Полный текст (65 431 стр.). Показаны 9626–9665 · переход к 9631.
стр. 9626
حول ١٤ سبتمبر
للأستاذ محمد محمود جلال
أرأيت كيف غير (الكورنيش) من الرمل وكيف حكم في حظوظ البقاع؟! هكذا سألت نفسي وبدأت الحديث مع صديق رافقني إلى سيدي بشر في أول سبتمبر نبحث عن دار ننزلها تحت حكم ظروف طارئة - بعد أن هجرت الإسكندرية كمصيف منذ خمس سنوات
وكأن الله يريد أن يقفنا على المزيد من آياته في تطور الكون وأنه جل شأنه قد انفرد بالدوام، فما تحدثنا حتى دلفت بنا السيارة إلى اليمين تقطع شارعاً ضيقاً قصيراً لم أره من قبل، قام على أحد جوانبه خلاء وعلى الآخر بناء ضخم يوشك على التمام، وقد كدت أنكر الربوع وكأنها غير تلك التي قضيت بها الصيف أعواماً ثلاث متواليات. وما وصلنا آخر الشارع حتى طالعنا منزل يتصل بالماضي ببنائه وموقعه اتصاله بذكرياته، ويجفوه بلونه الجديد، وبهذا اللون وحده يتقرب إلى الحياة الجديدة وما طرأ على (سيدي بشر)
هذا منزل (لافرلا) ثالث الأبنية بتلك المحلة نزلناه أول مرة منذ تسع سنين يوم كان (سيدي بشر) في الصف الأخير بين المصايف لا تسمع له بينها ذكرا، فإذا ضمك مجلس مع المقبلين على التصييف شاقك ما تسمع عن (سان استفانو) وفخامة المنازل حوله، وطيب الهواء في (كارلتون)، وسهولة المواصلات في (سان جورج)، وتحس كأن البلدية ائتمرت مع الزمان القلب فحبت الأسماء الأجنبية بخير الأمكنة، وخصت هذه بالعناية البالغة بينما تركت الجهات الوطنية بلا ميزة، وعطلتها من كل حيلة!
غير أني أحسست لأول سكناي ظاهرة غريبة في (سيدي بشر)، فالرطوبة أقل كثيرا من جميع المحطات. والرطوبة شر ما يرهقني في الإسكندرية صيفاً، وهذه ميزة تعدل في نظري جميع المزايا الأخرى. ميزة تغلب أثرها على ما كنت أرى من دهشة حين أذكر بين أخواني أين أقضي الصيف وكأنهم لم يسمعوا بمحطة تدعى (سيدي بشر)
ومازلت أذكر من فكاهات تتصل بهذا المعنى أن المرحوم محمد نافع باشا، وكان قطباً للحلقة الأولى بالكازينو - وكنا ندعوه المصطبة - كان يدعوني سيدي بشر إذا ناداني إشارة إلى انفرادي بينهم بهذا المصيف، أو إلى اكتشافي له إذا شئت الحق
و (سيدي بشر) ذاته هو المحلة المزدحمة اليوم، وهو الكعبة للطبقة التي كانت تنفر منه
стр. 9627
وتعده شيئاً غير الرمل وشيئاً غير المصيف منذ تسع سنوات، فثم منازل أنيقة على شاطئه الجميل، وهذه أفواج تختص (البلاج) بخير ساعاتها، وأفواج أخرى تسارع بسيارتها تتصيد المقاعد الخالية فيما انتثر فيه من مقاهٍ ومجالٍ للسرور
وإذا نظرت إلى (الربوع) وجدتها … تَشقي كما تَشقى العباد وتسعد
أما يوم نزلنا سيدي بشر فلم يكن به غير ثلاثة أبنية وبضعة حوانيت في بناء مستقل - ولم يكن في الجيرة ما ينغص إلا تلك الأكشاك الخشبية وقد صفت على نظام في أجمل بقعة تشرف على شاطئه، وقد خصصت لأسر الضباط الإنكليز يقوم على حراستها نفر من أولئك الذين استحلوا الكل فلم يعفوا عن الأجزاء
ولم يكن للإنجليز أن يختاروا إلا خير البقاع، وأحسن المواقع، فهذه النقطة السوداء شهادة لسيدي بشر بامتيازه
وقد استتبعت هذه الجيرة الممضة أن يأوي إلى الجوار نفر من أخلاط الدخلاء يبيعون الجنود الخمور وأخرى الحاجات، يبجلونهم ويختصونهم بخير ما حوت حوانيتهم حتى ليمنعون المصري ما يطلب بأي ثمن
ولم تكن الحراسة بين المصريين عبئاَ ولا ذات مشقة، فهؤلاء الحراس يودعون كرم الخلق المصري: العرض والحياة والمال. وينفقون ليلهم في تلك الحوانيت يشربون إلى السكر، ويسهرون إلى الصبح
بعد أسبوعين، وفي ليلة واحدة انعكست الآية وسمعنا بمختلف الرطانات إشادة بالخلق المصري والكرم المصري والنبل الوطني بين الجزع والفزع مما حدث، فقد استطاب الجند الضيافة، وأساغ الشرب ما لا يسوغ، وذاق المحتفون من الأخلاط بعض آثار الاحتلال في عتادهم وفي أنفسهم، وشهدنا آية الصبر في لحظة، وكسبنا للقضية الوطنية أنصاراً حتى بين الأقداح وفي أحقر الحوانيت
ومن صحب الدنيا طويلاً تقلبت … على عينه حتى يرى صدقها كذباً
سألني بكر أولادي ذات صباح لمن هذه الأرض التي يقوم عليها (الكامبو)؟ قلت للبلدية. قال وما هي البلدية؟ أجبت تقريبا للمعنى من ذهن الطفل: هي للحكومة. قال وهل يؤدون أجرتها كما أدينا للخواجه (لافرلا)؟
стр. 9628
قلت يا بني لم هذا الإلحاف؟ وفيم الإعنات؟ وما أريد أن أبكر بالغصص إلى قلبك. أعلم أن هؤلاء الإنجليز دخلوا مصر بحجة الدفاع عن عرش الخديو وحمايته، ولم يكن ثمة تهديد لعرش ولا هدر لحياة؛ وما زالوا يجدون في كل يوم سبباً لأطالة الضيافة، فهم يأخذون هذه الأرض بلا أجر كما احتلوا البلاد. قال، لو أننا نشتري منها قطعة صغيرة ونبني بيتاً صغيراً فلا نؤدي أجرة في كل عام. قلت: فكرة اقتصادية وجيهة، ولكن الإنجليز؟ قال: سأخرجهم حين أصبح ضابطاً. ألم تقل بالأمس إنك ستدخلني المدرسة الحربية؟
قلت: صدقت! ولقد قلت وأسأل الله إذا امتد الأجل أن توفق لخدمة البلاد، وادعوا الله لك ولإخوانك بحياة حرة في جو حر
وأردت أن ينقطع الحديث المشؤوم وعملت على تغيير مجراه فاستعجلته لنخرج على نية شراء بعض ما يلزمه، وسرنا نقصد محطة الترام فوجدنا حانوتاً مغلقاً وقد تأخر عني خطوة وانشغل به بصره، فلما ذكرته بالسير قال: ألم تر؟ قلت ماذا؟ قال دكان الخواجه (خ)، والله يا بابا لقد بكيت أمس إذ قلت لعسكري البوليس صباح أمس حين وقف صاحب الدكان يحكي له ما جرى - خذ العساكر إلى القرقول فلم يفعل!!
سأني أن يستمر الحديث على هذه الوتيرة وقلت يا بني لقد تردد الدمع في مآقي الوزير شريف باشا من قبل حين رأى صفوف الاحتلال في طريق الخديو من المحطة إلى عابدين! ولا شك أنهم سيخرجون يوما بأذن الله، ولن ترى من ذلك شيئاً؛ ولقد رأى أجدادك أبشع من ذلك وأشنع، فقد روى (هنس زيزنر) أنهم كانوا يقتلون جرحى المصريين في التل الكبير؛ وما زلنا نرى من أحفادهم من يحتمعون بهم ومن يثقون. فيوم لا ترى واحداً من هذا الفريق لا ترى على أرض الوطن محتلاً، ولولاه ما لحق القاهرة ذلة ١٤ سبتمبر سنة ١٨٨٢
دارت الأيام، وعدت إلى سيدي بشر وفي مكتبي الأول أكتب رسالتي وأشخص بين الفينة والفينة إلى البحر فلا أرى معسكراً يحجب، ولا علامة تثير الغصص وتذكي الألم، قلت مع الرسول الأمين عليه صلاة الله وسلامه: (ويعجبني الفأل)
لعل ما ترى من استنامة للرفاهية أشبه بهذا الطلاء الزائل الذي كاد يغير من منزل (لافرلا) - لعل الجفوة التي ترى بين رجالنا وشبابنا للمبادئ القويمة أشبه بتلك التي كنا نرى
стр. 9629
ونسمع عن سيدي بشر منذ تسع سنين، ولعل ما يحجب عنا محاسن الخلق الوطني أشبه بخشبات المعسكر التي تكسرت وزالت، ولعل القوة الخارقة الطارئة التي اعتبرها علماء الاجتماع وأساطين التاريخ ميزة الخلق المصري حين هب بعد قمبيز، ومثلت الحكم الإسلامي بالطابع الخاص في الدول الطولونية. والأخشدية والأيوبية، وحكمت القومية المصرية في عهد المماليك ومحمد علي وحررت البلاد من الإنجليز في ١٩ سبتمبر سنة ١٨٠٧، لعلها بأذن الله قريب منا! ولعلها على الأبواب! ومع اليوم غد، ولكل أجل كتاب
(سيدي بشر)
محمد محمود جلال المحامي
стр. 9630
صور حجازية (طبق الأصل)
الإعدام!
للأستاذ علي الطنطاوي
سيقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض: هذه وحشية، هذه همجية، هذا لا يكون في القرن العشرين، قرن الحرية والنور، هذا يأباه فلاسفة العالم المتمدن؛ المسيو فلان، والمستر علان، والهر جرمان، والسنيور إيطاليان
ويقول الحق: هذا واجب، هذا حسن، هذا دواء القرن العشرين، قرن الاستعمار والاستعباد، وإبادة الضعفاء، واغتصاب الحريات، هذا ما أمر به الله، وجاء به رسول الله ﷺ فلينظر امرؤ مسلم: أيتبع أمر الله، وسنة رسول الله ﷺ ، أم يتبع رأي المسيووات والمساتير، والهررة والسنانير؟!. . .
سمعت - وأنا في مكة - أن أمراً سيقع بعد صلاة الجمعة (آخر المحرم سنة ١٣٥٤) فجعلت أرقب وأنتظر، لا أحب أن أسأل أحداً، كيلا تفوتني لذة المفاجأة وروعة الحدث. ثم إن الرجل في الحرم كالسائح في أرض الله، لا يدري من يسأل؛ ولا يعرف من يخاطب، وبينا هو في (الهند) يسمع لغة الهنود ويرى أزياء الهنود، ويبصر عادات الهنود، إذا به ينتقل بعد خطوات إلى (نجد) فإذا هو بين النجديين، وإذا كل شيء من حوله عربي نجدي، ثم يخطو فإذا هو في مصر، بين المصريين، يسمع حديث مصر. في لهجة مصر. . . فكأن الدنيا كلها قد استقرت في الحرم، تستظل بالبيت العتيق، وتطوف به، وتجثو خاشعة من حوله، فلا يحس الرجل وهو فيه بأن وراءه دنيا، أو ظاهر جدرانه حبا من الناس، أو عامراً من الأرض
حتى إذا قضيت الصلاة، وانفتل الإمام، ابتدر الناس أبواب الحرم يستبقون إلى شارع الحكومة - وهو في أسفل أجياد، يمتد من شمال الصفا حتى يجاوز باب إبراهيم - فلم تكن إلا هنيات حتى امتلأ الشارع على سعته بالناس، ولم يبق فيه موطئ قدم، فجعلت أزاحم الناس لأخلص إلى الساحة، فلا أتقدم خطوة؛ ومن لي باختراق هذا السد الهائل من الأجساد، واجتياز هذا الخضم من الناس؟ فأيست واحتسبت مصيبتي في فوت المشهد عند الله، وهممت بالعودة إلى الحرم، وإذا أنا بالشيخ يوسف ياسين (سعادة سكرتير جلالة الملك)
стр. 9631
فتعلقت به وقلت:
- والله لا أدعك حتى تبلغ بي الساحة
فأعتذر وتملص، فما نجا ولا تخلص، وكيف يتملص مني وقد كنت كالغريق وجد سفينة النجاة، أفيدعها بعدما وجدها؟ فأجاب على كره وسار وأنا أتبعه، والبحر ينشق له كأن بيده عصا موسى. . . وما للناس لا يتفرقون من بين يديه حذرين خائفين، وهو سكرتير الملك؟ حتى إذا بلغ بي درج القصر عاد لشأنه وتركني، فصعدت فلم أجد مكاناً أقف فيه، ووجدت الغرف كلها ملأى بالموظفين والمقربين والحاشية فقادوني إلى غرفة فخمة أعدت للأمير فيصل (ابن الملك ونائبه على الحجاز) ولأهل البيت: بيت الملك
ولم لا يفعلون وأنا ممن يكتب في الصحف، والإكرام إنما يكون لمن يكتب في الصحف، أو يملك سبيلاً من سبل الدعاية، والحذر إنما يكون من هؤلاء. فذكرت قالون وزير لويس السادس عشر، حين رأى أن خير طريقة لتقوية الحكومة الضعيفة، وإغناء الخزانة الفقيرة، أن تقيم الحكومة الولائم الفخمة وتنفق الأموال الطائلة، تشتري ألسنة المادحين، وأقلام الكاتبين حتى يقال: إنها غنية. . فقالوا: إنها غنية، لأنهم أكلوا خبزها ولكن الخزانة قالت: إني فقيرة! وقال التاريخ: إن قالون رقيع. . .
وقفت في النافذة بين فتية من آل البيت؛ فيهم ابن للأمير فيصل في نحو الثانية عشرة من عمره، ما رأيت في لداته أثقب منه ذهناً، ولا أصح جواباً، ولا أحد ذكاء؛ وأطللت على الناس، وإذا هم أخلاط من كل جنس ولغة وزي، فمن رجل عباية على رأسه عقال أسود على صماد أحمر قد التحف بعباية رقيقة على ثوب أبيض، وقد حلق لحيته كلها إلا نقطة واحدة من العثنون، وهلالاً دقيقا من تحتها، نما فيه صف واحد من الشعر كأنما هو مروحة تدلت على صدره: سنة يتبعونها ما أنزل الله بها من سلطان. . . وهذا هو النجدي
ومن رجل يلبس ثوباً رقيقاً فوقه رداء قصير (جاكيتة) من قماش هفهاف، وعلى رأسه قلنسية (طاقية) بيضاء، إذا مشى في الشمس تعمم عليها بملحفة بثقل الفراش، يتقي بها شمس مكة الحادة المخيفة وهو حليق اللحية صغير الشاربين. . . وهذا هو الحجازي
ومن رجل وسخ الثياب، ممزقها، لا تدري عن ثيابه ما لونهما وما هي، وعلى رأسه حبل قد وضعه مكان العقال. . . وهذا هو الأعرابي
стр. 9632
ومن رجل يلبس ثوباً متقن الصنع، عليه عباءة جميلة شفافة وعلى رأسه عقال مذهب، أو يلبس بدل الثوب حلة (بدلة) بيضاء وهو حليق اللحية، إلا قليلاً منها يبقيه بمثابة الدلالة على أنه ملتح. . . وهذا هو السوري. وأكثر السوريين في الحجاز موظفون في الوظائف الفنية، وأقلهم تجار
ومن رجل على رأسه عمة ضخمة فخمة كعمائم السلاطين من آل عثمان - يوم كان لآل عثمان سلاطين، وكان لسلاطينهم عمائم - وقد أرخى بين كتفيه عذبة طويلة، وله لحية كثة مستديرة، وشاربان طويلان، أما ثيابه فقميص تحته سراويل بيض، تبلغ الكعبين. . . وهذا هو الهندي
ومن شاب حليق الوجه كله (على الأسلوب الأمريكاني) نظيف الثياب مهفهف قد ائتزر بمئزر (فوطة) لفها على خصره النحيل لفاً محكماً، واجتزأ بها عن السراويلات، وارتدى عليها رداء قصيراً رقيقاً، وربما بلغ ثمن المئزر من هذه المآزر خمسة الجنيهات أو أكثر. . . وهذا هو الطالب الجاوي، وما أكثر هؤلاء الطلاب في مكة
ومن عبد أسود، جعد الشعر، أفطس الأنف، ضخم الشفة، عارٍ إلا من خرقة تستر عورته أو بعض عورته. . . وهذا هو الأفريقي الأسود
ومن. . . ومن أمم ربنا التي لا تعد ولا تحصى
وكان القوم مختلفين في أزيائهم ولغاتهم وأجناسهم، ولكنهم تجمع بينهم هذه القبلة التي قطعوا السباسب، وخاضوا البحار، ليواجهوها، ويقفوا أمامها، ويتعلقوا بأستارها
ثم أقبل الجند، وهم بثياب عربية. قد تمنطقوا عليها بمناطق الرصاص، فاصطفوا من حول الساحة، ثم أقبل الأمير فيصل في موكبه، يحف به طائفة من عبيده الأمناء الأشداء الأوفياء، فصعد إلى الغرفة التي نحن فيها فجلس في شرفتها الكبرى
ثم جيء بالرجل؛ وهو قصير كز ساهم، ما عليه إلا قميص واحد مشقوق الجيب، وكان أصفر قد دمع وامتقع لونه، وغاض من وجهه الدم، مجموعة يداه إلى قفاه، قد مات من قبل الممات. يقوده جندي آخذاً بتلابيبه، حتى إذا بلغ به الساحة خلاه فهوى جاثياً على ركبتيه، فلبث لحظة ما يفتح عينيه من الجزع، ثم ارتدت إليه نفسه بعد حين، فجعل يقلب عينيه في الناس فيرى كل شيء من حوله ميتاً لا حياة فيه، فكأن الدنيا قد أظلمت في ناظريه حين
стр. 9633
يئس من الحياة، كبيت أطفئ فيه المصباح في ليل داج
وجعل يرى الشمس مشرقة، ويرى الجند جائين ذاهبين، يدلون بشاراتهم وسلاحهم، ويرى القصر قائماً يحمل سطوة الحكومة وهيبة السلطان. . . ولكنه لا يرى من ذلك كله إلا صوراً مطموسة، تطلع عليه من خلال حلم عميق. . . ثم تضاءلت هذه الصور واختلطت، ولم يبقى قيد ناظريه إلا الكعبة، يبصرها من باب الحرم، فجعل يحرك شفتيه بالتوبة والاستغفار ويشير بسبابته إشارة التوحيد، ثم أغمض عينيه وجرفه سيل من العواطف المتباينة فغاب في ذهول عميق، ولم يعد يفكر في شيء
وجيء بالمجرم الآخر، وهو عبد أسود، ضخم الجثة، غليظ الشفتين، كثير الشعر، كأنه غول هائل، أو وحش مروع، وقد قيده الجند، وجمعوا يديه إلى عنقه وأقبلوا يمسك به ستة منهم وهو يصاولهم ويقاومهم، ويزمجر ويصرخ صراخا شديداً، وهم يزبرونه ويقرعونه حتى انتهوا به إلى الساحة، فاجتمعوا عليه فأضجعوه على سرير من الخشب وشدوه إليه شداً وثيقاً، وأقاموه بحيث يرى رفيقه ويبصر مقتله
وكأن العبد قد اهتجمت نفسه، وأدركه الخور، فسكت وسكت الناس وعلقوا أنفاسهم وشخصوا بأبصارهم
وجعلت أطل من الشباك أبحث عن الجلاد فلا أرى أحداً، وأفتش عمن يتلو حكم الإعدام فلا أجده. وأرى سمو الأمير يشير بيده، فإذا عبد ضخم يبرز من بين الصفوف، وبيده سيف صقيل مسلول، فيأتي الأعرابي من ورائه وينخسه بالسيف، فينتبه ويمد عنقه مستطلعاً، فيهوي العبد بالسيف على قذاله، ثم يحز به الرأس حزّا، فلا تمضي ثوان إلا والرأس قد بتر عن الجسد، من القذال إلى أعلى الصدر، وطاح ثلاثة أمتار قبل أن تند من المقتول صرخة، ونفر الدم من عنقه كأنه نافورة، ومال الجسد قليلاً قليلاً ثم هوى، وهويت أنا قبل هويه وكفاي على عيني، ولم أعد أشعر بشيء
ولما صحوت قيل قد فاتك المشهد الهائل: قطعت يد العبد ورجله من خلاف
قلت: ويحكم، ماذا تقولون؟
قالوا: قطعت يده ورجله، ألم تتل قول الله :
(إنَّما جَزَاءُ الذّين يُحاربُونَ الله ورَسولَه ويَسعْونَ في الأرض فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أو يُصَلَّبوا أو
стр. 9634
تُقَطّعَ أيدْيهم وأَرْجُلُهم من خِلاف أو يُنْفَوْا مِنَ الأرض). أما إنه لولا هذا ما بلغتم أرض الحجاز سالمين. وما العهد السابق ببعيد، أفلا نستحيي بقتل واحد أو أثنين الناس جميعاً؟ قلت: بلى والله! صدق الله العظيم: (ولكم في القِصاص حياة)
دمشق
علي الطنطاوي
стр. 9635
٢ - الشعر في صدر الإسلام وعهد بني أمية
بقلم أحمد حسن الزيات
خصائص الشعر في العراق
لعل الشعر العراقي الإسلامي أصدق ما يصور حياة البادية، وأصح ما يعبر عن نفسية العرب؛ فانه - وإن كان كما قلنا استمراراً للشعر الجاهلي يصدر عن دوافعه، وينبع من منابعه - أنقى جملة وأبين علة وأصح نسبة، لقربه من عصر التدوين واتصاله بأسباب السياسة وأحداث التاريخ. وهو مظهر لتلك الحياة المدنية الأولية التي هيأها الإسلام للعرب لأول مرة، فجعل من الأشتات وحدة ظاهرها الجماعة والألفة، وباطنها العداوة والفرقة؛ فهو مهاجاة بين الأفراد، ومساجلة بين الأحزاب، ومفاخرة بين القبائل، ومدح للزعماء والخلفاء؛ وهذه الموضوعات بطبيعتها تقتضي اللفظ الجزل والأسلوب الرصين والعروض الطويل والصور البدوية، وتعتمد في الهجاء على مثالب الآباء من جبن وبخل وقلة وذلة، وفي المدح والفخر على ذكر أيامهم الدامية الماضية وما ظفر فيها أسلافهم من الغلب والسلب. فالهجاء في هذا العهد بأنواعه الخاصة والعامة يكاد يكون مظهره العراق، لتكالب القبائل المتعادية عليه، وظهور المذاهب المتباينة فيه، وغلبة البداوة والأنفة والبطر على أهله. فشعراؤه يبتدئون به ويفتنون فيه ويعيشون عليه، وهو ينتحل الأسباب المختلفة، ويرتدي الأثواب المتعددة، فيكون فرديا وقبليا ووطنيا ودينيا وسياسيا، ولكنه في الواقع إنما يصدر من باعث واحد هو العصبية الموروثة والأحقاد القديمة
وقد ينبت المرعى على دِ مَن الثرى … وتبقى حزازات النفوس كما هيا
فقائل هذا البيت غياث بن غوث الأخطل صوت الجزيرة ولسان التغلبية وأديب النصرانية وشاعر الأموية. كان أول ما غرم به من شعر الهجاء، هجا امرأة أبيه وهو صغير، وهجا كعب بن جعيل شاعر تغلب، فأهمله وهو يافع، وعلق به لقب الأخطل منذ شب لسفاهته. ثم مضى يقرض الشعر فيما يشجر من الخصومة بينه وبين الناس، أو بين قبيلته وبين القبائل، حتى كان بين يزيد بن معاوية وهو ولي العهد وبين عبد الرحمن بن حسان الأنصاري تقاول وجدل، فطلب من كعب بن جعيل أن يهجو الأنصار، فتحرج أن يذم قوما آووا رسول الله ونصروه، وقال له: أدلك على الشاعر الفاجر الماهر (يريد الأخطل): فهجا
стр. 9636
الأخطل الأنصار بالفلاحة واللؤم والخمر، وفضل عليهم قريشاً في قصيدته الرائية، وكاد يشفى من ذلك على الخطر لولا عون يزيد؛ وبالغ الأمويين في إيثاره وإكرامه، وأمعن هو في النفح عنهم، فناضل الزبيريين بعد الأنصار، وصمد إلى القبائل القيسية فهتك عنها حجاب الشرف قبيلة قبيلة بقصيدته التي مطلعها:
ألا يا اسملي يا هندُ هندَ بني بكر … وإن كان حيَّاناً عِدَي آخر الدهر
لمناصبته الأمويين العداء من جهة، ولا قتحامها الجزيرة على قومه من جهة أخرى، ثم ختم حياته بممالأة الفرزدق ومهاجاة جرير. والأخطل وإن كان شديد التمسك بنصرانيته، على وثيق صلاته بالخلفاء، لم يشذ عن طبيعة العرب في التدين، فقد قال الأب لامنس في فصل كتبه عنه: (إن أثر النصرانية في دين الأخطل ضئيل، ونصرانيته سطحية ككل العقائد الدينية عند البدو)، فهو يدمن الخمر في حمى الدين، ويكثر الهجاء في حمى الخليفة، ويهاجم القبائل في حمى تغلب؛ ولكن هجاءه كان عفيف اللفظ لا يركب فيه متن الشطط ولا يتجاوز به حدود الخلق
وأبو فراس همام بن غالب الفرزدق الدرامي ثم التميمي نشأ كذلك بالبصرة على قول الهجاء مع شرف أسرته وغنى قبيلته وعزة نفسه؛ فكان يهجو بني قومه لحدة طبعه وشراسة خلقه، فيشكونه إلى أبيه فيضربه؛ ثم لج في هجاء الناس حتى استعدوا عليه زياداً والي العراق لمعاوية، فطلبه ففر منه في مدن العراق وقبائله، ثم لجأ إلى المدينة واستجار بواليها سعيد بن العاص من زياد فأجاره؛ فلما مات زياد عاد الشاعر إلى وطنه فساهم فيما وقع فيه من حروب وفتن بعد موت معاوية ويزيد، حتى مني بمهاجاة جرير فشغلت وملأت عمره وصقلت شعره، وظلت هذه المهاجاة أربعين سنة ونيفاً كان منها للناس مشغلة، وللوسواس مهزلة، وللأدب العربي ثروة ضخمة من الشعر لا تخلو على سفاهتها وبذاءتها من حكمة. وكان جرير بن عطية الخطفي التميمي قد قال الشعر كصاحبه في الحداثة الباكرة، وقاله مثلها في الهجاء، ولكنه بدأ بالرجز على نحو ما يكون من الرعاة وهو منهم. وكان خمول عشيرته وضعة أسرته وفقر أبيه وحدة خلقه من العوامل التي ساعدت الطبع على نبوغه في الشعر وتفوقه في الهجاء؛ وكان أول من نازله وأفحمه غسان السليطي حين هجا قومه، فاستغاث السليطي بالبعيث فأغاثه وهجا جرير، فنقض جرير قوله بالهجاء
стр. 9637
اللاذع، فناضل عنه الفرزدق لموجدة في نفسه على جرير، وتهاجى الشاعران التميميان من أجل ذلك. وفضل الأخطل الفرزدق على جرير إما لدفاعه عن قيس، وإما لرشوة محمد بن عمير إياه، فهجاه جرير، ثم نبحه الهجاء من كل مكان حتى نصب له من الأقران ثمانون شاعراً ظهر عليهم جميعاً إلا الفرزدق والأخطل فانهما ثبتا له ونازعاه الغلبة. وانشعب الناس في أمر جرير والفرزدق شعبتين تناصر كل منهما أحد الشاعرين؛ وكان بين الفرزدقيين والجريريين ما بين العلويين والأمويين، يطلب كل منهما الغلبة لصاحبه بالدعاية والنكاية والرغبة والرهبة والحلف، يقوم الأولون بالمربد والآخرون بمقبرة بني حصن، وقد وقف الشاعران كل بين أتباعه وأشياعه ينشدهم شعره وهم يكتبونه، والرواة ينشرونه، والأدباء والأمراء يتناولون ما يروى بالموازنة والنقد والحكم، والأنصار يحاولون رشوة الشعراء واستمالة العلماء ليحكموا لصاحبهم على خصمه؛ فقد روى الأغاني أن أحدهم تبرع بأربعة آلاف درهم وبفرس لمن يفضل الفرزدق على جرير. وليس أدل على اهتمام الناس بأمرهما واختلافهم في الحكم على شعرهما من أن يتهادن الجيشان المتقاتلان ساعة ليحكم أحد الخوارج الأدباء بين رجلين من رجال المهلب تنازعا في أمر جرير والفرزدق، فقد ذكر ابن سلام أن رجلين تنازعا في عسكر المهلب في جرير والفرزدق وهو بازاء الخوارج، فصار إليه فقال لا أقول فيهما شيئاً، وكره أن يعرض نفسه لشرهما، ولكن أدلكما على من يهون عليه سخطهما: عبيد بن هلال، وهو يومئذ في عسكر قطري بن الفجاءة، فأتيا فوقفا حيال المعسكر فدعواه فخرج يجر رمحه، وظن أنه دعي إلى المبارزة، فقالا له: آلفرزدق أشعر أم جرير؟ فقال: عليكما وعليهما لعنة الله! فقالا: نحب أن تخبرنا ثم نصير إلى ما تريد، فقال من يقول
وطوى القيادُ مع الطراد بطونها … طي التَّجار بحضرموت برُوَدا
قالا: جرير. قال: هو أشعرهما
وهناك طائفة أخرى من شعراء العراق كعبيد الراعي وأبي النجم العجلي والراجز اتخذوا من الشعر ظفراً وباباً مزقوا بهما الأعراض وأشاعوا هجر القول في الناس، ولكن أحدهم لم يبلغ من سطوة الشعر ونباهة الذكر ما بلغ جرير والفرزدق والأخطل، لأنهم كما قال أبو عبيدة: (أعطوا حظاً من الشعر لم يعطه أحد في الإسلام: مدحوا قوماً فرفعوهم، وذموا قوماً
стр. 9638
فوضعوهم، وهجاهم قوم فردوا عليهم فأنهضوهم، وهجاهم آخرون فرغبوا بأنفسهم عن جوابهم فأسقطوهم)
مذهبهم في الهجاء
مذهبهم في الهجاء هو المذهب المتبع والطراز الغالب؛ على أنهم يتفاوتون فيه تفاوتهم في الطبقة والبيئة والطبع
فالأخطل سيد في قومه، كريم في نسبه، نبيل في نفسه، يعاقر الخمر ويجلس الملوك ويحترم الدين ويحتمل في سبيله ضرب الأسقف وأذى السجن وإن كان لا يتعبد ولا يتزهد. ومن أجل ذلك كانت لغته في الهجاء كما ذكرنا من قبل لغة الخاصة، لا يسف إلى القبيح ولا يستعين بالمخازي، وإنما يهاجم القرن في صفات الرجولة فينفي عنه الكرم والبأس والمجد والصدق كقوله في تيم:
وكنت إذا لقيت عبيد تيمٍ … وتيما قلت أيهما العبيد!
لئيم العالمين يسود تيماً … وسيدهم وإن كرهوا مسود
وكقوله في كليب بن يربوع:
بئس الصحاب وبئس الشرب شربهم … إذا جرى فيهم المزَّاء والسكَر
قوم تناهت إليهم كل مخزية … وكل فاحشة سُبَّت بها مضر
الآكلون خبيث الزاد وحدهمُ … والسائلون بظهر الغيب ما الخبر
وأقسم المجد حقاً لا يحالفهم … حتى يحالف بطنَ الراحة الشعَر
ولعل أفحش هجائه قوله في قوم جرير:
قوم إذا استنبح الضيفان كلبُهم … قالوا لأمهمُ بولي على النار
فتمنع البول شحاً أن تجود به … ولا تجود به إلا بمقدار
والخبز كالعنبر الهندي عندهُم … والقمح خمسون إردباً بدينار
فترى أنه حتى في إقذاعه وإيجاعه لا يتدلى إلى ذكر المثالب الخاصة والمعايب الفردية، وإنما يهاجم قبيلة الخصم كلها فيقايس بينها وبين قبيلته في السمو إلى المعالي والسبق إلى الغايات، وفي ذلك يجد بلاغه ومدده، فلا يضطر اضطرار جرير إلى ذكر الصغائر التماساً للغلبة الدنيئة من أقرب طريق. انظر إلى قوله لجرير:
стр. 9639
يا ابن المراغة إن عَمَّىَّ اللذا … قتلا الملوك وفككا الأغلالا
وأخوهم السفاح ظمَّأ خيله … حتى وردن حبى الكلاب نهالا
فانعقْ بضأنك يا جرير فإنما … منتك نفسك في الخلاء ضلالا
منتك نفسك أن تكون كدارم … أو أن توازي حاجباً وعقالا
وإلى قوله له:
ولقد شددتَ على المراغة سرجها … حتى نزعت وأنت غير مجيد
وعصرت نطفتها لتدرك دارماً … هيهات من أمل عليك بعيد
وإذا تعاظمت الأمور لدارم … طأطأت رأسك عن قبائلِ صيد
وإذا عددت بيوت قومك لم تجد … بيتاً كبيت عطارد ولبيد
تجد أن هجاءه أقرب ما يكون إلى المنافرة والفخر. ومن الواضح أن هذا الهجاء العفيف المترفع وإن أمض لا يجري مع هجاء جرير في ميدان، ولا يستوي وإياه عند العامة في ميزان، فكيف إذا اجتمع إلى ذلك خمود الشيخوخة في الأخطل وحدة الشبيبة في جرير؟ إن جريرا نفسه قد علل وناء خصمه عنه في آخر الشوط بكبر سنه، فقد قال: (أدركته وله ناب واحد، ولو أدركته وله نابان لأكلني). وقال في قصيدته النونية التي هجا بها الأخطل على أثر تفضيله الفرزدق عليه:
جاريت مُطّلع الرهان بنابهٍ … رَوْقُ شبيبته وعمرك فان
وإذا استثنينا هجاء الأخطل لجرير وجدنا أشهر أهاجيه إنما قالها في أغراض قومية أو سياسية. ومن تلك الأهاجي المأثورة قصيدتان تلخصان مذهبه وتصوران فنه: الأولى في هجاء القبائل القيسية ومطلعها:
ألا يا اسلمي يا هند هند بني بكر … وإن كان حيّانا عِدَي آخر الدهر
والأخرى في مدح عبد الملك بن مروان وذم خصومه ومطلعها:
خف القطين فراحوا منك أو بَكَروا … وأزعجتهم نوى في صرفها غِيَرُ
ومنها:
بني أمية إني ناصح لكم … فلا يبيتن منكم آمن زُفَرِ
فان مشهده كفر وغائلة … وما يُغيَّب من أخلاقه وعرِ
стр. 9640
إن العداوة تلقاها وإن كمنت … كالعُر يكمن حينا ثم ينتشر
بني أمية قد ناضلت دونكم … أبناء قوم همُ آووا وهم نصروا
وقيسَ عيلان حتى أقبلوا رُقُصاً … فبايعوك جهاراً بعد ما كفروا
ضجوا من الحرب إذ عضت غواربهم … وقيس عيلان من أخلاقها الضجر
والأخطل لنصرانيته لم يستطع أن يتخذ من الإسلام سبيل للفخر ولا مادة للهجاء، فاكتفى بذكر مناقب آبائه ومثالب أعدائه، على أن يستغل أحيانا بعض ما أنكر الإسلام فيهجوا وإن كان هو يستبيحه، كقوله في الأنصار يرميهم بشرب الخمر:
قوم إذا هدر العصير رأيتهم … حمراً عيونهمُ من المسطار
وكقوله في كليب بن يربوع:
بئس الصحاب وبئس الشرب شربهم … إذا جرت فيهمُ المزَّاء والسكَر
يتبع
الزيات
стр. 9641
في مؤتمر الكتاب الأوربيين لحفظ الثقافة
خطاب أندريه جيد
نحن قليل في هذا المكان بعددنا، كثير إذا اقتصر الأفراد منا على حب بلادهم، وكثير كثير إذا أضمر هؤلاء الأفراد للبلاد الأخرى ضغينة وحقداً: إذا ما حدثتكم عن شعوري أيها السادة أقول بأني إنساني النزعة في الوقت الذي ما أزال فيه فرنسياً صميما، وأقول أني فردي من أنصار الفردية مع الاعتقاد الراسخ بأني شيوعي صميم، لا أجد في الشيوعية غير نصرة لفرديتي وكل تأييد، لقد كانت رسالتي التي حملتها طوال خمسة وستين عاماً: أنه بمقدار ما تكون شخصية الإنسان قوية وأصيلة فيهن تكون خدماته للمجتمع أجل وأحسن، وقد أضفت في السنوات الأخيرة إلى هذه الرسالة رسالة جديدة هي من الأولى بمثابة البنت للأم، هي أن الجمعية الشيوعية تترك المجال الوسيع لكل شخصية وللخصائص التي تتميز بها كل شخصية تنمو وتزدهر على وجهها الأكمل؛ وحسبي أن أتمثل بعبارة لأندره مالرو ساقها في مقدمة أحد الكتب وقد أصبحت مثلا يجري على كل لسان (إن الجمعية الشيوعية ترد إلى كل شخصية نتاجها الخصيب)
وأذكر اسم رابليه في هذا الكلام لأن النشاط الذي تركه في آدابنا الفرنسية الجميلة لم يتركه أديب من بعده، ولأني أعتبره خير ممثل للأديب الفرنسي العريق، ولربما كان فيما كتب بين معاصريه خير ممثل للعصر الذي عاش فيه، لقد أخذت الآداب الفرنسية بعد رابليه تهدأ ثورتها، تتوخى الطريق المطمئنة المسالمة التي لا صعاب فيها ولا عراقيل، تجنح إلى الغموض والإبهام غير مكترثة بالمادة مشيحة بوجهها عنها
أعني بالآداب الفرنسية التي سميت (كلاسيكية) كل ما يدخل تحتها من كتاب وقراء ونظارة وأبطال للرواية والقصة، أعني بأن كل هؤلاء قد كفوا مؤونة السعي والجد طلباً للعيش؛ وعلى هذا الأساس كانت وظيفة الأديب أن يحدث أناساً موفورين عن أناس موفورين، وإذا لم يكن منعماً هذا الذي يحدث عنه الأدب، فليس من شأننا أن نعرف ذلك وليس من شأننا أن نعرف لماذا كان أكثر هؤلاء الذين يحدث عنهم أغنياء مغتبطين؟ وعلام يستندون في جمع ثرواتهم؟ إن الأدب لا تعنيه كل هذه الأسئلة الممضة! فهؤلاء الأبطال يصورهم لنا راسين في مآسيه الرائعة وقد خلوا من تكاليف الحياة ليس لهم إلا أن يندفعوا مع أهوائهم
стр. 9642
مرخين العنان لقلوبهم تعشق وتحب، ولرؤوسهم تحلم وتفكر. إن هؤلاء الأبطال لا يعيشون في غير أسطر ضمت في كتاب أو على خشبة مسرح يتقمص أفعالهم الممثلون
لست هنا في معرض دعوى أدافع بها مطالباً بحكم على هذه الآداب الكلاسيكية، فأني من أكثر الناس حباً لها وإعجاباً بها وبكل ما هو رائع وجميل، بل أقول إن الأدب لم يشهد منذ الإغريق الأقدمين عهداً رائعاً مثل عهد هذه الآداب. ولرب قائل يقول: إن هؤلاء الملوك والملكات وهؤلاء الأمراء والكبراء الذين لا تخلو منهم رواية مسرحية ألفت في القرن السابع عشر هم الذين ينبو عنهم ذوقنا؛ واكبر ظني أن ليس هناك أحد يستسيغ الحديث عن أناس نسبت إليهم أفعال حميدة وكلام مزوق معسول، وقد جعلوا في جو من الأبهة والملك يشفعان لهم إذا لم يأت كل ما نسب إليهم مطابقاً للواقع صادراً عن ميولهم ومجرد احساساتهم؛ وإذا استساغ البعض حديثاً من هذا النوع فانهم لا يجدون فيه صورة منقولة عن عالم الأحياء الذي يعيشون فيه. فليس كل من يدبون على الأرض مترفين ولا أصحاب امتيازات
لعمري أن آدابناً تلك سمتها لا تعبأ بغير هذا النمط من الناس ولا تهتم بغير الرؤوس والقلوب منهم، لا يرجى لهم مستقبل تأمن فيه من أن تزل قدمها فتهوي إلى أعماق البحر الذي تمشي على شطآنه
إن الآداب والفنون إذا لم تكن مرآة للحياة وصدى للحقيقة فأنها أشياء مصطنعة لا تلبث أن تفقد قيمتها، وإننا إذ استثنيناً الآداب اللاتينية لا نجد آداباً أوربية أخرى أكثر من الفرنسية إيغالاً في الخيال وتعلقًا به، ما تزال إلى الآن تعتمد عليه اعتماداً كبيراً. إن الآداب لا تسمو ولا تقوى ولا تتجدد إلا بالمقدار الذي تستمده من الشعب الذي يعتبر بحق دعامة المجتمع وأساس بنيانه، وما أشبه حال الأدب ببطل الأسطورة الإغريقية ذات المغزى البليغ التي تحكي أن أنتيوس يفقد قواه وتفل عزيمته كلما ارتفعت رجلاه على عن أن تمس الأرض
يتساءلون عن الكاتب الذي غذى الآداب الفرنسية في غضون القرن الثامن عشر وجدد في حيوتها! ليس هو فولتير ولا هو مونتسكيو على عبقريتهما وما قدماه لهذه الآداب من البدائع. إن هذا الكاتب رجل خرج من بين الرعاع لا حسب له ولا نسب: هو ديدرو وهو روسو
стр. 9643
يقول كاتب في جريدة (الاكسيون فرانسيز) منذ عهد قريب: (إن المدينة هي الكذب ومحض الاختلاق، وظيفتها إقامة رجل متصنع في شؤونه متكلف في أحواله مكان الرجل الطبيعي العادي، شبهها شبه الرجل الذي يبرز مرتدياً ثيابه مصففاً شعره بعد أن يكون عارياً في حجرته الخاصة) ثم يختم المقال بقوله (على المرء أن يختار بين أن يكون متمدناً لا يعرف للإخلاص معنى وبين أن يكون غير متمدن مخلص لذاته)
كلا ليس من المحتم على المدنية أن تتجرد من صفة الإخلاص، وليس من اللازم على الإنسان إذا أراد التميدن أن يكون كاذباً أفاكا، بل إذا لم يكن للمدنية بد من شيء تتصف به وتحمل طابعه فأنه الصدق. إني لست من الذين يلقون تبعة الكذب والتزييف البادين على كل مظهر من مظاهر حياتنا على عاتق الفرد، فأن الجاني هو المجتمع كلما أراد أن يخنق صوت الشعب، وكلما حاول أن يتركه على حاله من الغباوة والجهل والاستعباد، لا يعرف ما يجيش في فؤاده فيعبر لنا عنه ولا يدرك ما تستفيده الثقافة منه إذا جهر بما هو دائر في خلده حائم بمخيلته
وقفت نفسي مذ كنت شاباً احترفت حرفة الكتابة على دحض الزعم القائل (قال الإنسان كل ما يمكن أن يقوله وليس في استطاعة أحد أن يقول غير ما قيل) وقد اتخذ هذا الزعم وطنيو ذاك العهد شعاراً لهم يتمثلون به
أليس من دواعي العجب والغبطة وقد مضى عصران كاملان على الكلمة التي كان يعتز بها لابروبير: (جئت في الزمن الأخير) أن نرى أنفسنا أمام عالم حافل بالعجائب والغرائب لم نصل بعد إلى كثير أو قليل من أسراره، أمام عالم يقظ في إبان فتوته يطلع علينا كل يوم بجديد
من يقل أدب قوم فكأنه عنى بذلك خصالهم وأحوال مجتمعهم، لكن هذه القاعدة كثيراً ما تشذ، وقد كثر شذوذها في الآداب الفرنسية، فإن لدينا طائفة كبيرة من الكتاب العظام لم يحظوا في حياتهم بعطف الجمهور وتقديره، فيقال بأنهم يكتبون لأنفسهم؛ لكن هذه الطائفة لم تعدم بعد حين الأنصار الذين رفعوها إلى المكان اللائق بها؛ وقد فطنوا للنظرات العجلى التي لم يستطع إدراكها المعاصرون. وكأني بذلك أعود بالمخيلة إلى بودلير وإلى رامبو وإلى ستاندال أيضاً الذي كان يكتب لعدد ضئيل من محبي أدبه، ويقول بأن قراءه الحقيقيين
стр. 9644
لم تلدهم أمهاتهم بعد. . بل وأتخيل نيتشه ووليام بلاك ومكفيل الذين لم يكن حالهم بأحسن من حال الأولين. هذا وإني لم أذكر إلا الكبار
نشهد اليوم حادثاً لم يسبق للتاريخ مثله، عظيم الأهمية، لا تقاس به الأحداث، ذاك هو النظام الجديد القائم في روسيا السوفيتية، ولست مبالغاً إذا قلت بأنه عمل (نموذجي) ينسج على منواله؛ إن بلادا يجري فيها مثل هذا النظام تجعل الكاتب يتحسس بيئته ويتصل بقرائه اتصالاً مباشراً، لا يدور حولهم كالتائه يفتش عن ضالته كما هي حالنا معشر الكتاب، فيستمد من الحقيقة التي تحيط به مادته، ويستلهم منها أخيلته، ويستمع إلى صداه بأذنه. إن بلادا مثل هذه يؤدي فيها الأديب رسالته كما يجب أن تؤدى، جديرة منا بكل إعجاب. بيد أن ذلك كله لا يفيد. إن الطريق كلها سليمة لا تعتورها الأشواك، وكيف تجتنب الأخطار جميعها ما دام العمل الفني في طبيعته ضعيف المقاومة، قليل التأثير بادئ ذي بدء. ولعل الكلام عن مثل هذه الأخطار التي هي من طراز جديد ستحين له فرصة ثانية، لقد رأيت في النتاج الأدبي السوفيتي آثاراً أثارت مني كل إعجاب، لكنها ما تزال بعيدة عن أن يتمثل فيها الإنسان المنتظر، الذي ما برح هذا الأدب يعمل على إيجاده، وهو ما يزال في مراحله الأولى يصور لنا أدوار التكون والتمخض والولادة، وأني لشديد الأمل برؤية الآداب السوفيتية قد كبرت واشتد ساعدها، فأصبح الكاتب في كنف الحقيقة الماثلة، فاتحة له صدرها يضمها بكلتا يديه
إن الأدب الخالد الذي تقبله النفوس وتقدم عليه بشغف يتجدد في كل حين، لا ينقطع لسد حاجة وقتية تنبعث عند طبقة من الناس، في وقت من الأوقات، وعلى هذا الأساس، فان حكومة السوفيت، لم تقتصر على طبع الآثار والمؤلفات التي جادت بها قرائح كتابها وشعرائها، فإنها عنيت عناية فائقة بنشر أشعار بوشكين، وتمثيل مسرحيات شكسبير؛ ولم تقل قط بأن أدب كتابها مرسوم له الخلود، ولا هي تستبعد أن يكون نتاج هؤلاء الكتاب صائراً إلى الزوال بزوال الحاجة التي دفعت إليه، ما دام الزمن لم يحكم حكمه عليه، وإذا كان هنالك من شيء يمسخ الفائدة التي يمكن أن يجنيها الناس من قراءة الكتب وإنشاء الأشعار، فما هي إلا أن ترسم لهم الأمثولة ويحدد لهم المغزى، وفي التدليل الكثير على العظة التي تتضمنها الكتب ضياع لمسحة الجمال التي تتميز بها الأدب، ويصبح بذلك
стр. 9645
ضرباً من ضروب الوعظ الجافة
ليس مما يضير القراء ألا يوفقوا كلهم إلى غاية واحدة، فان في استطلاعهم إياها في أجواء مختلفة فائدة لا تقدر، وفي ذهابهم مناحي متباينة بعد أن تكون هناك سلطة يستهذون بها. وهذا والثقافة كانت لجلاء الذهن وإطلاق الفكر قبل أن تكون عامل إرشاد وتهذيب
تتوجه أنظار المفكرين، في هذا الزمن، إلى انتشال الإنسانية من وهاد الاضطهادات التي ترددت فيها، وأني لا أقدر لهؤلاء المفكرين أن يظل الإنسان موضع اهتمامهم يوم يفلت من قيده وينطلق حراً شريفاً، فلا يعنون به إلا خانعاً ذليلاً أو غرا جهولا، بل ولقد أسبغ على نفوسنا طول تحدثنا عن البؤس وتغنينا بمحامده ومزاياه حلة من الخنوع والاستكانة لا تليق بها
جميل أن نحلم بمجتمع تعم نعماؤه الأفراد، وأجمل منه أن نوقن بقرب قيام هذا المجتمع.
ترجمة وتلخيص
ماجد شيخ الأرض
стр. 9646
الدكتور محمد إقبال
أكبر شعراء الهند المسلمين في العصر الحاضر
(إن صوتي قد أوقد النار القديمة في بلاد إيران ولكن العرب
لا يعرفون شيئا عن نغماتي الشجية)
(إقبال)
لأبي النصر أحمد الحسيني الهندي
بدأ الدكتور يقول الشعر في أول الأمر من نوع الغزل ثم باشر أنواع الشعر الأخرى مثل: (مثنوي) و (قصيدة) و (رباعي) و (قطعة) و (مسدس) فأجادها إجادة تخلب القلوب، غير أن كمال شعره ليس في هذه الأشكال والقيود الظاهرية، بل في ابتكار المعاني، وإبداع البيان، ودقة الفكر، وسمو الخيال، وحسن التركيب والتشبيه، وقوة الكلام التي يشتمل عليها شعره. فأنت ترى كيف تلك الصفات أورثت التصوير حسناً ورونقاً في قصيدته (الأمنية) التي طلب فيها من الله أن يخرجه من ضوضاء هذا العالم ويسكنه محلاً هادئاً ذا منظر بهيج. قال في وصف ذلك المنظر:
(. . . فلتكن (في ذلك المحل) الأشجار مصطفة في جانبين يرسم صورتها ماء النهر الصافي، وليكن منظر الجبال فيه فتاناً إلى درجة أن يقوم الماء في شكل الأمواج لرؤيته، ويمس الماء فرع الورد مائلاً كأن حسناء ترى وجهها في المرآة، وعندما تحني الشمس عروس الليل تلبس الأزهار كساء ذهبياً مشرباً حمرة. . . الخ)
وقال في وصف الحباحب الطائرة ليلاً في الحديقة:
(إن نور الحباحب يلمع في معمورة الحديقة كأن الشمع منور في محفل الأزهار، أو نجمة قد جاءت طائرة من السماء، أو شعاع القمر قد نفخ فيه الروح، أو سفير النهار قد جاء في سلطنة الليل فكان خاملا في وطنه وبرز في الغربة. أوزر قد وقع من قباء القمر أو ذرة قد ظهرت من قميص الشمس. إن في هذا القمر الصغير نوراً وظلمة فكأنه يخرج من الخسوف حيناً ويدخل فيه حيناً. . . الخ)
стр. 9647
إن الدكتور إقبال ليس بشاعر فقط بل هو مفكر وفيلسوف أيضاً من الطراز الأول، وهذا الأمر يزيد شعره حسناً وجمالاً ورونقاً وكمالاً: فقد قال كوليريج الشاعر المفلق الناقد الأديب الإنجليزي الشهير: (لم يكن ولم يكون أحد شاعراً كبيراً مجيداً بغير أن يكون في نفس الوقت فيلسوفاً ومفكراً دقيقاً. لأن الشعر أرج علم الإنسان وأفكاره وشعوره وعواطفه ولغته قاطبة.) ففي الشعر يقدر الشاعر الفيلسوف أن يعالج أمراً من أمور الفلسفة الدقيقة، وعر الملتمس منيع المطلب ببيت واحد، في حين أنه لا يقدر على معالجته بصفحات من النثر. فأنت ترى كيف أن إقبالاً بين لك وفي بيت واحد فلسفة الحياة، ثم نبهك على مواضع الضعف فيك، وفي هذا التنبيه منه لك تحريض أيضاً على الأعراض عما أنت فيه قال:
حيات جبست جهان را أسير جان كردن
توخود أسير جهاني كجاتواني كرد
(ما هي الحياة؟ هي ان تستأسر العالم لنفسك (ولكن مادمت أنت أسيراً للعالم فكيف يمكن لك ذلك)
وقال في بيت آخر ما ترجمته:
(إن الحياة هي أن تخلق اللؤلؤ في صدفك وأن تنفذ في قلب اللهيب ولا تذوب)
وقال في فلسفة الحياة أيضاً مخاطباً قلبه ما ترجمته:
(أيها القلب تعلم من البرعوم سر الحياة، فان الحقيقة ليست بمحجوبة في مجازه فانه قد نبت من التربة المظلمة، ولكن نظره (دائماً) إلى شعاع الشمس)
يجيد الدكتور الإنجليزية والفرنسية والألمانية والفارسية والأردية، ويعرف السنسكريتية والعربية أيضاً، ويقول الشعر بالفارسية والأردية. وجميع مصنفاته التي ظهرت إلى الآن هي كما يلي:
١ - مصنفاته شعرا:
١ - بابك درا (أي صوت الجرس): وهو ديوان باللغة الأردية يحتوي على أنواع الشعر المختلفة من باكورة شعره
٢ - أسرار خودى (أي أسرار الأنانية): وهو أول دواوينه باللغة الفارسية وشعره من النوع المثنوي. نشره في سنة ١٩١٦، ويحتوي على مباحث إسلامية فلسفية دقيقة للتربية
стр. 9648
الأنانية. وقد ترجمه المستشرق الشهير الدكتور نكلسن إلى اللغة الإنجليزية
٣ - رموز بيخودي (أي رموز إنكار الأنانية): وهو الديوان الثاني باللغة الفارسية وشعره من نوع المثنوي نشره في سنة ١٩١٨، وهو كالتكملة للأول لتكوين الأنانية العليا وتربيتها
٤ - بيام مشرق (أي رسالة الشرق): وهو ديوان باللغة الفارسية يحتوي على أنواع الشعر المختلفة، نشره في سنة ١٩٢٣ وقد صنفه رداً على (الديوان الغربي) للشاعر الفيلسوف الألماني الشهير جوتيه. وقد ترجمه الدكتور نكلسن إلى الإنجليزية
٥ - زبور عجم: ديوان باللغة الفارسية وشعره من الأنواع المختلفة، ويحتوي على أرق العواطف وأدق الأفكار الفلسفية. نشره في سنة ١٩٢٦
٦ - جاويد نامه (أي كتاب جاويد): وهو ديوان باللغة الفارسية نهج فيه الشاعر منهج فاوست لجوتيه، ويحتوي على أدق الأفكار الفلسفية الإسلامية. وقد نسبه إلى أصغر أبنائه المسمى (جاويد). نشره في سنة ١٩٣٢
٧ - مسافر: وهو ديوان صغير باللغة الفارسية، شعره من نوع المثنوي، يحتوي على ما جادت به قريحته حين سافر إلى أفغانستان تلبية لدعوة المغفور له جلالة الملك نادرشاه خان ملك أفغانستان في سنة ١٩٣٣
٨ - بال جبريل: ديوان باللغة الأردوية، يشتمل على ما جادت به قريحته عند زيارته الآثار الإسلامية في الأندلس ونشر سنة ١٩٣٥
٢ - مصنفاته نثرا:
١ - السياسة المدنية: صنفه باللغة الأردية وهو أول مصنفات الدكتور
٢ - تاريخ التقدم الفكري في بلاد إيران: وقد نال بتقديم هذا الكتاب شهادة الدكتوراه من ألمانيا
٣ - المحاضرات الستة: وهي التي ألقاه في الجامعة الهندية، وتحتوي على فلسفة الإلهيات الإسلامية
لقد طال بنا الحديث ونحب أن نختمه بكلمتين وجيزتين: منزلة شعر إقبال في الهند: وصداه في العالم، فأما منزلة شعر إقبال في الهند، فلشعره رسالة ستعرفها حين نفرد لها مقالاً في المستقبل إن شاء الله. والرسالة إذا قامت لابد أن تجذب ما حولها إلى نفسها كذلك شعر
стр. 9649
إقبال، ولا يتسع المجال هنا لأن نستقصي رأي جمع طبقات الهيئة الاجتماعية الهندية في شعر إقبال لإبانة جاذبيته ومنزلته. وإنما نكتفي برأي طبقة الشعراء لأنهم أدرى بحقيقة فنه ودقائقه
إن الشعراء في الهند كثيرون فمنهم من يجيد الشعر بالأردية ومنهم من ينشئه بالفارسية، ومنهم من يتقنه بالاثنين، ولكن إقبال أسبقهم غير مدافع، وأفضلهم غير معارض، ولشعره بينهم القدح المعلى، فقد اتفقوا جميعاً على أنه هو شهابهم الساطع، وبدرهم الطالع ولقبوه (بترجمان حقيقت) (أي المعبر عن الحقائق) وقد شدا غير واحد منهم ناشراً طراز محاسنه في المجالس، وناثرا لآلئ وصفه في المحافل بالأبيات والقصائد نقتطف بعضها هنا. قال مولانا غلام قادر كرامي وهو من كبار شعراء الهند ويقول الشعر بالفارسية:
در ديده معنى نكهان حضرت إقبال
بيغمبري كردو بيمبر نتوان كفت
(إن في رأي أرباب النظر قد قام حضرة
إقبال بعمل النبوة ولا يمكن أن يقال له نبي)
وقال الشاعر فكار - وهو من مسقط رأس إقبال ويقول الشعر بالفارسية والأردية - وهذه ترجمته:
(إنك قد جئت بكأس من الحانة القديمة وبنغمة داودية من وتر الرباب)
(يا طبيب روح الأمة! أنت قد جئت بعهد الشباب في دين إبراهيم بدواء الفلسفة)
(وقد كشفت عن نفسك بواسطة (رموز إنكار الأنانية) يا أبا الحكمة أنت قد جئت بالنهر من السراب)
وقال السيد بشير أحمد اخكر - وهو من كبار الشعراء باللغة الأردية - وهذه ترجمته:
(إن وجودك لي سبب الحياة. إن أسرار أنانيتك لي باعث زيادة الهمة)
(إن رموز (إنكار الأنانية) قد حل العقد. إن (صوت الجرس) قد أصبح لي دليل الطريق)
(عن روح (غالب) وحنو (مير) في قلبك يا إقبال إن حسن ليلى الشعر مخفي في محملك هذا)
أما صدى شعر إقبال في العالم، فلشعر إقبال في أفغانستان مرتبة لا يشق غبارها وعزة لا
стр. 9650
يدرك شأوها، إذ لا تقام حفلة من حفلات الحكومة إلا وتهز فيه فرق الموسيقى الحكومية قلوب الحاضرين بأناشيد إقبال وبخاصة (نشيد المسلم) منها. وقد نشر أقا هادي حسن وزير التجارة مقالات في شعر إقبال. وبخاصة عن ديوانه (رسالة الشرق) في مجلة (أمان أفغان) التي تصدر بكابل
ولم تأل الجرائد والمجلات في إيران تنويها بشعر إقبال، كما أن أهل العلم والأدب يحيطون به خبراً، ويثنون عليه أطيب الثناء
وفي تركيا ترجم كثيراً من شعر إقبال إلى اللغة التركية الكاتب المفكر الكبير حسين دانش، وكتب مقالات عديدة عن ديوانه (رسالة الشرق) وبسط نظرياته فيها
وسافر أحد علماء روسيا إلى الهند ليلتقي بالدكتور إقبال فقط، ثم نقل إلى اللغة الروسية نظريات الدكتور التي في ديوانه (أسرار الأنانية)
وفي مصر نشر غير مرة صديقنا المفضال الدكتور عبد الوهاب عزام ترجمة بعض المقتطفات من شعر إقبال
وفي ألمانيا ترجم الأستاذ دايشو مقدمة ديوانه (رسالة الشرق إلى اللغة الألمانية، كما أن الدكتور فيشر الأستاذ بجامعة ليبزيج وصاحب مجلة (اسلاميكا) كتب مقالات عن الديوان (رسالة الشرق)، وقارن فيها شعر إقبال بشعر الشاعر الألماني الشهير جوتيه، وترجم الشاعر الفيلسوف الألماني هانسي مائنيكه قطعة من ديوانه (رسالة الشرق) إلى ألمانية ثم كتبها بيده وجلدها تجليداً جميلاً على الطراز الشرقي موشى بالذهب والفضة أهداها إلى الدكتور إقبال تقديراً لشعره وإظهاراً لحسن اعتقاده فيه. وقد أنشئت أخيراً جمعية باسم إقبال لتعريف شعره ونشر مباديه في ألمانيا. وتترجم في ألمانيا الآن محاضرات الدكتور التي ألقاه في الجامعات الهندية في فلسفة الإلهيات إلى اللغة الألمانية
وفي إيطاليا نشر العالم الطلياني الكبير الدكتور اسكاريا الذي زار أفغانستان والهند وقابل الدكتور إقبال مقالات عن شعر إقبال في مجلة أدبية إيطالية
وفي إنجلترا ترجم الدكتور نكلسون ديوانه (أسرار الأنانية) وجزأ من ديوانه (رسالة الشرق) إلى الإنجليزية ونشرهما فذاع بهما صيت الدكتور في أمريكا وبلاد أخرى أيضاً، ونوهت أندية العلم والأدب والجرائد والمجلات العلمية والأدبية بشعره، وكتب عن (أسرار
стр. 9651
الأنانية) المرحوم الدكتور براون المستشرق الإنجليزي الشهير في مجلة الجمعية الأسيوية الملكية، وأيضاً نوه بإقبال وشعره في تصنيفه تاريخ الأدب الفارسي في المجلد الرابع منه
وفي أمريكا صنف العالم الأمريكي الجليل ميكنزي كتاباً أسماه (يقظة الهند) فنوه فيه بإقبال وشعره ونظرياته وفلسفته
السيد أبو النصر أحمد الحسيني الهندي
стр. 9652
في الأدب الإنجليزي
الكائنات الغيبية في شعر شكسبير
بقلم خيري حماد
مقدمة
لا شك في أن عبقرية شكسبير ظهرت في مناحي عدة وصور مختلفة، وليس من السهل على أي شخص مهما كانت نزعته ومهما تباينت عقليته أن ينكر أن شكسبير هو شاعر بريطانيا الأعظم وكبير من كبار الشعراء العالميين، ولكن ويا للأسف اختلف النقاد في إنكلترا وفي غيرها من بلدان العالم في تحديد الدرجة الممتازة التي وصل إليها هذا الشاعر. فأعتبره البعض أعظم شاعر بزغ نجمه على هذه البسيطة لا في عصره فحسب، بل في العصور التي سبقته أو تلته. وأنكر البعض الآخر هذا الادعاء وتحاملوا عليه تحاملاً ظاهراً، معتقدين أن عظمته لا تفوق في أي ناحية من نواحيها عظمة جوتي الألماني ودانتي الإيطالي
إن من الصعب أن أبرهن في هذه العجالة على عظمة شكسبير وتبريزه على غيره من شعراء العالم، ولم أقصد فيها إلا البحث في ناحية واحدة من مناحي تفكيره العميق وخياله المبدع الذي تناول بواسطته جميع نواحي الحياة من عقائد وتقاليد فدونها في شعره ورواياته. نعم كان من الصعب عليه أن يوفق بين عقائده الشخصية وبين عقائد مجتمعه البشري، ولكنه خرج من هذا الميدان مكللاً بأكاليل من الغار وتيجان من الظفر
لم تكن الخرافات والغيبيات عقيدة راسخة في تفكير شاعرنا؛ فقد كان دائم الاضطراب والشك في هذه الناحية من مناحي الغموض والخفاء العقليين. لقد حاول في رواياته أن يبتعد عن العقائد الشائعة العامة، ولكنه لم يستطع ذلك لتخوفه من الرأي العام السائد في تلك الأيام الرهيبة
عقائده الدينية:
ولد شكسبير سنة ١٥٦٤ إبان الدور الأول من حكم الملكة اليصابات في عصر أشتد فيه
стр. 9653
النزاع الديني واختلفت فيه العقائد، حتى أصبحت مصدر شقاء وينبوع استبداد ساد إنكلترا قرناً من الزمان. ولنراجع في الفقرات التالية صفحات التاريخ فنرى كيف انتشرت البروتستنتية في إنكلترا، وبأية صورة كان نشوءها وتطورها
كلنا يعرف أن الملك هنري الثامن أراد طلاق امرأته الأسبانية كاترين لعشقه غادة من غادات البلاط، كانوا يسمونها (آن بولين) ولم يكن في الإمكان في ذلك العصر تحقيق تلك الرغبة الجامحة، فما وسع هنري إلا أن يحدث نزاعاً أشتد أمره مع رئيس الكنيسة الأعلى وحامي حماها في الشرق والغرب. طغت عليه الروح الاستبدادية روح العظمة والتفوق، فحدثته نفسه بالانفصال عن كنيسة رومة، ولم يلبث أن أعلن ذلك الانفصال ونصب نفسه رئيساً أعلى للكنيسة الإنكليزية
ولم تكن هذه الحركة في بدء أمرها إلا حركة سياسية محضة لم يشبها شائب من الدين والعقائد، ولكن ما لبث أن فارق هنري دنياه ونصب ولده الطفل أدوارد ملكاً على عرش بريطانيا، فكان له من الأنصار والمساعدين نفر أشبعت نفوسهم بروح البروتستنتية فأعلنوا أن الكنيسة الإنكليزية قد غدت منفصلة تمام الانفصال عن الكنيسة الكاثوليكية ووضعوا كتابين من كتب الصلاة ليقرأ في الكنائس بدلاً من الكتب القديمة
حركة جريئة أعقبتها فترة إحجام ورد فعل. مات إدوارد فتبوأت ماري تيودور العرش وكان لتربيتها الكاثوليكية اثر عظيم في نفسها ما لبث أن دفعها للإعلان عن فساد جميع القوانين التي ظهرت في عهد سلفها، وعن رجوع الكنيسة الإنكليزية إلى الحظيرة الكاثوليكية. ولتحقيق تلك الرغبة في نفسها سنت قانوناً تحتم فيه على كل قس أو راهب أن يرجع إلى الحظيرة القديمة وإلا كان جزاؤه الموت والعذاب
أخيراً انتقلت تلك الملكة الغاشمة إلى جوار ربها وارتقت اليصابات العرش. ونظراً لروحها الاستقلالية ولميلها إلى الطموح والعظمة لم تلبث أن أعلنت بعد مرور سنة من تسنمها العرش الانفصال التام عن الكنيسة البابوية وتنصيبها نفسها رئيسة عليا للكنيسة الإنكليزية
لو أتيح لنا الاطلاع على كثير من الرسائل الشخصية التي كتابها الشاعر العظيم لأصدقائه وأخدانه لأمكننا الوقوف على عقائده وأفكاره الدينية، هناك أمور عدة تحملنا على الاعتقاد بأن شكسبير كان رجلاً ديناً خيراً، ولكن حرية فكره كانت سبباً دائماً في انشغاله بأسئلة لا
стр. 9654
حد لها عن الموت والحياة غير متأثر بالعقائد الدينية السائدة في عصره. كان والده بروتستنتياً متطرفاً، فلا بدع أن نراه متأثراً أثر والده، متحاملاً على البابوية والكثلكة أشد التحامل وأقساه. وبرغم هذا التحامل الظاهر فأن الكنيسة البابوية ادعته في كثير من الظروف والأحيان ابناً باراً من أبنائها وعلماً من أبرز أعلامها. واستندوا في ادعاءاتهم هذه على كثير من البراهين والحجج التي إن لم تكن ضعيفة في حد ذاتها، فلا تصل إلى تلك الدرجة من الإقناع التي يتوخونها ويطلبونها
قد نستطيع من دراستنا لروايات هذا الشاعر أن نحدد العقائد التي كان يؤمن بها. فلقد صور في هذه الروايات عدداً كبيراً من رجال الدين أمثال الراهب فرنسيس والراهب لورنس، وكان في كل صورة من أمثال هذه الصور يتوخى التبجيل والاحترام لرجال الأكليروس. إلا أن هذه النظرة وهذا الاحترام لم يتجاوزا طبقة الرهبان إلى طبقة البابوات؛ فروايته التاريخية التي تتناول سيرة الملك يوحنا تعد في حد ذاتها أكثر الروايات تحاملاً على البابوية والكثلكة. وعلى الرغم من ازدياد نفوذ البابوية في هذه الأيام وتفوقها على السلطة الزمنية نرى عدداً قليلاً من الملوك يضربون بسلطتها عرض الحائط ويحاولون نزع نير العبودية عن عواتقهم، فكثيراً ما تعرضوا لوكلاء البابا وممثليه وأفحشوا لهم القول غير هيابين ولا وجلين. دعنا نعرض الأقوال الجريئة التي فاه بها الملك يوحنا مجيباً على تدخل البابا في مسائل سياسية لا تعنيه شيئاً فهو يقول:
هل يمكن لأي رجل دنيوي مهما علت سلطته وارتفعت منزلته أن يعارض إرادة الملوك المقدسة؟ فليس باستطاعتك أيها الكردينال أن تضطرني إلى إطاعة رجل حقير لا يسعني إلا الاستهزاء به. اذهب إلى سيدك البابا وأخبره ما أسمعتك من قارص الكلم وزد على ذلك أن ليس لأي قسيس إيطالي أن يتدخل في المسائل الإنكليزية، ومادمنا بمشيئة الله وإرادته قد وجدنا رؤساء لهذه الأمة فلنا الحق وحدنا في السير بها حسبما نشاء ونرغب دون أية مساعدة من إنسان. قل له إن ذلك الاحترام وإن تلك السلطة الغاشمة قد تقلص ظلهما منذ مدة
وفي خطاب آخر من نفس الرواية يعدد الملك يوحنا المساوئ الكثيرة التي كانت الكنيسة تتصف بها في هذه العصور. فالبابا أصبح رجلاً مأجوراً يمكن للملوك أن يستخدموه إذا
стр. 9655
رشوه بالكثير من الأموال، فليس من واجب الملوك أن يطيعوا رجلاً كهذا الرجل، وهذه النظرية تتبين لنا في مواضع عدة من روايات شكسبير فهو يتخذ من البابا أداة للسخرية والهزء في رواية تيتس أندرونيكس إذ يقول:
(إني لأعلم تمام العلم أنك رجل وفي ورع تحمل بين جنبيك نفساً طاهرة وضميراً حياً، وأن لك حيلاً تماثل الحيل العديدة التي يتبعها البابا في بسط نفوذه وجمع ثروته)
يتبع
خيري حماد
стр. 9656
فن الحياة
للأستاذ عبد الرحمن شكري
مقدمة:
إن للإنسان في الحياة نشوة كنشوة الفنان عند الصنع، أو كنشوة المطلع على الفن عند الاطلاع عليه، فإذا عدم هذه النشوة صعب عليه أن يسوغ الحياة وأن يلتذها، ولا يمنع عده الحياة فنا جميلا من نقدها أو الرغبة في إصلاحها، كما ينقد المطلع على الفن ما يشاهده من الفن؛ وكذلك لا تمنع الرغبة في إصلاح الحياة من النظر إليها كأنها ممثلة حسناء تمثل الخير والشر فلا يكرها من أجل تمثيلها الشر، وهذا خير من أن يظل يبكي ويندب لأن نمر الشر الذي في كل نفس لم يتحول هرة وديعة كالتي تراها في المنازل، وهو لو تحول ما تجاوز أصله ولا فصيلته، إذ النمر والهرة من فصيلة واحدة
(الناظم)
أيا حسن هذا العيش لو كان قصة … يُسُرُّ بها ساري الورى وهو يسمرُ
على ما بها من ضجة بين شقوة … وكم عاشق للنقص يهوى ويُنكر
فليت الفتى يبدو له صرف عيشه … كعيش غريبٍ قصةً تُتَدَبَّرُ
ويا رُبَّ مأساة إذا ما بدت له … تُمَثَّلً إنْ يحزن لها فهو يصبر
وفي فنها ملهى وحسن وسلوة … لولا فنون العيش ما كان يُعذَر
وإن كان رب الناس يقضي اقتتالهم … فما شأن مثلى وهو أعلى وأقدَر
وما قَصَّرَت بي رغبةُ عن محاسن … أريدها لها عيشاً سوى العيش يُقْدَر
حياة كحسناء المسارح شرها … إذا ما حكته عاد بالفن يبهر
ممثلة حسناء كم مثلت أًذى … وغدراً أجادت فنها وهي تغدر
فما زادها إلا بهاءً وحظوةً … لدى عاشقيها وهي بالفن تأسر
تَمَلَّيْتَهاَ لما ولعتَ بفنها … ولولاه تُزْرِي بالحياة فَتَكْدُر
حنانيك إن العيش فن فلا تُرَع … وإن ناب خطب فهو مَحْكَي ومَخْبَر
تُعَانُ بهذا الرأي إن كنت قادراً … وأن أمكن الإصلاح لم تَكُ تُقْصِر
يمثل كلُّ دوره في حياته … فإنْ راق فن فهو شأوُ ومَظْهر
стр. 9657
أ َإِنْ في النفس لم يُمْس هِرَّةً … تظل على الأسقام تبكي وتسخر
وما نَمِرُ عن هِرَّةٍ بِمبُاَعَدٍ … ويطغي وديعُ حين يبغي ويقدِرُ
عبد الرحمن شكري
стр. 9658
كأس تفيض
للأستاذ محمود غنيم
لكَ اللهُ لا تشكو ولا تتبرَّمُ … فؤادكَ فيَّاضُ وثغرك مُلجَمُ
يفيض لسانُ المرء إن ضاق صدرُه … ويطفحُ زيتُ الكيل والكيلُ مفَعم
وهل يُطبق العصفورُ فاهُ على الشجى … ويمتلئُ الحاكي فلا يترنَّمُ؟
تعللتُ دهراً بالمنى فإذا بها … قواريرُ من مسِّ الصَّبا تتحطَّم
لعمرك ما أدري على أيِّ منطق … أُشاهدُ في مصرَ الحظوظَ تقسَّمُ
حملنا على الأقدار وهي بريئة … وقلنا: هي الأقدارُ تُعطي وتَحرِم
فمن يَك ذا قُرْبى وصهر فأنني … بمصرَ وحيدُ لا شقيقُ ولا حَم
فلا غروَ أني قد سكنتُ بأرضها … كما سكنت أهرامُها والمقطَّم
وقفت مكاني لا أرِيم وإِخْمَصي … على الشوك من طول السُّرَى تتورّم
كأني إطارُ دائرُ حولَ محور … يسير بلا بطءٍ ولا يتقدَّم
وما أنا ممن تخطئ العينُ مثلَه … ولكن تعامى القومُ عنيَ أو عَمُوا
أيذوي شبابي بين جدران قرية … يبابٍ كأنَّ الصمتَ فيها مخيِّم
أكادُ من الصمت الذي هو شاملي … إذا حُسِبَ الأحياءُ لم أك منهمُ
وعاشرتُ أهليها سنين وإنني … غريبُ بإحساسي وروحيَ عنهمُ
يقولون: خضراءُ المرابع نضرَةُ … فقلتُ: هبوها لستُ شاًة تسَوِّمُ
على رسلِكم إني أقيمُ بقفرةٍ … يجوز على الأحياءِ فيها الترحُّم
سئمتُ بها لوناً من العيش واحداً … فدارِي بها داري وصحبي همُ همُ
حياةُ كسطح الماء والماءُ راكدُ … فليس بها شيءُ يَسُرُّ وُيؤلم
وما أبتغي إلا حياةً عنيفةً … تسرّ فأرضى أو تسوءُ فأنقِم
حياةُ كلجِّ البحر والبحرُ زاخرُ … تدُوِّي بها الأنواءُ والرعد يَهزِم
حياةُ بها جِدُّ ولهوُ، بها رضاً … وسُخْطُ، لها طعمان: شهدُ وعلقم
فمن مبلغُ بنت المعز بأن لي … فؤاداً عليها كالطيور يحوِّم؟
وأَنيَ من سبعٍ خلَوْنَ محافظُ … على العهد إن خان العهودَ متَّيم
стр. 9659
فان تجفني مصرُ فحسبيَ أنني … أحُج إليها كلَّ عام وأُحرم
حنانيك إني قد برمتُ بفتيةٍ … أروحُ وأغدو كلِّ يومٍ إليهمُ
صغارُ نربيهم بمثل عقولهم … ونبنيهمو لكنَّنا نتهدَّم
لأُوشِكُ أن أرتدَّ طفلاً لطولِ ما … أُمَّثل دورَ الطفل بين يديهمُ
فصولُ بدأناها وسوف نعيدها … دواليكَ، واللحنُ المكرَّر يُسأم
وما كنت أُعْنَى بالنتيجة طالباً … فصرت بها في هدأة الليلِ أحلُم
فمن كان يرثى قلبُه لمعذَّبِ … فأجدر شخصٍ بالرثاءِ المعلِّم
على كتفيهِ يبلغُ المجدَ غيرُهُ … فما هو إلا للتسلُّق سُلَّمُ
وَدِدْتُ لَوَ أنّي عدت للدرس ناشئاً … أسيرُ وفي يمناي لوحُ ومِرقم
يقولون: منطيقُ أغرُّ بيانهُ … فقلت لهم: لكنَّ حظِّي أبكم
أرى الحظُ مُنقاداً لكل مهرِّج … فأما على الأكفاء فهْو مُحرَّم
يفوز به من يقطع السْبل مُلحفاً … ويغشى بيوتَ الناس والناسُ نوَّم
ورُب أمور يخجل الحرَّ ذكرُها … وبعضُ الذيُ يرْوَى عن الناس يُكتم
وكائن ترى الحرَّ الأبيّةَ نفسُه … يضيع له حقُ وآخرُ يُهضم
فيا ليتني أغضيتُ جفني على القذَى … وعلَّمت نفسي بعضّ ما ليس تَعلم
فلو أن نفسي طاوعتني فرضتها … على الهوْن لم أخسَرْ وغيريَ يغنم
ألا فليَسُدْ من شاء حسبيَ أنني … ضَنَنْتُ بماء الوجه حين تكرَّموا
نظمتُ فما أطريت غيري تزلُّفا … ولكن لنفسي لا لغيريَ أنظم
ولم أتغزَّل في الكرام وفضلهم … وغيري بهم لا بالكواعبِ مُغرم
وإني لمغبونُ إذا صرتُ قيصراً … وطوَّق بالنعماء جيديَ منْعم
(كوم حماده)
محمود غنيم
стр. 9660
الجامعة الأمريكية والصحافة
تفتح الجامعة الأمريكية بالقاهرة أبوابها هذا العام عن قسم خاص بالصحافة، على نحو ما تعنى به الجامعات الأوربية والأمريكية لإعداد طالب الصحافة إعدادا جامعياً دقيقاً يتناول دراسة اللغات وعلوم الاجتماع والاقتصاد وعلم النفس والتاريخ والفلسفة والعلوم السياسية ونظام الحكومات والتربية المقارنة، وكذلك الفنون المرتبطة بمزاولة العمل الصحفي في نواحيه جميعاً كالأسلوب، وتحرير المقال، والتصحيح، ومهمة الأخبار، والتبويب وما إليها
وتبدو مهمة الجامعة الأمريكية في هذا الباب عظيمة الشأن، شأنها في عديد من أقسامها الأخرى كقسم المعلمين والقسم الإعدادي، واضطلاعهم بمسائل الطالب الحيوية وإعداده للحياة كما يجب أن يحيا. ولكن طالب الصحافة الجامعي وعناية الجامعة الأمريكية به وتمثل هذا النوع من التعليم في مصر أو في الشرق عل وجه العموم يكون له من عظم الشأن ما يجعله في مركز ممتاز دونه في المعاهد الأخرى نظراً لاعتبارات خاصة لها من الأهمية هي الأخرى مالها، لأنه:
أولا: مركز مصر من الشرق في مقام الزعيمة لا يسمح بأن يدانيها بلد آخر في مضمار الصحافة أو العناية بدراستها
ثانياً: جعل تعليم الصحافة بنوع خاص في دائرة حرة بعيداً عن الإدارة الحكومية والضغط السياسي
ثالثاً: الشعور السائد الذي يتناوب القراء والصحف، شعور بالحاجة إلى توسيع المعارف والمعارف الصحفية وتكثير نسلها
رابعاً: فتح أبواب جديدة أمام طلبة التعليم العالي في مصر والشرق بعد أن ضاقت بهم صناعات ووظائف أخرى كالمحاماة والطب والهندسة وغيرها
خامساً: تغذية الصحف بعنصر صالح لإدارة أعمالها بمهارة ولباقة، فضلاً عن أن الصحف تعتبر أداة هامة في نشر المعارف وفتق الأذهان وخدمة الوطنية، وملاحظة مثل هذه الاعتبارات مجتمعة أو منفردة لمما بجعل للجامعة الأمريكية أولاً وأخيراً حق السبق وحق العناية فيما لو فكرت حكومة في الشرق في مثل هذا النوع من التعليم، وإن كان ذلك، وإنن، فما هو اليوم البعيد الذي نرى فيه الصحفي الأمريكي بمعنى الكلمة أول ثمار الجامعة الأمريكية في مصر والشرق.
стр. 9661
ا. ت
стр. 9662
فصول ملخصة في الفلسفة الألمانية
٢٢ - تطور الحركة الفلسفية في ألمانيا
الناحية السلبية من مذهب نيتشه
الإنسان
للأستاذ خليل هنداوي
بين اليهود نشأت ذرية الكهان، وبينهم هبت ثورة العبيد، واندلعت نيرانه على المبادئ الأرستقراطية. نقموا على المبادئ القائلة بأن الصالح والشريف والقوي والجميل والسعيد هم الذين تحبهم الآلهة، وعملوا على دحضها بمنطق قوي. قالوا إن الضعفاء والعجزة والأشقياء والبؤساء هم الصالحون وحدهم. . . وإن المتألمين والتعساء والمرضى والقبيحين هم وحدهم المقربون إلى الله، ولهم وحدهم أعدت مساكن النعيم. أما النبلاء والجبارون الأقوياء فهم الجاحدون القاسون، وهم في تلك الدار المخذولون والأشقون
جاءت المسيحية فورثت عن اليهودية هذا الميراث. وأكمل الكاهن المسيحي ما بشر به الكاهن اليهودي. وها غبرت عشرون قرناً وهو الظافر المنتصر. فكان أول مشهد من ذلك الانقلاب مسألة النفس والإرادة الحرة المختارة. وفي الحقيقة لا نفس منسلخة عن جسد، ولا وجود للإرادة الحرة، وقد تكون إرادة بلا حرية ولا اختيار. وإنما هنالك إرادات قوية تقوم بأعمال ذات قيمة، وإرادات ضعيفة عملها ضئيل، آراء كالرعد يقصف، هي في الحقيقة فكرة واحدة ترتدي أثواباً مختلفة. فالرعد ليس بشيء ذاتي يقدر على القصف وعلى غير القصف. إنه رعد حين يقصف؛ كذلك شأن مجموعة القوات المتجلية في الرجل القوي لا تبدو ولا تظهر إلا بهذه المظاهر. والعقل الشعبي استطاع بواسطة الافتراض الاختياري أن يفرق بين الكائن والحادث بين الإرادة ومظاهرها، وافتراض أن وراء أعمال البشر ووراء ما تأتيه إرادة القوة كائناً أو نفساً هي علة هذه الأعمال. وهذه النفس هي جوهر حر يظهر كيفما يشاء، ويعمل كما يشاء. وهذا الذي تمثلوه (حراً مختاراً) أصبح العبد يساوي بالسيد، بل يجعله متفوقاً عليه. وهكذا أصبحت قيمة الفرد لا تتوقف على ما يتكون فيه من مجموعة قواته. وبذا زال عندهم تفضيل القوي على الضعيف بفضل منطقهم (لأن القوي
стр. 9663
يعمل بحسب قواه وهو خاطئ لأن عمله بحسب قواه عمل سيئ. والضعيف يعمل بحسب ضعفه وهو ذو حق، لأن عمله بضعف عمل حسن. فالضعيف إذن هو خير من القوي،) ويصف نيتشه وصفاً مؤثراً تلك العوامل التي لجأ إليها العبيد الذين تغلي صدورهم غيظاً وموجدة، ليحطوا من قدر الأسياد، وليحولوا أنفسهم إلى شهداء وقديسين
هذا هو المثل الأعلى للعبد. فهو يحيا بتلك الدعوات المعزية التي ابتدعها. ولكن أثقال ضعفه الراسية على ظهره لينوء بحملها فيتألم ويشكو ويتململ، فيجئ الكاهن لا ليبرئه من دائه، ولا ليقطع أسبابه كما يصنع الطبيب. يجيء لينسى الصابر ما يحسه من ألم وشقاء، وليبث فيه (مواد مخدرة) ترقد الألم ولا تمحوه. يغفى مريضه ويعطيه مادة تضعف فيه القوة الحيوية والعقلية يلقى الزهد والتقشف والبلاهة في نفسه وجسده خدراً إلى حين، فيذهل عن ألمه بل يوشك أن ينفك عن كل إحساس فيه. فيغدو هذا الرجل المنحط (قديساً)، وقد يحيط الكاهن بالرجل فيجعل منه آلة تستغرق كل انتباهه وتجعل منه شيئاً يتحرك بذاته، ويصرفه عن التأمل في نفسه والتفكير فيها، ويلهيه بالانكباب على بهجة حقيرة يسهل عليه نيلها محبة القريب والمحبة والمساعدة المتبادلة، ثم يعمل الكاهن على أن يصرف (قطعانه المريضة) عن آلامهم الذاتية
وإزاء هذه العوامل التي أختلقها عوامل أخرى أبتدعها لمصلحته الخاصة. عوامل خطرة مؤثرة، تنطوي على سموم تنسي المتألم آلامه وتفني فيه قوته الحيوية. وهذا السم هو (الإيمان بالخطيئة)
أما أصل الخطيئة فسببه دافعان ولدا اختياراً في قلب الإنسانية. وهما الضمير الفاسد، والإيمان بدين مكتوب على الإنسان لله. والضمير الفاسد - عند نيتشه - هو نتيجة تشويش في النفس عميق. تسيطر على الإنسان يوم كان وحشاً معتزلاً، ثم انقلب عضواً رئيسياً في قطيع الأحياء، والحكومة هل هي إلى - كما يحتمل الذهن - ظلم مرعب فرضه الأقوياء على الضعفاء، وفجأة وجد المغلوبون على أمرهم أن أسباب الوجود عندهم مقلوبة رأساً على عقب، وألفوا أنهم أصبحوا لا يستطيعون أن يتبعوا بحرية واختيار تلك الغريزة الطبيعية التي كانت تسوقهم. فظلوا يبذلون جهودهم بينهم وبين أنفسهم ليقودوا أنفسهم بفطنة، ويضغطون على إرادتهم خشية أن تجازف بالإساءةإلى الأسياد، ويعملون بتعقل
стр. 9664
وتأمل. ولكن هذه الغرائز هي جزء من قوة لابد لها أن تبدو مظاهرها وآثارها. فإذا كتب على هذه القوة أن يضغط عليها حينا حتى لا تخرج عن نفسها بأي دافع ما، فهي ولابد مستحيلة إلى قوة خفية تعمل عملها في الباطن. وبمثل هذا التبدل وعلى مثل هذا التحول ولد (الضمير الفاسد). فهو وليد هذا الضغط الباطني الذي تصير عليه الغريزة الطبيعية في الإنسان. وهو كالوحش السجين الذي عضته الوحشة ونازعه حنينه إلى العرين والحرية والصحراء، ينهش جسمه بين قضبان القفص. كذلك الإنسان الابتدائي الأهلي السجين يتألم بنفسه، وغريزة الحياة الكامنة فيه المقيدة بمظاهرها الخارجية أمست تبدو بحالة هيجان باطني
وفكرة الدين المكتوب لله على الإنسان هي فكرة قديمة مترددة في الشرائع القديمة. ففي العصور الأولى كانت كل قبيلة تؤمن بأنها مدينة بخيراتها الحاضرة للذريات السابقة. وأن الأجداد الذين قضوا يصيرون بعد الموت أروحاً قوية تتابع تأثيرها في الأحياء وتواصل إحسانها إليهم. ولكن كل إحسان لابد أن يبذل ثمنه. وهكذا تولد في عقول الناس أنهم مدينون بشيء لآبائهم وأجدادهم. وهم مضطرون إلى تقديم الضحايا لهم جزاء وفاقاً على دفعهم للأذى والضر عنهم. ومن هنا نشأت عبادة الأجداد في فجر كل مدينة، ثم تطورت هذه العبادة قليلاً قليلاً. فالاحترام الذي كان يكنه الإنسان لأجداده جميعاً ما فتئ ينقبض حتى أرتكز في الجد الأصلي للسلالة، ثم نزل هذا الجد بدوره منزلة الإله. وكلما كان الإله قوياً مخيفاً كان شعبه الذي يجله ويعبده أكثر فلاحاً وتقدماً، وفي الظروف التي تنمو فيها عظمة الإله ينمو أيضاً الشعور بذلك الدين المفروض في سبيل احترامه وتزداد خشية الإنسان من قصوره في العمل لربه. وبواسطة هذا المنطق ألفينا أن عاطفة خضوع الإنسان لله بلغت الدرجة القصوى يوم ظفر إله المسيحية بالأوثان. ودانت له الأرباب وعسكر في مناطق بارزة من أوروبا. فآمن الإنسان إذ ذاك بأن الدين قد تضخم. حتى أصبح أجل من أن يوفى. وجد نفسه أنه مدين عاجز لا يملك شيئاً والدائن هو الله. فهو والحالة هذه هدف للقصاص الفظيع. والإنسان في شدته هذه تحرى عن وسائل كثيرة ليطرح عن ظهره هذا الدين الثقيل. فلام الإنسان الأول الذي استحق لعنة الإله. فابتدع (الخطيئة الأصلية) وجرم الطبيعة، وأنكر الغرائز الكامنة فيه، ونظر إليها كجراثيم شر وشقاء، ولعن الوجود نفسه.
стр. 9665
وجعل رجاءه كله في العدم وفي حياة ثانية. وفي النهاية أعطى المسألة التي ناء بها ظهره طويلاً هذا الحل الغريب، إن الدين المفروض على الإنسان من قبل الله هو دين لن يقدر على أدائه الإنسان، والإله وحده يفي عن الإله. فوجد الإله أن يضحي بنفسه في سبيل حبه للإنسان واستنقاذه من دين مكتوب عليه، فتمثل إنساناً وقرب نفسه قرباناً. وبهذا الفصل الذي أداه اشترى نفوس الذين يراهم جديرين برحمته ورأفته
يتبع
خليل هنداوي
следующие страницы →