← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 9661–9700 · переход к 9666.

стр. 9661

ا. ت

стр. 9662

فصول ملخصة في الفلسفة الألمانية ٢٢ - تطور الحركة الفلسفية في ألمانيا الناحية السلبية من مذهب نيتشه الإنسان للأستاذ خليل هنداوي بين اليهود نشأت ذرية الكهان، وبينهم هبت ثورة العبيد، واندلعت نيرانه على المبادئ الأرستقراطية. نقموا على المبادئ القائلة بأن الصالح والشريف والقوي والجميل والسعيد هم الذين تحبهم الآلهة، وعملوا على دحضها بمنطق قوي. قالوا إن الضعفاء والعجزة والأشقياء والبؤساء هم الصالحون وحدهم. . . وإن المتألمين والتعساء والمرضى والقبيحين هم وحدهم المقربون إلى الله، ولهم وحدهم أعدت مساكن النعيم. أما النبلاء والجبارون الأقوياء فهم الجاحدون القاسون، وهم في تلك الدار المخذولون والأشقون جاءت المسيحية فورثت عن اليهودية هذا الميراث. وأكمل الكاهن المسيحي ما بشر به الكاهن اليهودي. وها غبرت عشرون قرناً وهو الظافر المنتصر. فكان أول مشهد من ذلك الانقلاب مسألة النفس والإرادة الحرة المختارة. وفي الحقيقة لا نفس منسلخة عن جسد، ولا وجود للإرادة الحرة، وقد تكون إرادة بلا حرية ولا اختيار. وإنما هنالك إرادات قوية تقوم بأعمال ذات قيمة، وإرادات ضعيفة عملها ضئيل، آراء كالرعد يقصف، هي في الحقيقة فكرة واحدة ترتدي أثواباً مختلفة. فالرعد ليس بشيء ذاتي يقدر على القصف وعلى غير القصف. إنه رعد حين يقصف؛ كذلك شأن مجموعة القوات المتجلية في الرجل القوي لا تبدو ولا تظهر إلا بهذه المظاهر. والعقل الشعبي استطاع بواسطة الافتراض الاختياري أن يفرق بين الكائن والحادث بين الإرادة ومظاهرها، وافتراض أن وراء أعمال البشر ووراء ما تأتيه إرادة القوة كائناً أو نفساً هي علة هذه الأعمال. وهذه النفس هي جوهر حر يظهر كيفما يشاء، ويعمل كما يشاء. وهذا الذي تمثلوه (حراً مختاراً) أصبح العبد يساوي بالسيد، بل يجعله متفوقاً عليه. وهكذا أصبحت قيمة الفرد لا تتوقف على ما يتكون فيه من مجموعة قواته. وبذا زال عندهم تفضيل القوي على الضعيف بفضل منطقهم (لأن القوي

стр. 9663

يعمل بحسب قواه وهو خاطئ لأن عمله بحسب قواه عمل سيئ. والضعيف يعمل بحسب ضعفه وهو ذو حق، لأن عمله بضعف عمل حسن. فالضعيف إذن هو خير من القوي،) ويصف نيتشه وصفاً مؤثراً تلك العوامل التي لجأ إليها العبيد الذين تغلي صدورهم غيظاً وموجدة، ليحطوا من قدر الأسياد، وليحولوا أنفسهم إلى شهداء وقديسين هذا هو المثل الأعلى للعبد. فهو يحيا بتلك الدعوات المعزية التي ابتدعها. ولكن أثقال ضعفه الراسية على ظهره لينوء بحملها فيتألم ويشكو ويتململ، فيجئ الكاهن لا ليبرئه من دائه، ولا ليقطع أسبابه كما يصنع الطبيب. يجيء لينسى الصابر ما يحسه من ألم وشقاء، وليبث فيه (مواد مخدرة) ترقد الألم ولا تمحوه. يغفى مريضه ويعطيه مادة تضعف فيه القوة الحيوية والعقلية يلقى الزهد والتقشف والبلاهة في نفسه وجسده خدراً إلى حين، فيذهل عن ألمه بل يوشك أن ينفك عن كل إحساس فيه. فيغدو هذا الرجل المنحط (قديساً)، وقد يحيط الكاهن بالرجل فيجعل منه آلة تستغرق كل انتباهه وتجعل منه شيئاً يتحرك بذاته، ويصرفه عن التأمل في نفسه والتفكير فيها، ويلهيه بالانكباب على بهجة حقيرة يسهل عليه نيلها محبة القريب والمحبة والمساعدة المتبادلة، ثم يعمل الكاهن على أن يصرف (قطعانه المريضة) عن آلامهم الذاتية وإزاء هذه العوامل التي أختلقها عوامل أخرى أبتدعها لمصلحته الخاصة. عوامل خطرة مؤثرة، تنطوي على سموم تنسي المتألم آلامه وتفني فيه قوته الحيوية. وهذا السم هو (الإيمان بالخطيئة) أما أصل الخطيئة فسببه دافعان ولدا اختياراً في قلب الإنسانية. وهما الضمير الفاسد، والإيمان بدين مكتوب على الإنسان لله. والضمير الفاسد - عند نيتشه - هو نتيجة تشويش في النفس عميق. تسيطر على الإنسان يوم كان وحشاً معتزلاً، ثم انقلب عضواً رئيسياً في قطيع الأحياء، والحكومة هل هي إلى - كما يحتمل الذهن - ظلم مرعب فرضه الأقوياء على الضعفاء، وفجأة وجد المغلوبون على أمرهم أن أسباب الوجود عندهم مقلوبة رأساً على عقب، وألفوا أنهم أصبحوا لا يستطيعون أن يتبعوا بحرية واختيار تلك الغريزة الطبيعية التي كانت تسوقهم. فظلوا يبذلون جهودهم بينهم وبين أنفسهم ليقودوا أنفسهم بفطنة، ويضغطون على إرادتهم خشية أن تجازف بالإساءةإلى الأسياد، ويعملون بتعقل

стр. 9664

وتأمل. ولكن هذه الغرائز هي جزء من قوة لابد لها أن تبدو مظاهرها وآثارها. فإذا كتب على هذه القوة أن يضغط عليها حينا حتى لا تخرج عن نفسها بأي دافع ما، فهي ولابد مستحيلة إلى قوة خفية تعمل عملها في الباطن. وبمثل هذا التبدل وعلى مثل هذا التحول ولد (الضمير الفاسد). فهو وليد هذا الضغط الباطني الذي تصير عليه الغريزة الطبيعية في الإنسان. وهو كالوحش السجين الذي عضته الوحشة ونازعه حنينه إلى العرين والحرية والصحراء، ينهش جسمه بين قضبان القفص. كذلك الإنسان الابتدائي الأهلي السجين يتألم بنفسه، وغريزة الحياة الكامنة فيه المقيدة بمظاهرها الخارجية أمست تبدو بحالة هيجان باطني وفكرة الدين المكتوب لله على الإنسان هي فكرة قديمة مترددة في الشرائع القديمة. ففي العصور الأولى كانت كل قبيلة تؤمن بأنها مدينة بخيراتها الحاضرة للذريات السابقة. وأن الأجداد الذين قضوا يصيرون بعد الموت أروحاً قوية تتابع تأثيرها في الأحياء وتواصل إحسانها إليهم. ولكن كل إحسان لابد أن يبذل ثمنه. وهكذا تولد في عقول الناس أنهم مدينون بشيء لآبائهم وأجدادهم. وهم مضطرون إلى تقديم الضحايا لهم جزاء وفاقاً على دفعهم للأذى والضر عنهم. ومن هنا نشأت عبادة الأجداد في فجر كل مدينة، ثم تطورت هذه العبادة قليلاً قليلاً. فالاحترام الذي كان يكنه الإنسان لأجداده جميعاً ما فتئ ينقبض حتى أرتكز في الجد الأصلي للسلالة، ثم نزل هذا الجد بدوره منزلة الإله. وكلما كان الإله قوياً مخيفاً كان شعبه الذي يجله ويعبده أكثر فلاحاً وتقدماً، وفي الظروف التي تنمو فيها عظمة الإله ينمو أيضاً الشعور بذلك الدين المفروض في سبيل احترامه وتزداد خشية الإنسان من قصوره في العمل لربه. وبواسطة هذا المنطق ألفينا أن عاطفة خضوع الإنسان لله بلغت الدرجة القصوى يوم ظفر إله المسيحية بالأوثان. ودانت له الأرباب وعسكر في مناطق بارزة من أوروبا. فآمن الإنسان إذ ذاك بأن الدين قد تضخم. حتى أصبح أجل من أن يوفى. وجد نفسه أنه مدين عاجز لا يملك شيئاً والدائن هو الله. فهو والحالة هذه هدف للقصاص الفظيع. والإنسان في شدته هذه تحرى عن وسائل كثيرة ليطرح عن ظهره هذا الدين الثقيل. فلام الإنسان الأول الذي استحق لعنة الإله. فابتدع (الخطيئة الأصلية) وجرم الطبيعة، وأنكر الغرائز الكامنة فيه، ونظر إليها كجراثيم شر وشقاء، ولعن الوجود نفسه.

стр. 9665

وجعل رجاءه كله في العدم وفي حياة ثانية. وفي النهاية أعطى المسألة التي ناء بها ظهره طويلاً هذا الحل الغريب، إن الدين المفروض على الإنسان من قبل الله هو دين لن يقدر على أدائه الإنسان، والإله وحده يفي عن الإله. فوجد الإله أن يضحي بنفسه في سبيل حبه للإنسان واستنقاذه من دين مكتوب عليه، فتمثل إنساناً وقرب نفسه قرباناً. وبهذا الفصل الذي أداه اشترى نفوس الذين يراهم جديرين برحمته ورأفته يتبع خليل هنداوي

стр. 9666

القصص صور من هوميروس ٧ - حروب طروادة الفدائي الأول للأستاذ دريني خشبة رويت الإلهة إذن وشفت ما في أنفسها من ظمأ إلى دماء الضحايا، وإن لم تغفر لديانا البارة، ديانا ربة القمر، إنقاذها للفتاة التعسة إفجنيا، وهي على قاب قوسين من خناجر الكهنة والربيين القساة لقد أبت الإلهة إلا أن تشرب من ماء الحياة القرمزي المتدفق في عروق عبادها المخلصين من أبناء هيلاس؛ فلما ذهب كالخاس، عراف الحملة، يستوحي أربابه في معبد دلفى هل لها مطلب آخر في ضحية أو قربان بعد تقدمه إفجنيا، ارتفع الصوت الخافت المنبعث من صميم مقصورة الإله الأكبر يقول: (لا. . . . ولكم أن تقلعوا اليوم. . . . فإذا كنتم عند شطئان طروادة، فان لنا دم الفارس الأول الذي تطأ قدماه رمال الشاطئ. . . سيقتل، وسيكون لنا عوض من إفجنيا!) ودعا إليه أبناءه ايولوس رب الرياح الست فأمرهم أن يكونوا جميعاً في خدمة الأسطول الهيلاني، حتى يصل إلى طروادة. . . . (وأنا أعرفك يا بوريس حين تعصف وتزف، وتصبح ويلا على الجواري أي ويل؛ وأنت يا كوروس، إياك وهذه البوارح التي تصلي بها سفائن القوم، وأنت يا أكويلو؛ وأنت أيضاً يا نيتوس، إن ريحك مجفل، وهبتك هوجاء، ولفحاتك حرور، وأنفاسك سموم، فان لم تترفق بالقوم، وتجر بين أيديهم رخاء، فلأسجننك في الكهف الأسود حتى حين، أما أنت يا ولدي إيودوس، فأحذر أنت تصيب الناس سوافيك أو يسوء فألهم فيك؛ بل كن لهم خادماً أميناً، تدفع ركبهم في رفق، وتملأ شراعهم في أناة. . . . ويسرني أن تسمعوا لنصيحة زفيروس، فهو ألينكم عريكة، وأكثركم صفاء. . . ألقوا إليه بزمامكم، ولا تختلفوا في أمر يلقيه إليكم، أصلح لكم زيوس أحوالكم. . . .) وهبت الريح فخفقت أفئدة العسكر، وابتهجت أنفس القادة، واجتمع الميرميدون حول أخيل

стр. 9667

يترضونه ويعتذرون عن رجمهم إياه يوم القربان المشئوم، ثم انتشرت الشراع ورفعت المراسي، وهمت الفلك فاحتواه البحر اللجي، وما عتمت أن صارت من الماء والسماء في خضرتين، ومن دروع الجند وزبد الموج في لبدتين، ومن قلوب الشعب الهاتف فوق الشاطئ الشاحب في بحر من الآمال! واضطرب البحر بعرائس الماء وأبكاره، أسرعن من كل فج يحيين أبطال هيلاس، يخفين الوشائح السوداء التي ادخرنها لأيام الفصل، إن أيام الفصل كانت ميقاتاً وتوارت الشمس بالحجاب، وبزغ القمر يفضض حواشي الماء، وحملقت النجوم ترى إلى هذا الأسطول اللجب يمخر عباباً من خلفه عباب، ويطوي لجة من ورائها لجة، والملاحون دائبون ما ينون، مرسلين في اللانهاية ألحانهم، مرددةً الرياح أغانيهم وأنغامهم؛ والقادة متكبكبون حول القائد الأعلى، حول أجاممنون، يدرسون تلك الخطة، وينقدون هذه الفكرة، ويدبرون من أمرهم ما يصل بهم إلى نصر عزيز وتنفس صبح اليوم الثالث. . . وبدت طروادة العاتية في الأفق الشرقي، متشحةً بالشفق النحاسي، الذي صبغ سماءها بالبنفسج الرائع، تتفجر منه أنهار من الدم!! طروادة! ذات الأبراج المشيدة، والقباب المنيفة! إليوم!! بنية نبتيون إله البحار يوم نفاه زيوس من جنة الأولمب، ونفي معه أبوللو، فساعده في بنائها بموسيقاه!! يا ما أروعه منظراً أن ترى إلى أبوللو العظيم يعزف على قيثارة المرنة، فتثب الحجارة وتتراقص، وتقفز إلى مكانها من أسوارك يا إليوم!! طروادة يا ذات الحول! أين تنام هيلين الساعة سالمة حالمة، وأيان تتقلب ترب فينوس ملء ذراعي باريس!! ويحك يا منالاويس! إنه ينظر بعينين مشدوهتين إلى أسوار طروادة، يتمنى لو تندك على العاشقين الآثمين!!

стр. 9668

(. . . أهو الآن يقبلها، ويجني جنا خديها بفمه النهم المشتعل؟ أم هو يضمها إليه في عنف، غير آبه لقلبي الخافق المضطرب!. . . . . .) منالايوس! لابد مما ليس منه بد. . . لقد ترامت أخبار الحملة الهيلانية إلى طروادة فهب أهلها البواسل يستعدون ويستعدون جيرانهم فنصروهم ولبو نداءهم، وهرعوا إليهم من كل فج عميق، وهاهي مشارف الجبال وقننها وسفوحها، ونتوء الشاطئ وصخوره ومغاوره، وهاهي ليديا المتيقظة، وإيوليا المتحفزة، وإيونيا الرابضة. . . هاهي البلاد جميعاً تضج بالجند، وتعج بالسلاح، وتقعقع بآلة الحرب، وتدق طبول الوغى، وتذكي نيران الحراسة في قمم الجبال، فلا تغفل عين ولا تهمد همة، ولا يتسرب إلى النفوس كلال واقترب الأسطول من الشاطئ. . . ولكن أحداً لم يجسر أن يجازف بنفسه، لأن القتيل الأول، هو أول من يهبط إلى الأرض، كما أخبرت النبوة في معبد دلفى! ومرت أيام: والهيلانيون في سفائنهم ينظرون إلى أبراج طروادة وفجاجها، ويتحرقون شوقاً إلى لقاء جنودها، ومنالايوس يحرق الأرم هو الآخر؛ ولكن أحداً لا يرضى أن يكون الفدائي الأول. . . (لأني إذا نزلت إلى هذا البر المخوف فسيكون الموت محتوماً علي، دون أن أستطيع إلى قتل أحد من هذا الجند من سبيل، وأنا لم أحظر إلى هنا لأكون قرباناً للإلهة، ولكن لأزاحم وأنافح وأصول، فان قتلت بعدها، فبعشرات وعشرات، لا كما يقتل كلب البرية غير مفدى. . .) برتسيلوس البطل بيد أن هيلانياً مقاحماً، هيلانياً واحداً، من خيرة القادة ومذاويدهم، عز عليه ألا يكون في هذا الجيش العرمرم، على ما جمع من صناديد اليونان ومغاويرهم، فدائي واحد يتلقى الطعنة الأولى النجلاء، بثغر باسم، وقلب لا يجزع ونفس مؤمنة مطمئنة لا تهلع في موقف الموت، ولا تفرق إذا حم القضاء! كبر على بروتسيلوس أن يرمي قومه بجبن ليست لهم يد فيه، وكبر عليه أن يقف ألف ألف لو شاءوا دكوا الجبال وزلزلو السماوات، من دون هذا البلد الذي لا يتقدمون ولا يتأخرون،

стр. 9669

كأنما حربهم هزل، ونفيرهم مكاء، وعزمهم تلفيق. أو كأنما ملأو الدنيا وعيد لتمتلئ عليهم سخرية وضحكاً! كبر على برتسيلوس ألا يكون هو شهيد هذا الموقف فارتخص نفسهن وهانت عليه الحياة، وتفهت في عينيه لذائذ هذا العيش الذليل؛ ثم استخار أربابه، واستعاذ بسيد الأولمب وما هو إلا أن لمح الشمس يذر قرنها في خدر الشرق، فوق جبين طروادة، حتى قذف بنفسه على الشاطئ، وأرسل في الخافقين صيحة الحرب كأنها رعد يميد به جانب الجبل، وتهم من قصفه أسوار المدينة؛ ثم جال جولة هنا وجولة هناك، وإذ بالسهام ترشقه من كل مكان، وإذا هو ملقى على أديم الثرى مضرجاً بدمه، معفر بأول نقع الوغى رحلة من الدار الآخرة وذاع خبر مقتله حتى انتهى إلى تساليا، حيث زوجته المفجعة، فحزنت عليه حزناً أمض قلبها، وشف جسمها، وأقض مضجعها، وصير الحياة في عينيها حلكاً شديداً وظلاماً قائماً؛. . . . (برتسيلوس! أهكذا يا حبيبي ذكرت كل شيء في ميدان المجد والشرف، ونسيت فيه كل شيء؟ أهكذا يا حبيبي ذكرت التضحية والأقدام حين تخاذل مواطنوك عن مواطن التضحية والأقدام، فغامرت بنفسك في هذا المعترك المضطرب، ونسيت أن ورائك قلباً ينعقد رجاؤه بك، ونفساً ترف من خلف البحار فوقك، وروحاً لا سكن لها إلا صدرك الحنون، وعينين لا يعرفان جمال الحياة إلا في وجهك المشرق، وأذنين ما التذتا إلا الموسيقى المنسكبة من فمك!! برتسيلوس! ما قيمة الحياة بعدك يا حبيبي! من لزوجتك التعسة يوم يفخر النساء بأزواجهن؟ من للمحزونة الكاسفة لاؤوداميا؟ ما أشق الحياة علي بعدك يا رجلي ومن كنت كل شيء لي! لا أسخط عليكم يا أربابي! بل أنا أصلي لكم، أصلي لكم بدموعي وقلبي! أصلي لكم بأحشائي التي تتمزق، ورأسي الذي يحترق! أصلي لكم بلساني الذي يجف من شرق في حلقي، وكان حديث برتسيلوس يرطبه وينديه! أصلي لكم يا أرباب الأولمب عسى أن تلين قلوبكم لي، فأرى حبيبي وأموت!! رجية يسيرة على مقدرتكم يا أرباب الأولمب! إما أن أقضي فأستريح من هذا الكمد

стр. 9670

الممض، والبث المؤلم، وإما أن تأذنوا فيعود برتسيلوس، فأراه وأموت! أتمنى عليكم أن يعود فأكلمه. . . أملأ أذني وقلبي من موسيقاه! أناديه باسمه ويناديني باسمي! يعانقني وأعانقه! يرى إلى عبراتي وأنظر إلى عبراته! يبتسم لي في رضاه وفرحه، وابتسم له في انكساري ولوعتي! ائذنوا يا أرباب الأولمب، فأنا ما أفتأ أصلي لكم، وأتوسل إليكم بدمه الزكي، وروحه الأبي، وقلبه الكبير! ارحموا ذلي، ورقوا لهواني، وارثوا لحالي!. . . . . .) وصيرت بنواحيها إشراق الصباح ظلمة من الحزن لا أول لها ولا آخر؛ وأرسلت في الليل البهيم أناتها المؤلمة، وزفراتها الحارة؛ ووصلت بكاءها الطويل بصلاتها الخاشعة، حتى ارتجفت قواعد الأولمب، واهتزت عروشه الذهبية، وانعقدت بينه وبين لاؤوداميا قنطرة من الحزن، عبرت عليها بركات الآلهة إلى فؤادها المكلوم، فمسحت عبراتها، وهدأت من روعها، وبشرتها بعودة برتسيلوس! وفي هادئة ليلة مقمرة، سكن هواؤها وصدح بلبلها، وأنشد البدر لحنه الصافي على آراده الفضية ليغمرها بهاءً وروعة، خرجت لاؤوداميا المحزونة من قصرها المنيف، لتلقى روح برتسيلوس يهدهده هرمز الكريم بين يديه، حتى يكون تلقاء زوجته فترتمي بين ذراعيه! ويغرقان في طوفان من القبل! ويغرقان في لجة من العبرات! ويقص عليها برتسيلوس أنباء مقتله. . . فتبكي. . . وتبكي. . . وتعاتبه لاؤوداميا. . . وتعذله. . . ولكن الساعات الثلاثة التي سمحت بها الآلهة للقائهما تمر كاللمح. . . فينبههما هرمز إلى انقضائها. . . وما تكاد تسمع نذير هرمز، وتعرف أن زوجها عائد أدراجه إلى هيز، فيظل فيها إلى الأبد، حتى تصعق مكانها، وتخر مغشياً عليها. . . وتموتّ! فوا رحمتاً للزوجين السعيدين (لها بقية) دريني خشبة

стр. 9671

الباقي على قيد الحياة للقصصي الفرنسي بلزاك ترجمة حسن محمد حبشي حين دقت ساعة مدينة (مندا) الصغيرة مؤذنة بانتصاف الليل، كان ضابط فرنسي شاب متكئاً على حافة سياج طويل يحيط بالقلعة، غارقاً في لجة التفكير العميق، وذلك أمر غير مألوف بالنسبة لما يحيط به، ولكنه كان منصرفاً عن كل ما هو فيه من وقت وليل ومكان إلى التفكير القوي، وكانت سماء أسبانيا الجميلة تمتد في زرقة صافية فوق رأسه، وقد رصعت بالنجوم الألاءة، وضوء القمر الساطع ينير هذا الوادي الجميل الممتد تحت قدميه، وهو يشرف على مدينة (مندا) ويعلوها بمائة قدم؛ وكأن الطبيعة قد هيأتها هكذا لتكون في مأمن من رياح الشمال الآتية من هذه الصخرة الكبيرة التي تقوم عليها القلعة، وإذ أدار الضابط رأسه، أبصر البحر يكتنف البلدة بأمواهه الفضية، وكأنه قد استحال إلى قطعة من اللجين الذائب، وكأن القلعة كوكب أو جوهرة ضوء وهاج، وكان وهو في مكانه، يسمع صدى رنات الموسيقى، وعربدة الضباط في الحفلة الراقصة، وقد اختلط ذلك بهمهمة الأمواج الآتية من بعد، وكأن نسيم البحر والليل جددا نشاطه المنهوك، زد على ذلك ما حوله من حدائق فيحاء، وزهور عطرية الشذا، نفاحة الأريج، فكأنه مغموس في حمام من العطر الزكي وكانت قلعة (مندا) في حوزة شريف أسباني، اتخذها وأسرته دار إقامة، وكانت ابنته الكبرى (كلارا) الجميلة ترمق الضابط الفرنسي الشاب بنظرات مبهمة، وإن كانت تنم عن حزن عميق وكانت كلارا هذه فتانة رائعة الحسن، فوقع جمالها في قلب الضابط الفرنسي موقع الماء من ذي الغلة الصادى، فوقف واجماً يفكر في هذا الجمال، وبالرغم من أن ثروة أبيها كانت طائلة، وموزعة بينها وبين أخواتها الثلاثة وأختيها، فقد رأى فكتور مارشاند (الضابط) أن فيها الكفاية لأن تكون الدوطة كبيرة، ولكن كيف يتسنى له أن يخطب يد (كلارا) ابنة الشريف الأسباني، وهو ابن تاجر صغير في باريس، أضف إلى ذلك ما بين الأسبان والفرنسيس من إحن

стр. 9672

وكان الجنرال (ج) قد علم من مصدر سري أن المركيز يحاول أن يوقد مشعل الثورة لنصرة فرناند السابع، ولذا أرسل مرشاند ليعسكر في مدينة (مندا) حتى يكون على علم تام بما ينويه الثوار، ولكي يخمد أي حركة يقومون بها ضد الفرنسيس، وفي ذلك الوقت وصلت إشارة بأن المركيز يتصل سراً بالإدارة الإنكليزية في لندن، وليس من البعيد أن يرسل الإنكليز مدداً؛ ومما حير لب فكتور مارشاند أن المركيز قد استقبله وعائلته استقبالاً لا يدل إلا على منتهى الهدوء؛ ووقع بين أمرين، إذ كيف يوفق بين هذا الهدوء الذي يتجلى في المركيز وأعماله، وبين إشارة الجنرال من وجود مفاوضات سرية؟ ولكن سرعان ما تلاشت هذه الخواطر من ذاكرته، حينما مد بصره إلى الأمام، فأبصر عدة مصابيح مضاءة في المدينة، مع أنه أصدر أمره، بأن تطفأ الأنوار كلها في ساعة معينة، على رغم أن الليلة ليلة عيد ميلاد القديس سنت جون، ولم يسمح بالإنارة إلا للقصر فحسب، ومما أحال الشك يقيناً عنده، وبأن هناك يداً تعمل في الخفاء أن رأى ساريات عدة مراكب وسط مياه البحر، تحت أضواء القمر الفضية. وبينما هو سابح في تيار التفكير العميق إذ سمع وقع أقدام خلفه، ولما تبينه وجده أحد رجاله يلهث، وحين رآه قال له: - أهو أنت يا سيدي الضابط؟ - نعم هو أنا. . . ماذا تريد؟ - إن هؤلاء الوحوش يزحفون زحف الديدان - ثم ماذا؟ - لقد رأيت رجلاً يخرج من القصر وفي يده مصباح مضاء، وهذا مما أثار الشك في نفسي، وبعثني على أن أقتفي آثاره، وأظل قريباً منه جهد ما أمكنني؛ أجل! قد يكون مسيحياً محافظاً على التقاليد، غير أن الحالة التي هو فيها، ومخالفة أمرك، كل ذلك مما يجعل الشك يحوك في نفسي. وثم أمر آخر يا سيدي الضابط، ذلك أني اكتشفت على قيد خطوات منك، عرمة من الحطب ولم يكد الجندي يصل إلى هذا الحد من الكلام حتى دوت في المكان صرخة صدعت السكون العميق، وانفجرت قنبلة أودت شظية منها بالجندي لساعته، واندلع لهيب النيران على بعد عشر خطوات فحسب، من الضابط الذي أسقط في يده، وتبين له أن في الأمر

стр. 9673

دسيسة، وأن الثوار قد تأهبوا للفتك بالأعداء، واضطرب في مكانه، إذ لم يكن معه حسامه؛ وهاهو ذا يرى رجاله وقد تردوا في ساحة المدينة، وصمتت الموسيقى، وتلاشت ضحكات الضباط، ومر على مخيلته ما سيلاقيه - إذا هو ظل حياً - من محاكمة وإهانة، فلم يجد أمامه من وسيلة للنجاة إلا أن يلقي بنفسه في سفح هذا الوادي، حيث يتحطم جسمه على صخوره الجاثمة هناك: وإذ كان على أهبة تنفيذ ما اعتزم، أحس يداً أعاقته عما هو قادم عليه، فاشرأب إلى صاحبها، فإذا به (كلارا) تهيب به، أم أسرع فان أخوتي على آثاري قادمون. . . . للفتك. . . بك؛ وامض إلى الصخرة القائمة عند سفح التل، وستجد حصان أخي (جوانيتو) فامتطه ولا تتريث لحظة، وإلا فقدت حياتك فحدق الفتى فيها دقيقة، وقد فاضت نفسه بالدهشة، ولكنه تنبه أخيراً، إذ ثارت في نفسه غريزة حب الحياة، تلك الغريزة التي تتمثل في الجميع على السواء، في حيوان أو إنسان، وحمل إليه الريح صدى صوت (كلارا) تهيب بأخوتها، ألا يتريثوا في اقتفاء آثاره، كما سمع وقع حوافر دوابهم تسابق الريح، وهم على صهواتها يرسلون عليه وابلاً من الرصاص الذي يمر بجانب رأسه، ولم يتمهل هو الآخر لحظة في الطريق بل أسرع بالجواد، وبعد بضع ساعات كان في حضرة الجنرال، كان في ثلة من إخوانه يتناولون طعامهم، فارتمى أمامه قائلاً: - (مولاي. إن حياتي بين يديك، افعل بها ما تشاء؟) ثم أخذ يقص على الجنرال قصته، فإذا الجميع ينصتون إليه وكأن على رؤوسهم الطير، وعلى وجوههم غبرة، ترهقها قترة، وألجم الخبر أفواههم، وجعلهم آذاناً فحسب، فلما أتمها قال له القائد العام: - (يا هذا إني أراك سيئ الحظ، أكثر من أن تكون مذنباً، لا تثريب عليك، وإني لأبرئ ساحتك، إلا إذا رأى المرشال غير هذا) فسأله الضابط: (وإذا سمع الإمبراطور بالحادثة!؟) فأجابه الجنرال: (سيكون القتل نصيبك، ولكن دعنا الآن من هذا، وهيا ندبر خطة ننتقم بها من هؤلاء الأوغاد، أوشاب الإنسانية، لابد أن يكون الثأر شديداً، حتى تخمد في نفوسهم

стр. 9674

الوحشية والدناءة) وفي ساعة من الزمن، شدت فرقة من الجند رحالها، على رأسها الجنرال، بصحبة الضابط فكتور، وإذا الجنود بمصير زملائهم الذين أخذوا على غرة، ثارت في عروقهم دماء الانتقام واستحلوا شعلة تتأجج لحرق الأسبان، وأقسموا أن ينتقموا لإخوانهم أشد انتقام، وسرعان ما قطعوا المسافة بين مدينة مندا، وبين مركز القيادة العليا ورأى الأسبان أنفسهم محاصرين، وعلموا أن الجنرال لا يتردد لحظة في الفتك بأهل المدينة، لا تأخذه في ذلك شفقة ولا رحمة، فبعثوا إليه رسل المهادنة، ورضى هو أن يسلم كل من في القصر أنفسهم إليه، من أحقر الخدم إلى المركيز نفسه، واتخذ القصر مركزاً للقيادة؛ وأمر كل فرد من أفراد الأسرة الحاكمة، وخدمها أن يقيد، ونكل بالثوار أشد تنكيل، ولم يرحم رجلاً ولا امرأة ولا طفلاً، بل ثارت فيه غريزته الوحشية، وبينما هو في مجلس من رجاله إذ أقبل عليه فكتور ماشاند، وقال له: - أسألك يا مولاي أن تجيب لي طلباً، هو أن المركيز يرجوك أن تفرق بين الأشراف والعامة، وذلك بأن تطيح رقابهم بيد الجلاد لا بالمشنقة، وأن تفك قيودهم التي كبلوا بها، ولن يحاولوا الهرب، وذلك عهد قد قطعوه على أنفسهم، وإنه ليتخلى لك عن جميع أملاكه وأمواله إذا عفوت عن أحد أبنائه ووهبته الحياة فقال الجنرال: إن أمواله قد أصبحت تبعاً للملك جوزيف، ولكني سأهبه ما طلب، وإن كنت أعرف علة رجائه، في أن يبقى اسم الأسرة، ببقاء أحد أفرادها؛ سأهبه ذلك، لمن يرضى أن يكون جلادهم، ويطيح برقابهم، والآن لا تذكر لي شيئاً عنهم البتة اجتمع الضباط في الغرفة التالية يتناولون غداءهم، وكانوا في نهم شديد إثر ما كابدوه من نصب وتعب، فأقبلوا على الطعام كالوحوش الضارية قد أنشبت مخالبها في فريسة دسمة بعد طول سغب، وتفقدوا الضابط فكتور، فلم يجدوه بينهم، ذلك لأنه مضى إلى الحجرة التي فيها عائلة المركيز وآلمه أن يرى سادة الأمس مقيدين كالعبيد، قد ارتسمت على وجوههم دلائل الأسى الشديد، واللوعة المرة؛ وأي لوعة أشد على النفس من أن المرء أن يرى عبدا حقيرا يتحكم فيه وهو السيد الحاكم؟ وسرت رعشة في جسد الضابط حين فكر في هذه الرؤوس الجميلة، وأنها ستهوي على أقدام الجلاد مصبوغة بالدماء، وكأنما هم كانوا

стр. 9675

يفكرون في هذا الأمر نفسه، فقد بعثروا حولهم تنهدات الألم والحزن التي ملأت جو الغرفة، وإذ أبصروا فكتور يدخل حجرتهم اشرأبت أعناقهم، طمعاً في أن يكون حاملا إليهم بشرى العفو، فأمر الجند أن يفكوا قيود السادة، ومضى هو بنفسه يحل وثاق (كلارا) فقابلته على صنيعه هذا بابتسامة اغتصبتها اغتصاباً، ومس في رفق ذراعها البضة الناعمة، وأعجبته خصلات شعرها الفاحم، المتهدل على جبينها الوضاء، وفتنة قدها الممشوق الجميل، وخصرها الأهيف، فسألته هل نجح في مهمته، فهمهم همهمة حزينة، وجال ببصره في وجهها ووجه أخوتها الثلاثة، وكان (جوانيتو) أكبر الأبناء يبلغ من العمر ثلاثين عاماً، وأخوه (فيليب) عشرين ربيعاً، وكان (عمانويل) يبلغ ثمانية أعوام، ذا أنف روماني وطلعة جميلة؛ ثم جمع أطراف شجاعته، وأخبرها برأي الجنرال، فسرت رعدة الرهبة في أوصالها، ولكنها تشجعت ومضت تخبر أباها بما أسره إليها فكتور، وزادت عليه قولها: - أبى عليك أن تأمر (جوانيتو) وعليه أن يصدع بأمرك إذا كان مخلصاً لك، ففي طاعته إياك، وتلبيته لرغبتك إسعادنا! فلما سمعت الأم ذلك، أحست بالأمل يعاودها، وظنت أن نجاتهم أصبحت قوسين، وما علمت أن المركيز إذ ذاك يطلب من ولده أمراً، تنهد له الجبال هدا، وإذ تبينت حقيقة الأمر واطلب ارتدت إلى الوراء، تعلوها صفرة اليأس، وعرف جوانيتو السر فثارت دماء الغضب حارة في عروقه، وهب ثائراً كالأسد، قد ألفى نفسه أسير قفص من الحديد، بعد أن كان يطأ الثرى، في زهو الأمير، ويرى الغابة كلها تكاد تضيق عن خطى أقدامه، ولكن الأب هدأ كل ذلك، بأن قال: (جوانيتو) فكانت إجابة جوانيتو هزة الرفض من رأسه، وارتمى خائراً على مقعده، يصعد ناظريه في أبويه، وقد تجلت الدهشة والأسى والغضب في عينيه الحائرتين، فلما رأت (كلارا) إصرار أخيها على الرفض، تركت مكانها إلى حيث جوانيتو، وطوقت عنقه بذراعيها الغضتين، وجثت أمامه وقبلته في عينيه قائلة: - (أي جوانيتو: يا أعز ما أملك، آه!. . . ما ألذ الموت إذا كان من يدك!. . . إنك لا تدري حلاوته. . . كما أشعر بها الآن. . . أنقذني. . يا جوانيتو. . من يدي السفاح. . الملوث اليدين. . . حتى لا يقال. . . إن جلاداً حقيراً. . . أطاح رقاب العائلة الحاكمة. . وأنقذني من بين براثنه. . وبراثن رجل آخر)

стр. 9676

ثم نظرت شزرا إلى فكتور، نظرت إليه نظرة تفيض حقداً وكراهية واحتقاراً، وكأنها بذلك تثير في نفس أخيها الحقارة للفرنسيس، وتشعل الضغينة في نفسه عليهم،. . . ثم قال له أخوه فيليب متوسلاً: (كن شجاعاً صنديداً وإلا محوت عائلتنا الشريفة من العالم) وأمره الأب، فلم يلب طلبه، فجثا أمامه، هو وأخوته جميعاً ورفعوا أكفهم متوسلين إليه أن يضع المصلحة العامة فوق المصلحة الخاصة، وأن ينقذ اسم العائلة من أن يدنس، وعرف الأب من أين تؤكل الكتف، فأهاب به قائلاً: (أي بني. أغادرتك شجاعة الإسباني، وإحساسه الشريف؟ أأجثو أمامك. . . وأتوسل إليك. . . ولا ترد طلبي إلا خائباً؟ أتفكر في ألمك فحسب. . ولا تزنه بآلامنا جميعا. . إذا أصررت على المكابرة) ثم التفت إلى زوجته قائلا: أهذا ولدي يا زوجتي؟ فصاحت به الأم في يأس: (سيلبي طلبك. . أيها المركيز!!) ولمحت جبين جوانيتو ينعقد أكثر، وتبينت أنه يألم لها أكثر من الجميع وحينذاك كانت الثانية (ماركينا) قد تعلقت بأطراف ذيل أمها، بقبضتيها الضعيفتين، وأخذت تذرف الدموع، فلما شاهدها (فيليب) انتهرها ولامها، وإذ ذاك دخل الحجرة كاهن المدينة، فالتفوا حوله كصغار الطير، ومضوا به إلى جوانيتو الصامت، فلم يستطع مرشاند، أن يرى هذا المنظر الأليم، فبارح الغرفة إلى حيث اجتمع الجنرال مع بعض قواده يجرعون الخمر، وقد أصدر أمره بإحضار فرقة من الجند تذب الناس عن أن يقربوا من جثث الخدم المشنوقين، مدلاة أمام أعين السابلة، ووقف الجلاد بهيئته المفزعة ليحل مكان جوانيتو إذا خانته شجاعته، ولم يستطع أن يقوم بتنفيذ ما عهد إليه، وصدع هذا السكون الضارب أطنابه على المكان وقع أقدام عائلة المركيز، يحيط بهم الجند مشهرين سيوفهم، يلمع في ظباها الردى، ولم تفارق الهيبة أفراد الأسرة، وكانوا يتقدمون إلى حيث النطع ممدود في خطوات هادئة، لا أثر للخوف أو الاضطراب فيها، غير أن أحدهم قد علته صفرة الأموات، متكئاً على ذراع الكاهن الذي أخذ يهدئ روعه المضطرب، بترانيم دينية، فعرف الجميع حينئذ أن (جوانيتو) سيقوم بمهمة الجلاد في إطاحة الرقاب، وجثا الجميع قريبين من المقصلة، وأي مشهد آلم للنفس من أن ترى عزيز قوم ذل؟ لقد كان المركيز وزوجته وابنتاه، وولداه أمام جوانيتو، الذي أسر إليه الجلاد بعض الكلمات

стр. 9677

حينذاك اقتربت (كلارا) من أخيها، وصاحت به: جوانيتو، ابدأ بي إذا أردت أن ترفق. . . بشجاعتي المنهوكة. . . هيا. . أطح رأسي أولاً!! وساعتئذ أبصر الناس الضابط (فيكتور مارشاند) مسرعاً نحو (كلارا) التي جثت على ركبيتها تتأهب للأمر الواقع، وتستعد لأن يطاح رأسها، فلما حاذاها تماماً قال لها في أذنها: (إن الجنرال ليعفو عنك ويهبك الحياة إذا رضيت بي زوجاً!) فصوبت إليه نظرة ملؤها الكبرياء بنفسها، والازدراء له، ثم صاحت بأخيها، كأنها اللبؤة الضارية: (هيا، يا جوانيتو. . فإني. . . على أتم الاستعداد. . . .) وإذ ذاك أبصر الناس رأسها الجميل يتدحرج تحت قدمي أخيها، وقد انفصل عن جسدها، وسرت الرعشة في جسد أمها، ولكنها ملكت عواطفها، وتقدم أخوه عمانويل وسأله: (أتراني في مكاني تماماً. . أيها العزيز جوانيتو؟) ثم أقبلت إليه أخته الصغيرة (ماركينا) والدموع تنهمر من عينيها، فسألها: (أتبكين يا أختاه؟) فقالت: نعم يا حبيبي جوانيتو، إني أبكي من أجلك. . . . لشد ما يؤلمني أن تظل وحيداً حين تتفقدنا جميعاً فلا تجدنا معك) ولكنه رفع السيف وأهوى به على رقبته الصغيرة، وإذ ذاك تقدم منه أبوه المركيز، فصوب ناظريه، وصعدهما، في دماء أبنائه الجارية تحت قدميه، كأنها المياه المتدفقة شاهدة على ظلم الإنسان لأخيه الإنسان، ثم التفت ناحية الجماهير الذين عقدت الدهشة ألسنتهم، فكانوا أصناماً لا تتكلم، أو تتحرك تأثراً من هذا المشهد المروع، ثم مد يده إلى جوانيتو، وصاح في صوت قوي النبرات حادها، وقال: (أيها الإسبانيون! إني أبارك ولدي، وأهبه دعوات الأبوة والآن هيا أيها المركيز. أطح رأسي، ولا يأخذك الخوف أو الرعب، هيا. لا تثريب عليك) فلبى نداء أبيه صامتاً حزيناً، وإذ ذاك أقبلت أمه، منهوكة القوى، خائرة الأوصال، كيف لا وقد رأت أبناءها جميعاً، وزوجها المركيز، تطاح رقابهم، كأنهم الماشية بل أحقر، ذلك قلب الأم الذي: لا ربة النسيان تر … حم حزنه وترى بكاء

стр. 9678

كلا ولا الأيام تب … لى في أناملها أساه إلا إذا ضفرت له ال … أقدار إكليل الجنون وغدا شقياً ضاحكاً … تلهو بمرآه السنون أقبلت أمه متكئة على ذراع الكاهن، ونظرت إليه نظرة الوداع ممزوجة بأحر الألم، فما رآها حتى تنبهت حواسه الخامدة وثار غاضباً، وقال: - (إن ثدييها هذين قد أرضعاني صغيراً) فانتفض الجميع، حين سماعهم هذا، وانتزعت تلك الكلمات صرخة الفزع من قلوبهم جميعاً، وسكنت ضحكات الضباط، وعرفت المركيزة وقتئذ أن شجاعة جوانيتو ولت، ولم يعد ذلك القوي، فجمعت ما تبقى من شجاعتها المبعثرة، ثم قفزت من فوق قمة المنحدر فهوت إلى القاع، وقد مزقتها الصخور الجاثمة في أسفله شر ممزق، فهتف الجمهور المشاهد هتاف الإعجاب، أما جوانيتو فقد رقد مسجى مغمى عليه، فحملوه إلى الخارج حيث عاش وقد أسموه (الجلاد) حسن محمد حبشي

стр. 9679

البريد الأدبي سرقة أدبية!؟ قرأت كلمة في بريد الرسالة (١١٥) بتوقيع (حبيب زحلاوي) يتهم فيها (الشاعر الدكتور إبراهيم ناجي) بأنه سرق قصيدته (عاصفة روح) من قصيدة الشاعر الدمشقي ميشيل عفلق (؟) ونحن لم نقرأ قصيدة (عاصفة روح) ولا قصيدة (عفلق) ولا نعتد بهذا الشعر، لأنا لا نجد فيه روحاً كالتي نريد، ولا لغة كالتي نرتضي، ولكنا مع هذا نعلم أن الدكتور ناجي من نابغي الشعراء الشباب في مصر، ونعرف له أشياء بالغة في بابها حد الجودة. فأحببنا أن نطمئن الدكتور إلى أنه ليس في دمشق شاعر يسمى ميشيل عفلق ألبتة، وربما كان فيها كاتب صحف، أو ترجمان قصص، بهذا الاسم، أما شاعر فلا. . . وقد سألنا عن القصيدتين صديقنا الشاعر أنور العطار، فأكد لنا أن قصيدة عفلق مسروقة من قصيدة لشاعر من شعراء سورية في المهجر، وأن هذا هو السر في أنه لم ينظم في حياته غيرها! على أن هذا المذهب الأدبي الجديد لا ينكر فيما نظن السرقات الأدبية. لأنه لو أنكرها وحرمها، لسقط سقوطاً لا قيام له من بعده، لأن في كل قصيدة أو مقالة من هذا الأدب الجديد ضميراً مستتراً يعود إلى شاعر أو كاتب إنكليزي أو فرنسي. ثم إن هذا الأدب لم يكتب بلغة عربية، تضمن له البقاء، وتكفل له الخلود، وليس فيه إلا معناه؛ فإذا خسره فقد خسر كل شيء، وماذا يبقى من أدب معناه مسروق، ولغته مرذولة ساقطة؟. . . ولعل الله يوفقنا إلى تبيان هذا في مقال آخر، نرد فيه هذه البدعة المنكرة في الأدب، بدعة أقوام سرقوا المعاني والأفكار، ثم لم يقدروا أن يصوغوها صياغة عربية فقالوا: إنه لا شأن للألفاظ، ولكن الِشأن للمعاني والأفكار علي الطنطاوي حول سيرة تيمورلنك قرأت في العدد السادس عشر بعد المائة من (الرسالة) الغراء ما كتبه الأديب الباحث م. ع. ع عن مصادر ترجمة تيمورلنك وابن عربشاه، ولعل من المفيد أن أذكر بعض المراجع

стр. 9680

التي ترجمت لهما مما لم يذكر الأديب الكاتب، فقد ترجم له ابن العماد في كتابه (شذرات الذهب في أخبار من ذهب) في نحو خمس صفحات كبيرة من الجزء السابع، وكذلك السخاوي في (الضوء اللامع)؛ فقد ترجم له أربع صفحات كبيرة من الجزء الثالث بتحقيق دقيق، ولابن عربشاه ترجمة واسعة أيضاً في الشذرات في أربع صفحات وكذلك في الضوء اللامع محمد شفيق مكانة الفن في نظم التربية منذ بضعة أعوام عني ولاة الأمر في إنكلترا بتوسيع دائرة التعليم الفني في بعض درجات التعليم، ولاحظ الخبراء أن هذه الخطوة أثمرت ثمراً حسناً، وارتفع معيار الذوق الفني لدى الجمهور، وقد رأى مجلس الفن والصناعة أن يتقدم إلى (ديوان التربية) (أو مجلس المعارف الأعلى) باقتراحات جديدة لترقية التعليم الفني؛ وخلاصة هذه الاقتراحات هو أن يدخل في برامج التعليم في المدارس الثانوية والمتوسطة والعالية نظام ثابت للتعليم الفني، وأن يخصص فيها لهذا النوع من التعليم من العناية قدر ما يخصص لتعليم اللغات أو العلوم أو رياضيات، وأن الفن يجب أن يكون مادة إجبارية في برنامج مدارس المعلمين، وأنه يجب تشجيع استخدام المعلمين الأخصائيين في الفن. وتبوؤ الفن هذه المكانة في نظم التعليم يبث في أذهان الشباب حب الجمال في جميع مطالب الحياة ويقول مجلس الفن إن دراسة الفن يجب ألا تكون لقصد الفن ذاته، وإنما يجب أن يكون التعليم الفني أداة للرخاء الاقتصادي. وذلك انه إذا مزج الفن والصناعة فإن معيار الصناعة يرتفع ارتفاعاً محسوساً. ولهذه النقطة أهمية خاصة، لأن أبناء الأمة إذا درجوا على تقدير الفن والنماذج الفنية، فأنهم كمستهلكين لابد أن يطالبوا بمنتجات تتفق مع أذواقهم الفنية، ولهذا يضطر أصحاب المصانع لاستخدام الفنيين لسد حاجاتهم، وهذه خطوة هامة في ترقية الصناعة ويرى مجلس الفن أيضاً ألا يقتصر على تعليم الفن داخل المدارس، وإنما يجب أن يسهل السبيل للمتطوعين خارج المدرسة، ويجب أن يكون للفن أثره في الخط، وفي شرح دروس

стр. 9681

التاريخ والجغرافيا والآداب والطبيعيات والتدبير المنزلي. هذا ولما كانت المدارس الحديثة تبني جامعة لكل أسباب الراحة والصحة، فأنه يجب أيضاً أن يعنى بزخرفتها عناية خاصة حتى يعيش النشء بين مناظر الفن والجمال وليس الفن الإنشائي خاصة لأقلية صغيرة من الناس؛ فقد دلت معارض الأطفال الفنية على مقدرة لم تكن للنشء من قبل. وقد آن الأوان لأن يشغل التعليم الفني مكانته في جميع درجات الدراسة، وأن يكون من أهم العناصر في نظم التربية وبرامج التعليم هجرة الكتاب والعلماء من ألمانيا ليس من ريب في أن قيام طغيان الوطنية الاشتراكية في ألمانيا ضربة للعلوم والآداب والفنون الألمانية، وقد ظهرت آثار السياسة الهتلرية في انحطاط مستوى الدراسات العلمية والفنية في ألمانيا انحطاطاً ظاهراً، وفي تدهور الصحافة الألمانية إلى الحضيض بعد أن كانت في مقدمة صحافات العالم، وفي انحلال النهضة الأدبية الألمانية؛ ومن المعروف أن معظم العلماء الألمان قد اضطروا إلى الفرار من ألمانيا لأنهم من اليهود أو لأنهم لا يناصرون النظام الهتلري. وقد أثيرت هجرة العلماء الألمان في مؤتمر استقلال المباحث العلمية الذي عقد أخيراً في اكسفورد، وتلا الستاذ نورمان بنتوتش الإنكليزي على المؤتمر تقريراً ضافياً عن الاضطهادات التي وقعت في ألمانيا على العلماء الذين رفضوا مناصرة السياسة النازية، ويبدو من الإحصاءات التي تلاها أن العلماء الألمان الذين فقدوا مناصبهم في ظل الحكم الهتلري يبلغ عددهم زهاء ألف ومائتين، وعلق الأستاذ على ذلك بقوله إن مطاردة العلماء على الجملة إلى مثل هذا الحد ليس لها نظير في التاريخ منذ فتح الأتراك القسطنطينية في سنة ١٤٥٣م، وهو فتح أعقبه هجرة العلماء البيزنطيين إلى غرب أوربا. ومما يجدر ذكره أن نحو خمسين من هؤلاء العلماء المشردين قد استخدمتهم الحكومة التركية في معاهد استانبول وأنقرة هذا وأما الكتاب الألمان فيكفي أن تعرف أن أكابرهم يعيشون الآن في المنفى في سويسرة وإنكلترا، ومنهم كثير من الكتاب الآريين (غير اليهود) مثل توماس مان عميد الأدب الألماني المعاصر والحائز على جائزة نوبل، وأخوه هنيرش مان وولده كلاوزه، وقد جرد معظم أولئك الكتاب من أملاكهم وأموالهم في ألمانيا وحظر على المطابع الألمانية أن تخرج

стр. 9682

كتبهم كما حظر دخولها في ألمانيا، ومعظمهم الآن يخرج كتبه مترجمة إلى الإنكليزية أو الفرنسية وأما الصحافة الألمانية، فإن أولئك الذين عرفوها أيام ازدهارها وعظمتها أعني قبل ثلاثة أعوام، يدهشون اليوم حينما يرون ما انتهت إليه الصحف الألمانية من ضآلة في الحجم والمادة، ومن تشابه ممل فيما تكتب وتعرض وتناقش الرياضة والمخدرات يفتك وباء الأفيون ببلاد الملايو التي يسيطر عليها الإنكليز كما يفتك بالصين وكل الشعوب التي تنتمي إليها من الوجهة الجنسية أو من وجهة الحضارة. وقد قرأت السيدة هرسبروج عضو مجلس العموم الإنكليزي ومندوبة إنكلترا في اللجنة الخاصة بمكافحة الأفيون في عصبة الأمم، تقريراً في اللجنة عن الوسائل التي تجري عليها السلطات الإنكليزية في بلاد الملايو في محاربة وباء المخدرات، قالت فيه إن هذا الكفاح لا يجري فقط بالرقابة والحظر، ولكنه يجري بوسائل اجتماعية يراد بها إضعاف الرغبة في تذوق المخدرات وخصوصاً بين الشباب. ومما يلاحظ في بلاد الملايو أن عادات الشعب قد تغيرت تغيراً كبيراً عما كانت عليه منذ عشرة أعوام، ولا سيما بين الطبقات الصينية. ذلك أن اللعاب تستغرق الآن اهتمام الشباب من الجنسين. وقد أنشئت ملاعب كبيرة في المدن والقرى للعب الكرة، وهي تجذب جماهير كبيرة، وأنشئت متنزهات عامة في المدن الكبرى يؤمها الصينيون من مختلف الطبقات، واتخذت إجراءات ووسائل صحية كثيرة ساعدت على ارتفاع المعيار الصحي في البلاد، وأنشئت مستشفيات عديدة لمعالجة المرضى والمدمنين، وقد ظهر أثر التيار الرياضي واضحاً في الجيل الحالي، فهو أقل ميلا إلى الانصراف إلى لذة المخدرات وأكثر شغفاً بوجوه التسلية القائمة على ترويض الجسم والذهن

стр. 9683

الكتب ٢ - ثلاث رسائل بخط ياقوت الحموي الرومي للأديب الفارسي عباس إقبال ترجمها الدكتور عبد الوهاب عزام قياس عبارات معجم البلدان هذه بما خطوه ياقوت في آخر النسخة التي بيد الكاتب نقلاً عن خط ابن فارس، لا يدع ريبة في أن هذه النسخة هي عين النسخة التي كتبها ياقوت لنفسه من نسخة ابن فارس ختمت هذه النسخة من تمام الفصيح، كما يقول ياقوت في آخرها، يوم الأحد سابع ربيع الآخر سنة ٦١٦ في مرو الشاهجان، ويصرح ياقوت نفسه في معجم البلدان أنه كان في مرو الشاهجان سنة ٦١٦، وكان يفيد من خزائن الكتب النفسية في هذه المدينة، وأنه في السنة نفسها ترك المدينة خوفاً من التتار وبلغ خوارزم (الجرجانية) بعد قليل. وكذلك يصرح في معجم البلدان ومعجم الأدباء أنه كان بخوارزم في ذي القعدة من هذه السنة. ثم تركها هرباً من التتار أيضاً. ومن هذا يتبين أن ختم هذه النسخة في ربيع الآخر سنة ٦١٦ وقع قبل فرار ياقوت من مرو الشاهجان بشهرين أو ثلاثة وأما كتابا الرماني فلسوء الحظ سقط أولهما من هذه النسخة كما سقط قسم من أول الكتاب الثاني، كتاب الحروف كما قلنا آنفاً بين كتاب تمام الفصيح والقسم الباقي من كتاب الحروف ورقة واحدة بخط ياقوت لا صلة بينها وبين هذين الكتابين. والظاهر أنها خاتمة كتاب الرماني الذي سقط من نسختنا، وأول هذه الورقة: (قابلت به نسخة أبي الفتح محمد بن أحمد بن أشرس النيسابوري التي قرأها على أبي محمد عبيد الله بن محمد الكاتب المعروف بابن الجراذي عن ابن الأنباري، وعلى أبي محمد بن يوسف ابن الحسين التراقي في سنة تسع وثمانين وثلثمائة. وصححته على اختلاف نضد هذه النسخة ونسخة السماع عن ابن الأنباري في تقديم بعض الكلام في

стр. 9684

مواضع وتأخيره. وعلقت الحواشي من نسخته. وفرغ من انتساخه بمرو الشاهجان في عشية الأحد لثمان عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة ٦١٥ ياقوت بن عبد الله الحموي المولى الرومي الأصل، حامداً الله ومصلياً على سيدنا محمد وآله الطاهرين ومسلماً تسليما) ثم يتبع هذا بنقل فصل من كتاب لحن العامة لابن حاتم السجستاني. وقد سطر في آخر كتاب الحروف للرماني: (آخر كتاب الحروف. والحمد لله رب العالمين. وصلواته على سيدنا محمد وآله. وفرغت من نقله من خط أبي الحسن عمر بن أبي عمر السجستاني بمرو الشاهجان في محرم سنة ست عشرة وستمائة. وكتب ياقوت بن عبد الله الحموي حامداً الله على سوابغ نعمه) يتبين مما قلناه من أوائل وأواخر النسخ التي خطها ياقوت في هذه المجموعة، ومن الشواهد التي أوردناها من معجم البلدان ومعجم الأدباء - ا - أن ياقوت صرح في خمسة مواضع من هذه النسخ بأن هذه المجموعة خط يده وملكه - ب - وأن ياقوت كتبها في تواريخ رمضان سنة ٦١٥، والمحرم سنة ٦١٦، وربيع الآخر سنة٦١٦ - ج - وأنه كتبها في مرو الشاهجان الحاضرة المشهورة للسلطان أبي الحارث معز الدين سنجر بن ملكشاه السلجوقي التي يقول عنها ياقوت في معجم البلدان إنه عاش فيها قرير العين مستفيداً من مكاتبها الكثيرة، وأن حبها تمكن في قلبه حتى أنساه الأهل والعيال وسائر البلدان، وأنها لو لم تقع في أيدي التتار فسيطر عليها الدمار ما فارقها حتى الممات والحق أن من العجيب أن تنجو هذه المجموعة الصغيرة التي هي من أنفس ذكريات القرون السالفة، ومن أعز ما ملكه عالم عظيم مثل ياقوت الحموي، من نيران التتار المستعرة، وغير الزمان المدمرة، فها هي الآن بعد سبعة قرون ونصف على مكتبي ذكرى من عظمة المدنية الإسلامية في تلك العصور، ومذكرة برجل من مفاخر هذه المدينة الوضاءة: شهاب الدين أبي عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي الرومي عباس إقبال باريس ٦ جمادى الأولى سنة ١٣٥٤

стр. 9685

الإسلام الصحيح للأستاذ إسعاف النشاشيبي للأستاذ محمد بك كرد علي الإسلام الصحيح هو آخر كتاب عني بتأليفه أديب فلسطين السيد إسعاف النشاشيبي على أسلوب طريف في الوضع، استكثر له من المادة، راجعاً في استقائها إلى الأمهات المعتبرة في الأكثر، مستخدماً الخطابيات للتأثير في ذهن السامع وقلبه، ولكن خطابياته مدعومة بالنص المقبول والشاهد والمثل، وتتخللها أنواع من البلاغات، وفصح وشوارد من اللغة يحاول الأديب احياءها، يعرضها على القارئ في خلال كلامه شارحاً لها في أسفل الصفحة وموضع هذا التأليف يدور على مسائل: منها أن صاحبه يدعوا إلى الأخذ بالقرآن، ويهيب بفرق الإسلام إلى الالتفاف حول رايته الجامعة، وتكلم على الوهابية والزيدية وبين منشأهما وعلى الإمامة، وأثبت من كتب الثقات أن عترة النبي هم أسرته وأن جماعة النبي إنما هم المسلمون كلهم أجمعون، فليس للنبي قرباء ولا بعداء، وبرهن على أنه ليس في الإسلام طبقات وان بعضهم أبوا إلا أن يكون المسلمون طبقات كمثل الهنادك في الهند (فجماعة تنوقت في طغيانها وإلحادها فألهت من ألهت، وما هذا (والله) بطغيان ولا ضلال، لكنه فنون من الجنون. . . وجماعة أنزلت رجالاً من هاشم غير منزلتهم، وأعطتهم ما ليس في الدين لهم، ومشايعتك المرء على الباطل إنما هو خذلان، والتقريظ والتمجيد بغير الصدق وغير الحق زور وبهتان. وقد جاء الإسلام ليحرر فأبى معتاد الاستعباد في الدين والدنيا من قبل إلا استعباده، وإلا أن يشرك بعبادة ربه عباده)، وأفاض في مراد الشريعة من المودة في القربى وتفسير آية التطهير، وفي الصلاة على النبي، وفي نشأة نقابة الأشراف، وفي الحديث والمحدثين وجناية هؤلاء كفعل بعض المفسرين على الدين يوم قالوا: إن من الآيات ما له ظاهر ومنها ماله باطن إلى غير ذلك مما نقض فيه صراحاً ما يذهب إليه بعض فرق الإسلام. وأثبت أن نهج البلاغة المنسوب لعلي ابن أبي طالب يحمل كثيراً من الصفحات التي لا يعرفها صاحبه، وأن في تلقين الأحداث كل ما في هذا الكتاب على أنه صح عمن نسب إليه ﵁ لا يخلوا من ضرر على الأحداث، إلى غير ذلك من المطالب التي حل بها ما رآه أولى بالتقديم والمعالجة لرفع الخلاف من صفوف من كانت

стр. 9686

قبلتهم واحدة، وموردهم الذي يستقون منه هم فيه شركاء لا تباغض بينهم، والكتاب مفيد لمن يطالعه تدبر وتفكر. محمد كرد علي

стр. 9687

العدد ١١٨ - بتاريخ: ٠٧ - ١٠ - ١٩٣٥

стр. 9688

المثنى بن حارثة على ذكر (نادي المثنى) ببغداد للدكتور عبد الوهاب عزام كانت قبائل ربيعة ضاربة شرقي نجد، موغلة إلى الشمال حتى أعلي الفرات. . وكانت الوقائع تثور بينهم وبين الفرس في الحين بعد الحين، فكانوا أجرأ العرب على فارس، وكان العرب يسمون فارس الأسد، فسموا ربيعة (ربيعة الأسد) وكان بنو شيبان من هامات ربيعة في الجاهلية، وهم كانوا أبطال (ذي قار)، وامتد بهم المجد في الإسلام فكان منهم بيتوتات لها في الحرب والمكارم مآثر. يقول أبو تمام: أُولاك بنو الأفضال لولا فعالهم … دَرجن فلم يوجد لمكرمة عقْب لهم يوم ذي قار مضى وهو مفرد … وحيد من الأشباه ليس له صحب به علمت صُهب الأعاجم أنه … به أعربت عن ذات أنفسها العُرب هو المشهد الفرد الذي ما نجا به … لكسرى بن كسرى لا سنام ولا صُلْب - ٢ - وقد امتدت أحقاد ذي قار بين الفرس وبني شيبان خاصة، وقبائل بكر عامة؛ حتى كان بنو شيبان طلائع الفتح الإسلامي في العراق: لما عم الإسلام الجزيرة وتوطد سلطانه سمع أبو بكر بوقائع سيد من شيبان في سواد العراق فقال: من هذا الذي تأتينا وقائعه قبل معرفة نسبه؟ قال قيس بن عاصم المنقري: (هذا رجل غير خامل الذكر، ولا مجهول النسب، ولا ذليل العماد؛ هذا المثنى بن حارثة الشيباني) ثم قدم المثنى على أبي بكر يسأله أن يؤمره على قومه ففعل. وكان المثنى من قبل على قومه أميرا، وبقي من بعد أميرا يستعينه الأمراء إذا حضروا، ويستخلفونه إذا غابوا، حتى مات بين مآثر مشكورة، ومناقب محمودة. وقد صدق عمر حين سماه: (مؤمر نفسه) وبعث المثنى أخاه مسعودا إلى الخليفة يستمده فأرسل خالدا إلى العراق؛ فلما نزل خالد النباج كتب إلى المثنى وهو معسكر بخفان ليأتيه، وبعث إليه بكتاب من أبي بكر يأمره بطاعته. قال الطبري: (فانقض إليه جوادا حتى لحق به). فانظر إلى الرجولة كيف تسارع

стр. 9689

إلى الطاعة! ولما توجه خالد إلى الشام استبد المثنى بأمرة العراق، وكان بطل موقعة بابل وفيها قتل الفيل قال الفرزدق يعدد بيوتات بكر: وبيت المثنى قاتلِ الفيل عَنوة … ببابل إذ في فارسٍ مُلك بابل ثم سار المثنى إلى أبي بكر ليخبره بجلية الأمر في العراق، فوفاه مريضا قد أشفى، فأوصى أبو بكر عمر قال: (فان أنا مت فلا تمسين حتى تندب الناس مع المثنى.) وسار الناس إلى العراق وأميرهم أبو عبيد الثقفي. فلما كانت موقعة الجسر التي زلزل فيها السلمون وقطع جسر الفرات وراءهم فتهافتوا في الماء وقف المثنى في أنجاد من العرب ينادي: (أيها الناس! إنا دونكم فاعبروا على هينتكم، ولا تدهشوا، فأنا لن نزايل حتى نراكم في ذلك الجانب). وحمى المثنى الناس حتى عبروا. ثم خلق المثنى من الفلول المهزومة يوم الجسر نصرا بهرا في موقعة البويب برأيه وسياسته وشجاعته، واحتسب فيها أخاه مسعودا؛ ثم تكاثر الفرس عليه فكتب إلى عمر، فأمره أن يتنحى بالناس حتى يأتيه أمره. ثم أرسل عمر سعد بن أبي وقاص في حشد عظيم، وانحاز المثنى إلى ذي قار. وقدم سعد إلى زرود ينتظر المثنى، ولكن الأسد المرزأ، والمسعر المجرب، انتفضت به جراحات يوم الجسر. فبينما سعد يرجو مقدمه جاءته وصيته تحملها امرأته سلمى وأخوه المعنى. عمل سعد بوصية المثنى وأمر أخاه مكانه، ثم تزوج امرأته. وقد شهدت سلمى وقعة القادسية، فلما حمى الوطيس؛ واستكلبت الموت على الأبطال، نظرت فلم تجد المثنى يسوس الأنجاد، ويقود الجلاد، فصاحت: (وامثنياه! ولا مثنى اليوم للخيل). مات المثنى وشهد له التاريخ أنه (كان شهما شجاعا ميمون النقيبة حسن الرأي. أبلى في حروب العراق بلاء لم يبله أحد) - ٣ - فيا شباب بغداد الذين أنشأوا نادي المثنى ليحيوا ذكره! اذكروا فيه الرجولة الكاملة، والشجاعة البالغة، والمجد والسؤدد، والعمل المخلد. اذكروه قائدا مقداما، وأميرا حازما، وسيدا مطاعا، وجنديا مطيعا. اذكروه حرا أبيا، ومثلا عربيا، وخلقا عاليا. واستمدوا من ذكراه وذكرى أمثاله أخلاقا صلبة تقيكم رخاوة الحضارة، وعزيمة ماضية ترفعكم عن ذلة

стр. 9690

الرفاهية، وتقتحم بكم الأهوال إلى الغاية البعيدة ولأمل العظيم. ثم اذكروا أن المثنى فتح العراق جنديا مسلما، فاذكروا الإسلام ومجده، واعتصموا بأخلاقه، واستمسكوا بمعاليه. وسيروا قدما في عزة العروبة، وهداية الإسلام، وأنتم الأعلون والله معكم عبد الوهاب عزام

стр. 9691

٣ - الجمال البائس للأستاذ مصطفى صادق الرافعي قال الراوي: نظرت إليها ونظرت. أما هي، فرنت إلي في سكون، وكانت نظراتها معاتبة طويلة فيها التملق والتوجع، وفيها الانكسار والفتور، وفيها الاسترخاء والدلال وبينا كان طرفها ساجيا فاترا كأنه ينظر أحلامه، إذ حددته إلي فجأة ونظرت نظرة مدهوش، فبدت عيناها فزعتين ولكن في وجهها مطمئن ثم لم تكد تفعل حتى ضيقت أجفانها وحدقت النظر متلألئا بمعانيه، فبدت عيناها ضاحكتين ولكن في وجه متألم ثم ابتسمت بوجهها وعينيها معا، وأتممت بذلك أجمل أساليب المرأة الجميلة المحبوبة في اعتراضها على من تحبه، وجدالها مع فكره، وكسر حجته في كبريائه، وانتزاع الفكرة المستقلة من نفسه وأما أنا؛ فكان نظري إليها ساكنا متألما يقر أنه عجز عن جواب عينيها، وسيبقى عاجزا عن جواب عينيها. . . . إن وجهها هو الابتسام وروح الابتسام، وجسمها هو الإغراء وروح الإغراء، وفنها هو الفتنة وروح الفتنة، وهي بهذا كله، هي الحب وروح الحب. غير أن فهمها على حقيقتها في الناس يجعل ابتسامها عداوة من وجهها، وإغراءها جريمة لجسمها، وفنها رذيلة في جمالها، وهي بهذا كله، هي الشقاء وروح الشقاء أما إني أحب فنعم ونعما، بل أراه حبا فالقا كبدي، وليس يخلو فؤادي أبداً من سوالف حب مضى؛ وأما إني أسترذل في الحب وأمتهن فضيلتي وأنزل بها - فلا وأبدا إن ذلك الحب هو عندي عمل فني من أعمال النفس، ولكن الفضيلة هي النفس ذاتها؛ والحب أيام جميلة عابرة في زمني، أما الفضيلة فهي زمني كله؛ وذلك الجمال هو قوة من جاذبية الأرض في مدتها القصيرة، ولكن الفضيلة جاذبية السماء في خلودها الأبدي على أنه لا منافرة بين الحب والفضيلة في رأيي، فان أقوى الحب وأملأه بفلسفة الفرح والحزن لا يكون إلا في النفس الفاضلة المتورعة عن مقارفة الإثم. وههنا يتحول الحب

стр. 9692

إلى ملكة سامية في إدراك معاني الجمال، فيكون الوجه المعشوق مصدر وحي للنفس العاشقة. وبهذا الوحي والاستمداد منه ينزل المحب من المحبوب منزلة من يرتفع بالآدمية إلى الملائكة ليتلقى النور منها فنا بعد فن، والفرح معنى بعد معنى، والحزن السماوي فضيلة بعد فضيلة فهذا الحب هو طريقة نفسية لاتساع بعض العقول المهيأة للإلهام كي تحيط بأفراح الحياة وأحزانها، فتبدع للدنيا صورة من صور التعبير الجميلة التي تثير أشواق النفس. كأن كل محب وحبيبته من هؤلاء الملهمين، هما صورة جديدة من آدم وحواء، في حالة جديدة من معنى ترك الجنة، لإيجاد الصورة الجديدة من الفرح الأرضي والحزن السماوي والخطر في الحب ألا يكون فيه خطر. . . . فهو حينئذ نداء الجنس، لا يكون إلا دنيئا ساقطا مبذولا فلا قيمة له ولا وحي فيه، إذ يكون احتيالا من عمل الغريزة جاءت فيه لابسة ثوبها النوراني من شوق الروح لتخدع النفس الأخرى فيتصل بينهما، حتى إذا اتصل بينهما خلعت الغريزة هذا الثوب واستعلنت أنها الغريزة فانحصر الحب في حيوانيته وبطلت أشواقه الخيالية أجمع قال الراوي: وعرفت الحسناء هذا كله من عرضها نظرة وتلقيها نظرة غيرها، فقالت للأستاذ (ح): أما أن يكون مع أثر الشعر والفكر في الجمال ودعوى الحب أثر الزهد في الجسم الجميل وادعاء الفضيلة - فان بعيدا أن يجتمعا قال (ح): وأين تبعدينه ويحك عن هذه المنزلة؟ إني لأعرف من هو اعجب من هذا قالت: وماذا بقي من العجب فتعرفه؟ قال: أعرف رجلا متزوجا أحب أشد الحب وأمضه حتى إستهام وتدله، فكان مع هذا لا يكتب رسالة إلى حبيبته حتى يستأذن فيها زوجته كيلا يعتدي على شيء من حقها. وزوجته كانت أعرف بقلبه وبحب هذا القلب، وهي كانت أعلم أن حبه وسلوانه إنما هما طريقتان في الأخذ والترك بين قلبه وبين المعاني، تارة في سبيل المرأة وجمالها، وتارة من سبيل الطبيعة ومحاسنها فتنهدت وقالت: يا عجبا! وفي الدنيا مثل هذا الزوج الطاهر، وفي الدنيا مثل هذه الزوجة الكريمة؟

стр. 9693

ثم إنها وجمت هنيهة تجتمع في نفسها اجتماع السحابة، ثم استدمعت، ثم أرسلت عينيها تبكي. فبدرت أنا أرفه عنها حتى كفكفت من دمعها، وكأن (ح) قد وخزها في قلبها وخزة أليمة بذكره لها الزوجة، ثم الزوجة الطاهرة، ثم الطاهرة حتى في وسوسة شيطان الغيرة. ارتفعت ثلاث مرات بالزوجة، لترى هذه المسكينة أنها سافلة ثلاث مرات، وكأنه بهذا لم يكلمها بل رسم لها صورتها في عيشها المخزي وقال لها: انظري. . . . . ويا ما كان أجملها يترقرق الدمع في عينيها الفاتنتين الكحيلتين فيبث منهما حزنا يخيل لمن رآه، أنه من أجلها سيحزن الوجود كله ليس البكاء من هاتين العينين بكاء عند من يراه إذا كان من العاشقين، بل هو فن الحزن يضع مجالا جديد في فن الحسن. وأكاد أعجب كيف وجد الدمع مكانا بين المعاني الضاحكة في وجهها - لو لم يكن هذا الدمع قد جاء ليظهر على وجهها الفن الآخر من جمال المعاني الباكية وسألتها: ما الذي خامر قلبك من كلام الأستاذ (ح) فأبكاك، وأنت كما أرى يتألق النور على جدران المكان الذي تحلين به، فيظهر المكان وكأنه يضحك لك؟ فتشككت لحظة ثم قالت: أبك ما تقول أم أنت تتهكم بي؟ قلت: كيف يخطر لك هذا وأنا احترم فيك ثلاث حقائق: الجمال، والحب، والألم الإنساني؟ قالت: لا تثريب عليك، ولكن صور لي ببلاغتك كيف أحببتك وأنت غير متحبب إلي، وكيف جادلت نفسي فيك وداورتها عنك، وكلما عزمت انحل عزمي؟ فهذا ما لا أكاد أعرف كيف وقع، ولكنه وقع، هذه قطرة من الماء الصافي العذب فضع عليها (المكرسكوب) يا سيدي وقل لأي ماذا ترى؟ قلت: إنك تخرجين من السؤال سؤالا. فما الذي خامر قلبك من كلام (ح) فبكيت له؟ قالت: إذن فليست هي قطرة من الماء بل تلك دمعة من دموعي، فضع عليها المكرسكوب يا سيدي قال الراوي: وكانت حزينة كأنها لم تسكت عن البكاء إلا بوجهها وبقيت روحها تبكي في داخلها. فأراد الأستاذ (ح) أن يستدرك لغلطته الأولى فقال: إنك الآن تسألينه حقا من حقوقك عليه، فكل امرأة يحبها هي عروس قلمه ولها على هذا القلم حق النفقة. . . . . .

стр. 9694

فضحكت نوعا ظريفا من الضحك الفاتر كأنما ابتكره ثغرها الجميل لساعة حزنها، ونظرت إلي. فقلت: إن كان الأمر من نفقة العروس على قلم فما أشبه هذا (بلا شيء) جحا فضحكت أظرف من قبل، وخيل إلي أن ثغرها انطبق بعد افتراره على قبلة أفلتت منه فأمسكها من آخرها. . . ثم قالت: ما هو (لا شيء) جحا؟ قلت: زعموا أن جحا ذهب يحتطب، وحمل فوق ما يطيق، فبهظه الحمل وبلغ به المشقة، ثم رأى في طريقه رجلا أبله فاستعان به، فقال الرجل: كم تعطيني إذا أنا حملت عنك؟ قال: أعطيك (لا شيء). قال: رضيت ثم حمل الأبله وانطلق معه حتى بلغ الدار، فقال: أعطيني أجري: قال جحا: لقد أخذته. واختلفا هذا يقول أعطني، وهذا يقول أخذت؛ فلببه الرجل ومضى يرفعه إلى القاضي، وكانت بالقاضي لوثة وعلى وجهه روأة الحمق تخبرك عنه قبل أن يخبرك عن نفسه. فلما سمع الدعوى قال لجحا: أنت في الحبس أو تعطيه (اللا شيء). . . قال جحا في نفسه: لقد احتجت لعقلي بين هذين الأبلهين؛ ثم أنه أدخل يده في جيبه وأخرجها مطبقة، وقال للرجل: تقدم وافتح يدي. فتقدم وفتحها. قال جحا: ماذا فيها؟ قال الرجل: (لا شيء) فقال له جحا: خذ (لا شيئك) وامض فقد برئت ذمتي قالوا: فذهب الرجل يحتج، فقال له القاضي: مه؟ أنت أقررت أنك رأيت في يده (لا شيء) وهو أجرك؛ فخذه ولا تطمع في أزيد من حقك. . . وضحكت وضحكنا، ثم قالت: أنا راضية أن أكون عروس القلم، فلجر علي القلم نفقتي، وليصور لي كيف أحببت، وكيف آمرت نفسي وجادلتها؟ قلت: لا أتكلم عنك أنت ولا أستطيعه. بيد أنني لو صنفت رواية يكون فيها هذا الموقف - لوضعت على لساني العاشقة هذا الكلام تحدث به نفسها تقول: كيف كنت وكيف صرت. لقد رأيتني أعاشر مائة رجل فاخلطهم في شتى أحوالهم وأصرفهم في هواي وكلهم يجهد جهده في استمالتي، وكلهم أهل مودة وبذل، وما منهم إلا جميل مخلص قد أنق وتجمل وراع حسنه كأنما هرب إلي في ثياب عرسه ليلة زفافه وترك

стр. 9695

من أجلي عروسا تبكي وتصيح بويلها. ثم أنا مع ذلك مغلقة القلب دونهم جميعا أصدقهم المودة والصحبة، وأكذبهم الحب والهوى؛ فلست أحبهم إلا بما أنال منهم ولست أتحبب إليهم إلا ما أنولهم مني، وهم بين عقلي وحيلتي رجال لا عقول لهم، وأنا بين أهوائهم وحماقاتهم امرأة لا ذات لها ثم أرى بغتة رجلا فردا فلا أكاد أنظر إليه وينظر إلي حتى يضع في قلبي مسئلة تحتاج إلى الحل. . . وأرتاع لذلك فأحاول تناسيه والإغضاء عنه، فتلج المسئلة في طلب حلها وتشغل خاطري وتتمدد في قلبي وهو هو المسئلة. . . فأفزع لذلك وأهتم له وأجهد جهدي أن أكون مرة حازمة بصيرة كرجال المال في حق الثروة عليهم، ومرة قاسية عنيدة كرجال الحرب في واجبها عندهم، ومرة خبيثة منكرة كرجال السياسة في عملها بهم؛ ولكني أرى المسئلة تلين لي وتتشكل معي وتحتمل هذه الوجوه كلها لتبقى حيث هي في قلبي فانه هو هو المسئلة. . . وأغتم لذلك غما شديدا وأراني سأسقط بعد سقوطي الأول وأقبح منه، إذ الحياة عندنا قائمة بالخداع وهذا يفسده الإخلاص؛ وبالمكر وهذا يعطله الوفاء، وبالنسيان وهذا يبطله الحب. وإذ عواطفنا كلها متجردة لغرض واحد هو كسب المال وجمعه وادخاره، وفضيلتنا عميلة لا تتخيل، حسابية لا تختل، فيستوي عندنا الرجل بلغ جماله القمر في سمائه، والرجل بلغت دمامته الذباب في أقذاره؛ والحب معنا هو كم في كم ويبقى ماذا. . . أو كما يقول أهل السياسة هو (النقطة العملية في المسئلة). ولكن المسئلة التي في قلبي لا ترى هذا حلا لها، لأنه هو هو المسئلة. . . فيزيد بي الكرب، ويشتد علي البلاء وأحتال لقلبي، وأدبر في خنقه وأذهب أقنعه أن الرجل إذا كان شريفا لم يحب المرأة الساقطة إذ يعاب بصحبتها والاختلاف إليها، فإذا كان ساقطا لم تحبه هي، فإنما هو صيدها وفريستها وموضع نقمتها من هذا الجنس، وأسرف على قلبي في الملامة والتعذيل فأقول له: ويحك يا قلبي! إن المرأة منا إذا تفتح قلبها لحبيب تفتح كالجرح لينزف دماءه لا غير، فيقتنع القلب ويجمع على أن ينسى وأن يرجع عن طلبه الحب؛ وأرى المسئلة قد بطلت وكان بطلانها أحسن حل لها، وأنام وادعة مطمئنة، فيأتي

стр. 9696

هو في نومي ويدخل في قلبي ويعيد المسئلة إلى وضعها الأول فما أستيقظ إلا رأيته هو هو المسئلة. . . . فأتناهى في الخوف على نفسي من هذا الحب وأراه سجنها وعاقبها، وقهرها وإذلالها، فأقول لها: ويلك يا نفسي! إنما همك في الحياة وسائل الفوز والغلب، فأنت بهذا عدوة مسماة في غفلة الرجال صديقة، وقد وضعت في موضع تعيشين فيه بإهانات من الرجال يسمونها في نذالتهم بالحب. فأنت عدوة الرجال بمعنى من الدهاء والخبث، وعدوة الزوجات بمعنى من الحقد والضغينة، وعدوة البغايا أيضا بمعنى من المغالبة والمنافسة، وكل ما يستطيع الدهاء أن يعمله فهو الذي علي أنا أن اعمله، فماذا أصنع وأنا أحب؟ وكيف انجح وأنا أحب؟ ولكن النفس تجيبني على كل هذا بأن هذا كله بعيد عن المسئلة ما دام هو هو المسئلة. . قال الراوي: وكانت كالذاهلة مما سمعت، ثم قالت: ألك شيطان في قلبي؟ فهذا كله هو الذي حدث في سبعة أيام قال (ح): ولكن كيف يقع هذا الحب. وهبك صنفت تلك الرواية ووضعت على لسان العاشقة ذلك الكلام، فبماذا كنت تنطقها في وصف حبها، وما اجتذبها من رجل فاز بقلبها ولم يداورها، بعد مائة رجل كلهم داورها ولم يفز منهم أحد. أتكون في وجه هذا الرجل أنوار كتباشير الصبح تدل على النهار الكامن فيه؟ قالت هي: نعم نعم. بماذا كنت تنطقها؟ قلت: كنت أضع في لسانها هذا الكلام تجيب به عاذلة تعذلها: تقول: لا أدري كيف أحببته، ولكن هذه الشخصية البارزة منه جذبتني إليه، وجعلت الهواء فيما بيني وبينه مفعما بالمغناطيس مصدره هو، ومعناه هو، ولا شيء فيه إلا هو عرضته لي شخصيته ظاهرا لأن جواب شخصيته في، وأصبح في عيني كبيرا لأن جواب شخصيتي فيه، ومن ذلك صارت أفكاري نفسها تزيده كل يوم ظهورا وتزيدني كل يوم بصرا، وأعطاه حقه في الكمال عندي حقه في الحب مني؛ وبتلك الشخصية التي جوابها في نفسي أصبح ضرورة من ضرورات نفسي قال الراوي: ولما رأيتها في جوي نسميه وعاصفته، أردتها على قصتها وشأنها، فماذا قلت لها وماذا

стр. 9697

قالت؟ (في العدد القادم بقيتها) (طنطا) مصطفى صادق الرافعي

стр. 9698

افتتاح إفريقية وكيف غزاها الاستعمار الأوربي بقلم مؤرخ كبير ليست المشكلة الإيطالية الحبشية التي تكدر اليوم سلام العالم سوى نفثة جديدة من نفثات الاستعمار الغربي، وطموح أمة أوربية قوية إلى غزوا أمة إفريقية ضعيفة تزخر أرضها بالثروات الطبيعية الدفينة التي ما فتئت تحفز الاستعمار إلى الغزو والتغلب، وإلى اجتياح الأمم الضعيفة الآمنة؛ فهي ليست بذلك مشكلة دولية بالمعنى المعروف، وإنما هي محاولة أوربية جديدة لاجتياح آخر أرض في إفريقية استطاعت أن تنجو حتى اليوم من عدوان الاستعمار كانت القارة الإفريقية منذ قرن فقط، منطقة بكرا، لا يكاد الغرب يعرف شيئا إلا عن أممها الشمالية التي تحتل الضفة الأخرى من البحر الأبيض المتوسط، والتي كانت تتمتع مدى الأحقاب بحضارات زاهرة؛ وكانت هذه الأمم المتمدنة الزاهرة - مصر وبلاد المغرب - تكاد تحجب ما وراءها من أمم القارة السمراء، وتكون دون اجتياحها سداً منيعاً يحميها من مطامع الاستعمار الغربي الذي استطاع منذ القرن السادس عشر أن يجتاح الأمريكيتين، وأن ينفذ إلى الشرق الأقصى، واستطاع منذ القرن الثامن عشر أن يستقر في الهند. ومنذ أواخر هذا القرن أيضا توالت بعوث الاستعمار إلى إفريقية، فنفذت إليها من الشرق والغرب والشمال، وأثارت اكتشافات الرحل مثل منجو بارك ودنهام وكلابرتون ورنيه كاييه وستانلي ولفنجستون وغيرهم في الأمم الأوربية مطامع وآمالا جديدة، وبعثت النهضة الصناعية إليها رغبة قوية في استعمار تلك المناطق الجديدة واستغلال ثرواتها الدفينة، واستعباد شعوبها المتأخرة وتسخيرها في سبيل الغايات الاستعمارية وكانت أمم إفريقية الشمالية، وهي مفتاح القارة، بالطبع محط المشروعات والمحاولات الأولى؛ وكانت أسبانيا أسبق الأمم الأوربية إلى التطلع إلى تلك الأمم المغربية التي تواجهها في الضفة الأخرى من البحر والتي خاضت معها من قبل كثيرا من المعارك، والتي استطاعت أيام قوتها وازدهارها - أيام المرابطين والموحدين - أن تغزوا أسبانيا وأن تحتل قسمها الجنوبي أعني أسبانيا المسلمة؛ ومنذ أيام الإمبراطور شارلكان وولده فيليب

стр. 9699

الثاني (القرن السادس عشر) بذلت أسبانيا - وهي يومئذ في إبان قوتها وعظمتها - عدة محاولات لافتتاح الجزائر وثغور المغرب، ولكنها لم تستطع أن تظفر في تلك الوهاد الوعرة بفتوح مستقرة؛ واستطاعت تلك الأمم المغربية أن تحافظ على استقلالها في ظل طائفة من الحكام المغامرين الذين يرجعون إلى أصل تركي حتى فاتحة القرن التاسع عشر. وكانت أسبانيا قد انحدرت في ذلك الحين إلى عداد الدول الثانوية، وأخذت دولة أوربية أخرى هي فرنسا تتطلع إلى افتتاح تلك الأمم واستعمارها؛ وكانت حمى افتتاح إفريقية قد أخذت تسري إلى الدول الأوربية، على أثر الاكتشافات الجغرافية العديدة التي كشفت عن غنى تلك المجاهل بالثروات الطبيعية المدهشة؛ وخشيت فرنسا أن تسبقها أمة أوربية أخرى إلى غزو أمم المغرب التي تواجهها في الضفة الأخرى من البحر ولا تبعد عن ثغورها الجنوبية سوى يومين؛ ولم يكن يعوز الاستعمار أو تعجزه حجج التدخل والعدوان. ففي سنة ١٨٣٠، في عصر الملك شارل العاشر، جهزت فرنسا أسطولا ضخما، وحملة قوية إلى ثغر الجزائر؛ واستولى الفرنسيون على الثغر الحصين بعد قتال رائع، وانسحب الحاكم التركي (الداي) بأمواله وأسرته؛ واتخذ الفرنسيون من الجزائر قاعدة لغزو المغرب الأوسط كله؛ وكانت بتوسطها ومناعتها أصلح القواعد؛ ولكن فرنسا لقيت خصما صلباً عنيدا في عبد القادر زعيم الجزائر وبطلها الأشهر؛ وقد استطاع هذا الوطني الكبير والجندي الباسل أن ينظم الدفاع عن وطنه زهاء خمسة عشر عاما هزم خلالها عدة حملات فرنسية قوية، وكبد فرنسا خسائر فادحة في الرجال والمال؛ ولكن السياسة الاستعمارية لم ترتد أمام هذا النضال الوطني الرائع، ولم تحجم في سبيل غايتها أية تضحية؛ فما زالت فرنسا تبعث الحملات المختلفة، وتستولي تباعا على قواعد الجزائر، وتخوض مع عبد القادر معارك مضطرمة مستمرة، حتى أتمت فتح الجزائر؛ وأسر عبد القادر بعد خطوب وأحداث جمة (سنة ١٨٤٧)، وارتد الزعيم الباسل بعد أعوام من الأسر بأسرته إلى دمشق ليقضي بقية أيامه فيها وهكذا كانت الجزائر أول قطر أفريقي سقط في يد الاستعمار الأوربي، وكان سقوطها فاتحة تلك الحركة الاستعمارية الهائلة التي تعرف (بافتتاح إفريقية) والتي اشتركت فيها معظم الدول الأوربية الكبرى، طورا متحدة وطورا منفردة، واستمرت طوال القرن التاسع عشر،

стр. 9700

وانتهت بتقسيم إفريقية، وسقوط أقطارها تباعا في يد الدول الاستعمارية الكبرى ولما استقرت فرنسا في الجزائر أخذت تتطلع إلى تونس ومراكش؛ وكانت تونس بما يسودها من الضعف والتفكك فريسة هينة، فما زال الفرنسيون بها حتى جردوا عليها حملة غازية في سنة ١٨٨١ ثم جردوا عليها أسطولا رسا في بيزرت، وزحفوا على تونس في مايو سنة ١٨٨٥ وأرغموا (الباي) صاحب تونس على أن يعترف بالحماية الفرنسية على القطر التونسي. أما مراكش فقد استطاعت لمنعتها ووعورتها أن تقف في وجه الاستعمار مدى حين، وعاونتها السياسة الألمانية على مقاومة فرنسا وإحباط محاولاتها حتى أوائل القرن الحالي وفي الوقت الذي سقطت فيه تونس في يد الفرنسيين كانت إنكلترا قد نظمت مشروعها لاحتلال مصر، وألفت فرصتها في اختلال الأحوال المالية، وفي قيام الثورة العرابية، فبعثت حملتها المعروفة إلى مصر في صيف سنة ١٨٨٢، واحتلت عاصمتها في سبتمبر، في ظروف مازالت معروفة ماثلة في جميع الأذهان، ومازال الاحتلال الإنكليزي قائما في مصر، ومازالت المسألة المصرية تنتظر حلا شريفا عادلا يحقق أماني مصر في استرداد حرياتها واستقلالها ومنذ منتصف القرن التاسع عشر كانت البعثات الاستكشافية العديدة قد ألقت برحلاتها ومباحثها كثيرا من الضياء على إفريقية ومجاهلها ووهادها الغنية، وثرواتها الطبيعية، المتنوعة، ولم تمض أعوام أخرى حتى اكتشفت منابع أنهارها العظيمة مثل النيل والنيجر والكونغو، وحققت مجاريها وأحواضها، وأخذت روعة الثروات العظيمة التي اختصت بها القارة السمراء تحفز الاستعمار الأوربي وتذكي أطماعه، واشتدت المنافسة بين الدول الكبرى لاقتسام هذه الأقطار الغنية واحتلالها. عندئذ اتفقت الدول على عقد مؤتمر ينظم اقتسام إفريقية، ويحدد مناطق النفوذ والنشاط لكل دولة، وكان بسمارك المستشار الألماني هو صاحب الفكرة، فعقد المؤتمر في برلين في أواخر سنة ١٨٨٤، واتفق على أن تكفل الحرية التجارية المطلقة لجميع الدول في حوض الكونغو، وأن تكفل حرية الملاحة في نهري النيجر والكونغو، وألا يعتبر الاحتلال النظري قائما في منطقة من المناطق حتى يؤيد بالاحتلال الفعلي، واعترف المؤتمر أيضا بقيام دولة مستقلة في الكونغو وأنها ملك
следующие страницы →