت الصبيين إلى إتيان هذا الأمر، فلم تدع لي مجالاً للكلام، بل قالت، وقد مضت ترتشف الشاي وتبدي إعجاباً خارجاً عن موضوعنا بالقمر الزاهر المضيء فوق دجلة، في سماء معروفة بجمالها لدى كل غربي ساح في البلاد العربية وبلغ بغداد: - (كلا لم يخطر ببالي أن أتهم العرب العراقيين بالميل إلى التوحش وقتل الإنسان لعين الأسباب التي تدفع غيرهم من أبناء البلاد المتأخرة إلى القتل وإزهاق الأرواح ظلماً

стр. 9591

وعدوناً. ولكنني استغربت أن تقع في مثل هذه الآونة مثل هذه الحادثة التي تدل على روح قديم وعادات، كنا نقرأ في الكتب الباحثة في أحوال العرب وعاداتهم وأخلاقهم وتاريخهم أنها كانت، وحسبنا أنها زالت من جراء الاحتكاك والاتصال بالغرب، بعد دخول البريطانيين هذه الأقطار، منذ أكثر من ثمانية عشر عاماً، الاتصال الذي له حكمه في تغيير العادات والأخلاق) قال طبيب من أصحابنا باريسي التحصيل لاتيني الثقافة: - (لاشك في أنه كان لدخول الإنكليز بلادنا واتصال الغربيين بنا واتصالنا بهم اتصالاً لم يكن من قبل، تأثير في تغيير بعض العادات والأخلاق في المدن الكبرى ولا سيما العاصمة؛ ولكننا لو نظرنا ملياً في التغيير الذي حدث لوجدناه منحصراً لدى الطبقة العليا، وبعض أبناء الطبقات الأخرى، في الأسر التي تعددت فيها الدماء واختلف ميراث السلالات المختلفة المتواشجة بالتزاوج. فكانت النتيجة حدوث انحلال أخلاقي في أفرادها، لا نرى له مثيلاً في أبناء القبائل والأرياف والبوادي والعامة في المدن - الذين هم في الأصل القديم من أبناء القبائل - والذين ينتسب إليهم هذان الصبيان. ألا تؤيدونني في هذا الرأي يا رفاقي؟) سكت بعضنا، وقال بعضنا: - (بلى) وقال أحدنا وهو الصحافي: - (أن أكثر عاداتنا تقاليدنا - وقولي تقاليدنا أصح من قول السيدة الفاضلة والأخ الطبيب أخلاقنا - لم يتغير بعد. وأعني بتلك العادات والتقاليد ما كان متأصلاً في روح الشعب ممتزجاً بدمائه منذ قرون وأزمان. فالعراقي العربي الخالص في الزمن القديم الذي كان يقتل زوجه أو أية امرأة من آل بيته وذوي قرباه إذا ما حادت عن طريق العفاف واستزلها شيطان من الإنس وعبث بها فأثمت معه، هو هذا العراقي العربي - سواء أكان خالصاً في عروبته أم لم يكن وهو يدعيها - الذي يعيش في القرن العشرين، والذي يمثله خير تمثيل بطلا الحادثة التي أتاحت لنا الفرصة لهذا الحوار، إلا ما شذ من الناس. وهؤلاء الشاذون ممقوتون مكروهون يلبسون ثياب الخزي والعار أنى حلوا وأقاموا. وقد يوجد فارق بين

стр. 9592

رجل الأمس الذي كان يقدم على القتل وسفك الدم في بيته لدرء العار عنه، على الشبهة والظن، ورجل اليوم الذي يتبين ويتريث حتى يأتيه اليقين بما يصح أن يدعوه إلى ما لابد له منه لكي يجري حكم التقاليد، ويحيا في قومه عزيزاً شريفاً لا يطأطأ رأسه العار ولا يذله، ولكن هذا الفارق طفيف) قالت وقد لذها الحديث وزادها الولع بتدوين الحكايات والروايات عن تقاليدنا وعاداتنا شوقاً إلى استماع شيء جديد مما يدخل فيما خضنا فيه: - (ألا تحدثوني بحادثة من حوادث العهد السابق لعهدكم الحديث، أسجلها إلى جانب هذه الحادثة التي سوف أستقصيها وأدونها بتفاصيلها، فإنها تغني عن كثير مما يصح أن يروى عن قوة التقاليد - على ما يسميها السيد الصحافي - وشرف العامة وغيرتهم وحرصهم على المرأة من أن تمتد إليها يد الغريب بما يشينها ويدنسها؟) قلت: - (أي عهد تعنين؟) - (العهد الذي ختمته نهاية القرن التاسع عشر؛ إذ أننا نعتبر تلك النهاية آخر خيط من الليل السابق لعهد اليقظة في بلادكم، وبداية الاتصال بالعالم المتمدن) قلت: - (سأقص عليك قصة البطل الغيور عبد الحميد، وهي قصة لحادثة واقعة في النصف أو الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، مما حكى لنا مشايخنا من حوادث بلدنا هذا، قالوا: نكتة سوداء من سخام القدر كانت في عمامته ذات يوم، لم يفطن إليها، وقد جاء القهوة كما كان يجيئها كل يوم، مرفوعاً رأسه على الرؤوس، مفعمة نفسه بخيلاء الفحولة وكبرياء البطولة، البطولة التي اعتلى عرشها المكين في البلد بحق، فهابه الناس على اختلاف طبقاتهم، وتناول الرواة في الأحياء أخباره في كثير من الواقع الخطيرة التي صادف والأحداث التي شهد وكان الشطب - وهو آلة التدخين عند القوم في ذلك الزمن - المفضض الطويل في يسراه يدخن به مفكراً صامتاً ساهما، والدخان ينبعث من بين شدقيه كثيفاً لقد قال له صاحبه أحمد العلوي، وقد لقيه في الطريق قادما من بيته قبيل ساعة: (إن وسخا

стр. 9593

أو سخاماً على رأسه)، وانصرف لطيته. . . . وكان الناظر إلى وجهه يرى الشر عليه بادياً في وضوح وما عتم أن قام إلى بيته متثاقل الخطى، قابضاً بيده اليمنى على خنجره، رسول الموت الذي طالما أزهق الأرواح وعاد بعد قليل، فاقتعد مكانه الأول من القهوة، وجعل يدخن، كما كان. . . ومر به صاحبه، وكانت القهوة حافلة بالكهول والشيوخ ذوي النظرات القاسية والعمائم الكبيرة، فنظر إليه قليلاً، ثم أقبل عليه، فجلس إلى جانبه، ومال إليه برأسه يكلمه همساً: (أن في عمامتك لنكتة سوداء نبهتك إليها فلم تزلها بعد) كان الجواب نظرة تطاير منها الشرر، ولكن أحمد لم يفقه لها معنى وكان سكوت، ثم قام الرجل تاركاً صاحبه جالساً في مكانه، دهشاً، ومشى إلى بيته متثاقل الخطى، قابضاً بيمينه على خنجره ذلك الذي طالما أزهق الأرواح وعاد بعد قليل فاقتعد مكانه الأول من القهوة، بجانب صاحبه، ثم جعل يدخن كما كان. . . قال له أحمد: - (غريب هذا الذي أرى منك أيها الأخ! هل أنت آت من بيتك؟ كيف غفلت كذلك عن إزالة النكتة من السخام التي في عمامتك؟) وهنا أنفجر الرجل من شدة الغيظ، وقام على قدميه مرتجفاً، وقد دارت به الأرض الفضاء: - (ويلك لم تبقى إلا أمي العجوز!) تلك هي القصة التي قصها علينا المشايخ فيما قصوا وحفظوا من حكايات بغداد في زمن قديم خلا لقد نحر عبد الحميد زوجه وأخته بيده، واحدة تلو أخرى، كما ينحر الجزار الخراف والبقر، ليزيل السخام من عمامته. فعمامته هي التاج، تاج الشرف والعرض والكرامة فوق هامته في هذه الحياة، وشرفه وعرضه وكرامته شرف أسرته وعرضها وكرامتها، وكل أولئك من شرف قبيلته وحيه وعرضهما وكرامتهما، فان وسخ العار ذلك التاج ودنسه فلا يطهره منه إلا الدم والموت. ولم يلم الرجل على ما فعل أحد، لأنه فهم ما قال له صاحبه على غير حقيقته، بل لاموا صاحبه الذي لم يستطع إيضاح ما قصد بعبارته التي توهم سامعها

стр. 9594

الإشارة والرمز إلى العاب والعار. فعبد الحميد كان يمثل العربي العراقي ابن الشعب والقبائل بالأمس، وإن كان يسكن داراً في بلد لا خيمة في بادية؛ وهذان الصبيان يمثلانه اليوم أتم تمثيل. فهما وذاك في الحقيقة واحد في ثلاثة، وإن تباعد بينهما وبينه زمانهما وزمانه) قالت وكأنها استدرجتني إلى استعلام رأي لي فيما كنا نتحدث فيه: - (وما رأيك أنت في هذا العقاب الذي كانت تعاقب به المرأة عندكم إذا ما زلت بها القدم، وما زالت تعاقب به؟) - (لا يسمي الناس قتل المرأة عندنا إذا أثمت عقاباً، بل يسمونه - بحكم العادات والتقاليد الموروثة - محوا للعار وتطهيراً للعرض من الدنس. وإذا كنا نعتقد أن حياة الشعب المادية هي التي تملي عليه منهاج أخلاقه وتقرر له عاداته وتقاليده.) - (بلى. أعتقد ذلك. . .) - (. . . فان الحياة المادية لشعبنا الفقير المسكين لم تتغير بعد تغيراً جوهرياً بالاتصال بالغرب لكي تتغير تلك العادات والتقاليد لديه، بل تغيرت الحياة المادية في القصور، ولدى بعض المتفرنجين من الموظفين، وقولي هذا تعليل متمم لما كان قاله أخونا الطبيب. . .) (العراق، الأعظمية) محمود. أ. السيد

стр. 9595

البريد الأدبي جوابي لأخي محمد سيكون قصيراً كما تراه إنني في كتاباتي عن الشيخ جمال القاسمي ﵀ لم أدخل في علم الحديث دخول من تصدى لترجيح أو تجريح وخاض في الحديث خوض من يعلمه، بل بقيت واقفاً على الشاطئ، على حين أخي محمداً الكرد علي دخل في الموضوع وحكم فيه حكمه، وهو مع ذلك يقول إنني أنا وإياه لسنا من هذا العلم في وردٍ ولا صدر. فإذا كان الأمر كذلك فما كان أحراه بأن يترك انتقاد كتاب مؤلف في الحديث الشريف، وقد أطنب في وصفه مثل الأستاذ الأكبر السيد رشيد رضا ﵀ الذي إذا تكلم في هذا الفن يقال: القول ما قالت حذام أنا كان أكثر كلامي في محاسن الأستاذ الكبير الشيخ جمال القاسمي تغمده الله برحمته؛ فان كنت لست من علماء الحديث فأني لست جاهلاً معرفة الرجال، ولا مسلوباً مزية التمييز بينهم، ولولا حسن فراستي ما كان الأستاذ كرد على عظيماً في عيني، وقد اخترته لأخائي منذ اثنتين وربعين سنة أما السجع وما أدراك ما السجع، فالكلام العربي ينقسم إلى مرسل ومسجع، وموزون ومقفى، ولكل نوع من هذه الأنواع الثلاثة مقام يحسن فيه أكثر من غيره، والمرسل هو الكلام المعتاد الطبيعي الذي به أكثر تفاهم الناطقين بالضاد. والموزون المقفى هو الشهر الذي لا رونق للغات بدونه. والسجع وسط بين المرسل والموزون، وله وقع في النفوس لا جدال فيه، ويكفيه من الشرف أن كتاب الله تعالى قد نزل بهذه الطريقة، وأن نهج البلاغة وكثيراً من كلام أفصح العرب هو من النوع المسجع. ولا يقال في بديع الزمان والخوارزمي والصاحب والصابي والقاضي الفاضل وأمثالهم إنهم لم يحسنوا القول. فان كانت اللغات الأوربية ليس فيها سجع إلا ما ندر، فليس هذا بحجة على اللغة العربية، فلكل لغة خواص تمتاز هي بها، وقد خلق الله الناس أذواقاً مختلفة، وجعل لكل أناس مشربهم، والعرب غير العجم، والشرق غير الغرب جنيف ١٠ جمادى الآخرة شكيب أرسلان إلى الأديب الزحلاوي
следующие страницы →