← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 9696–9735 · переход к 9701.

стр. 9696

هو في نومي ويدخل في قلبي ويعيد المسئلة إلى وضعها الأول فما أستيقظ إلا رأيته هو هو المسئلة. . . . فأتناهى في الخوف على نفسي من هذا الحب وأراه سجنها وعاقبها، وقهرها وإذلالها، فأقول لها: ويلك يا نفسي! إنما همك في الحياة وسائل الفوز والغلب، فأنت بهذا عدوة مسماة في غفلة الرجال صديقة، وقد وضعت في موضع تعيشين فيه بإهانات من الرجال يسمونها في نذالتهم بالحب. فأنت عدوة الرجال بمعنى من الدهاء والخبث، وعدوة الزوجات بمعنى من الحقد والضغينة، وعدوة البغايا أيضا بمعنى من المغالبة والمنافسة، وكل ما يستطيع الدهاء أن يعمله فهو الذي علي أنا أن اعمله، فماذا أصنع وأنا أحب؟ وكيف انجح وأنا أحب؟ ولكن النفس تجيبني على كل هذا بأن هذا كله بعيد عن المسئلة ما دام هو هو المسئلة. . قال الراوي: وكانت كالذاهلة مما سمعت، ثم قالت: ألك شيطان في قلبي؟ فهذا كله هو الذي حدث في سبعة أيام قال (ح): ولكن كيف يقع هذا الحب. وهبك صنفت تلك الرواية ووضعت على لسان العاشقة ذلك الكلام، فبماذا كنت تنطقها في وصف حبها، وما اجتذبها من رجل فاز بقلبها ولم يداورها، بعد مائة رجل كلهم داورها ولم يفز منهم أحد. أتكون في وجه هذا الرجل أنوار كتباشير الصبح تدل على النهار الكامن فيه؟ قالت هي: نعم نعم. بماذا كنت تنطقها؟ قلت: كنت أضع في لسانها هذا الكلام تجيب به عاذلة تعذلها: تقول: لا أدري كيف أحببته، ولكن هذه الشخصية البارزة منه جذبتني إليه، وجعلت الهواء فيما بيني وبينه مفعما بالمغناطيس مصدره هو، ومعناه هو، ولا شيء فيه إلا هو عرضته لي شخصيته ظاهرا لأن جواب شخصيته في، وأصبح في عيني كبيرا لأن جواب شخصيتي فيه، ومن ذلك صارت أفكاري نفسها تزيده كل يوم ظهورا وتزيدني كل يوم بصرا، وأعطاه حقه في الكمال عندي حقه في الحب مني؛ وبتلك الشخصية التي جوابها في نفسي أصبح ضرورة من ضرورات نفسي قال الراوي: ولما رأيتها في جوي نسميه وعاصفته، أردتها على قصتها وشأنها، فماذا قلت لها وماذا

стр. 9697

قالت؟ (في العدد القادم بقيتها) (طنطا) مصطفى صادق الرافعي

стр. 9698

افتتاح إفريقية وكيف غزاها الاستعمار الأوربي بقلم مؤرخ كبير ليست المشكلة الإيطالية الحبشية التي تكدر اليوم سلام العالم سوى نفثة جديدة من نفثات الاستعمار الغربي، وطموح أمة أوربية قوية إلى غزوا أمة إفريقية ضعيفة تزخر أرضها بالثروات الطبيعية الدفينة التي ما فتئت تحفز الاستعمار إلى الغزو والتغلب، وإلى اجتياح الأمم الضعيفة الآمنة؛ فهي ليست بذلك مشكلة دولية بالمعنى المعروف، وإنما هي محاولة أوربية جديدة لاجتياح آخر أرض في إفريقية استطاعت أن تنجو حتى اليوم من عدوان الاستعمار كانت القارة الإفريقية منذ قرن فقط، منطقة بكرا، لا يكاد الغرب يعرف شيئا إلا عن أممها الشمالية التي تحتل الضفة الأخرى من البحر الأبيض المتوسط، والتي كانت تتمتع مدى الأحقاب بحضارات زاهرة؛ وكانت هذه الأمم المتمدنة الزاهرة - مصر وبلاد المغرب - تكاد تحجب ما وراءها من أمم القارة السمراء، وتكون دون اجتياحها سداً منيعاً يحميها من مطامع الاستعمار الغربي الذي استطاع منذ القرن السادس عشر أن يجتاح الأمريكيتين، وأن ينفذ إلى الشرق الأقصى، واستطاع منذ القرن الثامن عشر أن يستقر في الهند. ومنذ أواخر هذا القرن أيضا توالت بعوث الاستعمار إلى إفريقية، فنفذت إليها من الشرق والغرب والشمال، وأثارت اكتشافات الرحل مثل منجو بارك ودنهام وكلابرتون ورنيه كاييه وستانلي ولفنجستون وغيرهم في الأمم الأوربية مطامع وآمالا جديدة، وبعثت النهضة الصناعية إليها رغبة قوية في استعمار تلك المناطق الجديدة واستغلال ثرواتها الدفينة، واستعباد شعوبها المتأخرة وتسخيرها في سبيل الغايات الاستعمارية وكانت أمم إفريقية الشمالية، وهي مفتاح القارة، بالطبع محط المشروعات والمحاولات الأولى؛ وكانت أسبانيا أسبق الأمم الأوربية إلى التطلع إلى تلك الأمم المغربية التي تواجهها في الضفة الأخرى من البحر والتي خاضت معها من قبل كثيرا من المعارك، والتي استطاعت أيام قوتها وازدهارها - أيام المرابطين والموحدين - أن تغزوا أسبانيا وأن تحتل قسمها الجنوبي أعني أسبانيا المسلمة؛ ومنذ أيام الإمبراطور شارلكان وولده فيليب

стр. 9699

الثاني (القرن السادس عشر) بذلت أسبانيا - وهي يومئذ في إبان قوتها وعظمتها - عدة محاولات لافتتاح الجزائر وثغور المغرب، ولكنها لم تستطع أن تظفر في تلك الوهاد الوعرة بفتوح مستقرة؛ واستطاعت تلك الأمم المغربية أن تحافظ على استقلالها في ظل طائفة من الحكام المغامرين الذين يرجعون إلى أصل تركي حتى فاتحة القرن التاسع عشر. وكانت أسبانيا قد انحدرت في ذلك الحين إلى عداد الدول الثانوية، وأخذت دولة أوربية أخرى هي فرنسا تتطلع إلى افتتاح تلك الأمم واستعمارها؛ وكانت حمى افتتاح إفريقية قد أخذت تسري إلى الدول الأوربية، على أثر الاكتشافات الجغرافية العديدة التي كشفت عن غنى تلك المجاهل بالثروات الطبيعية المدهشة؛ وخشيت فرنسا أن تسبقها أمة أوربية أخرى إلى غزو أمم المغرب التي تواجهها في الضفة الأخرى من البحر ولا تبعد عن ثغورها الجنوبية سوى يومين؛ ولم يكن يعوز الاستعمار أو تعجزه حجج التدخل والعدوان. ففي سنة ١٨٣٠، في عصر الملك شارل العاشر، جهزت فرنسا أسطولا ضخما، وحملة قوية إلى ثغر الجزائر؛ واستولى الفرنسيون على الثغر الحصين بعد قتال رائع، وانسحب الحاكم التركي (الداي) بأمواله وأسرته؛ واتخذ الفرنسيون من الجزائر قاعدة لغزو المغرب الأوسط كله؛ وكانت بتوسطها ومناعتها أصلح القواعد؛ ولكن فرنسا لقيت خصما صلباً عنيدا في عبد القادر زعيم الجزائر وبطلها الأشهر؛ وقد استطاع هذا الوطني الكبير والجندي الباسل أن ينظم الدفاع عن وطنه زهاء خمسة عشر عاما هزم خلالها عدة حملات فرنسية قوية، وكبد فرنسا خسائر فادحة في الرجال والمال؛ ولكن السياسة الاستعمارية لم ترتد أمام هذا النضال الوطني الرائع، ولم تحجم في سبيل غايتها أية تضحية؛ فما زالت فرنسا تبعث الحملات المختلفة، وتستولي تباعا على قواعد الجزائر، وتخوض مع عبد القادر معارك مضطرمة مستمرة، حتى أتمت فتح الجزائر؛ وأسر عبد القادر بعد خطوب وأحداث جمة (سنة ١٨٤٧)، وارتد الزعيم الباسل بعد أعوام من الأسر بأسرته إلى دمشق ليقضي بقية أيامه فيها وهكذا كانت الجزائر أول قطر أفريقي سقط في يد الاستعمار الأوربي، وكان سقوطها فاتحة تلك الحركة الاستعمارية الهائلة التي تعرف (بافتتاح إفريقية) والتي اشتركت فيها معظم الدول الأوربية الكبرى، طورا متحدة وطورا منفردة، واستمرت طوال القرن التاسع عشر،

стр. 9700

وانتهت بتقسيم إفريقية، وسقوط أقطارها تباعا في يد الدول الاستعمارية الكبرى ولما استقرت فرنسا في الجزائر أخذت تتطلع إلى تونس ومراكش؛ وكانت تونس بما يسودها من الضعف والتفكك فريسة هينة، فما زال الفرنسيون بها حتى جردوا عليها حملة غازية في سنة ١٨٨١ ثم جردوا عليها أسطولا رسا في بيزرت، وزحفوا على تونس في مايو سنة ١٨٨٥ وأرغموا (الباي) صاحب تونس على أن يعترف بالحماية الفرنسية على القطر التونسي. أما مراكش فقد استطاعت لمنعتها ووعورتها أن تقف في وجه الاستعمار مدى حين، وعاونتها السياسة الألمانية على مقاومة فرنسا وإحباط محاولاتها حتى أوائل القرن الحالي وفي الوقت الذي سقطت فيه تونس في يد الفرنسيين كانت إنكلترا قد نظمت مشروعها لاحتلال مصر، وألفت فرصتها في اختلال الأحوال المالية، وفي قيام الثورة العرابية، فبعثت حملتها المعروفة إلى مصر في صيف سنة ١٨٨٢، واحتلت عاصمتها في سبتمبر، في ظروف مازالت معروفة ماثلة في جميع الأذهان، ومازال الاحتلال الإنكليزي قائما في مصر، ومازالت المسألة المصرية تنتظر حلا شريفا عادلا يحقق أماني مصر في استرداد حرياتها واستقلالها ومنذ منتصف القرن التاسع عشر كانت البعثات الاستكشافية العديدة قد ألقت برحلاتها ومباحثها كثيرا من الضياء على إفريقية ومجاهلها ووهادها الغنية، وثرواتها الطبيعية، المتنوعة، ولم تمض أعوام أخرى حتى اكتشفت منابع أنهارها العظيمة مثل النيل والنيجر والكونغو، وحققت مجاريها وأحواضها، وأخذت روعة الثروات العظيمة التي اختصت بها القارة السمراء تحفز الاستعمار الأوربي وتذكي أطماعه، واشتدت المنافسة بين الدول الكبرى لاقتسام هذه الأقطار الغنية واحتلالها. عندئذ اتفقت الدول على عقد مؤتمر ينظم اقتسام إفريقية، ويحدد مناطق النفوذ والنشاط لكل دولة، وكان بسمارك المستشار الألماني هو صاحب الفكرة، فعقد المؤتمر في برلين في أواخر سنة ١٨٨٤، واتفق على أن تكفل الحرية التجارية المطلقة لجميع الدول في حوض الكونغو، وأن تكفل حرية الملاحة في نهري النيجر والكونغو، وألا يعتبر الاحتلال النظري قائما في منطقة من المناطق حتى يؤيد بالاحتلال الفعلي، واعترف المؤتمر أيضا بقيام دولة مستقلة في الكونغو وأنها ملك

стр. 9701

شخصي لملك البلجيك وهي التي أضحت في يومين مستعمرة عظيمة تملكها دولة أوربية صغيرة هي البلجيك على أن قرارات مؤتمر برلين لم يكن لها أثر فعلي ظاهر فيما تلا من تقسيم إفريقية. وكانت فرنسا قد وضعت يدها على الجزائر وتونس والسنغال، ووضعت إنكلترا يدها على مصر، ومنطقة الرأس (الكاب) وبدأت ألمانيا احتلالها في نفس الوقت للكمرون وتوجولاند وشرق إفريقية؛ ولم يكن ثمة بد من أن تتفاهم هذه الدول الاستعمارية الكبرى فيما بينها بمعاهدات واتفاقات خاصة على تحديد المناطق التي تطمح كل إلى امتلاكها، وكانت كل دولة قد شادت بما احتلته أسس إمبراطوريتها الاستعمارية في إفريقية. وكانت فرنسا أنشطها في بناء هذا الصرح الاستعماري، فلم تأت أواخر القرن التاسع عشر حتى كانت قد احتلت معظم إفريقية الغربية، واستولت على السنغال وأعلي النيجر، وساحل العاج، وداهومي، ونفذت في قلب إفريقية إلى السودان الأوسط حتى بحيرة تشاد، ووطدت أقدامها في الشمال في تونس والجزائر، وافتتحت جزيرة مدغشقر في سنة ١٨٩٥ أما إنكلترا فإنها وطدت أقدامها في وادي النيل، في مصر والسودان، وفي شرق إفريقية البريطاني، واحتلت زنجبار، وأخذت في بناء إمبراطوريتها الاستعمارية العظيمة في أواسط إفريقية وجنوبها. وكانت منذ أوائل القرن التاسع عشر قد احتلت منطق الرأس (الكاب) كما قدمنا، وكان البوير (وهم سلالة المستعمرين الهولنديين الأوائل) قد استقروا في منطقة (الأورانج) وفي (ناتال)، فاستولى الإنكليز على ناتال، وهاجر البوير منها، وأسسوا لهم مستعمرة جديدة هي (الترنسفال) واعترفت إنكلترا باستقلالها سنة ١٨٥٢، ولكن إنكلترا ما فتئت تبسط سلطانه نحو الشمال تباعا، فاستولت على أرض الكفر وباسوتولاند؛ وفي أواخر القرن التاسع عشر أنشأ سسل رودس شركة استعمارية على مثال الشركة التي أسست من قبل في الهند، وعضدت الحكومة الإنكليزية مشروعه في فتح الأراضي الواقعة حول حوض الزمبيزي وأمدته بالمال والجند، وهكذا افتتحت روديسا، وأصبحت إنكلترا تسيطر على أواسط إفريقية الجنوبية من منابع الكونغو حتى الكاب، ولم يبق خارجا عن سلطانها سوى الترنسفال ومستعمرة الأورانج حيث استقر البوير. وكانت إنكلترا تطمح دائماً إلى ضم هاتين المستعمرتين إليها لتوحد إمبراطوريتها في إفريقية الجنوبية، وكان

стр. 9702

البوير من جهة أخرى بزعامة رئيسهم الشهير (كروجر) يناوئون كثيرا من مشاريعها الاستعمارية، ويقاومون تدخلها بشدة؛ وأخيرا لم تر إنكلترا بدا من إعلان الحرب لتحقيق غايتها، فاضطرمت الحرب بينها وبين البوير (أكتوبر سنة ١٨٩٩) وأبدى البوير بسالة عظيمة، واستطال دفاعهم زهاء ثلاثة أعوام؛ وأخيرا اضطروا إلى الاعتراف بسيادة إنكلترا ولكنهم احتفظوا باستقلالهم الداخلي، ونالوا من إنكلترا تعويضا ضخما عما أصابهم من التخريب والخسائر، وكبدت هذه الحرب الشهيرة إنكلترا خسائر فادحة في المال والرجال، ولكنها استطاعت أخيرا أن تحقق مشروعها في توحيد إمبراطوريتها في جنوب إفريقية وفي أواخر القرن التاسع عشر اشتدت المنافسة بين الدول الاستعمارية ولا سيما بين ألمانيا وإنكلترا من جهة، وبينها وبين فرنسا من جهة أخرى. وانتهت إنكلترا وألمانيا أخيرا إلى التفاهم وعقدتا في سنة ١٨٩٠ معاهدة لتخطيط الحدود بين أملاكهما في إفريقية. وعقدت بين إنكلترا وفرنسا في سنة ١٨٩٨ معاهدة لتحديد أملاكهما في حوض النيجر وغرب إفريقية، ثم عقدت بينهما معاهدة أخرى في سنة ١٨٩٩ على أثر حادثة فاشودة المشهورة وفيها تنازلت فرنسا عن دعاويها في أعالي النيل؛ وأخيرا عقد (الاتفاق الوادي) بين الدولتين في سنة ١٩٠٤، وفيه تعهدت فرنسا بأن تطلق يد إنكلترا في مصر وألا تناوئ سياستها فيها؛ وتعهدت إنكلترا من جانبها أن تطلق يد فرنسا في مراكش وألا تناوئ سياستها فيها وثارت بين ألمانيا وفرنسا من أجل مراكش خصومة مضطرمة كادت أن تنفجر غير مرة؛ وكانت فرنسا تحرص على أن تضم مراكش إلى إمبراطوريتها الإفريقية، وتحرص ألمانيا من جانبها على أن تضع في سبيل فرنسا كل عقبة ممكنة؛ وفي سنة ١٩٠٥، زار الإمبراطور ولهلم الثاني ثغر طنجة وألقى خطابا رنانا حمل فيه على السياسة الفرنسية؛ واضطرت فرنسا أن تقبل بحث المسألة المراكشية في مؤتمر دولي؛ وعقد المؤتمر في الجزيرة (بأسبانيا) سنة ١٩٠٦ من الدول الكبرى؛ وأصدر قرارا بإعلان استقلال السلطان، ووجوب المحافظة على وحدة الأراضي المراكشية، مع الاعتراف بحقوق إسبانيا وفرنسا ومصالحهما الخاصة في هذه المنطقة. ولم تغنم ألمانيا شيئا. وفي سنة ١٩١١ جردت فرنسا حملة على فاس، وانتهزت ألمانيا هذه الفرصة فأرسلت سفينة حربية إلى أغادير، ووقعت

стр. 9703

بين الدولتين مشادة حادة كادت تنتهي باضطرام الحرب بينهما؛ ولكن الخلاف انتهى بعقد معاهدة اعترفت فيها ألمانيا بحقوق فرنسا في مراكش مقابل مزايا استعمارية كبيرة في أفريقية الوسطى. وعلى أثر ذلك انتهزت فرنسا الفرصة وعملت على إرغام مراكش على قبول حمايتها بمعاهدة عقدت مع السلطان في سنة ١٩١٢ أما إيطاليا، وهي رابع الدول الاستعمارية الكبرى التي اشتركت في اقتسام أفريقية، فكان نصيبها طرابلس في الشمال، وإرترية وشطرا من بلاد السومال في الشرق. وسنعرض في فصل قادم إلى تفصيل هذه الغزوات الاستعمارية، وسنعرض بوجه أخص إلى موقف الحبشة من هذه الحركة الأوربية الاستعمارية الشاملة وكيف نجت من عواقبها، واستطاعت أن تحتفظ باستقلالها إلى يومنا. للبحث بقية (. . .)

стр. 9704

٣ - الشعر في صدر الإسلام وعهد بني أمية بقلم أحمد حسن الزيات ٢ - خصائص الشعر في العراق أما الفرزدق فهو كالأخطل في الذؤابة من قومه، إلا أنه كان صريح العداوة فلا يوارى، فاحش الدعابة فلا يحتشم، شديد الدعارة فلا يتعفف، حاد البادرة فلا يتلطف؛ فهو في هجائه يذكر العورات ويعلن المخزيات بألفاظها العارية وأسمائها الصريحة حتى ليستحي الشاب أن ينشدها، بله الفتاة الخفرة. وما أظن البداوة وضيق الخلق وسلاطة اللسان وفجور النفس هي كل الأسباب التي أوجدت هذا الهجاء السوقي الوقح، فإن الحطيئة ومن سبقه على اتصافهم بهذه الأوصاف لم يسفوا هذا الإسفاف، فلابد أن يكون لحياة العراق في ذلك العهد أثر قوي في ذلك: فالخلق العربي القوي قد وهت أواصره باتصال البدو بالحضر واختلاط العرب يالعجم، والوازع الديني قد ضعف بتغلب الأحزاب وضعف العصبية، والسلطان السياسي يغمض جفنيه ويضحك ملئ شدقيه من هذه المهازل التي يمثلها الشعراء والقبائل بالبصرة. أقول القبائل لأن القبيلة كانت من وراء شاعرها تحتال لانتصاره بالمال والقتال والدعاية، وربما أتى كل رجل منهم بالبيتين والثلاثة فيرفد بها الشاعر كما فعلت تيم في مهاجاة شاعرها عمر بن لجأ لجرير. وكان أحش الهجاء هجاء الفرزدق في جرير، فهو يرمي قومه بضعة النسب، وضعف الحيلة، واتخاذ الغنم، ورعي الإبل، وإتيان الأتن، ويفتن في هذه المعاني افتنانا عجيبا: يرددها في كل قصيدة على صور مختلفة وأساليب شتى، ولا يتحرج أحيانا من افتعال الحوادث المضحكة إمعانا في السخر من المهجو والنيل منه وهذا غاية ما وصل إليه الهجاؤون وأهل التنادر في عصور الترف والخلاعة. وأدهى من ذلك أن يقذف خصمه بنوع من السباب الدنيء الذي لا يعتقده ولا يصدقه الناس، إنما يعمد إليه مبالغة في التحقير والتشهير على نحو ما يعمل الرعاع في الطبقات الوضيعة، وذلك ما لم نعهده في الهجاء من قبل، إذ كان الشاعر يرى جهة المحاسن في المريء فيمدح، أو جهة المساوئ فيه فيذم، وهو في كلتا الحالتين صادق وقد يتدلى الفرزدق في الهجاء إلى الدرك الذي لا تسيغه رجولة، فينقض رثاء جرير

стр. 9705

لامرأته بهجائها المقذع، دون أن يرعى للميت حرمة ولا للمرأة كرامة، كقوله: كانت منافقة الحياة وموتها … خزي علانية عليك وعار فلئن بكيت على الأتان لقد بكى … جزعا غداة فراقها الأعيار تبكي على امرأةٍ وعندك مثلها … قَعساءُ ليس لها عليك خِمار وليكفينك فقدَ زوجتك التي … هلكت موقعة الظهور قصار إن الزيارة في الحياة ولا أرى … ميتا إذا دخل القبور يُزار ورأي الفرزدق في المرأة يدل على جفاء طبع وسوء أنفة، وربما دل أيضا على منزلتها في المجتمع العربي في ذلك العهد؛ ولا نستنبط ذلك من قوله في زوجة جرير، فقد يكون للخصومة بعض الأثر في سوئه، وإنما نستنبطه من قوله في زوجته هو حين ماتت: يقولون زُر حدراء والترب دونها … وكيف بشيء وصله قد تقطعا ولست وإن عزت عليَّ بزائر … ترابا على مرموسه قد تضعضعا وأهون مفقود إذا الموت ناله … على المرء في أصحابه من تقنعا يقول ابن خنزير بكيْتَ ولم تكن … على امرأة عيني أخال لتدمعا وأهون رزء لامرئ غير عاجز … رزية مرتج الروادف أفرغا على أن طبيعة المهاجاة مع جرير، وشهوة الغلبة عند العامة، ونفاد المعاني السامية في الهجاء على طول المدة، وبلادة الحس وهوان النفس باعتياد الذم، قد دعت الفرزدق كما دعت جريرا إلى التدرج في الإقذاع والبذاء، حتى خرج شعرهما في النقائض على قوته وجودته عن الحد المألوف بين السفلة. ولكن الفرزدق مع تبذله كان يصيخ أحيانا إلى وازع الدين لتشيعه، فيتوب عن قرض الشعر، ويكف عن هجاء الناس، ويقيد نفسه ليحفظ القرآن ويقول: ألم ترني عاهدت ربي وأنني … لَبَينَ رتاج قائما ومقام على قسم لا أشتم الدهر مسلما … ولا خارجا من فيَّ سوء كلام أو يجيب إلى داعي الشرف لحسبه فيصدر في الهجاء عن طبع أبي ونفس كريمة، فتسمو معانيه وتعف ألفاظه، كقوله في معاوية وقد حبس عنده مالاً لأحد أعمامه بعد وفاته: أبوك وعمي يا معاويَ أورثا … تراثاً فيحتاز التراثَ أقاربه

стр. 9706

فما بال ميراث الحُتاتِ أخذته … وميراث حرب جامد لك ذائبه فلو كان هذا الأمر في جاهلية … علمتَ من المرء القليل حلائبه إلا أن يقول: وما ولدت بعد النبي وأهلهِ … كمثليَ حصانُ في الرجال يقاربه وكم من أب لي يا معاوي لم يزل … أغر يباري الريح ما أزوَّر جانبه نَمتهُ فروع المالكين ولم يكن … أبوك الذي من عبد شمس يخاطبه أما الطامة الكبرى فهي جرير، لأنه كان مرسل العنان مطلق اللسان لا يعوقه قيد ولا تكبحه شكيمة؛ فلا هو صاحب سياسة كالأخطل، ولا صاحب نحلة كالفرزدق، ولا وارث مجادة كالاثنين، وإنما كان سوقيا ترعية رزقه الله حدة الذهن، ورقة الأسلوب، وخبث اللسان، وزاده الهراش صلابة عود، وغزارة فكر، ومتانة شعر، وسهولة قافية، فبلغ بالهجاء الفردي والقبلي غايته في الإقذاع والإقناع والقوة؛ وربما كان أول من أكره الشعر على قبول الأساليب العامية المبتذلة في الهجاء كذكر العورات، وهتك المحارم، فاضطر خصومه إلى أن يكلموه باصطلاحه، ويقاتلوه بسلاحه، وأصبح بعده الهجاء في العراق لا يفعل في النفوس إلا مشوبا بهذا القذر؛ وما مهاجاة بشار وحماد إلا صورة من هجاء جرير والفرزدق كان جرير لعاميته وبيئته، وللأسباب التي ذكرناها من قبل في معرض الكلام عن الفرزدق، يصطنع في الهجاء أساليب الدهماء، فيعير الأخطل بالقلف والخنزير والسكر، ويقذف البعيث في أمه وهي أمة سجستانية، ويهاجم الفرزدق في جدته فيتهمها بجبير القين، وفي أخته جعثن فيرميها بابتذال بني منقر إياها على أثر حادثته مع ظمياء بنت طلبة حفيدة قيس بن عاصم، ويشهر بقومه في اخفار عمرو بن جرموز لذمتهم في قتل الزبير، ثم يتسقط عيوبه الصغيرة وهفواته الدنيا، فيجسمها بالمبالغة والتزيد كضربته النابية للرومي، وزيجته القالية من نوار وكان الفرزدق يذهب في هجائه مذهب الفخر بآبائه، فيعدد أيامهم الظافرة، ويجدد مفاخرهم الغابرة، فلا يستطيع جرير مجاراته في هذا المظمار، فيعمد إلى نقض الفخر الصلف بالسخرية اللذعة والفحش الموجع؛ وإذا أخذ جرير هذا المأخذ لا يقام له. أقرأ على سبيل المثال قصيدة الفرزدق التي مطلعها:

стр. 9707

إن الذي سمك السماء بنى لنا … بيتا دعائمه أعز وأطول تجده يقول بعد هذا البيت: بيتا زرارة محتبٍ بفنائه … ومجاشع وأبو الفوارس نهشل لا يحتبي بفناء بيتك مثلهم … أبدا إذا عد الفَعال الأفضل فيجيبه جرير في نقيضته له: أخزى الذي سمك السماء مجاشعاً … وبنى بناءك في الحضيض الأسفل بيتاً يحممّ قَيْنكم بفنائه … دنسا مقاعدهُ خبيثَ المدخل قُتل الزبير وأنت عاقدُ حبوةٍ … تبَّا لحبوتك التي لم تحلل وافاك غدرُكَ بالزبير على منىً … ومَجرُّ جعثِنِكم بذات الحرمل بات الفرزدق يستجير لنفسه … وعجان جعثنن كالطريق المُعملِ ويقول الفرزدق: حلل الملوك لباسُنا في أهلنا … والسابغاتِ إلى الوغى نتسرْبلُ فيجيبه جرير: لا تذكروا حلل الملوك فأنكم … بعد الزبير كحائض لم تَغْسل ويقول الفرزدق: أحلامنا تزن الجبال رزانةً … وتخالنا جناً إذا ما نجهلُ فارفع بكفك إن أردت بناَءنا … ثهلانُ ذو الهضبات هل يتحلحل؟ خالي الذي غصب الملوك نفوسهم … وإليه كان حباء جفنةَ ينقل إنا لنضرب رأس كل قبيلة … وأبوك خلفَ أتانه يتقمل فيجيبه جرير: كان الفرزدق إذ يعوذ بخاله … مثل الذَليل يعوذ تحت القرمل وافخر بضبة إن أمك منهمُ … ليس ابن ضبة بالمعمم المخول أبلغ بني وقبانَ إن حلومهم … خفتْ فلا يزنون حبة خردل أذري بحلمهمُ الفِياش فأنتمُ … مثل الفَراش عشين نار المصطلي ويقول الفرزدق:

стр. 9708

وهب القصائدَ لي النوابغُ إذ مضوا … وأبو يزيد وذو القروح وجرول ثم يمضي يعدد الشعراء الفحول ويقول: دفعوا إليَّ كتابهن وصية … فورثتهن كأنهن الجندل فيجيبه جرير: أعددت للشعراء سماً ناقعاً … فسقيت آخرهم بكأس الأول لما وضعت على الفرزدق ميسمي … وصغى البعيث جدعت أنف الأخطل حسب الفرزدق أن يسب مجاشعاً … ويعد شعر مرقش ومهلل فأنت تلاحظ أن جرير يرغب في الطريق السهل، ويطفئ حرارة الجد ببرودة الهزل، ويقابل الكمي الهاجم في سلاحه ولأمته، وهو في ثوب المهرج وبزته وضحكته ولجرير قدرة بارعة على تتبع الخصم في حياته الخاصة والعامة، فيتسقط أخباره ويتلقط حوادثه، ثم يعلنها في شعره تشهيرا به وفضيحة له: يتزوج الفرزدق من حدراء بنت زيق بن بسطام على حكم أبيها، فيقول جرير: يا زيق قد كنت من شيبان في حسب … يا زيق ويحك من أنكحت يا زيق أنكحت ويلك قيناً في استه حمم … يا زيق ويحك هل بارت بك السوق يا رب قائلة بعد البناء بها: … لا الصهر راضٍ ولا ابن القين معشوق فيقبل أهلها عليه ويقولون له: ماتت، كراهة أن يهتك أعراضهم جرير، فيأبى جرير إلا أن يعلن الحقيقة في قوله: وأقسم ما ماتت ولكنما التوى … بحرداء قوم لم يروك لها أهلا ويعبث الفرزدق في المدينة عبث الشباب، ويعترف بذلك في قوله: هما دلتاني من ثمانين قامةً … كما انقض باز أقتم الريش كاسرهُ فيقول له جرير: تدليت تزني من ثمانين قامة … وقصرت عن باع العلا والمكرم ويضرب الرومي في حضرة سليمان بن عبد الملك فينبو عنه سيفه فيقول له جرير: بسيف أبي روغان سيف مجاشع … ضربت ولم تضرب بسيف ابن ظالم ومثل هذه الأخبار لطرافتها وجدتها تعلق بالنفوس وتسير على الألسنة، كصحف الأحزاب

стр. 9709

تجعل من حياة خصومها اليومية مادة لجدالها، وموضوعا لنقدها ونضالها؛ وجرير لطول ما تمرس بالهجاء وغامر في الخصومة، لاذع السخرية، فاحش الدعابة، مر التهكم، ومن ذلك كان يتضور الفرزدق ويمتقع لونه كلما وردت المربد قصيدة لجرير. وأي تهكم أمض وآلم من مثل قوله: يا تْيمُ إن بيوتكم تيمية … قُعس العماد قصيرة الأطناب قوم إذا حضر الملوكَ وفودُهم … نُتفت شواربهم على الأبواب وقوله: زعم الفرزدق أن سيقتل مربعاً … أبشر بطول سلامة يا مربع! وقوله: والتغلبي إذا تنحنح للقِرى … حك استه وتمثل الأمثالا وقوله: فخلِّ الفخر يا ابن أبي خليد … وأدِّ خراج رأسك كل عام لقد علقت يمينك رأس ثور … وما علقت يمينك باللجام (يتبع) الزيات

стр. 9710

السنيون والشيعة وموقفهما اليوم للأستاذ محمد رضا المظفر أتيح لي أن أتناول (تاريخ القرآن) للأستاذ الزجاني أبي عبد الله، فأقرأ في مقدمته كلمة الأستاذ (أحمد أمين) القيمة في بابها. أقرأها، فيطربني ما فيها من نغمة متواضعة على وتر من إحساس جديد، نعرفه في أستاذ اليوم ولا أكتم الأستاذ أني رجعت إلى ذكريات اختزنت عنه من قراءتي لفجر الإسلام وضحاه. ما آلم هذه الذكرى! فقد خلقت للأستاذ عندي شخصيتين، تباعدتا على قرب العهد بينهما، وكادت تدفعني يومئذ إلى مقالة أضعها بين يديه في (الرسالة) أوفي غيرها: لا تخرج عن عتاب بريء على كتابيه، وعن تشجيع على كلمته الأخيرة وتأييد لها، وهي التي أطمعتني فيه، لننشد صراط الإصلاح المستقيم، ولكني تلكأت لا لشيء، وما أدري لماذا كان؟ ولعله لصلاح! ومنذ أيام كان عدد الرسالة الـ (١١٠) في يدي، فقرأت كلمة الأستاذ محمد بك كرد علي، عن تاريخ القرآن ومقدمته، فطابت لي النبرة وجريت عليها حتى تناولت القلم، وهاأنا ذا أحدثك وأنا شيعي أجري مع سنيين في ميدان الإصلاح لحظيرة الوحدة التي أقامها لنا نبينا محمد ﵌ شهد الله والنبي الأكرم أن من أثقل الأشياء على قلمي أن يقرن بين كلمتي سني وشيعي: يتقارنان تقارن افتراق، ويتصلان اتصال تنافر، كقطبي المغناطيس المتماثلين، وقد خلفت لهما السياسة الغاشمة هذا التنافر الشائن يوم خلقت، وآن لنا أن نخجل أمام الله ورسوله من استمرارنا على هذا الشنآن بين أعداء تستمر على مطاردتنا وتستغل افتراقنا. وما أجدرنا اليوم أن نضرب على هاتين الكلمتين في قاموس اللغة، فنستريح ونريح، ونعود أمة إسلامية واحدة كما أرادها الرسول، أو كما أرادها الله آمنة مطمئنة خير أمة أخرجت للناس! يرجو الأستاذ (أحمد أمين) في مقدمته - بعد أن ألمع إلى بعض أسباب الخلاف - (أن يفكر عقلاء الفريقين في سبيل الوئام، ويعملوا على إحياء عوامل الألفة وإماتة الخصام، ويتركوا للعلماء البحث حرا في التاريخ، ويتلقوا النتائج بصدر رحب) ويتابعه الأستاذ (محمد بك

стр. 9711

كرد علي) فيقول: (ورأي صديقي هو رأي فريق كبير من علماء المسلمين اليوم) ثم ينقل لنا خطاب العلامة شيخ الجامع الأزهر، ويقترح أخيرا أن يكتبوا كتابا في منشأ هذا الخلاف بين السنة والشيعة والطرق العملية لإزالته وأنا أقترح هذا الاقتراح نفسه على علماء النجف الأشرف عاصمة الشيعة الدينية والعلمية، ونقترح جميعا على الفريقين أن يتفاهموا جميعا قبل كل شيء، ولكن كيف نحقق هذا الاقتراح ونفرضه عليهم فرضا؟ يجب أن نعمل له! فهل نستطيعه ولا نجعله مثار نزاع جديد؟ وأؤكد لك أن نشدان علماء الشيعة هو هذه الوحدة المضاعة، يسعون لها ما سنحت الفرصة، وما عرض لها الزمن، احتفاظا بجامعة الإسلام العليا، وتوحيدا لكلمة المسلمين في إبان تأسيس الحكم الوطني في العراق (والشيعة أكثرية العراق) نادى علماء النجف بالوحدة عاليا، وغالوا في ذلك إلى أبعد حد، وبذلك استطاعت الأمة العراقية أن تجعل من نفسها شعبا حيا وحكومة صادقة ولم يكن أبناء الأقطار العربية الأخرى - وخاصة في مصر - يحسون بواجبهم إزاء العراق الفتي المتطلع إلى سحق العهد التركي البالي، فكانت لهجات متتابعة، ووخزات نافذة تلقتها صدور الشيعة من مصر وسوريا، تلح عليها إلحاحا، وتكدر عليها صفو الاتفاق أيما تكدير، وكان من بينها فجر الإسلام وضحاه (وأرجو ألا تخدش هذه الكلمة عواطف الأستاذ مؤلفهما، فإنها الصراحة نريد أن نتبعها) تعززها الأقلام المستأجرة في العراق، وبعبارة أصرح أقلام الاستعمار، بينما العراق في ضرورة ملحة إلى الاتفاق بين سنيه وشيعيه، ليرتقي سلم الاستقلال المنشود إنما هي واحدة تجب رعايتها اليوم على كل باحث عن الشيعة من إخوانهم السنيين، غفل عنها في فجر الإسلام وغيره. هي واحدة تحل كثيرا من الشغب اليوم نحن نفهم من كلمة الشيعة إذا قلناها: الإمامية الأثنى عشرية خاصة، لأنهم الأكثرية من بين فرق شتى، وذوو المؤلفات والمعارف التي يقال عنها مؤلفات الشيعة ومعارفها، ولأنهم اليوم شيعة العراق وسوريا وإيران والإمارات العربية على الخليج الفارسي والهند وأفغانستان، وما إلى ذلك، وهناك الزيدية في اليمن والبهرة في الهند. أما الفرق الأخرى التي يعددها

стр. 9712

مثل الشهرستاني في الملل والنحل وغيره، فقد أصبحت في خبر كان ولا يعرف لها أي أثر في هذه البلاد المترامية الأطراف، إلا بعض فرق لا يسمع لها حسيس في المجتمع الشيعي ولا غيره كالغالية فإذا طوح القلم بالكاتب اليوم عن الشيعة، وقرأ ما كتبه السلف عنهم، خلط الحابل بالنابل، وألصق عقائد تلك الفرق البائدة بعامة الشيعة، وعلى الأصح بالشيعة بالمعنى المفهوم الآن، فكانوا في نظره مرجئة، وغالية، ومجسمة، ومجبرة، وسبئية، وزركشية، وما إلى ذلك وهذا ما ينعى على الباحث المتتبع، وهذا ما يثير غضب أولئك الشيعة الأحياء، من غير ما حاجة تدعو الكاتب ولا ضرورة، وما أجدر الكتاب أن ينتبهوا اليوم لهذه الناحية، فلا يثيروا كوامن أحقاد شائنة بذرتها السياسية لأغراضها في زمن بعيد لسنا أبناءه، فلا يصطدم بآراء أفراد - لا فرق - لا نعرف عنهم كثيرا، ولا يصح أن يدخلوا تحت هذا الاسم. وعند ذلك قد نوفق إلى التفاهم فالتقارب حيث تفرضه الاخوة الإسلامية، ويكون بحثنا نزيها يتطلب الحقيقة ليس إلا، ليتلقى الطرفان بصدر رحب - على ما يقوله الأستاذ أحمد أمين - كما يتلقون النتائج في أي بحث علمي وتاريخي، وكما يقع البحث بين علماء الشيعة أنفسهم، وبين مذاهب السنة أنفسها، ما دامت السياسة بعيدة عنه ومادام بعيدا عنها وإذا لم نستطع أن نصل إلى ما نتمناه من حمل علماء الأزهر وعلماء النجف على هذه الطريقة الحميدة، وعلى هذا العمل المبرور، فأكبر الظن أن من السهل علينا أن لا نذهب بعيدا، فنقترح على (الرسالة) الهادية أن تفتح لنا بين أعمدتها سبيلا للبحث النزيه، وتعززنا بشجاعتها الأدبية، فلا تصغي إلى سخط العامة - إذا ما كان - لنستطيع أن نلقي من أطمار الماضي ما رث وبلى وفي النجف عندنا جمعية دينية علمية أسست هذا العام باسم (منتدى النشر) تسعى لهذا الواجب وتدعو إليه، (وهي تضم طبقة صالحة من علماء النجف وفضلائها)، وبصفتي كاتبها العام أذيع عنها هذه النية المحمودة، وأذيع عنها استعدادها للعمل في هذا السبيل. ولقد كان لما كتبه الأستاذان (أحمد أمين) و (محمد بك كرد علي) الوقع الجميل في نفوس أفرادها، ورحبوا بهذا التفكير العالي الكبير وفي مصر (لجنة التأليف والترجمة والنشر) الموقرة، ففي استطاعة الجمعيتين أن يقفا في

стр. 9713

ملتقى الطريقين، ليأخذا بأيدي الباحثين إلى الحد المعقول، ويتلقيا النتائج للعمل عليها ونشرها في بلاد الله، كما نريد أن نقترحه على علماء الأزهر والنجف ندعو إلى هذا عقلاء قومنا ليضعوا حد لهذه المهازل، وليقاروا على خطة واحدة لحل الخلاف. وعندي أن يسدل حجاب كثيف على الماضي البعيد، فيما يعود إلى الحوادث التاريخية التي لا تمس حياتنا العملية اليوم، فينحصر البحث في نقطة عملية لا غنى لنا عنها كل ما عند الشيعة أنها تتمسك بعترة الرسول ﵌، لأنهم سفينة النجاة، ولكن ليس كعقيدة وموالاة فحسب، فإن هذه عقيدة كل مسلم اعتنق دين الإسلام مصدقا لما جاء به النبي (ص)؛ وإنما تعني من التمسك بهم أن تأخذ بأقوالهم في أحكام الفقه وترجع إليهم في دين الإسلام، ولا تعرف للتمسك بهم معنى غير هذا، وتدلل على أن ما جاء به النبي ورثوه عنه، وعلمه مكنوز عندهم وهم أمناء عليه معصومون، لا كسائر الرواة عنه وعنهم، يروون الأحاديث كنقال يخطئون في النقل ويصيبون، ويصدقون ويكذبون وبهذا بعدت الشقة العملية بينهم وبين إخوانهم أهل السنة، وكثر الخلاف في الفروع الفقهية؛ فكان وضوء السنة وكان وضوء الشيعة، وكانت صلاة السنة وكانت صلاة الشيعة، وكان وكان فان استطعنا أن نتفق ونحل هذا اللغز بيننا حلا مرضيا، فقد وفقنا إلى كل شيء، واستطعنا أن نوجه جبهة الإسلام، كما يشاء لنا ديننا دين القيمة، وما هذا على الرجال المخلصين بعزيز النجف الأشرف محمد رضا المظفر كاتب (منتدى النشر) العام

стр. 9714

النقد والمثال لغة الشعر للأستاذ أحمد الزين من أهم ما تتفاوت به منازل الشعراء، وتتمايز درجاتهم في الشعر، وتتفاضل به أذواقهم الفنية في أداء المعنى وبلوغ الغرض، ويختبر به مدى ثقافاتهم البيانية، ويعرف منه مقدار مطالعاتهم الأدبية، ونفوذ كل منهم إلى حر الكلام وخالصه، وارتوائه من صفو البيان وصريحه، وحفظه لأحسن ما قرأ، وحسن استعماله أحسن ما حفظ من الكلمات والعبارات، هو ذلك الثوب البياني الذي يلبسه الشعراء معانيهم، وتلك الصورة اللفظية التي يبرزون فيها أغراضهم، فبحسب ما يكون ذلك الثوب مقدرا على المعنى، محيطا بأطرافه، مقيسا على أجزائه، وتكون تلك الصورة اللفظية مظهرة للغرض، مبرزة لخفايا المعنى، مصورة لدقائق الفكرة، وما يودعه الشاعر بفنه في تلك الصورة من الحياة والسحر، وما يترقرق في الكلمات والعبارات من ماء الجمال، ورونق الحسن، وطلاوة المنطق، أقول: بحسب ذلك كله يكون أثر الشاعر في القلوب، وسلطان شعره على قرائه، ومنزلته في الفن بين نظرائه. وليس المراد بتحسين الألفاظ وتجميل العبارات هو مجرد جريانها على قواعد اللغة، وموافقتها لنصوص المعجمات، فليس كل ما تبيحه اللغة وقواعدها يباح في الشعر استعماله، ويسوغ للشعراء التعبير به، إذ الشاعر إنما يقصد في شعره إلى الروعة والجمال وعدم الابتذال أكثر من قصده إلى مجرد جواز الاستعمال. وقد سبق أن أوضحت ذلك في بعض الفصول التي كتبتها من زمن بعيد فقلت ما نصه: إنه مما لا ينازع فيه ذو ذوق أدبي دقيق أن للشعر لغة خاصة يتميز بها عن غيره، إذا فقدها لا يسمى شعرا بل يسمى كلاما عروضيا، أي أنه يشبه الشعر في وزنه وقافيته، دون ألفاظه ولغته، كما أن لكل من الكتابة والخطابة ألفاظا خاصة يتميز بها كل منهما عن صاحبه، ويتميزان بها عن الشعر؛ والفروق الدقيقة بين ألفاظ هذه الصناعات الثلاث وعباراتها لا يدركها إلا من له ذوق صحيح وملكة فنية في إحدى هذه الصناعات أو في جميعها. وقد كان بعض النقاد في العصور الأولى يسمع الشعر الجيد فيفطن بجودة حسه إلى ما فيه من ألفاظ غير شعرية، فيحكم بأنه شعر شاعر أو شعر كاتب؛ وكتب الأدب ملأى بهذه الطرائف. وقد فطن علماء الأدب المتقدمون

стр. 9715

إلى هذه الفروق فأفردوا ألفاظ الكتاب وعباراتهم بمعجمات خاصة، منها كتاب الألفاظ الكتابية لعبد الرحمن بن عيسى الهمذاني، وجواهر الألفاظ لأبي الفرج قدامة بن جعفر وغيرهما؛ وفي كتاب زهر الآداب للقيرواني فصول كثيرة خاصة بألفاظ الكتاب وعباراتهم في كل غرض من أغراض الكتاب والمنشئين في ذلك العهد. ولم أجد من العلماء فيما راجعت من أفراد ألفاظ الشعر والخطابة بمعجم خاص، وذلك يرجع فيما أظن إلى أن ألفاظ كل صناعة من هذه الصناعات الثلاث لا تتيسر معرفتها معرفة صحيحة إلا لأهلها المشتغلين بها، والمتوفرين عليها، بل فحولها المبرزين، وأعلامها المتميزين، لا لكل من أشتغل بها، فلا يمكن الكتاب أن يدركوا من أسرار لغة الشعر والخطابة ما يدرك الشعراء والخطباء أنفسهم منها، وكذلك الشعراء لا يدركون من دقائق ألفاظ الكتابة وألفاظ الخطابة ما يدركه الكتاب والخطباء أنفسهم من ذلك. وإذن فلا يستطيع تدوين لغة الشعر ولغة الخطابة غير الشعراء والخطباء أنفسهم؛ ولما كان أكثر الشعراء والخطباء لا يعنون بتأليف الكتب وتصنيف الرسائل عناية الكتاب بذلك لقلة حذقهم بصناعة التأليف فقدت المكتبة اللغوية العربية قسمين عظيمين من هذا النوع الطريف المفيد من المعجمات وإنك لتجد فقدان اللغة الشعرية في شعر كثير من شعراء عصرنا ممن لا يرون للبيان اللفظي أية قيمة في الشعر، ويرون المعاني هي كل شيء، ولو أديت بأسوأ لفظ وأضعف بيان وقد سبق في بعض الفصول أن ذكرت للقراء قول بعضهم في حسن النظم والصياغة اللفظية ما نصه: إنه كمال أدنى إلى النقص، وإحسان أقرب إلى الإساءة. وقول الآخر في حسن الصياغة اللفظية أيضا: لقد انقضى عهد الثرثرة والصياغة اللفظية ولن يكون الشعر الجديد شرابا يسقى بالملعقة في غير جهد لمتناوله! فتراه يسمي حسن البيان والصياغة اللفظية ثرثرة، ويقول: أن عهد ذلك قد انقضى! كبرت كلمة يقولها هذان الكاتبان وأمثالهما، إن يقولون إلا خطأ يمليه العجز والغرض والغريب أن نسمع ذلك في عصر يتعاون فيه الأدباء والعلماء والمفكرون مع أولي الأمر في جميع الأقطار العربية على ترقية اللغة ونشر الثقافة البيانية بإنشاء المجامع اللغوية، وطبع أمهات الكتب الأدبية، ودواوين فحول الشعراء المتقدمين

стр. 9716

فلا أدري بعد ذلك أي الأمرين أحق بأن ينقضي عهده، ويمحى أثره، هل هو التكلف والإبهام والتعقيد المحير للإفهام، أو هو البيان المشرق، والأسلوب المستقيم السمح، والصياغة الصافية الواضحة؟ أحمد الزين

стр. 9717

العامية والعربية ألفاظ صحيحة فلماذا لا تستعمل؟ للأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني يتوهم كثيرون من الناس أن اللغة العامية ليست من العربية في شيء، ولهذا يحرصون، حين يكتبون، على الفرار من ألفاظها، ويذهبون يتكلفون، فتكون النتيجة الأغراب والمباعدة ما بين الكاتب والقارئ؛ ومن أجل هذا استفاض الاعتقاد بأن لغة الكتابة غير طبيعية، ومن هنا ظهرت الدعوة إلى اتخاذ العامية في الكتابة، ليفهم الناس بغير مشقة، ولو أن العامية درست لما كان لهذا كله محل، وقد سمعت أن المرحوم أحمد تيمور باشا وضع معجما للغة العامية ردها فيه إلى أصولها العربية، ولكنه لم ينشر، ولا علم لي بما كان من أمره وقد عثرت في مطالعاتي على مئات ومئات من الألفاظ العربية يستعملها العامة وإن كانوا يحرفونها قليلا في النطق، وسأورد في هذا الفصل طائفة منها بلا ترتيب على سبيل التمثيل ليرى القراء أن اللغة العامية جديرة بالعناية، وأن اتقاء ألفاظها كلها خطأ، أو جهل، وقد جريت فيما أكتب، على استعمال الصحيح من الألفاظ العامية، واكتفيت بذلك ولكني أرى الآن أن التنبيه واجب، مخافة أن يعتقد بعض القراء أن هذا مني عن خطأ لا عن عمد فمن ألفاظ الطعام وما إليه: الدُّقة - الملح مع ما خلط به من الأبزار أو الملح المدقوق العُجة - الدقيق المعجون بالسمن ثم يشوى أو يقلى، والعامة على عجة البيض الكباب - اللحم المشرح الوجبة - الأكلة السُّفرة - المائدة القصعة - الجفنة السُّخام - السواد الذي يكون على آنية الطبخ من فعل النار الطاجن - إناء من خزف، يقلى فيه الطعام العصيدة - طعام معروف في مصر، من دقيق وسمن البرمة - والبرام - قدر وهو مشهور

стр. 9718

عقد السكر - طبخه حتى ثخن الشريحة - اللحمة المرققة الهبرة - من اللحم البضعة لا عظم فيها، وهبر اللحم اقتطع منه قطعة كبيرة التسميط - في رأس الخروف وغيره، كشط الشعر عن الجلد لطبخه في الماء اللَّهوَجةُ - لهوجت الطعام لم أنضجه، والعامة تستعمل اللفظ مجازيا شاط الطعام وشاطت آنية الطبخ، احترق سغسغت الطعام أوسعته دسما وأكثرت من السمن فيه سلق اللحم - طبخه في الماء طبخ ومشتقاته معروفة وهذه كلها ألفاظ عربية، يستعملها أعرق الناس في العامية. ومن قبيلها أيضا في غير هذا الباب: الحلوان - ما تجعله للرجل من الأجر على عمل يؤديه لك الممصوصة - الفتاة المهزولة الزغزغة - الدغدغة الزّعر - قلة الشعر، فهو أزعر، ويستعمل للذيل عند العوام صوفة القفا - الشعر السائل في نقرته الشعر المفلفل - إذا كان شديد الجعودة المدرك - الغلام بعد الاحتلام فروة الرأس - الجلدة لبد شعره - ألزقه بشيء تكرش الوجه - تقبض جلده العمش - ضعف البصر، والرجل أعمش عظمة اللسان - ما فوق أصله الحنك - سقف أعلى الفم الورك كالورك - معروف

стр. 9719

الحق - مغرز رأس الفخذ في الورك الركبة - ملتقى الساق والفخذ تشيطن الرجل - فعل فعل الشيطان الديوث - الذي يغضي على ما يرى من هنات أهله الدردبة - الجري الذي فيه دب الموالسة - المخادعة المذاع - الكذاب، والعامة تستعملها بالزاي البرطمة - كلام الغضبان البرجمة - غلظ الكلام الدندنة - الكلام أو الغناء بصوت خفيض الدبدبة - صوت كوقع الحوافر على الصلب من الأرض الطقطقة - الاسم من طق، حكاية لصوت الحجر بجم - سكت من عيّ أو فزع أو هيبة فَرشح الرجل - أصله أن يثب وثبا متقاربا، وصار يستعمل للمباعدة بين الساقين نَهَجَ - تتابع نفسه من الإعياء والتعب السكة - الطريق اكتن الرجل - صار في كُن تربع - جمع قدميه في جلوسه ووضع إحداهما تحت الأخرى السلفتان - امرأتان تتزوجان أخوين تفرعن - صار ذا فرعنة، أي نكر جهاز العروس - ما تحتاج إليه في زواجها العزبة - التي لا زوج لها سبَّع - أقام سبعا الخيش - نسيج خيوطه غلاظ، ويكون من مشاقة الكتان، والمشاقة أيضا صحيحة تلفع - بمعنى تلحف، والتفع أيضا، والعامة تستعمله على حقيقته وعلى المجاز

стр. 9720

العباية - كالعبائة تماما الاذة - تكون من الحرير، والعامة تستعملها للقطعة من الحرير يلفونها على الرأس الكنار - للثوب شقة منه تكون في طرفه القطيفة - هي المخمل الملاءة والملاية - الربطة التي تستتر بها المرأة في خروجها البرنس - ما يلبسه المرء بعد الاستحمام الفوطة - وجمعها فوط، معروفة المنديل - معروف أيضا الطرطور - القلنسوة الطويلة التكَّة - رباط السراويل، وجمعها تِكك قوَّر القميص - جعل له جيبا الدرابزين - للسلم، معروف البطانة - للثوب خلاف الظهارة الخياطة - للثياب الشَّكٌّ - الخياطة الخفيفة، في أول الأمر كفَّ الثوب - خاط حاشيته الكُفَّة - ما استدار حول الذيل ثوب مهندم - مظبوط الهدم، والجمع هدوم - الأكسية دَعَك الثوب - ألان خشونته، والعامة تستعمله على المجاز السخْتيان - جلد الماعز القبقاب - نعل من خشب، والعامة تضم أوله الصندل والصندلة - شبه حذاء، والفعل تصندل الشيء المسيخ - الذي لا حقيقة لطعمه الفطور - ما يفطر عليه المرء في العادة أو بعد الصيام

стр. 9721

القرن - ناحية الهامة المفرطح - العريض السِّقط - الولد يوضع لغير تمام الطلق - وجع الولادة الأجرد - الذي لا شعر عليه، والعامة تقول الأجرود نَسَل الشعر والصوف والريش وغيره - سقط البعبعة - تتابع الكلام في عجلة وبصوت أجش الصُفارة - كالزمارة كركر - وقرقر - رفع صوته بالضحك هأهأ - قهقه وهناك آلاف من الألفاظ أهملتها لأنه لا خلاف على صحتها، مثل، المرود، والمكحلة، والمشط، والضفيرة، واللحاف، والزر، والعروة، والكم، والإبرة الخ الخ، وقد أهملت هذا الضرب لأني أردت أن أسوق الألفاظ التي يتوهم الناس أنها غير عربية وسأورد طائفة أخرى في فصل غير هذا. ولو عني رجال المجمع الملكي للغة العربية بمثل هذا البحث لأراحوا أنفسهم من عناء شديد يكابدونه، ولكان هذا أولى مما يعالجونه من النحت وما إليه وليسروا الأمر على الناس. إبراهيم عبد القادر المازني

стр. 9722

في بلاد اليونان قدر للأديب أحمد الطاهر وقفنا خاشعين صامتين مطرقين، وأنصتنا إلى الكاهن يتكلم في وناء وتؤدة ووقار: يقص علينا من التاريخ قصصا. وما كنا نفهم من يونانيته ونحن مصريون شيئا، ولكن ظلمة المكان، ورهبة المعبد، وخشوع السامعين من أهل اليونان، وصوت الكاهن يرن تحت هذه القبة العتيقة، كل ذلك قد استولى علينا فأنصتنا كالسامعين وأطرقنا كالفاهمين، وتتبعنا حديثه كما لو كان يتكلم بلسان عربي مبين وانتهى الكاهن من قصصه وصافحناه، وشكرنا له فضله وخرجنا وعلى وجوه اليونانيين بما سمعوا من الكاهن آثار مقروءة من السرور والألم، والرضا والسخط، والفخار والحسرة، مجتمع بعضها إلى بعض قلت لصاحبي اليوناني المتمصر: (عجل فأنني جدا مشتاق إلى فهم حديث الكاهن، وما أحسبه إلا لذيذا ممتعا) قال: (إنه حقا لذيذ ممتع، وسأقصه عليك كما سمعته من فمه. (وسكت برهة كأنما يستجمع ذكريات، ثم قال: (أنظر إلى هذه الشجرة العتيقة القائمة في فناء الدير!) فنظرت إليها وقلت: (ليست إلا شجرة عتيقة قائمة في فناء الدير!) قال: إنها صفحة من صفحات التاريخ قرأها لنا الكاهن، وقرأ لنا صفحات أخرى منها دير آخر يسمى ميفاسبليون ممرنا عليه في طريقنا من أثينا إلى دير أجيالافرا الذي نحن فيه. ولا تنس قبل أن أقص عليك الحديث أننا على قمة جبل رفع هامته في الفضاء ألف متر، ثم استقر ثم اكتسى رداء أخضر من شجر الصنوبر، وطاول به جبال سويسرا وازدهى به من بين بقاع العالم التي خلعت عليها الطبيعة جمالها. واعلم أن هذا المكان. . .) قلت: (يا صاحبي! حنانيك لا تطل علي ولا تباعد بيني وبين الحديث فما طلبت وصف ما رأيت وما رأيت، وأنا وأنت مهما حاولنا وصف المكان فلن نجعل له من ألفاظنا صورة تصلح لأن تدنو من حقيقته، وحسبي وحسبك أننا متفقان على أن الله قد خلق هذا المكان فيما خلق فأبدع خلقه، وصوره فيما صور فأحسن تصويره، وجعل في الناس صدق النظر وحسن التمييز فتراموا عليه من كل حدب وصوب ينعمون بجماله ويسبحون بحمد خالقه) قال: (ولكنك لا تفهم

стр. 9723

كلام الكاهن ولا تتذوق حديثه إلا بعد مقدمتي الطويلة فأصبر على ما لم تحط به خبرا. . . إن هذا المكان لم يكن الوصول إليه في الزمن السالف يسيرا كما هو الآن: فهذه الجبال التي يزحف عليها قطار السكة الحديدية جاهدا كالأسير يرسف في الأغلال، ولا يصل إلى عليائها إلا بأمراس من حديد وأسنان كأسنان المشط ترفده كلما ارتفع، وتصده كلما ارتد أو هم أن يقع، هذه الجبال لم يكن من السهل أن يرقى إليها الإنسان، ولا أن يخترق جوفها كما يفعل الآن، ولا أن تطأ هاماتها الأقدام، ولا أن تفسد جمالها هذه المدينة القائمة على الحديد والنار، ولا أن يعكر صمتها ويغض من جلالها صخب الناس في الليل والنهار. ولذلك اتخذها الرهبان مثابة، ولجأوا إليها يتعبدون، وما أحسب الجبال قد برمت بهم وقد وجدت بينها وبينهم صلة وشيجة من الصمت والوقار والرهبة والتنزه عن هوان المدنية، إذا علمت هذا فأعلم أن الجبال والرهبان قد أنس بعضهم ببعض وقطعت الطبيعة ما بينهم وبين سائر الخلق من أسباب، واتخذ بعضهم اجيالافرا التي نحن فيها مثابة ومتعبدا، أقاموا فيها ديرهم وبيعتهم الصغيرة التي سمعت فيها حديث الكاهن، واتخذ بعضهم ميفاسبليون التي مررنا بها مثابة ومتعبدا آخرين وأقاموا فيها ديرهم وبيعتهم الصغيرة؛ وسكن الرهبان إلى الجبل، وسكن الجبل إلى الرهبان ولكن ظلم الإنسان للإنسان لا تنقطع أسبابه، ولا تنسد أبوابه، ففي عام ١٨٢١ الذي بدأ الكاهن منه حديثه كان أهل اليونان قد أضناهم الضيق، وأعيتهم الحيل، وأمضهم الظلم، مما يلقون من عسف الترك وحكمهم الجائر. ففي غسق الليل مشى رؤساء القبائل وكبار الرهبان بعضهم إلى بعض يهمسون بالثورة والتمرد، وما كانوا ليستطيعوا إعلان الثورة أو الاصحار بالتمرد، بل ما كانوا ليستطيعوا أن يعلنوا ما دون الثورة والتمرد مما يسمى شكوى أو رجاء أو استرحاما أو ما دون ذلك من ألفاظ الذلة والهوان. ولقيت الدعوة الخافتة من النفوس استعدادا. واجتمعوا تحت ستار العبادة في هذا المكان ليدبروا أمرا: قال الأحبار: (نحن قادة الثورة وحاملو لوائها باسم الأمة واسم الدين.) وقالت العشائر: (آمين!) وقال كل حبر من الأحبار: (أنا قائد القواد ولوائي هذا هو اللواء الأعظم بمالي من المكانة بين الحاضرين)، فدبت بينهم الشحناء وانقسموا شيعا بعضهم لبعض عدو ثم خرج إليهم كاهن هذا الدير وفي يده لواء واحد وقال: (لا لواء إلا هذا اللواء الأعظم:

стр. 9724

عليه صورة المسيح، أتجدون خيرا منه تستظلون بظله وترتدون إلى فيئه؟) قالوا: (إنا معك وإنا لك لأجناد مخلصون) وانضموا إليه خاضعين يستظلون بلوائه الكنسي، وهذا هو اللواء الذي كان الكاهن يشير إليه وهو يحدثنا، وهذا النصب الذي تقيمه الحكومة اليوم إنما يقام تمجيدا لهذا المكان وتخليدا لهذه الذكرى؛ فهنا اشتعلت نار الثورة الأولى، وهنا اتحدت القبائل والأحبار، وهنا وضع أساس استقلال البلاد، وجاهد القوم أعواما ذاقوا فيها حلاوة النصر ومرارة الخذلان حتى استنجدت الدولة العثمانية ببطل مصر إبراهيم باشا؛ وما هي إلا أيام حتى بدا القائد العظيم من فوق هذه الجبال، ثم انصب على هذا الدير ووقف بجواده تحت ظل هذه الشجرة العتيقة، وقد انتشرت جيوشه على الجبال في سفحها وعلى قممها وفي وديانها، وأحاطوا بالمكان إحاطة السوار بالمعصم. قال إبراهيم باشا: (احرقوا هذه البيعة حتى يخضع من فيها من الثوار) فحرقوها وخضع من فيها من الثوار، وارتد ميمما البيعة التي في ميفاسبليون، وكأنه عز عليه أن يمضي في حرق البيع والأديرة، فأرسل إلى رهبانها كتابا قال فيه: (إما أن تخضعوا أو أحرق بيعتكم كما أحرقت بيعة اجيالافرا) واجتمع الأحبار يتشاورون، ثم دفعوا إليه بكتاب يقولون فيه: (إنك إذا حاربتنا ثم انتصرت علينا فما في النصر ما يدعوا إلى الزهو والفخار، فما انتصرت إلا على بضعة نفر من الرهبان والأحبار، وأنت ذو حول وقوة بما جمعت من جيوش جرارة، وخيل كرارة، وأسلحة ممشوقة، ودروع محبوكة، وأما نحن فعددنا خفيف، وشأننا ضعيف، ليس بأيدينا من سلاح إلا هذه المسابح نسبح الله عليها في همس ووناء، وليس على أجسامنا إلا هذه المسوح السوداء، نحمي بها أجسامنا من قر الشتاء، ولا مركب لنا في هذه الجبال إلا أقدامنا الكليلة أو بغالنا الهزيلة، وإن قدر لنا أن ننتصر عليك، ونحن على ما ترى من ضعف وهوان، فما أشده من عار، وما أمره من انكسار، فتدبر أمرك وأمرنا، واقض بالرأي الأصيل) قرأ إبراهيم خطاب الأحبار فاستشاط غضبا وأمر بالجزيرة أن تحرق كلها بما وسعت. وأشعل الجند فيها النار، والنار إذا امتدت في هذه الجبال وغابتها لا تبقي على شيء بعدها ولا يصدها شيء. إلا أن يرسل الله من السماء أمطارا، أو يجري الوديان أنهارا. واحترقت الجزيرة وكل ما في الجزيرة: إلا هذه الدير الذي يسكنه هؤلاء الأحبار، فما امتدت إليه

стр. 9725

شرارة من نار، وبقي معتصما بمكانه العالي، يهزأ من فعل النار ولا يبالي! وقال الناس: (حقا تلك إحدى المعجزات!)، مضى على هذا الحادث مائة سنة وعشر سنين حتى كان عام ١٩٣٤، وإذا بالدير وبيعته تندلع منهما النار، لا يعرف لها سببا، ولا يصد لها لهب، وأصبح الناس فما وجدوا إلا هشيما تذروه الرياح. وفزعوا يحاولون إنقاذ بعض ما حوى الدير من تحف ونفائس فأنقذوا شيئا قليلا. وبحثوا عن كتاب إبراهيم إلى الأحبار وصورة كتاب الأحبار إلى إبراهيم فإذا النار لم تبق على واحد منهما. وماذا تغني كتب القواد والأحبار، إذا حم القضاء واشتعلت النار؟ أليس حديث الراهب لذيذا وعجيبا؟) قلت: (وأعجب ما فيه هذه النار: أشعلها بالأمس إبراهيم فكانت على الدير بردا وسلاما، وأشعلها اليوم القدر فتركته حطاما.) اليوزباشي أحمد الطاهر

стр. 9726

في الأدب الإنجليزي ٢ - الكائنات الغيبية في شعر شكسبير بقلم خيري حماد يجب علينا لفهم هذه الروح في شعر شكسبير أن نطلع على الحالة العقلية التي كانت تسود عصره والعصور التي سبقته. قال كلارك: (لقد كان هناك عدد عظيم من الملحدين والمشككين وجدوا في عصر كان بمثابة الخطوة الأولى في ترقية العلوم المعروفة لدينا الآن. فقد كان تلاميذ كوبرنيكس الفلكي يتساءلون ويتجادلون في كل ما عرف من النظريات الفلكية من قبل، وكان هناك نفر آخر من الكيميائيين دحضوا حجج مدعي الكيمياء القدماء، ولكن النضال لم يكن مقتصرا على جماعة المجددين فحسب، بل وجد هناك نفر آخر من القدماء المقلدين الذين كانت أقصى غايتهم مقاومة هذا التيار الجارف. وإن من الغرابة أن نجد الملكة اليصابات تستشير المنجمين والدجالين في تعين الوقت المناسب للاحتفال بتتويجها ملكة على إنكلترا) ومن حسن حظ العلم قيام عدد من المفكرين أثبتوا فساد كثير من النظريات القديمة المألوفة فبزغ نجم رينولد سكوت لما هاجم عددا من العقائد الدينية المألوفة، ولم يقتصر هذا التجدد على المفكرين من رجال العلم بل تعداه إلى رجال الكنيسة أنفسهم فظهر هناك من رجال الكهنوت عدد حاول إصلاح الديانة مما طرأ عليها من الخرافات والأباطيل أما الخرافات فكانت تسيطر على جميع مناحي الحياة في ذلك العصر. فكان السحر بطرقه المختلفة مهنة تمتهنها النساء اللواتي كانت تغلب عليهن صفة الذبول والكبر وبشاعة المنظر. وكان معظم هؤلاء النسوة من الشريرات القذرات ممن كان أقصى غايتهن إيقاع الضرر وبذر المساوئ في المجتمع البشري. غير أنه وجد في نفس العصر بعض ساحرات كان همهن شفاء المرضى والقيام بخدمات حسنة للمحتاجين والمهددين بالأخطار قام الناس على اختلاف طبقاتهم يناوئون السحر والسحرة فهاجموا الساحرات في عقر دورهن وكانوا يأخذونهن راسفات في الأغلال إلى السجون حيث ينتظرن محاكمتهن أمام

стр. 9727

مجلس من القضاة الذين كرهوا السحر وما يأتي به أمثال هؤلاء الشريرات من موبقات وآثام. فكانوا يعذبونهن بأشد أنواع العذاب. فمنهن من ربطن إلى جذ الأشجار حيث ذقن الموت جوعا، ومنهن من كان يطلب إليهن إعادة الصلوات قبل إلقائهن في النار المضطرمة وكان من السائد على أهل ذلك العصر أن ينظروا إلى السحرة كأنهم على اتصال بالشيطان. قال كلارك في كتابه: (أن من أبغض الأمور التي كان يتعاطاها السحرة في عصر اليصابات وما قبله ذلك النوع من السحر الذي كان يعرف بالعين الشريرة فكان من جملة معتقداتهم أن في استطاعة الساحرة أن توقع الضرر أو تميت الناس بمجرد إلقائها عليهم نظرة من نظراتها النارية؛ فكان العمل الذي كان يعتبر من أشد أنواع السحر ضررا هو بمثابة الحجر الأساسي في بناء علم التنويم المغناطيسي المعروف لدينا الآن) وكان هناك نوع آخر من السحرة أقل ضررا وخطرا، ذلكم هو نوع العرافين أو المنجمين الذين كان الناس يقصدونهم كما يقصدون قارئي الكف في يومنا هذا. فكانوا يوهمون قاصديهم باتصالهم بالسماء والعالم العلوي فيقرأون المستقبل في الماء والهواء، في النار والدخان. وكثيرا ما كانوا يضطرون إلى استشارة أرواح الأموات أو تأويل صياح الديكة في تفسير ما يرونه من حقائق وأحلام أما العفاريت فكان الناس يؤمنون بوجودهم الإيمان كله، وما هم إلا بقايا الأشخاص الخرافيين الذين عاشوا في عصر من العصور السالفة وأصبح في استطاعتهم بعد ذلك أن يهيمنوا على الإنسان فيحولوا أعماله حسبما يريدون وأنى يشاءون. نعم كان هذا الاعتقاد سائدا لدرجة أن أصبحت الكنيسة تعلم أبناءها أن لكل رجل في هذا العالم رفيقا من عالم آخر يحميه ويقيه غائلة الشر وكان هنالك نوع آخر من الخرافة هو عالم الأشباح والخيالات. فما الشبح إلا روح غادرت جسدها المائت وانتقلت من عالم الأموات إلى عالمنا هذا ترفرف في الفضاء لتحقيق غاية من الغايات شريرة كالانتقام والقتل، أو خيرة كحماية البشر وصد الآلام عنهم. أشباح مرئية وأشباح غير مرئية محلقة بأجنحتها في الفضاء فتملأ العالم خيالات لا يحصر عددها ولا يعرف مقدارها

стр. 9728

عصر كله خرافات تتسلط على عقول أبنائه الأوهام، ذلكم هو عصر اليصابات الذي يصفه كلارك بقوله: (على الرغم أن ذلك العصر كان عصر بداءة وتمهيد للعلوم المعروفة لدينا الآن، إلا أن معرفة الحقيقة والطبيعة لم تكن متقدمة للدرجة التي يستطاع بواسطتها القضاء على الخرافات السائدة؛ فكان الناس يؤمنون بالسحرة والدجالين، بالفلكين والمنجمين، بالحوريات والجنيات، بالرقي والعزائم، بالأحلام والاتصال بالأرواح. هذا الاعتقاد السائد كان أكبر عامل في وجود هذه العوالم في روايات المؤلفين الذين لم يستطيعوا بأي حال من الأحوال أن يخرجوا عن محيطهم وبيئتهم) شكسبير والعقائد العامة: شأن الشاعر أن يدون شعره كل ما كان معروفا في عصره من العقائد العامة، وهكذا كانت حال شاعرنا شكسبير، فقد عرف تمام المعرفة أن الخرافات القديمة كانت مواضع خلابة استعملها شعراء الإغريق والرومان في صوغ عبارتهم وتفسير معانيهم ودقائقهم. ولم تكد العصور القديمة تنطوي في عالم السجلات والتاريخ حتى ظهر هناك عالم خرافي جديد كان في حد ذاته خليفة للعصور التي سبقته، ذلك العصر هو عصر القرون الوسطى التي لم يستطع الشعراء الاستغناء عن خرافتهم في لغتهم بما نقله السلف عمن سبقهم ومما لا شك فيه أن شاعرنا قد تأثر بعدد غير قليل من العوامل: كالجنس والمحيط والبيئة، فكان أفراد جنسه (يعتقدون أن كل ما هو غير مرئي حقيقة لا شك فيها ولا نقض)، ولم تكن الخرافات في عصره قد حوول مهاجمتها محاولة صادقة. نعم كان الإصلاح الديني أخذ في الانتشار في البلاد الإنكليزية إلا أنه كان مقصورا على المدن. أما القرى فلم تكن قد تأثرت بهذا الإصلاح أي تأثير عاش شكسبير في عصر اضطربت فيه العقائد وتضاربت فيه الآراء، فاعتقد بعض الرجال المتعلمين اعتقادات كانت بعيدة كل البعد عن عقول غيرهم من الناس؛ وإن من حسن الحظ أن شكسبير يحاول في بعض رواياته أن يظهر لقارئيه عقائده وآراءه الشخصية. فهو يعتقد في الخرافات، ولكنه يتساءل عن أصلها وكيفية ظهورها، فهو يقول على لسان الأمير هملت: (هل من الممكن أن نحسب ذلك الشخص الذي يقضي أوقاته كلها في الأكل والنوم رجلا؟

стр. 9729

كلا إنه لا يتعدى أن يكون حيوانا فقط. إن من المؤكد أن ذلك الإله الذي وضع فينا قوة المجادلة والتمييز بين ما نعمله وما لا نعمله لم يضع فينا هذه المقدرة لنتركها دون أي استعمال أو ممارسة، أما الآن فسيان عندي إن كان هذا الفكر مجرد وهم أو غموض سماوي. فالفكر لا يحوي في حد ذاته إلا جزاءا من أربعة من الحكم والصواب، بينما أجزاؤه الثلاثة الأخرى لا تخرج عن كونها من عوامل الجبن والخوف، فلا يمكنني الجزم فيما إذا كنت قد خلقت لأقول مجرد القول في أن هذه الأمور يجب علي أن أعملها، في حين أني قد أوتيت القوة والإرادة والحق في عملها والقيام بها) إن من الصعب على الشاعر أن يستطيع البحث في موضوع سماوي بطريقة جدية ترتكز على تفكر وبحث عميقين دون أن يكون له أدنى اعتقاد في هذه الأمور التي يبحث فيها؛ وبنظرة عميقة لروايات شكسبير يمكنك أن تحصل على نتيجة لبحثه في مثل هذه المسائل. وقد قال روف في كتابه (شكسبير وعقيدته في الأشباح): (لم يستطع شكسبير أن يجعل أشخاص رواياته ينطقون عن عقائده، ولكنه استطاع أن يظهرها في رواياته) (يتبع) خيري حماد

стр. 9730

٤ - الدكتور محمد إقبال اكبر شعراء الهند المسلمين في العصر الحاضر لأبي نصر أحمد الحسيني الهندي فلسفته إن كل شيء في هذا العالم متصف بالفردية، حتى الحياة أيضا لا تخلو من ذلك؛ ولا وجود في الخارج للحياة الكلية التي ينشدها بعض المذاهب الفلسفية والصوفية، فالله أيضا فرد واحد ليس كمثله شيء؛ وأما الكائنات فهي عبارة عن مجموعة الأفراد، ولكن النظام، والنسق، والتوافق والتطابق الموجودة فيها ليست بنفسها كاملة. ومهما كانت فهي نتيجة سعي الأفراد الغريزي، وعلى هذا فنحن نتقدم بالتدريج من الفوضى إلى النظام، ومن النقص إلى الكمال. وعدد أفراد هذه المجموعة غير محدود ولا معين، فانه يزداد كل يوم ويتضاعف. فالأفراد الحديثو الولادة يشاركوننا بدورهم ويساعدوننا للبلوغ إلى هذه الغاية العظمى - الكمال، ولذلك كان عمل الكائنات غير متناه، لأنها لا تزال تتدرج في مدارج الكمال وتترقى إلى ذرى المجد. وعلى أن الكائنات لم تنال الكمال المنشود بتمامه بعد، وما تفتأ تستنفد وسعها وتفرغ مجهودها في بلوغه فلا يمكن أن يقال في شأنها الكلمة الأخيرة، وما يمكن أن يقال فيها هو أنها ليست بحقيقة كاملة. وعملية الخلق فيها جارية يقوم فيها الإنسان بنصيبه، ويشترك فيها إلى أن يقدر أن يوجد النظام على الأقل في جزء من فوضاها؛ والقرآن قد أشار إلى هذا الخلق في الآية: (فتبارك الله أحسن الخالقين) فنظرية إقبال هذه في الإنسان والكائنات خلاف ما يراه الإنجليز من أتباع مذهب الهيجلية الحديثة أو الصوفية في مسئلة وحدة الوجود من أن الغاية القصوى لحياة الإنسان ونجاتها في أن تندمج في الحياة الكلية كما تندمج القطرة في البحر وتفقد فرديتها ليست الغاية الأخلاقية للإنسان ولا مرمى دينه أن يبيد وجوده بإتلاف فرديته وإفناء أنانيته، بل أن يحافظ على فرديته وأنانيته، وذلك بالحصول على أمثل الصفات وأعلاها التي تجعله فريدا وحيدا. والنبي ﵊ قد أبانه بقوله: (تخلقوا بأخلاق الله)، أي اتصفوا بصفات الله، لذلك كلما كانت صفات الإنسان أشبه بصفات الله كان فريد زمانه وواحد

стр. 9731

عصره أما الحياة فيرى إقبال أنها اسم آخر للفرد. وأسمى صورة لها تحققت إلى الآن هي الأنانية التي بها يصبح الفرد مركزا مستقلا؛ فالإنسان مركز مستقل من كلا الجهتين، أي الجسمانية والروحانية، لكنه ليس بفرد كامل. والفرد كلما كان بعيدا عن الله كانت فرديته ناقصة وأحط درجة، وكلما كان قريبا من الله كانت فرديته كاملة وأرفع منزلة. وليس معنى القرب هذا أن تكون نهايته الفناء في الله أو الاندماج فيه كما قرره بعض الصوفية والفلاسفة؛ بل خلافا لذلك هو يجذب الله إليه، أي يتصف بصفاته وأخلاقه؛ وإلى هذا أشار إقبال في بيت من ديوانه (بيام مشرق) التبس مفهومه على البعض، قال: (دردشت جنون من جبريل زبون صيدى يزدان بكمند آور آي همت مردانه! إن في صحراء جنوني جبريل صيد تافه يا همتي الشماء ائتي في أنشوطتك بالله.) يريد به أن الاتصاف بأوصاف الملائكة عنده شيء تافه بل هو يتوخى بهمته الشماء صفات الله إن الحياة شيء متقدم. هي حركة تجذب الكائنات إلى نفسها بالغلبة على مشاكلها ومعضلاتها العائقة لها عن سيرها وتقدمها، وجوهر وظيفتها خلق الأماني والأغراض الجديدة بالاستمرار والتقدم ولصون نفسها قد أوجدت الحياة الوسائل، أو هي ظهرت طوعا لشريعة الارتقاء، وهذه الوسائل هي الحواس الخمس والقوة المدركة التي بها تغلب المشاكل والمعضلات، وإن كان أكبر العوائق في طريقها الطبيعة أو المادة، لكنها في ذاتها ليست بشر، إذ هي تمكنها من إبراز قواها الخفية واستعداداتها المكنونة إن الأنانية حينما تستولي على المشاكل والمعضلات ويبين شأوها عليها تنتقل من الجبر إلى الاختيار فأنها إلى حد ما مجبرة وإلى حد ما مختارة كما ورد في الأثر أن (الإيمان بين الجبر والاختيار)، ومتى نالت النهاية القصوى من زلفى الأنانية العظمى (أي الله) التي ليس كمثلها شيء في الحرية والاختيار تمتعت بأقصى مدى من الاختيار والحرية، وعلى هذا فالحياة عبارة عن الجهد المستمر للوصول إلى ذلك المدى من الاختيار والحرية

стр. 9732

قلنا إن مركز الحياة في الإنسان الأنانية التي تملى شخصيته على صفحة الوجود، والشخصية هذه عبارة عن حالة الجهد المستمر، فإذا احتفظ بتلك الحالة، بقيت الشخصية ثابتة البناء مشيدة الأركان، وإذا فقدت، ضعفت قواعدها وانتكثت مرائرها، وبما أن الشخصية أو حالة الجد المستمر أبعد الغايات للإنسان وأثمنها، فينبغي له ألا يدعها ترث قواها فتضعف، وتنحل عراها فتفنى. لأن بقاءها هو الذي يسبغ عليه الدوام والخلود، ثم فكرة الإبقاء هذه تعطى له أيضا معيارا للخير والشر أو الحسن والقبح. فإن كل ما يقويها خير وحسن، وكل ما يضعفها شر وقبيح، سواء أكان من نوع الفن أم الدين أم الأخلاق على ضوء هذه الآراء انتقد إقبال فلسفة أفلاطون فدحض حجج جميع المذاهب الفلسفية التي تعتبر غاية الإنسان الموت بدل الحياة، فتلقنه الجبن والوهن وذلك بحمله على الأعراض عن المادة التي هي أكبر العوائق في طريق حياته، والابتعاد عن مقاومتها، مع أن جوهر الإنسانية في الاستيلاء عليها واستخدامها لنفسها بالبطولة والفحولة وكما أن الاستيلاء على المادة ضروري لنيل الحرية والاختيار كذلك الغلبة على الزمن لازمة للحصول على الخلود والدوام؛ و (برجسون) قد علمنا أن الزمان ليس الخط اللامتناهي (في مفهوم الخط المكاني) الذي لابد أن نجتازه سواء رضينا به أم لم نرض. ولكن هذا المفهوم للزمن ليس بصحيح فإن مفهوم الزمن البحت لا يشمل مفهوم الطول إن الخلود غاية الإنسانية وأمنيتها، يحوزه كل من يسعى لذلك، وحيازته تتوقف على تلك الأعمال والأفكار من حياتنا التي تقدر أن توطد أساس الأنانية على حالة الجد المستمر وتشيد أركانها، فديانة بوذا وتصوف إيران وأمثالهما من نظريات فلسفة الأخلاق لا تصلح لمأربنا وإن احتوت على بعض الفوائد وهو أننا بعد إجهاد أنفسنا واستغراق وسعنا بالاستمرار نحتاج إلى راحة قليلة لتجديد قوانا، فكأن تلك الطرق للأعمال والأفكار كالليالي لأيام حياتنا وعلى كل حال فمتى تمكنت أعمالنا وأفكارنا من توطيد حالة الجد المستمر في الأنانية، فالأرجح أن الموت لا يؤثر عليها، بل محتمل أن تكون الفترة بين حياتنا الحاضرة وحياتنا الأخرى هي فترة الراحة، وتلك الفترة هي التي عبر عنها القرآن بعالم البرزخ الذي يبقى إلى يوم البعث، فتلك الأنانية وحدها يمكن ألا تتأثر من الموت وتخرج من الفترة فائزة،

стр. 9733

التي قد اعتنت بالحياة الحاضرة اعتناء جيدا، وإن كانت الحياة تأبى الإعادة والتكرار في مدارج الارتقاء، ولكن على حسب مبادئ فلسفة برجسون، كما يقول لنا الأستاذ ولدن كار، حشر الأجساد أيضا في حيز الإمكان التام. إننا نوزع الزمن في اللمحات لذلك نربطها بالمكان فيصعب علينا عبره، ولكننا ندرك حقيقته حين نغوص في أنفسنا لأن الزمن الحقيقي هو حياتنا، تلك التي توطدت فيها الأنانية بحالة الجد المستمر، أننا محكومون بالزمن إلى أن نراه مربوطا بالمكان، إن الزمن المقيد بالمكان سلسلة لفتها الحياة حول نفسها لتجذب ما حولها إلى نفسها، وإلا فنحن مجردون على الزمن، وهذا التجرد يمكن أن نشعر به حتى في حياتنا الحاضرة وإن كان لدقيقة إن الشيء الذي يقوي الأنانية هو العشق في مفهومه المطلق ومعناه جذبك الشيء أو طلبك إياه لتجعله جزءا من نفسك، وأسمى صورة له هو ما يمكن صاحبه من خلق القيم والغايات، ويدفعه إلى السعي في تحقيقها وبلوغها، ثم العشق يجعل العاشق فريدا كما يجعل المعشوق، وذلك أن طلب الفرد المعين الأوحد يوجد شأن الانفراد في الطالب عن غيره كما يوجد في المطلوب، فأنه لا شيء غيره يرضي طلب الطالب، وكما أن العشق يقوي الأنانية، كذلك الاستجداء يضعفها، فكل شيء نيل بغير المجهود الشخصي هو من قبيل الاستجداء، فالابن الذي يرث ثروة أبيه من دون مجهوده الشخصي مستجد، ومثله ذلك الذي يفكر بفكر الآخرين ويرى برأي غيره. وبناء عليه ينبغي لنا أن نوجد ونربي في أنفسنا العشق أي قوة الجذب ونجتنب جميع أنواع الاستجداء، وإليه أشار إقبال في بيت ترجمته: (إن المملكة التي لم تشتر بالدم هي عار على المسلم) بقي أن نسأل كيف نوجد العشق، فيقول إقبال: إن للمسلمين على الأقل في حياة النبي ﵊ ردا على ذلك، فأنه ﵊ قد وضح بأعماله وحياته ما هو العشق، وكيف يمكن القيام به، لذلك ينبغي للمسلمين أن يختاروا حياته ﵊ أسوة لأنفسهم وأن يحبوه، وإليه أشار إقبال في بيت قال: (هركة عشق مصطفى سامان اوست بحر وبردر كوشه دامان اوست

стр. 9734

كل من يكون متاعه عشق المصطفى يكون البحر والبر في طرف ذيله) إن الأنانية في صعودها إلى فروع العلى، وبلوغها إلى رفعة الكمال حيث تتمتع بفردية كاملة بنيل زلفى الأنانية العظمى لابد أن تجتاز ثلاث مراحل: مرحلة الخضوع للشريعة، ومرحلة ضبط النفس وهي الصورة العليا للشعور الذاتي، ومرحلة الخلافة الإلهية ففي مرحلة الخضوع يفسر لنا إقبال أنه للتقدم لابد من مسلك يسلك، ومن مشروع يورد، ومن قانون يخضع له. لذلك كل من يصبو لمعارج الكمال، ويطمح إلى سنام المجد ينبغي له أن يطيع الشريعة. وفي بيان مرحلة ضبط النفس يقول إقبال إن النفس الإنسانية لأمارة بالسوء، فهي معجبة بذاتها، أبية، عنيدة، لا تهتم إلا بأمر نفسها. لذلك هي محتاجة إلى الضبط والتهذيب. فخير طريق لذلك هو إقامة أحكام الشريعة. فالصلاة تنقذها من الفحشاء والمنكر، والصوم يقتل غلمتها وترفها، والحج يذيقها لذة الهجر ويخفف عنها سلطان الحب للوطن ويضمها إلى الاجتماع الإسلامي العام فيجعلها تشعر بجنسية الإسلام، والزكاة تبيد حبها للمال وتعلمها المساواة أما الخلافة الإلهية فهي النهاية القصوى للتقدم الإنساني على سطح الأرض، هي الأنانية الكاملة والغاية العليا للإنسانية، وقمة الحياة من حيث العقل والجسم. ففيها يتحول تشتت الأفكار في الحياة الذهنية واختلافاتها وتنافرها إلى التناسق والتوافق، فتقدر حينئذ على حل جميع العقد المنيعة المطلب والصعبة المرام. هي ملتقى الكمال للعلم والقوة، ونقطة الاتصال بين الفكر والعمل، والعاطفة والعقل. ومن استحقها كان آخر ثمرة لدوحة الإنسانية، وظهوره يبرر جميع آلام الارتقاء ومحنه لأنها كانت قائمة لأجله. هو يكون حاكما حقيقيا على البشر وحكومته تكون حكومة إلهية على الأرض. هو يسبغ من خصب طبعه على الآخرين بحبوحة الحياة ويقربهم إلى نفسه فكلما يتقربون إليه تتدرج حياتهم في مدارج التقدم والكمال إن بلوغ الإنسانية إلى أقصى مدى من التقدم عقلا وجسما شرط ضروري لولادة ذلك المستحق للخلافة. لذلك كان وجوده في الحال في عالم المثال، ولكن تقدم الإنسانية سائر إلى إنتاج طبقة الأفراد المنفردين في أوصافهم الحميدة قلة أو كثرة؛ فهؤلاء سيكونون أجداده

стр. 9735

أما الحكومة الإلهية فمعناها الديموقراطية المكونة من الأفراد المنفردين في أوصافهم الحميدة قلة أو كثرة يرأسهم الفرد الوحيد الذي لا نظير له على وجه الأرض. كانت أشباح هؤلاء الأفراد تجول في فكر الفيلسوف الألماني نيتشه؛ ولكن إلحاده وتعصبه الأرستقراطي شوهها تماما هذا ما عن لنا من فلسفة إقبال الآن؛ وسنقدم إليك معالم الاتفاق والاختلاف بينه وبين فلاسفة الغرب في المقال الآتي إن شاء الله. السيد أبو النصر أحمد الحسيني الهندي
следующие страницы →