← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 9591–9630 · переход к 9596.

стр. 9591

وعدوناً. ولكنني استغربت أن تقع في مثل هذه الآونة مثل هذه الحادثة التي تدل على روح قديم وعادات، كنا نقرأ في الكتب الباحثة في أحوال العرب وعاداتهم وأخلاقهم وتاريخهم أنها كانت، وحسبنا أنها زالت من جراء الاحتكاك والاتصال بالغرب، بعد دخول البريطانيين هذه الأقطار، منذ أكثر من ثمانية عشر عاماً، الاتصال الذي له حكمه في تغيير العادات والأخلاق) قال طبيب من أصحابنا باريسي التحصيل لاتيني الثقافة: - (لاشك في أنه كان لدخول الإنكليز بلادنا واتصال الغربيين بنا واتصالنا بهم اتصالاً لم يكن من قبل، تأثير في تغيير بعض العادات والأخلاق في المدن الكبرى ولا سيما العاصمة؛ ولكننا لو نظرنا ملياً في التغيير الذي حدث لوجدناه منحصراً لدى الطبقة العليا، وبعض أبناء الطبقات الأخرى، في الأسر التي تعددت فيها الدماء واختلف ميراث السلالات المختلفة المتواشجة بالتزاوج. فكانت النتيجة حدوث انحلال أخلاقي في أفرادها، لا نرى له مثيلاً في أبناء القبائل والأرياف والبوادي والعامة في المدن - الذين هم في الأصل القديم من أبناء القبائل - والذين ينتسب إليهم هذان الصبيان. ألا تؤيدونني في هذا الرأي يا رفاقي؟) سكت بعضنا، وقال بعضنا: - (بلى) وقال أحدنا وهو الصحافي: - (أن أكثر عاداتنا تقاليدنا - وقولي تقاليدنا أصح من قول السيدة الفاضلة والأخ الطبيب أخلاقنا - لم يتغير بعد. وأعني بتلك العادات والتقاليد ما كان متأصلاً في روح الشعب ممتزجاً بدمائه منذ قرون وأزمان. فالعراقي العربي الخالص في الزمن القديم الذي كان يقتل زوجه أو أية امرأة من آل بيته وذوي قرباه إذا ما حادت عن طريق العفاف واستزلها شيطان من الإنس وعبث بها فأثمت معه، هو هذا العراقي العربي - سواء أكان خالصاً في عروبته أم لم يكن وهو يدعيها - الذي يعيش في القرن العشرين، والذي يمثله خير تمثيل بطلا الحادثة التي أتاحت لنا الفرصة لهذا الحوار، إلا ما شذ من الناس. وهؤلاء الشاذون ممقوتون مكروهون يلبسون ثياب الخزي والعار أنى حلوا وأقاموا. وقد يوجد فارق بين

стр. 9592

رجل الأمس الذي كان يقدم على القتل وسفك الدم في بيته لدرء العار عنه، على الشبهة والظن، ورجل اليوم الذي يتبين ويتريث حتى يأتيه اليقين بما يصح أن يدعوه إلى ما لابد له منه لكي يجري حكم التقاليد، ويحيا في قومه عزيزاً شريفاً لا يطأطأ رأسه العار ولا يذله، ولكن هذا الفارق طفيف) قالت وقد لذها الحديث وزادها الولع بتدوين الحكايات والروايات عن تقاليدنا وعاداتنا شوقاً إلى استماع شيء جديد مما يدخل فيما خضنا فيه: - (ألا تحدثوني بحادثة من حوادث العهد السابق لعهدكم الحديث، أسجلها إلى جانب هذه الحادثة التي سوف أستقصيها وأدونها بتفاصيلها، فإنها تغني عن كثير مما يصح أن يروى عن قوة التقاليد - على ما يسميها السيد الصحافي - وشرف العامة وغيرتهم وحرصهم على المرأة من أن تمتد إليها يد الغريب بما يشينها ويدنسها؟) قلت: - (أي عهد تعنين؟) - (العهد الذي ختمته نهاية القرن التاسع عشر؛ إذ أننا نعتبر تلك النهاية آخر خيط من الليل السابق لعهد اليقظة في بلادكم، وبداية الاتصال بالعالم المتمدن) قلت: - (سأقص عليك قصة البطل الغيور عبد الحميد، وهي قصة لحادثة واقعة في النصف أو الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، مما حكى لنا مشايخنا من حوادث بلدنا هذا، قالوا: نكتة سوداء من سخام القدر كانت في عمامته ذات يوم، لم يفطن إليها، وقد جاء القهوة كما كان يجيئها كل يوم، مرفوعاً رأسه على الرؤوس، مفعمة نفسه بخيلاء الفحولة وكبرياء البطولة، البطولة التي اعتلى عرشها المكين في البلد بحق، فهابه الناس على اختلاف طبقاتهم، وتناول الرواة في الأحياء أخباره في كثير من الواقع الخطيرة التي صادف والأحداث التي شهد وكان الشطب - وهو آلة التدخين عند القوم في ذلك الزمن - المفضض الطويل في يسراه يدخن به مفكراً صامتاً ساهما، والدخان ينبعث من بين شدقيه كثيفاً لقد قال له صاحبه أحمد العلوي، وقد لقيه في الطريق قادما من بيته قبيل ساعة: (إن وسخا

стр. 9593

أو سخاماً على رأسه)، وانصرف لطيته. . . . وكان الناظر إلى وجهه يرى الشر عليه بادياً في وضوح وما عتم أن قام إلى بيته متثاقل الخطى، قابضاً بيده اليمنى على خنجره، رسول الموت الذي طالما أزهق الأرواح وعاد بعد قليل، فاقتعد مكانه الأول من القهوة، وجعل يدخن، كما كان. . . ومر به صاحبه، وكانت القهوة حافلة بالكهول والشيوخ ذوي النظرات القاسية والعمائم الكبيرة، فنظر إليه قليلاً، ثم أقبل عليه، فجلس إلى جانبه، ومال إليه برأسه يكلمه همساً: (أن في عمامتك لنكتة سوداء نبهتك إليها فلم تزلها بعد) كان الجواب نظرة تطاير منها الشرر، ولكن أحمد لم يفقه لها معنى وكان سكوت، ثم قام الرجل تاركاً صاحبه جالساً في مكانه، دهشاً، ومشى إلى بيته متثاقل الخطى، قابضاً بيمينه على خنجره ذلك الذي طالما أزهق الأرواح وعاد بعد قليل فاقتعد مكانه الأول من القهوة، بجانب صاحبه، ثم جعل يدخن كما كان. . . قال له أحمد: - (غريب هذا الذي أرى منك أيها الأخ! هل أنت آت من بيتك؟ كيف غفلت كذلك عن إزالة النكتة من السخام التي في عمامتك؟) وهنا أنفجر الرجل من شدة الغيظ، وقام على قدميه مرتجفاً، وقد دارت به الأرض الفضاء: - (ويلك لم تبقى إلا أمي العجوز!) تلك هي القصة التي قصها علينا المشايخ فيما قصوا وحفظوا من حكايات بغداد في زمن قديم خلا لقد نحر عبد الحميد زوجه وأخته بيده، واحدة تلو أخرى، كما ينحر الجزار الخراف والبقر، ليزيل السخام من عمامته. فعمامته هي التاج، تاج الشرف والعرض والكرامة فوق هامته في هذه الحياة، وشرفه وعرضه وكرامته شرف أسرته وعرضها وكرامتها، وكل أولئك من شرف قبيلته وحيه وعرضهما وكرامتهما، فان وسخ العار ذلك التاج ودنسه فلا يطهره منه إلا الدم والموت. ولم يلم الرجل على ما فعل أحد، لأنه فهم ما قال له صاحبه على غير حقيقته، بل لاموا صاحبه الذي لم يستطع إيضاح ما قصد بعبارته التي توهم سامعها

стр. 9594

الإشارة والرمز إلى العاب والعار. فعبد الحميد كان يمثل العربي العراقي ابن الشعب والقبائل بالأمس، وإن كان يسكن داراً في بلد لا خيمة في بادية؛ وهذان الصبيان يمثلانه اليوم أتم تمثيل. فهما وذاك في الحقيقة واحد في ثلاثة، وإن تباعد بينهما وبينه زمانهما وزمانه) قالت وكأنها استدرجتني إلى استعلام رأي لي فيما كنا نتحدث فيه: - (وما رأيك أنت في هذا العقاب الذي كانت تعاقب به المرأة عندكم إذا ما زلت بها القدم، وما زالت تعاقب به؟) - (لا يسمي الناس قتل المرأة عندنا إذا أثمت عقاباً، بل يسمونه - بحكم العادات والتقاليد الموروثة - محوا للعار وتطهيراً للعرض من الدنس. وإذا كنا نعتقد أن حياة الشعب المادية هي التي تملي عليه منهاج أخلاقه وتقرر له عاداته وتقاليده.) - (بلى. أعتقد ذلك. . .) - (. . . فان الحياة المادية لشعبنا الفقير المسكين لم تتغير بعد تغيراً جوهرياً بالاتصال بالغرب لكي تتغير تلك العادات والتقاليد لديه، بل تغيرت الحياة المادية في القصور، ولدى بعض المتفرنجين من الموظفين، وقولي هذا تعليل متمم لما كان قاله أخونا الطبيب. . .) (العراق، الأعظمية) محمود. أ. السيد

стр. 9595

البريد الأدبي جوابي لأخي محمد سيكون قصيراً كما تراه إنني في كتاباتي عن الشيخ جمال القاسمي ﵀ لم أدخل في علم الحديث دخول من تصدى لترجيح أو تجريح وخاض في الحديث خوض من يعلمه، بل بقيت واقفاً على الشاطئ، على حين أخي محمداً الكرد علي دخل في الموضوع وحكم فيه حكمه، وهو مع ذلك يقول إنني أنا وإياه لسنا من هذا العلم في وردٍ ولا صدر. فإذا كان الأمر كذلك فما كان أحراه بأن يترك انتقاد كتاب مؤلف في الحديث الشريف، وقد أطنب في وصفه مثل الأستاذ الأكبر السيد رشيد رضا ﵀ الذي إذا تكلم في هذا الفن يقال: القول ما قالت حذام أنا كان أكثر كلامي في محاسن الأستاذ الكبير الشيخ جمال القاسمي تغمده الله برحمته؛ فان كنت لست من علماء الحديث فأني لست جاهلاً معرفة الرجال، ولا مسلوباً مزية التمييز بينهم، ولولا حسن فراستي ما كان الأستاذ كرد على عظيماً في عيني، وقد اخترته لأخائي منذ اثنتين وربعين سنة أما السجع وما أدراك ما السجع، فالكلام العربي ينقسم إلى مرسل ومسجع، وموزون ومقفى، ولكل نوع من هذه الأنواع الثلاثة مقام يحسن فيه أكثر من غيره، والمرسل هو الكلام المعتاد الطبيعي الذي به أكثر تفاهم الناطقين بالضاد. والموزون المقفى هو الشهر الذي لا رونق للغات بدونه. والسجع وسط بين المرسل والموزون، وله وقع في النفوس لا جدال فيه، ويكفيه من الشرف أن كتاب الله تعالى قد نزل بهذه الطريقة، وأن نهج البلاغة وكثيراً من كلام أفصح العرب هو من النوع المسجع. ولا يقال في بديع الزمان والخوارزمي والصاحب والصابي والقاضي الفاضل وأمثالهم إنهم لم يحسنوا القول. فان كانت اللغات الأوربية ليس فيها سجع إلا ما ندر، فليس هذا بحجة على اللغة العربية، فلكل لغة خواص تمتاز هي بها، وقد خلق الله الناس أذواقاً مختلفة، وجعل لكل أناس مشربهم، والعرب غير العجم، والشرق غير الغرب جنيف ١٠ جمادى الآخرة شكيب أرسلان إلى الأديب الزحلاوي

стр. 9596

اطلعت على كلمتكم المنشورة بعدد (الرسالة) الأخير. الخاصة بقصيدتي المنشورة في (مجلتي) ولما كنت لم يسبق لي التشرف بقراءة شيء، ولم أسمع مطلقاً قبل اليوم عن شاعركم الدمشقي عفلق أفندي؛ فإني أرجوكم أن تتكرموا بنشر قصيدتي وقصيدته معاً. وأعتقد أن الأستاذ صاحب (الرسالة) لا يمانع في ذلك مادام قد سمح لك أن توجه ما كتبت إلي والفت نظر زحلاوي أفندي إلى أن المقطعين الذين انتخبهما لي ولعفلق أفندي ليس فيهما ذرة من التشابه، فما الشبه، بين (أعولي يا جراح) و (اعصفي يا رياح)، وما الشبه بين (أسمعي الديان) وبين (اهزئي بالسماء)!! إن هذا لفهم عجيب ختاماً لك وللأستاذ صاحب الرسالة تحياتي. الدكتور إبراهيم ناجي حول مستعرب عظيم اطلعت في العدد الخامس عشر بعد المائة من (الرسالة) الغراء على مقالة الأستاذ المؤرخ محمد كرد بك التي يترجم فيها للأستاذ المستشرف الدكتور ف. كرنكو، ويثني على خدماته لأدب العرب وقد رأيت من الواجب أن أستدرك على الأستاذ كرد علي بك بعض ما أعرفه عن هذا المستشرق المخلص. فقد كان أستاذاً للآداب الإسلامية في جامعة في ألمانيا، وكان مما يدرسه هنالك (كتاب علوم الحديث لابن الصلاح)، كما هو من أعضاء بعض المجامع العلمية ومن عظيم خدماته تحقيقه لمعجم الشعراء للمرزباني الذي طبع في القاهرة في هذا العام؛ وفي مقدمته (المؤتلف والمختلف في أسماء الشعراء وألقابهم وأنسابهم، ومختار أشعارهم للآمدى) ومما صححه كتاب (من يسمى عمراً من الشعراء)، وهي رسالة بعث بها محمد بن داود بن الجراح إلى أبي أحمد يحيى بن علي ابن يحيى بن أبي المنصور المنجم. ترجم فيها لما يزيد على مائتي شاعر ممن يسمى عمراً

стр. 9597

وصحح أيضاً التاريخ الكبير للبخاري، وهو تحت الطبع في الهند. . . إلى غير ذلك مما يستحق عليه شكر العلماء والأدباء من أهل الشرق والغرب محمد شفيق النونة تابع الأستاذ (دريني خشبة) في مقالة في (الرسالة) (العدد ١١٣) بعض الكتاب في إطلاق لفظ (النّونة) على الخط الذي يلي الأنف في الخد البارز المستدير، وسأل الرسالة رأيها في صحة هذا الإطلاق والمعروف أن (النونة) هي النقرة في ذقن الصبي، كما جاء في اللسان والقاموس والتاج والنهاية وغيرها، وفي حديث عثمان أنه رأى صبياً مليحاً فقال: (دسموا نونته كي لا تصيبها العين) أي سودوها. وقال الأزهري: هي الخنعبة والثومة والهزمة والوهدة والقلدة والهرتمة والعرتمة والحثرمة على أن الخنعبة والثومة ليست النقرة في الذقن كما قال الأزهري، ولكنها مشق ما بين الشاربين، أي إنما هي هذه الوهدة التي تمتد من وترة الأنف إلى منتصف الشفة العليا والهزمة كل نقرة في الجسد، وتخص بالنقرة التي في أعلى الصدر مما تحت العنق والهرتمة والحثرمة والعرتمة: الدائرة التي في أعلى الشفة العليا، وليس في ذلك ما يصح إطلاقه على الخط الذي يلي الأنف، وإنما ذلك الخط هو القسمة، والله أعلم. علي الطنطاوي سيرة تيمورلنك سألني أحد أدباء الخرطوم عن كتاب عربي يقرأ فيه سيرة الفاتح التتري الكبير تيمورلنك، فأجيبه على صفحات الرسالة بأن أنفس مصدر في هذا الموضوع هو كتاب (عجائب المقدور في أخبار تيمور) لشهاب الدين المعروف بابن عربشاه الدمشقي؛ وهو قطعة فذة من الأدب التاريخي والبيان الرائع؛ وقد كتبه مؤلفه بعد وفاة تيمور بنحو جيل فقط، واستقصى أخباره من مصادرها ومواطنها، وشهد غزوه لدمشق صغيراً، وقد طبع هذا الكتاب مراراً بمصر وأوربا وترجم إلى اللاتينية منذ القرن السابع عشر

стр. 9598

ويستطيع الأديب الفاضل أن يقرأ طرفاً من أخبار تيمور أيضاً في تاريخ مصر لابن اياس (ج١ ص٣٢٦ وما بعدها) وفي النجوم الزاهرة في حوادث سنة ٨٠١ و٨٠٢ و٨٠٣ و٨٠٤هـ؛ وفي السلوك في دول الملوك للمقريزي (مخطوط) في الأجزاء الأخيرة؛ وبالإنكليزية في كتاب جيبون (الفصل الخامس والستون)، ويستطيع أن يقرأ عن ابن عربشاه مؤرخ تيمور وعن بعض المصادر المتعلقة به في كتابي (مصر الإسلامية) (الفصل الخامس من الكتاب الثاني)؛ وفي كتابي أبن خلدون (ص٨٠ - ٨٦) م. ع. ع كتاب عين النقد المصري لفت نظرنا فصل نشرته جريدة (تسيرشر تسيتونج) السويسرية الألمانية في صحيفتها التجارية في عددها الصادر في ٥ سبتمبر عن كتاب اقتصادي ألفه أحد مواطنيها المصريين بالإنكليزية، ونشرته إحدى شركات النشر في لندن، وعنوان الكتاب هو: (النظام النقدي في مصر) ومؤلفه هو الأستاذ محمد علي رفعت. وفي هذا الفصل عرض دقيق ممتع لما احتواه الكتاب، فهو يتضمن تاريخ النقد المصري من سنة ١٨٣٤، أي منذ عهد الإصلاح أيام محمد علي إلى سنة ١٨٨٥، أي إلى بدء الاحتلال الإنكليزي، ثم إلى سنة ١٩١٤؛ وشرحاً وافياً لنظام النقد في مصر؛ ويخصص المؤلف فراغاً كبيراً للتحدث عن المؤسسة المصرية الاقتصادية الكبرى أعني بنك مصر، ونموه السريع المدهش، ونشاطه المشعب الذي يحمل على الإعجاب، وشركاته العديدة التي شغلت أعظم ركن في النهضة الاقتصادية، وأثره القوي في تطور الاقتصادي المصري، ويعتبر المؤلف إنشاء بنك مصر، بحق فاتحة النهضة الاقتصادية المصرية وعمادها الحصين. ويحدثنا أيضاً عن أحوال البنوك في مصر بصفة عامة، وعما للمال الأجنبي من أثر كبير في شؤوننا الاقتصادية وغير ذلك مما يتعلق بموضوع مؤلفه هذا هو ملخص الفصل الذي قرأناه في جريدة (تسيرشر تسيتونج)، ولم نحط برؤية كتاب الأستاذ رفعت، ولكنا اغتبطنا أن تهتم جريدة سويسرية نائية بنقد كتاب لمواطن فاضل. والذي يدعو إلى الأسف في ذلك هو أنه بينما نجد مثل هذا الاهتمام من جانب الصحافة

стр. 9599

الأجنبية بالجهود العلمية أيا كان مصدرها، إذا بنا نجد الصحافة المصرية على النقيض من ذلك لا تكاد تهتم باستعراض أي مجهود علمي محلي، ولولا أنها نلزم هذا الركود النقدي المؤلم، لكنا قرأنا عن كتاب الأستاذ رفعت وكتب غيره من مواطنينا الفضلاء، فصولا وفصولا قبل أن نقرأ عنه في الجريدة السويسرية. فمتى تعنى صحافتنا بهذا الجانب المنسي من مهمتها؟ ومتى تعنى بالنقد العلمي الصحيح، وتحله منها المكان اللائق؟ شعر الزهاوي يترجم إلى الألمانية ترجم الأستاذ الدكتور ودمر أستاذ فلسفة في جامعة برن إلى اللغة الألمانية شعراً ملحمة الأستاذ الزهاوي التي عنوانها: (ثورة في الجحيم) مع خمسين قصيدة وثلاث وخمسين رباعية، ونشر كل ذلك في كتاب جعل عنوانه: (جميل صدقي الزهاوي) وقد صدر الجزء الأول منه الابتذال الرفيع اشتهر الأمريكيون بالشذوذ في كثير من الأمور؛ ولكن لم يكن من المتصور أن يطغى هذا الشذوذ حتى على الاعتبارات والتقاليد العلمية التي ترتفع في كل البلاد المتمدينة عن كل ابتذال. فقد قرأنا في بعض الأنباء الأخيرة أن الأمريكيين ينتظرون عودة الممثلة السينمائية الشهيرة جريتا جاربو إلى أمريكا بفارغ الصبر، وأنهم اعتزموا أن يظهروا إعجابهم بها وبمواهبها بطريقة جديدة لم تكن تخطر على البال. وذلك أن (جامعة جنوب كاليفورنيا) قد أصدرت قراراً خلاصته أن تدعى جريتا جاربو من هوليود إلى حفلة استقبال تقيمها الجامعة وتمنح فيها الممثلة الشهيرة إجازة (الدكتوراه الفخرية) تقديراً لمواهبها الفنية، وينتظر أن يكون هذا الاحتفال الأول من نوعه فريداً في فخامته وطرافته، وفيه تلقي جريتا محاضرة في موضوع فني. ويقال فوق ذلك إن الممثل الهزلي الشهير شارلي تشابلن، سيدعى إلى الجامعة لنفس الغرض وسيمنح إجازة فخرية لنفس الاعتبارات، تقول، وهكذا يبتذل كل شيء في أمريكا، حتى التقاليد العلمية التي تتخذ في كثير من الأمم والجامعات العريقة لوناً من القدسية؛ ولكن أمريكا ليست بلداً عريقاً في المدنية ولا التقاليد، والعلم فيها بضاعة مزجاة، والإجازات الجامعية فيها لا اعتبار لها، وهي تنثر على الطالبين بأيسر أمر

стр. 9600

ذكرى لوبي دي فيجا احتفلت أسبانيا احتفالاً قومياً شائقاً بذكرى شاعرها الأكبر لوبي دي فيجا لمناسبة مرور ثلاثمائة عام على وفاته. وقد سبق أن ترجمنا الشاعر الأشهر في هذا المكان من الرسالة، وقدمنا خلاصة نقدية عن حياته وخواصه الشعرية والأدبية. والآن نقول إن العاصمة الأسبانية قد احتفلت بذكرى الشاعر أعظم احتفال؛ وخصصت الأيام الأخيرة من أغسطس لإقامة الحفلات والمآدب الشائقة. وكان من أظهر خواص هذه الاحتفالات المسارح العديدة التي أقيمت في العراء لتمثيل روايات لوبي دي فيجا؛ وقد أراد الشعب الأسباني بذلك أن يحي أيام الشاعر وصور عصره، وسار الممثلون إلى هذه المسارح الريفية، في عربات النقل كما كان يحدث أيام الشاعر. وقد كان التأليف للمسرح أحد كفايات لوبي دي فيجا؛ فقد كان شاعراً وجندياً وقساً، وباحثاً، وقد كأن أيضاً شريداً وخليعاً وصعلوكاً؛ وقد خدم في حملة (الارمادا) الشهيرة التي جردت على إنكلترا، وقضى معظم وقته على ظهر السفينة يقرض الشعر. وقد هذب المسرح الأسباني ووهبه أثمن تراث وأجله غرفة الكتب من الأنظمة الغربية التي أنشأت في روسيا السوفيتية إدارة تسمى (غرفة الكتاب المركزية) فلا يصدر في روسيا السوفيتية وجميع الجمهوريات الملحقة بها كتاب أو مجلة أو جريدة لا تسجل في هذه الإدارة، وقد أصدرت الحكومة قانوناً يحتم على الناشر أن يقدم إليها خمسين نسخة من الكتاب أو الصحيفة التي ينشرها، وتستخدم الغرفة المركزية من هذا العدد خمس نسخ لأجراء المبادلة الدولية في الكتب التي تصدر في الدول الأخرى ثم تدرس كل كتاب أو صحيفة من الوجهة الفهرسية، وتصدر عن ذلك مجموعات دورية مصنفة حسب أنواع الفنون والعلوم، وقد بلغت فهارس هذه الغرفة حتى اليوم نحو ستين ألف مجلد، وفي وسع المعاهد العلمية والمكاتب العامة وكذلك الأفراد أن ينتفعوا بمحتوياتها النفيسة الذكرى المئوية لوزارة المعارف تألفت لجنة برياسة صاحب السعادة وزير المعارف العمومية وعضوية كل من وكيل الوزارة، ومدير الجامعة المصرية، ومرقص سميكة باشا، وأمين سامي باشا، ومحمد أسعد

стр. 9601

براده بك، ومحمد خالد حسنين بك، وإبراهيم درويش بك، ومحمد نصار بك، والأستاذ الخليل مطران لتحضير ما يلزم للاحتفال بالذكرى المئوية لإنشاء ديوان المعارف التي تقع في غضون شهر فبراير سنة ١٩٣٧ ووضع كتاب ذهبي تستعرض فيه سياسة التعليم ونظمه المختلفة في مصر منذ العصور الأولى النشيد القومي الرسمي أصدر حضرة صاحب السعادة الأستاذ أحمد نجيب الهلالي بك وزير المعارف القرار التالي: نظراً لما للأناشيد القومية من الأثر القوي في إظهار جلال الأمة، والتنويه بعظمتها، وإيقاظ شعور الشعب حين يتناشدها، والحاجة إلى نشيد من هذا النوع يلقى في المناسبات القومية والدولية، أسوة بالدول المتحضرة وبما أنه لا يوجد لمصر في الوقت الحاضر نشيد قومي معترف به رسمياً مما يتعين معه المبادرة لسد هذا النقص بتشكيل هيئة يعهد إليها وضع شروط مباراة عامة لاختيار نشيد يحقق أغراض الأناشيد القومية أصدرنا القرار الآتي: المادة الأولى - تشكل لجنة من: حضرة صاحب العزة أحمد لطفي السيد بك مدير الجامعة المصرية رئيساً حضرات: الأستاذ خليل مطران، الأستاذ علي الجارم المفتش بالوزارة، الدكتور محمود أحمد الحفني مفتش الموسيقى بالوزارة، عبد الله سلامة أفندي مفتش التربية البدنية بالوزارة، أعضاء المادة الثانية - تكون مهمة اللجنة وضع شروط مباراة عامة بين الشعراء والموسيقيين لنظم وتلحين نشيد قومي يكون صالحاً للاعتراف به رسمياً المادة الثالثة - تعين جوائز مالية تمنح على الوجه الآتي: (أ) ٥٠ جنيهاً مصرياً يمنحها الفائز الأول في نظم النشيد الذي يعترف به رسمياً (ب) ٣٠ جنيهاً مصرياً يمنحها الفائز الثاني (جـ) ٢٠ جنيهاً مصرياً يمنحها الفائز الثالث (د) ٥٠ جنيهاً مصرياً يمنحها الفائز الأول في تلحين النشيد الذي يعترف به رسمياً

стр. 9602

(هـ) ٣٠ جنيهاً مصرياً يمنحها الفائز الثاني (و) ٢٠ جنيهاً مصرياً يمنحها الفائز الثالث المادة الرابعة - على وكيل الوزارة تنفيذ هذا القرار

стр. 9603

الكتب الجبل الملهم لناظمه الشاعر اللبناني (شارل القرم) للأستاذ خليل هنداوي ألفت ألا أكتب عن كتاب إلا بعد ركود الضجة التي تقوم حوله، سواء عندي أكانت ضجة استحسان أم ضجة استهجان، ثقة مني بأن النسمة الهادئة تكن ما لا تكن الريح العاتية. والآن وقد هدأت الضجة حول ديوان الجبل الملهم، وقر ضمير صاحبه بعد أن أحرز على جائزة (ادغاريو) الفرنسية، واطمأن وجدانه للحفلة الرائعة التي سيخطب فيها أدباء لبنان، مرحبين بشاعر تغني بجمال لبنان! وخلاصة تلك الضجة التي قامت والتي ستقوم عبارات ثناء بدون كيل، وجمل ولاء بلا وزن، ترفع (شارل القرم) إلى ذروة دونها الذرى التي تغني بها وتحدث بجمالها، وكيف لا يرفع النبوغ أصحابه في بلاد يعرف أهلها معنى النبوغ ويرعون حق النبوغ ويقدرون قدر النبوغ؟ تناولت ديوان (الجبل الملهم) من بين دواوين كلها عيون رانية إلي، يستنجز أصحابها مني وعداً بالكتابة عنها، فآثرت الالتذاذ بديوان يحدثني - في الصيف - عن الجبل الملهم، فأهملت من هم أدنى إلي وعكفت على الجبل الملهم أتلوه بشوق وغبطة ولذة. وقد شغلت نفسي بتأمل الأمثلة الفنية فيه، كاملة هنا متوسطة هناك ناقصة هنالك، وأنا برغم هذا التفاوت في مراحله لم أدع لغبطتي مجالاً لهزيمة هنالك أجزاء متفككة عملت على وصلها بخيالي، وهناك اضطراب كثير في ألحان بعض الأوزان التي جاءت كثرة تنوعها زيادة في التشويش، فلا تكاد تهدأ الأذن إلى لحن حتى يطلع لحن آخر تنبو عنه. فحملت ذلك إلى نقص في الكفاءة الفنية التي تحتاج إلى تمرين كبير، وهنالك بعض تشابيه تمجها آذان أهل البلاد أنفسهم، لأنها لا تمازج روح لغتهم، ولا توائم نفس عبقريتهم، كتشبيه الشمس (بصابون السحاب)، وهنالك ضياع المثل الأعلى الذي يتبعه الشاعر بحيرة، يتبعه بقلب موزع مضطرب، فلا يدرك ما هو هذا المثل ولا

стр. 9604

يدري أين يجده. لا يعتمد على عقله ولا يثق بروحه. يحارب بعض التقاليد ويؤمن ببعضها إيماناً أعمى: يتطرف في كل شيء يحبه أو ينفر منه. كأنما قلبه لا يغلب عليه اعتدال ولا استقرار هذه بعض الصفات تطالعك من الديوان وددت أن أتوسع فيها توسعاً فنياً، ووددت أن يكون بحثي متعلقاً بها، وقفاً عليها، لولا ظاهرة خطرة غريبة كامنة في إحدى الثنايا، ما وقعت عليها حتى ارتعشت وعاودني ألم عفيف وشك في المستقبل. فتركت تلك التعليقات الفنية التي تتعلق بأصحابها وجابهت هذه الظاهرة الاجتماعية التي لها خطرها في حياتنا وبيئتنا وقوميتنا تلوت هذه الأبيات التي يتحدث بها عن اللغة العربية: (إننا ننطق اليوم لغة جاءت من آسيا قد فرضها علينا القتل والرعب وباطلاً نضع فيها الفن والشعر والعلم والإيمان)! (إننا لن ننظر إلى العربية نظرنا إلى أخ يدعى إلى منزل أبيه إن هذه الزهرة الصحراوية قد تقبلتها حدائقنا تحت ضغط حكومة قاسية) (قبلناها وهذبناها وأدعمناها باعتنائنا الشديد ولكن الإسلام لا يرضى بأن تكون هذه اللغة المرفوعة على جباهنا - لنا) (أن هذه الكلمات الغربية (اللغة السريانية) التي يتلقنها أبناؤنا لم تكن يوماً غريبة عنا بل يكاد يخيل إلينا أن قلوبنا تذكر يوماً نحتتها فيه) (ولكن هؤلاء الذين يجحدون أصلنا اللاصق بنا. . .

стр. 9605

هؤلاء المنفصلين عنا، المسلوخين من أذرعنا الأغنياء بالنفي. . . هؤلاء يحتقرون أصلهم. كما يفعل الأعزاء العاقون الناكرون الإحسان) تلوت هذه الفقرات وأنا أكذب نفسي وأتهمها. أحقاً أرى صاحب الجبل الملهم يتنصل من اللغة العربية، ويعتبرها زهرة غربية نبتت طفيلية في حدائق لبنان؟ أحقاً يرى صاحب الجبل الملهم أن هذه اللغة قد فرضت على أهل لبنان بالسيف والدم؟ فإذا كان الشاعر لم يكتب له نصيب ولا سهم في هذه اللغة لا في نطق ولا كتابة، فما له يعمل على التنكر منها وضربها في الصميم! وما بال أصحابنا اللبنانيين يشايعونه على هذا. وهم علموا ما للعربية من فضل ومآثر. وعلموا أن الإسلام لم يفرضها عليهم بالقتل والضرب. وإنما فرضت نفسها وعملت على فرض نفسها. ومتى كانت اللغات تلين لإرادات الأفراد؟ وهل السريانية أخت العربية لو كان في أجلها فسحة تذوقت رداها؟ وماذا في السريانية من أدب وفن يتعلق بأحشاء لبنان، ويصطبغ بدم لبنان؟ وأما أن الشاعر لا يريد الكتابة بالعربية لأنه لا يراها جديرة بأن تكون وعاء حكمته وفنه وشعره، فهل عجزت اللغة عن ضم شتات أفكاره؟ وهي التي لم تعجز ولن تعجز عن أفكار من كان لهم شأنهم وخطرهم، إلا أن تكون أفكاره مما لا تحيل به العقول. ولكن هو الشنآن كنا نريد أيها الشاعر وأنت لا تنطق بهذه اللغة أن تحترم على الأقل كيانها، ولا تدس عليها دساً يسخر منه الأجانب أنفسهم. كنا نريد أن يكون لك بأدباء المهجر أسوة حسنة: أولئك الأدباء الذين اصطلحت عليهم عوامل الغربة والانقطاع. وظلوا راعين للغتهم حافظين لحرمتها عاملين على رفع ألويتها. وقد علمت منهم المجيد السباق في لغته واللغة الأجنبية التي اصطنعها. كجبران ونعيمة والرياحاني وكثير من أمثال هؤلاء في المهجر وغير المهجر ممن تفتحت لهم من الآفاق ما تفتح لك، ولان لهم من عبقرية غيرهم ما لان لك وأما أن الشاعر يود العودة إلى إحياء الروح الأولى الروح الفينيقية، شأن المصرية الفرعونية. فالمصريون والفرعونيون أنفسهم لم يفكروا يوماً في نفي اللغة العربية من بين ظهرانيهم، ولم يجدوا في بقاء العربية ما يحول بينهم وبين التمصر الذي أرادوه اضطراب - في لبنان - في المثل العليا والتفكير، واختلاف في الثقافة والمنحى. كأنما بيئة

стр. 9606

تفككت أجزاؤها وانطوى جزء على نفسه بدون وحدة منتظمة ولا جامعة ملتئمة، كل حزب يمشي ولا يدري أين يمشي وأي هدف يقصد وحدوا يا قوم تفكيركم واعرفوا ما تطلبون، فإننا حتى اليوم لا ندري مثلكم الأعلى ولا ندري أي منهج تقصدون؛ وأنقذوا لبنان قبل أن تقتله محبتكم، فالمحبة المنقسمة على نفسها هي أشد خطراً من الكره والنفور. وليكن لكم مثل أعلى تحجون إليه وتعملون على إظهاره في بيوتكم ومدارسكم، وفي مجامع جدكم ولهوكم، ينشأ عليه صغاركم ويشب عليه فتيانكم أما أولئك الذين ينتظرون أن يهيموا غداً في الحفلة التكريمية لصاحب الجبل الملهم، أينظرون أي إكليل يحمله إليهم، وأي إكليل يحملونه إليه؟ إكليله لهم إكليل احتقار اللغة العربية، وإكليلهم له مبايعته على ذلك. إكليله (قبلات لبنانية على شفاه اللغة الفرنسية)، وإكليلهم الدعاء لمحب لبنان ورافع جبهة لبنان والمبشر بنبوغ لبنان. أحبوك يا لبنان وادعوا محبتك لأنفسهم حتى خنقوك بالأقماط وأدرجوك بالأكفان! لبنان الذي يشبه اليوم (برج بابل) بأديانه ولهجاته ومذاهبه، لا يوحد بين أجزائه إلا هذه العربية، وإنما توحد بينها توحيداً تقليدياً لا يعمل على الإيمان به قلب ولا يؤمن به دم. فإذا إنهارت هذه السارية التي تتحد عليها أجزاء لبنان تعم الفوضى داره ويفشو فيه الروح التمزق. وأصحابنا بعد هذا كله يريدون أن يجمع بينهم هذا النشيد: (كلنا للوطن. . . كلنا للعلا. . . كلنا للعلم). وقد علم العلم والعلا والوطن أن لا مكان لهم في المكان الذي تتقلص فيه اللغة ولا يحترم لها كيان، وتهان فلا يهب لنصرتها أعوان تفرقوا ما استطعتم في ثقافتكم ومثلكم، فما أشبه الليلة بالبارحة خليل هنداوي

стр. 9607

العدد ١١٧ - بتاريخ: ٣٠ - ٠٩ - ١٩٣٥

стр. 9608

عبرة الحادثات للدكتور عبد الوهاب عزام المدنية الأوربية، على خيراتها وما أجدت على الناس من علمها ورفاهيتها، مدنية مادية دعائمها المعادن والأحجار، يصاغ قلبها من الذهب والحديد وأشباههما، ويغذى بالفحم والنفط وأخواتهما، وتدور بهما دواليب المصانع والمغازل والمناسج. قد استحكمت فيها الآلات، وأتقنت الصناعات حتى أغنت عن الإنسان أدواتها، ونافسه عتادها، فثارت العداوة بين الآلات وصانعيه وعمالها ومالكيها. وقد أوحى ذلك إلى بعض الأمريكيين فاخترعوا إنسانا آليا يخدم خدمة الإنسان ويتحرك حركاته، وهل الإنسان في المصانع إلا آلة سريعة العطب؟ طبع إنسان هذا العصر آليا دائراً لا يألف الاستقرار ولا يعرف السلام، ولا تتمكن في قلبه المحبة، ولا تستقر في سريرته الشفقة. وأستكبلت هذه الآلات على غذائها، وتنافست في أقواتها، وأحس كل أنها القوة لا العدل، والغلبة لا الإنصاف، فنفخوا في الأمم روح العصبية، وغرور العنجهية، وزعم كل قبيل أن أوله خير الأولين، وأنه سيد الحاضرين، وأن بنيه سادة الآتين، وأن الأرض كلها له، وأن الويل لمن جادله. ثم ما شئت من أناشيد مثيرة، وتربية هائجة، وإيقاظ الوحشية في النفوس، وإشعال البغضاء في الأفئدة، حتى صار الناس على رغم العلم والفلسفة وعلى ما قربت بينهم الوسائل الحديثة أميل إلى الحرب والجلاد، وأحب للتخريب والتدمير من أناسي القرون الخالية؛ فبينا تراهم في ظاهر من السلام والوئام، يتغنون بحضارتهم، ويعكفون على دراستهم، ويتكلمون في العدل والحرية والاخوة، إذ تحكهم التجارب قدح الزناد، فإذا النار تحت الرماد؛ تغلب عليهم الطباع الحربية، وتسيطر عليهم الحياة الآلية، فإذا الأمم كلها جنود ومصانع للسلاح والمدمرات، وإذا الأوربي كالذئب الذي لبس جلد الشاة ثم خلعه ومهما يكن حظ القوم من العدل والنصفة، ونصيبهم من المودة والألفة، فذلك فيما يشجر بينهم من خلاف. فأما أهل الشرق سكان آسيا وأفريقية من الأمم الملونة فليس لهم في العدل حماية، ولا في القانون نصفه، (ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل). وما يزال صدى الأحداث يدوي في آذاننا، وحسبك حروب طرابلس والبلقان والريف. فان ساغ

стр. 9609

الأوربي أن يطمئن إلى عدل أوربا وانصفها، وقوانينها وجماعة أممها، فليس للشرقي أن يسكن إلى ذلك، فهو مال مباح ودم مهدور وتلك أمة ينفخ قادتها فيها المغرور والعجب، ويذكرونها مجد الرومان وغابر الزمان، حتى انتفخت أوداجها وورمت أنوفها. ثم صاحوا فيها قد بطشنا بطرابلس عشرين عاماً حتى دوخناها، وذللنا دانيها وقاصيها، ولكنها لا تفي بحاجتنا ولا تسد مطامعنا. ونظروا فإذا في أفريقية دولة واحدة مستقلة حفظ عليها استقلالها من دون أمم أفريقية أنها دولة نصرانية لم يستبيح المغيرون أن يجعلوها كالمسلمين، ولكنها على نصرانيتها أمة سوداء ضعيفة تسكن أرضاً واسعة، صاح زعيمهم هلم إلى الحبشة! فانبرت العقول تخترع الأوهام والتعلات، والألسن تفتري الكذب، والأقلام تخط الأباطيل. وطفقوا يعيدون قصة الذئب والحمل حيناً، ويصرحون بمكنون ضمائرهم حيناً. وسار الشر الحبشة في جيوشه ومفترياته ويشفق بعض الدول من هذه الغارات ويخاف عقباها فيستغيث الحق والعدل، وحماية الضعيف، والاقتصاص من القوي. وتتوالى نذر الحرب، وتطيف بمصر مقدماتها، وتقف مصر بين دولة محتلة، وأخرى مجاورة، تشقها الطريق بين الحبشة وإيطاليا. تهيب مصر بجيشها فإذا جيش ضئيل، وسلاح كليل! وتدعو بينها فإذا نفوس أبية، وسواعد قوية، ولكنها لم تدرب للقتال، ولم تعد للنضال، ولم تشهد الزحوف، ولم تعتد التعرض للحتوف، ولم تحمل السلاح، ولم تتمرس بآلات الكفاح؛ أنفس عزيزة وأمة ذليلة! ويقول من أبى على الأمة أن تأخذ للأيام أهبتها. وتعد للخطوب عدتها: لا ترعوا، هأنذا أدفع عنكم! فاشكروني ولا تكفروني. ولو ترك لنا من قبل أن نعبئ جيوشنا ونعد سلاحنا لكان شكرنا أعظم وأجدى، وكنا في أنفسنا أعز وأقوى، وأني يعز من يدفع عنه في عقر داره، ولا يعول عليه في حماية نفسه: ودرى من أعزه الدفع عنه … فيهما أنه العزيز الذليل هذا موقف الذلة والمهانة، والضعة والاستكانة، موقف من لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، ولا يجلب لها خيراً ولا شراً - رب عيش أخف منه الحمام! ذلكم درس للحادثات مبين، وعظة للخطوب بليغة، فعلى المصريين راعيهم ورعيتهم، ودهائهم وقادتهم، أن يفهموا الدرس ويعوه، ويتدبر الموعظة وينتفعوا بها. ومهما تنجل عنه

стр. 9610

السحب المكفهرة، وتتكشف عنه الحادثات المنذرة، فليعملوا برأي واحد ويد واحدة، ويتوسلوا بالعزم والحكمة حتى لا يقفهم الزمان هذا الموقف مرة أخرى، (إن في ذلك لذكرى) عبد الوهاب عزام

стр. 9611

نظرة في النجوم للأستاذ أحمد أمين مما أرثى له أن أرى الشرقيين وخاصة سكان المدن لا ينتفعون بسطوح منازلهم الانتفاع الواجب، فهم قلما يصعدون إليها إلا عند تركيب قوائم الراديو أو حبال الغسيل أو تخزين ما يستغنى عنه في حجر السطح، وهم يحبون أن يلتصقوا بالأرض ولا يحلقوا في السماء، وينزلوا بحضيض المنازل ولا يسموا إلى أوجها وفاتهم أن من خير متع الحياة (سطوح المنازل) لا سيما في جو بديع كجونا، تصفو فيه السماء في أكثر أشهر السنة، ويهب فيه النسيم العليل ليلا، ويمتد فيه البصر، وتنشرح فيه النفس، ولياليه بين ليال مقمرة بديعة لا تمل العين جمالها، وليال غاب فيها القمر فقامت النجوم مقامه تناغيك وتحدثك وتملأ قلبك روعة ونفسك حياة تبا للأعين التي تنظر دائماً إلى تحت، ولا تنظر إلى فوق، وإلى الأسفل لا إلى الأعلى، ويلذ لها أن تنظر إلى المسافات القريبة وإلى ما تلمس، ولا تنظر إلى البعد السحيق والمنظر البعيد. إن العين إذا اعتادت ذلك قلدتها النفس فلم تنظر إلى الأمل البعيد ولم تلتذ بالطموح، ولم تسعد بالأمل، وقنعت بما هي فيه ورضيت بالدون وتشاغلت به، وصدها ذلك عن أن تنشد الكمال، للارتباط الشديد بين عالم الحس وعالم العقل وعالم الروح ولقد كان آباؤنا الأولون أكثر منا عناية بالسماء، حتى العرب في بداوتهم أطالوا النظر في النجوم وانتفعوا بجوهم المفتوح، وسمائهم الصافية، فعرفوا كثيرا منها، ووضعوا لها أسماءها، وكان لهم فيها ملاحظات دقيقة، وأشعار رقيقة؛ أما نحن فقل أن نعرف من أسماء النجوم إلا الشمس والقمر، وجهلنا بأسماء مشاهيرها جهل فاضح لا يتفق وسماءنا البديعة. وأما شعراؤنا - سماحهم الله - فأكثرهم لا يشعر في السماء والنجوم إلا تقليدا، وقد يبرح به ألم الهجر في غرفته المسقوفة وقد أغلقت شبابيكها وأسدلت ستائرها ومع ذلك يشكو النجوم وثباتها وهو لا يرى سماء ولا نجوما لو كان في أوروبا جو مكشوف دافئ كجوانا، لعرفوا كيف ينتفعون بالسماء كما انتفعوا بالأرض، ولاتخذوا من سطوح منازلهم مقاماً للسمر الحلو والتأمل اللذيذ، ولاتخذوا منها منديات ومقاه ومسارح للسينما والتمثيل وأماكن للمحاضرات فانتفعوا بجمال الجو وجمال

стр. 9612

منظر السماء وجمال منظر السينما والتمثيل وجمال الحديث معاً، ولو فعلنا لارتحنا من عناء المتسولين والمتجولين وما سحي الأحذية إلا أن يصعدوا إلينا في السماء نعمت هذا الشهر بسطح منزلنا، وأكثرت من التحدث إلى النجوم، والإصغاء إلى حديثها، وملت إلى قراءة شيء من أخبارها، فملأت قلبي حياة، وعقلي هدوءا، وأعصابي راحة وكنت كلما شكوت من شيء بثثت شكواي إلى النجوم فتبخرت، وكلما تدنست في جو الأرض تطهرت في جو السماء، فان آلمتني السياسة بألاعيبها وخداعها، والأولاد بمضايقاتهم ومتاعبهم، والخدم برذائلهم، والبيئة بمشاكلها وصغائرها، علوت إلى السطح وانسطحت على سجادة، ووصلت أسباب ما بيني وبين النجوم فزال كل ألم، واحتقرت كل ما ضايقني، وعشت في عالم جديد لذيذ مريح، ورأيت أني غسلت نفسي كما يغسل الثوب في البحر الواسع عظيمة هذه النجوم وجميلة وجليلة! فان رأيت نجوم المجرة وعلمت أنها تبلغ عدتها الملايين، وأنها تسير بسرعة هائلة، وأن بعض النجوم يقطع نحو ٢٤٠ كيلو مترا في الثانية، وبعضها يقطع نحو ٤١٠ كيلو في الثانية، وأن بعضها بلغ من البعد عنا ما لا يصل إلينا ضوؤه إلا في آلاف السنين، أيقنت بهذه العظمة؛ وشعرت في أعماق نفسك بحقارتك وحقارة مشاغلك وحقارة أرضك كلها - وإن علمت أن في السماء آلافاً من الشموس تكون كل شمس منها مجموعة من النجوم كمجموعتنا الشمسية، سبحت في عالم من العظمة لا حد له، وتساءلت في كثير من الحيرة والإعجاب إلى أي طريق هي مسوقة وإلى أي طريق نحن مسوقون معها؟ وقلت كما قال أبو الشبل البغدادي: بربك أيها الفلك المدارُ … أقصدُ ذا المسيرُ أم اضطرار مَدارُك قل لنا في أي شيء … ففي إفهامنا منك انبهار وفيك نرى الفضاء وهل فضاء … سوى هذا الفضاء به تدار؟ ثم رددت الطرف خاسئاً وهو حسير؛ ولكنها حسرة لذيذة لا ترضى بها بديلاً أيتها النجوم. كم من الناس نظروا إليك فأعجبوا بعظمتك وجمالك وجلالك، وكم من الشعراء تغنوا بك، وتفننوا في الإشادة بذكرك، وعابوا عليك سرعتك أيام الوصال، وبطئك أو وقوفك أيام الهجران

стр. 9613

وكم حارت فيك العقول فظنوك آلهة وعبدوك من دون الله، وأقاموا لك الهياكل والتماثيل، ثم تقدموا قليلاً فأنزلوك من مقام الألوهية قليلاً، وجعلوا لك أثراً كبيراً في أحداث الأرض، فلك أثر في الرياح والأمطار والسعادة والشقاء، وربطوا مواليد الناس بك، وجعلوا سعادتهم وشقاءهم من أجلك، وحتى الفلاسفة العظام أمثال أرسطوا أعمتهم عظمتك عن أن يدركوا حقيقتك فأسندوا إليك عقولاً كباراً وجعلوا منزلتك في الفكر والعقل فوق منزلة الإنسان، وسبحوا في الخيال فأسسوا نظاماً وهمياً للأفلاك وتدرجها في الأثر حتى تصل إلى عالمنا - وخدع الناس بك فبنيت لك المراصد لمراقبة حركتك، وأقنع المنجمون الناس بتأثيرك فسمعوا لقولهم، واتخذ الملوك المنجمين يعتمدون عليهم في تدبير مملكتهم، كما يتخذون الأطباء لتدبير أجسامهم، فلا يضعون بناء إلا بعد رصدهم لك وإشارتهم بأنك ستمنحين السعادة لبنائهم، ولا يحاربون إلا برأي رجالك وتخير أوقات رضائك وكم شغل الناس بطوالعك، وتخيروا أوقات زواجهم محسوبة بحسابك، وتنبأوا - بمعونتك - بموت فلان وحياة فلان وأنت أنت فوق ذلك كله لا تعبئين به ولا تلتفتين إليه. كأن أمرهم لا يعنيك، وشؤونهم لا تهمك، وتتابعت الأجيال ومرت السنون، وفنيت أقوام وجدت أقوام وكلهم يمنحونك إعجابهم وأنت في علاك وسيرك وسرعتك دائبة أبداً وأتى العلم الحديث فغير فيك الأفكار، وساواك بالأحجار، وجعل قمرك الجميل كأرضنا غير الجميلة، وسلب عنك العقل والفكر وأخضعك لنواميس الطبيعة وأبان خرافات الأقدمين فيك - ومع ذلك أقر بجلالك وأخذ بدقة نظامك، وأقر بجهله أن يحيط بك، وأن يتعرف كل قوانينك - فأنت أنت أيام الجهل وأيام العلم، وأيامنا وأيام آبائنا وبينا أنا في ذلك كله، وفوق ذلك كله، إذا دعاني الخادم إذا دعاني الخادم إلى التلفون فنزلت من السماء إلى الأرض - آلو - فلان - لعلك تذكرني - أهلاً وسهلاً - أريد أن أقابلك - هل من شيء؟

стр. 9614

- لقد تخرجت من كلية الآداب واشتغلت في عمل لا يناسبني، وماهية لا تليق بي، وأخواني كلهم خير مني، فلي سنوات لم آخذ علاوة ولم أرق إلى درجة - نعم - والآن هناك حركة ترقية وأريد مساعدتك ثم حوار طويل، ورجاء مستمر، وشكوى بؤس، وعائلة يعولها، وماهية لا تكفيها، ودنيا ضاقت به وبها في أي تفكير كنت، وإلى أين صرت، هذه السماء وهذه الأرض، أين هذا العالم العظيم السعيد الذي كنت أحلم به من هذا العالم الحقير التافه الذي نقلني إليه التلفون والذي يمضي فيه أكثر الناس أكثر أعمارهم، لقد غطسني بحديثه في ماء مثلج، فلأصعد ثانية إلى السماء ولأعاود ما كنت فيه. . . لا - لم تعد للفكر لذته ولا حديث النجم متعته لقد قلب علم الفلك عقلية الإنسان رأسا على عقب، فقد كان يظن أنه سيد العالم، وأن أرضه هذه هي مركز العالم، وأن الشمس والقمر والنجوم تدور حولها فأبان له العلم أن أرضه ليست إلا هنة تسبح في الفضاء، وأنها شيء تافه في المجموعة الشمسية التي تدور حول الشمس، وأن كل العالم من أرض ونجوم خاضعة لقوانين واحدة كقوانين الجذب وما إليها، وأنه إن كانت أرضه هنة فكيف به هو - كل هذا غير عقلية الإنسان وأنزله من شامخة وسلبه غروره فأخذ يفكر تفكيراً جديداً وينظر لنفسه وللعلم نظراً جديداً ويربط نفسه بالعالم، ويرى أنه هو والعالم وحدة، وأن هذه الوحدة تخضع لقوانين ثابتة استكشف أقلها وغاب عنه أكثرها، ما استكشف منها يدل على عظمة باقيها وعمومها وسيطرتها - ولكن شيئا واحدا لم يتغير في الإنسان وهو ارتباط عواطفه بالنجوم، وأنها تجد السبيل دائما لقلبه، وتوحي إليه بعظمة ربها وربه أحمد أمين

стр. 9615

٢ - الجمال البائس للأستاذ مصطفى صادق الرافعي جاءت أحلى من الأمل المعترض سنحت به فرصة؛ وعلى أنها لم تخط إلينا إلا خطوة وتمامها، فقد كانت تجد في نفسها ما تجده لو أنها سافرت من أرض إلى أرض، ونقلها البعد النازح من أمة إلى أمة يا عجباً! إن جلوس إنسان إلى إنسان بازائه قد يكون أحيانا سفرا طويلا في عالم النفس؛ فهذه الحسناء تعيش في دنيا فارغة من خلال كثيرة، كالتقوى، والحياء، والكرامة، وسمو الروح، وغيرها؛ فإذا عرض لها من يشعرها بعض هذه الخلال، وينتزعها من دنيا اضطرارها وأخلاق عيشها ولو ساعة - فما تكون قد وجدت شخصا بل كشفت عالما تدخله بنفس غير النفس التي تدبرها في عالم رزقها. . . ولا عجب من سحر الحب في هذا المعنى؛ فأن العاشق يكون حبيبه إلى جانبه، ثم لا يحس إلا أنه طوى الأرض والسماوات ودخل جنة الخلد في قبلة. . . جلست ألينا كما تجلس المرأة الكريمة الخفرة، تعطيك وجهها وتبتعد عنك بسائرها، وتريك الغصن وتخبأ عنك أزهاره. فرأيناها لم تستقبل الرجل منا بالأنثى منها كما اعتادت؛ بل استقبلت واجبا برعاية، وتلطفاً بحنان، وأدباً من فن بأدب من فن آخر؛ وكان هذا عجيبا منها، فكلمها في ذلك الأستاذ (ح) فقالت: أما واحدة فإننا نتبع دائما محبة من نجالسهم وهذه هي القاعدة. وأما الثانية فإننا لا نجد الرجل إلا في الندرة؛ وإنما نحن مع هؤلاء الذين يتسومون بسيما الرجال - كحيلة المحتال على غفلة المغفل، وهم معنا كالقدرة بالثمن على ما يشتريه الثمن؛ ليسوا علينا إلا قهرا من القهر؛ ولسنا عليهم إلا سلباً من السلب، مادة مع مادة؛ وشر على شر؛ أما الإنسانية منا ومنهم فقد ذهبت أو هي ذاهبة قال (ح): ولكن. . . فلم تدعه يستدرك، بل قالت: إن (لكن) هذه غائبة الآن. . . فلا تجيء في كلامنا. أتريد دليلا على هذا الانقلاب؟ إن كل إنسان يعلم أن الخط المستقيم هو أقرب مسافة بين نقطتين؛ ولكن امرأة منا تعلم أن الخط المعوج هو وحدة أقرب مسافة بينها وبين الرجل. . . قالت: فإذا وجدت إحدانا رجلاً بأخلاقه لا بأخلاقها. . . ردتها أخلاقه إلى المرأة التي كانت

стр. 9616

فيها من قبل، وزادتها طبيعتها الزهو بهذا الرجل، فتكون معه في حالة كحالة أكمل امرأة؛ بيد أن كمال الحلم الذي يستيقظ وشيكا، فأن الرجل الكامل يكمل بأشياء، منها وا أسفاه! منها ابتعاده عنا ثم قالت: وصاحبك هذا منذ رأيته، رأيته كالكتاب يشغل قارئه عن معاني نفسه بمعانيه هو. . . . وضحكت أنا لهذا التشبيه، فمتى كان الكتاب عند هذه كتاباً يشغل بمعانيه؟ غير أني رأيتها قد تكلمت واحتفلت، وأحسنت وأصابت، فتركتها تتحدث مع الأستاذ (ح) وغبت عنهما غيبت فكر؛ وأنا إذا فكرت انطبق علي قولهم: خل رجلا وشأنه، فلا يتصل بي شيء مما حولي. وكأن كلامها يسطع لي كالمصباح الكهربائي المتوقد، فقدمها فكرها إلي غير ما قدمت إلي نفسها، ورأيت لها صورتين في وقت معا، إحداهما تعتذر من الأخرى. . . . . وكنت قبل ذلك بساعة قد كتبت في تذكرة خواطري هذه الكلمة التي استوحيتها منها: لأضعها في مقالة عنها وعن أمثالها وهي هذه الكلمة: إذا خرجت المرأة من حدود الأسرة وشريعتها، فهل بقي منها إلا الأنثى مجردة تجريدها الحيواني المتكشف المتعرض للقوة التي تناله أو ترغب فيه؟ وهل تعمل هذه المرأة إلا أعمال هذه الأنثى؟ وما الذي استرعاها الاجتماع حينئذ فترعاه منه وتحفظه له، إلا ما استرعى أهل المال أهل السرقة؟ إن الليل ينطوي على آمتين: أولئك اللصوص، وهؤلاء النساء وكيف ترى هذه المرأة نفسها إلا مشوهة مادامت رذائلها دائما وراء عينيها، وما دام بازاء عينيها دائما الأمهات والمحصنات من النساء، وليس شأنها من شأنهن؟ إن خيالها يحرز في وعيه صورتها الماضية من قبل أن تزل، فإذا خلت إلى نفسها كانت فيها اثنان إحداهما تلعن الأخرى، فترى نفسها من ذلك على ما ترى وهي حين تطالع مرآتها لتتبرج وتحتفل في زينتها، تنظر إلى خيالها في المرآة بأهواء الرجال لا بعيني نفسها، ولهذا تبالغ أشد المبالغة؛ فلا تعنى بأن تظهر جميلة كالمرأة، بل مثمرة كالتاجر. . . وتكسبها بجمالها يكون أول ما تفكر فيه، ومن ذلك لا يكون سرورها بهذا الجمال إلا على قدر ما تكسب منه؛ بخلاف الطبع الذي في المرأة، فان سرورها

стр. 9617

بمسحة الجمال عليها هو أول فكرها وآخره إن الساقطة لا تنظر في المرآة - أكثر ما تنظر - إلا ابتغاء أن تتعهد من جمالها ومن جسمها مواقع نظرات الفجور وأسباب الفتنة، وما يستهوي الرجل وما يفسد العفة عليه، فكأن الساقطة وخيالها في المرآة رجل فاسق ينظر إلى امرأة لا امرأة تنظر إلى نفسها. . . ذهبت أفكر في هذه الكلمة التي كتبتها قبل ساعة، ولم أستطع أن ألبس في هذه القضية وجه القاضي؛ فدخلتني رقة شديدة لهذا الجمال الفاتن الذي أراه يبتسم، وحوله الأقدار العابسة، ويلهو، وبين يديه أيام الدموع، ويجتهد في اجتذاب الرجال إليه، والوقت آت بالرجال الذين سيجتهدون في طرده عن أنفسهم وتغشاني الحزن ورأت هي ذلك وعرفته؛ فأخرجت منديلها المعطر ومسحت وجهها به، ثم هزته في الهواء فإذا الهواء منديل معطر آخر مسحت به وجهي. . . وقال الأستاذ (ح): آه من العطر! إن منه نوعا لا أستنشيه مرة إلا ردني إلى حيث كنت من عشرين سنة خلت، كأنما هو مسجل بزمانه ومكانه في دماغي. . . فضحكت هي وقالت: إن عطرنا نحن النساء ليس عطرا، بل هو شعور نثبته في شعور آخر فقلت أنا: لا ريب أن لهذه الحقيقة الجميلة وجها غير هذا؛ قالت: وما هو؟ قلت: إن المرأة المعطرة المتزينة هي امرأة مسلحة بأسلحتها، أفي ذلك ريب؟ قالت: لا قلت: فلماذا لا يسمى هذا العطر بالغازات الخانقة الغرامية. . .؟ فضحكت فنونا؛ ثم قالت: وتسمى (البودرة) بالديناميت الغرامي. . ونقلني ذلك إلى نفسي مرة أخرى، فأطرقت إطراقة؛ فقالت ما بك؟ قلت: بي كلمة الأستاذ (ح)، إنها ألهبت في قلبي جمرة كانت خامدة قالت: أو حركت نقطة عطر كانت ساكنة. . . فقلت: إن الحب يضع روحانيته في كل أشيائه، وهو يغير الحالة النفسية للإنسان فتتغير بذلك الحالة العقلية للأشياء في وهم المحب. (فعطر كذا) مثلا. . . . هو نوع شذي من العطر، طيب الشميم، عاصف النشوة، حاد الرائحة، لكأنه ينشر في الجو روضة قد ملئت

стр. 9618

بأزهاره تشم ولا ترى؟ وإنه ليجعل الزمن نفسه عبقاً بريحه وانه ليفعم كل ما حوله طيباُ وانه ليسحر النفس فيتحول فيها. . . وهنا ضحكت وقطعت علي الكلام قائلة: يظهر لي أن (عطر كذا) هاجرا أو مخاصم. . . قلت: كلا، بل خرج من الدنيا وما نتشقت أرجه مرة إلا حسبته ينفح من الجنة فما أسرع ما تلاشى من وجهها الضحك وهيئته، وجاءت دمعة وهيئتها. ولمحت في وجهها معنى بكيت له بكاء قلبي جمالها، فتنتها، سحرها، حديثها، لهوها؛ آه حين لا يبقى لهذا كله عين ولا أثر، آه حين لا يبقى من هذا كله إلا ذنوب وذنوب، وذنوب وأردنا أنا و (ح) بكلامنا عن الحب وما إليه ألا نوحشها من إنسانيتنا، وأن نبل شوقها إلى ما حرمته من قدرها قدر إنسانة فيما نتعاطاه بيننا. والمرأة من هذا النوع إذا طمعت فيما هو أغلى عندها من الذهب والجوهر والمتاع - طمعت في الاحترام من رجل شريف متعفف، ولو احترام نظرةٍ، أو كلمة. تقنع بأقل ذلك وترضى به، فالقليل مما لا يدرك قليله هو عند النفس أكثر من الكثير الذي ينال كثيره ومثل هذه المرأة، لا تدري أنت أطافت بالذنب أم طاف الذنب بها؟ فاحترامها عندنا ليس احتراما بمعناه، وإنما هو كالوجوه أمام المصيبة في لحظة من لحظات رهبة القدر وخشوع الإيمان وليست امرأة من هؤلاء إلا وفي نفسها التندم والحسرة واللهفة مما هي فيه، وهذا هو جانبهن الإنساني الذي ينظر إليه من النفس الرقيقة بلهفة أخرى، وحسرة أخرى، وندم آخر. كم يرحم الإنسان تلك الزوجة الكارهة المرغمة على أن تعاشر من تكرهه فلا يزال يغلي دمها بوساوس وآلام من البغض لا تنقطع! وكم يرثى الإنسان للزوجة الغيور، يغلي دمها أيضاً ولكن بوساوس وآلام من الحب! ألا فاعلم أن كل امرأة من مثل هذه الحسناء تحمل على قلبها مثل هم مائة زوجة كارهة مرغمة مستعبدة، يخالطه مثل هم مائة زوجة غيور مكابدة منافسة، ولقد تكون المرأة منهن في العشرين من سنها وهي مما يكابد قلبها في السبعين من عمر قلبها وهذه التي جاءتنا إنما جاءتنا في ساعة منا نحن لا منها هي، ولم تكن معنا لا في زمانها

стр. 9619

ولا في مكانها ولا في أسبابها، وقد فتحت الباب الذي كان مغلقا في قلبها على الخفر والحياء، وحولت جمالها من جمال طابعه الرذيلة إلى جمال طابعه الفن، وأشعرت أفراحها التي إعتادتها روح الحزن من أجلنا فأدخلت بذلك على أحزانها التي إعتادتها روح الفرح بنا من ذا الذي يعرف أن أدبه يكون إحساناً على نفس مثل هذه ثم لا يحسن به؟ تتجدد الحياة متى وجد المرء حالةً نفسيةً تكون جديدةً في سرورها. وهذه المرأة المسكينة التي لا يعنيها من الرجل من هو؟ ولكن كم هو. . .؟ لم تر فينا نحن الرجل الذي هو (كم) بل الذي هو (من). وقد كانت من نفسها الأولى على بعد قصي كالذي يمد يده في بئر عميقة ليتناول شيئا قد سقط منه؛ فلما جلست إلينا اتصلت بتلك النفس من قرب، إذ وجدت في زمانها الساعة التي تصلح جسر على الزمن قال الراوي: كذلك رأيتها جديدة بعد قليل، فقلت للأستاذ (ح): أما ترى ما أراه؟ قال: وماذا ترى؟ فأومأت إليها وقلت: هذه التي جاءت من هذه. إن قلبها ينشر الآن حولها نورا كالمصباح إذا أضيء، وأراها كالزهرة التي تفتحت؛ هي هي التي كانت، ولكنها بغير ما كانت فقالت هي: إني أحسبك تحبني؛ بل أراك تحبني؛ بل أنت تحبني. . . لم يخف على هذا منذ رأيتك ورأيتني قلت: هبيه صحيحا فكيف عرفته ولم أصانعك، ولم أتملق لك، ولم أزد على أن أجيء إلى هنا لأكتب؟ قالت: عرفته من أنك لم تصانعني، ولم تتملق لي، ولم تزد على أن تجيء هنا لتكتب. . . قلت: ويحك لو كحلت عين (المكرسكوب) لكانت عيناك. وضحكنا جميعاً؛ ثم أقبلت على الأستاذ (ح) فقلت له: إن القضايا إذا كثر ورودها على القاضي جعلت له عيناً باحثة. قال الراوي: وانظر إليها فإذا وجهها القمري الأزهر قد شرق لونه وظهر فيه من الحياء ما يظهر مثله على وجه العذراء المخدرة إذا أنت مستها بريبة؛ فما شككت أنها الساعة امرأة جديدة قد اصطلح وجهها وحياؤها، وهما أبدا متعاديان في كل امرأة مكشوفة العفة. . . وذهبت أستدرك وأتأول، فقلت لها: ما ذلك أردت، ولا حدست على هذا الظن، وإنما أنا

стр. 9620

مشفق عليك متألم بك؛ وهل يعرض لك إلا الطبقة النظيفة. . . من المجرمين والخبثاء وأهل الشر؛ أولئك الذين أعاليهم في دور الخلاعة والمسارح وأسافلهم في دور القضاء والسجون؟ فقالت: اعترف بأنك لم تحسن قلب الثوب فظهر لكل عين أنه مقلوب؛ ولكنك تحبني. . . . وهذا كاف أن ينهض منه عذر قال الأستاذ (ح): إنه يحبك، ولكن أتعرفين كيف حبه؟ هذا باب يضع عليه دائماً عدة من الأقفال قالت: فما أيسر أن تجد المرأة عدة من المفاتيح. . . قال: ولكنه عاشق ينير العشق بين يديه، فكأنه هو وحبيبته تحت أعين الناس، ما تطمع إلا أن تراه وما يطمع إلا أن يراها، ولا شيء غير ذلك. ثم لا يزال حسنها عليه ولا يزال هواه إليها، وليس إلا هذا قالت: إن هذا لعجيب قال: والذي هو أعجب أن ليس في حبه شيء نهائي، فلا هجر ولا وصل؛ ينساك بعد ساعة ولكنك أبدا باقية بكل جمالك في نفسه. والصغائر التي تبكي الناس وتتلذع في قلوبهم كالنار ليجعلوها كبيرة في همهم ويطفئوها وينتهوا منها ككل شهوات الحب - تبكيه هو أيضا وتعتلج في قلبه، ولكنها تظل عنده صغائر ولا يعرفها إلا صغائر؛ وهذا هو تجبره على جبار الحب قال الراوي: ونظرت إليها ونظرت، وعاتبت نفس نفساً في أعينهما، وسألت السائلة وأجابت المجيبة، ولكن ماذا قلت لها وماذا قالت؟ (طنطا) مصطفى صادق الرافعي

стр. 9621

لأحياء الآداب العربية والتراث القومي ومهمة دار الكتب المصرية للأستاذ محمد عبد الله عنان يستطيع الذين درسوا الآداب التاريخية الغربية، وقرأوا تواريخ الأمم الغربية في تلك الموسوعات والآثار الجليلة التي تمتاز بطابعها العلمي الدقيق، أن يقولوا بحق تاريخ الإسلام والأمم الإسلامية لم يكتب حتى عصرنا إن الآداب العربية تزخر بالموسوعات والآثار التاريخية في كل عصر، وكل قطر؛ ومنها بلا ريب آثار كثيرة تمتاز بدقتها ونفاستها؛ ولكن هذه الآثار تقف أولاً منذ عصر بعيد، فلا تكاد تجد في العربية موسوعة أو مؤلفاً تاريخياً جليلاً منذ القرن العاشر الهجري، وهي من جهة أخرى لا يمكن أن تعتبر أكثر من مادة لتغذية المؤرخ الحديث بما يحتاج إليه من التفاصيل والوثائق، ومن الأنصاف أن نقول إن هذه المادة تمتاز بغزارتها في عصور كثيرة، ولكن من الأسف أن أغلبها ما زال يحتجب عن أعيننا في أروقة المكاتب والمجموعات الخاصة، فلا يصل إليها الباحث إلا بعد الجهد المضني وهذه مسألة تستحق الاهتمام من كل أولئك الذين يتصلون بالمباحث الإسلامية والتاريخية، وأولئك الذين يشرفون على توجيه الثقافة القومية، وفي مقدمتهم وزارة المعارف العمومية والجامعة المصرية. فإلى الآن لم يكتب تاريخ مصر الإسلامية، ولا مصر الحديثة بما يجب من دقة وإفاضة، وإلى الآن لم تعرف مصادر التاريخ المصري معرفة حسنة حتى من كثير من أولئك الذين يعنون بكتابته أو بتدريسه؛ وإنه لما يبعث إلى الدهشة كما يبعث إلى الأسف أن نجد الكتب الدراسية التي يعتمد عليها الشباب في دراسة التاريخ المصري أو الإسلامي بوجه عام، خلاصة مشوهة اشتق معظمها من المؤلفات الأجنبية، وهي لذلك تفيض بالأخطاء والمثالب، وينقصها روح الأنصاف والتمحيص؛ هذا بينما تلقى الكتب التي تعنى بتواريخ الأمم الأجنبية عناية أوفر لأنها تعتمد في مادتها على المصادر القومية المنظمة، ويجد فيها الشباب من التبسط والتمحيص ما لا يجده في كتب التاريخ المصري أو الإسلامي إن دار الكتب المصرية تزخر بمئات وألوف من مصادر التاريخ الإسلامي وتاريخ مصر

стр. 9622

الإسلامية بنوع خاص، وبين هذه المصادر موسوعات جليلة في مختلف العصور، ومنها ما كتبته أقلام معاصرة قديرة؛ وفيها من المواد والتفاصيل والوثائق ما يغتبط له الباحث ويحقق غايته. ولكن كم من هذه المصادر الجليلة أتيح له أن يرى الضياء حتى يومنا؟ ومع ذلك فأن هذه الآثار التي أخرجت حتى اليوم لم تلفت أنظار الباحثين والقراء لأنها لم تنل حقها من التعريف أولاً، وثانياً لأن معظمها ما زال فريسة الناشرين المتجرين الجهلة، يخرجونه في أثواب عتيقة منفرة يقبل عليها الباحث مرغماً ويلقى في مراجعتها من المشقة ما يلقاه في مراجعة المخطوطات القديمة ذاتها هذا وما زالت المراجع والموسوعات القديمة التي وضعت بين أيدي الباحثين والكتاب مستقى خصباً لنقل النصوص والروايات كما كتبت منذ مئات السنين؛ وما زال معظم المؤلفات التاريخية المعاصرة يقوم على هذا النقل المجرد؛ ومثل هذه المؤلفات لا قيمة له من الوجهة العلمية، لأن عصر النقل المجرد انتهى منذ بعيد، وأصبح التاريخ في عصرنا علماً جليلاً يقوم على المباحث والمقارنات العلمية والنقدية والاستنباط المسند، وأصبح وثيق الصلة بكثير من العلوم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية؛ فمن المؤلم أن يرغم الشباب في هذا العصر الذي يعتبر فيه التاريخ مرآة الحضارة ودعامة للعاطفة القومية، على أن يقرأ التاريخ الإسلامي والتاريخ القومي في هذه الكتب الممسوخة التي استخرجت دون بحث أو تمحيص من الروايات القديمة، ولا فضل لمصنفيها - إن كان ثمة فضل - إلا في الاختصار والتبويب والطبع الأنيق وقد آن أن نتحرر من هذا الجمود الذي يشل ثقافتنا التاريخية، ويحجب عنا تراث الماضي الزاخر، وأن نستخرج من هذا التراث نفائسه، ونقدمها لجيل العصر في أثوب العصر وأساليبه. وأول ما يجب لتحقيق هذه الغاية في رأينا هو أن يبذل جهد صادق للتعريف بهذا التراث وقيمته وأمكنة وجوده. وهذه مهمة تستطيع دار الكتب المصرية أن تؤدي فيها أعظم دور. ولقد عكفت منذ أعوام على دراسة هذا الجانب من تراثنا القومي، فكتبت عدة دراسات ومباحث عن أقطاب الرواية المصرية مثل ابن عبد الحكم والكندي وابن زولاق والمسبحي والقضاعي والنوريري والعمري والقلقشندي والمقريزي وابن تغري بردى والسخاوي وابن اياس، استعرضت فيها تراجمهم وجهودهم وآثارهم المنشورة والمخطوطة

стр. 9623

استعراضاً وافياً، وعنيت فيها عناية خاصة بالتعريف بعشرات بل مئات من الآثار والمصادر الجليلة التي تتعلق بتاريخ مصر الإسلامية، والتي ما زالت مخطوطة بعيدة عن التعريف والتداول تحجبها ضلمات النسيان في أروقة دار الكتب. بيد أن مثل هذه المجهودات الفردية لا يمكن أن تحقق الغاية المنشودة. وعندنا أن دار الكتب المصرية يجب عليها أن تعتني بوضع فهرس خاص لمصادر التاريخ المصري العربية المنشورة والمخطوطة بنوع خاص، تتحرى في وضعه أحدث الطرق العلمية وتصنف المصادر فيه حسب العصور، وتوصف محتوياتها وصفاً علمياً دقيقاً؛ ولا تقتصر في ذلك على المصادر الموجودة، بل تضمنه أيضاً ذكر المصادر والآثار المخطوطة المحفوظة في مختلف المكاتب الأجنبية بالاعتماد على فهارس هذه المكاتب أو بإرسال مندوب أو أكثر للخارج لدراستها وتدوين أوصافها وتصوير ما يجب تصويره منها. ثم يوضع إلى جانب هذا الفهرس العربي، فهرس آخر يتضمن جميع المصادر والآثار الأجنبية المتعلقة بمصادر التاريخ المصري في جميع العصور، وفي جميع اللغات الحية، ويصنف تصنيفا علميا دقيقا؛ وتبذل دار الكتب جهدها لاستكمال ما نقصها من هذه المؤلفات، وينشر الفهرسان، ويصبح كل منهما مرجعاً نفيساً لمصادر التاريخ المصري ووثائقه؛ وبذلك تحظى آثارنا المحجوبة بشيء من التعريف، ويسهل سبيل البحث على الباحثين، ويفتتح عهد جديد لدراسة التاريخ المصري وكتابته ثم يجب إلى جانب ذلك أن تدرس جميع الوثائق المتعلقة بتاريخ مصر وأنظمتها الإدارية والاجتماعية والاقتصادية مما تحتفظ به دار الكتب ذاتها، أو الدفتر خانة المصرية، أو وزارة الأوقاف أو غيرها؛ ومن المعروف أنه توجد لدينا طائفة كبيرة من هذه الوثائق، ولا سيما مما يتعلق بالعصر التركي، وفيها الكثير مما يلقي الضياء على طبيعة الأنظمة الإدارية والاجتماعية والثقافية في مصر في هذا العصر. ومعظم هذه الوثائق التي تحتفظ الدفتر خانة المصرية بكثير منها محررة بالغة التركية، ويقتضي ترجمته أو تلخيصه. ونذكر أن الأنظار اتجهت منذ أعوام إلى هذه الوثائق، وعرفت أهميتها وقيمتها التاريخية، وقيل لنا إنه سيعنى بترجمتها وتنسيقها، ولا نعلم ماذا تم بعد ذلك في شأنها. بيد أنه لا ريب أن هذه الوثائق المختلفة، ومنها بوزارة الأوقاف حجج أوقاف قديمة ترجع إلى القرن التاسع

стр. 9624

الهجري؛ إذا نظمت ولخصت في فهرس دقيق جامع، تكون مرجعاً نفيساً لتاريخ مصر الإداري والاجتماعي والاقتصادي والقضائي في هذه العصور وتوجد ثمة في هذا الميدان مهمة علمية أخرى تستطيع دار الكتب والجامعة المصرية والجامعة الأزهرية أن تضطلع بها، هي نشر طائفة من الآثار والمصادر الإسلامية والمصرية الجليلة مما تغص به دار الكتب المصرية. ولقد أخرجت لنا مطبعة بولاق ثبتا حافلا من هذه الآثار الجامعة في أواخر القرن التاسع عشر، فكانت مأثرة علمية جليلة لولاها لبقيت المكتبة العربية عاطلة حتى يومنا من أمهات المصادر والمراجع الكبرى؛ وقد أرادت دار الكتب أن تستمر في الاضطلاع بهذه المهمة، وما زالت تعمل لإخراج بعض الموسوعات والآثار الجليلة؛ وقد أخرجت بعض هذه الآثار، ولا سيما موسوعة (صبح الأعشى) للقلقشندي، ولكن عملها في ذلك بطيء جدا، ينقصه الطابع العلمي قبل كل شيء؛ ومن الواجب أن تنظم هذه المهمة تنظيما علميا، وأن تشرف على أدائها هيئة فنية قديرة، ومن الواجب أن تضاعف الجهود لإخراج هذه الآثار والموسوعات في فترات معقولة، إذا ما زلنا نتلقى أجزائها في فترات متباعدة، وقد يستغرق إخراج الجزء الواحد عامين أو ثلاثة. ثم إن الجامعة المصرية والجامعة الأزهرية تستطيع كلتاهما أن تقوم في هذا السبيل بمجهود قيم؛ ولا نعلم أن إحدى الجامعتين قامت إلى اليوم بإخراج شيء يذكر من الآثار الإسلامية المخطوطة، هذا بينما ترى الجامعات والهيئات العلمية الأوربية والأمريكية تشرف باستمرار إلى إخراج الكثير من هذه الآثار؛ ويكفي أن نذكر في هذا الصدد أن كتاب (النجوم الزاهرة) لأبي المحاسن بن تغري بردى الذي تقوم الآن بإخراجه دار الكتب المصرية، قد أشرفت على إخراجه منذ أكثر من عشرين عاما جامعة كاليفورنيا الأمريكية، وقد تولى نشره وتحقيقه المستشرق الأمريكي وليم بوير؛ وان الجزء الفاقد من تاريخ مصر لابن اياس الذي أخرجته مطبعة بولاق منذ أربعين عاما، تولى إخراجه الأستاذ باول كاله الألماني بإشراف جمعية المستشرقين الألمانية وهكذا. ومن واجب مصر، باعتبارها زعيمة الثقافة العربية والإسلامية أن تأخذ بنصيبها من حركة أحياء الآثار الإسلامية على يد هيئاتها العلمية الكبرى، وفي مقدمتها الجامعتان المصرية والأزهرية. ولا ريب أن إشراف الجامعتين الكبيرتين على هذه الحركة يسبغ عليها قسطا من الطابع العلمي الذي ننشده

стр. 9625

لآثارنا وموسوعاتنا؛ ذلك أن ما ينشر منها اليوم على أيدي الناشرين المتجرين يخرج في صور يرثى لها من المسخ والتحريف؛ وليس من المبالغة أن نطلب بهذه المناسبة إلى دار الكتب المصرية أن تسن من القواعد والقيود لاستنساخ المخطوطات ثم لنشرها ما يكفل إخراجها على أيدي ناشرين من الطراز الأول، يقدرون قيمتها العلمية ويخرجونها في أثواب محترمة، ويعرضونها للبيع بأثمان لا تخرج عن حد الاعتدال هذه خواطر واقتراحات نعتقد أنها تجول في أذهان كثير ممن يعنون بالمباحث الإسلامية وحركة إحياء الآداب العربية، بل نعتقد أنها ليست بعيدة عن أذهان المشرفين على مصاير تعليمنا وثقافتنا. وإذا كنا نخص ثقافتنا التاريخية القومية وإحياء تراثها ومراجعها بشيء من الاهتمام، فذلك لأننا عكفنا على دراسة هذه الناحية من حركتنا العلمية والأدبية مدى أعوام طويلة، ولمسنا فيها أوجه النقص والعمل بصورة واضحة؛ وقد كنا ومازلنا نعتقد دائما أن دار الكتب المصرية، وهي أعظم مستودع لتراثنا المنسي، هي أول وأولى هيئاتنا بالعمل لتحقيق هذه الغاية، ذلك لأنها تضطلع بالفعل بناحية مهمة من هذه المهمة الجليلة؛ وكل ما يتطلب إليها هو أن تعمل لتنظيمها وتوسيع مداها على أسس علمية فنية تكفل أداءها بصورة مرضية؛ ولو عنيت جامعتنا المصرية، وجامعتنا الأزهرية بأن تأخذ كلتاهما بنصيبها من هذه الحركة لاكتملت لدينا أسباب النهضة، ولاستطاعت مصر أن تضطلع برسالتها في إحياء الآداب العربية والإسلامية وواجبها في إحياء تراثها القومي. محمد عبد الله عنان

стр. 9626

حول ١٤ سبتمبر للأستاذ محمد محمود جلال أرأيت كيف غير (الكورنيش) من الرمل وكيف حكم في حظوظ البقاع؟! هكذا سألت نفسي وبدأت الحديث مع صديق رافقني إلى سيدي بشر في أول سبتمبر نبحث عن دار ننزلها تحت حكم ظروف طارئة - بعد أن هجرت الإسكندرية كمصيف منذ خمس سنوات وكأن الله يريد أن يقفنا على المزيد من آياته في تطور الكون وأنه جل شأنه قد انفرد بالدوام، فما تحدثنا حتى دلفت بنا السيارة إلى اليمين تقطع شارعاً ضيقاً قصيراً لم أره من قبل، قام على أحد جوانبه خلاء وعلى الآخر بناء ضخم يوشك على التمام، وقد كدت أنكر الربوع وكأنها غير تلك التي قضيت بها الصيف أعواماً ثلاث متواليات. وما وصلنا آخر الشارع حتى طالعنا منزل يتصل بالماضي ببنائه وموقعه اتصاله بذكرياته، ويجفوه بلونه الجديد، وبهذا اللون وحده يتقرب إلى الحياة الجديدة وما طرأ على (سيدي بشر) هذا منزل (لافرلا) ثالث الأبنية بتلك المحلة نزلناه أول مرة منذ تسع سنين يوم كان (سيدي بشر) في الصف الأخير بين المصايف لا تسمع له بينها ذكرا، فإذا ضمك مجلس مع المقبلين على التصييف شاقك ما تسمع عن (سان استفانو) وفخامة المنازل حوله، وطيب الهواء في (كارلتون)، وسهولة المواصلات في (سان جورج)، وتحس كأن البلدية ائتمرت مع الزمان القلب فحبت الأسماء الأجنبية بخير الأمكنة، وخصت هذه بالعناية البالغة بينما تركت الجهات الوطنية بلا ميزة، وعطلتها من كل حيلة! غير أني أحسست لأول سكناي ظاهرة غريبة في (سيدي بشر)، فالرطوبة أقل كثيرا من جميع المحطات. والرطوبة شر ما يرهقني في الإسكندرية صيفاً، وهذه ميزة تعدل في نظري جميع المزايا الأخرى. ميزة تغلب أثرها على ما كنت أرى من دهشة حين أذكر بين أخواني أين أقضي الصيف وكأنهم لم يسمعوا بمحطة تدعى (سيدي بشر) ومازلت أذكر من فكاهات تتصل بهذا المعنى أن المرحوم محمد نافع باشا، وكان قطباً للحلقة الأولى بالكازينو - وكنا ندعوه المصطبة - كان يدعوني سيدي بشر إذا ناداني إشارة إلى انفرادي بينهم بهذا المصيف، أو إلى اكتشافي له إذا شئت الحق و (سيدي بشر) ذاته هو المحلة المزدحمة اليوم، وهو الكعبة للطبقة التي كانت تنفر منه

стр. 9627

وتعده شيئاً غير الرمل وشيئاً غير المصيف منذ تسع سنوات، فثم منازل أنيقة على شاطئه الجميل، وهذه أفواج تختص (البلاج) بخير ساعاتها، وأفواج أخرى تسارع بسيارتها تتصيد المقاعد الخالية فيما انتثر فيه من مقاهٍ ومجالٍ للسرور وإذا نظرت إلى (الربوع) وجدتها … تَشقي كما تَشقى العباد وتسعد أما يوم نزلنا سيدي بشر فلم يكن به غير ثلاثة أبنية وبضعة حوانيت في بناء مستقل - ولم يكن في الجيرة ما ينغص إلا تلك الأكشاك الخشبية وقد صفت على نظام في أجمل بقعة تشرف على شاطئه، وقد خصصت لأسر الضباط الإنكليز يقوم على حراستها نفر من أولئك الذين استحلوا الكل فلم يعفوا عن الأجزاء ولم يكن للإنجليز أن يختاروا إلا خير البقاع، وأحسن المواقع، فهذه النقطة السوداء شهادة لسيدي بشر بامتيازه وقد استتبعت هذه الجيرة الممضة أن يأوي إلى الجوار نفر من أخلاط الدخلاء يبيعون الجنود الخمور وأخرى الحاجات، يبجلونهم ويختصونهم بخير ما حوت حوانيتهم حتى ليمنعون المصري ما يطلب بأي ثمن ولم تكن الحراسة بين المصريين عبئاَ ولا ذات مشقة، فهؤلاء الحراس يودعون كرم الخلق المصري: العرض والحياة والمال. وينفقون ليلهم في تلك الحوانيت يشربون إلى السكر، ويسهرون إلى الصبح بعد أسبوعين، وفي ليلة واحدة انعكست الآية وسمعنا بمختلف الرطانات إشادة بالخلق المصري والكرم المصري والنبل الوطني بين الجزع والفزع مما حدث، فقد استطاب الجند الضيافة، وأساغ الشرب ما لا يسوغ، وذاق المحتفون من الأخلاط بعض آثار الاحتلال في عتادهم وفي أنفسهم، وشهدنا آية الصبر في لحظة، وكسبنا للقضية الوطنية أنصاراً حتى بين الأقداح وفي أحقر الحوانيت ومن صحب الدنيا طويلاً تقلبت … على عينه حتى يرى صدقها كذباً سألني بكر أولادي ذات صباح لمن هذه الأرض التي يقوم عليها (الكامبو)؟ قلت للبلدية. قال وما هي البلدية؟ أجبت تقريبا للمعنى من ذهن الطفل: هي للحكومة. قال وهل يؤدون أجرتها كما أدينا للخواجه (لافرلا)؟

стр. 9628

قلت يا بني لم هذا الإلحاف؟ وفيم الإعنات؟ وما أريد أن أبكر بالغصص إلى قلبك. أعلم أن هؤلاء الإنجليز دخلوا مصر بحجة الدفاع عن عرش الخديو وحمايته، ولم يكن ثمة تهديد لعرش ولا هدر لحياة؛ وما زالوا يجدون في كل يوم سبباً لأطالة الضيافة، فهم يأخذون هذه الأرض بلا أجر كما احتلوا البلاد. قال، لو أننا نشتري منها قطعة صغيرة ونبني بيتاً صغيراً فلا نؤدي أجرة في كل عام. قلت: فكرة اقتصادية وجيهة، ولكن الإنجليز؟ قال: سأخرجهم حين أصبح ضابطاً. ألم تقل بالأمس إنك ستدخلني المدرسة الحربية؟ قلت: صدقت! ولقد قلت وأسأل الله إذا امتد الأجل أن توفق لخدمة البلاد، وادعوا الله لك ولإخوانك بحياة حرة في جو حر وأردت أن ينقطع الحديث المشؤوم وعملت على تغيير مجراه فاستعجلته لنخرج على نية شراء بعض ما يلزمه، وسرنا نقصد محطة الترام فوجدنا حانوتاً مغلقاً وقد تأخر عني خطوة وانشغل به بصره، فلما ذكرته بالسير قال: ألم تر؟ قلت ماذا؟ قال دكان الخواجه (خ)، والله يا بابا لقد بكيت أمس إذ قلت لعسكري البوليس صباح أمس حين وقف صاحب الدكان يحكي له ما جرى - خذ العساكر إلى القرقول فلم يفعل!! سأني أن يستمر الحديث على هذه الوتيرة وقلت يا بني لقد تردد الدمع في مآقي الوزير شريف باشا من قبل حين رأى صفوف الاحتلال في طريق الخديو من المحطة إلى عابدين! ولا شك أنهم سيخرجون يوما بأذن الله، ولن ترى من ذلك شيئاً؛ ولقد رأى أجدادك أبشع من ذلك وأشنع، فقد روى (هنس زيزنر) أنهم كانوا يقتلون جرحى المصريين في التل الكبير؛ وما زلنا نرى من أحفادهم من يحتمعون بهم ومن يثقون. فيوم لا ترى واحداً من هذا الفريق لا ترى على أرض الوطن محتلاً، ولولاه ما لحق القاهرة ذلة ١٤ سبتمبر سنة ١٨٨٢ دارت الأيام، وعدت إلى سيدي بشر وفي مكتبي الأول أكتب رسالتي وأشخص بين الفينة والفينة إلى البحر فلا أرى معسكراً يحجب، ولا علامة تثير الغصص وتذكي الألم، قلت مع الرسول الأمين عليه صلاة الله وسلامه: (ويعجبني الفأل) لعل ما ترى من استنامة للرفاهية أشبه بهذا الطلاء الزائل الذي كاد يغير من منزل (لافرلا) - لعل الجفوة التي ترى بين رجالنا وشبابنا للمبادئ القويمة أشبه بتلك التي كنا نرى

стр. 9629

ونسمع عن سيدي بشر منذ تسع سنين، ولعل ما يحجب عنا محاسن الخلق الوطني أشبه بخشبات المعسكر التي تكسرت وزالت، ولعل القوة الخارقة الطارئة التي اعتبرها علماء الاجتماع وأساطين التاريخ ميزة الخلق المصري حين هب بعد قمبيز، ومثلت الحكم الإسلامي بالطابع الخاص في الدول الطولونية. والأخشدية والأيوبية، وحكمت القومية المصرية في عهد المماليك ومحمد علي وحررت البلاد من الإنجليز في ١٩ سبتمبر سنة ١٨٠٧، لعلها بأذن الله قريب منا! ولعلها على الأبواب! ومع اليوم غد، ولكل أجل كتاب (سيدي بشر) محمد محمود جلال المحامي

стр. 9630

صور حجازية (طبق الأصل) الإعدام! للأستاذ علي الطنطاوي سيقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض: هذه وحشية، هذه همجية، هذا لا يكون في القرن العشرين، قرن الحرية والنور، هذا يأباه فلاسفة العالم المتمدن؛ المسيو فلان، والمستر علان، والهر جرمان، والسنيور إيطاليان ويقول الحق: هذا واجب، هذا حسن، هذا دواء القرن العشرين، قرن الاستعمار والاستعباد، وإبادة الضعفاء، واغتصاب الحريات، هذا ما أمر به الله، وجاء به رسول الله ﷺ فلينظر امرؤ مسلم: أيتبع أمر الله، وسنة رسول الله ﷺ ، أم يتبع رأي المسيووات والمساتير، والهررة والسنانير؟!. . . سمعت - وأنا في مكة - أن أمراً سيقع بعد صلاة الجمعة (آخر المحرم سنة ١٣٥٤) فجعلت أرقب وأنتظر، لا أحب أن أسأل أحداً، كيلا تفوتني لذة المفاجأة وروعة الحدث. ثم إن الرجل في الحرم كالسائح في أرض الله، لا يدري من يسأل؛ ولا يعرف من يخاطب، وبينا هو في (الهند) يسمع لغة الهنود ويرى أزياء الهنود، ويبصر عادات الهنود، إذا به ينتقل بعد خطوات إلى (نجد) فإذا هو بين النجديين، وإذا كل شيء من حوله عربي نجدي، ثم يخطو فإذا هو في مصر، بين المصريين، يسمع حديث مصر. في لهجة مصر. . . فكأن الدنيا كلها قد استقرت في الحرم، تستظل بالبيت العتيق، وتطوف به، وتجثو خاشعة من حوله، فلا يحس الرجل وهو فيه بأن وراءه دنيا، أو ظاهر جدرانه حبا من الناس، أو عامراً من الأرض حتى إذا قضيت الصلاة، وانفتل الإمام، ابتدر الناس أبواب الحرم يستبقون إلى شارع الحكومة - وهو في أسفل أجياد، يمتد من شمال الصفا حتى يجاوز باب إبراهيم - فلم تكن إلا هنيات حتى امتلأ الشارع على سعته بالناس، ولم يبق فيه موطئ قدم، فجعلت أزاحم الناس لأخلص إلى الساحة، فلا أتقدم خطوة؛ ومن لي باختراق هذا السد الهائل من الأجساد، واجتياز هذا الخضم من الناس؟ فأيست واحتسبت مصيبتي في فوت المشهد عند الله، وهممت بالعودة إلى الحرم، وإذا أنا بالشيخ يوسف ياسين (سعادة سكرتير جلالة الملك)
следующие страницы →