← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 9731–9770 · переход к 9736.

стр. 9731

عصره أما الحياة فيرى إقبال أنها اسم آخر للفرد. وأسمى صورة لها تحققت إلى الآن هي الأنانية التي بها يصبح الفرد مركزا مستقلا؛ فالإنسان مركز مستقل من كلا الجهتين، أي الجسمانية والروحانية، لكنه ليس بفرد كامل. والفرد كلما كان بعيدا عن الله كانت فرديته ناقصة وأحط درجة، وكلما كان قريبا من الله كانت فرديته كاملة وأرفع منزلة. وليس معنى القرب هذا أن تكون نهايته الفناء في الله أو الاندماج فيه كما قرره بعض الصوفية والفلاسفة؛ بل خلافا لذلك هو يجذب الله إليه، أي يتصف بصفاته وأخلاقه؛ وإلى هذا أشار إقبال في بيت من ديوانه (بيام مشرق) التبس مفهومه على البعض، قال: (دردشت جنون من جبريل زبون صيدى يزدان بكمند آور آي همت مردانه! إن في صحراء جنوني جبريل صيد تافه يا همتي الشماء ائتي في أنشوطتك بالله.) يريد به أن الاتصاف بأوصاف الملائكة عنده شيء تافه بل هو يتوخى بهمته الشماء صفات الله إن الحياة شيء متقدم. هي حركة تجذب الكائنات إلى نفسها بالغلبة على مشاكلها ومعضلاتها العائقة لها عن سيرها وتقدمها، وجوهر وظيفتها خلق الأماني والأغراض الجديدة بالاستمرار والتقدم ولصون نفسها قد أوجدت الحياة الوسائل، أو هي ظهرت طوعا لشريعة الارتقاء، وهذه الوسائل هي الحواس الخمس والقوة المدركة التي بها تغلب المشاكل والمعضلات، وإن كان أكبر العوائق في طريقها الطبيعة أو المادة، لكنها في ذاتها ليست بشر، إذ هي تمكنها من إبراز قواها الخفية واستعداداتها المكنونة إن الأنانية حينما تستولي على المشاكل والمعضلات ويبين شأوها عليها تنتقل من الجبر إلى الاختيار فأنها إلى حد ما مجبرة وإلى حد ما مختارة كما ورد في الأثر أن (الإيمان بين الجبر والاختيار)، ومتى نالت النهاية القصوى من زلفى الأنانية العظمى (أي الله) التي ليس كمثلها شيء في الحرية والاختيار تمتعت بأقصى مدى من الاختيار والحرية، وعلى هذا فالحياة عبارة عن الجهد المستمر للوصول إلى ذلك المدى من الاختيار والحرية

стр. 9732

قلنا إن مركز الحياة في الإنسان الأنانية التي تملى شخصيته على صفحة الوجود، والشخصية هذه عبارة عن حالة الجهد المستمر، فإذا احتفظ بتلك الحالة، بقيت الشخصية ثابتة البناء مشيدة الأركان، وإذا فقدت، ضعفت قواعدها وانتكثت مرائرها، وبما أن الشخصية أو حالة الجد المستمر أبعد الغايات للإنسان وأثمنها، فينبغي له ألا يدعها ترث قواها فتضعف، وتنحل عراها فتفنى. لأن بقاءها هو الذي يسبغ عليه الدوام والخلود، ثم فكرة الإبقاء هذه تعطى له أيضا معيارا للخير والشر أو الحسن والقبح. فإن كل ما يقويها خير وحسن، وكل ما يضعفها شر وقبيح، سواء أكان من نوع الفن أم الدين أم الأخلاق على ضوء هذه الآراء انتقد إقبال فلسفة أفلاطون فدحض حجج جميع المذاهب الفلسفية التي تعتبر غاية الإنسان الموت بدل الحياة، فتلقنه الجبن والوهن وذلك بحمله على الأعراض عن المادة التي هي أكبر العوائق في طريق حياته، والابتعاد عن مقاومتها، مع أن جوهر الإنسانية في الاستيلاء عليها واستخدامها لنفسها بالبطولة والفحولة وكما أن الاستيلاء على المادة ضروري لنيل الحرية والاختيار كذلك الغلبة على الزمن لازمة للحصول على الخلود والدوام؛ و (برجسون) قد علمنا أن الزمان ليس الخط اللامتناهي (في مفهوم الخط المكاني) الذي لابد أن نجتازه سواء رضينا به أم لم نرض. ولكن هذا المفهوم للزمن ليس بصحيح فإن مفهوم الزمن البحت لا يشمل مفهوم الطول إن الخلود غاية الإنسانية وأمنيتها، يحوزه كل من يسعى لذلك، وحيازته تتوقف على تلك الأعمال والأفكار من حياتنا التي تقدر أن توطد أساس الأنانية على حالة الجد المستمر وتشيد أركانها، فديانة بوذا وتصوف إيران وأمثالهما من نظريات فلسفة الأخلاق لا تصلح لمأربنا وإن احتوت على بعض الفوائد وهو أننا بعد إجهاد أنفسنا واستغراق وسعنا بالاستمرار نحتاج إلى راحة قليلة لتجديد قوانا، فكأن تلك الطرق للأعمال والأفكار كالليالي لأيام حياتنا وعلى كل حال فمتى تمكنت أعمالنا وأفكارنا من توطيد حالة الجد المستمر في الأنانية، فالأرجح أن الموت لا يؤثر عليها، بل محتمل أن تكون الفترة بين حياتنا الحاضرة وحياتنا الأخرى هي فترة الراحة، وتلك الفترة هي التي عبر عنها القرآن بعالم البرزخ الذي يبقى إلى يوم البعث، فتلك الأنانية وحدها يمكن ألا تتأثر من الموت وتخرج من الفترة فائزة،

стр. 9733

التي قد اعتنت بالحياة الحاضرة اعتناء جيدا، وإن كانت الحياة تأبى الإعادة والتكرار في مدارج الارتقاء، ولكن على حسب مبادئ فلسفة برجسون، كما يقول لنا الأستاذ ولدن كار، حشر الأجساد أيضا في حيز الإمكان التام. إننا نوزع الزمن في اللمحات لذلك نربطها بالمكان فيصعب علينا عبره، ولكننا ندرك حقيقته حين نغوص في أنفسنا لأن الزمن الحقيقي هو حياتنا، تلك التي توطدت فيها الأنانية بحالة الجد المستمر، أننا محكومون بالزمن إلى أن نراه مربوطا بالمكان، إن الزمن المقيد بالمكان سلسلة لفتها الحياة حول نفسها لتجذب ما حولها إلى نفسها، وإلا فنحن مجردون على الزمن، وهذا التجرد يمكن أن نشعر به حتى في حياتنا الحاضرة وإن كان لدقيقة إن الشيء الذي يقوي الأنانية هو العشق في مفهومه المطلق ومعناه جذبك الشيء أو طلبك إياه لتجعله جزءا من نفسك، وأسمى صورة له هو ما يمكن صاحبه من خلق القيم والغايات، ويدفعه إلى السعي في تحقيقها وبلوغها، ثم العشق يجعل العاشق فريدا كما يجعل المعشوق، وذلك أن طلب الفرد المعين الأوحد يوجد شأن الانفراد في الطالب عن غيره كما يوجد في المطلوب، فأنه لا شيء غيره يرضي طلب الطالب، وكما أن العشق يقوي الأنانية، كذلك الاستجداء يضعفها، فكل شيء نيل بغير المجهود الشخصي هو من قبيل الاستجداء، فالابن الذي يرث ثروة أبيه من دون مجهوده الشخصي مستجد، ومثله ذلك الذي يفكر بفكر الآخرين ويرى برأي غيره. وبناء عليه ينبغي لنا أن نوجد ونربي في أنفسنا العشق أي قوة الجذب ونجتنب جميع أنواع الاستجداء، وإليه أشار إقبال في بيت ترجمته: (إن المملكة التي لم تشتر بالدم هي عار على المسلم) بقي أن نسأل كيف نوجد العشق، فيقول إقبال: إن للمسلمين على الأقل في حياة النبي ﵊ ردا على ذلك، فأنه ﵊ قد وضح بأعماله وحياته ما هو العشق، وكيف يمكن القيام به، لذلك ينبغي للمسلمين أن يختاروا حياته ﵊ أسوة لأنفسهم وأن يحبوه، وإليه أشار إقبال في بيت قال: (هركة عشق مصطفى سامان اوست بحر وبردر كوشه دامان اوست

стр. 9734

كل من يكون متاعه عشق المصطفى يكون البحر والبر في طرف ذيله) إن الأنانية في صعودها إلى فروع العلى، وبلوغها إلى رفعة الكمال حيث تتمتع بفردية كاملة بنيل زلفى الأنانية العظمى لابد أن تجتاز ثلاث مراحل: مرحلة الخضوع للشريعة، ومرحلة ضبط النفس وهي الصورة العليا للشعور الذاتي، ومرحلة الخلافة الإلهية ففي مرحلة الخضوع يفسر لنا إقبال أنه للتقدم لابد من مسلك يسلك، ومن مشروع يورد، ومن قانون يخضع له. لذلك كل من يصبو لمعارج الكمال، ويطمح إلى سنام المجد ينبغي له أن يطيع الشريعة. وفي بيان مرحلة ضبط النفس يقول إقبال إن النفس الإنسانية لأمارة بالسوء، فهي معجبة بذاتها، أبية، عنيدة، لا تهتم إلا بأمر نفسها. لذلك هي محتاجة إلى الضبط والتهذيب. فخير طريق لذلك هو إقامة أحكام الشريعة. فالصلاة تنقذها من الفحشاء والمنكر، والصوم يقتل غلمتها وترفها، والحج يذيقها لذة الهجر ويخفف عنها سلطان الحب للوطن ويضمها إلى الاجتماع الإسلامي العام فيجعلها تشعر بجنسية الإسلام، والزكاة تبيد حبها للمال وتعلمها المساواة أما الخلافة الإلهية فهي النهاية القصوى للتقدم الإنساني على سطح الأرض، هي الأنانية الكاملة والغاية العليا للإنسانية، وقمة الحياة من حيث العقل والجسم. ففيها يتحول تشتت الأفكار في الحياة الذهنية واختلافاتها وتنافرها إلى التناسق والتوافق، فتقدر حينئذ على حل جميع العقد المنيعة المطلب والصعبة المرام. هي ملتقى الكمال للعلم والقوة، ونقطة الاتصال بين الفكر والعمل، والعاطفة والعقل. ومن استحقها كان آخر ثمرة لدوحة الإنسانية، وظهوره يبرر جميع آلام الارتقاء ومحنه لأنها كانت قائمة لأجله. هو يكون حاكما حقيقيا على البشر وحكومته تكون حكومة إلهية على الأرض. هو يسبغ من خصب طبعه على الآخرين بحبوحة الحياة ويقربهم إلى نفسه فكلما يتقربون إليه تتدرج حياتهم في مدارج التقدم والكمال إن بلوغ الإنسانية إلى أقصى مدى من التقدم عقلا وجسما شرط ضروري لولادة ذلك المستحق للخلافة. لذلك كان وجوده في الحال في عالم المثال، ولكن تقدم الإنسانية سائر إلى إنتاج طبقة الأفراد المنفردين في أوصافهم الحميدة قلة أو كثرة؛ فهؤلاء سيكونون أجداده

стр. 9735

أما الحكومة الإلهية فمعناها الديموقراطية المكونة من الأفراد المنفردين في أوصافهم الحميدة قلة أو كثرة يرأسهم الفرد الوحيد الذي لا نظير له على وجه الأرض. كانت أشباح هؤلاء الأفراد تجول في فكر الفيلسوف الألماني نيتشه؛ ولكن إلحاده وتعصبه الأرستقراطي شوهها تماما هذا ما عن لنا من فلسفة إقبال الآن؛ وسنقدم إليك معالم الاتفاق والاختلاف بينه وبين فلاسفة الغرب في المقال الآتي إن شاء الله. السيد أبو النصر أحمد الحسيني الهندي

стр. 9736

الذكر للأستاذ فخري أبو السعود صوتٌ مِنَ الأمس ما أنْفَكُّ أسمعُهُ … مُرَدَّدُ اللحن في بالي مُرَجَّعُهُ لحنُ شجيُّ لطيف الوقع ساحرُهُ … يَدُ الليالي على قلبي تُوَقِّعه إذا تَرَدَّدَ منه في الضلوع صدًى … ثار الحنينُ ونَدَّ الجَفْنَ مدمعه نهرُ يَظَلُّ بنفس المرءِ مُنْسَرِباً … وفي مجاهِل ماضي العيش منبعه طيفُ مدى العمرِ مِن ماضيَّ يتبعني … وَدِدْتُ لو أَنني ما شاء أَتْبَعُهُ مَنْ أَنْتَ يا مَنْ مِنَ الماضي يخاطبني … وَمِنْ قرارةِ نفسي بِتُّ أسمعه؟ تَظَلُّ تُحي الذي قد مات من عُمُرِي … وما تَشَتَّتَ مِنْ ماضيَّ تَجْمَعُهُ نعَمْ وِتَحْكِي لقلبي من مآربه … ما كان يَنْشُدُهُ قِدْماً ويُزْمِعُهُ حديثُك العذبُ مها طال يْؤنِسهُ … وبالزمان الذي قد مَرَّ يولعه يا رُبَّ عهٍد غضيرِ الحُسن رائِقِه … قد راح وهْو حثيثُ الخطو مسرعه مرتْ عليه بَنَانُ منك ساحرةُ … فهاج بي الشَّوْقَ مغناه ومربعه وهام قلبي على آثارِهِ لهِجاً … يَوَدُّ لو أنَّ هذا الدهرَ يُرْجِعُهُ وَرُبَّ وادٍ بنفسي مُزْهِرٍ نَضِرٍ … صَوَّرْتَهُ فَهْوَ حالِي النبت مُمْرعه ومنظرٍ مِنْ طُيُوفٍ أنْتَ رَاسِمُهُ … ومِنْ حنينٍ خَفِيّ أنْتَ مُبْدِعه وصورة لِذُكاءِ وهْيَ غاربةُ … هفاَ لها الكونُ إذْ هَمَّتْ تُوَدِّعه ومَشْرِقٍ حَيِّتِ الأرْوَاحَ غُرَّتُهُ … ونَبَّهَ الطيرَ والأزهارَ مطلَعُه هذا ادِّكاريَ: ملءُ القلبِ من صُوَرٍ … مِنَ الطبيعِة تَشْجُوهُ وتُمتُعِه وسالفاتِ عهودي في مباهجها … يُظِلُّني ثَمَّ ناَدِى الزهر مُونِعُهُ حُسْنُ الطبيعيةإلُفُ في الفؤادِ له … عهدُ بِقَلْبيَ باقٍ لا أُضَيِّعُهُ وليس بالقلب ذِكْرُ مِنْ أخي مِقَةٍ … يبقَى بقَلْبي مَدَى الأيام موْضِعُهُ فَكُلُّ ثَوْبِ وَدَادٍ كنتُ ألْبَسُهُ … يَرَثُّ وَهْوَ جَديدُ ثُمَّ أخْلعُهُ فكيف أهفو إلى رَثَ ومُنْخَرِق … من العهود وَباَلٍ لستُ أرْقَعُهُ؟ مَنْ رام صافِيَ وُدٍّ غير ذي كدر … ففي الطبيعة للوُرَّادِ مَشْرَعُهُ

стр. 9737

أليِفُهَا حيثما راقتْه صُحبتُها … مُمَتَّع النفس راوي الطرف مُترعه أصْفَى الوداد وُرُوداً ثُمَّ أَدْوَمُهُ … عهداً وأعْذَبُهُ ذِكْراً وأنْقَعُهُ فخري أبو السعود

стр. 9738

بين الهدى والهوى للشاعر الحضرمي علي أحمد باكثير في طلوع الفجر الوليد على الكو … ن، وإيذان ليله بالهروبِ وهبوب الأنفاس من رُدْنَى الصب - ح برَوْح يحي النفوس وطيب رنْ في مسمع السكون أذانُ … قُدُسيّ الترجيع والتثويب سال - حتى عم الفَضَاء - حَناناً … ذائباً في شعاعه المسكوب! خلِقاً عاَلًما من النور والفت … نة والسحر والجمال الغريب رَعَشَاتُ من الغناء السماويّ (م) … تَخطَّي الأسماعَ نحو القلوب! إنما الدين الحقّ فنُّ طهور … قد سما في معناه والأسلوب! وقف (الشاعر) التقيّ يصلِّي … في خشوع لذي الجلال المهيب فرِحاً قلبه يطير استناناً … في مجال من الأماني رحيب مطمئناً لو أنه احترق الكو … نُ جميعاً ما مسه بلهيب! عامراً بالهدى يكْاد يرى الله (م) … بعينيه فهو جدّ قريب ربّ! لِمْ لا تراك عيني؟ ألَا تب … دو لعينَيْ عبدٍ إليك منيب كَلِفٍ بالجمال يصبو إلى من … بع بعد الأنبوب فالأنبوب! فاطْوِ عني الحجاب تشهدْ جفوني … لمحةً من جمالك المحبوب مرَّ في سمعه حَفيفُ لِسَهمٍ … ناشبٍ في فؤاده المنكوب ما وعى السمعُ أودرى القلبُ إلاَّ … بعد حين من وقعه والنشوب مَنْ رماه؟ وأيَّ نصل وعن أيّ (م) … ةِ قوس رمى؟ وفي أيّ حُوب؟ ولوَى الجيدَ يَسْرةً فإذا هُو … بمثال من الجمال النجيب قمر طالع عليه من الشّر … فة يرنو إليه كالمذهوب لفَتَتْهُ الصلاة نحو المصَلّى … فادَّرَاهُ بكل سهم مصيب ربّ! ماذا أرى؟ ألمحة نور … منك، أم وهْم ناظرٍ مكذوب؟ أم مَلاكاً بعثَته بقبولي … ونجاح المؤمّل المطلوب ربّ! قلبي صبا إليه! كأنْ لم … أَكُ في موقف الصلاة الرهيب

стр. 9739

أين وَلّى اطمئنان نفسي؟ ومَنْ لي … بخشوعي إليك والترحيب؟ ربّ! حل الهوى محل الهدى في ال … قلب، ويلاه! ربّ عافِ الذي بي! وانتهى من صلاته وهو يهذي … بضلالات شعره والنسيب: (ألهمِيني وحي الجمال! فعهدي … بشهود الجمال غير قريب إن تكن نظرتي لوجهك ذنباً … فالْتِاعي كفّارة لذنوبي وابعثي لي - لتدفئي بُرَدَائي - … وقدةً من ذراعكِ المشبوب! واُصبَحيني من خمر عينيك كأساً … تنفِ عني متاعبي ولُغوبي وابسمي لي - والابتسام يسير - … تبتسمْ لي الحياةُ بعد قطوب) (هي لغز يحلو التأمل فيه … لحكيم وشاعر وأديب هي في لِبْسة التفضل حُسْنُ … من يد الله، ليس بالمجلوب يا لَها حلوةً عليها من النو … م بقايا تثاؤب محبوب!! وبأهدابها خيوط ضياءٍ … عَلِقت من أحلام ليل عجيب! مُرسَلاً شَعرُها على غير ترتي … ب ولكن أحلى من الترتيب! خطَّ في خدها الوِساد - سعيدا - … آيةً من بدائع التذهيب! وأذاع النسيم عنها بلاغا … أفعم الجو من أريج وطيب إن طيباً في الحُق ليس كطيب … مرسل من غلائل وجيوب بكرت تنضح الشجيرات بالما … ء فيَنْعمْنَ بالبنان الخضيب وفؤادي أحق بالريّ منهن (م) … فهلاّ تمدّه بذَنوب! وقفت وقْفة الدَّلال أمامي … تتلهَّى في كفّها بقضيب! أرسلت كهرباءها فتمشت … في عروقي بهزة ولهيب فكأنا (قُطْبا عمودٍ) ترمي التّيْ … يَار فيه من جيئه وذهوب (بين جهدي وجهدها أبداً فر … قُ) فما إنْ تكفّ عن تعذيبي أيها (السالب) الجميل حناني … ك ترفّق بمهجة المسلوب) واستهل الصبح الجديد على الكو … ن مُلَقَّي بالبشر والترحيب وأتى (الشاعر) الصلاةَ بقلب … شاَعر بالملام والتثريب

стр. 9740

مستنيب إلى الإله يُرَجّى … عفوه عن ضلاله والحوب فدوى في أعماقه رَجْعُ صوتٍ … كصدى الرعد أو دويّ النُّوبِ كيف يقوَى على سنا (الربّ) قلب … جُنَّ لما رأى سنا (المربوب)؟ والكمالات لا تَنَاهى لدى الل … هـ فلابد من بقاء الغيوب علي أحمد باكثير

стр. 9741

القرية للأستاذ بشاره الخوري أيتها الفتانة الصغيرة … أنت بتاج مَلك جديره من القِرى اشتقوا لك اسم القرية … وعطّل السفحُ فكنت الحلية شاعرك البلبل ذو الإلهام … وعُودك الجدول ذو الأنغام والغيمة البيضاء مثل القبة … كأنها من الحرير جبه تضم أعناق الربى وتلثمُ … فليس إلا شَفةُ ومبسم كم طربت شمس لهذا المشهدِ … فمسحت جبهته بالعسجد حتى إذا الليل سجا ومدا … على الورى جناحه المسودَّا مشى إليه البدر مشيَ الصائدِ … يهتبل الغفلة من مطارد حتى رمى بخردق النجومِ … صدر الدجى فسِلن كالكلوم مآتم لكنها أعراس … يدار عندها الهوى والكاس توحي بها القرية في رأس الجبل … وأروح العيش خيال وأمل وساعِدٍ عند الضحى مفتولُ … تغمره بالقبل الحقول أسمر مما لذعته الشمس … في كفه لكل جسم نفس يقوم في الأرض مقام الخالق … فيغدق الرزق على الخلائق هذا الذي يحاولون قتله … والعدل يقضي أن يموتوا قبله بشاره الخوري

стр. 9742

بين ناقد وشاعر علم قراء الرسالة من عدد مضى أن الأديب حبيب الزحلاوي اتهم الدكتور الشاعر إبراهيم ناجي بأنه استعان في قصيدته (عاصفة الروح) بقصيدة الشاعر الدمشقي ميشيل عفلق (عاصفة)، وقد دفع الدكتور ناجي ذلك الاتهام، وتحدى متهمه أن ينشر القصيدتين في الرسالة. وأمس أرسل إلينا الناقد نص القصيدتين ومعها نقد لاذع، واليوم بعث إلينا الشاعر بنصهما أيضا ومعهما تعليق ساخر، فآثرنا أن نطوي النقد والتعليق لخروجهما عن خطة الرسالة، واكتفينا بنشر القصيدتين، ليحكم القراء بين الرجلين عاصفة روح للدكتور إبراهيم ناجي أين شطُّ الرجاءْ … يا عُباب الهموم ليلتي أنواء … ونهاري غيوم اعْوِلي يا جراح … أَسْمِعِي الديان لا يهم الرياح … زورق غضبان البِلى والثقوب … في صميم الشراع والضنى والشحوب … وخيال الوداع في احتدام النار … واصطخاب الأنين تضحك الأقدار … ترقص السكين كل يوم يروح … في احمرار الجروح كل صبح يلوح … فجره مذبوح اسخري يا حياه … قهقهي بالرعود الصِّبَى لن أراه … والهوى لن يعود الأماني غرور … في لظى البركان الدجى مخمور … والردى سكران وخليع العباب … موجه العربيد دار بالأكواب … ويل هذا العيد

стр. 9743

راحت الأيام … بابتسام الثغور وتقضى الظلام … في عناق الصخور كان رؤيا منام … كأسك المسحور يا ضفاف السلام … تحت عرش النور اطحني يا سنين … مزقي يا حراب كل برق يبين … ومضه كذاب اسخري يا حياه … قهقهي يا غيوب الصِّبَى لن أراه … والهوى لن يؤوب عاصفة! لمشيل عفلق اعصفي يا رياح! … واهزئي بالسماء من يكن ذا جناح … هل يهاب الفضاء؟ عبس الغاب وادلهمٍ، فما يب … سم إلا عن الرعود البوارق فمشى السر موغلاً في ثنايا … هُ مصوناً من الدجى بفيالق وتداعت جهم الغيوم ثقيلا … ت حبالى بشائبات الصواعق ذعرت في الفلاة آمنة الوح … ش فراحت تمشي كمشية سارق وسرى الماء لائذاً بحمى الظل (م) … ملماً ببعضه متعانق أمعنت في الغناء … قاصفات الرعود ذاك ضحك القضاء … من قيود العبيد. . اعصفي اعصفي أيا ريح حتى … تُرقصي من دويِّك الأجيالا واضحكي كم يثير ضحكك عند ال … حشرات النواح والأعوالا أوصدت وكرها الثعالب حسرى … لابسات من ضعفها أغلالا وانبرى الليث ناعم البال يمشي … حاشداً تحت نابه الآجالا ودعاك النسر احميلني أيا ري … ح إلى حيث لا جناح تعالى!

стр. 9744

اغسلي يا سيول … زائف الأصباغ السما كالطبول … زمرت بالفراغ يا سيول افتحي لنفسي مجرى … أنا نهر حيران لم يلق بحرا تهت عن غايتي ولكن تيهي … ينبت الخصب كلما حلّ قفرا أنا برق في قوتي والتهابي … في وميضٍ أحيا وأدفن عمرا أنا ليل يفني اشتعالاً وحباً … لتوشي دماؤه الحمر فجرا أنا زهر أطارت الريح أورا … قي فاْفعمت واسع الجو عطرا أعطشتني الرغاب … فشربت النجوم وحداني الشباب … فامتطيت الغيوم مِن ذرى هذه السحائب ارمي … فوق هام الورى رفيع ازدرائي قدما في السماء أركز جذلا … ن وأخرى على جبين الفضاء لم يعد لي في الأرض منزل جرّ … واسعُ مطلبي وعالٍ إبائي أحرقت بيتي الصواعق لكن … غسلت لي قلبي بذوب الضياء مزقت ثوبىَ الرياح ولكن … نسجت من دم الشموس ردائي إعصفي يا رياح! … واهزئي بالسماء من يكن ذا جناح … هل يهاب الفضاء

стр. 9745

فصول ملخصة في الفلسفة الألمانية ٢٣ - تطور الحركة الفلسفية في ألمانيا الناحية السلبية من مذهب نيتشه الإنسان للأستاذ خليل هنداوي الرجل ذو الضمير الفاسد يحس في نفسه حاجة مرضية للتألم، وهو لا يشعر بأن الحاجة تبعثها علة حقيقية هي وليدة هذا الضغط القاسي على إرادة قوته، وإنما يدرك فقط أنه متعاقد مع الألوهية على دين لا يمكن أداؤه. ومن الحق أن يبدو له أن هذا الدين شديد تهون في سبيله الآلام. فهو يحتمل الشقاء ليهدي غيظ دائنه العنيف، وليكفر عن خطيئته. وهاهو ذا الآن يلتمس العذاب يتذوقه ألوانا ليفي بدين يزعم أن لا نهاية له. يحمل الألم ولا غاية له إلا الأم ليطفئ في نفسه رغبة التفكير عن ذنبه. وهيهات أن تشبع هذه الرغبة أو تطفأ! فكرة الخطيئة بعثت مرة ثانية، وأصبحت الآلة التي يتوعد بها الكاهن، وبها يسيطر على الأرواح، وبها انقادت له جموع الأشقياء ووضع يده على النعاج المتألمة التي أبصرها في الطريق. مضى قدما إلى أولئك المنحطين العاملين بشقاء يجهلون علته، يتحرون عن العلة أو الواحد المسئول عن انحطاطهم الغارقين فيه. فيوحي إلى هؤلاء بأنهم هم أنسهم كانوا سبب شقائهم الحقيقي، وأنهم ينبغي لهم أن ينظروا إلى هذه الآلام كتضحية صغيرة عن خطيئاتهم التي اجترحوها، فليتقبلوها - بطرب - كامتحان أراده الله، فآمنوا به وقبلوا بهذا الحل منه، وتلقحوا برضا بهذه الفكرة المسممة عن الإيمان بالخطيئة. وفي أوروبا اليوم مذهب يضم هؤلاء الخاطئين التوابين الذين يمشون بأجساد مريضة وأعصاب ساكنة ونفوس ذاهلة، فرائس لليأس والهذيان. جوعهم دائم للعذاب، تستولي عليهم فكرة الخطيئة والهلاك الأبدي وفي النهاية يجد نيتشه أن التعاليم المسيحية كديانة وكمثل أعلى، لا تقود إلا إلى العدمية يجد أنها خلقت عالما مفعما بالأوهام المجردة، وتخيلت عللا خيالية وأعمالا خيالية، وروابط بين الأكوان خيالية. أسست علما طبيعيا وهميا مؤسسا على إنكار الأسباب الطبيعية

стр. 9746

والعلاقات الطبيعية بين الأشياء، وأسست علم نفس خيالي يرتكز على تفسير خاطئ للحوادث الطبيعية وعلى فلسفة خيالية، وبينا كان الرجل المسيحي دائبا في بناء وجود خيالي كان يهدم الوجود الحقيقي، يقاوم الطبيعة (أصل كل بلاء) في سبيل الإله (أصل كل خير وهناء)، فولدت الأوهام المسيحية من بغض الحقيقة، فهي نتيجة إنسانية منحطة، تربو فيها كمية الشقاء على كمية الفرح، إنسانية تعبة سائمة، متألمة، تميل إلى التشاؤم وعدم الحياة، ولا تجد راحتها إلا في أحضان العدم - ٤ - إن عمل التاريخ الأوربي هو ظفر شريعة العبيد على شريعة الأسياد، لأنه قبل تلك الشريعة وعمل على اعتناقها وكفر بهذه الشريعة. . . وإنها لمعركة لا تزال مشبوبة محتدمة عشرين قرنا بين (روما) وارثة الحضارة اليونانية ومثلها الأعلى الأرستقراطي، الذي هو أقوى مثل وأسمى مثل تحت الشمس، واليهودية موطن البغض ومنزل الروح (الكهنوتي)، انتصرت اليهودية والنهضة الحديثة التي شبت في أوروبا قامت في وجهها عثرات وعقبات، كثورة (لوثر) والبروتستانت، وكثورة الباستيل في فرنسا، وانهزام نابليون، هذه نائبات تتالت فحالت بين بلوغ النهضة غايتها، فآلت إلى انتصار شريعة العبيد، فأوروبا الآن غارقة في انحطاط عميق، يقضي على ما تبقى في عروقها من حياة، حتى ليخشى أن يتقهقر النوع الإنساني إلى الوراء، فلا يورث بعد اليوم إلا صورا من الخزي والعار هذه هي شريعة العبيد التي تسيطر على العالم تحت اسم (ديانة الألم الإنساني)، فلنفصل الآن هذه الديانة وما تنطوي عليه إن تحليلنا لعاطفة الشفقة التي يتبجح بها اليوم معلمو الجيل الحاضر يثبت لنا أن هذه العاطفة ليست من العدل والجمال على المثال الذي يرون. إن عاطفة الشفقة - في الحقيقة - يتولد منها سرور أناني. إذ نحن نصنع مع الآخرين الخير كما نصنع الشر. غايتنا من ذلك أن نظهر شعورنا بقوتنا، ونخضعهم لسلطتنا. أما الرجل القوي الشريف فهو يفتش عن كفء له ليبادله النضال ويحني هامته بازاء قوته، وتراه يحتقر الفريسة الذليلة السهل انقيادها، وتراه ينحرف عن الخصوم الذين لا يجد فيهم أكفاء وأمثاله. أما الضعيف فهو يميل إلى الظفر السهل، والفريسة الخانعة، وهل كان ضعيف أو شقي يوما مهيبا؟ وإن

стр. 9747

الإنسان بطبيعته وإرادته يجنح إلى إحسان لا إلى شقاء إن الشفقة هي فضيلة الأنفس المتوسطة، تتدرب عليها دون وازع ولا مانع، حتى إذا نزلت هذه الشفقة ساحة النبيل أصبحت علامة الانحطاط، وذهاب الكرامة، وخساسة الأصل. إن النبيل يكتم آلامه وهمومه ولا يبوح بها. يصرف عن نفسه الإرادة الحسنة كما يصرف الإرادة السيئة، والإنسان المتألم القبيح قد يكون على حق في كرهه للشهود الذين يبوحون بسر فاقته وقبحه وتعاسته. هؤلاء الشهود الذين لا يستحون من أن ينظروا إلى ما كان ينبغي له أن يظل خفيا عن العيون، فيحملون هذا الشقي منه شفقة ما طلبها وما تمناها إن الشفقة ليست بعاطفة مفيدة فحسب، بل هي عاطفة منحطة أيضا. لنتصور أن ديانة الألم قد انتشرت بين الناس فما هي النتيجة؟ إن كمية الألم تزيد بدل من أن تنقص، ويصبح الإنسان مجبرا على حمل آلامه الخاصة وجزء من آلام الغير، حملا على حمل، وبهذا تضعف الشفقة من حيوية الحياة، وتجعل من الألم داء ساريا. ناهيك بأن ديانة الشفقة تضاد المذهب الطبيعي السائد حكمه في الأحياء، وهو بقاء الإصلاح والأنسب الذي يقضي بفناء الكائنات التي لا يصلح تركيبها للحياة، وقد أتاها حظ بخروجها ظافرة من معركة الحياة، وكل ديانة ترمي إلى الشفقة هي ديانة تعمل على وقاية العناصر المنحطة، وعملها هذا هو ما يسوق إليها الفوز في كل جيل، لأن الضعفاء والمرضى هم في الحقيقة الفريق الغالب، بينا أن الإنسان الخالص الصافي من كل شائبة هو نادرة من نوادر الوجود؛ وقد ثبت في كل الأنواع الحية العالية أن الأغلبية فيها هي كائنات منحطة التركيب، سيئة الخلق، مستسلمة للألم، والإنسان لا استثناء له من هذا الحكم. والإنسان - بالنظر إلى الحيوانات - هو سلالة عالية راقية، قابلة للتطور، وهو لما يبلغ آخر مرحلة من مراحل التطور في الكمال، وهو لما يزل عرضة للحوادث التي تؤثر فيه وتبدل منه. كما أن معدل الانحطاط في النوع الإنساني هو أبرز وأكثر منه في سائر الأنواع. وديانة الشفقة تغدو عاملا كبيرا في الإبقاء على فريق كبير من الأحياء لا فائدة منه، لأن انتخاب النوع لا يرى غاية له إلا الفناء. هي تحفظ مظاهر الفاقة والبؤس. فتجعل الوجود أكثر قبحا، والحياة أكثر ميلا إلى العدم. إن هذه الديانة هي جزء من العدمية. إنها مهددة للوجود وللنماذج العليا من إنسان الوجود. فان مرأى البؤس والألم والانحطاط والقبح يدعوا الرائي إلى رجاء العدم، إما

стр. 9748

بعامل اليأس من هذا المرأى أو بعامل الشفقة، حتى ليغدو مذهب الشفقة مرضا شديدا يقضي على طبيعة كريمة، ويقتل منها قوة نضالها ودفاعها، هذا المرض الدائب على تذليل الذرية الأوربية، وتقييد اصطفاء الأنواع السامية، والحيلولة بين الإنسان والسوبرمان (يتبع) خليل هنداوي

стр. 9749

القصص صور من هوميروس ٨ - حروب طروادة من السماء للأستاذ دريني خشبة قضى بروتسيلوس نحبه، وعادت روحه الكريمة إلى هيدز مصطحبة روح زوجته البارة، وغرست عرائس الفنون فسائل الدردار فوق قبر الراحلين فنمت وترعرعت، ونعم بفيئها الوارف ماء الهلسبنت ورتعت في ظلها أترابه. . . ولكن. . .! لقد كانت روح بروتسيلوس الجذوة التي أججت نيران الحرب فجعلتها ضراما!! فانه ما كاد يرمى بالسهام فيصمى، فيسيل دمه أنهارا، حتى تدفقت جيوش الهيلانيين على الشاطئ الأسيوي، غير مبالين بالموت الأحمر الذي كانت تمطرهم به سهام الطرواديين، والمنية السوداء التي كانت تقطر من سيوفهم، فتحصد صفوف الغازين حصدا. لا. لم يبال الهيلانيون بهذا الهول الأكبر، بل انقضوا على الشاطئ شكاكا في سلاحهم، مقنعين في دروعهم، مرهفين سيوفهم، تفيض عليهم عدة الحرب كأنهم جنة ترقص في زوبعة، أو ظلال من الذعر تجول في معمعة وتبعهم قادتهم العظماء فانطلقوا يبوئونهم مواقف للقتال، ويلقون عليهم من كلمات الحماسة وخطب الاستبسال، ما أضرموا به جوانحهم شوقا إلى خوض الكريهة، وحنينا إلى اقتحام الوغى، وصبوة إلى تقبيل الرقاق البيض ودقت الطبول فكانت إيذانا بهجوم الهيلانيين فانظر الآن إلى البحر يلتطم بالبحر، والموج يساور الموج، والموت يصاول الموت، والحياة الحلوة تأخذ بتلابيب الحياة الحلوة، وصيحات الهيلانيين تردها صيحات الطرواديين؛ وليل الآخرة يغطش نهار الدنيا، وظلام القبور يكشر لهذه الدور، والفزع يمشي في صفوف هؤلاء وهؤلاء، واليتم يجرح هذا الكبد، ويقرح ذلك القلب، والحزن

стр. 9750

يفيض على هذا السهل، ويجوب ذاك الوادي، ويرف على قلل تلك الجبال، وأنين الجرحى يطن في فضاء الساحة الحمراء، فيملأ الآذان بالهلع، والنفوس بالجزع، والدماء تتفجر هنا، وتتحدر هناك، والرؤوس منتثرة فوق الأديم المضرج، زائغة أبصارها، مفغورة أفواهها، معفرة بالتراب أنوفها التي عزت على العالمين. . . ثم انظر إلى أخيل يرعد بين الصفوف ويقصف، ومن ورائه الميرميدون يوزعون المنايا ويهدهدون الحتوف ويقربون الآجال! وأوليسيز المغوار وتلك العجاجة المنعقدة فوق رأسه من خبار الحرب، وهذه الصعدة السمراء بيمينه تنفث الموت في صدور الأعداء! وأجاكس وجنوده! الكرار الفرار، المذاويد الأحرار! وبنليوس! قائد العسكر البووطية، القروم البواسل، والليوث الكواسر! وديوميد! نبعة أرومته، وسيد عشيرته، ووجه قومه، وفارس كتيبته! وأجابينور! فتى أركاديا، وملاك أمرها، وشمس ضحاها! وميجيز! النجد الباسل، والبطل الحلاحل! وإيدومينيز! ملك كريد وقائد جنودها؛ أباة الذل، وكماة الوغى، ومرادي الحروب! وتليبوليموس بن هرقل بطل المجازفات، المقدم أخو الغمرات! ثم انظر إلى الصيد الصناديد من أبناء طروادة، وجيرانهم الكماة الأباة الحماة! هاك هكتور العظيم بن بريام الملك، عضد طروادة وسندها وليث عرينها؛ الثبت الصابر المصابر؛ رابط الجأش شديد البطش؛ قوي الشكيمة الفارس المقدام! هاك هكتور الأسد، يرغى في أسود الشرى ويزبد، ويوقل في بطاح طروادة وينجد! وهاك إينياس الهائل، يقود (الدردان) الأيطال إلى كرائم الفعال في ساحة القتال! وهاك بنداروس! تلميذ أبوللو وربيبه، يقود فرسانه الفحول ورجاله البهاليل! وهاهما ولدا ميروبس الكبير ملك أبيسوس، يصولان في الحومة ويجولان! وهاك آسيوس بن ملك أبيدوس، يتقدم رعيل فرسانه، ويداعب أعداءه بمرانه! وهاهم أشبال تراقية، يقودهم يوفيموس المقدام، ويقتحم بهم أيما اقتحام! وهاهم نسور أميدون البواشق؛ أقبلوا من هناك. . . من جنات سيحون وجيحون ليخوضوا

стр. 9751

الجحيم، في ذلك اليوم العظيم، وليذودوا عن طروادة، حليفتهم؛ ويدفعوا. . .! وهاهم أمراء ميديا، أقبلوا في عدة وعديد، وكل جبار مريد! أنظر إذن إلى الجيشين في مد وجزر، تبسم لأحدهما الآمال، وتعبس للآخر المنايا؛ تدور الدائرة، فيفلذ المنهزم، ويتأخر المتقدم، وهكذا دواليك وتغيب الشمس وتشرق. . . . . ويبزغ القمر. . . ويغرب وتكر الأيام، وتمر السنون! وكلما لاحت للطرواديين غفلة من أعدائهم خرجوا إليهم وهم ألوف فنالوا منهم، حتى إذا كروا عليهم عادوا إلى معاقلهم فلاذوا بحصونها، واعتصموا بأبراجها، وتلبثوا هناك حتى تتاح لهم فرصة أخرى أعوام تسعة!! مليئة بالتعب، مشحونة بالنصب، مفعمة بالخطوب والأهوال وكان الهيلانيون يرسلون البعوث والسرايا، فتجوب الريف، وتؤب بالغنائم والفيء، والأسلاب والسبي، فيقتسمها القادة، ويفيضون منها على الجند وهاجموا مرة إحدى القرى، فكان من جملة السبي فتاتان ذواتا رقة وفتون. أما أحدهما فكانت من نصيب أجاممنون، واسمها خريسيز، وهي ابنة كاهن القرية الورع، حبيب أبوللو وخليله وصفيه، القديس خريسز. وكانت فتاة لعوب حلوة الدل رشيقة الروح، وكان أبوها يحبها حبا جما لا تعدل بعضه كل مباهج الحياة!! أما الأخرى فقد خلصت لأخيل وأخلصت له الود، وصافاها هو المحبة، فكان أحدهما للآخر في هذه المحنة القاسية الصدر الحنون، والقلب النجي، والملاذ الأمين. اسمها بريسيز، وأبوها شريف من أشراف هذه الناحية التي نكبت بتلك الحرب الضروس، فصليت لظاها، وطحنتها رحاها وعلم كاهن القرية بما كان من أمر ابنته، فازدحمت على قلبه هموم الحياة، وأحس في أعماقه بثقل البلية، وشعر كأنه جرد من كل شيء حتى من نفسه وبدا له أن يذهب إلى قائد الجند الهيلاني فيفتدي خريسيز، ولو نزل لأجاممنون عن كل ما

стр. 9752

يملك. وحذره صحبه من المخاطرة بنفسه في هذا الطريق الشائك، ولكنه لم يعرهم التفاتة واحدة، بل دهن نفسه بالطيب الكهنوتي المقدس، ولبس مسوحه، وعقد زناره، وتناول مسبحة أبوللو العظيم، ثم توكأ على عصاه العتيدة، وذهب يتهالك على نفسه، ويتعثر في خطاه، حتى كان تلقاء المعسكر الضخم وسأل عن خيمة القائد العام، فقيل له إنها هي الفسطاط الأكبر الذي تبدو قبته هناك. . . . هناك عند شاطئ الهلسبنت، بين الجيش وبين الأسطول وانطلق الكاهن الجليل والدمع ينحدر من قلبه قطرات من الدم. . . عن طريق عينيه، فيعلق بلحيته البيضاء، فيصبغها بأرجوانه، كأنه آية السماء الباكية، نذيرا لهذه القلوب القاسية، والغزاة الأقوياء!! وبلغ الفسطاط بعد لأي. . . واستأذن على القائد العام فلم يؤذن له. . . . فاستأذن ثانية فهدد بالضرب وبالعقوبة!. . . ولكنه أب مفئود، وحزين منكود، فتنظر قليلا واستأذن في أدب ولين واستكانة، فأذن له. . . . ووقف أمام القائد الأكبر واهي الجسم موهن القلب، محزونا متصدعا، وحاول الكلام فكانت العبرات تخنقه، والأسى يعقد لسانه، والنار المندلعة في رأسه تنسيه كل شيء وثار به أجاممنون! لأنه على ما يبدو فوت عليه لذة طارئة، وسكرة مواتية، بمجيئه في تلك اللحظة الهانئة القريرة، وإلحافه الشديد بضرورة لقاء القائد. . . . واحتشد القادة ورؤساء الجند حول فسطاط القائد، وسمعوا إلى الكاهن الكبير يقول: (مولاي! سعيت إليك عائذا بكن داعيا أبوللو العظيم لك، أن يفيء عليكم من النصر والفتح المبين، وأن يهبكم من الرعاية والمنن ما تشتهي أنسكم، وتقر به أعينكم، وما تترفعون به عن ظلم الضعفاء، والجور على الملهوفين، فقد يغني القليل الذي ترضى عنه الإلهة، عن الكثير الذي يثير سخطها، ويستنزل غضبها. . ابنتي يا مولاي!

стр. 9753

خريسيز العزيزة! ردها علي يبارك لك أبوللو، وينر لك سبيلك، ببركة دعوات قديسه الحزين الواقف أمامك، المبتهل إليك، المستعد لأن يفتديها بكل ما يملك، وبكل ما يقدر عليه مما يرضي الملك!) لكن الملك أشاح بوجهه، وكبر عليه أن يجرؤ هذا الكاهن على التفوه بهذه الطلبة العزيزة أمامه! خريسيز! أينزل أجاممنون عن خريسيز وقد احتلت من قلبه مكانة زوجه كليتمنسترا؟ واستحوذت على لبه حتى نسي الحرب، وعزف عن الطعن والضرب، واستقر معها في فسطاطه آخذين في لهو وحب، وغناء وشرب!! أينزل أجاممنون عن خريسيز الجميلة الفاتنة، ولو استحالت عينا الكاهن بئرين تنزفان الدمع، وتفيضان بالدم؟ كلا! لن ينزل أجاممنون عن خريسيز! (إصغ يا رجل! ليس بي أن تكون قديس أبوللو، وحامل صولجانه، وحامي مسبحته، وعاقد زناره! ستعود خريسيز معي. . . إلى آرجوس. . . وسيذوي جمالها هناك، وتذبل محاسنها بين ذراعي، وسأكل إليها منزلي تخدم فيه، وتصير أم بنين، وسيكون بها قصري جنة خلد ونعيما لا يفنى. . . اذهب، فاسفح دموعك في صومعة أبوللو، وصعد زفراتك في هيكله، وبين يدي صنمه. . . اذهب، وانج بنفسك من عذاب أليم. . . خريسيز تعود معك!؟ إنك تثير النقمة في نفسي، فانج بنفسك. . . انج. . .) وتصدع صدر الرجل، وكاد قلبه يقف، فتقف أنفاسه!! وانثنى والدنيا المظلمة تحجب ناظريه، وكلمات القائد الظالم تردد في مسمعيه، فما كاد يبلغ قريته حتى خلا إلى أبوللو، وجلس يبكي ويصلي!! (أبوللو!! يا إلهي!! أسمعت؟ لقد استهزأ بك أجاممنون، وفجعني في بنتي، وفلذة كبدي، وقطعة قلبي، وحياة روحي!! أبوللو!!

стр. 9754

هل سمعت يا رب النور!؟ أرأيت إلى ذلك العاتي المتجبر كيف ثار بقديسك الضعيف المسن الذي أحنت ظهره السنون في عبادتك، والصلاة لك، والتسبيح من أجلك، والهتاف باسمك.!؟ ألا فلتنتقم لعبدك يا أبوللو العظيم، وليحل على الطغاة غضبك، ولتسحتهم بعذاب واصب، ليس له من قدرتك من دافع. . . أبوللو. . .! استجب يا رب الهيكل الخالد، وحامي المعبد الأمين!!. . .) وسقط الكاهن أمام المذبح ينتحب، والشموع الموقدة تذري دموعها معه! فثار في عليائه أبوللو. . .! انتفض الإله العظيم انتفاضة رجف من هولها الأولمب، ورف في السماء كأنه سحابة مظلمة في ليل بهيم؛ وفوق كاهله الكبير قوسه الفضي المرنان، وعلى ظهره كنانته الواسعة الشاسعة، يسمع لسهامها صليل أي صليل. . . وأشرف من سمائه المضطربة على سفائن الأسطول المطمئن، وما هو إلا أن تميزها حتى عبس وبسر، ووتر قوسه فانهمرت منها سهام كالمطر، صبها على السفن حاملات الخيل والبغال أولا، ثم لوى فأصلى سفائن الجنود وابلا منها بعد ذلك. . . فلا تسمع إلا أنينا وبكاء، ولا ترى إلا صرعى يضجون ويعولون، ولا تحس إلا زفير جهنم وشهيقها يأخذ القوم من هنا وهنا فيقعون إلى أذقانهم سجدا وبكيا. . . أمطر يا طعون. . . ولا حنانيك يا أبوللو. . . واستمر هذا البلاء تسعة أيام طوال كأنها دهر بأكمله. . . وفي اليوم العاشر أوحى إلى أخيل أن يدعوا مجلس الجيش ليرى رأيه في هذه النكبة التي دهتهم بها ميازيب السماء. فلما التأم شمل القادة، اجتمع الرأي على أن يذهب كالخاس فيستوحي أربابه لتكشف هذه الغمة، أو ليرى بماذا ترضى من التضحيات والقرابين! وعاد كالخاس، كعادته كلما حمل أخبار الشؤم من لدن أربابه كاسف الوجه، كالح الجبين، يحبس في صدره شجون الأرض، وهموم السماء!!

стр. 9755

(خريسيز يا سادة!) (خريسيز تعود إلى أبيها القديس، وإلا فتلك مقابركم جميعا فوق هذا الشاطئ المظلم، المضرج بدمائكم، ودماء أعدائكم. . .!) (هكذا تتفق كلمة الإلهة من أجل أبوللو. . . فويل لنا جميعا إن لم نهدئ ثورة صاحب القوس، ورب النور، وسيد الشمس.!) (اسجدوا لأبوللو، واخشعوا. . .) ونهض القوم من صلاتهم مشدوهين لا يحيرون، ينظر بعضهم إلى بعض، ولا تنفرج شفة بكلمة، ولا يتحرك لسان بقول! ولكن أخيل شعر في صميمه أن القدر يسخره هذه المرة أيضا لتفريج الأزمة، وكشف البلاء، فنهض غير هباب، وأرسل قوله الحق في غير وجل، وصرح بضرورة إرسال خريسيز إلى والدها القديس معززة مكرمة، ثم تقديم القرابين من لحم العجول وشحم الأوعال إلى معبد أبوللو، وإطعام الحاضر من شوائها والباد وزلزلت الأرض زلزالها، وهوت السماء فوق رأس أجاممنون! ونشبت ملحمة هائلة بينه وبين أخيل، أوشك البطل أن يغمد سيفه من جرائها في صدر القائد العام، الذي طلب بكل صفاقة أن ينزل له أخيل عن غادته بريسيز: (إذا كان لابد من نزولي عن خريسيز ليسلم الجند من هذا الوباء!! وليسكن غضب أبوللو، وترضى السماء!) وتأججت نيران العداوة بينهما، ذاك يحرص على فتاته الهيفاء وذاك يحض على إنقاذ الجنود بتضحية الذات وإنكارها في سبيل ما هو أسمى وأرفع، ولكن أجاممنون عمى عن هذا المثل العالي، فتشبث وأصر إلا ما نزل له أخيل عن بريسيز، لينزل هو عن خريسيز!! وهنا تتننزل الإلهة لتحكم بين الخصمين! تبدو مينرفا، ربة الحكمة والموعظة الحسنة، رسولا من لدن حيرا، سيدة ربات الأولمب، للبطل أخيل، بحيث لا يراها غيره، فتعظه أن يضحي بفتاته، ما دام هذا الفظ يتأبى إلا أن يكون ذلك. . . ويصدع أخيل بأمر السماء. . .

стр. 9756

ويذهب أوليسيز بابنة القديس إلى أبيها حيث يلقاه في معبده يبكي. . . ويصلي! فيبشره بها، ويسأله الصفح والمغفرة فيهش الكاهن ويبش، وتنهمر من عينيه دموع الفرح وتقدم القرابين باسم الجيش الهيلاني إلى معبد أبوللو فينكشف البلاء. . . . . . وترضى السماء. . . ويدفن الهيلانيون موتاهم! أما أخيل. . . فينقطع عن المعركة، وينعزل في معسكره، لا يشترك في الحرب، ولا يشترك فيها جنوده الميرميدون! وتحس أمه بما يلم به من الحزن، فتزوره، وتعده خيرا على يد الإله الأكبر، زيوس، سيد أرباب الأولمب! (لها بقية) دريني خشبة

стр. 9757

من الأدب الأمريكي: قيصر للقصصي الأمريكي بول بورك تألق نجم مؤلف هذه القصة في العام المنصرم إذ تفوق بقصته (أخلاق) على جميع القصصيين الأمريكيين وأحرز من أجلها (جائزة أمريكا الأدبية لعام ١٩٣٤) بدأت المسألة بمعطف مطر. . . وإذ خرج (قيصر سمث) في مساء يوم من أيام السبت المعهودة من جمعية رماية القرص التي يترأسها وسار على قدميه برغم المطر المدرار شاقا طريقه إلى منزله، رأى في تسياره الآنسة (شيلا) منزوية في مدخل لأحد المنازل غير حاملة مظلة ولا متدثرة بمعطف، وكانت تعمل جهدها للمحافظة على ثوبها الجديد من الماء الذي يتدفق منحدرا من سطح المنزل. . . وإلى اليوم لم يدرك قيصر، وهو الرجل الخجول، كيف تسنى له أن يبدأ بحديث مع سيدة غربية عنه، ولكن لعل فوزه في رماية القرص عصر ذلك اليوم أحيا فيه النشوة. والخلاصة أنه خلع معطفه وقدمه إلى تلك الآنسة، وارتبك في القول - (أنت هنا عرضة للتبلل بالماء. . . ارتدى هذا المعطف) ودهشت الآنسة من قوله ونظرت إليه في عجب وقالت: - (ولكن كيف لي أن أقبل منك ذلك؟. . . وأنت؟) ولحظ قيصر أن لها عيونا ناعسة ساحرة، ولم يكن تبينها من قبل وقال لها: - (لم يبق لي أن أسير طويلا، فنهاية سيري عند منعطف الشارع) وكان ذلك منه اختلاقا، وترددت الآنسة بادئ ذي بدء، وكان من الواضح أن حرصها على ثوبها الجديد جعلها تتقبل في النهاية تلك التضحية. وأجابت - (حقا إن ذلك لعطف منك عظيم. لقد انهالت الأمطار فجأة ويلوح لي أنها لن تحتبس قريبا. إنني مدينة لك بالشكر) فأجابها قيصر وفي نبرات صوته شجاعة الكرام - (إنه أمر لا يستحق أن ينوه به)

стр. 9758

وكان قد اعتزم المسير، فسألته الآنسة: - (ولكن إلى أي مكان أرده؟) فقال: (اسمي قيصر سمث) وسرعان ما حدقت فيه الآنسة وقالت: - (ما أروعه اسما! قيصر؟) وأجاب في تواضع القنوع: (أي، ولماذا؟) ثم فاه بكلام كبير المغزى إذ قال: - (لا تكلفي نفسك مشقة إرجاع المعطف) ثم سكت برهة وقال: - (سأحضر بنفسي لآخذه) فترددت الآنسة لحظة ثم قالت: - (حسنا. إني أدعى شيلا هيرست وأسكن في شارع مونرو رقم ١١٤) وأسرع في ارتشاف ابتسامتها العذبة واستمر يتابعها بنظراته حتى أدركه جارف من الماء انساق إليه من حافة قبعته، فذكره بأن الوقت قد حان ليرجع إلى المنزل وفي المساء التالي ذهب ليسترجع معطفه؛ فتعرف إلى المستر هيرست وزوجته، وقد استبقياه لتناول الشاي. وفي خلال ذلك تعرف إلى (المستر راند) الذي كانت له حظوة عند كل فرد من عائلة هيرست. وتراءى لقيصر أن تلك الحظوة وذلك العطف فيهما الكثير من المبالغة التي لا مبرر لها. وكان للمستر راند سيارة اتفق المجتمعون على أن يستقلوها إلى الشاطئ. وهنالك لم يجد قيصر من يتحدث إليه غير المستر هيرست، إذ أن راند كان يسير في صحبة (شيلا) على بضع خطوات خلفهما. ثم دعوا قيصر إلى العشاء في ذلك اليوم، وفي خلاله اختصته شيلا بابتسامة عذبة وانتهى الأمر بقيصر إلى هذا الحد. ومنذ ذلك اليوم وهو يحمل وجها عبوسا، وما ذلك إلا لتأكده من أن مشاعره تحمل الحب لشيلا، ولكن أي أمل له - وهو الموظف البسيط ذو الأجر الضئيل - في آنسة يبتغيها لنفسه رجل مثل (راند) الثري. وبالمال الوفير تستهوى كل آنسة؛ ثم ماذا يقدمه لها عوضا عن المال؟ أيقدم اسمه العظيم الذي لم يحسن حتى اليوم

стр. 9759

صيانته؟ أم يقدم لقبه كرئيس لجمعية رماية القرص؟ لا شك أن هذا وذاك لا يغري، وليس ثمة من فائدة ترتجى أما لو كنت رئيسا أو وكيلا لرئيس أو على الأقل سكرتيرا لإحدى المؤسسات الكبرى، وكان لدى ما فيه الكفاية من المال لما توانيت عن نقش اسمي ووظيفتي على قبعتي، ولأمكنني إذن أن أفصح عما يخالج نفسي، ولعرفت كيف أرفع من شأن اسمي. ولكن أي حال عليها أنا الآن؟ قيصر!! لاشك أنه هزؤ وسخرية، وما دمت موظفا بسيطا في (محل دولتل وشركائه) فلست قيصرا بل مجرد (أنت يا سمث) أو (أي. أنت الذي هنالك) ذلك إذا ما أريد مني شيء وانطوى على أفكاره، ثم تذكر موعده فسار إلى منزل شيلا، ولاحت له من بعد سيارة (راند) مستقرة أمام المنزل. والأولى أن نتغاضى عما تمتم به ساعة أن رآها وسألها (راند) أثناء تناول الطعام: - إذن فستحضرين يوم السبت إلى ملعب كرة القدم، حيث تشاهدينني في الحفلة التي تقام ضد فرقة الأبطال الأقدمين) وأجابت شيلا: (نعم) ونظرت إلى قيصر وقالت: - (ولعلك تحضر أنت أيضا!) وهز هذا رأسه وقال: - (إنني آسف، إذ أني سأشترك في اللعب) وسأله (راند): (أي شيء، كرة القدم؟) ثم نظر إلى قيصر متعجبا من ضآلة جسمه وحقارة مظهره الذي لا ينم عن بطولة واحمر وجه قيصر خجلا وقال: - (كلا، بل رماية القرص) فقال (راند) هازئا: - (أي، إنكم ترمون بذلك الطبق الصغير هنا وهنالك، أليس كذلك؟ لقد فعلت هذا يوم أن كنت صبيا. أما الآن فأني أجدها لعبة مملة)

стр. 9760

وأجاب قيصر لفوره: - (وكذا شأني وكرة القدم. لقد كنت أبحث دائما عن لعبة تتجلى فيها المهارة. ولا شك أن قرصا يرمي ليصيب هدفا أدعى للمهارة والدقة من كرة تدفع بالأرجل لتتقدم في السير) وتدخلت شيلا في ذلك الحديث الذي أخذ يشتد وقالت: - (ألم نذكر شيئا عن النزهة بالسيارة؟) وتحمس (راند) وقال: - (بلى، دعينا نذهب إلى الشاطئ) والتفتت شيلا لقيصر وقالت له: - (وستكون بالطبع معنا) وما أن وصلوا إلى الشاطئ حتى نزل ثلاثتهم من السيارة، وأخذوا يتريضون في طريق البحر، وقد خلا من الناس أو كاد، ولم يبقى إلا بضعة أفراد متفرقين يستمتعون بالاستحمام في البحر وأرادت شيلا أن تطرق حديثا لا يجر إلى المشادة، فسألت: - (هل يمكنك السباحة؟) ولم يعرف كلاهما لمن وجه السؤال، إلا إن قيصر بادر بالإجابة فقال: - (قليلا، إذ لم أتدرب عليها التدريب الكافي) ثم قال (راند): - (وكذلك حالي، إن لعب كرة القدم يستولي على كل وقتي، ولهذا كانت معرفتي بالسباحة ليست عظيمة للغاية) وسألته شيلا ثانية: - (وماذا أنت فاعل إذا رأيت رجلا يغرق؟ وليكن على سبيل المثال ذلك الرجل) وأشارت بإصبعها إلى رجل يسبح على بعد غير كبير من الشاطئ وأجاب (راند) في لهجة الواثق من نفسه: - (بالطبع أقذف نفسي في الماء وأعود به إلى الشاطئ) ونظرت شيلا إلى قيصر وقالت:

стр. 9761

- (وهذا ما أنت فاعله أيضا، أليس كذلك؟) وتردد قيصر في الجواب ورنا ببصره إلى ما وراءه فوجد قائمة في مدخل البحر معلقا بها (حزام النجاة) مشدودا بحبل إلى القائمة. فقال: - (كلا، إنني لا أقذف بنفسي في اليم إذ أني لا أجيد السباحة، ولا يمكنني أن أسدي للغريق نفعا) وصاح راند بصاحبه: (أي جبان!) ضمنها شيء من السخرية وحدقت شيلا في قيصر الذي يحمل اسما كثير الوعود والآمال. وسألته مرة أخرى: - (إذن تتركه يغرق؟) فأجاب قيصر: (كلا) وقبل أن يتم حديثه أخذ السابح - وقد كان على وشك النسيان منهم - في أن يثير المسألة بنفسه. وكانت مفاجأة عجلى ساعة أن رفع السابح ذراعيه في الهواء وصرخ مستغيثا. فنزع راند معطفه. ثم تردد وقال في نفسه: هل من الأنصاف أن أضحي بحياتي؟ ولاشك أنه رأى في هذه اللحظة الماء في تلك البقعة أعمق منه في المحيط، ثم هو أصقع من ثلج القطب. وحثته شيلا، وقد بدأ القلق ينتابها: - (أسرع إنه يشرف على الغرق) وصاح الرجل من الماء في صوت يكاد يختنق: - النجدة، النجدة!! وصاحت شيلا مرة أخرى: - (أسرع، أسرع وإلا ذهبت أنا بنفسي إليه) وقال قيصر بينما كان منافسه يتباطأ بشكل مزر ليخلع حذاءه: - (قفي مكانك!) ثم انتزع (حزام النجاة) واتخذ موقفا كالذي اعتاد أن يقفه في عصر كل يوم سبت لرماية القرص. ثم رمى رميته فتطاير الحزام مع الهواء ورسم في الفضاء قوسا عاليا، ثم انبطح دفعة على الماء. وقد كاد يسقط على رأس المشرف على الغرق وقال قيصر وقد تملكته

стр. 9762

السكينة والثقة بالنفس: - (مصيب!. . . يقدر بنقطتين. .) وكانت شيلا ترقب رميته وتتابعها بنظرات وجلة. فلما أن اقتيد الرجل الذي نجا وجيء به إلى الشاطئ وأفرغ زفيره وتأوهاته، سأل عمن رمى إليه بحزام النجاة، فأشارت شيلا إلى قيصر وقد تملكها الفخار وحدق الرجل الذي نجا من الغرق في قيصر وقال له: - (ظننت حقا أن حياتي قد انقضت، إذ أصبت بتصلب في الشرايين فجأة. . . لقد كانت رمية متقنة) وأفصحت شيلا عن قيصر بقولها: إنه رئيس جمعية رماية القرص وقال الرجل وقد أدرك سر الأمر: - (آه، لهذا كانت تلك الرماية محكمة. والآن اسمح لي أن أقول لك إنك أستاذ ماهر. ولو أنك لم تكن هنا لكنت الآن في ناحية ما من قاع البحر. . . إنني أود من صميم فؤادي أن أقدم لك خدمة بأي حال، فعرفني ماذا تريد) وما فرغ من كلامه حتى أخذ ينظر إلى قيصر من قمة رأسه إلى أخمص قدميه، ثم سأله: - أين تعمل؟ فأجاب قيصر: - (في محل دولتل وشركائه) - (واسمك؟) - (قيصر سمث) وقال الآخر بصوت خافت: - (إن قيصر اسم بديع) ثم أفصح وقال: (واسمي بلوارك) وأعقبه قيصر متسائلا: - (من مصنع ينيفرسال للسيارات؟!) فقد كان اسم بلوارك معروفا للجميع، حتى لصبية الشارع فقال هذا: - (نعم، وإن لم تعلق أهمية خاصة على وظيفتك الحالية فإني أتقبلك في محل

стр. 9763

عملي بكل ارتياح إنني دائما في حاجة إلى شاب له قدرة على العمل في الوقت المناسب والرجل العملي يجد عندي الطريق مفتوحا أمامه.) وأبرقت عينا قيصر وتمتم: - (إذا فلا أقل من سكرتير!) واتجه ببصره نحو شيلا التي كانت تحدق فيه طوال هذه المدة والإعجاب به قد تملكها واندفع قيصر قائلا وكأنه قد استقر على أمر - (ليس من طبعي أن أستخلص الحوادث فأستثمرها لنفسي، ولكن إن كنت حقا في حاجة إلي فأني أبحث عن وظيفة تمكنني من الزواج.) ثم أخذ يد شيلا في يده، فما تراجعت ولا وهنت، وكان ذلك أمام سمع (راند) وبصره الذي تبلبل وانطفأ منذ اللحظة الأولى لتلك الواقعة وهكذا جاوز قيصر كل تقدير نقلها عن الإنجليزية ا. ا. ي

стр. 9764

البريد الأدبي نظرية النشوء بعد مائة عام احتفلت جمعية علماء الزولوجيا (علم الحيوان) في لندن أخيرا بالذكرى المئوية لرحلة العلامة تشارلس داروين إلى أمريكا الجنوبية وجزائر المحيط الهادي؛ وقد أصبح اسم داروين في عصرنا علما على نظرية النشوء والتطور التي تذهب إلى تسلسل الإنسان من سلالة أحط من الحيوان، وأضحت النظريات الدارونية في ذلك علما راسخا، وكانت رحلة داروين الشهيرة التي كانت أساس مباحثه في (أصول الأنواع) في سنة ١٨٣١؛ وكان داروين يومئذ في الثانية والعشرين، وقد أتم دراسته الجامعية وملكه حب المباحث النباتية والحيوانية، فانتخب باحثا طبيعيا مع جماعة من العلماء جهزتها جامعة كمبردج، واستقلت السفينة الشهيرة المسماة (بيجل) إلى أمريكا الجنوبية، ولبثت السفينة بيجل تطوف أرجاء المياه الأمريكية، ومياه المحيط الهادي حتى بلغت أقصى جزائرها المسماة (جلاباجوس)، وقطعت في هذه المرحلة نحو خمسة أعوام، ولم تعد إلى إنكلترا إلا في سنة ١٨٣٦، وفي أثناء هذا الطواف كان داروين يجمع المعلومات والملاحظات الدقيقة عما يراه من الحيوان والنبات. وإليك ما يقوله لنا عن هذه المباحث في مقدمته لكتابه الشهير في (أصول الأنواع): (لما ركبت السفينة بيجل كباحث طبيعي، لفتت نظري بعض الحقائق الخاصة بتوزيع المخلوقات التي تسكن أمريكا الجنوبية بالعلائق الجيولوجية بين سكان هذه القارة في عصرنا وبينهم في الماضي. وقد لاح لي أن هذه الحقائق قد تلقي بعض الضياء على (أصول الأنواع) أو مسالة المسائل كما سماها فيلسوف من أعظم فلاسفتنا؛ ولما عدت إلى الوطن سنة ١٨٣٧، فكرت أنه قد يمكن استخراج شيء في هذا الموضوع بجمع هذه الحقائق وتأملها، وبعد دراسة خمسة أعوام، سمحت لنفسي أن أتناول الموضوع وأن أكتب عنه بعض مذكرات، ثم استخرجت النتائج التي لاحت لي وجاهتها، وما زلت من وقتها إلى يومنا أتابع مباحثي في الموضوع) وقد ضمن داروين مباحثه الأولى كتابا سماه (رحلة السفينة بيجل) وفي سنة ١٨٥٩ أخرج كتابه الشهير الذي يعتبر فاتحة عصر في المباحث الطبيعية، وهو كتاب (أصول

стр. 9765

الأنواع) فأثار ظهوره أعظم اهتمام في الأوساط العلمية، وما زال داروين يشتغل بنظرياته ومباحثه في هذا الميدان لا يتحول عنها قط حتى أخرج في سنة ١٨٧١ كتابه عن (سلالة الإنسان)؛ يتناول أصل الإنسان ونشأته وتسلسله، ومن ذلك الحين اشتهر مذهب النشوء والتسلسل، وأثارت نظريات داروين في طبقات الكافة سخطا واشمئزازا لأنها لم تفهم على حقيقتها، بل فهمت على أنها تذهب إلى تسلسل الإنسان من القرد. ولداروين مباحث وكتب أخرى في هذا الباب يضيق عن ذكرها المقام قاموس الأكاديمية الفرنسية من المعروف أن الأكاديمية الفرنسية قد أنشئت في الأصل منذ ثلثمائة عام لتعنى (بتوسيع اللغة الفرنسية وتجميلها) حسبما ورد في قانونها التأسيسي. ومع أن الأكاديمية قد استحالت بمضي الزمن إلى هيئة أدبية كبرى تقود الآداب الفرنسية وتجمع صفوة زعمائها، فأنها لبثت مع ذلك تحرص على أداء المهمة الأصلية التي خلقت من أجلها، وهي تنقية اللغة وتحسينها وصقلها. وجهود الأكاديمية في هذا السبيل تبدو في القاموس الجامع الذي وضعته عن اللغة الفرنسية؛ وقد ظهر هذا القاموس في الصيف الماضي لمناسبة الاحتفال بمضي ثلثمائة عام على تأسيس الأكاديمية، والطبعة الحالية من القاموس هي الطبعة الثامنة، وقد بدأ في وضعها منذ سبعة وخمسين عاما! ولولا أن لجنة القاموس ضاعفت جهودها في الأعوام الأخيرة لما ظهر هذا القاموس الشهير. على أن الأكاديمية لقيت في وضعه صعابا لا نهاية لها، وخصوصا في العصر الأخير حيث كثرت الاختراعات العلمية، وتغيرت أوضاع الحياة، وتغلغلت في اللغة تعبيرات وكلمات جديدة لا نهاية لها. ومع ذلك فان إصداره بعد هذه الحقبة الطويلة يعد عملا من أعمال الأكاديمية نظرا لغزارته ودقته وجدته وبديع تصنيفه وفات كاتب إنجليزي في الأنباء الأخيرة أن الكاتب القصصي الإنكليزي الكبير سيلاس هوكنج قد توفي في الخامسة والثمانين من عمره، وكان هوكنج من رجال الدين، وتولى عدة مناصب دينية في شبابه؛ ولكنه منذ سنة ١٨٩٦، نبذ حياة الكنيسة، وخاض غمار الحركة السياسية، ودخل

стр. 9766

البرلمان عضوا من حزب الأحرار، وفي أثناء ذلك ظهر هوكنج بكتاباته، واشتهرت قصصه، وكان معاصرا لعدة من أكابر كتاب القصص مثل كونان دويل، وجالز ويرثي، والسير هاجارد، وجوزيف كونراد، وستانلي ويمان وغيرهم، ولكنه لم يبلغ من القوة والشهرة مبلغ هؤلاء؛ بيد أنه من كتاب هذه المدرسة البارزين. ومن قصصه الشهيرة: (آلك جرين) (رغم القدر) (ضوء الساحر) (الرجل الصامت) (المراقبون في الفجر) (يقظة أنتوني وير) وغيرها ترجمة لانسبوري بقلمه المستر جورج لانسبوري زعيم حزب العمال البريطاني شخصية عظيمة في السياسة الإنكليزية، وفي المجتمع الإنكليزي؛ وقد نشأ عصاميا، في أوضع البيئات والأوساط، فاشتغل حمالا للفحم، وعاملا، وذاق شظف العيش والحياة الشاقة، وهو اليوم في السادسة والسبعين من عمره، ولكنه ما زال جم النشاط يتزعم حركة المعارضة في البرلمان، ويتزعم حزب العمال، ويشرف على تحرير جريدة الحزب (الديلي هرالد)، وقد أخرج أخيرا كتابا يحتوي ترجمة حياته؛ وفيه يصف حياة الأحياء والمجتمعات الفقيرة في مدينة لندن منذ ستين أو سبعين عاما حينما كان يطوفها صبيا عاري القدمين؛ ثم يصف أدوار حياته، وكفاحه في سبيل رفاهة العمال، ومثابرته على خدمة القضية التي مازال يخدمها. ويبدو مستر لا نسبوري في كتابه رقيق العاطفة فياض الرحمة والإنسانية، والعطف على الفقير والبائس مؤتمر للصحافة عقد في منتصف شهر سبتمبر بمدينة لندن مؤتمر للصحافة بأشراف معهد لندن الصحفي؛ وأرسل مستر بلدوين رئيس الوزارة إلى المؤتمر رسالة نوه فيها بأهمية الصحافة ومسئوليتها العظيمة، وتأثيرها القوي في تسيير الرأي العام وتقديره للشؤون العامة. وألقيت في المؤتمر خطب عديدة نوه فيها بأهمية الصحافة الحرة، وحاجتها إلى قانون تنظم فيه هذه الحرية؛ ولما كان في القانون الجديد الذي صدر خاصا بنشر ما يتعارض مع هذه الأمنية، فقد أعرب المؤتمر عن أمله في أن يترك للصحفيين حق تنظيم شؤونهم الخاصة، وقرر

стр. 9767

السعي لدى البرلمان لحمله على تحقيق هذه الأمنية بإصدار قانون جديد، وقرر المؤتمر أيضا أن ينشئ نظاما للمعاش يغذي الصحفيين العاطلين والمعوزين أوتوكار أوسترشيل توفي أخيرا في براج عاصمة تشيكوسلوفاكيا الموسيقي الشهير أوتكار أوسترشيل مدير المسرح الوطني ببراج، وقد كان أسترشيل زعيم المدرسة الموسيقية الحديثة في تشيكوسلفاكيا؛ ودرس في النمسا وألمانيا، وظهر منذ شبابه بالبراعة في التأليف الموسيقي، وله مؤلفات عديدة في الموسيقى وقطع موسيقية شهيرة ما تزال تحتفظ بروعتها وجدتها، وكانت وفاته في عنفوان قوته وشهرته إذ لم يجاوز العقد الخامس إلا بأعوام قلائل

стр. 9768

الكتب وادي النطرون وتاريخ الأديرة البحرية للأمير عمر طوسون للأستاذ محمد بك كرد علي وضع الأمير تآليفه لخدمة مصر والسودان، فهي الآن تملأ قمطرا جميلا من قماطر التاريخ والاجتماع والاقتصاد والمالية وغيرها. ومنها ما كتبه بالفرنسية (١) كمذكراته في فروع النيل في القديم وعلى العهد العربي (مجلدان)، و (٢) مذكرات في مالية مصر منذ عهد الفراعنة إلى أيامنا هذه (مجلد واحد)، و (٣) مذكرات في تاريخ النيل (ثلاثة مجلدات)، و (٤) كتاب في جغرافية مصر في عهد العرب (مجلد واحد)، و (٥) عاقبة أمر المماليك، و (٦) بحث في وادي النطرون ورهبانه وأدياره وغير ذلك. ومن تآليفه بالعربية (٧) كتاب مالية مصر من عهد الفراعنة إلى الآن (مجلد ضخم)، و (٨) بطولة الأورطة السودانية المصرية في حرب المكسيك، و (٩) الصنائع والمدارس العربية والبعثات العلمية في عهد محمد علي باشا، و (١٠) الجيش المصري، و (١١) البحرية المصرية، و (١٢) كتاب البعثات العلمية في عهدي عباس الأول وسعيد، و (١٣) يوم ١١ يوليه سنة ١٨٨٢؛ وغير ذلك من أبحاثه ومقالاته بالعربية والفرنسية مما ينشره في الصحف والمجلات بالمناسبات وآخر ما صدر من قلم الأمير بالعربية (١٤) (وادي النطرون ورهبانه وأديرته ومختصر تاريخ البطاركة) مذيلا بكتاب (تاريخ الأديرة البحرية)، و (١٥) كتاب للباحث المطلع (المحزون) في (ضحايا مصر في السودان وخفايا السياسة الإنجليزية) (طبعة ثالثة) طبع على نفقة دائرة سمو الأمير في مطبعة السفير بإسكندرية، وقد قد الأمير كتاب وادي النطرون إلى صاحب الغبطة الانبا يؤانس (بابا وبطريرك الكرازة المرقسية الثالث عشر بعد المائة) ودل المؤلف فيه على كثرة بحثه ودرسه وأنه خادم أمين لمصر وسودانها، في جميع المظاهر النافعة، وأنه حسنة من حسنات مصر الحديثة، ما أحرز شهرته العالمية إلا من طريق العلم والعمل والإخلاص لمصر خاصة، والمسلمين في الأرض عامة. فجزاه الله

стр. 9769

عن العلم أفضل ما يجازي من أخلصوا في خدمته، ونفع بثمرات اجتهاده مصر والمصريين من أفلاطون إلى ابن سينا للأستاذ جميل صليبا نشر مكتب النشر العربي بدمشق ست محاضرات في تلخيص فلسفة أفلاطون والفلسفة العربية وفي الفارابي والجمع بين رأيي الحكيمين أفلاطون وأرسطو، وفي جمهورية أفلاطون والمدينة الفاضلة، وفي نظرية الفيض عند ابن سينا، أو صدور الموجودات عن الخالق، وفي نظرية النفس عند ابن سينا، وفي نظرية ابن سينا في السعادة. قال المؤلف: إذا درسنا فلسفة ابن سينا رأينا أنها تختلف عن فلسفة أرسطو في كثير من المسائل، كفكرة الفيض، وفكرة خلود النفس وغيرهما، وأن ابن سينا متفق مع أرسطو في الطرائق والوسائل، ومختلف عنه في الغايات والمقاصد، ولعله لم يبتعد عن أرسطو في بعض المسائل إلا لتأثره بالوسط الاجتماعي، ورغبته كالفارابي في الجمع بين الدين والفلسفة، فقد كان الفارابي يعتقد أن الفلسفة واحدة، وأن مقاصدها الحقيقية لا تختلف عن مقاصد الدين. وكان ابن سينا يرى كابن الطفيل أن النبوة حالة طبيعية من أحوال النفس، لا فرق بين الدين والفلسفة إلا من حيث الظاهر. وقال إن الجمع بين الدين والفلسفة كان من أكبر العوامل التي حدت بالفارابي وابن سينا أن يعرضا أحيانا عن أرسطو ويتبعا أفلاطون، وقد سارا في ذلك على طريقة فلاسفة الإسكندرية؛ ووجدا في ترجمة كتب أفلاطون خير معين على ذلك. وقد بسط صاحب هذه المحاضرات هذه المباحث بسطا يقربه من الأذهان معتمدا على مصادر عربية وغربية، فالشكر لعنايته وأدبه كتاب محاسن أصفهان تأليف مفضل بن سعد بن الحسين المافروخي الأصفهاني ويليه رسالة الإرشاد في أحوال الصاحب الكافي إسمعيل بن عباد

стр. 9770

صاحب كتاب محاسن أصفهان من علماء القرن الخامس للهجرة، فارسي أصفهاني استعمل السجع في كلامه حتى كادت تضيع المعاني، وكتب كتابه على بلده كتابة مبالغة وتمدح، وفيه فوائد لمن تهمه أحوال تلك الديار في تلك العصور. ومما نقله المؤلف كتاب للحجاج. قيل إنه كتبه لوهزاذين يزداذ بن الأنباري، وكان قريبا لكاتبه المجوسي الأصفهاني جاء فيه: أما بعد فإني استعملتك على أصفهان، أوسع الأرض رقعة وعملا، وأكثرها خراجا وأزكاها أرضا، حشيشها الزعفران والورد، وجبلها الفضة والكحل، وأشجارها الجوز واللوز والجلوز وما أشبهها، والتين والزيتون والكروم الكريمة، والفواكه العذبة، وطيورها عوامل العسل. وماؤها الفرات، وخيلها الماذيانات الجياد. . . فايم الله لتبعثن إلي بخراج أصفهان كلها أو لأجعلنك طوابيق على باب مدينتها، فاختر أوفق الأمرين لك، فقد عظمت جنايتك علي وأسأت إلى نفسك. . .) وساق المؤلف حديث (لو كان الإيمان يناط بالثريا لتناوله رجال من الفرس أو قال من هؤلاء). وذكر في جملة فلاسفتها ومهندسيها ومنجميها وأطبائها جماعة من اليهود منهم: يوسف اليهودي، ويعقوب اليهودي، والفرج بن سهل اليهودي، إلى غيرهم من المسلمين والمجوس؛ وذكر في شعرائهم طائفة من الشعراء بالعربية وأخرى من شعراء الفارسية، وكذلك من كتاب العاصمة على اختلاف لغتهم وذكر المؤلف ما في داخل أصفهان من الدور السرية وأن منها ما يصلح لأمير كبير، وأن في أسواقها طرائف بغداد، وخزوز الكوفة، وديباج الروم وتستر، وبز مصر وقباطيها، وجواهر البحرين، وآبنوس عمان، ونوادر الصين، وفراء خراسان، وخشب طبرستان، وأكسية آذربيجان وأصوافها، وفرش إرمينية، وما يقاربها من الظروف والأواني والفرش والأمتعة والأثاث والعقاقير والأدوية والأخلاط والأبازير التي مساقطها من البلدان المتطارحة والأوطان المتنازحة، ووصف جوامع أصفهان ومنها جامع الخصيب بن مسلم لا يصلي فيه في الصلوات الخمس أقل من خمسة آلاف رجل (وتحت كل اسطوانة منه شيخ مستند ينتابه جماعة من أهلها بوظيفة درس، أو رياضة نفس، تزيد بمناظرة الفقهاء، ومطارحة العلماء، ومجادلة المتكلمين، ومناصحة الواعظين، ومحاورات المتصوفين، وإشارات العارفين، وملازمة المعتكفين، إلى ما يتصل به وينظم إليه من خانكاهات قوراء مرتفعة، وخانات عامرة متسعة، قد وقفت لأبناء السبيل من الغرباء والمساكين والفقراء،
следующие страницы →