← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 9766–9805 · переход к 9771.

стр. 9766

البرلمان عضوا من حزب الأحرار، وفي أثناء ذلك ظهر هوكنج بكتاباته، واشتهرت قصصه، وكان معاصرا لعدة من أكابر كتاب القصص مثل كونان دويل، وجالز ويرثي، والسير هاجارد، وجوزيف كونراد، وستانلي ويمان وغيرهم، ولكنه لم يبلغ من القوة والشهرة مبلغ هؤلاء؛ بيد أنه من كتاب هذه المدرسة البارزين. ومن قصصه الشهيرة: (آلك جرين) (رغم القدر) (ضوء الساحر) (الرجل الصامت) (المراقبون في الفجر) (يقظة أنتوني وير) وغيرها ترجمة لانسبوري بقلمه المستر جورج لانسبوري زعيم حزب العمال البريطاني شخصية عظيمة في السياسة الإنكليزية، وفي المجتمع الإنكليزي؛ وقد نشأ عصاميا، في أوضع البيئات والأوساط، فاشتغل حمالا للفحم، وعاملا، وذاق شظف العيش والحياة الشاقة، وهو اليوم في السادسة والسبعين من عمره، ولكنه ما زال جم النشاط يتزعم حركة المعارضة في البرلمان، ويتزعم حزب العمال، ويشرف على تحرير جريدة الحزب (الديلي هرالد)، وقد أخرج أخيرا كتابا يحتوي ترجمة حياته؛ وفيه يصف حياة الأحياء والمجتمعات الفقيرة في مدينة لندن منذ ستين أو سبعين عاما حينما كان يطوفها صبيا عاري القدمين؛ ثم يصف أدوار حياته، وكفاحه في سبيل رفاهة العمال، ومثابرته على خدمة القضية التي مازال يخدمها. ويبدو مستر لا نسبوري في كتابه رقيق العاطفة فياض الرحمة والإنسانية، والعطف على الفقير والبائس مؤتمر للصحافة عقد في منتصف شهر سبتمبر بمدينة لندن مؤتمر للصحافة بأشراف معهد لندن الصحفي؛ وأرسل مستر بلدوين رئيس الوزارة إلى المؤتمر رسالة نوه فيها بأهمية الصحافة ومسئوليتها العظيمة، وتأثيرها القوي في تسيير الرأي العام وتقديره للشؤون العامة. وألقيت في المؤتمر خطب عديدة نوه فيها بأهمية الصحافة الحرة، وحاجتها إلى قانون تنظم فيه هذه الحرية؛ ولما كان في القانون الجديد الذي صدر خاصا بنشر ما يتعارض مع هذه الأمنية، فقد أعرب المؤتمر عن أمله في أن يترك للصحفيين حق تنظيم شؤونهم الخاصة، وقرر

стр. 9767

السعي لدى البرلمان لحمله على تحقيق هذه الأمنية بإصدار قانون جديد، وقرر المؤتمر أيضا أن ينشئ نظاما للمعاش يغذي الصحفيين العاطلين والمعوزين أوتوكار أوسترشيل توفي أخيرا في براج عاصمة تشيكوسلوفاكيا الموسيقي الشهير أوتكار أوسترشيل مدير المسرح الوطني ببراج، وقد كان أسترشيل زعيم المدرسة الموسيقية الحديثة في تشيكوسلفاكيا؛ ودرس في النمسا وألمانيا، وظهر منذ شبابه بالبراعة في التأليف الموسيقي، وله مؤلفات عديدة في الموسيقى وقطع موسيقية شهيرة ما تزال تحتفظ بروعتها وجدتها، وكانت وفاته في عنفوان قوته وشهرته إذ لم يجاوز العقد الخامس إلا بأعوام قلائل

стр. 9768

الكتب وادي النطرون وتاريخ الأديرة البحرية للأمير عمر طوسون للأستاذ محمد بك كرد علي وضع الأمير تآليفه لخدمة مصر والسودان، فهي الآن تملأ قمطرا جميلا من قماطر التاريخ والاجتماع والاقتصاد والمالية وغيرها. ومنها ما كتبه بالفرنسية (١) كمذكراته في فروع النيل في القديم وعلى العهد العربي (مجلدان)، و (٢) مذكرات في مالية مصر منذ عهد الفراعنة إلى أيامنا هذه (مجلد واحد)، و (٣) مذكرات في تاريخ النيل (ثلاثة مجلدات)، و (٤) كتاب في جغرافية مصر في عهد العرب (مجلد واحد)، و (٥) عاقبة أمر المماليك، و (٦) بحث في وادي النطرون ورهبانه وأدياره وغير ذلك. ومن تآليفه بالعربية (٧) كتاب مالية مصر من عهد الفراعنة إلى الآن (مجلد ضخم)، و (٨) بطولة الأورطة السودانية المصرية في حرب المكسيك، و (٩) الصنائع والمدارس العربية والبعثات العلمية في عهد محمد علي باشا، و (١٠) الجيش المصري، و (١١) البحرية المصرية، و (١٢) كتاب البعثات العلمية في عهدي عباس الأول وسعيد، و (١٣) يوم ١١ يوليه سنة ١٨٨٢؛ وغير ذلك من أبحاثه ومقالاته بالعربية والفرنسية مما ينشره في الصحف والمجلات بالمناسبات وآخر ما صدر من قلم الأمير بالعربية (١٤) (وادي النطرون ورهبانه وأديرته ومختصر تاريخ البطاركة) مذيلا بكتاب (تاريخ الأديرة البحرية)، و (١٥) كتاب للباحث المطلع (المحزون) في (ضحايا مصر في السودان وخفايا السياسة الإنجليزية) (طبعة ثالثة) طبع على نفقة دائرة سمو الأمير في مطبعة السفير بإسكندرية، وقد قد الأمير كتاب وادي النطرون إلى صاحب الغبطة الانبا يؤانس (بابا وبطريرك الكرازة المرقسية الثالث عشر بعد المائة) ودل المؤلف فيه على كثرة بحثه ودرسه وأنه خادم أمين لمصر وسودانها، في جميع المظاهر النافعة، وأنه حسنة من حسنات مصر الحديثة، ما أحرز شهرته العالمية إلا من طريق العلم والعمل والإخلاص لمصر خاصة، والمسلمين في الأرض عامة. فجزاه الله

стр. 9769

عن العلم أفضل ما يجازي من أخلصوا في خدمته، ونفع بثمرات اجتهاده مصر والمصريين من أفلاطون إلى ابن سينا للأستاذ جميل صليبا نشر مكتب النشر العربي بدمشق ست محاضرات في تلخيص فلسفة أفلاطون والفلسفة العربية وفي الفارابي والجمع بين رأيي الحكيمين أفلاطون وأرسطو، وفي جمهورية أفلاطون والمدينة الفاضلة، وفي نظرية الفيض عند ابن سينا، أو صدور الموجودات عن الخالق، وفي نظرية النفس عند ابن سينا، وفي نظرية ابن سينا في السعادة. قال المؤلف: إذا درسنا فلسفة ابن سينا رأينا أنها تختلف عن فلسفة أرسطو في كثير من المسائل، كفكرة الفيض، وفكرة خلود النفس وغيرهما، وأن ابن سينا متفق مع أرسطو في الطرائق والوسائل، ومختلف عنه في الغايات والمقاصد، ولعله لم يبتعد عن أرسطو في بعض المسائل إلا لتأثره بالوسط الاجتماعي، ورغبته كالفارابي في الجمع بين الدين والفلسفة، فقد كان الفارابي يعتقد أن الفلسفة واحدة، وأن مقاصدها الحقيقية لا تختلف عن مقاصد الدين. وكان ابن سينا يرى كابن الطفيل أن النبوة حالة طبيعية من أحوال النفس، لا فرق بين الدين والفلسفة إلا من حيث الظاهر. وقال إن الجمع بين الدين والفلسفة كان من أكبر العوامل التي حدت بالفارابي وابن سينا أن يعرضا أحيانا عن أرسطو ويتبعا أفلاطون، وقد سارا في ذلك على طريقة فلاسفة الإسكندرية؛ ووجدا في ترجمة كتب أفلاطون خير معين على ذلك. وقد بسط صاحب هذه المحاضرات هذه المباحث بسطا يقربه من الأذهان معتمدا على مصادر عربية وغربية، فالشكر لعنايته وأدبه كتاب محاسن أصفهان تأليف مفضل بن سعد بن الحسين المافروخي الأصفهاني ويليه رسالة الإرشاد في أحوال الصاحب الكافي إسمعيل بن عباد

стр. 9770

صاحب كتاب محاسن أصفهان من علماء القرن الخامس للهجرة، فارسي أصفهاني استعمل السجع في كلامه حتى كادت تضيع المعاني، وكتب كتابه على بلده كتابة مبالغة وتمدح، وفيه فوائد لمن تهمه أحوال تلك الديار في تلك العصور. ومما نقله المؤلف كتاب للحجاج. قيل إنه كتبه لوهزاذين يزداذ بن الأنباري، وكان قريبا لكاتبه المجوسي الأصفهاني جاء فيه: أما بعد فإني استعملتك على أصفهان، أوسع الأرض رقعة وعملا، وأكثرها خراجا وأزكاها أرضا، حشيشها الزعفران والورد، وجبلها الفضة والكحل، وأشجارها الجوز واللوز والجلوز وما أشبهها، والتين والزيتون والكروم الكريمة، والفواكه العذبة، وطيورها عوامل العسل. وماؤها الفرات، وخيلها الماذيانات الجياد. . . فايم الله لتبعثن إلي بخراج أصفهان كلها أو لأجعلنك طوابيق على باب مدينتها، فاختر أوفق الأمرين لك، فقد عظمت جنايتك علي وأسأت إلى نفسك. . .) وساق المؤلف حديث (لو كان الإيمان يناط بالثريا لتناوله رجال من الفرس أو قال من هؤلاء). وذكر في جملة فلاسفتها ومهندسيها ومنجميها وأطبائها جماعة من اليهود منهم: يوسف اليهودي، ويعقوب اليهودي، والفرج بن سهل اليهودي، إلى غيرهم من المسلمين والمجوس؛ وذكر في شعرائهم طائفة من الشعراء بالعربية وأخرى من شعراء الفارسية، وكذلك من كتاب العاصمة على اختلاف لغتهم وذكر المؤلف ما في داخل أصفهان من الدور السرية وأن منها ما يصلح لأمير كبير، وأن في أسواقها طرائف بغداد، وخزوز الكوفة، وديباج الروم وتستر، وبز مصر وقباطيها، وجواهر البحرين، وآبنوس عمان، ونوادر الصين، وفراء خراسان، وخشب طبرستان، وأكسية آذربيجان وأصوافها، وفرش إرمينية، وما يقاربها من الظروف والأواني والفرش والأمتعة والأثاث والعقاقير والأدوية والأخلاط والأبازير التي مساقطها من البلدان المتطارحة والأوطان المتنازحة، ووصف جوامع أصفهان ومنها جامع الخصيب بن مسلم لا يصلي فيه في الصلوات الخمس أقل من خمسة آلاف رجل (وتحت كل اسطوانة منه شيخ مستند ينتابه جماعة من أهلها بوظيفة درس، أو رياضة نفس، تزيد بمناظرة الفقهاء، ومطارحة العلماء، ومجادلة المتكلمين، ومناصحة الواعظين، ومحاورات المتصوفين، وإشارات العارفين، وملازمة المعتكفين، إلى ما يتصل به وينظم إليه من خانكاهات قوراء مرتفعة، وخانات عامرة متسعة، قد وقفت لأبناء السبيل من الغرباء والمساكين والفقراء،

стр. 9771

وبحذائه دار الكتب وحجرها وخزائنها اللواتي قد بناهن الأستاذ الرئيس أبو العباس أحمد الضبي ونضد فيها من الكتب عيونا، وخلدها من العلوم فنونا. ويشتمل فهرستها على ثلاثة مجلدات كبيرة من المصنفات في أسرار التفاسير وغرائب الأحاديث، ومن المؤلفات في النحو واللغة والتصريف والأبنية، ومن المدونات من غرر الأشعار، وعيون الأخبار، ومن الملتقطات من سنن الأنبياء والخلفاء، وسير الملوك والأمراء، ومن المجموعات من علوم الأوائل من المنطقيات والرياضيات والطبيعيات والإلهيات، وبذلك أدركنا أن الجامع الأعظم ودار الكتب في أصفهان هما من إنشاء العرب أيضا وفي الكتاب شعر كثير، ومسائل أقرب إلى أن تعد في باب الأساطير والخرافات منها إلى أن تعد في التاريخ والأدب. وما كتاب محاسن أصفهان إلا صورة صحيحة من تأليف الفرس في ذلك العصر، والمؤلف نفسه كثير المادة من الألفاظ، ضعيف في السبك، تقرأ العجمة في كل سطرين من كلامه. وقد طبع الكتاب في طهران الأستاذ السيد جلال الدين الحسيني الطهراني عن نسخة الميرزا جسنخان وثوق الدولة أحد زعماء السياسة في إيران، كتبت سنة خمس وثلاثين وسبعمائة، وقدم له مقدمة عربية وختمها بقوله: (وإني مع قلة بضاعتي في الفنون الأدبية، وكثرة اشتغالي بالعلوم الرياضية والفلكية، أرجو من مطالعي هذا الكتاب العفو عن زلتي في تصحيح بعض مواقعه) وقد وضع للكتابين فهارس الإعلام والأماكن والقبائل وطبعته (مكتبة الإقبال) في عاصمة إيران. أما رسالة الإرشاد فهي في مدح الصاحب بن عباد الوزير الكاتب المشهور تأليف أبي القاسم أحمد بن محمد الحسني الحسيني القوبائي الاصبهاني من علماء القرن الثالث عشر من الهجرة. فللناشر أطيب الشكر على عنايته محمد كرد علي

стр. 9772

العدد ١١٩ - بتاريخ: ١٤ - ١٠ - ١٩٣٥

стр. 9773

خزائن الكتب في القاهرة على ذكر الخزانة الزكية للدكتور عبد الوهاب عزام قرأت في إحدى الجرائد أن وزارة المعارف عزمت على نقل الخزانة الزكية - مكتبة أحمد زكي باشا ﵀ من مكانها في قبة الغوري إلى دار الكتب العامة. ويرحم الله زكي باشا؛ لو كان حياً لصال بلسانه وقلمه، وملأ الدنيا حجاجاً، وشغل رجال الحكومة بزياراته وأحاديثه، ليدافع عن كتبه العزيزة عليه التي أنفق عمره في جمعها، وأقامها مقام الأولاد فمنحها فكره وقلبه، فيمنعها أن تنقل من مكانها الذي اختاره في قبة السلطان الغوري. وكان ﵀ معجباً بالغوري إعجاباً طوى ما بينهما من عصور، فكان إذا تحدث عنه قال: (صديقي السلطان الغوري). لكن شيخ العروبة الذي كان نشاطاً لا يفتر، وحركة لا تسكن، وعملاً لا يمل؛ قد طواه الردى، فأصبحت (الخزانة الزكية) الخزانة اليتيمة ومن قبل نقلت إلى دار الكتب الخزانة التيمورية التي جمعها من أقطار الأرض العلامة التقي النقي أحمد تيمور باشا ﵀ وليست هذه سنة رشيدة؛ ليس سنة رشيدة أن تجمع الكتب في مكان واحد، وتحرم القاهرة المعزية إلا من مكتبة واحدة يزدحم فيها القراء من كل قبيل، ويلتقي فيها الباحث المدقق الذي يستقصي المخطوطات القديمة، والقارئ الذي يزجي وقته بقصة ملهية، ويفد إليها أهل القاهرة من المحلات الدانية والقاصية لا بد لنا من مكتبة عامة جامعة كدار الكتب، ولكن لابد لنا معها من مكتبات خاصة كالخزانة التيمورية والخزانة الزكية، يقصدها الباحثون المنقبون، ويؤمها خاصة المطالعين، فيجدون مكاناً ساكناً يسكنون إليه ويتعارفون فيه، ثم تكون لكل مكتبة خصائص معروفة تجذب إليها صفاً من الباحثين؛ ولابد لنا، إلى هذه وهذه من مكتبات محلية، يستفيد منها أهل كل محلة في القاهرة، يجدونها قريبة إليهم، ويلفون كتبها ميسرة لهم كان من سنن الحضارة الإسلامية الإكثار من خزائن الكتب الكبيرة والصغيرة في كل مدينة، وكان لكل مسجد كبير خزانة كتب، فكانت القراءة ميسورة لكل طالب في كل حي وفي كل مسجد، وليس يتسع المجال هنا للحديث عن خزائن الكتب في المدن الإسلامية القديمة في المشرق والمغرب فهو حديث طويل، وحسبك أن أبو تمام عوقه البرد في همذان

стр. 9774

فوجد في إحدى خزائنها ما يسر له اختيار حماسته، وأن ياقوتاً الحموي أقام في مرو الشاهجان فأفاد من اثنتي عشرة خزانة بها، في كل واحدة آلاف المجلدات. وهو يقول في معجم البلدان: (فكنت أرتع بها، وأقبس من فوائدها. وأنساني حبها كل بلد، وألهاني عن الأهل والولد. وأكثر فوائد هذا الكتاب وغيره مما جمعته فهو من تلك الخزائن). هذه مرو الشاهجان، فما ظنك ببغداد والقاهرة وقرطبة؟ كانت قرطبة لا تخلو دار كبيرة فيها من خزانة كتب وكان في الآستانة إلى عهد قريب زهاء أربعين خزانة، في كل جامع كبير واحدة، وكثير منها يشرف على حدائق، وتتهدل الأشجار عند منافذها. فليس يمل القارئ الجلوس بها، ولا يزعجه عن القراءة لغو ولا جلبة. وقد يجلس المطلع في مكتبة الفاتح فيود أن لا تنتهي القراءة ولا ينتهي الوقت. وقارئ الكتب أحوج الناس إلى المكان النزه الهادئ، يوحي السكينة إلى نفسه، ويجمع للمعرفة فكره، ويحبب إليه المثابرة والدأب. فأين من هذا دور الكتب الكبيرة المطبقة على المطالع بجدرانها، وجلبتها، والتي تقطع عليه فكره بمناظر الداخلين والخارجين. يود قاصدها أن يحصل أقل ما يريد في أقصر وقت فيسارع إلى الخروج. وكم ينتظر حتى يظفر بالكتاب المطلوب؟ وقد كان في القاهرة خزائن فرقتها يد الزمان العسراء، ولعبت بها غيره الهوجاء، ثم جمعت بقية الأحداث منها في دار الكتب المصرية؛ وقد رأينا وزارة الأوقاف إلى عهد قريب تجمع الكتب من المساجد فتضعها في الخزائن الزكية. لقد أحسنت الحكومة بما فعلت حينما كانت الكتب عرضة للضياع، غير مهيأة للانتفاع، ولكن الأحوال تغيرت، ودار الكتب ضاقت بما فيها، وغصت بزائريها. فعلينا أن نتدارك اليوم ما عجزنا عنه بالأمس، فنعنى بتجهيز القاهرة بخزائن الكتب المختلفة في المحلات المختلفة. ونحتفظ بما في المساجد من الكتب إن كان لها بقية لنجعلها نواة لمكتبات كبيرة ولم لا يكون لنا خزانة في الجامع العتيق، وكان مثابة العلم في مصر زمناً طويلاً؟ ولم لا يكون لنا خزائن في جامع ابن طولون، والجامع الأقمر، وخانقاة سعيد السعداء التي كانت مأوى كبار العلماء، ومساجد المؤيد، وبرقوق، والسلطان حسن، وكانت هذه المساجد معاهد للدرس، وقد اتخذنا بعضها اليوم مدارس أيضاً، فلماذا لا نتخذها معاهد لمطالعة الكتب؟

стр. 9775

لماذا لا ننتفع بهذه الأبنية الواسعة الشاهقة فنفسر أموالنا، ونعرف آثارنا، ونصل ماضينا بحاضرنا؟ وليت خزائن الكتب تتقسم العلوم فيقصد الباحثون الجامع العتيق ليقرأوا الفقه والحديث وكل ما كتب عن الفسطاط ومصر في عهد الفسطاط، ويذهبون إلى الجامع المؤيد ليقرأوا ما كتب عن المماليك، ويقصدون خانقاة سعيد السعداء أو تكية المولوية لقراءة التصوف، وهلم جرا هذه آراء يلقاها بالاستهزاء الذين خلعوا أنفسهم من تاريخنا وسننا، ولكني أرجو أن يكون لها من تفكير المفكرين نصيب وبعد، فينبغي أن تبقى الخزانة الزكية في مكانها إبقاء على السنن الصالحة، وتيسيراً للقراءة على طلابها، واحتفاظاً برغبة صاحب الكتب الذي بذل في جمعها من ماله وعمره، ولبث حياته يحنو عليها حنو الأب الشفيق على أولاده. ولا يزال أمام وزارة المعارف سعة للتفكير والعدول عن الخطأ الذي همت به. عبد الوهاب عزام

стр. 9776

٤ - الجمال البائس للأستاذ مصطفى صادق الرافعي قلت لها: أن قلبي وقلبك يتجاليان في هذه الساعة ويتباكيان؛ أتدرين ماذا يقول لك قلبي؟ إنه ليقول عني: أعزز علي بأن تكوني ههنا، وأن تتألف منك هذه القصة التي تبدأ بالوصمة وتنتهي بالاستخذاء فتنطلق المرأة في متالفها ومهاويها ليبلغ بها القدر ما هو بالغ؛ وليس إلا الضرورة وسطوتها بها، والإذلال ومهانته لها، والاجتماع وتهكمه عليها، والابتذال واستعباده إياها. ومهما يأت في القصة من معناً فليس فيها معنى الشرف؛ ومهما يكن من موقف فليس فيها موقف الحياء؛ ومهما يجر من كلام فليس فيها كلمة الزوجة. وأعزز علي بأن أرى المصباح الجميل المشبوب الذي وضع ليضيء ما حوله، قد أنقلب فجعل يحرق ما حوله؛ وكان يتلألأ ويتوقد، فارتد يتسعر ويتضرم ويجني على ما يتصل به وسقط بذلك سقطة حمراء. . . . أفتدرين ماذا يقول لي قلبك؟ إنه يقول عنك: يا بؤسنا من نساء! لقد وضعنا وضعاً مقلوباً فلا تستقيم الإنسانية معنا أبداً، وكل شيء منقلب لنا متنكر؛ والشفقة علينا تنقلب من تلقاء نفسها تهكماً بنا، فنبكي من شفقة بعض الناس كما نبكي من ازدراء بعض الناس. يا بؤسنا من نساء! قالت صدقت، وكذلك تنقلب أسباب الحياة معنا أسباباً للمرض والموت، فاليقظة ليس لها عندنا النهار بل الليل، والصحو لا يكون فينا بالوعي بل بالسكر، والراحة لا تكون لنا في السكون بل والانفراد في الاجتماع والتبذل؛ وما يرد العيش على امرأة من واجباتها السهر، والسكرة والعربدة، والتبذل، وتدريب الطباع بالوقاحة، وتضرية النفس على الاستغواء والتصدي بالجمال للكسب من رذائل الفساق وأمراضهم، والتعرض لمعروفهم بأساليب أخرها الهوان والمذلة، واستماحتهم بأساليب أولها الخداع والمكر؟ إن حياةً هذه هي واجباتها، لا يكون البكاء والهم إلا من طبيعية من يحياها، وكثيراً ما نعالج الضحك لنفتح لأنفسنا طرقاً تتهارب فيها معاني البكاء؛ فإذا أثقلنا الهم وجل عن الضحك وعجزنا عن تكلف السرور، ختلنا العقل نفسه بالخمر؛ فما تسكر المرأة منا للسكر أو النشوة، بل للنسيان، وللقدرة على المرح والضحك، ولأمداد محاسنها بالأخلاق الفاجرة من

стр. 9777

الطيش والخلاعة والسفه وهذيان الجمال الذي هو شعره البليغ. . . . عند بلغاء الفساق قال الأستاذ (ح): أهذا وحاضر الغادة منكن هو الشباب والصبى والجمال وإقبال العيش، فكيف بها فيما تستقبل؟ قالت: إن المستقبل هو أخوف ما نخافه على أنفسنا، وليس من امرأة في هذه الصناعة إلا وهي معدة لمستقبلها إما نوعاً من الانتحار، وإما ضرباً من ضروب الاحتمال للذل والخسف. وليس مستقبلنا هذا إلا كمستقبل الثمار النضرة إذا بقيت بعد أوانها، فهو الأيام العفنة بطبيعة ما مضى. . بلى إن مستقبل المرأة البغي هو عقاب الشر قال (ح): هذا كلام ينبغي أن تعلمه الزوجات؛ فالمرأة منهن قد تتبرم بزوجها وتضجر وتغتم، وتزعم أنها معذبة فتتسخط الحياة، وتندب نفسها؛ ثم لا تعلم أنه عذاب واحد برجل واحد تألفه فتعتاده فترزق من اعتياده الصبر عليه فيسكن بهذا نفارها. وتلك نعمة واجبها أن تحمد الله عليها ما دام في النساء مثل الشهيدات تتعذب الواحدة منهن فنوناً من العذاب بمائة رجل وبألف رجل، وهم مع ذلك يتبلون روحها بعددهم من الذنوب والآثام وقد تستثقل الزوجة واجباتها بين الزوج والنسل والدار، فتغتاظ وتشكو من هذه الرجرجة اليومية في الحياة، ثم لا تعلم أن نساءً غيرها قد انقلبت بهن الحياة في مثل الخسف بالأرض وقد تجزع للمستقبل وتنسى أنها في أمان شرفها، ثم لا تعلم أن نساء يترقبن هذا الآتي كما يترقب المجرم غد الجريمة من يوم فيه الشرطة والنيابة والمحكمة وما وراء هذا كله فقلت: وهناك حقيقة أخرى فيها العزاء كل العزاء للزوجات، وهي أن الزوجة امرأة شاعرة بوجود ذاتها، والأخرى لا تشعر إلا بضياع ذاتها والزوجة امرأة تجد الأشياء التي تتوزع حبها وحنان قلبها، فلا يزال قلبها إنسانياً على طبيعته، يفيض بالحب ويستمد من الحب. والأخرى لا تجد من هذا شيئاً، فتنقلب وحشية القلب، يفيض قلبها برذائل ويستمد من رذائل، إذ كان لا يجد شيئاً مما هيأته الطبيعة ليتعلق به من الزوج والدار والنسل والزوجة امرأة هي امرأة خالصة إنسانية، أما الأخرى فمن امرأة ومن حيوان ومن مادة مهلكة

стр. 9778

وتما السعادة أن النسل لا يكون طبيعياً مستقراً في قانونه إلا للزوجات وحدهن، فهو نعمتهن الكبرى، وثواب مستقبلهن وماضيهن، وبركتهن على الدنيا؛ ومهما تكن الزوجة شقيةً بزوجها فان زوجها قد أولدها سعادتها، وهذه وحدها مزية ونعمة. أما أولئك فليس لهن عاقبة إذ النسل قلب لحلتهن كلها؛ وهو غنىً إنساني ولكنه عندهن لا يكون إلا فقراً، وهو رحمة ولكنها لا تكون إلا لعنة عليهن وعلى ماضيهن. وقد وضعت الطبيعة في موضع حب الولد الجديد من قلوبهن، حب الرجل الجديد، فكانت هذه نقمةً أخرى قال (ح): أتريد من الرجل الجديد من يكون عندهن الثاني بعد الأول، أو الثالث بعد الثاني، أو الرابع بعد الثالث؟ قلت: ليس الجديد عليهن هو الواحد بعد الواحد إلى آخر العدد؛ ولكنه الرجل الذي يكون وحده بالعدد جميعاً إذ هو عندهن يشبه الزوج في الاختصاص وفي شرف الحب، فهو الحبيب الشريف الذي تتعلقه إحداهن وتريد أن تكون معه شريفة؛ ولكن من نقمة الطبيعة أن من وجدته منهن لا تجده إلا لتعاني آلم فقده يا عجبا! كل شيء في الحياة يلقي شيئاً من الهم أو النكد أو البؤس على هؤلاء المسكينات، كأن الطبيعة كلها ترجمهن بالحجارة. . قالت هي: وليست الحجارة هي الحجارة فقط، بل منها ألفاظ ترجم بها المسكينة كألفاظك هذه. . . وكتسمية الناس لها (بالساقطة) فهذه الكلمة وحدها صخرة لا حجر ثم تنهدت وقالت: من عسى يعرف خطر الأسرة والنسل والفضيلة كما تعرفها المرأة التي فقدتها؟ إننا نحسها بطبيعة المرأة، ثم بالحنين إليها، ثم بالحسرة على فقدها، ثم برؤيتها في غيرنا، نعرفها أربعة أنواع من المعرفة إذ عرفتها الزوجة نوعاً واحداً. ولكن هل ينصفنا الرجال وهم يتدافعوننا؟ هل يرضون أن يتزوجوا منا؟ قلت: ولكن الأسرة لا تقوم على سواد عيني المرأة وحمرة خديها، بل على أخلاقها وطباعها. فهذا هو السبب في بقاء المرأة حيث ارتطمت. وهي متى سقطت كان أول أعدائها قانون النسل ومن ثم كانت الزلة الأولى ممتدةً متسحبةً إلى الآخر، إذ الفتاة ليست شخصاً إلا في اعتبارها هي، أما في اعتبار غيرها فهي تاريخ للنسل إن وقعت فيه غلطة فسد كله وكذب

стр. 9779

كله فلا يوثق به وهذه الزلة الأولى هي بدء الانهيار في طباع رقيقة متداخلة متساندة لا يقيمها إلا تماسكها جملةً، وما لم يتماسك إلا بجملته فأول السقوط فيه هو استمرار السقوط فيه. ولهذا لا يعرف الناس جريمةً واحدةً تعد سلسلة جرائم لا تنتهي إلا سقطة المرأة. فهي جريمة مجنونة كالإعصار الثائر يلف لفاً، إذ تتناول المرأة في ذاتها، وترجع على أهلها وذويها، وترتمي إلى مستقبلها ونسلها، فيهتكها الناس هي وسائر أهلها، من جاءت منهم ومن جاءوا منها والمرأة التي لا يحميها الشرف لا يحميها شيء. وكل شريفة تعرف أن لها حياتين: إحداهما العفة، وكما تدافع عن حياتها الهلاك، تدافع السقوط عن عفتها، إذ هو الهلاك حقيقتها الاجتماعية. وكل عاقلة تعرف أن لها عقلين تحتمي بأحدهما من نزوات الآخر، وما عقلها الثاني إلا شرف عرضها قال الأستاذ (ح): إن هذه هي الحقيقة، فما تسامح الرجال في شرف العرض إلا جعلوا المرأة كأنها بنصف عقل فاندفعت إلى الطيش والفجور والخلاعة، أرادوا ذلك أم لم يريدوه قلت: وهذا هو معنى الحديث: (عفوا تعف نساؤكم) فان عفاف المرأة لا تحفظه المرأة بنفسها ما لم تتهيأ لها الوسائل والأحوال التي تعين نفسها على ذلك. وأهم وسائلها وأقواها وأعظمها، تشدد الرجال في قانون العرض والشرف فإذا تراخى الرجال ضعفت الوسائل، ومن بين هذا التراخي وهذا الضعف تنبثق حرية المرأة متوجهةً بالمرأة إلى الخير أو للشر على ما تكون أحوالها وأسبابها في الحياة. وهذه الحرية في المدنية الأوربية قد عودت الرجال أن يغضوا ويتسمحوا، فتهافت النساء عندهم تنال كل منهن حكم قلبها ويخضع الرجل. . . . على أن هذا الذي يسميه القوم حرية المرأة ليس حريةً إلا في التسمية، أما في المعنى فهو كما ترى: إما شرود المرأة في التماس الرزق حين لم تجد الزوج الذي يعولها أو يكفيها ويقيم لها ما تحتاج إليه، فمثل هذه هي حرة حرية النكد في عيشها، وليس بها الحرية بل هي مستعبدة للعمل شر ما تستعبده امرأة وإما انطلاق المرأة في عبثاتها وشهواتها مستجيبةً بذلك إلى انطلاق حرية الاستمتاع في

стр. 9780

الرجل، بمقدار ما يشتريه من المال، أو تعين عليه القوة، أو يسوغه الطيش، أو يجلبه التهتك، أو تدعوا إليه الفنون. فمثل هذه هي حرة حرية سقوطها وما بها الحرية بل يستعبدها التمتع والثالثة حرية المرأة في انسلاخها من الدين وفضائله، فان هذه المدنية قد نسخت حرام الأديان وحلالها بحرام قانوني وحلال قانوني، فلا مسقطة للمرأة ولا غضاضة عليها قانوناً. . . فيما كان يعد من قبل خزياً أقبح الخزي وعاراً أشد العار، فمثل هذه هي حرة حرية فسادها، وليس بها الحرية ولكن تستعبدها الفوضى والرابعة غطرسة المرأة المتعلمة وكبرياؤها على الأنوثة والذكورة معاً، فترى أن الرجل لم يبلغ بعد أن يكون الزوج الناعم كقفاز الحرير في يدها، ولا الزوج المؤنث الذي يقول لها نحن امرأتان. . . . فهي من أجل ذلك مطلقة مخلاة كيلا يكون عليها سلطان ولا إمرة. فمثل هذه حرة بانقلاب طبيعتها وزيغها، وهي مستعبدة لهوسها وشذوذها وضلالتها حرية المرأة في هذه المدنية أولها ما شئت من أوصاف وأسماء، ولكن آخرها دائما إما ضياع المرأة وإما فساد المرأة والدليل على التواء الطبيعة في المدنية استواء الطبيعة في البادية، فالرجال هناك قوامون على النساء، والنساء بهذا قوامات على أنفسهن، إذ ينتقمون للمنكر انتقاماً يفور دماً وبهذه الوحشية يقررون شرف العرض في الطبيعة الإنسانية ويجعلونها فيها كالغريزة، فيحاجزون بين الرجال والنساء أول شيء بالضمير الشريف الذي يجد وسائله قائمةً من حوله قال الراوي: وغطت وجهها بيديها وقالت: إنك لا تزال ترجم بالحجارة. . . إن فيك متوحشاً قلت بل متوحشة. . . إنك أنت قد تكلمت في، فجمالك الذي يضع الإنسان في ساعة مجنونة ليمتعه بطيشها، فقد وضعنا نحن في ساعة مفكرة وأمتعنا بعقلها؛ وإذا قلت جمالك، فقد قلت وحيك، إذ لا جمال عندي إلا ما فيه وحي أما قلت: إنك لو خيرت في وجودك لما اخترت إلا أن تكوني رجلاً نابغةً يكتب ويفكر ويتلقى الوحي من الوجوه الجميلة؟

стр. 9781

فدقت صدرها بيدها وقالت: أنا؟ أنا لم أقل هذا. ثم أفكرت لحظة وقالت: إذ كنت أنت تزعم أنني قلته، فأظن أنني قلته. . . قال (ح): رجل؛ ويكتب؛ ويفكر؛ ولم تقل هي شيئاً من هذا. أربع غلطات شنيعة من فساد الذوق قالت: بل قل أربع غلطات جميلة من فن الذوق. إن الرجل الظريف القوي الرجولة، يجب عليه أن يغلط إذا حدث المرأة قال (ح): لتضحك منه؟ قالت: لا بل لتضحك له. . . . . قلت: فلي إليك رجاء قالت: إن صوتك يأمر، فقل فماذا قلت لها وماذا قالت؟ (لها تتمة) (طنطا) مصطفى صادق الرافعي

стр. 9782

فقدان الثقة للأستاذ أحمد أمين لعل أسوأ ما تمنى به أمة أن يفقد أفرادها الثقة بعضهم ببعض؛ ففقدان الثقة يجعل الأمة فرداً، والثقة تجعل الفرد أمة؛ الثقة تجعل الأجزاء كتلة، وفقدانها يجعل الكتلة أجزاء غير صالحة للالتئام، بل يجعل أجزاءها متنافرة متعادية توجه كل قوتها للوقاية والنكاية كم من الزمن ومن المال ومن النظم ومن الخطط تنفق إذا فقدت الثقة؟ ثم هي لا تغني شيئاً ولا تعيد الثقة تصور أسرة فقد الزوج فيها ثقته بزوجته، والزوجة بزوجها، ثم تصور كيف تكون حياتها: نزاع دائم، وسوء ظن متبادل، وانتظار للزمن ليتم الخراب وهكذا الشأن في كل مجتمع: في المدرسة، في الجيش، في الحزب، في القرية، في الأمة بل ما لنا نذهب بعيداً والإنسان نفسه إذا فقد الثقة بنفسه فقد نفسه، فلا يستطيع الكاتب أن يكون كاتباً مجيداً ولا الشاعر أن يكون شاعراً متفوقاً ولا أي عالم وصانع يجيد علمه وصناعته إلا إذا وثق بنفسه لدرجة ما؛ وكم من الكفايات ضاعت هباء لأن ذويها فقدوا ثقتهم بأنفسهم، واعتقدوا أنهم لا يحسنون صنعا ولا يجيدون عملا وكل ما ترى من أعراض الفشل في أمة سببه فقدان الثقة؛ فالحزب ينهار يوم يفقد الأعضاء ثقتهم بعضهم ببعض، والشركة تنهار يوم يتعامل أفرادها على أساس فقدان الثقة، والمدرسة تفشل يوم لا يثق الطلبة بأساتذتهم والأساتذة بطلبتهم، وكل جماعة تفنى يوم يتم فيها فقدان الثقة كل نظمن - على ما يظهر - مبنية على فقدان الثقة، فوظائف (المفتشين) في جميع مصالح الحكومة والشركات أصبحت مؤسسة على فقدان الثقة، فالمفتش في الترام والسيارات العامة مبناه ضعف الثقة (بالكمساري)، ومفتش المالية ليراقب حركات مرءوسيه حتى لا يختلسوا أو يزوروا، ومفتشو الوزارات ليروا إلى أي حد يطبق الموظفون تعاليم الوزارة قد كان الظن بالمفتشين أن يؤدوا عملا آخر غير هذا، وهو أن يشرفوا على عمل المرءوسين ليوجهوهم وجهة الصالحة، ويتعاونوا معهم على رسم الخطة القويمة،

стр. 9783

ويصححوا الخطأ، ويكملوا النقص، ولكنهم - في الأغلب - وقفوا فقط موقف الضابط يضبط الجريمة، والصائد يرقب الفريسة، لا موقف الهادي المرشد والناصح الأمين فان أردت (بنداً) واحداً من (بنود) ما ينفق من الأموال في سبيل عدم الثقة فاجمع مرتبات المفتشين في جميع مصالح الحكومة وليس الأمر مقصوراً على هؤلاء، فالمراجعون ومراجعو المراجعين؛ والأوراق تمر من يد إلى يد، ومن قلم إلى قلم، ومن مصلحة إلى مصلحة، ومن وزارة إلى وزارة. كل ذلك له أسباب، أهمها (فقدان الثقة) وإن شئت حصر ما يستهلك من الأموال لفقدان الثقة فلا تكتف بمرتبات المفتشين، بل أضف إليها مرتبات كل هؤلاء الذين ذكرنا، فلو قلنا إن نصف مرتبات الموظفين ينفق في سبيل فقدان الثقة لم نبعد وليست المصيبة كلها في الأموال، فلو كنا نقدر للزمن قيمة كغيرنا من ألمم لاستفظعنا ما يستوجبه فقدان الثقة من أيام وشهور وسنين تضيع في إجراءات وتدقيقات ومراجعات ومناقضات وتعليقات مبناها كلها (فقدان الثقة) ثم هناك عقول للنابغين وكبار أولي الأمر في الأمة تفكر ثم تفكر، وتقدر ثم تقدر، وتضع الخطط تلو الخطط، والقوانين واللوائح والمنشورات تلو القوانين واللوائح والمنشورات، ويخيل إليها أنها بما فعلت تأمن الخيانة والسرقة والتزوير، وتظن بذلك أنها تعالج ما فسد وتصلح ما اختل، وهي إنما تزيد بذلك في (فقدان الثقة) أضف إلى هذا ما تسبغه هذه المظاهر كلها على نفسية الموظف، فهو يرى كل هذه النظم واللوائح والقوانين والمراجعات والمناقضات فيشعر أنها إنما شرعت له ومن أجله وبسبب فقدان الثقة به، وأنها كلها تنظر إليه كلص وكمجرم وكمزور؛ فيفقد الثقة بنفسه، ويعمل في حدود ما رسم له، ويشعر بالسلطات المختلفة عليه؛ فلا يجرؤ على التفكير بعقله، ولا يجرؤ على تحمل تبعة، ويفر من البت في الأمور ما وسعه الفرار، حتى يكون بمأمن دائم من الأسئلة والمناقضات - وهذا هو سر ما نراه من بطء في العمل، وركود في الحركة، وضياع لمصالح الناس، إذ لا شيء يبعث الثقة في المرءوس مثل أن يثق به الرئيس، ولا شيء يبعث الحيرة والارتباك والاضطراب إلا ما يشعر به من (فقدان الثقة)

стр. 9784

أنا كفيل بأنا لو قلبنا كل هذه النظم رأسا على عقب وهدمناها من أسسها وأزلنا أنقاضها، ثم بنيناها على أسس جديدة من الثقة البحتة، ما خسرنا من الأموال وما خسرنا من الأزمان والأنفس ما نخسر الآن ولو كثرت اللصوص وكثر الخائنون والمزورون هب أنا فتحنا مكتبة وأسسنا نظامها على الثقة بالموظفين والمترددين من المطالعين فاستغنينا عن مراقب واستغنينا عن مراجع واستغنينا عن مفتش وهكذا، واكتفينا بمعير للكتب و (فتى) يضع الكتب كل يوم في أماكنها، فماذا يكون الشأن وماذا يكون حسابنا في المكسب والخسارة؟ لا شك أننا سنفقد كتبا يسرقها بعض المترددين، وهذا هو كل الخسارة، ولكنا بجانب ذلك نوفر مرتبات كاتب ومراقب ومفتش، ونوفر أزمانا طويلة تصرف في عمليات الجرد والحصر، وننشر الثقة بين المطالعين، ونشعرهم بأن المكتبة في حمايتهم هم وتحت إشرافهم، فننمي فيهم الشعور بالتبعة؛ فإذا كان هذا مكسبنا وهذه كل خسارتنا، فإلى النار هذه الكتب المفقودة، وخسئت عين كل من ينظر في عمليات الحساب إليها وحدها، ولا ينظر إلى كل هذه الأرباح التي ربحناها وهذا المثل الصغير يمكن تطبيقه تمام التطبيق على الأعمال الكبيرة في المصالح المختلفة، بل إني أشتري نشر الثقة بين الناس وتسهيل الأعمال، وشعور الناس بالطمأنينة بأي ثمن، بل لو أن التجارب دلت على أن ما نفقد من الأموال أكثر مما نربح إذا أسسنا النظم على أساس الثقة لاستمررت في تجربتي ونظريتي، وآمنت بوجوب الانتظار على هذا الأساس الجديد حتى يذهب هذا الجيل الذي أفسده النظام القديم، وقضى على نفسه وعلى شعوره، ولأنتظر جيلا جديدا نشأ في أحضان (الثقة) والشعور بالواجب وبالتبعة وبالحرية في العمل في دائرة ضيقة من القوانين المعقولة وهكذا الشأن في جميع الأمور السياسية والاجتماعية، فثقة أفراد الحزب بعضهم ببعض - ولو مراعاة للمصلحة - أضمن للنجاح، وأقرب لتحقيق الغرض؛ وثقة الجمعية برئيسها، والرئيس بأعضائها - ولو تصنعا - أقرب لأن ينقلب التصنع خلقا وقد رأينا - دائما - أن العدوى في المعاني كالعدوى في المحسات، فكما أن التثاؤب يبعث التثاؤب، والضحك يبعث الضحك، فكذلك الثقة تبعث الثقة وعدمها يبعث عدمها. وبعد، فلا تزال ترن في أذني كلمة سمعتها من أستاذ إنجليزي كان في الجامعة: (إذا كنتم لا تريدون

стр. 9785

أن تولوا أموركم الأجنبي، ولا تمنحون ثقتكم المصري، فكيف تعيشون؟) أحمد أمين

стр. 9786

افتتاح إفريقية وكيف غزاها الاستعمار الأوربي بقلم مؤرخ كبير تتمة لم يبق اليوم في إفريقية من الأمم المستقلة سوى الحبشة، وجمهورية ليبيريا؛ ولكن ليبيريا ليست في الواقع سوى منطقة للنفوذ الأمريكي، وقد أنشئها الزنوج الأمريكيون الأحرار؛ ومع أنها جمهورية مستقلة وعضو في عصبة الأمم، فأن السياسة الأمريكية هي التي تشرف على شؤونها العليا؛ وعلى هذا فليس في أفريقية اليوم أمة تتمتع باستقلالها الصحيح سوى إمبراطورية الحبشة؛ وهي تتمتع بهذا الاستقلال منذ فجر التاريخ. وقد حاول الاستعمار الأوربي غير مرة أن يحطم استقلالها، ولكنها استطاعت لأن تسحق مشروعاته ومحاولاته؛ والآن يعيد التاريخ دورته ويتربص الاستعمار الأوربي بالحبشة مرة أخرى، ويحشد كل قواه وعدده المدمرة، ويطالب علنا بافتراسها والقضاء على استقلالها تحقيقا لشهوة الفتح والتوسع؛ وهانحن أولاء نشهد العاصفة وقد انقضت، فهل تستطيع مملكة سبأ الخالدة أن ترد عنها عادية هذا الغزو المبيت؟ وهل تستطيع الفوز بهذا الاستقلال الذي حافظت عليه منذ الأحقاب؟ وهل تبقى الحبشة آخر حصن للاستقلال الأفريقي، أم تسقط صريعة الاعتداء، فيجهز الاستعمار بذلك على آخر ملاذ لهذا الاستقلال؟ هذا ما سيكشف عنه المستقبل القريب وقد رأينا فيما تقدم كيف اقتسمت الدول الأوربية إفريقية فيما بينها، واستقرت كل منها في بعض مناطقها وأراضيها، وأنشأت الدول الكبرى - إنكلترا وفرنسا وألمانيا - كل منها في أفريقية إمبراطورية استعمارية شاسعة. وكانت إيطاليا إحدى الدول التي شاركت في افتتاح إفريقية، غير أنها خرجت منها بصفقة يسيرة. ويرجع ذلك إلى أنها كانت في أواخر القرن الماضي، حين بدأ افتتاح إفريقية، ما تزال دولة ثانوية، حديثة عهد باستقلالها ووحدتها القومية؛ هذا إلى أنها لقيت خلال غزواتها الاستعمارية نكبة لم تلقها أية دولة أوربية، إذ هزمت جيوشها وسحقت في موقعة (عدوة) الشهيرة حسبما نفصل بعد، فوضعت هذه الهزيمة الساحقة حدا لمشاريعها الاستعمارية مدى حين بدأت إيطاليا محاولاتها الاستعمارية في سنة ١٨٨٢، إذ أرسلت إلى بلاد إرترية حملة

стр. 9787

احتلت خليج عصب وما يليه جنوبا؛ واحتلت ثغر مصوع وما يليه من الساحل شمالا (سنة ١٨٨٥)؛ وأرسلت حملة أخرى إلى بلاد الصومال مما يلي المحيط الهندي، فاحتلت شقة ضيقة طويلة على الساحل، من نهر جوبا حتى رأس جردفوي، وهي التي تعرف اليوم بالصومال الإيطالي (سنة ١٨٨٨). وكانت إيطاليا يومئذ دولة ناشئة فتية تجيش بآمال كبيرة، وكان وزيرها الشهير (كرسبي) روح هذه المغامرات الاستعمارية؛ وكان يحلم بإنشاء إمبراطورية استعمارية إيطالية ضخمة في شرق إفريقية تضم الحبشة، وتصل ما بين الإرترية والصومال؛ وكان تفاهم الدول الأوربية على اقتسام إفريقية يخول لإيطاليا حرية العمل في تلك المنطقة. فلما تم احتلال الإرترية والصومال، اعتقد كرسبي أن الفرصة قد سنحت لغزو الحبشة، والعمل لإنشاء الإمبراطورية الاستعمارية التي يتوق إلى إنشائها وكانت الحبشة منذ منتصف القرن التاسع عشر تجوز فترة من الضعف والتفرق؛ وكان ملكها يومئذ الإمبراطور تيودور، وهو أمير من أمهرا يدعى كاساي، اغتصب العرش من الرأس (علي) ملك الحبشة المسلم، وأقام نفسه إمبراطورا، وبسط على الحبشة حكمه المطلق، وأثار بشدته وعنفه في معاملة الأجانب سخط الدول الأوربية، وقبض على عدد من المرسلين والنزلاء الإنكليز وأبى أن يطلق سراحهم، فجهزت إنكلترا حملة لغزو الحبشة بقيادة السير نابيير؛ ونفذت هذه الحملة إلى الحبشة في سنة ١٨٦٨، وهزمت جيش الإمبراطور، فاضطر تيودور أن يطلب الصلح، ثم أنتحر يأسا وغما؛ وانسحب الإنكليز، وعادت الحرب الأهلية في الحبشة، واستولى على العرش كاسي أمير تجرى، ونصب نفسه إمبراطورا باسم يوحنا الثاني؛ ولبثت الحبشة في حالة اضطراب وفوضى؛ واحتل الإيطاليون في تلك الفترة ساحل إرترية والصومال؛ وكانت الجيوش المصرية قد نفذت قبل ذلك بأعوام إلى بعض مناطق الحبشة مما يلي السودان فاستطاع الإمبراطور يوحنا أن يوقع بها هزيمة فادحة وأن يرغمها على الجلاء عن الحبشة (سنة ١٨٧٦)، ولما توفي يوحنا سنة ١٨٨٩ خلفه على العرش منليك أمير شوا، باسم الإمبراطور منليك الثاني. وبدأ منليك حكمه في ظروف صعبة؛ وكانت إيطاليا قد استطاعت أن تتقرب إلى الحبشة، وأن تبسط عليها نفوذها شيئا فشيئا تحت ستار المعاونات والصلات الودية، وما زالت حتى استطاعت

стр. 9788

بسياسة الضغط والوعيد أن تحمل منليك على أن يعقد معها معاهدة حماية مقنعة هي التي تعرف بمعاهدة أوشالي (مايو سنة ١٨٨٩)، وبها وضعت الحبشة تحت نوع من الوصاية الإيطالية؛ وحاولت إيطاليا خلال الأعوام التالية أن تتدخل في شؤون الحبشة تدخلا قويا، وأن تفرض عليها إرادتها، واستطاعت أن تحتل بعض أنحائها المجاورة الإرترية، ولكن الشعب الحبشي لم يلبث أن ثار لهذا الاعتداء على أرضه وحرياته؛ وقاد منليك هذه الثورة الوطنية، فجردت عليه إيطاليا جيشا ضخما قوامه خمسون ألف مقاتل بقيادة الجنرال باراتيري؛ ولكن الوطنية الحبشية غمرت كل شيء وسحقت الجيوش الإيطالية في موقعه عدوة الشهيرة من أعمال ولاية تجرى (٢ مارس سنة ١٨٩٦)، ولم تبق منها سوى فلول ممزقة، وحطمت آمال إيطاليا ومشاريعها الاستعمارية، وأرغمت على الاعتراف باستقلال الحبشة؛ واستمر منليك الثاني أو منليك الأكبر محرر الحبشة أعواما طويلة يقودها في سبيل الإصلاح والتقدم؛ وفي عهده نظمت الحبشة علائقها مع الدول الأوربية، واستطاعت أن ترغمها جميعا على احترام استقلالها. وفي سنة ١٩٠٦ عقد تحالف ثلاثي بين بريطانيا العظمى وفرنسا وإيطاليا يقضي بالعمل المشترك بينها لحماية أراضيها ومصالحها في تلك المنطقة، وينص على وحدة الحبشة واستقلالها، وينص أيضا على تفوق المصالح الإيطالية في الحبشة. ولما توفي منليك الأكبر سنة ١٩١٣ خلفه حفيده (ليجي ياسو) بعهد منه؛ ولكن عوامل التفرق عادت تعمل عملها، واضطرمت الحرب الأهلية مرة أخرى، وعزل (ليجي ياسو) بعد خطوب وحوادث جمة، وتولت العرش (زوديتو) كبرى بنات منليك، وعين الرأس تفري وصيا للعرش ووليا للعهد، فاستأثر بكل سلطة حقيقة. ولم تمض أعوام قلائل حتى أعلن نفسه إمبراطورا إلى جانب (زوديتو) ولما توفيت الإمبراطورة سنة ١٩٣٠، انفرد بالملك تلقب باسم (هيلا سلاسي)، وفي عهده قطعت الحبشة مراحل كبيرة في سبيلا التقدم والاتحاد والإصلاح الوطني، والتحقت بعصبة الأمم (سنة ١٩٢٣)، وزار الإمبراطور إيطاليا سنة ١٩٢٥ فاستقبل في رومة بحفاوة كبيرة، وعقدت على أثر ذلك بين البلدين معاهدة صداقة وتحكيم واعتقدت الحبشة أنها في ظل عصبة الأمم، وظل الصداقة الإيطالية الجديدة، قد أمنت مطامع الاستعمار ومشاريعه الغادرة وكانت إيطاليا منذ نكبة (عدوة) قد وجهت مطامعها الاستعمارية شطرا آخر. وكانت

стр. 9789

طرابلس، هي المنطقة الوحيدة التي بقيت من شمال إفريقية بعيدة عن الاحتلال الأوربي؛ وطرابلس تواجه إيطاليا في الضفة الأخرى من البحر، وفيها مناطق منبسطة شاسعة تصلح للحرث والاستعمار؛ ومنذ فاتحة هذا القرن تعمل إيطاليا لانتزاع طرابلس من قبضة تركيا الضعيفة، ولم تلق إيطاليا اعتراضا من إنكلترا أو فرنسا إذ كانتا تؤثران أن تحل في طرابلس دولة ثانوية مثل إيطاليا وتخشيان أن تحتلها منافستها القوية ألمانيا. وهكذا استطاعت إيطاليا بموافقة إنكلترا وفرنسا أن تعد عدتها لاحتلال طرابلس. وفي أواخر سنة ١٩١١ وجهت إيطاليا إلى تركيا بلاغا نهائيا تزعم فيه أن مصالحها في طرابلس قد عبث بها، وأتبعت ذلك في الحال باحتلال ثغري طرابلس وبنغازي، وتركت تركيا كعادتها طرابلس لمصيرها، ولم يتقدم للدفاع عنها سوى حاميتها الصغيرة؛ ولكن ذمرة من الضباط البواسل بين ترك ومصريين استطاعوا أن يحشدوا رجال القبائل لقتال العدو المغير، واستطالت الحرب الطرابلسية زهاء عام (حتى أكتوبر سنة ١٩١٢) وانتصر الإيطاليون في النهاية وعقدوا الصلح مع تركيا، واعترفت تركيا بالحماية الإيطالية على طرابلس. ولكن إيطاليا اشترت ظفرها غاليا بالمال والرجال، ولم تتقدم مع ذلك كثيرا داخل طرابلس، لأن رجال القبائل واصلوا الدفاع عن وطنهم، واستمرت إيطاليا تعاني أشد المتاعب في طرابلس مدى أعوام طويلة. ولم توفق إلى إخماد القبائل إلا منذ سنة ١٩٢٥، إذ جردت عليها قوى جرارة. واستعانت بأشنع وسائل الفتك الحديثة، ومع ذلك فإنها تقيم في طرابلس على بركان من الحفيظة والبغض قد ينفجر لأول فرصة ومنذ قيام الطغيان الفاشستي في إيطاليا، تضطرم إيطاليا الفاشستية بآمال وأطماع جديدة، وتساورها حمى التوسع والفكرة الإمبراطورية. وكانت إيطاليا قد حصلت منذ سنة ١٩١٥ بمقتضى معاهدة لندن السرية على وعود من فرنسا وإنكلترا بأن تعوض عند دخولها في الحرب بمنح استعمارية في إفريقية، ولكن الحلفاء نكثوا وعودهم في مؤتمر الصلح، واكتفوا بما استولت عليه إيطاليا في أوربا من تراث النمسا. ولكن إيطاليا الفاشستية شددت في طلب الوفاء بالعهود المقطوعة، واستطاعت أن تحصل على مزايا استعمارية جديدة في إفريقية، مثل استيلائها على واحة جغبوب المصرية وواحة العوينات السودانية بفضل نفوذ إنكلترا، واستيلائها على منطقة شاسعة من السودان الفرنسي بمقتضى المعاهدة الفرنسية

стр. 9790

الإيطالية الأخيرة. ولما اعتقد موسوليني أنه سما بإيطاليا وقواها العسكرية والمعنوية إلى أرفع مكانة، اتجه بأنظاره إلى الحبشة، ورأى أنه بغزوها واحتلالها يمحو وصمة الماضي المؤلم، ويحقق حلم إيطاليا المحطم في إنشاء إمبراطورية استعمارية كبيرة تشمل الإرترية والصومال والحبشة. وهانحن أولاء نشهد منذ أشهر قوى الفاشستية تتدفق بواسطة قناة السويس إلى شرق إفريقية، وهاهي تغزو أراضي الحبشة؛ وهكذا يزمع الاستعمار الأوربي أن ينقض على آخر وحدة مستقلة في إفريقية ليفترسها كما افترس أخواتها من قبل، وليعمم الاستعباد جميع أرجاء القارة السمراء وليس من موضوعنا أن نتحدث هنا عن مصاير هذه الحرب الاستعمارية الجديدة، فان في الحبشة شعبا باسلا استطاع منذ فجر التاريخ أن يذود عن حرياته واستقلاله، واستطاع حتى في العصر الحديث أن يلقي على أولئك الذين يتربصون به اليوم درسا عميق الأثر، ولكنا نلاحظ بهذه المناسبة أن إيطاليا الفاشستية تذهب بعيدا في أحلامها القيصرية. أجل إن موسوليني يتشح اليوم بثياب قيصر، ويفكر على طريقة الدولة الرومانية، ويتصور أنه يستطيع بما اكتمل له من الاستعداد الحربي أن يخلق دولة القياصرة من جديد، وأن يجعل من البحر الأبيض المتوسط بحيرة رومانية، وأن يرد مصر - بعد الاستيلاء على الحبشة - إلى حظيرة الإمبراطورية الجديدة؛ ولكن موسوليني ليس بقيصر، وليست إيطاليا الفاشستية بالدولة الرومانية، وهيهات أن يسمح العالم الحديث لهذه الفاشستية المحمومة بأن تضع لمحة من أحلامها العريضة موضع التنفيذ. ولقد كانت إيطاليا منذ جيلين فقط أمة مستعبدة ممزقة تجاهد لاستقلالها ووحدتها، ولكنها اليوم، وهي حديثة عهد بنعمة الاستقلال، لا ترى بأسا من أن تجني على استقلال شعب حر باسل، لأنها فقط تحلم بافتتاحه واغتيال أرزاقه؛ ولكنا نحن الذين لا يؤمنون بعظمة الفاشستية، ولا بخلالها ووسائلها المثيرة، نتوقع أن تكون هذه المغامرة الذميمة - وقد اجترأت الفاشستية على تنفيذ مشروعها - قبر الفاشستية وقبر مطامعها وأحلامها الدموية الأثيمة (تم البحث)

стр. 9791

الشعر في صدر الإسلام وعهد بني أمية بقلم أحمد حسن الزيات ٣ - خصائص الشعر في العراق وكأن الهجاء كان في جرير غريزة يرمي الناس عنها لأدنى سبب وعلى غير معرفة، فقد دخل على الوليد بن عبد الملك وعنده عدي بن الرقاع العاملي، فقال له الخليفة: أتعرف هذا؟ قال: لا يا أمير المؤمنين، فقال: هذا رجل من عاملة، قال جرير: التي يقول فيها الله: (عاملةٌ ناصبة تصلى ناراً حامية)، ثم قال بيتا قبيحا ورد عليه عدي بمثله، فهجاه جرير بقصيدة منها ذلك البيت المشهور: وابنُ اللبون إذا ما لُزَّ في قَرَنٍ … لم يستطع صولةَ البُزل القناعيس ولعل ذلك راجع إلى ميل في طبع أمه إلى هذا الضرب من البذاء والإيذاء، فاشتهت أن تراه فيه، حتى صورت لها تلك الأمنية في الحلم، فرأت وهي حامل به أن حبلا نزل منها فصار يثب على الناس فيخنقهم واحد بعد واحد، فلما تأولت رؤياها قيل لها: إنك تلدين ولدا يكون شديدا الهجاء والبلاء على الناس والشعراء، فسمته لذلك جريرا؛ وسواء أرأت أمه هذه الرؤيا أم افتراتها، فقد كان لها ولا ريب أثر قوي في توجيه قريحته منذ طفولته وهجاء جرير على الجملة ضعيف الفخر لبعد مستقاه فيه، وما استطاع الفرزدق أن يعجزه إلا في مشواره، فهو يقول له بحق: غلبتك بالمفقّأ والمعّنى … وبيت المحتبي والخافقات يريد بالمفقا أو المفقئ قوله: ولست ولو فقأت عينيك واجداً … أباً لك إن عُد المساعي كدرام وبالمعنى قوله: وإنك إن تسعى لتدرك دارماً … لأنت المعّنى يا جرير المكلَّف وبالمحتبى قوله: بيتاً زؤرارة محتب بفنائه … ومجاشع وأبو الفوارس نهشل وبالخافقات قوله: وأين تُقضى المالكات أمورها … بحق وأين الخافقات اللوامع

стр. 9792

والفرزدق يريد بهذه الأبيات الإشارة إلى القصائد التي تضمنتها وهي من عيون شعره ومتين فخره وضعف جرير في الفخر إنما يرجع إلى الموضوع لا إلى الأسلوب، فانه أجمل خصومه صياغة، وأوفرهم بلاغة، وأرقهم لفظا، وألطفهم مدخلا، وأكثرهم افتنانا. ولسهولة شعره وقلة غريبه نفق عند العامة الشعراء، دون الرواة والعلماء وهجاء هؤلاء الأقران الثلاثة إذا استثنينا منه المعاني الجديدة واللهجة الشديدة والتصوير البارع، لم يخرج عن سمت الهاجئين الفحول كالمخبل الفريعي، وحسان بن ثابت، والحطيئة، في الابتداء بوصف الطلل والغزل، والاعتماد على المفاخرة والمنافرة، وتلمس العيوب من خبايا الماضي، والانتقال المقتضب من معنى إلى معنى. وأشد ما يعيب هجاء جرير والفرزدق كثرة التكرار، فأن كلا الرجلين إنما يهجو صاحبه بطائفة من الحوادث والصفات ذكرناها من قبل، فلا نراه يعدل عنها، ولا يكاد يزيد عليها، وإنما يرددها في كل قصيدة أو نقيضة في أساليب شتى وقواف مختلفة، فإذا قرأنا لكل واحد منهما واحدة منهن لا يضيرنا بعدها ألا نقرأ غيرها. كذلك إذا ألممنا بهجاء الأخطل والفرزدق وجرير فقد ألممنا بسائر الهجاء في هذا الطور، لأنه مصوغ من مادته ومضروب على مثاله على أن أساليب شعراء العراق في الهجاء الحزبي تختلف عنها في الهجاء الفردي، فبينما هم في هذا لا يترفعون عن الهجر ولا يتورعون عن الكذب تراهم في ذلك يذهبون مذهب الجاهليين، فيفاخرون بالنسب، ويكاثرون بالعدد والمال، ويؤثرون اللفظ الشريف والأسلوب العف، بيد أنهم يغلون في الفخر حتى ليجعلونه في الدين والحكم والعلم والموطن قال أعشى همدان وهو من أنصار ابن الأشعث: اكسع البصري إن لاقيته … إنما يُكسع من قل وذل واجعل الكوفي في الخيل ولا … تجعل البصري إلا في النفل وإذا فاخرتمونا فاذكروا … ما فعلنا بكُم يوم الجمل بين شيخ خاضب عثنونه … وفتى أبيض وضاح رِفَلْ جاءنا يخطر في سابغة … فذبحناه ضحّى ذبح الحمل وعفونا فنسيتم عفونا … وكفرتم نعمة الله الأجل

стр. 9793

ومن هجائه السياسي الديني قوله مرتجزا في الحجاج: شطتْ نوى مَن دارُهُ بالإيوان … إيوان كسرى ذي القزى والريحان إن ثقيفا منهمُ الكذابان … كذابها الماضي وكذابٌ ثان أمكن ربي من ثقيف همدان … إنا سمونا للكفور الفتان حين طغى بالكفر بعد الأيمان … بالسيد الغطريف عبد الرحمن سار بجمع كالدبى منقحطان … فقل لحجاج ولي الشيطان يثبتْ لجمع مذحج وهمدان … فإنهم ساقوه كأس الذيفان وملحقوه بقرى ابن مروان وهذا النوع من الهجاء قليل النفوق والبقاء، كثير النفاق والرياء، لطمع الشعراء في حباء الخلفاء وإيثارهم في الغالب سلامة البدن على سلامة العقيدة. وليس الهجاء الحزبي إلا صورة من صور الشعر السياسي الذي نفق في هذا العصر؛ وما نزعهم بهذه التسمية أن الإسلاميين قد وقعوا على مذهب في الشعر جديد القصد والغاية، فأن مساجلة الخصوم بالشعر كانت مألوفة في عصر الجهالة مشروعة في عهد النبوة، إنما نقصد بالشعر السياسي طائفة من المعاني الجديدة استوحتها خواطر الشعراء من اختلاف الأحزاب في الرأي، وتنازع الزعماء في الحكم. جاءت هذه المعاني الجديدة على النهج القديم في صور مختلفة، نستطيع أن نردها إلى أربع: فقد أتت في صورة المدح المشوب بالتحريض والتعريض كقول أبي العباس الأعمى: أبني أُمية لا أرى لكُم … شبهاً إذا ما التفَّت الشيعُ سعة وأحلاما إذا نزعت … أهل الحلوم فضرَّها النزع أبني أمية غير أنكُم، … والناس فيما أطعموا طمعوا، أطمعتمو فيكم عدوكم … فسما بهم في ذاكم الطمع فلو أنكم كنتم لقومكم … مثل الذي كانوا لكم رجعوا عما كرهتم أو لَرَدهم … حذرُ العقوبة، إنها تزع وكقول الكميت: بني هاشم رهط النبي فأنني … بهم ولهم أرضى مراراً وأغضب

стр. 9794

خفضت لهم مني جناحيْ مودة … إلى كنف عطفاه أهلٌ ومرحب وأرمِي وأُرمي بالعداوة أهلها … وإني لأوذَى فيهم وأؤَنَّب وكفة الأمويين في هذا الباب أرجح، لما تجمَّع لهم من الترغيب في المال، والترهيب بالملك، والتمليق لهوى النفوس، فمدحهم ونصرهم أكثر الشعراء في عصرهم، إما دفعا لشرهم وإما طمعا في خيرهم، حتى الذين شايعوا خصومهم من الزبيريين والعلويين لم يستطيعوا حبس لعابهم عن عطايا القصر وقد يأتي الشعر السياسي في صورة الهجاء كما مر، وكما قال أعشى ربيعة لعبد الملك: آل الزبير من الخلافة كالتي … عجل النتاج بحملها فأحالها أو كالضعاف من الحمولة حملت … ما لا تطيق فضيعت أحمالها قوموا إليهم لا تناموا عنهم … كم للغواة أطلتم أمهالها إن الخلافة فيكمو لا فيهمُ … ما زلتمُ أركانها وثمالها أمسوا على الخيرات قفلاً مغلقاً … فانهض بيمينك فافتتح أقفالها وقد يكون اقتراحا لسياسة واستطلاعا لرأي، كقول مسكين الدارمي، وقد أوعز إليه معاوية أن يقترح البيعة من بعده لابنه يزيد ليعلم رأي قومه في ذلك: إليك أمير المؤمنين رحلتها … تثير القطا ليلاً وهن هجود ألا ليت شعري ما يقول ابن عامر … ومروان أم ماذا يقول سعيد بني خلفاء الله مهلاً فإنما … يبوئها الرحمن حيث يريد إذا المنبر الغربي خلاه ربُّه … فإن أمير المؤمنين يزيد فلما أتم إنشاده قال معاوية: ننظر فيما قلت يا مسكين ونستخير الله ومثل ذلك حدث من عبد الملك، فقد أراد أن ينقل ولايته العهد من أخيه عبد العزيز إلى أبنه الوليد، فأمر النابغة الشيباني أن يقترح ذلك في حضرة الناس فقال: لابنك أولى بملك والده … ونجم من قد عصاك مُطَّرح داودُ عدْل فاحكم بسيرته … ثم ابن حَرْب فأنهم نصحوا وهم خيار فاعمل بسنتهمْ … واحيَ بخير واكدح كما كدحوا فابتسم عبد الملك ولم يتكلم، فعلم الناس أن ذلك أمره

стр. 9795

ثم يكون أحيانا جدلا في رأى أو بيانا لمذهب؛ فمن الجدل السياسي ما وقع بين كعب بن جعيل والنجاشي في المفاضلة بين علي ومعاوية. فقد قال كعب: أرى الشام تكره ملك العرا … ق وأهلَ العراق لهم كارهينا وكل لصاحبه مبغض … يرى كل ما كان من ذاك دينا وقالوا عليُّ إمام لنا … فقلنا رضينا ابن هند رضينا وقالوا نرى أن تدينوا لهم … فقلنا لهم لا نرى أن ندينا وكلُ يسر بما عنده … يرى غث ما في يديه سمينا وما في عليّ بمستعتبي … ينال سوى ضمه المحديثنا وليس براض ولا ساخط … ولا في النهاة ولا الآمرينا ولا هو ساء ولا هو سرَّ … ولابد من بعد ذا أن يكونا فلما بلغ ذلك الإمام علياً النجاشي أن يجيبه فقال: دَعنْ معاوي ما لم يكونا … لقد حقق الله ما تحذرونا أتاكم عليُّ بأهل العراق … وأهل الحجاز فما تصنعونا؟ يرون الطعان خلال العجاج … وضرب الفوارس في النقع دينا همو هزموا الجمع جمع الزبير … وطلحة والمعشر الناكثينا فان يكره القوم ملك العراق … فقِدماً رضينا الذي تكروهنا فقالوا لكعب أخي وائل … ومن جعل الغث يوماً سمينا: جعلتم علياً وأشياعه … نظير ابن هند ألا تستحونا؟ ومن البيان المذهبي قول كثير عزة يشرح عقيدة الشيعة في الإمامة: ألا إن الأئمة من قريش … ولاةَ الحق أربعة سواء: عليُّ والثلاثة من بنيه … هم الأسباط ليس بهم خفاء فسبطُ سبط إيمان وبر … وسبط غيبته كربلاء وسبط لا يذوق الموت حتى … يقود الخيل يقدمها اللواء تغيب لا يرى فيهم زمانا … برضوى عنده عسل وماء وكقول ثابت قطنة، وهو من شعراء الأمويين، يفصل مذهب الأرجاء:

стр. 9796

يا هند فاستمعي لي إن سيرتنا … أن نعبد الله لم نشرك به أحدا نرجي الأمور إذا كانت مشبهة … ونصدق القول فيمن جار أو عندا المسلمون على الإسلام كلهم … والمشركون استبوا في دينهم قدرا ولا أرى أن ذنباً بالغ أحداً … في الناس شركاً إذا ما وحدوا الصمدا إلى أن قال: كل الخوارج مخطى في مقالته … ولو تعبد فيما قال واجتهدا أما عليُّ وعثمان فانهما … عبدان لم يشركا بالله مذ عبدا الله اعلم ما قد يحضران به … وكل عبد سيلقي الله منفردا هذه جملة المعاريض التي عرضت بها المعاني السياسية، ولعلك تلاحظ من هذه الأمثلة أنها في الغالب مهلهلة النسج، نابية القافية، بادية التكلف، تشبه من بعض الوجوه نظم المتون. وعلة ذلك أن اتصالها بالوجدان ضعيف، وأن أكثرها إنما يصدر عن طبع مكره، أو شعور ممالق، أو قريحة كابية؛ والفرق بين شعر الأخطل والفرزدق وجرير، وبين شعر هؤلاء الذين ذكرنا كالفرق بين من يعبر عن شعوره وحسه، ويدافع عن قبيله ونفسه، وبين من يتصل لسانه بقلب غير قلبه، ويدفعه طمعه إلى ممالأة حزب غير حزبه على أن من شعراء الأحزاب من قالوا الشعر عن عقائد دينية وعواطف نفسية، ونوازع عصبية، فكان لشعرهم جمال الإخلاص وروعة اليقين، وقوة الحقيقة، أولئك هم شعراء الشيعة والخوارج، فحق علينا ونحن في مقام البحث في شعر العراق أن نديم النظر ساعة في أشعارهم، لنستشف من خلالها صور مذاهبهم وأفكارهم (يتبع) الزيات

стр. 9797

يوم افتتاح المدارس صور دمشقية سوداء طبق الأصل. . . للأستاذ علي الطنطاوي ذهبت أمس إلى المدرسة الأمينية، وهي المدرسة الإسلامية التي انحطمت على جدرانها ثمانية قرون وهي قائمة، وماتت من حولها ثمانمائة سنة وهي حية، ونشأت دول وانقرضت، وبدئت تواريخ وختمت، وتبدلت الأرض وتغيرت، وهي ماضية في سبيلها، عاكفة على عملها، قد انقطعت عن الأرض من حولها، واتصلت بالسماء من فوقها، فعاشت في سماء العلم والناس يعيشون في أرض المادة. . . دخلتها فإذا هي صامتة ساكنة، لا يسمع في أبهائها صوت مدرس بدرس، أو دارسين بتلاوة، وإذا في كل فصل من فصولها رهط من التلاميذ، متفرقون في زوايا الفصل، لا تنفرج شفاههم عن بسمة السرور، ولا تلمع عيونهم ببريق الجذل، وإذا الأستاذ صاحب المدرسة قابع في غرفته، يفكر حزينا، وينظر آسفا؛ وهو الذي لم يأل العمل جهدا، ولم يسيء بالله ظنا؛ فلما رآني قام إلي يحدثني عن المدرسة، ويعلمني علمها، فإذا المدرسة قد زلزلت في مطلع هذا العام المدرسي، لأن الناس قد مالوا عن المدارس الإسلامية وزهدوا فيها، وزاغوا إلى المدارس الأجنبية وأقبلوا عليها، وضنوا على مدارسنا بدينار واحد في العام، ليمنحوا تلك ثلاثة أرباع الدينار في الشهر. . وأفاض الأستاذ في البيان، حتى امتلأت نفسي حزنا، فخرجت حزينا فمررت على (الكاملية) فإذا هي في خطب أشد، ومصيبة أفدح، فجزت بـ (الجوهرية) فإذا هي ماتت بعد شيخ الشام، الشيخ عيد السفر جلال، وإذا فيها بنات يقرأن ويصحن ويلعبن، فسلكت على (التجارية) فإذا دارها الكبيرة في زقاق الفخر الرازي، خلاء قواء، وإذا هي قد انتقلت إلى الخيضرية فاتخذت فيها دارا، ورأيت (الجقمقية) القاعة التاريخية الجميلة، والمدرسة الأثرية الجليلة، فإذا هي قد اتخذت دارا. . . فذهبت وأنا أحس الألم يقطع في كبدي، والأسى يحز في قلبي، ووددت لو أن الله قبضني إليه قبل أن أرى مدارسنا الإسلامية، لا تستطيع أن تعيش في البلد الإسلامي، ولا تجد من يشد أزرها، ويأخذ بيدها. . . وأممت شارع بغداد أروح عن نفسي بخضرة البساتين،

стр. 9798

وجمال الكون، وانطلاق الهواء، ومنظر الجبل، فما راعني إلا أفواج من الناس قد ازدحمت على باب بناء كبير، كأنه قلعة من القلاع، أو قصر من القصور، حتى لقد كادت تسد بكثرتها الشارع العريض: ما راعني إلا الناس على باب (مدرسة اللاييك)، يتدافعون ويتزاحمون، كأنهم على باب الجنة، فكل يطمع أن يسبق إليها، وكلما فتح الباب لواحد، لحظته العيون بالغيظ، ورمقته بالحسد. . . فسألت قوما أعرفهم ينظرون كما أنظر، ماذا هناك؟ فقالوا: هم المسلمون يريدون يسلموا أبناءهم إلى رجال اللابيك ليصبوا في قلوبهم ما يشاؤون من عقائد باطلة في الدين، وعواطف زائفة في الوطنية، وزهادة في اللغة، وكره للتاريخ الإسلامي، والقومية العربية، ويدفعون إليهم الأموال الطائلة، وما يشترون بها إلا الكفر لأبنائهم، والزيغ والإلحاد، وحب الغريب، وبغض القريب، وما يشترون بها إلا أعداء لهم ولأوطانهم، يحاربونهم في دورهم، ويغزونهم في أخلاقهم وعقائدهم، وهم قد انحدروا من أصلابهم، وخرجوا من ظهورهم؛ أفرأيت بلاء أشد، وخزيا أكبر، من أن يحاربونا بأبنائنا، ويأخذوا على ذلك أموالنا؟. . . فقلت: لا والله! وسرت، أخشى أن يتمزق والله من الألم كبدي، فمررت على (مدرسة الفرير) فإذا الجموع أكثر، والازدحام أشد، والمسلمون يرجون الخوري. . . أن ينسي أبناءهم القرآن، ليحفظهم الإنجيل، ويبغض إليهم محمدا وأبا بكر وعمر، ويحبب إليهم بطرس ولويس ونابليون. . . فسرت مسرعا، لا يطول بي وقوف فتحرقني نار الحزن، وأخذت طريقي إلى مدرستي، أسلك إليها سارع البرلمان، فإذا على باب (مدرسة الفرنسيسكان) أمام الكنيسة الفخمة، جمهور من المسلمين لا يحصيهم عد، يأخذون بأيدي بناتهم، ليدخلوهن إليها. . . فعدت أدراجي إلى شارع الصالحية فأخذت حافلة (الترامواي) إلى مدرستي في حي المهاجرين، في لحف جبل قاسيون ولم يستقر بي في المدرسة مقام، حتى أقبل علينا شيخ من مشايخ المسلمين، على رأسه عمة بيضاء كأنها برج، وحول يده كم كأنه خرج، تتدلى منه سبحة لا يفتأ يعد حباتها ويلعب بها، وقد يخطئ مرة فيسبح عليها، يجر بيده ولدا، فخذاه مكشوفان وعلى رأسه كمة فقلت له: - ما هذا يا شيخ؟ أعورة من أعلى، وعورة من أسفل؟

стр. 9799

- قال: وما ذاك؟ - قلت: ألم يكفك تكشف عورته، وأنت تذكر الله، وتتلو كتابه، وتظهر منه ما أمر الله بستره، حتى تضم إلى العورة عورة أخرى تجئ فوق رأسهن فتلبسه القبعة؟ - فقال (ولوى لسانه وتفيهق وتشدق): ما هي بعورة في مذهبنا - قلت: وما مذهبك يا مولانا؟ - قال: مذهب الإمام مالك - قلت: ذاك لمن لا يفرق بين عورة الملتحي وعورة الأمرد، هذا الذي في مذهب مالك، لا مع مثل ابنك الذي لا تؤمن معه الفتنة وإذا أنت فهمت مذهب مالك بهذا الفهم الأعوج، أفليس في الناس فساق، يأكلون عرض ابنك على مذهب مالك، ما دام مذهب مالك حجة يحتج بها كل ما جن وفاسق. . . رحم الله مالكا وجعل افتراءكم عليه حسنات له وتركته وقمت إلى قسم الشهادة الابتدائية، أرى التلاميذ. . . فإذا أكثرهم لا يستر إلا نصفه الأعلى، وإذا هم متأنثون مائلون مميلون، فجعلت أسألهم من هنا وهناك، فقلت: - ما شروط الصلاة؟ من يعرفها منكم؟ - قالوا: لا نعرفها، درس الديانة ليس من دروس الامتحان فلا نحفظه - قلت: فماذا قرأتم في السنة الماضية؟ - قالوا: وماذا نقرأ، عندنا ساعة واحدة في الأسبوع. . . - قلت: فلنبحث في التاريخ، من يحدثنا عن وقعة اليرموك، أو القادسية؟ - قالوا: ما قرأناها. . . نحدثك عن سيرة نابليون، ووقعة واترلو. . . هذا ما قرأناه وسنقرؤه في هذا العام. . . وبعد. . . فهذا طرف من الحقيقة، وقليل من كثير من الواقع، نسوقه بلا تعليق! (دمشق) علي الطنطاوي

стр. 9800

من تراثنا الأدبي ١ - أبو العيناء بقلم محمود محمود خليل أبو العيناء ونسبه أبو العيناء كاتب منشئ من كتاب القرن الثالث الهجري الحافل بأساطين الأدب وجلة العلماء، ولكنه كاتب ضرير البصر من العباقرة الذين سجل لهم التاريخ الذكر الحسن، أمثال أبي العلاء المعري وبشار بن برد وأضرابهما، وكأن سنة الله قد جرت في الخلق أن يقترن فقد البصر بالنبوغ غالبا والعبقرية، ولن تجد لسنة الله تبديلا. وإذا كان القدر قد أتاح لشاعر المعرة فطاحل الكتاب والأدباء يدرسونه ويمحصونه، ويستخلصون فلسفته من شعره، فلا أقل من أن يدرس أبا العيناء الضرير شخص مثلي، وفي اعتقادي أن شخصية أبي العيناء جذابة فكهة كما سترى، وهي تفضل شاعر المعرة العبوس المتبرمة من هذه الناحية يحدثنا الرواة أنا أبا العيناء اسمه أبو عبد الله محمد بن القاسم ابن خلاد بن ياسر بن سليمان، وأصل قومه من بني حنيفة من أهل اليمامة، ولحقهم سباء في خلافة المنصور العباسي، فلما صار ياسر في يد المنصور أعتقه، فهم موالي بني هاشم مولده ونشأته ولد أبو العيناء بالأهواز في آخر المائة الثانية للهجرة، ونشأ بالبصرة، وبها طلب الحديث وكسب الأدب؛ وكان على استعداد تام للحرص على كل ما يلقي عليه فأثمرت فيه تربيته بالبصرة الثمر الطيب، وأخرجته رجلا فذا في الحياة، مثقفا إلى درجة حسنة، ولقد هيأته تلك الثقافة إلى رواية الأخبار الطريفة، والملح اللطيفة، والأشعار الجيدة، حتى لقد بلغ الأمر أن يعرض عليه المتوكل العباسي أن يكون نديمه على شرابه، ويتمنى عليه لو يجيبه، فيمنعه عمى بصره عن الوصول إلى تلك المرتبة السنية، وإن كان قد حاز منزلة سامية من قلب المتوكل. ونرى الأصفهاني في كتابه الأغاني يجعله من رجال سنده في جملة أخبار أتى بها في كتابه، يقول في سند له: أخبرني قدامة عن أبي العيناء عن العتبي

стр. 9801

ويمضي أبو الفرج فيروي لنا حديثا طويلا بهذا السند في أمر زواج ليلى العامرية برجل من ثقيف وشعر مجنون بني عامر حين بلغه ذلك، وسند آخر أتى به أبو الفرج. قال أخبرني محمد بن خلف، قال حدثنا أبو العيناء عن القحذمي عن أبي صالح السعدي، ثم يمضي في رواية خبر طويل يتعلق بعمر بن أبي ربيعة، وكذلك ينقل عنه الأبشيهي صاحب كتاب المستطرف، وغير هذين المؤلفين كثير، وعد المؤلفين لأبي العيناء من الرجال الذين يعتمد عليهم في رواية الأخبار والأشعار ما هيأه لذلك إلا نشأته بين أولئك الفطاحل من البصريين الذين تغذى بلب علومهم، واستصفى ثمار عقولهم كان أبو العيناء إذا يتردد على علماء البصرة يأخذ عنهم. فهل كان في هذا الوقت أعمى أم بصيراً؟ يقول الرواة إنه ما عمى إلا بعد أربعين عاما من عمره، وهو زمن ليس بالقليل يكون أبو العيناء قد أخذ فيه بحظ وافر من متعته ببصره، والغريب في هذا حقا أن الرواة يسيطرون لنا أسطورة عن سبب عماه؛ وهي أن جده الأكبر لقي علي بن أبي طالب (ض) فأساء مخاطبته. فدعا عليه وعلى ولده بالعمى، فكل من عمى منهم فهو صحيح النسب، فهذا الخبر إن صح ينبثق منه شعاع من الحقيقة يتحكم فيه قانون الوراثة، فقد ورث عن آبائه سلاطة اللسان قال أبو العيناء حاكيا عن نفسه: أنا أول من أظهر العقوق لوالديه بالبصرة، قال لي أبي إن الله قد قرن طاعته بطاعتي، فقال تعالى: (أن أشكر لي ولوالديك) فقلت يا أبت إن الله تعالى قد أمنني عليك ولم يأمنك علي. فقال: (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم)، ولم يقف بسلاطته تلك على أهله وذويه، فان الناس كلهم كانوا يخافون معرة لسانه، والسهام التي يقذفها في كلامه، وتستطيع أن تجد له أخبارا كثيرة في كتب الأدب تؤيد ما ذهبنا إليه، فهذا موقفه مع فتى ماجن أراد العبث به مرة. فقال له يا أبا العيناء متى أسلمت؟ قال حين أسلم أهلك وأبوك الذين لم يؤدبوك. . . الخ ذلك الخبر، وموقف آخر مع عيسى بن فرخان شاه الذي يتولى الوزارة ويتيه فيها على أبي العيناء، فلما عزل لقيه أبو العيناء في الطريق فسلم عليه وأحفى فقال له: والله لقد كنت أقنع بإيمائك دون بيانك، وبلحظك دون لفظك، فالحمد لله على ما آلت إليه حالك، فلئن كانت أخطأت فيك النعمة، فلقد أصابت فيك النقمة، ولئن كانت الدنيا أبدت مقابحها بالإقبال عليك، فلقد أظهرت محاسنها

стр. 9802

بالانصراف عنك، ولله المنة إذ أغنانا عن الكذب عليك، ونزهنا عن قول الزور فيك، فقد والله أسأت حمل النعم، وما شكرت حق المنعم وموقف ثالث يقفه أبو العيناء مع بعض الوزراء في مجلسه إذ يمدح البرامكة ويذكر سخاءهم وجودهم فيقول الوزير إنما هذا من تصنيف الوراقين، وكذب المؤلفين، فقال أبو العيناء: فلم لا يكذب الوراقون عليك أيها الوزير؟ فأسكته وعجب الحاضرون من إقدامه عليه فهذه الأخبار وغيرها كثير تعطينا فكرة صحيحة عن سلاطة لسانه التي امتاز بها بين الأدباء المعاصرين له، حتى كان الوزراء وأرباب المناصب وغيرهم يخافونه ويتقون لسانه بل يدارونه، وتلك اللسانة كما قلت كانت موروثة عن آبائه، فقد علمنا كيف أقدم جده الأكبر على علي بن أبي طالب (ض)، وأساء مخاطبته حتى دعا عليه، وحتى أستجيبت دعوته فيه وفي أحفاده من بعده. ولكن أبا العيناء يعتذر عن بذاءة لسانه حين سأله المتوكل على الله بقوله بلغني عنك شر. فقال يا أمير المؤمنين إن يكن الشر ذكر المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، فقد زكى الله وذم، فقال في التزكية: (نعم العبد إنه أواب)، وقال في الذم: (هماز مشاء بنميم مناع للخير معتد أثيم) وقال الشاعر: إذا أنا لم أمدح على الخير أهله … ولم اذمم الجبْس اللئيم المذمما ففيم عرفت الخير والشر باسمه … وشقّ لي الله المسامعَ والفما وإن كان الشر كفعل العقرب التي تلسع السني والدنيء بطبع لا يتميز فقد صان الله عبدك عن ذلك وفي الحق إن أبا العيناء لم يكن يسفه على أحد من الناس إلا على من يتعرض له بإساءة، فإذا تجرأ على هذا شخص فويل له من لسانه، ولقد أجاب المتوكل إذ قال له كم تمدح الناس وتذمهم فقال ما دام المحسن يحسن والمسيء يسيء، وغرضه بهذا أنه يعطي كل إنسان ما يستحقه من مدح أو ذم، ولقد مدح أناسا كثيرين ولكنه ذم أكثر ممن مدح، وإنا وإن كنا نعتقد أن أبا العيناء قد أسرف في الذم إسرافا كثيرا، فان من الحق علينا أن نعترف أن هناك عوامل أخرى جعلته يسرف هذا الإسراف، وسنعرف بعد ما هي هذه العوامل (يتبع)

стр. 9803

محمود محمود خليل

стр. 9804

في الأدب الإنجليزي ٣ - الكائنات الغيبية في شعر شكسبير بقلم خيري حماد لم يحاول شكسبير إظهار شخصيته من خلال رواياته، ولكن كارليل يقول عنه: (إن روايات شكسبير هي كنوافذ متعددة يظهر من خلالها ما كان يدور في نفسه من الأفكار والخواطر). ومن كل رواية من رواياته يمكننا أن نتبين الحالة العقلية التي كان فيها لما أنشأها وكتبها. ففي هملت لم يكن تفكيره محصورا إلا في البحث في الأشباح، بينما كان في مكبث مشتغلا بالسحر والسحرة وفي كل من روايتيه تتحقق النبوءات التي تتنبأ بها الأشباح والساحرات. ولكن هناك ثمة فرقا ضئيلا بين كل من الروايتين، وذلك الفرق هو أن نبوءات الشيخ في هملت هي من أمور الماضي بينما هي في مكبث أمور المستقبل وقد قال جبسن عند كلامه عن العاصفة ما يؤكد هذه النظرية، فهو يقول: (هل كان في استطاعة شكسبير أن يجعل من جميع هذه النبوءات الخيالية حقائق راهنة إن لم يكن يعتقد الاعتقاد كله بهذه الأمور من عالم الخيالات والأشباح؟) وفي رواية الملك هنري الرابع نرى هتسبر يعارض اعتقاده جلندرو أن في استطاعته أن يسخر الأرواح والشياطين في مهامه الخصوصية، فهو يتحداه بقوله: (إنك تعتقد أن في إمكانك مخاطبة الأرواح ولكن هذا في استطاعتي أنا وفي استطاعة أي رجل آخر. وقد فاتك يا هذا أنها لا تجيبنا عند ما ندعوها أو نخاطبها) وهذا الشك لا يلبث أن يزول عندما يقدم جلندور البرهان الكافي فتخاطبه الأرواح كأنه فرد من جنسيتها؛ وهذا الاعتقاد بالخرافات كان مستوليا على شكسبير لدرجة عظيمة حتى أنه كان يضع المحبين والمجانين والشعراء في مصاف من يستطيعون الاتصال بالعالم العلوي، وفي رواية هنري السادس نراه يجمع بين ما هو في عالم العقائد وما هو في عالم الخرافة، وقد لخص عقيدته في رواية هملت إذ يقول: إن هناك في السماء أمورا عدة يا هوراثيو

стр. 9805

مما ليس في استطاعة العالم البشري فهمها أو التفكير فيها) أو حين يقول في رواية أخرى: (يقولون إن زمن المعجزات قد انتهى وآن لنا أن نفكر في كياننا الفلسفي فقط فنجعل من الخرافات مسائل عصرية يقبلها العقل ويسيغها المنطق. ولما كنا نستهزئ بالمخاوف والأشباح متسترين برداء من العلم والمعرفة فعلينا ألا نكون عرضة لمخاوف غير مرئية وهذا مما لا يتأتى لنا) إن في استطاعتنا أن نستنتج من هاتين الفقرتين السابقتين أن شكسبير كان يؤمن بالخرافات والغيبيات، فهناك عدد غير قليل من الأمور التي ليس في استطاعتنا فهمها أو التعبير عنها. فلا يمكن مثلا إنكار وجود عدد من المعجزات التي يكثر حدوثها فوق ظهر هذه البسيطة، وما العالم العلوي إلا محيط لا يمكننا حل ألغازه وتفهم معانيه. فإن من طبيعة البشر أن يكونوا خاضعين لعالم غير عالمهم يجهلونه ويخافونه، وما المحاولات التي يقوم بها العلماء لإسناد كل ظاهرة طبيعية إلى عاملها العلمي إلا محاولات خالية من الإقناع وعن طريق البرهان قلنا إن شكسبير كان يؤمن بعدد من المخلوقات المغيبة، وقد جمعها في رواياته محاولا إظهارها بصورة رائعة من الخيال والسمو الفكري، وأولى هذه الأنواع وأهمها هي ظاهرة الجنيات الجنيات إن هذه الجنيات هي بقايا العبودات والآلهة المحلية التي كانت سائدة على القرى الإنكليزية في عصر من العصور، وما العقيدة الشائعة أن هذه الجنيات قد تسلسلت من الآلهة اليونانية والرومانية القديمة إلا حديث خرافة لا أصل له من الصحة والصدق. وهناك نفر غير قليل من النقاد يرجعونهن إلى أصل بشري، فما هن إلا ذرية سكان بريطانيا الأقدمين الذين طردهم الكلت عند استيلائهم على البلاد، فلم يجدن غير الغابات ملجأ يلجأن إليه ومكانا يستطعن العيش فيه مدة حياتهن القادمة، وأصبحن يعرفن فيما بعد بالجنيات وهذه المخلوقات العجيبة كانت على أنواع عدة، فمنها ما هو أسود اللون، ومنها ما هو أخضره آو أبيضه أو رماديه، وفي كثير من الروايات يصفهن شكسبير، فهو يقول في
следующие страницы →