← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 9801–9840 · переход к 9806.

стр. 9801

ويمضي أبو الفرج فيروي لنا حديثا طويلا بهذا السند في أمر زواج ليلى العامرية برجل من ثقيف وشعر مجنون بني عامر حين بلغه ذلك، وسند آخر أتى به أبو الفرج. قال أخبرني محمد بن خلف، قال حدثنا أبو العيناء عن القحذمي عن أبي صالح السعدي، ثم يمضي في رواية خبر طويل يتعلق بعمر بن أبي ربيعة، وكذلك ينقل عنه الأبشيهي صاحب كتاب المستطرف، وغير هذين المؤلفين كثير، وعد المؤلفين لأبي العيناء من الرجال الذين يعتمد عليهم في رواية الأخبار والأشعار ما هيأه لذلك إلا نشأته بين أولئك الفطاحل من البصريين الذين تغذى بلب علومهم، واستصفى ثمار عقولهم كان أبو العيناء إذا يتردد على علماء البصرة يأخذ عنهم. فهل كان في هذا الوقت أعمى أم بصيراً؟ يقول الرواة إنه ما عمى إلا بعد أربعين عاما من عمره، وهو زمن ليس بالقليل يكون أبو العيناء قد أخذ فيه بحظ وافر من متعته ببصره، والغريب في هذا حقا أن الرواة يسيطرون لنا أسطورة عن سبب عماه؛ وهي أن جده الأكبر لقي علي بن أبي طالب (ض) فأساء مخاطبته. فدعا عليه وعلى ولده بالعمى، فكل من عمى منهم فهو صحيح النسب، فهذا الخبر إن صح ينبثق منه شعاع من الحقيقة يتحكم فيه قانون الوراثة، فقد ورث عن آبائه سلاطة اللسان قال أبو العيناء حاكيا عن نفسه: أنا أول من أظهر العقوق لوالديه بالبصرة، قال لي أبي إن الله قد قرن طاعته بطاعتي، فقال تعالى: (أن أشكر لي ولوالديك) فقلت يا أبت إن الله تعالى قد أمنني عليك ولم يأمنك علي. فقال: (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم)، ولم يقف بسلاطته تلك على أهله وذويه، فان الناس كلهم كانوا يخافون معرة لسانه، والسهام التي يقذفها في كلامه، وتستطيع أن تجد له أخبارا كثيرة في كتب الأدب تؤيد ما ذهبنا إليه، فهذا موقفه مع فتى ماجن أراد العبث به مرة. فقال له يا أبا العيناء متى أسلمت؟ قال حين أسلم أهلك وأبوك الذين لم يؤدبوك. . . الخ ذلك الخبر، وموقف آخر مع عيسى بن فرخان شاه الذي يتولى الوزارة ويتيه فيها على أبي العيناء، فلما عزل لقيه أبو العيناء في الطريق فسلم عليه وأحفى فقال له: والله لقد كنت أقنع بإيمائك دون بيانك، وبلحظك دون لفظك، فالحمد لله على ما آلت إليه حالك، فلئن كانت أخطأت فيك النعمة، فلقد أصابت فيك النقمة، ولئن كانت الدنيا أبدت مقابحها بالإقبال عليك، فلقد أظهرت محاسنها

стр. 9802

بالانصراف عنك، ولله المنة إذ أغنانا عن الكذب عليك، ونزهنا عن قول الزور فيك، فقد والله أسأت حمل النعم، وما شكرت حق المنعم وموقف ثالث يقفه أبو العيناء مع بعض الوزراء في مجلسه إذ يمدح البرامكة ويذكر سخاءهم وجودهم فيقول الوزير إنما هذا من تصنيف الوراقين، وكذب المؤلفين، فقال أبو العيناء: فلم لا يكذب الوراقون عليك أيها الوزير؟ فأسكته وعجب الحاضرون من إقدامه عليه فهذه الأخبار وغيرها كثير تعطينا فكرة صحيحة عن سلاطة لسانه التي امتاز بها بين الأدباء المعاصرين له، حتى كان الوزراء وأرباب المناصب وغيرهم يخافونه ويتقون لسانه بل يدارونه، وتلك اللسانة كما قلت كانت موروثة عن آبائه، فقد علمنا كيف أقدم جده الأكبر على علي بن أبي طالب (ض)، وأساء مخاطبته حتى دعا عليه، وحتى أستجيبت دعوته فيه وفي أحفاده من بعده. ولكن أبا العيناء يعتذر عن بذاءة لسانه حين سأله المتوكل على الله بقوله بلغني عنك شر. فقال يا أمير المؤمنين إن يكن الشر ذكر المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، فقد زكى الله وذم، فقال في التزكية: (نعم العبد إنه أواب)، وقال في الذم: (هماز مشاء بنميم مناع للخير معتد أثيم) وقال الشاعر: إذا أنا لم أمدح على الخير أهله … ولم اذمم الجبْس اللئيم المذمما ففيم عرفت الخير والشر باسمه … وشقّ لي الله المسامعَ والفما وإن كان الشر كفعل العقرب التي تلسع السني والدنيء بطبع لا يتميز فقد صان الله عبدك عن ذلك وفي الحق إن أبا العيناء لم يكن يسفه على أحد من الناس إلا على من يتعرض له بإساءة، فإذا تجرأ على هذا شخص فويل له من لسانه، ولقد أجاب المتوكل إذ قال له كم تمدح الناس وتذمهم فقال ما دام المحسن يحسن والمسيء يسيء، وغرضه بهذا أنه يعطي كل إنسان ما يستحقه من مدح أو ذم، ولقد مدح أناسا كثيرين ولكنه ذم أكثر ممن مدح، وإنا وإن كنا نعتقد أن أبا العيناء قد أسرف في الذم إسرافا كثيرا، فان من الحق علينا أن نعترف أن هناك عوامل أخرى جعلته يسرف هذا الإسراف، وسنعرف بعد ما هي هذه العوامل (يتبع)

стр. 9803

محمود محمود خليل

стр. 9804

في الأدب الإنجليزي ٣ - الكائنات الغيبية في شعر شكسبير بقلم خيري حماد لم يحاول شكسبير إظهار شخصيته من خلال رواياته، ولكن كارليل يقول عنه: (إن روايات شكسبير هي كنوافذ متعددة يظهر من خلالها ما كان يدور في نفسه من الأفكار والخواطر). ومن كل رواية من رواياته يمكننا أن نتبين الحالة العقلية التي كان فيها لما أنشأها وكتبها. ففي هملت لم يكن تفكيره محصورا إلا في البحث في الأشباح، بينما كان في مكبث مشتغلا بالسحر والسحرة وفي كل من روايتيه تتحقق النبوءات التي تتنبأ بها الأشباح والساحرات. ولكن هناك ثمة فرقا ضئيلا بين كل من الروايتين، وذلك الفرق هو أن نبوءات الشيخ في هملت هي من أمور الماضي بينما هي في مكبث أمور المستقبل وقد قال جبسن عند كلامه عن العاصفة ما يؤكد هذه النظرية، فهو يقول: (هل كان في استطاعة شكسبير أن يجعل من جميع هذه النبوءات الخيالية حقائق راهنة إن لم يكن يعتقد الاعتقاد كله بهذه الأمور من عالم الخيالات والأشباح؟) وفي رواية الملك هنري الرابع نرى هتسبر يعارض اعتقاده جلندرو أن في استطاعته أن يسخر الأرواح والشياطين في مهامه الخصوصية، فهو يتحداه بقوله: (إنك تعتقد أن في إمكانك مخاطبة الأرواح ولكن هذا في استطاعتي أنا وفي استطاعة أي رجل آخر. وقد فاتك يا هذا أنها لا تجيبنا عند ما ندعوها أو نخاطبها) وهذا الشك لا يلبث أن يزول عندما يقدم جلندور البرهان الكافي فتخاطبه الأرواح كأنه فرد من جنسيتها؛ وهذا الاعتقاد بالخرافات كان مستوليا على شكسبير لدرجة عظيمة حتى أنه كان يضع المحبين والمجانين والشعراء في مصاف من يستطيعون الاتصال بالعالم العلوي، وفي رواية هنري السادس نراه يجمع بين ما هو في عالم العقائد وما هو في عالم الخرافة، وقد لخص عقيدته في رواية هملت إذ يقول: إن هناك في السماء أمورا عدة يا هوراثيو

стр. 9805

مما ليس في استطاعة العالم البشري فهمها أو التفكير فيها) أو حين يقول في رواية أخرى: (يقولون إن زمن المعجزات قد انتهى وآن لنا أن نفكر في كياننا الفلسفي فقط فنجعل من الخرافات مسائل عصرية يقبلها العقل ويسيغها المنطق. ولما كنا نستهزئ بالمخاوف والأشباح متسترين برداء من العلم والمعرفة فعلينا ألا نكون عرضة لمخاوف غير مرئية وهذا مما لا يتأتى لنا) إن في استطاعتنا أن نستنتج من هاتين الفقرتين السابقتين أن شكسبير كان يؤمن بالخرافات والغيبيات، فهناك عدد غير قليل من الأمور التي ليس في استطاعتنا فهمها أو التعبير عنها. فلا يمكن مثلا إنكار وجود عدد من المعجزات التي يكثر حدوثها فوق ظهر هذه البسيطة، وما العالم العلوي إلا محيط لا يمكننا حل ألغازه وتفهم معانيه. فإن من طبيعة البشر أن يكونوا خاضعين لعالم غير عالمهم يجهلونه ويخافونه، وما المحاولات التي يقوم بها العلماء لإسناد كل ظاهرة طبيعية إلى عاملها العلمي إلا محاولات خالية من الإقناع وعن طريق البرهان قلنا إن شكسبير كان يؤمن بعدد من المخلوقات المغيبة، وقد جمعها في رواياته محاولا إظهارها بصورة رائعة من الخيال والسمو الفكري، وأولى هذه الأنواع وأهمها هي ظاهرة الجنيات الجنيات إن هذه الجنيات هي بقايا العبودات والآلهة المحلية التي كانت سائدة على القرى الإنكليزية في عصر من العصور، وما العقيدة الشائعة أن هذه الجنيات قد تسلسلت من الآلهة اليونانية والرومانية القديمة إلا حديث خرافة لا أصل له من الصحة والصدق. وهناك نفر غير قليل من النقاد يرجعونهن إلى أصل بشري، فما هن إلا ذرية سكان بريطانيا الأقدمين الذين طردهم الكلت عند استيلائهم على البلاد، فلم يجدن غير الغابات ملجأ يلجأن إليه ومكانا يستطعن العيش فيه مدة حياتهن القادمة، وأصبحن يعرفن فيما بعد بالجنيات وهذه المخلوقات العجيبة كانت على أنواع عدة، فمنها ما هو أسود اللون، ومنها ما هو أخضره آو أبيضه أو رماديه، وفي كثير من الروايات يصفهن شكسبير، فهو يقول في

стр. 9806

موضع من روايته (نساء وندسور المرحات) واصفا إياهن بقوله: إنهن سوداوات اللون أو رمادياته أو خضراوته أو بيضاوته وكن لا يخرجن إلا في غسق الليل، فيعقدن مجالس الأنس والطرب تحت ظلال الأشجار، بينا أهل الأرض نيام. وفي (العاصفة) نرى بروسبيرو يخاطب إحدى هذه الجنيات قائلا: (ستخرجين الليلة ويصيبك فيها برد شديد، قد يؤدي إلى تشنج في أعصابك فتألمين منه أشد الألم، وستحيط بك الجنيات في الليل فينفذن فيك مالهن من قوة) تعيش الجنيات في الحقول المغطاة بالأزهار والرياحين، أو في الأماكن الخلوية من اليابسة والماء، سيان عندهن التلال والوديان، الغابات والمروج؛ وكثيرا ما تراهن بجوار الينابيع وضفاف الأنهار؛ أو في أعماق المحيطات والبحار، وقد وصف الشاعر أحد هذه الأمكنة بقوله: (إني لأعرف شاطئا تهب عليه الرياح، وتنبت فيه أزهار الياسمين والزنبق محاطة بالورود الجميلة المنظر) أما الملكة فهي تود الاجتماع في جميع الأماكن التي اعتدن فيها اللقيا، فهي تلقي الأوامر على أفراد رعيتها قائلة: (لنلتقي على التلال أو في الوديان، بجانب الينابيع المرصوفة، وعلى شواطئ الأنهار الذهبية، أو في أعماق البحار الرملية، وهناك نحتفل برقصنا على موسيقى الرياح الهائجة) إن أشهر أسماء هذه الجنيات التي ذكرها شكسبير في رواياته ثلاثة أولها أبيرون الذي يعتبر ملكا على هذه الطائفة من المخلوقات؛ أما تيتانيا فكثيرا ما يطلق عليها اسم الملكة ماب وهي تعتبر باعثة للأحلام كما يظهر في رواية روميو وجوليت: (أني لأعتقد أن الملكة ماب كانت معك فهي وسيطة الجنيات وملكتهن لا يزيد حجمها على حجر صغير أو إصبع من أصابع الرجال، وكثيرا ما تصبح بشكل ذرة ترتكز على أنوف الناس عند نومهم) فهي تبعث الأحلام والأخيلة اللذيذة، ولكنها لسوء حظ البشر في صراع دائم مع زوجها الملك أبيرون، ومن هذا الصراع قد يتأتى من الشرور والأضرار لبني البشر. أما آخر هذه الأسماء وهو بك فهو رسول الملك وحامل أوامره في الفقرة السابقة رأينا الملكة ماب بحجم صغير، ومن هذا يمكننا أن نستنتج أن الجنيات ذوات حجم ضئيل، وقد وصفهن شكسبير في رواية العاصفة بقوله (حيثما تهبط النحل أهبط أنا وفي استطاعتي أن أنام دخل جرس من الأجراس فأتخلص من نعيق الغربان

стр. 9807

والبوم). وقد يتمكن من الظهور بحجم أصغر فيختفين داخل كؤوس الشراب ولا ينتظر من هذه المخلوقات الضئيلة إحداث أمر سيئ للبشرية لولا أنها في نزاع دائم مستمر. نعم إن صفاء نيتهن كان سببا في خلق بعض الآلام إلا أنهن كن لا يلبثن أن يزلن ما أحدثن بمهارة وروية. وكثيرا ما نراهن يتعاطين المزاح فيروعن فتيات القرية ويخفنهن فرأينا إيموجن في سمبالين تخاف هذه المخلوقات وتسأل وصيفتها أن تلازمها لتحميها منهن فهي ترجوها قائلة (أرجوك حمايتي من الجنيات ودلاج الليل) ولكنا نراهن في الغالب يحفزهن حب الخير وعمله فيقمن بأعمال جمة لفائدة البشرية ونفعها ولا يعد روبن هود إلا فاعلا من فعلة الخير ومريده. فهو يتلقى الأوامر من مليكه ويعرضها على أفراد الشعب وهو يستمع إلى أبيرون حين يقول: (على كل جني أن يقف بالباب المعين له، وعليه أن يبارك من في الغرفة ويدعوا لهم بالسلام والطمأنينة). وكثيرا ما دعت الجنيات للأزواج الحديثي العهد بالسرور والبركة وتلقفن أطفالهم بعين الرعاية والعطف حتى يشبوا ولم يعرفوا الألم قط. وهاهو أبيرون يقول (دعنا نذهب إلى فراش كل عروس جديدة فنباركها فتلد غلاما يلازمه السرور وترعاه العناية) (يتبع) خيري حماد

стр. 9808

كتب ابن المقفع للأستاذ بشير الشريقي ١ - أبو محمد عبد الله بن المقفع كاتب بليغ مشهور امتاز بأسلوبه الجميل السهل الرشيق، لا أعرف بين أدبائنا القدماء والمحدثين من هو أقدر منه على الكتابة والتعبير إلا عمرو بن بحر الجاحظ. كان ماهرا في تصور طبائع الناس وأهوائهم وميولهم، احتوت كتبه الحكمة والأدب والأمثال، كما احتوت قواعد عامة في الإدارة والسياسة والأخلاق ٢ - وهو فارسي الأصل اسمه في الفارسية (روزبة) ولد في (خوز) من أعمال خراسان حوالي سنة ١٠٦ هجرية. ونشأ في البصرة، وقد ظل يدين بالمجوسية دين آبائه حقبة من الزمن، ثم اعتنق الإسلام وقد بلغ السابعة والعشرين من عمره، قال الهيثم بن عدي يذكر قصة إسلامه: (جاء ابن المقفع إلى عيسى بن علي عم المنصور، فقال له: قد دخل الإسلام في قلبي وأريد أن أسلم على يدك، فقال له عيسى: ليكن ذلك بمحضر من القواد ووجوه الناس، فإذا كان الغد فاحضر؛ ثم حضر طعام عيسى عشية ذلك اليوم، فجلس ابن المقفع يزمزم على عادة المجوس فقال له عيسى: أتزمزم وأنت على عزم الإسلام؟ قال: أكره أن أبيت على غير دين) ٣ - وكما اشتهر عبد الله أنه كاتب كبير، فقد اشتهر أنه مترجم قدير لا تلمح في ترجمته أثر العجمية، فهو أول من اعتنى في الإسلام بترجمة الكتب القيمة، ترجم كتب أرسطو الثلاثة في المنطق، ونقل كتاب (التاج في سيرة أنوشروان)، وقيل إن كتاب (كليلة ودمنة) كان باللغة الفارسية فنقله إلى اللغة العربية. قال الباقلاني: (ابن المقفع ينحط إذا كتب ويعلو إذا ترجم، لأن في الأولى عقله وفي الثانية كل العقول) وقال الجاحظ: (كان ابن المقفع مقدما في بلاغة اللسان والقلم والترجمة) ٤ - لابن المقفع من الكتب كتابا (الأدب الصغير والكبير) وكتاب (الدرة اليتيمة)، وكتاب (التاج في سيرة أنوشروان)، وكتاب (كليلة ودمنة)؛ وكتب في المنطق. وهذه الكتب منها الموضوع ومنها المنقول، فكتابا (الأدب الصغير والكبير) و (الدرة اليتيمة) من تأليف ابن المقفع؛ أما كتب المنطق وكتاب (التاج) فهي منقولة عن الفارسية التي يجيدها الكاتب إجادة عجيبة، واختلف أهل الأدب في حقيقة كتاب (كليلة ودمنة)، فمنهم من قال إن ابن المقفع

стр. 9809

هو الذي وضعه، وأنه نحله الهند القدماء لترغيب أهل زمانه بمطالعته، ومنهم من قال إنه لم يضعه، وإنما كان باللغة الفارسية ونقله إلى العربية ٥ - وبعد فأرى أن أحداث القارئ عن أشهر كتب ابن المقفع وأكثرها متعة قيمة، وهي كتاب (الدرة اليتيمة) وكتاب (الأدب الصغير) وكتاب (كليلة ودمنة)، وسيقتصر بحثي على تعريف القارئ بهذه الكتب تعريفا إجماليا، ثم على عرض اجمل ما فيها من صور أدبية واجتماعية مع شرح موجز: ٦ - الدرة اليتيمة التي لم يصنف في فنها مثلها تقع في ثمانين صفحة، وتشتمل على فصلين كبيرين، الأول منهما خاص بعلم السياسة ويحتوي على آراء قيمة حكيمة في إدارة الحكومة، وواجبات الحاكم، وعلى وصف دقيق لما يجب أن يكون عليه الأمير من القوة والعدل، والبطش والحلم، والتثبيت والعلم؛ والثاني خاص بعلم الأخلاق، يشتمل على قواعد دقيقة في التربية والاجتماع، وعلم النفس وعلى نظرات صادقة في الناس وشؤونهم حل ابن المقفع في (درته اليتيمة) مسألة كبيرة تلخص في كيف يتسنى للأمير أن يحفظ ملكه ويثبت سلطانه، نقول: إن هذه المسألة قد لفتت نظر كاتب فلورنسي يدعى (ميكافيللي) في القرن الخامس عشر ١٤٦٩ - ١٥٢٧، فوضع كتاب سماه (الأمير) شرح فيه هذه المسألة شرحا لا يكاد يختلف في أصوله ومعانيه عن شرح ابن المقفع؛ وكانت ضجة عظيمة حول الكتاب في الدوائر العلمية والسياسية الأوربية، وكان أصبح مكيافيللي بفضل كتابه الذي اعتبره الغربيون أول كتاب في العلم السياسي، من أعاظم رجال التاريخ؛ ولما كان المجال لا يسمع الكلام بإسهاب اكتفي بقولي: إن من يطلع على (الدرة اليتيمة) يرى أن ابن المقفع بحث في أصول سياسة الملك بحثا مستفيضا ممتعا، وإلى القارئ صورا من (الدرة اليتيمة): ٧ - قال ابن المقفع: أحق الناس بالتوقير الملك الحليم العالم بالأمور وفرض الأعمال ومواضع الشدة واللين والغضب والرضاء والمعالجة والأناة الناظر في الأمر يومه وغده وعواقب أعماله اعلم أن الملك اثنان: ملك حزم وملك هوى، أما ملك الحزم فانه يقوم به الأمر ولا يسلم من الطعن ولن يضر طعن الذليل مع حزم القوي، وأما ملك الهوى فلعب ساعة ودمار دهر لا

стр. 9810

يضيعن الوالي التثبت عند ما يقول وعندما يعطي وعندما يفعل، فان الرجوع عن الصمت أحسن من الرجوع عن الكلام، وإن العطية بعد المنع أجمل من المنع بعد الإعطاء، وإن الإقدام على العمل بعد التأني فيه أحسن من الإمساك عند بعد الإقدام عليه؛ وكل الناس محتاج إلى التثبت، وأحوجهم إليه ملوكهم الذين ليس لقولهم وفعلهم دافع، وليس عليهم مستحث إن الوالي لا علم له بالناس إلا ما قد علم قبل ولايته، فأما إذا ولي فكل الناس يلقاه بالتزين والتصنع، وكلهم يحتال لأن يثني عليه عنده بما ليس فيه لا يمتنع الوالي وإن كان بليغ الرأي والنظر من أن ينزل عنده كثير من الأشرار بمنزلة الأخيار، وكثير من الخانة بمنزلة الأمناء، وكثير من الغدرة بمنزلة الأوفياء، ويغطى عليه أمر كثير من أهل الفضل الذين يصونون أنفسهم عن التصنع والتمحل لتعرف رعيتك أبوابك التي لا ينال ما عندك من الخير إلا بها، والأبواب التي لا يخافك خائف إلا من قبلها احرص الحرص كله على أن تكون خبيرا بأمور عمالك فان المسيء يفرق من خبرتك قبل أن تصيبه عقوبتك، وإن المحسن يستبشر بعلمك قبل أن يأتيه معروفك ليعلم الوالي أن الناس يصفون الولاة بسوء العهد ونسيان الود، فليكابد نقض قولهم وليبطل عن نفسه وعن الملوك صفات السوء التي يوصفون بها لا يولعن الوالي بسوء الظن لقول الناس، وليجعل لحسن الظن من نفسه نصيبا موفورا يروح به عن قلبه ويصدر به أعماله من صحب السلطان لم يزل مروعا. فساد الملك أضر على الرعية من جدب الزمان ٨ - (الأدب الصغير) رسالة قيمة في علم تهذيب الأخلاق، تقع في أربعين صفحة كتبت بأسلوب جميل ساحر، أسلوب فيه حلاوة وعليه وطلاوة، أسلوب تتجلى فيه الألفاظ العذبة والمخارج السهلة والديباجة الكريمة والمعاني التي إذا طرقت الصدور عمرتها، وهي ممتلئة بأصدق الأنباء عن الروح الإنسانية تبرهن على مقدرة ابن المقفع العجيبة في تصوير طبائع الناس قال: على العاقل ألا يحزن على شيء فاته من الدنيا أو تولى وأن ينزل ما أصاب من ذلك ثم

стр. 9811

انقطع عنه منزلة ما لم يصب، وينزل ما طلب من ذلك ثم لم يدركه منزلة ما لم يطلب وعلى العاقل أن يجبن عن الرأي الذي لا يجد عليه موافقا وإن ظن أنه على اليقين وعلى العاقل إن اشتبه عليه أمران فلم يدر في أيهما الصواب أن ينظر أهواهما عنده فيحذره من نصب نفسه للناس إمام في الدين فعليه أن يبدأ في تعليم نفسه وتقويمها في السيرة والطعمة والرأي واللفظ والأخدان. معلم نفسه ومؤدبها أحق بالإجلال والتفضيل من معلم الناس ومؤدبهم الناس إلا قليلا ممن عصم الله مدخولون في أمورهم، فقائلهم باغ، وسامعهم عياب، وسائلهم متعنت، ومجيبهم متكلف، وواعظهم غير محقق لقوله بالفعل، وموعوظهم غير سليم من الاستخفاف، يترقبون الدوال، ويتعاطون القبيح، ويتعاينون بالفخر لا يمنعك صغر شأن امرئ من اجتباء ما رأيت من رأيه صوابا، واصطفاء ما رأيت من أخلاقه كريما، فان اللؤلؤة الفائقة لا تهان لهوان غائصها الذي استخرجها أعدل السير أن تقيس الناس بنفسك، فلا تأتي إليهم إلا ما ترضى أن يؤتي إليك ومن روع الرجل ألا يقول ما لا يعلم، ومن الأرب أن يتثبت فيما يعلم إقدام المرء على ما لا يدري أصواب هو أم خطأ جماح، والجماح آفة العقل خمول الذكر أجمل من الذكر الذميم لا يوجد الفخور محمودا، ولا الغضوب مسرورا، ولا الحر حريصا، ولا الكريم حسودا، ولا الشره غنيا، ولا الملول ذا إخوان ما التبع والأعوان والصديق والحشم إلا للمال، ولا يظهر المروءة إلا المال، ولا الرأي والقوة إلا بالمال؛ ومن لا إخوان له فلا أهل له، ومن لا ولد له فلا ذكر له، ومن لا عقل له فلا دنيا ولا آخرة له، ومن لا مال له فلا شيء له. والفقر داعية إلى صاحبه مقت الناس، وهو مسلبة للعقل والمروءة، ومذهبة للعلم والأدب، ومعدن للتهمة، ومجمعة للبلايا، ومن نزل به الفقر والفاقة لم يجد بدا من ترك الحياء، ومن ذهب حياؤه ذهب سروره، ومن ذهب سروره مقت، ومن مقت أوذي، ومن أوذي حزن، ومن حزن ذهب عقله واستنكر حفظه وفهمه، ومن أصيب في عقله وفهمه وحفظه كان أكثر قوله وعمله فيما يكون عليه لا

стр. 9812

له ٩ - (كليلة ودمنة) كتاب بليغ يتضمن الجد والهزل، واللهو والحكمة، ألفه بيدبا الفيلسوف الهندي رأس البراهمة، ونقله إلى العربية عن الترجمة الفارسية، في صدر الدولة العباسية (عبد الله ابن المقفع) رأس الكتاب، وقيل إن ابن المقفع هو الذي وضعه وأنه نحله الهند القدماء لترغيب أهل زمانه في مطالعة كتب الحكمة والفلسفة التي لم يكونوا يأبهون لها إلا إذا أسندت للقدماء، وهو موضوع على ألسن البهائم والسباع والطير ليكون ظاهره لهو للعوام وباطنه رياضة لعقول الخاصة، وهو معروف متداول فلا داعي للإفاضة في بحثه ١٠ - ونتساءل: كيف كانت صورة عبد الله بن المقفع وهيئته؟ كيف كان شكله وطراز جسمه! هل كان جميلا ظريفا قويا أم على العكس قبيحا دميما ضعيفا! ماذا كان يلبس؟ هل كان يهتم بنظافة ثيابه وحسن هندامه، كيف كانت حياته الخاصة كيف كان يعيش مع نفسه وأهله وخلصائه؟ هل كان يميل إلى المرح والمداعبة والهزل؟ هل أحب ما هي قصة حبه؟ هل كان له زوجات وأولاد؟ ما درجة اتصاله بأهله وذوي قرباه؟ أي متاع الدنيا آثر عنده؟ هذه أسئلة عظيمة الفائدة المتعة لابد وأن تعرض لذهن من يود أن يعرف ابن المقفع ويفهم أدبه، ولكن أليس عجيبا إلا نستطيع أن نجيب على سؤال واحد منها وأن نكون على جهل تام بحياة أديبنا الخاصة؟ ليس الذنب في ذلك ذنبنا، وإنما هو ذنب مترجمي أدبنا القدماء فهم قل أن اهتموا أثناء ترجمتهم لأديب أو شاعر بحياته النفسية الخاصة ثم بحياة محيطه، هذه الحياة التي تكون الأديب وتطبع آثاره الأدبية بطابع الشخصية والذاتية ١١ - كل ما ذكره المترجمون عن حياة ابن المقفع الخاصة كان جملة واحدة أوردوها عرضا أثناء تحدثهم عن شعوره الديني أوردها صاحب الأغاني نقلا عن الجاحظ قال: كان ابن الحباب ومطيع بن إياس، ومنقذ بن عبد الرحمن الهلالي، وحفص بن أبي وردة، وابن المقفع، ويونس بن أبي فروة، وحماد عجرد، وعلي بن خليل، وحماد بن أبي ليلى الراوية، وابن الزبرقان، وعمارة ابن حمزة، وجميل بن محفوظ وبشار المرعش، ندماء يجتمعون على الشراب وقول الشعر ولا يكادون يفترقون، ويهجو بعضهم بعضا هزلا وعمدا، وكلهم متهم في دينه)

стр. 9813

نقول إن صحت رواية الجاحظ كان هؤلاء الشعراء والأدباء الذين كانوا يجتمعون على الشراب لقول الشعر ولا يكادون يفترقون هم الذين يمثلون الطبقة الخاصة من الناس التي ذكرها ابن المقفع في قوله (وعلى العاقل أن يجعل الناس طبقتين متباينتين ويلبس لهم لباسين مختلفين فطبقة من العامة يلبس لهم لباس انقباض وانحجاز وتحرز وتحفظ في كل كلمة وخطوة، وطبقة من الخاصة يخلع عندهم لباس التشدد ويلبس لباس الأنسة واللطف والبذلة والمفاوضة ولا يدخل في هذه الطبقة إلا واحد من ألف كلهم ذو فضل في الرأي وثقة في المودة وأمانة في السر ووفاء بالإخاء ١٢ - مات ابن المقفع باكرا، لم يمتع بالحياة؛ كان عمره ستة وثلاثين عاما يوم قتلوه؛ نعم لم يمت المسكين بل قتل حرقا بالنار. يا لهول الجريمة!! أجمع مترجمو ابن المقفع على أن سبب مقتله كتابته أمانا لعبد الله عم المنصور قال فيه: (. . . ومتى غدر أمير المؤمنين بعمه عبد الله؛ فنساؤه طوالق، ودوابه حبس، وعبيده أحرار، والمسلمون في حل من بيعته)، فلما وقف عليه المنصور عظم عليه ذلك وقال: من كتب هذا، فقالوا له: رجل يقال له عبد الله بن المقفع يكتب لأعمامك؛ فكتب إلى سفيان بن معاوية بن مهلب بن أبي صفرة متولي البصرة يأمره بقتله، ذكروا أن سفيان كان شديد الحنق على ابن المقفع لأنه كان يعبث به وينال من أمه ولا يسميه إلا بابن المغتلمة) وإنها لخسارة لا تعوض، وإنها لجريمة لا تغتفر، ورحم الله ابن المقفع شرقي الأردن بشير الشريقي

стр. 9814

شاعرنا العالمي أبو العتاهية للأستاذ عبد المتعال الصعيدي فنونه الشعرية: تناول أبو العتاهية لأول أمره من فنون الشعر الغزل والمدح والرثاء والهجاء والعتاب والاستعطاف وما إلى ذلك مما كان يتناوله غيره من الشعراء، ثم استفرغ بعد ذلك جل شعره في الزهد والوعظ والحكمة والمثل، فأعطى الشعر العربي من ذلك ثروة عظيمة كانت تنقصه فأما غزله فكان يذهب فيه مذهب الشعراء العشاق كجميل بثينة وغيره، وإن كنا قد ذكرنا في ترجمته أنه لم يكن صادق العشق مثلهم، ولكن سجيته التي كانت تنازعه من أول أمره إلى قول الزهد، لم تكن لترضى له أن يذهب في غزله مذهب فساق الشعراء كامرئ القيس وعمر بن أبي ربيعة وغيرهما، فجاء غزله عفيفا بعيدا عن الفحش والفجور، ليس فيه إلا شكوى الصبابة وألم الصد وعذاب الفراق ونحو ذلك من وجدانات أهل العشق؛ ولعل هذا أيضا مما كان يرغب المهدي والرشيد في غزل أبي العتاهية ويجعلهما يغضبان عليه إذا أراد أن يتركه إلى الزهد، مع أنهما كانا لا ينظران إلى غزل أحد غيره بتلك العين التي نظرا بها إلى غزله، وأمر المهدي مع بشار في غزله معلوم، وكذلك أمر الرشيد مع أبي نواس؛ وقد شاع الغزل بالمذكر في عصر أبي العتاهية فصان نفسه عنه، ولم يدنس شعره به، وهذه شهادة مسلم بن الوليد في غزل أبي العتاهية. ذكر أبو الفرج أن مسلما قال: كنت مستخفا بشعر أبي العتاهية فلقيني يوما فسألني أن أصير إليه: فجاءني بلون واحد فأكلنا، وأحضرني تمرا فأكلناه، وجلسنا نتحدث، وأنشدته أشعارا في الغزل، وسألته أن ينشدني، فأنشدني قوله: بالله يا قُرة العينين زوريني … قبل الممات وإلا فاستزيريني إني لأعجب من حبٍّ يقربني … ممن يباعدني منه ويعصيني أما الكثير فما أرجوه منك ولو … أطمعتني في قليل كان يكفيني ثم أنشدني أيضا: أخلايَ بي شجو وليس بكم شجو … وكل امرئ عن شجو صاحبه خِلْوُ وما من محبٍّ نال ممن يحبه … هوّى صادقاً إلا سيدخله زهو

стр. 9815

بليتُ وكان المزحُ بدء بليتي … فأحببت حقاً والبلاءُ له بدْو وُعلِّقْتُ من يزهو على تجبراً … وإنيَ في كل الخصال له كُفو رأيتُ الهوى جمر الغضا غير أنه … على كل حال عند صاحبه حلو ثم أنشدني: خليلي مالي لا تزال مضرتي … تكون مع الأقدار حتما من الحتم يصاب فؤادي حين أُرمي ورميتي … تعود إلى نحري ويسلم من أرمي صبرت ولا والله ما بي جلادة … على الصبر لكني صبرت على رغمي ألا في سبيل الله جسمي وقوتي … ألا مسعد حتى أنوح على جسمي تُعدُّ عظامي واحداَ بعد واحد … بمحني من العذال عظما على عظم كفاكِ بحق الله ما قد ظلمتني … فهذا مقام المستجير من الظلم قال مسلم: فقلت له لا والله يا أبا إسحاق ما يبالي من أحسن أن يقول مثل هذا الشعر ما فاته من الدنيا؛ فقال يا أبن أخي لا تقولن مثل هذا، فان الشعر أيضا من بعض مصايد الدنيا وأما مدحه فقد كان مدحا تجاريا لم ينطق فيه عن عقيدة، بل كان يمدح به قوما يخالفونه في عقيدته الشيعية، ولا يقصد من ذلك إلا الحصول على المال الذي أباح الشيعة أخذه من المتملك لأنه حق لهم، فسار أبو العتاهية في مدحه بقدر ما يصل به إلى هذا الغرض، ولم يدخل به في الخصومة السياسية التي كانت قائمة في عصره بين العباسيين والعلويين، وذهب فيها كثير من الشعراء مذاهب باطلة، ودفعهم حب مال العباسيين إلى أن يجعلوا حقهم في ملك المسلمين بالإرث عن رسول الله ﷺ ، لا يشاركهم فيه العلويون ولا غيرهم من المسلمين، وفي هذا يقول قائلهم: أنَّى يكون وليس ذاك بكائن … لبني البنات وِراثةُ الأعمام ولم يفرح العباسيون بشيء فرحهم بهذه الفكرة الخاطئة، فعدوها أكبر نصر لهم على خصومهم من العلويين، وأغدقوا على من أبتكرها لهم شعرا ما لا يحصى من الأموال، وحملوا الشعراء على التفنن فيها، وتصريف الشعر في تأييدها ونشرها فلم يصل مدح أبي العتاهية للعباسيين إلى هذا الحد، ولم يبع عقيدته بأموالهم فيفضلهم على العلويين أو يذمهم من أجلهم، بل كان على حبه للمال وبخله به يعرف كيف يرفضه إذا كان

стр. 9816

في قبوله إهانة له، أو حطا من كرامته؛ ويمكننا أن نسوق على ذلك شواهد كثيرة، ذكر أبو الفرج أن أبا العتاهية كان منقطعا إلى صالح المسكين، وهو ابن أبي جعفر المنصور، فأصاب في ناحيته مائة ألف درهم، وكان له ودودا وصديقا، فجاءه يوما وكان له في مجلسه مرتبة لا يجلس فيها غيره، فنظر إليه قد قصر به عنها، وعاوده ثانية فكانت حاله تلك، ورأى نظره إليه ثقيلا، فنهض وقال: أراني صالحٌ بُغضَا … فأظهرتُ له بُغضَا ولا والله لا ينق … ض إلا زدتهُ نقضَا وإلا زدته مقتا … وإلا زدته رفضا ألا يا مفسد الوُدَّ … وقد كان له محضا تغضبتَ من الريح … فما أطلب أن ترضى لئن كان لك المال ال … مصّفى إن لي عِرْضا فنمى الكلام إلى صالح فنادى بعداوته فقال فيه: مَدَدتُ لمعرض حبلا طويلا … كأطول ما يكون من الحبال حبالٌ بالصريمة ليس تفنى … موَصَّلةٌ على عدد الرمال فلا تنظرْ إليَّ ولا ترِدْني … ولا تَقَربْ حبالكَ من حبالي فليت الرّدمَ من يأجوج بيني … وبينك مُثبتاً أخرى الليالي فَكرْشٌ إن أردتَ لنا كلاما … ونقطع قحفَ رأسك بالقتال وذكر أيضا أنه قدم يوما منزل يحي بن خاقان، فلما قام بادر له الحاجب فانصرف، وأتاه يوما آخر فصادفه حين نزل فسلم عليه ودخل إلى منزله ولم يأذن له، فأخذ قرطاسا وكتب إليه: أراك ترَاعُ حين ترى خيالي … فما هذا يرُوعكَ من خيالي لعلك خائف مني سؤالي … ألا فلك الأمانُ من السؤال كفيتُكَ إن حالك لم تمِل بي … لأطلب مثلها بدَلا بحالي وإن اليسر مثل العسر عندي … بأيهما مُنيتُ فلا أُبالي ولا شك أن هذه النفس في إبائها وعقيدتها المخالفة لعقيدة ممدوحيها لو كانت لغير أبي

стр. 9817

العتاهية لصعب عليها في الشعر مقام المدح، ولكن طبع أبي العتاهية في الشعر سهل عليه كل شيء، وجعله يأتي في ذلك من المدح بما أرضى ممدوحيه غاية الرضى، وكان على ما ذكرنا في ترجمته يقصر التشبيب أمام المدح ولا يطوله حتى يكون كأنه هو مقصوده من شعره، كما كان يفعل ذلك غيره وكان ابن الإعرابي يتعصب لأبي العتاهية فتنقصه رجل أمامه ورمى شعره بالضعف، فقال له: الضعيف والله عقلك لا شعر أبي العتاهية، ألأبي العتاهية تقول إنه ضعيف الشعر؟ فوالله ما رأيت شاعرا قط أطبع ولا أقدر على بيت منه، وما أحسب مذهبه إلا ضربا من السحر؛ ثم أنشده قصيدته في الزهد: قَطَّعْتُ منك حبائل الآمال … وحَطَطْتُ عن ظهر المطيَّ رحالي ثم قال للرجل هل تعرف أحدا يحسن أن يقول مثل هذا الشعر؟ فقال له الرجل: يا أبا عبد الله جعلني الله فداءك، إني لم أردد عليك ما قلت، ولكن الزهد مذهب أبي العتاهية، وشعره في المديح ليس كشعره في الزهد، فقال: أفليس الذي يقول في المديح: وهرونُ ماء المُزْنِ يُشفي به الصَّدى … إذا ما الصدِى بالريق غُصَّت حَناجرُه وأوْسط بيتٍ في قريش لَبَيتُه … وأول عز في قريش وآخره وَزحْفٌ له تحكى البُرُوقَ سيوفُهُ … وتحكي الرعودَ القاصفات حوافره إذا حَمِيَتْ شمسُ النهار تضاحكت … إلى الشمس فيه بِيضُهُ ومَغافره إذا نكِب الإسلام يوماً بنكبة … فهرون من بين البرية ثائره ومن ذا يفوت الموتَ والموتُ مُدْركٌ … كذا لم يَفُتْ هرونَ ضِدٌّ ينافره قال: فتخلص الرجل من شر ابن الإعرابي بأن قال له: القول ما قلت، وما كنت سمعت له مثل هذين الشعرين، وكتبهما عنه: وأما رثاؤه فكان يذهب فيه مذهبه في الزهد والحكمة، لقرب مقامه من مقامهما، ومن ذلك رثاؤه في علي بن ثابت، وكان صديقا له، وبينهما مجاوبات كثيرة في الزهد والحكمة، فحضره أبو العتاهية وهو يجود بنفسه، فلم يزل ملتزمه حتى فاض، فلما شُدَّ لحياه بكى طويلا، ثم أنشد يقول: يا شريكي في الخير قَرَّبكَ الل … هُ فنعم الشريك في الخير كُنتا

стр. 9818

قد لعمري حكيت لي غُصص المو … ت فحركتني لها وسكنتا ولما دفن وقف على قبره يبكي طويلا أحر بكاء ويردد هذه الأبيات: ألا من لي بأنسك يا أُخيَّا … ومن لي أن أبثك ما لَدَيَّا طَوَتْكَ خطوبُ دهرك بعد نشر … كذاك خطوبه نشراً وَطَيَّا فلو نَشَرَتْ قُواكَ لي المنايا … شكوتُ إليك ما صنعت إليَّا بكيتك ياعَليُّ بدمع عيني … فما أغنى البكاءُ عليك شَيَّا وكانت في حياتك لي عظاتٌ … فأنت اليوم أوعظ منك حيَّا وهذه المعاني كما قال أبو الفرج أخذها كلها من كلام الفلاسفة لما حضروا الإسكندرية، وقد أخرج ليدفن، قال بعضهم: كان الملك أمس أهيب من اليوم، وهو اليوم أوعظ منه أمس؛ وقال آخر: سكنت حركة الملك في لذاته، وقد حركنا اليوم في سكونه جزعا لفقده. وهذان المعنيان هما اللذان ذكرهما أبو العتاهية في هذه الأشعار وذكر أبو العتاهية أنه ماتت بنت للمهدي، فحزن عليها حزنا شديدا حتى أمتنع عن الطعام والشراب، فقلت أبياتا أعزيه بها، فوافيته، وقد سلا وضحك وأكل وهو يقول: لابد من الصبر على ما لابد منه، ولئن سلونا عمن فقدنا، ليسلون عنا من يفقدنا، وما يأتي الليل والنهار على شيء إلا أبلياه، فاستأذنته في إنشاد ما قلت فأذن: ما للجديدين لا يَبْلىَ اختلافهما … وكل غَضٍّ جديد فيهما بَالي يا من سلا عن حبيب بعد مَيْتَتِهِ … كمْ بعد موتك أيضاً عنك مِن سال كأن كلّ نعيم أنت ذائقُهُ … مِن لذة العيش يحكي لَمعَة الآل لا تلعبنَّ بك الدنيا وأنت ترى … ما شئتَ من عبرٍ فيها وأمثال ما حيلةُ الموت إلا كلُّ صالحةٍ … أوْلا فما حيلةٌ فيه لمحتال وأما الهجاء فكان أبو العتاهية يترفع عنه ولا يقوله إلا مضطرا، فإذا قاله لم يفحش فيه كغيره، وكانت بينه وبين والبة بن الحباب مهاجاة حينما قصد والبة بغداد وهو كوفي مثله، فحسده على أن بلغ في بغداد ما لم يبلغه، وأخذ يهجوه ويذمه. وقد حدّث محمد ابن عمر الجرجاني قال: رأيت أبا العتاهية جاء إلى أبي فقال له: أن والبة بن الحباب قد هجاني، ومن أنا منه؟ أنا جرار مسكين - وجعل يرفع من والبة ويضع من نفسه - فأحب أن تكلمه

стр. 9819

أن يمسك عني، فكلم أبي والبة فلم يقبل، وجعل يشتم أبا العتاهية فتركه، ثم جاءه أبو العتاهية فسأله عما فعل في حاجته، فأخبره بما رد عليه والبة، فقال لأبي لي الآن عليك حاجة، قال وماهي؟ قال لا تكلمني في أمره، فقال هذا أول ما يجب لك، فقال أو العتاهية يهجوه: أوالبُ أنت في العرب … كمثل الشيص في الرُّطب هَلمّ إلى الموالي الصِّ … يد في سَعةٍ وفي رَحب فأنت بنا لَعمرُ الل … هـ أشبهُ منك بالعرب غضبتُ عليك ثم رأي … تُ وجهك فانجلى غضبي لِما ذكَّرْتني من لو … نِ أجدادي ولون أبي فقل ما شئت أقبَلهُ … وإن أطنبتَ في الكذب لقد أُخبرْتُ عنك وعن … أبيك الخالص العرب فقال العارفون به … مُصاصٌ غيرُ مؤتَشب أتانا من بلاد الرو … م مُعتجِراً على قَتب خفيف الحاذِ كالصمصا … م أطلسُ غير ذي نشب أوَالب ما دهاك وأن … ت في الأعراب ذو نسب أراك وُلِدْتَ بالمري … خ يا ابن سبائك الذهب فجئتَ أَقيشرَ الخدين … أزرق عارمَ الذنب لقد أخطأتَ في شتمي … فَخبَّرني ألم اُصِب وقال فيه أيضا غير ذلك، فبلغ والبة، فجاء أبي فقال قد كلمتني في أبي العتاهية وقد رغبت في الصلح، فأخبره بما أخذه أبو العتاهية عليه، فقال له والبة فما الرأي عندك؟ قال تنحدر إلى الكوفة، فركب زورقا ومضى من بغداد إلى الكوفة، وكان هجاء والبة فيه ضعيفا سخيفا لا يقوى على هذا الهجاء، وفيه من الفحش ما نروى بعضه ليعلم بعد ما بين الهجائين: قل لابن بائعة القِصارِ … وابن الدَّوارِق والجِرَارِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . … . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 9820

تهجو مواليك الأولى … فكوككَ من ذُلَّ الاسار هذا مثل من هجوه وإن الشعر لأعلى مقاما من هذا القبح الذي أتى به، وإنه لينال من نفسه بذلك قبل أن ينال ممن يهاجيه عبد المتعال الصعيدي

стр. 9821

أمام المشنقة (على لسان أحد الشبان المحكوم عليهم بالشنق لجريمة أتاها) للشاعر الفيلسوف جميل صدقي الزهاوي قسا عليّ الفلكُ … بعد قليلٍ أهلكُ ما باختياري في شبا … بي للحياة أترك أين مضت صحابتي … وايَّةً قد سلكوا مَن ذا إذا متُّ سَيَبْ … كيني ومَن ذا يضحك قد نصبوا لي شركا … فما عداني الشرك ما بال شمسي أخذت … عند الشروق تَدْلك قد استوى ضوء الضحى … في أعيني والحلَك لم أجْنِ لو كانت يدُ ال … مقدور لا تشترك بالدم قد خضَّب كفّ … ي القدَرُ المُحَرِّك قد أفرحَ النُظَّارَ بي … أنَّ دمي ينسفك ازدحموا حولي ولِلْ … أنفاس منهم أمسكوا ليبصروا كيف حيا … تي حبلُها ينبتك ما هي إلاَّ رجفةٌ … وبعدها لا أحرك أفي قلوبهم عليّ … عند موتي حَسَك إنيَ إنسانٌ له … أخطاؤه لا مَلَك كم ليَ من مثل لو أنّ (م) … سرّه ينهتك خذوا حياتي إنها … أثمنُ ما أمتلك لا تحبسوا الرحمة عمَّ … ن قد قضوا أو أوشكوا ولو تجسّم الأسى … لكان دمعاً يُسفَك كل البقاع للحيا … ة فوقها مُعَتَرك أمَّا الحياة فهي إن … وَلّت فلا تُستَدرك والموتُ بالإنسان إلاَّ … مرّةً لا يفتك

стр. 9822

إذا أتت ساعته … فكلُّ شيء مُهلك تعقده الحياة وال … موت له يُفكّك قد يُدفَن المرءُ على … أخيه ثم يُترَك بعد البِلى تَعانَقُ ال … عظامُ أو تشتبك إن البلى لكل مَن … حواه قبرٌ يعرك نهارُه وليلُه … كلاهما مُحلولِك مشنقتي هي التي … أودّها وأفرك وعلَّني إذا ركب … تُها فلا أرتبك فأعتلي كأنني … أدركتُ مالا يُدرَك إني سلكتُ مسلكا … صعباً وبئس المسلك والحقُّ خير ما يقو … ل المرء حين يهلك هذا جزاء مجرمً … بالأبرياء يفتك بغداد جميل صدقي الزهاوي

стр. 9823

سر الحياة للأستاذ عبد الرحمن شكري عبء لغز الحياة يا قلب ما أف … دح عبئاً يُحثَي عليك وثقلا لغز عيشٍ ولغز عقل وما أع … جب لغزاً يروم للغزِ حلا كلما رمتَ بالمجاهل خُبْراً … زادك العيش بالمعالم جهلا عَبَثُ العيشِ كلما قال لا سِ … رَّ أعدتَ السؤال جداً وهزلا قد خبرتَ الأنامَ يا قلب هل تن … شد سراً من بعد ذاك وسُؤلا وحياة بالسر أحجى حياة … هي أحلى مما تراه وأعلى خُدْعَةُ العيشِ أن يُلوِّحَ بالس … ر إذا عاف عائشوه ومُلاَّ فتزيد الحياةُ حسناً ومأمو … لاً وتغوي الحياة نشأً وكهلا مثلما حُجِّبتْ فتاة لِيُرْجَى … سر حسن لها استسر وقَلاَّ لو بدت عاطلاً لما خبلت لُ … باَّ ولا استبعدت عشيقاً وخِلاَّ كم سعيد يلهو ويعمل لا ين … قض فعلاً وليس ينكر قولا وعلى غدرها أحب حياة … وحباها في الحب أهلاً ونسلا عاشقاً للحياة بعضاً وكلا … راضياً بالحياة فرعاً وأصلا فإذا شاكه من العيش هَمٌّ … قال قولاً ورام للغز حَلاً عبء لغز الحياة يا قلب ما أف … دح عبثاً يحُثَي عليك وثقلا سِرُّها أنك السعيد إذا لم … تَدْرِ أن لا سراً لديها فيُجْلَى ضلةٌ ما أقول كم لاح من كَشْ … فٍ وقد كان خافيَ السر قبلا ولعل الحياة أكبر لولا … مُعْظِمٌ للحياة غالي وأغلى فهي من فرط رَفْعه في انخفاض … تلك عُليا إن يُعِلها فَهْيَ سُفلى باء باليأس من عُلاها وقد غا … لى فقال الحياة بالحط أولى ويعيد الحياة فرضاً وحسناً … ومتاعاً من يأخذ العيش سهلا عبد الرحمن شكري

стр. 9824

يا كون! للأستاذ فخري أبو السعود يا كَونُ كُنْ لي جميلاً … على الدوام جديدا أَبغِي لديك طريفاً … إذا هجرتُ تليدا لا تَبْلَ، لا تَغْدُ شيئاً … أَلِفتُهُ معهودا بل اُبدُ دوماً عجاباً … مُستَطرَفاً منشودا لا تَبدُ فرداً ولكن … كُنْ أنتَ جمًّا عديدا جَدِّد لحسنك هذا … بعد البرُود بُرُودا ولا تضِقْ بيَ أُفقاً … ولا تَدانَ حدودا لا زال أُفقُك لي يا … كَوني رحيباً بعيدا أَشيم في كل يومٍ … مرمىً به مقصودا لا تبدُ يوماً فراغاً … لا تبدُ يوماً زهيدا لِتَبقَ حَفلاً نفيساً … أُريغ منك المزيدا جدِّد صُرُفَك وابعث … بعد النحوس سعودا ابعث أسًى أو سروراً … لكن حذارِ الجمودا أُريد يا كونُ عمراً … في كل يومٍ مديدا من عاش في كل يوم … عمراً أصابَ الخلودا لا أبتغي العمرَ يوماً … مُرَجَّعاً مردودا أُريدُ في كل يوم … أَرودُ هذا الوجودا في كل يوم أراني … في عالمٍ مولودا أُريد أكشفُ معنًى … في كل يومٍ شرودا منه أُغذِّي شعوري … وأستجِدُّ قصيدا فخري أبو السعود

стр. 9825

عرش الجمال (إلى مس مصر، ملكة الجمال العالمي) للأستاذ محمود غنيم يا ربَّةَ المُلك الذي انتظم الورَى … مُلكُ البسيطة ما أتيح لقيصرا خضعت لحكمك دولةٌ عزَّة على … (دَارَا) وأعيا عرشُها (الاسكندرا) لكِ دولةٌ لم ترهفي من أجلها … حدَّ الحسام ولم تقودي عسكرا لِتُودِّع الأُسدُ الغضابُ عروشَها … قد أصبح المَلِكُ المتَّوجُ جؤذَرا من كان يمتلكُ الرقابَ فإنما … عرشُ الجمال على القلوب تسيطرا كم عاهل ذي سطوة لم يفتتحْ … قلباً وإن فتح المدائنَ والقُرى مُلْكُ الفراعِنة الشِّدادِ أعدْتِهِ … بيدٍ مخضَّبةٍ وطرفٍ أَحوَرا ما للمها في مصرَ تحكُم عالماً … والليثُ يعَجزُ أَنْ يعيش محَّررا ملكتْ يمينُك كلَّ صدرٍ ناهدٍ … وأطاع أمرَك كلُّ خدٍّ أحمرا كم كاعبٍ ملكت قلوباً أصبحت … أَمَةً تُباع إذا أرَدْتِ وتُشترى كم تحت حكمِكِ ذاتُ لَحْظٍ إن رنا … تَرَكَ المهنَّد لا يساوي خِنجرا جُنْدٌ أغرُّ من الحسان الحور لو … لاقيتِ أسطولاً به لتقهقرا أقسمت ما بين الملوك أعزُّ مِنْ … مَلِكِ على عرش الملاح تَأَمَّرا كوم حماده محمود غنيم

стр. 9826

فصول ملخصة في الفلسفة الألمانية ٢٤ - تطور الحركة الفلسفية في ألمانيا الناحية السلبية من مذهب نيتشه الإنسان للأستاذ خليل هنداوي إن انتشار مذهب الشفقة - في هذا الجيل - دليل على أن الإنسان أصبح يزداد خوفه من الألم. أصبح متراخيا، مخنثا يخشى من كل ما يعكر عليه طمأنينته ووجوده، لا يحمل الفرار من الألم وحده، بل لا يستطيع أن يتصور فكرة الألم عند الآخرين، حتى لا يقدر أن يؤلم الغير عندما يطلب العدل منه ذلك باسم العدل. الرحيم يبسط شفقته حتى على المجرمين والمسيئين (وقريبا يأتي ذلك اليوم الذي يتراخى فيه المجتمع الإنساني ويقعد عن معاقبة المجرم الذي يضره. لماذا يعاقب المجرم؟ إن المعاقبة يرى فيها ضربا من ضروب الجور. فكرة القصاص وضرورة القصاص تسوؤه. أليس في إقصاء المجرم وغل يديه عن عمل السوء ما يغني؟ فلماذا القصاص إذن؟ إن القصاص يضني. أما المثل الأعلى الذي يطلبه (وحش القطيع) فهو جزء ضئيل من السعادة المحققة لكل إنسان، يرافقه شيء ضئيل من الألم. إن الشقاء - عندهم - شيء يجب محقه إن نيتشه - في هذا الفصل وهو خير فصوله - يعتقد أن الجبن والخوف من الألم هما من الصغار والحقار بمكان، إن الألم هو في الحق معلم الإنسانية وهو الذي يحقق أحسن نماذج شريفة. (أنتم تريدون سحق الألم ونحن نريد أن تكون الحياة أكثر قسوة وأشد رداءة. إن الكائن السامي الذي تفهمونه، نرى فيه (غاية) ولا نرى فيه (نهاية). نرى فيه مرحلة يبدو الإنسان من ورائها شيئا حقيرا مزريا حتى يدرك آخر عهده، بلى! في مدرسة الألم الكبير، في مدرسة هذا المعلم القاسي يتم الإنسان مراحل تطوره، أليس التضييق على هذه النفس الساقطة تحت أعباء الشقاء يزيدها قوة وصلابة! أليست هذه الرجفة التي تنتابها بازاء الحادثات الكبرى تزيد قوة احتمالها وصبرها وثباتها وتحويل المصائب إلى دروس مفيدة. كل هذا ألم يؤول بالنفس - في مدرسة الألم - إلى خروجها مهذبة نقية؟ إن في الإنسان

стр. 9827

(خليقة وخالقا) في الإنسان شيء هو مادة وطين ووحل، لا شعور له، فضاء، وفي الإنسان شيء هو خالق مبدع، ونقاش، بهجة فنان وصلابة ومطرقة، أأدركتم هذه المقارنة؟ ألا تزال شفقتكم تذهب إلى ما في الإنسان من مادة ينبغي سحقه وحرقه في النار حتى يتطهر، وإلى كل ما يجب عليه أن يتألم بالضرورة؟ وشفقتنا هل تدرون موقعها! إنها شفقة علينا حين نقاتل شفقتكم كما نقاتل كل ظاهرة من ظواهر الضعف والجبن، وهكذا: شفقة ضد شفقة ويرى نيتشه أن المذهب الديموقراطي علامة من علامات الانحطاط، لأنه مهما تباعدت أصوله وتبدلت مناهجه متفق مع المذهب الديني، ففي الشريعة المسيحية وفي ديانة الألم الإنساني يتمثل ما يتمثل في مذهب المساواة. . . مقت الضعيف للقوي، وجنوح قوى إلى حياة لا ألم فيها. إن المسيحية تجعل الناس متساوين أكفاء أمام الله، وتعدعهم في بسعادة كاملة في الحياة الثانية، كذلك الديموقراطية جعلت الناس متساوين أكفاء أمام الشريعة والحق، وعملت على تحقيق سعادتهم في هذه الدار، ورجت أن تخلق مجتمعا يموت فيه التفاوت ويكون أهله في الحق سواء؛ لا يتمتع أحدهم بما لا يتمتع به آخر. حيث لا أمر ولا طاعة، ولا استبداد ولا استئثار، ولا سيادة ولا عبودية، ولا غنى ولا فقر هذا هو المثل الذي تنهض إليه الديموقراطية، ويدعو إليه أصحابها على اختلاف مللهم ونحلهم. . . كلهم يعملون على رفض كل سلطة ذاتية، ليملكوا لأنفسهم كل امتياز. وكلهم يؤمنون بأن كل فرد يقدر بل ينبغي له أن يجد سعادته الخاصة في سعادة المجتمع بأسره، وهذه السعادة الاجتماعية يمكن تحقيقها بإشفاق كل فرد على المجتمع، وبالمحبة العامة السائدة. هذه الأفكار غرست في عقول أبناء الحاضر غرسا متينا، حتى أصبح لا يقوم - في أوربا - رجال تقوى فيهم روح السلطة والزعامة. ولن تجد في عصرنا هذا من يمثل روح نابليون الذي كان ينضوي تحت لوائه الألوف، يمشي فيمشون لا يسألونه أين يمشي، وهؤلاء من بأيديهم الحكومة اليوم لا يملكون من الحكم إلا قليلا، لأن شريعة العبيد رافعة رأسها في كل مكان، فهم يستمدون الحكم من هذه الشريعة، لا يحيدون عنها ولا يجدون عنها مصرفا، فهم خادمو هذا البلد، هم الجلادون فيه، وهم منفذو القانون وقد بحث نيتشه علاقة الرجل والمرأة، وهو يرى أن المرأة ليس لها حق المساواة مع

стр. 9828

الرجل، دل على ذلك الحب الذي تنغمس في حمأته الكائنات. فوظيفة الحب - عند الرجل - غيرها - عند المرأة، ومكانة الحب عند المرأة غيرها عند الرجل. فالحب عند الرجل إن هو إلا حادث بسيط أو غريزة ضعيفة. أما الغريزة العنيفة فيه فهي غريزة القوة، هذه الغريزة التي تدفعه إلى بسط سلطانه إلى أقصى ما يقدر عليه. إن مناضلة القوى الطبيعية والقوى البشرية في سبيل تحقيق شخصيته هي ما يتطلب منه عصره وجهوده. فإذا أسلم نفسه إلى الحب، ووهب حياته وأفكاره للمرأة التي يهواها يصبح عبدا مقهورا وجبانا ذليلا، تسلخ عنه الرجولة الحقة والحب الحق يقول زرادشت (كل ما في حياة المرأة هو لغز، وكل ما في المرأة له حل واحد وهو التوليد) فالحب إذن هو أبرز ما في حياة المرأة، وإنما مجدها وشرفها يدفعانها إلى أن تمثل دور (الأولى) في الحب، وأن تهب كيانها كله جسدا وروحا للرجل الذي تصطفيه، وأن تفتش عن سعادتها في الانسلاخ عن أرادتها الخاصة. يقول زرادشت: إن سعادة الرجل (أنا أريد) وسعادة المرأة (هو يريد!) إن المرأة التي تحب ينبغي لها أن تسلم نفسها إلى الرجل الذي يجب عليه أن يتقبل هذه المنحة. . . هذه هي شريعة الحب التي تجعل بين الرجل والمرأة حاجزا حائلا وفرقا بعيدا. خلقت المرأة للحب والطاعة، وويل لها إذا سئم الرجل من ظفره عليها وألفى أن هذه المنحة حقيرة بالنسبة إليه، وركض يسعى وراء غرام جديد. ينبغي للرجل أن يحكم وأن يحرس. يجب عليه أن يكون قادرا على أن يحيا حياتين، ليحقق سعادته لنفسه، وسعادة من وقفت عليه رجاءها. ولكن تعسا له إذا ضل تحت أثقال هذا العمل، وإذا أدرك حبه وعجز عن إضرام نار هذا الحب، فإن هذا الحب ليحور بغضا، وتنقلب المرأة به عليه، حتى لا ترى فيه إلا موضع ازدراء واحتقار ولكن جيلنا هذا لن يقبل هذه الآراء. . . فالجيل الذي قدس العبد يجرب أن يؤله المرأة. . . لا يرى في المرأة عنصرا ساميا يستطيع أن يساعد الإنسانية في تقدمها. الرجل وحده يتعلق عليه ذلك لأنه السيد، وهو سيد ذو القوة الراجحة والعقل الأرجح والقلب الأمثل والإرادة الأشد نفاذا. والمرأة قد تكون نبيهة، ذكية تضارع الرجل نباهة وذكاء، تتفهم المسائل وتفصل أمهات الأمور الدقيقة وتحاكم وتجادل ولكن طبيعتها أقل عمقا وأقل غنى من طبيعة الرجل. إنها تبقى دائما طافية على سطوح الأشياء. إنها شيء لا يذكر. . . إنها

стр. 9829

مسكينة مزهوة بنفسها يقول زرداشت (يعلم الرجل للحرب، والمرأة لتسلية المحارب. . . وما دون ذلك فهو جنون) ليست المرأة صنما وإنما هي لعبة سريعة العطب لكنها ثمينة وقد تكون خطرة. هي رقة في طبع الرجل. تغدو خطرة مرعبة حين يضرمها الهوى والحب والبغض، لأن طبيعتها لا تزال أكثر احتواء من طبيعة الرجل على وحشية الغرائز الأولى. ففيها رقة ملمس الهرة وفظاعة مخالب النمرة، فيها طبيعة نابية ثائرة، وأهواء جامحة لا تعرف منطقا، ورغاب قلقة. . . وكل هذا يجعل المرأة فقيرة إلى سيد يكبح جماحها ويقودها ويميت فيها جنونها، حتى إذا استشعرت الوجل أمست رقيقة ناعمة بفضل طبيعتها وزينتها وتبرجها وفضيلتها اللابسة ألف ثوب. فيعرو - إذ ذاك - قلب سيدها الإشفاق عليها، الإشفاق الكثير لأنها أكثر عرضة للألم. إنها مفتقرة إلى حبه، وقد قضى عليها بأن تكون أقل الخلائق وهما أن نيتشه ينقم على المرأة التي تريد أن تتحرر من قيودها، وتهجر احترامها للرجل وتزعم بأنها قرينة مساوية، تريد أن تدخل معه فيما تطلب الحياة من نضال. أن نيتشه يبغض النساء اللواتي يمشين في صفوف الرجال، لأنهن يفقدن تأثيرهن ونفوذهن واعتبار المجتمع لهن. وإنما همهن أن يظهرن للرجال بطبيعة مباينة لطبيعتهم وجبلة مخالفة لجبلتهم، يصعب فهمها ويعسر حكمها. وهاهي المرأة المزاحمة للرجل أضاعت ما خصتها الطبيعة به وأهملت مهنتها التي تقضي عليها بوضع الأطفال وفي النهاية يرى نيتشه أن أوروبا تتشوه وتزداد تشققا، قد استحالت إلى معتزل تسكنه طائفة من الناس توقوق - لا أحزان كبيرة ولا أفراح كبيرة - طائفة من رجال ونسوة تساووا في العجز والضعف والانحطاط، يقضون على الأرض حياة متشحة بالسواد، لا أمل فها ولا غاية لها. (يتبع) خليل هنداوي

стр. 9830

القصص صور من هوميروس ٩ - حروب طروادة فتنة. . . للأستاذ دريني خشبة انتظرت ذيتيس - أم أخيل، وحبيبة زيوس من قبل - حتى عاد الإله الأكبر من حفل أولمبي دعي إليه حينما شبت السخيمة بين أجاممنون وبين ابنها، فأسرعت إليه لتكلمه في الإهانة التي لحقت أخيل العظيم، وأزرت بكبريائه، كسيد جنود هيلاس. . . . . عجلت ذيتيس إلى زيوس. . . . . وكانت ذكريات غرام الإله الأكبر ما تزال تتدفق في قلبه؛ وكان رنين القبل فوق شفتيه القرمزيتين ما يزال تتجاوب أصداؤه الموسيقية على شفتيه المنهومتين الملتهبتين؛ وكان هذا الجمال الفتي ما يزال له رجع في كل جوارحه. . . وجوانحه. . . وقفت أمام زيوس!. . . . وكأن حلما لذيذا طوف بعينيه، فرأى إلى قصة حبه تتمثل بكل ماضيها الحافل أمامه؛ ورأى إلى هذه الأويقات الحلوة التي التذ فيها فتنة ذيتيس تثب فجأة من الأيام الخوالي فتغمره بسحرها وأسرها؛ ورأى إلى ذراعيه المرتجفتين ملتفتين حول خصرها النحيل، وطرفه الساهم الباكي يجول في طرفها الناعس الكحيل، ورأى إلى هذا المرمر الطروب المنصب في تمثالها يكاد يكلمه. . . فيروي له من أخبار العناق، وسكرات الهوى ما يفيض له دمعه، ويجب قلبه، وترتعد من ذكره فرائصه. . . . - (ذيتيس؟!. . . . . .) - (. . .؟؟. . .) - (مالك؟. . . تبكين!. . . .) - (. . . .!!. . . .) - (لا. . . لا. . . إلي يا حبيبتي!)

стр. 9831

وكانت كلما ألحت في الصمت والبكاء، ألح هو في التلطف والرجاء، وكانت ذيتيس تدرك ما أثارته في قلبه من غرامه القديم، فدلت وتاهت، حتى أيقنت أنه منقاد لما تطلب، ولو كلفته بهدم الأولمب، وثل عروش السماء! - (أ. . . . أخيل. . . .!) - (أخيل؟. . . ماله؟. . .) - (ما كفاني أن يذهب ليلقى حتفه تحت أسوار طروادة، حتى يهينه أجاممنون!) - (يهينه أجاممنون؟ يهينه كيف؟. . .) - (أغضب قديس أبوللو وكاهنه الأكبر، ولم يقبل أن يرد عليه ابنته خريسيز؛ فغضب الراهب الشيخ ودعا ربه، فسخر الطاعون على الهيلانيين، حتى كاد يبيدهم، فلما طلب إليه أن يرد ابنة القديس على أبيها الشيخ، أبى، وأخذته العزة بالإثم فلما ألح عليه أخيل، ولدي البائس، إنقاذا للجيش، وإبقاء على أبناء هيلاس، رضى أن ينزل عن الفتاة، إذا نزل له أخيل عن بريسيز. . . وآثر أخيل حياة المحاربين ونجاتهم، فنزل عن الفتاة للقائد الغاشم. . .) - (. . . ثم. . .) - (ثم هو الآن يحترق بينه وبين نفسه، وقد اعتزل الحرب، وخلا وحده في معسكره، يهضم أحزانه، وتهضمه الآلام. . .) - (لا عليك يا ذيتيس! لا عليك يا حبيبتي! قري عينا. . . قري عينا. . . فبما أخذه الناس بغير ما ينبغي له، لأذيقنه وجنوده البلاء المبين!. . .) وعادت ذيتيس جذلانة بعد أن طبع على جبينها المتلألئ قبلة. . . كم كان يشتهي أن يطبعها على فمها الخمري. . . لولا أن ذكر أنها زوجة. . .! زلزلت ذيتيس قلب الإله الأكبر بدلالها وقوة فتونها، وأرق طيفها الرائع جفنيه، فلم يذق طعم الكرى تلك الليلة بطولها. . . فهب من مضجعه السندسي فوق سدة الأولمب، واستدعى إليه إله الأحلام، فأمره بالذهاب من فوره إلى معسكر الهيلانيين (. . . فإذا كنت ثمة فانطلق إلى فسطاط أجاممنون، فداعب عينيه، واجثم على قلبه، وقل له، وهو يغط في نومه العميق، إن الإلهة تأمرك أن تصبح فتنفخ في بوق الحرب، حاضا

стр. 9832

عساكرك على اقتحام طروادة. . . فان زيوس يبشرك بالمدينة الخالدة، ولا يكاد النهار ينتصف حتى تكون جنودك في شوارع إليوم ظافرة منتصرة بإذنه. . .) وصدع إله الأحلام بما أمره سيد الأولمب، وانطلق إلى معسكر أجاممنون في أقل من لمحة، فداعب عينيه، وألقى في روعه الحلم الكاذب، وعاد أدراجه إلى مولاه فلما تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، هب أجاممنون من نومه مذعورا، وأرسل رسله إلى رؤساء الجند فاجتمعوا لديه قبيل الشروق، وأعلن انعقاد المجلس الحربي؛ فصمت الجميع، ونظر بعضهم إلى بعض، وكل يظن أن لابد من أمر جلل، استدعى انعقاد المجلس في هذه الساعة من بكرة اليوم ونهض أجاممنون فتحدث إلى القادة، وأخبرهم برؤياه. ولما فرغ؛ نهض نسطور الحكيم المحنك، فسبح باسم زيوس وأثنى عليه وقال: (لو أن أحدا غير القائد الأعلى رأى تلك الرؤيا لأثار استهزاء الجميع، ولرماه، الجميع بجنة أو مس، ولكنه قائدنا وملكنا، وسليل الإلهة العظام، أجاممنون، هو الذي رآها، وهي لا شك موحاة إليه من لدن ربنا وسيدنا ومولانا مليك الأولمب، وهو لابد ناصرنا على أعدائنا الظالمين. فهلموا أيها الأخوان إلى رجالكم فأيقظوهم، وانفخوا فيهم الحمية والحماسة، فإذا أشرقت ذكاء فسووا صفوفهم، واشحذوا عزائمهم، ولنتوكل على أربابنا، وليهتف الجميع؛ باسم زيوس، ولنصل له؛ ولنسبح تسبيحا كبيرا. . .) فلما كان الصبح، ارتجف السهل والجبل، ودوى المشرقان والمغربان بجلبة الجند، وصار كل معسكر كأنه خلية صخابة من النحل. . . تطن وتطن. . . وصارت الساحة الحمراء كأنها سماء معتكرة، لرعدها هزيم ولريحها هزيز، ولبرقها خطف يذهب سناه بالأبصار. . . وشرعت الرماح وأرهفت السيوف، وحملقت المنايا كأنها الأغربة السود فوق الفرائس، وتدوم فوق الجيف. . .! ولم يكن أجاممنون قد انخدع بالحلم الكاذب، فشدهه أن يرى استعداد الجيش ونفرته نفرة واحدة. . . ولم يخدعه كذلك هذا العدد العديد من الجنود، طالما أن ليس فيهم أخيل وشياطينه المقاتلة. . . الميرميدون!

стр. 9833

فأوجس في نفسه خيفة، وهاله أن يكون في الأمر سر، ووقر في قلبه أن غضبة أخيل لابد أن تغضب السماء، واستقر في نفسه أن هذا الجيش العرمرم سائر إلى الهزيمة المؤكدة، ووارد موارد الردى! وهكذا جبن القائد العام. . . وندم على أن عقد المجلس الحربي. . .! فما أن متع النهار، ونظر إلى الجند فرآهم يغمرون الأودية، ويربضون في مشارق الجبال، ورأى إلى طروادة المنيعة تهزأ بكواكب الهيلانيين وجيوشهم، حتى نهض فوق يفاع من الأرض، وهتف بجنوده يقول: - (يا أبناء هيلاس! يا بني قومي! لست أدري إلام تمتد بنا هذه الحرب، وحتام ننفى هنا في هذا المكان السحيق من الأرض؟! تسعة أعوام يا قوم، ونحن هنا بمعزل عن العالم؛ ننام في الخيام، ونأوي إلى السفائن، تلفحنا الرياح، ويثور بنا البحر وتتخطفنا المنايا! وعبثا ينتظرنا أبناؤنا ونساؤنا في هيلاس العزيزة! ومن يدري؟ فقد يكون بعض أبنائنا أو آبائنا انتقلوا إلى هيدز، ونحن هنا نتصارع مع الموت، من أجل امرأة آبقة لا عرض لها ولا شرف! أبناء وطني! ألا أقولها لكم كلمة سواء صريحة!؟ هلموا فاغمدوا هذه الرقاق البيض، ولنعقد مع الطرواديين هدنة يعقبها صلح شريف، ثم لنركب أسطولنا الذي نخر السوس في أخشابه أو كاد، ثم لنعد أدراجنا إلى هيلاس سالمين! حرب!. . . أية حرب هذه التي اشتعلت من هولها الرؤوس شيبا!! أية حرب هذه التي تودي بأعز المهج، وتذهب بأغلى الضحايا من نفوس الشباب!؟ بل أية حرب هذه التي توقع العداوة والبغضاء بين أخوين من أعز أبناء هيلاس، فيتراشقان بالفحش من القول، ويتبادلان الهجر من الكلام، ويوشكان أن يلتحما في نزال يودي بحياة أحدهما من أجل امرأة؟! أنا - أجاممنون - أغضب أخيل أخي من أجل لذة طارئة، ومتاع غير مقيم!!

стр. 9834

يا للهول! لتنته هذه الحرب، لتنته هذه الحرب. . . ولنعد إلى هيلاس. . . . .) وأرسلها أجاممنون خطبة طويلة تفيض بالحقيقة وتعترف بالواقع. . . فصادفت من قلوب الجند المعذبين هوى، ولقيت منهم استحسانا وتحبيذا، وطربت لها نفوسهم التي أضناها الحنين إلى الأوطان، وشفها التوق إلى لقاء الأهل، ونبذ نير هذه الغربة الطويلة التي أنهكت قواهم وأوهنت شبابهم وفكر كل في أبنائه وأبويه وأحبائه، فهفت نفسه إلى الارتحال عن هذه الساحة المشجية، عسى أن يقضي الحقبة القصيرة الباقية من حياته الخريفية في راحة قلب وهناءة بال بين أهله وذويه. . . لكن الآلهة لا تريد هذا!! وكيف تنتهي حرب أثارها باريس بين ربات الأولمب في البدء؟! أليس هو قد قضى في التفاحة لفينوس؟ إذن ففينوس تنصره، وهي لذلك تقيه هوان الهزيمة وذل الانكسار! ولكنه أين يهرب من حيرا سيدة الأولمب، التي وعدته نعيما وملكا كبيرا، إذا هو كان قد أعطاها التفاحة؟ لقد أسخطها بما لم يسخطها أحد به من قبل، وهي لذلك تصل ليلها بنهارها في تدبير السوء له، والكيد لوطنه وعشيرته وكل من يلوذ بهما! ثم أيان يهرب من سخط مينرفا كذلك؟! أليست مينرفا كذلك قد وعدته الحكمة التي لم يؤتها أحد من قبل، إذا كان قد قضى لها في التفاحة؟. . . إن مينرفا هي الأخرى تتربص به السوء، وتود لو أظفرت به أعداءه فينكلون به، ويسقونه عذاب الهون، بما قضائه في التفاحة لفينوس!! سمعت حيرا خطبة أجاممنون من علياء الأولمب، فأفزعها أن ينقاد الجند له، وهالها أن يستعد الجميع للرحيل! فاستدعت إليها مينرفا، وخاطبتها بصدد ما قال قائد الهيلانيين، ثم اتفقتا على أن تذهب مينرفا إلى معسكر القوم فتلقى البطل المغوار أوليسيز، فما تنفك تحضه وتحرضه حتى

стр. 9835

يقوم هو بألهاب عاطفة الجند، وتفتيح عيونهم على العار الأبدي الذي ينتظرهم في بلادهم، إذا عادوا إليها من غير أن يظفرهم أربابهم بأعدائهم، قانعين من الغنيمة بالاياب!. . . بعد تسعة أعوام في دار الغربة. . . وانطلقت مينرفا إلى ساحة الحرب، وكانت ترف كالسحابة البيضاء في دجنة الليل فيما بين جبل إيدا وشواطئ الهلسبنت، حتى إذا شارفت المعسكر أطلت على القوم فوجدت رؤوسهم يتحاورون فيما قال أجاممنون، ورأت إلى أوليسيز متجهما منقبض النفس مثقل الروح، يكاد ينشق من الغيظ، مما سمع من كلام القائد العام الدال على الخور واليأس، واستبشرت مينرفا بما رأت من هياج أوليسيز، فهبطت عليه رحمة من السماء، وكلمته قائلة، بحيث لا يراها إلا هو: (أوليسيز فتى إيتاكا وبطل هيلاس!!) أسرعت إليك - إليك أنت - إليك يا أشجع جندي هنا، لأحذرك أن تنخدع بكلام أجاممنون! إنها خدعة يا أوليسيز! إن القائد العام يحاول أن يسبر عزائمكم، ويخبر هممكم، فلا تنطل عليك كلماته إنكم لم تنفروا إلى طروادة خفافا وثقالا لتغتربوا عن أوطانكم تسعة أعوام طوال ثم لتعدوا كما أتيتم! بل أضل سبيلا! أوليسيز! ما ذنب القتلى الأجرياء الذين خضبت دماؤهم ثرى هذه الساحة، تتركونهم في حمرتين من مقابرهم: حمرة الدم. . . وحمرة الخجل مما فرطتم في حقوقهم وتهاونتم في كرامتهم وما خطب السنين التسع يا أوليسيز؟ أكنتم تلعبون يوم ضحيتم بأفجنيا؟. . . أكنتم تلهون يوم أهدر بروتسيلوس دمه.؟ وشرفكم الذي يذبح كل يوم في قصور طروادة!! واستهزاء الأمم بكم، وضحك القبائل عليكم؟! لا يا أوليسيز! هلم فحرض القادة، وانفخ من روحك في قلوب الجند. . .) وسمع أوليسيز إلى ربة الحكمة، فخفق قلبه، وثارت نخوته، والتهبت نحيزته؛ وعاهدها

стр. 9836

على إضرام المعمعة، وتأجيج لظى الحرب وانطلق بين الصفوف فلقى نسطور وأجاكس وبالاميديز وغيرهم وغيرهم من زعماء الجيش ورؤوس فيالقه، فحذرهم (من الانخداع بكلمات اجاممنون، لأنها حيلة يريد بها القائد سبر عزائمهم، واختبار هممهم، كما تحدثت إليه مينرفا!! وحضهم على التضحية والصبر، وحرضهم على الجلد والاستبسال، وذكرهم بعهودهم ونظر الدنيا جميعا إليهم، ثم حذرهم من العار السرمدي الذي يتربص بهم إذا عادوا من دون أن يفتحوا طروادة!. . . وتغيرت الحال! وتجددت روح الحرب، وفتح كل جندي عينيه على مجد الوطن! ونجح أوليسيز! ونجحت مينرفا! ودهش أجاممنون لهذا التحول المفاجئ في نفسية الجيش، تلك النفسية التي كانت منذ لحظة، فقط، مزيجا من القنوط واليأس، وخليطا من السرور المخامر لمجرد الأيذان بالعود إلى الوطن؛ فصارت تضطرم تشوقا إلى الحرب، وتتحرق شوقا إلى امتشاق السمهريات الظوامي! وما وسعه إلا أن يثني على شجاعة الجنود، و. . . عدم استسلامهم، و. . . ترفعهم عن الاستكانة والاستخذاء!! فكان تحوله أعجب. . . وموقفه بين عشية أو ضحاها أغرب! ونظر الطرواديون من كوى أبراجهم فراعهم التفاف الهيلانيين بمدينتهم، وإحاطتهم بها من كل جانب، وسر الرعب في قلوبهم، ودعوا ثبورا كثيرا!! وكان يحنقهم أن باريس الذي جر عليهم كل ذلك الكرب وكان السبب العقيم لهذه الحرب، يقر في مخدعه الوثير يداعب هيلين المنحوسة ويلاعبها، ويساقيه كؤوس الهوى والغرام غير آبه لما يغص به قومه من كؤوس الردى والحمام! وخرج باريس لشأن من شؤون لهوه، وعبث باطل من أغراض غرامه الدنيء، فسمع الناس يلغطون ويلمزون، ويلوكو اسمه بألسنة الهوان والتحقير، فثار ثائره، وفارت حماسته وأقسم ليرين من ضروب شجاعته ما تنخلع له قلوبهم وتطير من هوله ألبابهم. . .

стр. 9837

وذهب من فوره إلى أخيه هيكتور فطلب إليه أن يرفع الراية البيضاء، ويخترق الصفوف حتى يكون في وسط ميدان، ويناقش قائد القوم ليتفق معه على أن يستريح الجيشان طيلة هذا اليوم ثم لتكون مبارزة بين باريس، على أن يمثل الطرواديين، ومنالايوس على أن يمثل الهيلانيين، فإذا فاز أحدهما بصاحبه، وأظهرته الآلهة عليه، عاد إلى قومه فرحا مسرورا!! وطرب منالايوس لما اقترحه غريمة الذي كان كالساعي إلى حتفه بظلفه؛ وصمتت الأفواه وحملقت الأنظار، وتلمس كل جندي في الجيشين قلبه من شدة الخفق وثورة الوجيب؛ وبرز ومنالايوس وبرز إليه باريس؛ ومرت الأحداث سراعا أمام عين ملك إسبارطة؛ فذكر عشاق هيلين وصدود هيلين؛ وذكر الخيرة الكبرى يوم رضيته من عشاقها الكثيرين كريما لها؛ وذكر يوم احتفائه بباريس واحتفال إسبارطة به، كضيف عظيم لملكها؛ وذكر أن هذا الفارس الذي تزل من تحته الأرض إن هو إلا الغادر الختال الذي اعتدى كأعتدى الجبناء على عرضه، ولطخ بوحل الفضيحة شرفه. . . ثم ذكر كيف فرت زوجه معه تحت جنح الليل. . . ذليلة للذتها، أسيرة هواها. . . فثارت في قبله زوبعة من الجنون، وأنفجر في رأسه بركان من الغضب، واتقدت في عينيه جحيم بأكملها من النقمة، واندفق الدم يغلى في ساعديه، وانقض خصمه فأوشك أن يحطمه. . . لولا أن هاله هذا الطيف. الغريب. الذي كان يحمي باريس منه، واقفا إلى جانبه. . . وخلفه وأمامه. . . ومن فوقه، ومن كل جهة جاءه منالايوس منها، يذود عنه، ويتلقى الضربات الإسبرطية فوق درعه المسرودة، الإضاءة، ذات الحلقات!! ماذا؟ آه! إنها!! هي بعينها!! هي فينوس!! لقد أسرعت إلى باريس تحميه في ذلك الروع الأكبر! فلما أوشك أن يستسلم عز عليها ألا تنقذ حياته وهو هو الذي حكم لها بالتفاحة. . . لقد رفعته إلى عل! وطفق منالايوس يبحث عنه هنا وهنا. . . ولكنه لم يعثر له على أثر! لقد ذهبت به ربة الحب، إلى مخدع الحب! إلى هيلين!

стр. 9838

ولكن ويل له من هيلين! لقد كانت تطلع على الساحة فترى إلى مبارزة البطلين، فهالها أن يبطش ملك إسبارطة بحبيبها، لولا هذه السحابة البيضاء التي كانت تحميه دائما من خصمه وتقيه. . . . . وعذلته هيلين على هذا الفرار المشين فكان عذلها له أشد على نفسه من ضربات منالايوس!. . . (لها بقية) دريني خشبة

стр. 9839

أقصوصة عراقية: رصاصة في الفضاء (عن كتاب (الدفتر الأزرق) للكاتب، الذي سوف يطبع وينشر في المستقبل القريب) بقلم محمود. ا. السيد - ١ - حادثة غريبة حدثت في مرقص الهلال في بغداد كان أول من استقر عليه نظري في ذلك المرقص، ليلة حدثت هذه الحادثة التي أروي لكم، وهي من ليالي صيف ١٩٢٨، ثلاثة حسبتهم من طلبة المدارس العليا أو صغار الكتبة في الدواوين؛ على مقربة منى يقصفون وينظرون إلى من حولهم من النظارة مستكبرين، ناقدين المرسح نقد راغب في إصلاحه: إصلاح الرقص الخليع فيه والغناء المحزن القديم وكان النظارة تجارا صغارا وذوي حرف، وعمالا، رأيتهم أخوانا متقابلين في حلقات صغيرة من الكراسي الخيزرانية حول موائد مربعة مكسوة بقماش الكتان؛ تفعم كل مائدة منها أطباق النقل والأقداح وزجاجات الخمور، وأنوار المصابيح الكهربائية المعلقة فوق رؤوسهم، الملونة بألوان العلم العراقي، تبدد الظلام. . . وكان (جماعة) من الشباب (العوام الأريحيين)، ذوي العباءات الرقيقة السوداء التي تشف عما تحتها، والعمائم (العصفورية) المرقشة باللون الأزرق، يتراشقون بالنكات والفكاهات من وراء حوض مبلط بالقاشاني الأحمر كائن في وسط المرقص تجلله الأعلام وسعف النخيل، وأصواتهم وكلماتهم الشعبية الظريفة تثير الضحك، وتحي في نفوسه القوم اللذة والسرور وكانت الراقصة المغنية الأولى، تلقي فاتحة الأغاني، التي أعدت للقوم في تلك الليلة - وهي عامية مشجية - جذلى، أو متظاهرة بالجذل، واثقة بنفسها كما كان يبدو من حركاتها، معتقدة بأنها تجيد الغناء. ثم أنشدت هذه الأبيات من الشعر الشعبي الجديد: (عن قص الشعر لاتلومونا … والوقت هذي فنونه)

стр. 9840

(قص الشعر صار بوطننا … على الموده شحلو فنّه) (قص الشعر لنا زينه … شبه الذهب بالخزينه) (كل من يمشي بخياله … والمحب تنظر عيونه) وقال واحد من الثلاثة - أولئك الذين حسبتهم من الطلبة أو صغار الكتبة - وهو مبدن ذو وجه مربع كأنه مصنوع بفأس النجار، يخاطب أحد صاحبيه مشيرا إليها: - إنها لذات وجه صغيرا جدا، وقد صبغت وجنتيها بالصبغ الأحمر لتستر اصفراره ولا شك، فما أقبحها!) ورفع إلى فمه كأسه، ولم يستمر في انتقاده. أجاب الذي خاطبه وهو أشقر اللون حسن البزة: - (كلا يا أخي. إنها لجميلة يجملها شعرها الفاحم المقصوص طبقا للطريقة العصرية التي شاعت في الأيام الأخيرة) وراح ثالثهما، وهو فتى غرانق، طلق المحيا باسم الثغر، يشعل طرف سيكارته ويدخن صامت، والتفت إليه ذو الوجه المربع يسأله: - (هل سليمان قادم إلينا؟) - (سوف يأتي. ولكنه لن يأتيانا بقلب مفتوح السرور، أنهم ظلموه حقا إذ استلوب منه وظيفته، على ما تعلمون) قال الأول: وقد احتسى آخر حسوة من كأسه! - (ليس في خدمة الحكومة شرف للإنسان، فان كان سليمان فتى (وطنيا) مخلصا في عقيدته السياسية فأمامه سبل العمل المطلق كثيرة، والجهاد. إن خوض المعركة في ساحة الجهاد الوطني قد اقتربت ساعته؛ فالشعب قد أرهقته الضرائب، والاستقلال الذي وعدونا صار مجموعة من المناصب العالية، وعمت في نظمنا الفوضى، فماذا نريد أكثر من ذلك لكي نسوغ خروجنا ونهوضنا نحن الشباب؟ وإلى متى نحسب أن سبل العيش مسدودة أمامنا، فلا نعرف من طرائق الارتزاق والتكسب إلا الوظيفة؟) قال له صاحباه: - (صدقت. . هذا صحيح)
следующие страницы →