← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 9836–9875 · переход к 9841.

стр. 9836

على إضرام المعمعة، وتأجيج لظى الحرب وانطلق بين الصفوف فلقى نسطور وأجاكس وبالاميديز وغيرهم وغيرهم من زعماء الجيش ورؤوس فيالقه، فحذرهم (من الانخداع بكلمات اجاممنون، لأنها حيلة يريد بها القائد سبر عزائمهم، واختبار هممهم، كما تحدثت إليه مينرفا!! وحضهم على التضحية والصبر، وحرضهم على الجلد والاستبسال، وذكرهم بعهودهم ونظر الدنيا جميعا إليهم، ثم حذرهم من العار السرمدي الذي يتربص بهم إذا عادوا من دون أن يفتحوا طروادة!. . . وتغيرت الحال! وتجددت روح الحرب، وفتح كل جندي عينيه على مجد الوطن! ونجح أوليسيز! ونجحت مينرفا! ودهش أجاممنون لهذا التحول المفاجئ في نفسية الجيش، تلك النفسية التي كانت منذ لحظة، فقط، مزيجا من القنوط واليأس، وخليطا من السرور المخامر لمجرد الأيذان بالعود إلى الوطن؛ فصارت تضطرم تشوقا إلى الحرب، وتتحرق شوقا إلى امتشاق السمهريات الظوامي! وما وسعه إلا أن يثني على شجاعة الجنود، و. . . عدم استسلامهم، و. . . ترفعهم عن الاستكانة والاستخذاء!! فكان تحوله أعجب. . . وموقفه بين عشية أو ضحاها أغرب! ونظر الطرواديون من كوى أبراجهم فراعهم التفاف الهيلانيين بمدينتهم، وإحاطتهم بها من كل جانب، وسر الرعب في قلوبهم، ودعوا ثبورا كثيرا!! وكان يحنقهم أن باريس الذي جر عليهم كل ذلك الكرب وكان السبب العقيم لهذه الحرب، يقر في مخدعه الوثير يداعب هيلين المنحوسة ويلاعبها، ويساقيه كؤوس الهوى والغرام غير آبه لما يغص به قومه من كؤوس الردى والحمام! وخرج باريس لشأن من شؤون لهوه، وعبث باطل من أغراض غرامه الدنيء، فسمع الناس يلغطون ويلمزون، ويلوكو اسمه بألسنة الهوان والتحقير، فثار ثائره، وفارت حماسته وأقسم ليرين من ضروب شجاعته ما تنخلع له قلوبهم وتطير من هوله ألبابهم. . .

стр. 9837

وذهب من فوره إلى أخيه هيكتور فطلب إليه أن يرفع الراية البيضاء، ويخترق الصفوف حتى يكون في وسط ميدان، ويناقش قائد القوم ليتفق معه على أن يستريح الجيشان طيلة هذا اليوم ثم لتكون مبارزة بين باريس، على أن يمثل الطرواديين، ومنالايوس على أن يمثل الهيلانيين، فإذا فاز أحدهما بصاحبه، وأظهرته الآلهة عليه، عاد إلى قومه فرحا مسرورا!! وطرب منالايوس لما اقترحه غريمة الذي كان كالساعي إلى حتفه بظلفه؛ وصمتت الأفواه وحملقت الأنظار، وتلمس كل جندي في الجيشين قلبه من شدة الخفق وثورة الوجيب؛ وبرز ومنالايوس وبرز إليه باريس؛ ومرت الأحداث سراعا أمام عين ملك إسبارطة؛ فذكر عشاق هيلين وصدود هيلين؛ وذكر الخيرة الكبرى يوم رضيته من عشاقها الكثيرين كريما لها؛ وذكر يوم احتفائه بباريس واحتفال إسبارطة به، كضيف عظيم لملكها؛ وذكر أن هذا الفارس الذي تزل من تحته الأرض إن هو إلا الغادر الختال الذي اعتدى كأعتدى الجبناء على عرضه، ولطخ بوحل الفضيحة شرفه. . . ثم ذكر كيف فرت زوجه معه تحت جنح الليل. . . ذليلة للذتها، أسيرة هواها. . . فثارت في قبله زوبعة من الجنون، وأنفجر في رأسه بركان من الغضب، واتقدت في عينيه جحيم بأكملها من النقمة، واندفق الدم يغلى في ساعديه، وانقض خصمه فأوشك أن يحطمه. . . لولا أن هاله هذا الطيف. الغريب. الذي كان يحمي باريس منه، واقفا إلى جانبه. . . وخلفه وأمامه. . . ومن فوقه، ومن كل جهة جاءه منالايوس منها، يذود عنه، ويتلقى الضربات الإسبرطية فوق درعه المسرودة، الإضاءة، ذات الحلقات!! ماذا؟ آه! إنها!! هي بعينها!! هي فينوس!! لقد أسرعت إلى باريس تحميه في ذلك الروع الأكبر! فلما أوشك أن يستسلم عز عليها ألا تنقذ حياته وهو هو الذي حكم لها بالتفاحة. . . لقد رفعته إلى عل! وطفق منالايوس يبحث عنه هنا وهنا. . . ولكنه لم يعثر له على أثر! لقد ذهبت به ربة الحب، إلى مخدع الحب! إلى هيلين!

стр. 9838

ولكن ويل له من هيلين! لقد كانت تطلع على الساحة فترى إلى مبارزة البطلين، فهالها أن يبطش ملك إسبارطة بحبيبها، لولا هذه السحابة البيضاء التي كانت تحميه دائما من خصمه وتقيه. . . . . وعذلته هيلين على هذا الفرار المشين فكان عذلها له أشد على نفسه من ضربات منالايوس!. . . (لها بقية) دريني خشبة

стр. 9839

أقصوصة عراقية: رصاصة في الفضاء (عن كتاب (الدفتر الأزرق) للكاتب، الذي سوف يطبع وينشر في المستقبل القريب) بقلم محمود. ا. السيد - ١ - حادثة غريبة حدثت في مرقص الهلال في بغداد كان أول من استقر عليه نظري في ذلك المرقص، ليلة حدثت هذه الحادثة التي أروي لكم، وهي من ليالي صيف ١٩٢٨، ثلاثة حسبتهم من طلبة المدارس العليا أو صغار الكتبة في الدواوين؛ على مقربة منى يقصفون وينظرون إلى من حولهم من النظارة مستكبرين، ناقدين المرسح نقد راغب في إصلاحه: إصلاح الرقص الخليع فيه والغناء المحزن القديم وكان النظارة تجارا صغارا وذوي حرف، وعمالا، رأيتهم أخوانا متقابلين في حلقات صغيرة من الكراسي الخيزرانية حول موائد مربعة مكسوة بقماش الكتان؛ تفعم كل مائدة منها أطباق النقل والأقداح وزجاجات الخمور، وأنوار المصابيح الكهربائية المعلقة فوق رؤوسهم، الملونة بألوان العلم العراقي، تبدد الظلام. . . وكان (جماعة) من الشباب (العوام الأريحيين)، ذوي العباءات الرقيقة السوداء التي تشف عما تحتها، والعمائم (العصفورية) المرقشة باللون الأزرق، يتراشقون بالنكات والفكاهات من وراء حوض مبلط بالقاشاني الأحمر كائن في وسط المرقص تجلله الأعلام وسعف النخيل، وأصواتهم وكلماتهم الشعبية الظريفة تثير الضحك، وتحي في نفوسه القوم اللذة والسرور وكانت الراقصة المغنية الأولى، تلقي فاتحة الأغاني، التي أعدت للقوم في تلك الليلة - وهي عامية مشجية - جذلى، أو متظاهرة بالجذل، واثقة بنفسها كما كان يبدو من حركاتها، معتقدة بأنها تجيد الغناء. ثم أنشدت هذه الأبيات من الشعر الشعبي الجديد: (عن قص الشعر لاتلومونا … والوقت هذي فنونه)

стр. 9840

(قص الشعر صار بوطننا … على الموده شحلو فنّه) (قص الشعر لنا زينه … شبه الذهب بالخزينه) (كل من يمشي بخياله … والمحب تنظر عيونه) وقال واحد من الثلاثة - أولئك الذين حسبتهم من الطلبة أو صغار الكتبة - وهو مبدن ذو وجه مربع كأنه مصنوع بفأس النجار، يخاطب أحد صاحبيه مشيرا إليها: - إنها لذات وجه صغيرا جدا، وقد صبغت وجنتيها بالصبغ الأحمر لتستر اصفراره ولا شك، فما أقبحها!) ورفع إلى فمه كأسه، ولم يستمر في انتقاده. أجاب الذي خاطبه وهو أشقر اللون حسن البزة: - (كلا يا أخي. إنها لجميلة يجملها شعرها الفاحم المقصوص طبقا للطريقة العصرية التي شاعت في الأيام الأخيرة) وراح ثالثهما، وهو فتى غرانق، طلق المحيا باسم الثغر، يشعل طرف سيكارته ويدخن صامت، والتفت إليه ذو الوجه المربع يسأله: - (هل سليمان قادم إلينا؟) - (سوف يأتي. ولكنه لن يأتيانا بقلب مفتوح السرور، أنهم ظلموه حقا إذ استلوب منه وظيفته، على ما تعلمون) قال الأول: وقد احتسى آخر حسوة من كأسه! - (ليس في خدمة الحكومة شرف للإنسان، فان كان سليمان فتى (وطنيا) مخلصا في عقيدته السياسية فأمامه سبل العمل المطلق كثيرة، والجهاد. إن خوض المعركة في ساحة الجهاد الوطني قد اقتربت ساعته؛ فالشعب قد أرهقته الضرائب، والاستقلال الذي وعدونا صار مجموعة من المناصب العالية، وعمت في نظمنا الفوضى، فماذا نريد أكثر من ذلك لكي نسوغ خروجنا ونهوضنا نحن الشباب؟ وإلى متى نحسب أن سبل العيش مسدودة أمامنا، فلا نعرف من طرائق الارتزاق والتكسب إلا الوظيفة؟) قال له صاحباه: - (صدقت. . هذا صحيح)

стр. 9841

وبعد حوار قصير سكتوا، وكانت فترة بين فصلين - ٢ - أقبل الفتى الذي عرفت من بعد أنه هو سليمان على صحبه في بداية الفصل التالي عجلا يلهث، فحيا، وألقي على المائدةجريدة كان يحمل، ونزع سدارته، ثم جلس، وكانت آثار التعب بادية عليه، واستغرب صحبه حاله، وناوله ذو الوجه المربع سيكارة ثم سأله: - (هل حدث حادث غير الذي نعلم؟ وهل كان اليوم أيضا تظاهر سياسي؟) - (تظاهر سياسي؟ كيف؟ تظاهر سياسي مرة أخرى؟ أولم يكفنا ما لقينا أمس في تظاهرنا من ضرب الشرطة إخواننا المتظاهرين بالعصي وإرهاقهم؟ وما الفائدة؟) وكان يجيب صاحبه وهو يتكلف الهدوء، ولكنه كرر (ما الفائدة) مرتين ثم انفجر صاخبا وكان العواد والكماني يطربان الحاضرين بقطعة موسيقية من مبتكرات سامي الشوا إيذانا بانتهاء دور الراقصة المغنية الأولى - (لم يبق أمل. . .) نطق بهذه العبارة حانقا، يائسا، وضرب المائدة بقبضة يده ثم قال: - (. . . البلاد مقيدة بالمعاهدة، والمناصب الكبرى للأجانب وذوي العقول القديمة، وفتيان العراق لا يجدون واسطة لأعلان شعورهم ضد الاستعمار؛ وهم إذا ما تظاهروا معلنين سخطهم على الصهيونية مثلا كما فعلوا أمس، سحقوهم بسنابك الخيل. . . قبض الشرطة الآن على عبد الكريم، وأحمد حسن وطاهر، ولطفي. . . وواحد من المتظاهرين في المستشفى جريح. .) واشتد صخبه وصراخه. وكان صحبه، مع ترحيبهم به؛ وتقبلهم آراءه، يتلقون نظرات المحيطين بهم الدالة على استغرابهم هذه الخطبة، التي لم يسمع أحد مثلها في المراقص، في شيء من الارتباك. وناد الفتى الغرانق الخادم ليأتي ضيفهم الثائر بربع من الخمر الأبيض ثم أقبل صاحب المرقص على سليمان متلطفا يسكته، وينبهه إلى أن فيما قاله الكفاية، وأن الخوض في شؤون الوطن وسياسته في المرقص بين الكأس والعود ضرب من العبث؛ (واليوم خمر وغدا أمر)؛ وكان الرجل أديبا ظريفا، فأفض على الجماعة بجملة من النوادر قبل أن يتولى عنهم وينصرف

стр. 9842

وتركت النظر إليهم، واستماع أحاديثهم منصرفا إلى دراسة المرسح! وكما كان الجاحظ وهو من أئمة الدين يؤلف الرسائل في القيان، كنت عازما على كتابة فصل في نقد مغنيات بغداد آلائي يطربن أبناء الشعب في ساعات لهوهم ومرحهم. فقلت أخاطب نفسي: (إليك المادة الأولى من مواد الموضوع)، ثم أخرجت قلمي ودفتر مذكراتي فكتبت: (كانت المغنية الراقصة الأولى التي يسمونها جميلة العودية معتدلة القامة، نحيفة ترتدي ثوبا قصيرا بنفسجي اللون، يتوج رأسها تاج من اللؤلؤ المزيف. وجهها مستطيل. نظراتها تدل على غباء. تضاحك الناس بين حين وآخر. . . وأما غناؤها. . .) وكتبت صفحة أو صفحتين من دفتري في ذكر غنائها؛ وطريقة إنشادها، ثم انتقلت إلى وصف الثانية، وقد جاء دورها وحانت مني التفاتة إلى أشخاص قصتي؛ فألفيتهم عاكفين على مائدتهم يأكلون ويشربون ويتحادثون، وكان سليمان يفرغ الثمالة من زجاجة (الربع) التي كانت أمامه في كأسه، ثم يطلب من الخادم زجاجة (ربع) ثانية، وعجبت له كيف سكن بعد هياجه، ثم سمعته يقول لصاحبه: - (إنني أكرهها. . أكره تلك المغنية الهزيلة. . أكره تاجها المزيف. . أكره وجهها المستطيل. . أكره نظراتها. . وأحب زهراء وإن لم تكن مغنية من ذوات الفن ولا ذات شرف في هذا المجتمع) وجاءه الخادم بزجاجة؛ ولم يجبه أحد. وفتح الجريدة التي كان ألقاه ساعة أقبل على المائدة وأشار إلى مقالة فيها وقال: - (صرت منذ اليوم أعلن حبي لها على رءوس الأشهاد، فهذه المقالة بل هذه الفلسفة الجديدة قد غيرت رأيي) وقرأ: (لا تحتقروا أحدا من النساء، فبنو الإنسانية سواسية في هذه الدنيا. . . . .) ولم أستغرب هذه (الفلسفة الجديدة) - على ما وصفها - ولم أعرف صاحبها، التي راح يؤيدها سليمان في حماسة شديدة. وخيل إلي من عينيه المحملقتين وصوته الراعد، أن الثورة الكامنة في أعماق نفسه على وشك الظهور مرة أخرى. ولكنه كان مضطربا قلقا، فلم

стр. 9843

يكمل قراءة المقالة. ورنا إلى المسرح معجبا برقص الراقصة الثانية؛ وكانت فنانة رومية مستتركة وافدة من استانبول. وهز رأسه، ثم هز رأسه إذ أطربه صوتها الرفيع العذب وأناشيدها التركية الرقيقة. وانشغلت عنه بكتابة وصفها: - طويلة بيضاء في صفرة كلون الذهب. . .) واستمررت في الكتابة غير منتبه إلى ما يجري حولي، نحو ساعة أو أكثر أو أقل، لا أدري. وقبل أن ألقي القلم جانبا رنت في أذني قرقعة أحداثها سقوط أطباق على الأرض، وصرخة صارخ يقول: - (أنت خاطئ يا أخي! أنت خاطئ ومخطئ كل الخطأ!) وكان الصارخ سليمان. قلت: (حقا لقد ثار صاحبنا). ورفعت رأسي لأنظر إليه، فألفيته واقفا منفوشا شعر رأسه يعربد، ويقول مخاطبا رجلا غريبا لم أره من قبل، كان واقفا أمامه ينظر إليه نظرة شامت مستهزئ: - (أنا شجاع، شجاع! لقد طردوني لأنني أبيت أن أخدمهم لتحقيق غاياتهم هذا حق، ولكنني لم أثر لحرماني من الوظيفة. . . ما أنا بسكران!. . . لست ثائرا لأني أصبحت محروما من الوظيفة يا كامل، بل لأن الوطن يريد رجاله. انظر يا كامل! ويلك! أنا رجل أقابل ألف رجل من هؤلاء المخانيث لو دعت الحاجة؛ وهاكم البرهان: والتفت إلى صحبه مهتاجا، وكانوا حيارى واجمين ثم قال: - (رصاصة لأجل الحرية!) وسرعان ما أخرج من جيبه مسدسا فأطلق رصاصة في الفضاء وهرع بعض النظارة إليه ليمنعه من الاستمرار في إطلاق الرصاص، وبعضهم إلى باب المرقص لينجو بنفسه، إذ أدرك في هذه الحادثة بادرة للجريمة. وجاء شرطي يعدو ويشق لنفسه طريقا إلى سليمان في الزحام. . . ولم أعد أفهم من الحوادث المتتالية شيئا. . . - ٣ - بعد يومين أو ثلاثة ذكرت الصحف: (أن محكمة الجزاء حكمت على سليمان بن محمود وهو موظف سابق معزول، بأن يسجن عقابا له على إطلاق الرصاص من مسدسه وهو سكران في مرقص الهلال)

стр. 9844

ولم أسمع له ذكرا بعد ذلك العراق - الأعظمية محمود. أ. السيد

стр. 9845

البريد الأدبي حول النزاع الأدبي لم أعتد الرد على من يهاجمون شخصي لأني أعتبر واجب الأديب أن يقوم بقسطه من الإنتاج، لا أن يضيع وقته في المشاحنات الفارغة، ولكن أراني الآن مضطرا إلى أن أقول كلمة (ستكون الأولى والأخيرة لي في الموضوع) إظهارا للحقيقة، وخشية أن تمسي (الرسالة)، وهي المجلة الأدبية الرصينة، ميدانا لمجادلات هي في نظري ابعد ما تكون عن الأدب: لا شك أن الغيرة الأدبية هي التي دفعت صديقي الأستاذ الزحلاوي إلى فتح هذا النقاش لاعتقاده أن ثمة تشابه كبير بين قصيدة الدكتور (ناجي) وبين قصيدتي (عاصفة) المنشورة في مجلة (الدهور) منذ عام ونيف. على أنني أرى هذا التشابه ضئيلا جدا، ولا يجوز أن يعزى إلا إلى توارد الخواطر أما من جهة رد الأستاذ الطنطاوي فهو ادعاء لا تدعمه حجة ولا يؤيده برهان. لقد ادعى هذا الأديب أن صديقه أنور العطار قال له إن قصيدتي مسروقة من أحد شعراء المهجر، ثم أردف أنه لا يعرف عن سري سوى أني (ترجمان قصصي!) فهل (للرسالة) أن تطلب منه أن ينشر على صفحاتها اسم الشاعر وقصيدته التي يقول إن قصيدتي سرقت منها، وأصل القصص التي يدعي أني أترجمها؟ وليعلم الأديب الطنطاوي أخيرا أن من يكتب للناس ما يفيدهم بلغة سهلة بسيطة لهو خير من الذي يسب ويشتم بلغة العرب الأقحاح! (دمشق) ميشيل عفلق وفاة رحالة كبير

стр. 9846

من أنباء روسيا أن الرحالة المكتشف الشهير بيتر كوزلوف قد توفي في لننجراد في الثانية والسبعين من عمره. وقد اشتهر الأستاذ كوزلوف قبل الحرب باكتشافاته العلمية في مجاهل آسيا ولا سيما في صحراء جوبي. وقد بدأ حياته الكشفية بالاشتراك في بعض الحملات والبعثات الرسمية في أواخر القرن الماضي. وفي سنة ١٨٩٩ جهز حملته الأولى إلى أواسط آسيا؛ ثم أعقبها برحلات أخرى، ولكنه وفق إلى أعظم اكتشافاته بين سنتي ١٩٠٧ و١٩٠٩ حينما اكتشف في صحراء جوبي في أعماق آسيا مدينة مجهولة تسمى خاراخوتو. وكانت بها بقايا أبنية ظاهرة، وآثار جنس بشري غير معروف. ووجدت ضمن الآثار المكتشفة نقوش وكتابات كثيرة بلغة مجهولة، ولكن الأستاذ كوزولف استطاع قراءتها بفضل نوع من الدليل المكتوب وجده بين الأشياء المكتشفة. واستمرت حكومة البلاشفة بعد الحكومة القيصرية على تشجيع كوزلوف والإنفاق على بعثاته؛ فقام في العهد الأخيرة بعدة رحلات إلى صحراء جوبي كانت أخراها في سنة ١٩٢٦. وعاونته الحكومة أيضا على نشر كتاب ضخم عن جوبي وآثارها وعن منطقة خاراخوتو التي اكتشفتها. ونشر كوزلوف أيضا كتبا أخرى كلها بالروسية، ولكنها لم تترجم إلى لغات أخرى فلم يعرف العالم الخارجي عنها كثيرا، غير أنه نشر منذ أعوام كتابا بالإنكليزية عنوانه (عصافير منغوليا) وكان الأستاذ كوزلوف عضوا في جمعيات علمية كثيرة. وكان يعيش في منزل منعزل في غابة بالقرب من نوفجرود مدى أعوام طويلة يرتب المواد والآثار التي جمعها؛ وكان من آن لآخر يحضر إلى لننجراد ليلقي فيها بعض المحضرات. وقررت له الحكومة البلشفية معاشا حسنا، وقد رافقته زوجه في عدة من حملاته الكشفية عميد الموسيقى الإنكليزية نعت الأنباء الأخيرة السير فردريك كوين المؤلف الموسيقي المشهور وعميد الموسيقى الإنكليزية منذ أواخر القرن الماضي. توفي في الثالثة والثمانين من عمره؛ وكان مولده بجزيرة جاميكا في سنة ١٨٥٢، وأخذ إلى إنكلترا صغيرا حيث كان أبوه يشغل وظيفة (بمسرح الملكة). وتلقى كوين دروسه الأولى في الموسيقى وهو طفل على يد هنري رسل، وكتب أول قطعة موسيقية وهو في الخامسة. ودرس المعزف (البيانو) على بندكت،

стр. 9847

والتأليف على جوس. وفي سنة ١٨٨٥ ذهب إلى لايبزج ودرس هنالك على أقطاب الفن. ثم عاد إلى إنكلترا، وظهر ببراعته في التأليف والموسيقى، وعهد إليه برياسة الحفلات الموسيقية الملكية؛ ولكنه كان أكثر براعة في التأليف منه في العزف. وكانت أولى قطعه الشهيرة (عذراء الورد)، ظهرت وعزفت في لندن سنة ١٨٧٠؛ وأتبعها بقطعة تسمى (القرصان). ومن ذلك التاريخ عكف السير كوين على إخراج القطع والاوبرات والأغاني حتى بلغ ما أخرجه منها مئات عدة. وقد انتخب السير كوين مرارا ليكون رئيسا للفرقة الموسيقية التابعة لجمعية الموسيقى الملكية. وفي سنة ١٩١١، أنعم عليه بلقب الفارس وللسير كوين قطع موسيقية راقصة بديعة. ولما بلغ الثمانين من عمره منذ ثلاثة أعوام، صرح في حديث له أنه لا يدري ماذا حدث في الموسيقى العصرية، وأنه يلاحظ أن الموسيقى المعاصرة ملأى بالمفارقات والمتناقضات مع أن من شرط الموسيقى أن تكون فياضة التناسق مؤتمر لتاريخ الطب: عقد أخيرا في مدريد مؤتمر لمؤرخي الطب، وهو المؤتمر العاشر من نوعه يعقد كل عام في عاصمة من عواصم العالم، وقد شهده جمهرة كبيرة من علماء مختلف الدول، وعقد تحت رعاية رئيس الجمهورية الإسبانية، ولم يقتصر أعضاء المؤتمر على المناقشات العلمية والتاريخية المتعلقة بتاريخ الطب والجراحة منذ غابر الأزمان، ولكن لجنة المؤتمر قامت بتنظيم معرض هام للمخطوطات والوثائق الطبية من أقدم العصور، وكذلك لعرض الأدوات الطبية والجراحية التي كان يستعملها الأطباء في العصور القديمة والوسطى، ومن ذلك صور ونماذج للأدوات الطبية والجراحية العربية نقلت من مخطوطات ترجع إلى القرن الرابع عشر، وصور من مخطوطات موسى بن ميمون الطبية والفلسفية وهو الطبيب اليهودي الأندلسي الذي نبغ في القرن الثاني عشر ويعرف عند الإفرنج باسم (ميمونيدس) ومجموعة من آثار اندريس لاجونا طبيب الإمبراطور شارلكان، وأدوات طبية هندية ومصرية ترجع إلى العصور الوسطى، ونماذج تشريحية وغيرها، وقد لفت الأنظار بنوع خاص نموذج معروض لحانوت صيدلي مسلم في قرطبة في القرن الثالث عشر، ونموذج لمستشفى (سانتا كروز) القديم في طليطلة كما كان عليه في القرن السادس عشر

стр. 9848

ملكة التراجيديا صدر أخيرا كتاب بالإنجليزية عنوانه (راشيل الخالدة) للكاتب الإنكليزي برنارد فوك، وهو ترجمة مستفيضة مؤثرة للممثلة الكبيرة راشيل التي سطعت في النصف الأول من القرن الماضي، وتركت أثرها الخالد في المسرح الفرنسي، وكانت راشيل مثل سان برنهرت وسان سيدون يهودية الأصل، ولدت سنة ١٨٢١ في أسرة فقيرة جدا، وكانت في طفولتها تغني وترقص في شوارع ليون وتجمع الفلوس لتعيش، ولكنها لم تبلغ السابعة عشرة حتى ظهرت على مسرح (الكوميدي فرانسيز) ولم تمض أسابيع على ظهورها حتى ارتفع صيتها إلى السماكين، ولم تبلغ العشرين حتى غدت غنية ترتع في بحبوحة الثراء والترف، والتف حولها أكثر من أمير وشريف يرغبون في ودها، وكانت مثال العبقرية الساطعة، ولكنها لم تكن مثالا للأخلاق الرفيعة، وكانت لها مبادئ وتصرفات خاصة تعدو مجتمعها وعصرها، وقد خاضت حياة مضطرمة فياضة بالعمل واللهو العنيف، وتوفيت فتية في زهرة العمر، في الثامنة والثلاثين من عمرها ويستعرض المؤلف حياة هذه الممثلة الباهرة في قوة وصراحة ويكشف لنا كثيرا من خواص الحياة المسرحية في القرن الماضي ويوضح لنا كيف كانت راشيل من أعظم ممثلات التاريخ، ومن أعظم كواكب الفن والمسرح ترشيح النجاشي لجائزة نوبل من الأنباء الطريفة التي وقفنا عليها في البريد الأخير أن صحيفة سويدية هي جريدة (سوسيال ديموكراتني) التي تصدر في ستوكهلم ترشح الإمبراطور هيلى سلاسي لنيل جائزة نوبل للسلام هذا العام؛ وتؤيد الجريدة هذا الترشيح بمواقف الإمبراطور السلمية المشهورة وأحاديثه التي أفضى بها إلى مختلف المكاتبين الأوربيين، وترى أنه أجدر من وقف إلى جانب السلام هذا العام بنيل الجائزة الشهيرة. ونذكر أن الذي فاز بهذه الجائزة في العام الماضي هو المستر هندرسون رئيس مؤتمر نزع السلاح، والسير نورمان آنجل الكاتب الإنكليزي وداعية السلام الشهير. ولا ريب أن ترشيح النجاشي سيقابل بالتأييد والارتياح من جميع أنصار السلام، والمعروف أن السويد تعطف على النجاشي عطفا

стр. 9849

خاصا، وأن معظم مستشاريه العسكريين والسياسيين هم من رجال السويد

стр. 9850

الكتب علم الدولة للأستاذ أحمد وفيق (لمناسبة صدور الجزء الثالث) بقلم الدكتور محمد توفيق يونس صدر حديثا الجزء الثالث من الكتاب الضخم الذي يضعه الكاتب النابه الأستاذ أحمد وفيق في (علم الدولة)، وهذا الجزء كسابقيه من حيث طريقة البحث وسياق الحديث، وإذا كان قد فاتنا أن نتحدث عن الجزأين الأول والثاني حين صدورهما فلا يفوتنا وقد صدر الجزء الثالث أن نتحدث عن الكتاب جملة من العسير بل المستحيل أن تكون (الدولة) بجميع مظاهرها وتطوراتها موضوعا لبحث واحد جامع، إذ أن لها وجوها مختلفة يتطلب كل منها بحثا خاصا، فهناك الوجه الدستوري الذي يعنى بهيئات الدولة العليا، وهناك الوجه الإداري الذي ينظر إلى التفاصيل التنفيذية للحياة العامة، أو بمعنى آخر إلى مجموع المصالح العامة التي تكفل سير الدولة العملي، وهناك الوجه المالي الذي يبحث في إيرادات الدولة ونفقاتها، ثم هناك دراسة الدولة من ناحية القانون الدولي العام باعتبارها من أشخاصه وبصفتها عضوا في الأسرة الدولية، الخ ولكل دراسة من هاته الدراسات ناحيتان أساسيتان: ناحيتها القانونية وناحيتها السياسية، وأهمية الاستئناس بالأخيرة في تحليل المسائل الفقهية لا تحتاج إلى بيان. وإذا أضفنا إلى كل ذلك نصيب التاريخ تبين لنا إي دائرة واسعة من المعارف يمكن أن تدخل تحت هذا الموضوع ولكن المؤلف الفاضل وإن كان قد سمى كتابه (علم الدولة) لم يقصد إلا دراسة فكرة الدولة أو نظرية الدولة كما أوضح ذلك في مقدمة الجزء الأول (ص٤٧ - ٤٩) لهذا كان أجمل به أن يجعل عنوان الكتاب أكثر تحديدا لما فيه بأن يسميه مثلا (فكرة الدولة) أو (نظرية الدولة) أو (علم في الدولة) إذا لم يرد تحديدا دقيقا على أن الموضوع الذي فرضه المؤلف على نفسه يبقي بعد هذا التحديد فسيح الأطراف

стр. 9851

متشعب النواحي متعدد الوجوه إلى حد يجعل من الصعب استيعابها جميعا ودراستها معا دراسة مستفيضة، ويضطر المؤلف إلى الإيجاز وإهمال التفاصيل، ويخشى معه ضعف الارتباط وتشتت البحث وتوزع المجهود. والمؤلف نفسه يكتفي في الواقع (بدراسة عامة إجمالية) (ص٤٧ من الجزء الأول) ولقد صبغ المؤلف هذه الدراسة بالصبغة التاريخية فجعل التاريخ العنصر الغالب في أجزاء كتابه الثلاثة بل قوامها جميعا. وموجز بسيط للموضوعات التي تناولها المؤلف تساعد على إدراك ما قدمنا قسم المؤلف الجزء الأول من كتابه إلى ثلاثة أبواب خصص الباب الأول منها بأصول الدولة، فتكلم في الفصل الأول عن ضرورة البحث في هذا الموضوع، وقدم لذلك مثلين هما: فرض الضرائب على الأجانب والنظام الفاشي. ثم انتقل إلى الكلام في الفصول التالية عن مختلف النظريات التي تناولتها عارضا ناقدا محللا، فتكلم في الفصل الثاني عن نظرية الطبيعة، وفي الثالث عن الأسرة، وفي الرابع عن العقد الاجتماعي، وفي الخامس عن القوة، وفي السادس عن الإرادة الفردية؛ وبعد أن انتهى المؤلف من الكلام على أصول الدولة في الباب الأول أخذ يتكلم في البابين الثاني والثالث عن التطور التاريخي لفكرة الدولة، فتناول في الباب الثاني الأفكار القديمة من الدولة مستعرضا إياها في الهند وفارس والصين ومصر، وعند اليهود واليونان والرومان، وتناول في الباب الثالث فكرة الدولة في القرون الوسطى وفي عهدي الأحياء والإصلاح وفي الجزء الثاني من الكتاب تابع المؤلف بحثه في التطور التاريخي لفكرة الدولة؛ فتكلم عنها من عهد الإصلاح الذي ختم به الجزء الأول حتى سقوط نابليون النهائي بعد أن عرج في طريقه على الدستور البريطاني، فشرح أطواره منذ نشأته حتى نهاية القرن الثامن عشر واستمر هذا البحث التاريخي في الجزء الثالث، إذ تناول المؤلف أطوار فكرة الدولة ابتداء من سقوط نابليون حتى اليوم - تناولها من ثلاث نواحي في ثلاثة أبواب؛ خص الباب الأول منها بتطور فكرة الدولة من ناحية سياجها الخارجي، أو بعبارة أخرى من ناحية القانون الدولي، وخص الباب الثاني بأهم أطوار العنصر التاريخي للدولة عارضا لمختلف الحركات الشعبية منذ سنة ١٨١٥، أي بعد سقوط نابليون النهائي، وخص الباب الثالث

стр. 9852

بأهم أطوار العنصر القانوني للدولة منذ ذلك الحين كذلك واصلا ما انقطع في نهاية الجزء الثاني من الكلام عن الحركة الدستورية والنظام البرلماني في فرنسا، خاتما إياه بكلمة واحدة وجيزة عن بعض المبادئ الدستورية الحديثة والحق أن المؤلف الفاضل - مع ما سبق أن قدمنا - قد عالج هذه الأبواب التي تناولها في أجزاء كتابه الثلاثة معالجة الملم بموضوعه، الواسع الاطلاع، الدقيق الملاحظة، القوي العبارة، الجزل الأسلوب على أننا مع الثناء الخالص على المؤلف والتقدير العظيم للكتاب نأخذ على الأستاذ أنه لم يبين في صدر الكتاب منهاج بحثه، وتقسيم عمله، وتسلسل موضوعه، البيان الكافي الذي ينير أمام القارئ السبيل إلى الغاية كذلك نأخذ عليه عدم ذكره المراجع كاملة في الثبت الذي ذيل به كل جزء من أجزاء كتابه فلم يذكر أمام كل كتاب بعد اسم المؤلف والعنوان الكامل لكتابه الجزء الخاص بالموضوع إذا كان للكتاب عدة أجزاء، وعدد الطبعة إذا كان له أكثر من طبعة، والمدينة والسنة التي طبع فيها. ففي هذه البيانات ما يساعد محبي البحث والاستقصاء كما أنه أهمل هذه البيانات عندما كان ينقل أو يوجز أقوال بعض العلماء في صلب الكتاب، فهو كثيرا ما يكتفي بالإشارة إلى اسم المؤلف ورقم الصفحة دون ذكر لعدد الطبعة، وقد تكون الطبعة التي يرجع إليها القارئ غير الطبعة التي كانت في يد الكاتب، والصفحات تتغير في مختلف الطبعات، بل هو أحيانا لا يذكر الصفحة التي نقل عنها فيصعب على القارئ الرجوع إلى العبارة المنقولة والتثبت منها وجملة الرأي في الكتاب أنه لم يوجه وجهة علمية صرفة، بل قصد منه التثقيف والتهذيب، وأنه من هذه الناحية، أي ناحية الثقافة العامة عمل ضخم ثمين، أدى به مؤلفه الكريم إلى قراء العربية خدمة جليلة، كلفته جهودا مضنية من الطاقة والوقت، فمن حقه أن يقابل بالشكر الوافر والتعضيد الصحيح محمد توفيق يونس

стр. 9853

العدد ١٢٠ - بتاريخ: ٢١ - ١٠ - ١٩٣٥

стр. 9854

أحمد شوقي بمناسبة ذكراه الثالثة اجتمع رأي الناس - ما عدا الشعراء - على أن شوقي طيب الله ذكره، كان تعويضاً عادلاً عن عشرة قرون خلت من تاريخ العرب لم يظهر فيها شاعر موهوب يصل ما انقطع من وحي الشعر، ويجدد ما اندرس من نهج الأدب، ويحفظ للبيان العربي قسطه المأثور من التعبير الملهم عن كلمة الله المنبثة في الكون، وأسرار الجمال المضمرة في الطبيعة، ومعاني الخير الغامضة في الحياة؛ وأن فقده كان فقداً للوجدان الفني في الشعب الذي علمه كيف يتذوق الأدب ويستسيغ الشعر وينضح عواطفه الجافة بفيض هذه القريحة النابغة الثَرَّة؛ فالأعوام تعقب الأعوام، والذكرى تخلف الذكرى، والأسى لا يزال يُرمض الجوانح لامتناع الصبر عليه واعواز العوض منه؛ فسيبقى شوقي كما وضعه القدر كمالاً في نقص كان، وهيهات أن يصير نقصاً في كمال سيكون؛ وسيدور الفلك ويدور، ويقصد النقد ويجور، ويتطور الذوق ويسمو، وشعر شوقي ثابت ما ثبت الحق، خالد ما خلد القرآن، مقروء ما بقي العرب! ذلك لأن الطبيعة اختارته لرسالة الشعر بعد فثرة موئسة من الرسل، ثم آثرته بالنصيب الأوفى من الفكر والخيال والعاطفة، وهن الملكات الثلاث التي ترفد القريحة وتمد الطبع، وعلى تفاوتها في القوة والضعف يتفاوت الفنان في السبق والتخلف؛ ثم زوّدته بالأذن الموسيقية والقريحة السخية والأداة الطيعة، فشب عبقرياً بالفطرة، لا شأن للبيئة في تنشئته، ولا للمدرسة في إعداده، ولا للفرصة في توجيهه؛ وهل كان أثر البيئة وقفاً عليه، وتعليم المدرسة خاصاً به، ومواتاة الفرص امتياز له؟ إنما كان مثله في رسالة الشعر كمثل الأنبياء في رسالة الدين، يختارهم الله من الضعفاء والفقراء والأميين ليكون جلاله عليهم أبهر، ومعجزته فيهم أظهر، وحجته منهم أبلغ وشوقي رجل روحه أقوى من فنه، وشعره أوسع من علمه، وحكمته أمتن من خلقه، وقدرته أكبر من استعداده، فلا يشك قارئه في أنه وسيط لروح خفية تقوده، ورسول لقوة إلهية تلهمه؛ وما اكتسب من القراءة والأسفار إلا إرهاف الذوق، وتحصيل المادة، وتوسيع الخبرة؛ والذوق في الفن كالعقل في العلم إنما يحصلان بالدرس والتجربة والسن؛ والطبيعة

стр. 9855

تصنع صاحب العبقرية، ولكنها تبدأ صاحب الذوق الشاعر المطبوع رجل يتأثر خياله بقوة، وينفعل قلبه بسرعة، ثم يكون بين خياله وقلبه تجاوب سريع مستمر؛ له أذن مرهفة الحس تفطن للإيقاع وتطرب للنغم، وذوق سليم الإدراك يعرف جمال الشعر ويعلم مواقع الكلم، ونفس ترى المُثُل الروائع فتحمَى وتتحمس، ثم يدفعها السمو الفني فيها إلى المنافسة الحرة والمعارضة النبيلة؛ وإذا تناول الفكرة الأساسية الأولية لموضوع ما، لا يلبث أن يراها في دخيلة نفسه تنمو وتتسع وتتركب وتتشعب وتتلون، ثم تغدو ولوداً خصبة؛ ثم لا ينفك شاعراً بالحاجة الملحة إلى الإنتاج الناشئ عن غزارة الفيض وحرارة العاطفة؛ ثم يدرك في يسر ما بين المعاني المجردة والمواد المحسَّة من علاقة، فيتخذ من هذه ألواناً لتلك، بحيث تولد هذه الأفكار في الذهن مكسوة بهذه الصور؛ تتمثل في خاطره المواد من ذات نفسها على الوجه الأنسب للتصوير والوضع الأجمل في النظم، فإذا كان الموضوع مؤثراً انثالت عليه العواطف معجلة تريد أن تظهر، مزدحمة تحاول أن تفيض ذلك هو الشاعر المطبوع، وذلك هو شوقي؛ علمناه بالدرس، وعرفناه بالصحبة، فما انخزل يوماً في تحليقه وإسفافه عن مواقف العبقرية. ولئن كان في شعر شبابه مأسور الفكر، محصور الخيال، محدود النظر، لا يعبر إلا عن رأي القصر، ولا يصور إلا بألوان البيئة، لقد كانت هذه الحقبة الرسمية غيبة للشاعر عن نفسه، وذهولاً منه عن وجوده؛ وقديماً كانت صلات الشعراء بالملوك والخلفاء عاهة الشعر وآفة العبقرية، فلما أعتقته الحرب من رق الوظيفة، وأطلقته إنجلترا بالنفي إلى الأندلس، تيقظ فيه الرسول الشاعر والحكيم المصلح، فحلق بخياله في كل جو، وسطح بعقله في كل أفق، وشدا بالإسلام والعروبة والمصرية شدوا ردده كل لسان واهتز له كل قلب؛ ثم زاد في القيثارة العربية الأوتار الناقصة، فأضاف الشعر القصصي والشعر التمثيلي إلى شعرنا الغنائي؛ فكان بذلك وحده الشاعر الكامل! شوقي كله من صنع الطبيعة، ولد منشداً كما ولد البلبل مغرداً؛ فالحكم على شعره بقوانين النقد الوضيعة، وآراء الناقدين الشخصية، لا يضعه في مكانه، ولا يزنه بميزانه. اقرأه ثم راجع فيه نفسك، واستشر في أثره حسك، فإذا وجدت ذهنك يشتغل، وشعورك يشتعل،

стр. 9856

وروحك تتصل بروحه، وذوقك يرتاح لذوقه، فثق أنك بازاء شاعر علت مزاياه على النقد، وسخرت مواهبه بالقيود: إن شوقي سيظل على رغم الهتاف به مغموط الحق مادام الشعر العربي للخاصة، لأن الخواص أكثرهم لا ينصفونه، والعوام كلهم لا يفهمونه، فمتى زالت معرّة الأمية عن الأمة العربية أصبح لشعره يومئذ شأن وأي شأن أحمد حسن الزيات

стр. 9857

٥ - الجمال البائس للأستاذ مصطفى صادق الرافعي تتمة قلت لها: إن كلمة الكفر لا تكون كافرة إذا أُكره عليها من أُكره وقلبُه مطمئنٌّ بالإيمان، وكلمة الفجور أهون منها وأخف وزناً وشأناً، ثم لا تكون إلا فاجرة أبداً، إذ لا إكراه على هذه الدَّعارة إكراها لا خيار فيه. وما أول الدَّعارة إلا أن تمد المرأة طرفها من غير حياء، كما يمد اللص يده من غير أمانة ومن اضطُر إلى الكفر استطاع أن يخبأ محراب المسجد في أعماقه فيصلي ثمة، ولكن الفجور لا يترك في النفس موضعاً لدين ولا إيمان، إذ هو دائب في إثارة الغرائز الطبيعية الحيوانية المسترسلة بلا ضابط، فيجعل المرأة تحيا بعيدة عن ضميرها، فيضعف منها أول ما يضعف آثار الآداب والأخلاق، فيهلك فيها أول ما يهلك إحساسها بمعنى المرأة الإنسانية وشعورها بمجد هذا المعنى فإذا انتهت المرأة إلى هذا لم يكن لها مبدأ ولا عقيدة إلا أنَّ على غيرها أن يتحمل عواقب أعمالها، وهذه بعينها هي حالة المجنون جنون عقله؛ أفلا تكون المرأة حينئذ مجنونة جنون جسمها. . .؟ فساءها ذلك وبان فيها، ولكنها أمسكت على ما في نفسها؛ والمرأة من هؤلاء لا يمشي أمرها في الناس ولا يتصل عيشها إلا إذا كثرت طباعها كثرة ثيابها، فهي تخلع وتلبس من هذه وتلك لكل يوم ولكل حالة ولكل رجل، فينبعث منها الغضب وهي في أنعم الرضى، كما ينبعث الرضى وهي في أشد الغيظ، وكأن لم تغضب ولم ترض لأنها ليست لأحد ولا لنفسها وتساير غضبها ثم قالت: كان كلامك أن لك رجاء إليَّ، فأنا أحب. . . . أحب أن أعلم قلت: وأنا كذلك أحب. . . أحب أن أعلم فضحكت وسرِّى عنها، وثبتت على شفتيها ابتسامة لو جاء ملكٌ من السماء ليضع في ثغرها ابتسامة أجمل منها لما وجد أجمل منها ثم قالت: تحب أن تعلم ماذا؟

стр. 9858

قلت: أحب أن أعلم منك قصة هذه الحياة ما كان أولها؟ قالت: لقد قضيت من حكمك فينا، ولكنك أخطأت، فلكل ليل مظلم كوكبه؛ والكوكب الوقاد المعلَّق فوق ليل المرأة منا هو إيمانها. نعم إنه ليس كإيمان الناس في واجباته ولكنه كإيمان الناس في تعزيته، والله ربُّنا وربُّكم قلت: لو أطيع الله بمعصيته لاستقام لك هذا. وإنما أنت تصفين الإيمان الأول الذي كان عملاً فصار ذكرى، فصارت الذكرى أملاً، فظننتِ الأمل هو الإيمان قالت: ثم إننا جميعاً مكرهات على هذه الحياة فما نحن إلا صرعى المصادمة بين الإرادة الإنسانية وبين القدر قلت: ولكن لم تهف واحدة منكن في غلطتها الأولى وهي مستكرهة على غلطة؛ بل وهي راغبة في لذة، أو مبادرة لشهوة، أو طالبة لمنفعة قالت: هذا أحد الوجهين؛ أما الآخر فالتماس الرزق وصلاح العيش. فالرجل مع الرجل رأس ماله قوَّته، وعمله بقوته؛ ولكن المرأة مع الرجل رأس مالها أنوثتها، وعمل أنوثتها. وفي الوجه الأول وجه اللذة والمنفعة، تحتال كلمة الفجور على المرأة بكلمات رقيقة ساحرة، منها الحبُّ والزواج والسعادة، فتستسلم المرأة مضطرة ليقع شيء من هذا. وفي الوجه الثاني وجه الرزق والعيش، تحتال الكلمة الخبيثة الفاجرة على المرأة المسكينة المستضعفة بكلمات رهيبة قاتلة، منها الجوع والفقر والشقاء، فتسقط المرأة مضطرة خيفة أن يقع شيء من هذا؛ وفي أحد الوجهين يكون الرجل هو الفاجر لفساد آدابه، وفي الوجه الآخر يكون الفاجر هو المجتمع لفساد مبادئه قلت: أنا لا أنكر أن المرأة إذا سقطت في هذه المدينة لم تقع أبداً إلا في موضع غلطة من غلطات القوانين، وآفة هذه القوانين إنها لم تسن لمنع الجريمة أن تقع، ولكن للعقاب عليها بعد وقوعها. وبهذا عجزت عن صيانة المرأة وحفظها، وتركتها لقانون الغريزة الوحشي في هؤلاء الوحوش الآدميين الذين يأخذهم السعار من هذه الرائحة التي لا يعرفها إلا في اثنين: المرأة الجميلة، والذهب. فما ألجأت امرأة حاجتها أو فقرها إلى أحدهم ورأى عليها جمالاً إلا ضربه ذلك السعار، فإن استخفَّت بنزواته وتعسّرت عليه طردها إلى الموت ومنعها أن تعيش من قبله، وإن صلحت له وتيسرت، آواها هي وطرد شرفها. . .

стр. 9859

وذلك بخلاف الدين، فإنه قائم على منع الجريمة، وإبطال أسبابها؛ فهو في أمر المرأة يلزم الرجل واجبات، ويلزم المجتمع واجبات غيرها، ويلزم الحكومة واجبات أخرى. فأما الرجل فينبغي له أن يتزوج، ويتحصن، ويغار على المرأة، ويعمل لها؛ وأما المجتمع فيجب عليه أن يتأدب، ويستقيم، ويعين الفرد على واجبات الفضيلة، ويتدامج، ويشد بعضه بعضاً؛ وأما الحكومة فعليها أن تحمي المرأة فتعاقب على إسقاطها عقاب الموت والألم والتشهير، لتقيم من الثلاثة حراساً جبابرة، من لا يخش الله خشيها. فليس يمكن أبداً أن يكون في ديننا موضع غلطة تسقط فيه المرأة قال الأستاذ (ح): صدقت، فالحقيقة التي لا مِراء فيها أن فكرة الفجور فكرة قانونية. وما دام القانون هو أباحها بشروط فهو هو الذي قررها في المجتمع بهذه الشروط، ومن هذا التقرير يقدم عليها الرجل والمرأة كلاهما على ثقة واطمئنان. ومن ثم تأتي الجرأة على اندفاع الناس إلى ما وراء حدود القانون؛ ومن هذا الاندفاع تأتي الساقطة بآخر معانيها وأقبح معانيها وتقرير سيادة المرأة في الاجتماع الأوربي وتقديمها على الرجال والتأدب معها، كل ذلك يجعل جراءة السفهاء عليها جراءة متأدبة حتى كأن المتحكك منهم في امرأة يقول لها: من فضلك كوني ساقطة. . . أما هنا فجراءة السفهاء جراءةٌ وقحةٌ معاً، وذلك هو سرُّها القانون كأنما يقول للرجال: احتالوا على رضا النساء فإن رضين الجريمة فلا جريمة، ومن هذا فكأنه يعلمهم أن براعة الرجل الفاسق إنما هي في الحيلة على المرأة وإيقاظ الفطرة في نفسها بأساليب من الملق والرياء والمكر تتركها عاجزة لا تملك إلا أن تذعن وترضى. وبهذا ينصرف كل فاجر إلى إبداع هذه الأساليب التي تطلق تلك الفطرة من حيائها، وتخرجها من عفتها (تطبيقاً للقانون). . . ولا سيادة في اجتماعنا للمرأة، ولكن القانون جعلها سيدة نفسها، وجعلها فوق الآداب كلها، وفوق عقوبة القانون نفسه إذا رضيت؛ إذا رضيت ماذا. . .؟ قلت: فإذا كان القانون هنا في مسألتنا هذه يعدل بالظلم، ويحمي الفضيلة بإطلاق حرية الرذيلة، فهو إنما يفسد الدين؛ ويصرف الناس عن خوف الله إلى خوف ما يخاف من الحكومة وحدها. وبهذا لا يكون عمله إلا في تصحيح الظاهر من الرجل والمرأة، ويدع

стр. 9860

الباطن يسر ما شاء من خبثه وحيلته وفساده، فكأنه ليس قانوناً إلا لتنظيم النفاق وإحكام الخديعة. فلا جرم كان قانوناً لحالة الجريمة لا للجريمة نفسها، فإذا أخذت المرأة ملاينة ورضى فهذا فجور قانوني. . . وإن كانت الملاينة هي عمل الحيلة والتدبير، وإن كان الرضى هو أثر الخداع والمكر، وإن ضاعت المرأة وسقطت وذهب شرفها باطلاً وألحقه الناس بما لا يكون من توبة إبليس فلا يكون أبداً. أما إذا أخذت مكارهة وغصباً، فهذه هي الجريمة في القانون؛ ويسميها القانون جريمة الاعتداء على العرض، وهي بأن تسمى جريمة العجز عن إرضاء المرأة أحق وأولى على أن المسكينة لم تؤخذ في الحالتين إلا غصباً ولكن اختلفت طريقة الرجل الغاصب، فإن كلتا الحالتين لم تتأدَّ بالمرأة إلا إلى نتيجة واحدة هي إخراجها من شرفها، وحرمانها حقوق إنسانيتها في الأسرة، وطردها وراء حدود الاعتبار الاجتماعي، وتركها ثمة مخلاة لمجاري أمورها، فلا يتيسر لها العيش إلا من مثل ذلك الرجل الفاجر، فلا تكون لها بيئة إلا من أمثاله وأمثالها كما يجتمع في الموضع الواحد أهل المصير الواحد على طريقة القطيع في المجزرة. . . . فقالت هي: الحق أن هذه الجريمة أولها الحب؛ وهي لا تقع إلا من بين نقيضين يجتمعان في المرأة معاً: كبر حبها إلى ما يفوت العقل، وصغر عقلها إلى ما ينزل عن الحب. والمرأة تظل هادئة ساكنة رزينة حتى تصادفها اللحاظ النارية من العين المقدرة لها فلا يكون إلا أن تملأها لهباً. ولتكن المرأة من هي كائنة فإنها حينئذ كمستودع البارود يهول عظمه وكبره، وهو لا شيء إذا اتصلت به تلك الشرارة المهاجمة وليست حراسة المرأة شيئاً يؤبه له أو يعتد به أو يسمى حراسة، إلا إذا كانت كالتحفظ على مستودع البارود من النار؛ فيستوي في وسائلها الخوف من الشرارة الصغيرة والفزع من الحريق الأعظم، فيحتاط لاثنيهما بوسائل واحدة في قدر واحد واعتبار واحد وإذا تركت المرأة لنفسها تحرسها بعقلها وأدبها وفضلها وحريتها، فقد ترك لنفسه مستودع البارود تحرسه جدرانه الأربعة القوية. . . . والرجال يعلمون أن للمرأة مظاهر طبيعية من الخيلاء والكبرياء والاعتداد بالنفس والمباهاة بالعفة؛ ولكن هؤلاء الرجال أنفسهم يعلمون كذلك أن هذا الظاهر مخلوق مع المرأة كجلد

стр. 9861

جسمها الناعم، وأن تحته أشياء غير هذه تعمل عملها وتصنع البارود النسائي الذي سينفجر. . . . قلت: إذا كان هذا فقبح الله هذه الحرية التي يريدونها للمرأة. هل تعيش المرأة إلا في انتظار الكلمة التي تحكمها بلطف، وفي انتظار صاحب هذه الكلمة؟ قالت: إن هذا حق لا ريب فيه، وأوسع النساء حرية أضيعهن في الناس؛ وهل كالمومس في حريتها في نفسها؟ ولكن يا شؤمها على الدنيا. إنها هي بعينها كما قلت أنت حرية المخلوق الذي يترك حراً كالشريد لتجرِّب فيه الحياة تجاريبها المؤلمة. وماذا في يد المرأة من حرية هي حرية القدر فيها؟ قلت: ولهذا لا أرجع عن رأيي أبداً، وهو أنه لا حرية للمرأة في أمة من الأمم إلا إذا شعر كل رجل في هذه الأمة بكرامة كل امرأة فيها، بحيث لو أهينت واحدة ثار الكل فاستقادوا لها، كأن كرامات الرجال أجمعين قد أهينت في هذه الواحدة. يومئذ تصبح المرأة حرة، لا بحريتها هي، ولكن بأنها محروسة بملايين من الرجال. . . . فضحكت وقالت: (يومئذٍ) هذا اسم زمان أو اسم مكان. . . .؟ قال الأستاذ (ح): ولكنا أبعدنا عن قصة هذه الحياة، ما كان أولها؟ قالت: إن الشبان والرجال علمٌ يجب أن تعلمه الفتاة قبل أوان الحاجة إليه. ويجب أن تقرَّ في ذهن كل فتاة أن هذه الدنيا ليست كالدار فيها الحب، ولا كالمدرسة فيها الصداقة، ولا كالمحل الذي تبتاع منه منديلاً من الحرير أو زجاجة من العطر فيه إكرامها وخدمتها وأساس الفضيلة في الأنوثة الحياء. فيجب أن تعلم الفتاة أن الأنثى متى خرجت من حيائها وتهجمت، أي توقحت، أي تبذلت، استوى عندها أن تذهب يميناً أو تذهب شمالاً، وتهيأت لكل منهما ولأيهما اتفق. وصاحبات اليمين في كنف الزوج وظل الأسرة وشرف الحياة. وصاحبات الشمال ما صاحبات الشمال. . . . .؟ قلت: هذا هذا؛ إنه الحياء، الحياء لا غيره. فهل هو إلا وسيلة أعانت الطبيعة بها المرأة لتسمو على غريزتها متى وجب أن تسمو فلا تلقى رجلاً إلا وفي دمها حارس لا يغفل. وهل هو إلا سلب جمعته الطبيعة إلى ذلك الإيجاب الذي لو انطلق وحده في نفس المرأة

стр. 9862

لاندفعت في التبرج والإغراء وعرض أسرار أنوثتها في المعرض العام. . . .؟ قالت: ذاك أردت، فكل ما تراه من أساليب التجميل والزينة على وجوه الفتيات وأجسامهن في الطرق، فلا تعدنه من فرط الجمال بل من قلة الحياء واعلم أن المرأة لا تخضع حق الخضوع في نفسها إلا لشيئين: حيائها وغريزتها قلت: يا عجباً! هذا أدق تفسير لقول تلك المرأة العربية: تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها. فإن اختضعت المرأة للحياء كفت غريزتها قالت: وجعلها الحياء صادقة في نفسها وفي ضميرها، فكانت هي المرأة الحقيقية الجديرة بالزوج والنسل وتوريث الأخلاق الكريمة وحفظها للإنسانية قلت: ومن هذا يكون الإسراف في الأنوثة والتبرج أمام الرجال كذباً من ضمير المرأة قالت: ومن أخلاقها أيضاً. ألا ترى أن أشد الإسراف في هذه الأنوثة وفي هذا التبرج لا يكون إلا في المرأة العامة. . .؟ قلت: والمرأة العامة امرأة تجارية القلب. فكأن المسرفة في أنوثتها وتبرجها، هذه سبيلها فهي لا تؤمن على نفسها قالت: قد تؤمن على نفسها، ولكنها أبداً مومس الفكر في الرجال فيوشك ألا تؤمن. وهي رهن بأحوالها وبما يقع لها، فقد يتقدم إليها الجريء وقد لا يتقدم، ولكنها بذلك كأنها معلنة عن نفسها أنها (مستعدة ألا تُؤْمَن). . . . قال (ح): لكن يقال إن المرأة قد تتبرج وتتأنث لترى نفسها جميلة فاتنة، فيعجبها حسنها، فيسرها إعجابها قالت: هذا كالقول إن أستاذ الرقص الذي رأيته هنا، ينظر إلى نفسه كما ينظر رجل إلى راقصة تتأود وتهتز وتترجرج. إن هذا الرقاص فيه الحركة الفنية كما هي حركة ليس غير؛ فهو كالميزان أو القياس أو أي آلات الضبط. أما فتنة الحركة وسحرها ومعناها من المرأة الفاتنة في وهم الرجل المفتون بها؛ فهذا كله لا يكون منه شيء في أستاذ الرقص وإن كان أستاذ الرقص إن أجمل امرأة تبصق بفمها على وجهها في المرآة، إذا محي الرجل من ذهنها، أو لم يطل بعينيه من وراء عينيها، أو لم تكن ممتلئة الحواس به، أو بإعجابه، أو بالرغبة في إعجابه.

стр. 9863

فمهما يكن من جمال هذه فإنها لا ترى وجهها حينئذ إلا كالدنيا إذا خلت من العدل. . . قلت: ولكنا أبعدنا عن (قصة هذه الحياة ما كان أولها؟) قالت: سأفعل ذلك لموضعك عندي. إن قصتي في الفصل الأول منها هي قصة جمالي؛ وفي الفصل الثاني هي قصة مرض العذراء؛ وفي الفصل الثالث هي قصة الغفلة والتهاون في الحراسة؛ وفي الفصل الرابع هي قصة انخداع الطبيعة النسوية المبنية على الرقة وإيجاد الحب وتلقيه والرغبة في تنويعه أنواعاً للأهل والزوج والولد؛ ثم في الفصل الخامس هي قصة لؤم الرجل. كان محباً شريفاً يقسم بالله جهد أيمانه، فإذا هو كالمزور والمحتال واللص وأمثالهم ممن لا يعرفون إلا بعد وقوع الجريمة. ثم سكتت هنيهة، فكان سكوتها يتم كلامها. . . وقال (ح): فما هو مرض العذراء الذي كان منه الفصل الثاني في الرواية؟ قالت: كل عذراء فهي مريضة إلى أن تتزوج؛ فيجب أن يعلمها أهلها أن العلاج قد يكون مسموماً؛ وينبغي أن يحوطوها بقريب من العناية التي يحاط المريض بها، فلا يجعل ما حوله إلا ملائماً له، ويمنع أشياء وإن أحبها ورغب فيها، ويكره على أشياء وإن عافها وصدف عنها قال (ح): فيكون القانون الاجتماعي تصديقاً للقانون الديني من أن الذكورة هي في نفسها عداوة للأنوثة، وأن كل رجل ليس ذا رحم محرم يجب أن يكون مرفوضاً إلا في الحالة الواحدة المشروعة وهي الزواج قالت: فتكون المشكلة الاجتماعية هي: من ذا يرغم الذكورة على هذه الحالة الواحدة المشروعة كيلا تضيع الأنوثة؟ قال: ولكن إذا كان سقوط الفتاة هو جناية (الزواج المزور) فما عسى أن يكون سقوط بعض المتزوجات؟ قالت: هو جناية (الزواج المنقح). . . . تريد أنفسهن الخبيثة تنقيح الزوج؛ والمومسات أشرف منهن إذ لا يعتدين على حق ولا يخن أمانة ورف على وجهها في هذه اللحظة شعاع من الشمس كان على جبينها كصفاء اللؤلؤ، ثم تحول على خدها كإشراق الياقوت؛ ورأتني أتأمله فقالت: أنا منتشية بحظي في هذه

стр. 9864

الساعات؛ وهذا الشعاع إنما جاء يختم نورها ثم كانت السخرية العجيبة أنها لم تتم كلمة النور حتى جاء حظها الحقيقي من حياتها. . . . وهو رجل يتحظَّاها؛ فلما أخذته عينها ابتسمت له ابتساماً من الذل لو لم تجعله هي ابتساماً لكان دموعاً. ثم وقفت وما تتماسك من الهم، كأنها تمثال (للجمال البائس). ثم سلّمت وودعت. وبعد (واواتٍ) أخرى. . . مشت ساكنة ومرآها يضج ويبكي فوداعاً يا أوهام الذكاء التي تلمس الحقائق بقوة خالقة تزيد فيها! ووداعاً يا أحلام الفكر التي تضع مع كل شيء شيئاً بغيره! ووداعاً يا حبها. . . . . . . . . . . . . (طنطا) مصطفى صادق الرافعي

стр. 9865

أحلام السلام وكيف انهارت في خمسة عشر عاماً؟ للأستاذ محمد عبد الله عنان كان حلماً لم يطل أمده أكثر من خمسة عشر عاماً؛ ذلك هو حلم السلام الذي توهمت أوربا وتوهم العالم أنه سينعم في ظله حقبة من الزمن تكفي لبرء ما أثخنه من جراح، وما أصابه من استنفاد وتخريب وتحطيم. وقد لاح للإنسانية مدى حين أنها تستقبل عصراً جديداً من السلام والإخاء الدولي والتفاهم الحسن، واعتقدت الشعوب مدى حين أن قيام عصبة الأمم، وعقد مواثيق التحكيم، والتبشير بنزع السلاح، إنما هي عناصر جديدة في بناء العالم الجديد، وإنها الدعائم الأولى لصرح سلام جديد لا تزعزعه الشهوات القومية والنزعات الحربية؛ واستمر هذا الحلم يسطع حيناً ويخبو حيناً، زهاء عشرة أعوام، وبلغ ذروة قوته وروعته حينما عقد ميثاق تحريم الحرب الأمريكي، ونص فيه على أن الحرب قد حرمت كأداة للسياسة القومية، وتعهدت الدول بألا تلجأ في تسوية منازعاتها لغير التفاهم والتحكيم ولكن حلم السلام تبدد فجأة، فرفعت عصبة الأمم قناعها المموه، وانهار مؤتمر نزع السلاح، وظهر أن ميثاق تحريم الحرب لم يكن أكثر من قصاصة ورق، واختفت أصوات الساسة الذين يستظلون بأحاديث السلام، وعلت كلمة الداعين إلى التسليح، وإلى تحطيم المعاهدات القديمة، وإلى الانتصاف القومي، وإلى تحقيق المطامع الاستعمارية. ولم يكن هذا التحول مفاجأة لأولئك الذين يعرفون سير التاريخ، ويستشفون طرف الحقيقة من وراء المظاهر الخادعة، ولكنه كان بالطبع مفاجأة أليمة للشعوب الآمنة التي ما زالت تحتمل على كاهلها كل عبء وكل تضحية في سبيل الشهوات السياسية والقومية، والتي ما زالت ترتجف فرقاً لذكريات الحرب الكبرى كان مؤتمر الصلح الذي عقد في فرساي بين مارس ويونيه سنة ١٩١٩، أعظم مؤتمر دولي شهده التاريخ، وكانت معاهدة الصلح التي تمخض عنها هذا المؤتمر أعظم معاهدة عقدت بين الأمم، وأوسعها مدى، وأبعدها أثراً في سير التاريخ وفي تغيير أوضاع العالم الحديث؛ بل كانت معاهدة فرساي في الواقع دستوراً جديداً للعالم، تغير كثيراً من معالمه الجغرافية والتاريخية، وتقرر حدوداً جديدة، وتنشئ أمماً ودولاً جديدة، وتقضي على أمم ودول أخرى

стр. 9866

بالاختفاء من خريطة أوربا. ولم يكن ذلك لأن هذه الدول الجديدة أكثر حقاً في الحياة من الدول المختفية، أو لأن قيامها يكون أكثر تحقيقاً للعدالة الدولية وسير التاريخ، ولكن لأن قيامها يحقق شهوات عسكرية وسياسة للدول الظافرة، ولأن اختفاء الأمم القديمة يقضي على وحدات سياسية وعسكرية ضخمة كانت تخشاها الدول الظافرة. وقد عرف التاريخ الحديث كثيراً من هذه المعاهدات والمؤتمرات الدولية الكبرى التي كانت تغير معالم أوربا، وتفتتح في تاريخها عصراً جديداً، فمعاهدة وستفاليا التي اختتمت بها حرب الثلاثين في سنة ١٦٤٨، ومؤتمر فينا الذي عقد في سنة ١٨١٤ لتسوية المشاكل والتغييرات التي أحدثتها الحروب النابوليونية، ومؤتمر برلين الذي عقد على أثر الحرب التركية الروسية (سنة ١٨٧٨)، والذي أسفر عن تمزيق الدولة العثمانية القديمة، وسلخ معظم أملاكها الأوربية، كلها أمثلة من هذه المؤتمرات الشهيرة الحاسمة ذات الأثر البعيد في مصاير التاريخ والأمم؛ ولكن مؤتمر فرساي كان أعظمها جميعاً وأبعدها أثراً وقد ظن العالم بعد أن شهد مصائب الحرب وويلاتها المروعة مدى أربعة أعوام، إنه يستطيع أن يعتصم من خطر الحرب بدروسها وعبرها الأليمة، وإن ما لقيته من فظائعها وأهوالها في هذه الفترة السوداء من تاريخ الإنسانية، كفيل بأن يزهدها في الحرب وخوضها أمداً طويلاً؛ وقامت عصبة الأمم لتكون أداة صلح وتفاهم بين الدول المتنازعة، ونظم مؤتمر نزع السلاح ليعمل على تحديد التسليح إلى الحد الذي يتفق مع السلامة القومية، وعقد ميثاق لوكارنو ليكون دعامة في صرح التفاهم بين أعداء الأمس، ولقرب ما بين فرنسا وألمانيا، وعقدت بين مختلف الدول مواثيق بعدم الاعتداء، وكللت دعوة السلام بعقد ميثاق تحريم الحرب، وغمرت صيحة السلام والتفاهم جو السياسة العالمية مدى حين؛ ولكن هذه المظاهر الخلابة لم تك إلا ستاراً خادعاً تضطرم من ورائه ضرام الأحقاد والمنافسات القومية الخالدة؛ فقد كانت الأمم الظافرة والمغلوبة معاً تجد في مضاعفة تسليحها وأهبتها العسكرية، وكانت المعاهدات والمحالفات السرية تعقد كما كانت تعقد من قبل، وتؤلف من الدول جماعات وكتل خصيمة مثلما كانت بالأمس؛ وكانت عصبة الأمم أثناء ذلك تنحدر شيئاً فشيئاً إلى أداة لينة في يد الدول الكبرى توجهها لتحقيق مآربها السياسية أو الاستعمارية؛ وهكذا وقف العالم فجأة على الحقيقة المرة، وهي أن هذه الخمسة عشر عاماً

стр. 9867

التي انقضت على خاتمة الحرب الكبرى لم تكن إلا فترة استعداد واستجمام، تستعيد فيها الدول نشاطها وتنظم اهباتها ومواردها، تحفزاً لحرب أخرى وكما أن الحرب الكبرى كانت فورة المطامع والأهواء الاستعمارية والمنافسات التجارية والصناعية، فكذلك ستكون حرب الغد؛ وقد ظهرت بوادرها الأولى، بل لقد أضرمت شرارتها الأولى بذلك الهجوم البربري الذي نظمته إيطاليا عن عمد وسبق إصرار لغزو الحبشة؛ وليس في تاريخ الاستعمار كله اعتداء دبر بمثل هذا الإصرار الآثم والصراحة المثيرة، وإن كان تاريخ الاستعمار كله يقوم على العدوان والجريمة؛ وهذه الشرارة التي تضرمها إيطاليا الفاشستية تسطع الآن في أرجاء أوربا، وقد يندلع لهيبها بين آونة وأخرى؛ ولكن إيطاليا الفاشستية تتحدى أوربا كلها والعالم كله، ولن يضيرها أن تضطرم أوربا غداً بنار حرب عامة؛ ذلك أنها تذهب بعيداً في الاعتداد بقوتها واستعدادها وما تثيره فكرة الحرب من الذعر والروع، وقد أخذت بنفس الأحلام القيصرية التي أخذت بها العسكرية البروسية في الحرب الكبرى. ولقد كانت الفاشستية منذ قيامها بالنسبة للمثل الإنسانية العليا عاملاً من عوامل الدمار والهدم، فقد هدمت صرح الديموقراطية والنظم الحرة والكرامة الفردية ومبادئ العدالة الخالدة، وجعلت من الشعب كتلة مصفدة مسوقة، تدفعها إرادة الطغيان المسلح إلى حيث لا تعلم ولا تبغي؛ والفاشستية تنزع بطبيعتها إلى العنف والعدوان ولا تعتمد إلا على القوة الهمجية، كما أنها لا تخضع لغير هذه القوة؛ وهي تجوز الآن في إيطاليا - وفي ألمانيا - ذروة تجاربها ومغامراتها؛ وسنرى ما إذا كان هذا الاندفاع الدموي الذي تصوره عقلية الفاشستية العنيفة في صور العظمة والمجد القيصري، سيغدو قبراً للفاشستية أم سيحقق شيئاً من مطامعها وأحلامها وهكذا تطورت فكرة الحرب والسلام بسرعة، وعادت فكرة الحرب كأداة للسياسة القومية تتخذ مكانتها الخالدة في تفكير الأمم القوية؛ ولم تكن فكرة السلام العام سوى حلم وخدعة، استظلت بها الدول الظافرة حتى تستر نصرها وتفوقها المسلح، واستظلت بها الدول المغلوبة حتى تستأنف استعدادها وتسلحها؛ ولم يكن من المعقول أن يبقى الظافر متغلباً إلى الأبد، ولم يكن من الممكن أن يبقى المغلوب ضعيفاً مهيضاً إلى الأبد؛ والآن نجد أعداء الأمس - الغالب والمغلوب - وجهاً لوجه، يلوح كل منهما بقوته واستعداده، ويفصح عن

стр. 9868

مطامعه وغاياته التي كان يسترها بالأمس لضعف في أهبته؛ نرى ألمانيا بعد أن استعادت حريتها في التسليح وأخذت تستأنف أهبتها العسكرية، تطالب بتعديل حدودها واسترداد مستعمراتها؛ ونرى فرنسا تعمل بكل ما وسعت لمضاعفة أهباتها وتوطيد الجبهة التي حشدتها ضد ألمانيا، ونراها لا تحجم في هذا السبيل عن مناصرة إيطاليا في مشروعها الدموي لافتراس الحبشة، لكي تستبقي صداقتها وعونها ضد ألمانيا في الغد المرتقب، ونرى حمى الحرب تسري إلى جميع أرجاء أوربا، والدول جميعاً تأخذ أهبتها لمعركة عامة لم يبق على نشوبها إلا مسألة زمنية، وقد تنشب في أية لحظة في أسابيع أو أشهر قلائل والخلاصة أن العالم، بعد أن تبدد حلم السلام الزائف يجد نفسه في نفس الحالة النفسية والواقعية التي كانت في سنة ١٩١٤؛ وبعد أن كان حديث الحرب قبل عامين أو ثلاثة يعتبر مسألة بغيضة بعيدة الاحتمال، إذا بشبح الحرب الأوربية يحلق في الأفق واضحاً قوي النذير، وليس من ريب في أن الفاشستية تحمل كثيراً من تبعة هذا التطور الدولي الخطر؛ ولقد كان انهيار الديموقراطية في إيطاليا وألمانيا وغيرهما محنة بعيدة الأثر؛ ذلك أن الديموقراطية أكثر إيماناً بمبادئ السلام والإنسانية؛ وأما الفاشستية وزعامتها الغاشمة فلا تؤمن إلا بالقوة العنيفة، ولا تؤمن بحق الفرد أو الأمة، ولا تسيرها سوى العوامل والشهوات الحزبية والمذهبية الضيقة؛ وقد عملت الفاشستية باستمرار على إذكاء الأحقاد الجنسية والقومية، وعلى إضرام روح العدوان والحرب، وإضرام المطامع والمنافسات القديمة التي كانت من أكبر العوامل في إثارة الحرب الكبرى، فهي اليوم تحمل أكبر تبعة في خلق هذه العقلية العسكرية المتحفزة التي تعمل لإشعال نار الحرب بكل ما وسعت من جرأة واستهتار بكل مبادئ الحق والسلام إن التاريخ يعيد نفسه بصورة واضحة؛ ولقد كانت القوة وما زالت خلال العصور عماد السياسة القومية؛ وليس التاريخ كله سوى مراحل متعاقبة من نضال قومي لا تفوَّق فيه لغير القوة الغاشمة، ولم يتقدم العالم خطوة في هذا المعنى عما كان عليه في العصور الوسطى؛ ولقد كان ممكناً أن تكون عصبة الأمم ومبادئها رمزاً للتقدم في تقدير الحقوق القومية والسلام العالمي، لو لم تعرض العصبة منذ بدايتها لتأثير نفس الأهواء بوسائل وأسماء أخرى،، ولو لم تنابذها دول قوية كاليابان وألمانيا، لأنها لم تستطع أن تؤثر في توجيهها؛

стр. 9869

وهاهي ذي عصبة الأمم تواجه قدرها المحتوم، فإما أن تستطيع بكثير من الشجاعة والجرأة أن تضرب على أيدي أولئك الذين عبثوا بمبادئها واجترأو على تعكير السلم، وأن تنفذ ما اتخذته أخيراً من القرارات الحازمة، وعندئذ تسترد كل ما فقدت من هيبة، وترد إلى الشعوب الضعيفة شيئاً من الأمل، وكثيراً من الثقة؛ وإما أن يخونها التوفيق مرة أخرى، فينهار آخر حجر في صرح التفاهم الدولي، وتنطلق الشهوات القومية من عقالها سريعة لا تلوي على شيء، وعندئذ يضطرم العالم مرة أخرى بضرام حرب يعلم الله وحده مداها ومبلغ هولها وروعتها محمد عبد الله عنان

стр. 9870

فريزر ودراسة الخرافة للدكتور إبراهيم بيومي مدكور مدرس الفلسفة بكلية الآداب تتمة تخير فريزر أربعة من النظم الاجتماعية ليبين ما للخرافة من أثر في نشأتها وتكوينها. وهي: الحكومة، والملكية الفردية، والزواج، واحترام الحياة الإنسانية. فأثبت في وضوح أن الخرافة ساعدت على تأييد الحكومة وبسط نفوذها، وكانت عاملاً قوياً من عوامل الأمن والنظام. وثبتت كذلك دعائم الملكية الشخصية وصيرتها مقدسة بحيث أصبحت في مأمن من السلب والعدوان، واستطاع أصحابها أن ينتفعوا بها تمام الانتفاع. وحاربت الزنا والزناة فدفعت الناس إلى الزواج وحببتهم في الحياة الأسرية. ثم صورت الخرافة أخيراً الموتى والقتلى في صورة أشباح عظيمة الهول وأرواح تنتقم ممن اعتدى عليها، فكان في هذا ما صرف الناس عن سفك الدماء ودفعهم إلى احترام الحياة الإنسانية؛ وهذه النظم الأربعة هي عماد البناء الاجتماعي بأسره، إذا اضطرب واحد منها اضطربت له الجمعية كلها. فكأن الخرافة لم تؤثر في بعض النظم الاجتماعية فحسب، بل أثرت في عناصر الحضارة والتقدم على اختلافها. هي شر جاء من طريقه خير كثير، وخطأ في ذاتها إلا أنها هدت الناس إلى صواب عظيم. وليس يعني الجمعية أن تكون مدفوعة إلى الخير ببواعث خيرة بقدر ما يعنيها أن تصل إلى هذا الخير من أي طريق كان وكيفما كانت الدوافع. والأفراد أنفسهم لا يخرجون عن هذا القانون ولا يتعدون هذا النظام، إذ ما دامت أعمالنا طيبة، فليس يعني الغير كثيراً أن تكون نوايانا صالحة. ولئن ملأت الخرافة أدمغة الناس بخزعبلات لا حصر لها وقادتهم إلى أخطر الويلات، لمن الظلم أن ننسى أياديها في الترفيه عن الإنسانية والدفاع عن المجتمع. وكفاها إحساناً أنها هيأت للعجزة، والضعفاء، والجهلة، وناقصي العقول وسيلة من وسائل العمل الصالح وسلكت بهم سبل الخير. فهي كالعود قد ينقذ غريقاً، أو كالفنار الضئيل الذي، وإن لم يتجاوز ضوءه ظله، يهدي كثيراً من المارة وعابري السبيل

стр. 9871

تابعنا فريزر في المقالات السابقة، وسرنا وراءه خطوة خطوة رجاء أن نعرض صورة كاملة من آرائه وأبحاثه. وعلّ القارئ قد تبين في هذه الصورة غزارة مادة العالم الإنجليزي وسعة إطلاعه وتمكنه من موضوعه. فهو لا يكتفي بأن يدرس ظاهرة من الظاهر الاجتماعية لدى قبيلة أو شعب أو طائفة، وإنما يستقري الشعوب ويتتبع الجمعيات على اختلافها: فمن زنوج إفريقية إلى هنود أمريكا، ومن متوحشي استراليا إلى سكان الهند والصين، ومن القبائل الهمجية إلى الأمم المتحضرة، ومن العصور القديمة إلى التاريخ المتوسط والحديث. تشهد أمثلته، فوق غزارتها، وحسن اختيارها، بدقة الملاحظة والتعمق في البحث. هذا إلى خيال رائع، وأسلوب جذاب، وأحكام متواضعة لا زهو فيها ولا ادعاء، ولا مبالغة، ولا تهويل، قد أملتها دراسة هادئة، واستنبطتها عقلية متزنة. ويكفي للبرهنة على ذلك أن نسرد الفقرة التالية التي ختم بها فريزر بحثه إذ يقول: (هاكم، سيداتي وسادتي، دفاعي عن الخرافة الذي قد يعرض تخفيفاً عن هذا المتهم الساقط حين يقف بين يدي القضاة، ومع هذا سيحكم عليه بالإعدام لا محالة؛ غير أن هذا الحكم لن ينفذ في جيلنا الحاضر، وسيبقى موقوف التنفيذ إلى أجل بعيد. وما أنا إلا محام - لا خصم - يتقدم إليكم الليلة. وقد كانت محكمة أثينا العليا لا تقضي في الجنايات إلا ليلاً، لهذا تخيرت الليل للدفاع عن سلطان الظلام. والآن، ونحن في ساعة متأخرة، يجدر بي أن أختفي مع موكلي الأشأم قبل أن يصيح الديك، ويبدو ضوء الفجر الرمادي في الأفق) وفي دراسة فريزر للخرافة ناحية أخرى جديرة بالتقدير، ذلك أنه أخذ على عاتقه نصرة قضية يتبادر إلى الذهن بطلانها. يكاد يجمع الناس على أن الخرافة مبعث شر ومثار فتنة؛ ويأبى فريزر إلا أن يخرج على هذا الإجماع معلناً أن في باطن هذا الشر خيراً عظيماً وأن الخرافة أساس النظم الاجتماعية الهامة. وقد نجح نجاحاً كبيراً في إثبات دعواه والبرهنة على ما كان يرمي إليه. بيد أنه لا يفوتنا أن نلاحظ أن ما يسميه فريزر خرافة هو في رأى معتنقيه دين وعقيدة. فالهمجي يخضع للملوك والحكام خضوع الموقن بسلطانهم الخارق للعادة وهيبتهم الصادرة عن السماء، ويؤمن بأن مال سيده ورئيسه مقدس فلا يمسه بسوء، ويعتقد أن الزنا مجلبة للصواعق والجدب والقحط فلا يقربه، ويخشى الأرواح والأشباح خشية الواثق من وجودها فلا يقتل نفساً ولا يسفك دماً. ولو خالجه الشك يوماً في هذه

стр. 9872

المعتقدات ما انقاد لها، ولو جال بخاطره أنها تمت إلى الخرافة بصلة لنبذها نبذ النواة. نعم إن من الديانات ما هو حق ومنها ما هو باطل؛ ولكن الفكرة، صواباً كانت أم خطأ، متى اكتست بكساء الدين أضحت قوة هائلة وأثرت في المجتمع تأثيراً نافعاً. ولو لم يكن للأديان إلا هذا النفوذ في قيادة الشعوب والتأثير في الجماهير لكفى في نصرتها والاستمساك بها ونستطيع أن نأخذ على فريزر - فوق هذا - عنايته بالأمثلة وتعلقه بالحوادث الجزئية أكثر من بحثه عن القواعد الشاملة والقوانين العامة. وهذا نقد يصدق على مدرسة الاجتماع الإنجليزية الحديثة بأسرها التي قامت أعمالها أولا وبالذات على الرحلة والمشاهدة دون أن تعير النظريات والضوابط اهتماماً كبيراً، وقد جارها فريزر في هذا التيار. انظر أي كتاب من كتب سبنسر أو وسترمرك أو تيلور الاجتماعية مثلاً تجد أنك تنتقل من مشاهدة إلى مشاهدة ومن مثال إلى آخر، وقل أن تظفر بقضية عامة أو أصل ثابت. نحن لا ننكر أن هذه الطريقة أفادت علم الاجتماع مادة غزيرة وثروة طائلة، إلا أن هذه المادة لم تهيأ بعد للتغذية، وهذه الثروة لما تستثمر. هي مادة أولية (خام)، إن صح هذا التعبير، في حاجة إلى من يستخلص منها روحها وما حوت من أسرار. وقد فطن علماء الاجتماع الفرنسيون - وهم أبعد الناس عن السفر وأرغبهم عن الرحلة - إلى هذا النقص فكملوه، واستغلوا التجارب والمشاهدات الإنجليزية استغلالاً حسناً، وصاغوا المعلومات الاجتماعية في القوالب العلمية الحق. فإذا كان علم الاجتماع مديناً لرحالة الإنجليز والأمريكان بما فيه من مشاهدات جزئية وحوادث واقعية، فإن الفضل في كثير من نظرياته وقوانينه يرجع إلى المدارس الفرنسية ومهما يكن فهناك نقطتان هامتان نخرج بهما من أبحاثنا السابقة في الخرافة، أولاهما خاصة بمصر والشرق في جملته، وتتلخص في أنه يسود هذه الديار قدر وفير من الخرافات أشرنا إليها سلفاً. فالخرافة متوغلة في كثير من معتقداتنا وعباداتنا، في عاداتنا وتقاليدنا، في آرائنا وأفكارنا. وليس معنى هذا أن أوربا خالية من أية خرافة؛ كلا فللغرب خرافات كما للشرق، والجمعيات على اختلافها لا تستطيع أن تتخلى عن مجموعة من الخرافات ترى فيها غذاء لميولها وأحلامها. ولكن مما لا شك فيه أن الخرافة وجدت بين ظهرانينا مرتعاً خصيباً فنمت وترعرعت. وما أجدرنا بأن ندرس خرافاتنا لنعرف أصلها ونشأتها وصلتها

стр. 9873

بالخرافات العالمية الأخرى؛ وبذا نستطيع معالجتها أو مطاردتها والتخلص منها. فخرافة (الزار) مثلاً ظاهرة اجتماعية تتطلب دراسة تاريخية مقارنة فيها كثير من بواعث السرور ووسائل التشويق. وما تخيرنا الخرافة بين الأبحاث الاجتماعية الكثيرة إلا لنلفت الأنظار إلى هذه الأرض الخصبة التي لم تستكشف وهذا العمل لم يبدأ فيه بعد وقد لاحظنا من قبل إجماع بعض القبائل على اعتناق خرافة ما؛ وفي هذا ما يؤذن أن للإنسانية، وإن تنوعت بتنوع البيئة والوسط، تراثاً عاماً يأخذه الخلف عن السلف؛ وأن الإنسان المتحضر ليس إلا صورة مهذبة للإنسان المتوحش. نحن في كثير من آرائنا وعادنا وتقاليدنا عالة على من كان قبلنا، بل تكاد تكون شخصيتنا ونظام تفكيرنا من صنع القرون الغابرة. فلندرس إذن النظم الاجتماعية على ضوء التاريخ إن كنا نريد فهمها على وجهها الصحيح، لا سيما ونحن مخدوعون غالباً بما ألفناه. فكثيراً ما يلبس الشيء في أعيننا لباس العقل والمنطق في حين أنه يعتمد على أساس خرافي وأصل ضعيف. وكم من عمل عادي فردي أو جمعي نقوم به اليوم دون أن نعيره أية أهمية في حين أنه كان بالأمس ذا صلة بعقيدة خاصة أو عبادة محترمة. وقد تنبه علماء الاجتماع المحدثون إلى هذا فشرحوا لنا أموراً ما كنا نفكر في سردها وتعليلها. وعلى الجملة فالإنسانية أشبه ما تكون بشجرة ممتدة الأغصان مترامية الأطراف قد مرت عليها عصور طويلة وأجيال كثيرة، ولا يمكن فهم طبيعتها وفصيلتها والمؤثرات في ثمرتها إلا إن بدأنا بجذورها الأولى وعرفنا كيف نمت وتكونت إبراهيم بيومي مدكور دكتور في الآداب والفلسفة

стр. 9874

العامية والعربية أيضاً ألفاظ صحيحة لم لا نستعملها؟ للأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني لما فتح العرب مصر لم تكن العربية لغة البلاد، وإنما كانت لغة القوم خليطاً من المصرية القديمة والإغريقية والرومانية وغيرها، ثم أخذت العربية تحل محل هذا المزيج، وبدأت مصر بعد رسوخ الإسلام فيها تساهم بحظ في النشاط الذي كانت بغداد مصدره، على خلاف الحال في إفريقية الشمالية، حيث كان انتشار العربية بطيئاً جداً، حتى أنه - إلى القرنين التاسع والعاشر - لم تكن ثم دائرة أدبية تستحق الذكر إلا في القيروان بتونس، على حين كانت مصر قد صارت في القرن التاسع مركزاً لمدرسة تاريخ مستقلة في العالم الإسلامي. ومما ساعد على رسوخ اللغة العربية في مصر ونجاتها من العوامل التي كانت تحدث أثرها في هذه اللغة في آسيا، دخول الفاطميين وقيام دولتهم في مصر، فقد كانوا أنصاراً للعلم والثقافة، ومن أجل آثارهم هذا الأزهر الذي ظل بعد خراب نظائره في أسيا أكبر جامعة إسلامية، ولا يزال كذلك إلى الآن؛ فلا عجب إذا كانت عامية مصر أصح من عاميات الأمم العربية الأخرى وأقرب إلى الفصيح وقد سقت أمثلة في فصل سابق، وإلى القراء طائفة أخرى من الألفاظ التي يتوهم الكثيرون أنها عامية، وهي صحيحة لا عيب فيها فمن ألفاظ الطعام والآكال وما إلى ذلك: النّشا - شيء يعمل به الفالوذج القطائف - دقيق يعجن قريباً من الميوعة ويخمر ويحشى بالفستق وما إليه ويقلى المُرَبَّي - معروفة القَرَاصيا - الثمر المعروف الزَّلَابْيَةُ - حلواء معروفة البَسيسة - دقيق يُلتُّ بالسمن ويؤكل ولا يطبخ، أو يطبخ الكُرُنب، أو الكَرْنَبُ، والقُنَّبيط (تلفظه العامة قرنبيط) والخس، واللفت، والفجل، والكراث، والإسفاناخ، والفول، والحمص، والباذنجان، والعدس، والثوم، والرّجلة، والشبث،

стр. 9875

والجرجير، والسلق، واللوبيا، والقلقاس، والكرفس، والقرفة، والدّارصيني، والقرنفل، والكراويا - وهي جميعاً معروفة قرّصت العجين - بسطته بالتقطيع لتجعله أرغفة الفرن - ما ينضج فيه الخبز الطابون - من طبن النار دفنها لئلا تطفأ، والموضع الطابون والعامة في مصر يؤنثون اللفظ الرُّقاق والكعك - معروفان قَشَشْتُ الشيء - أخذته بأجمعه التمطُّق بالشفتين - أن تحدث صوتاً وأنت تضمهما وتفتحهما الكوز - والجمع كيزان وأكواز المسعور - الحريص على الأكل الطبق - ما يؤكل عليه الرائب - اللبن إذا خثر الرُّوبة - الخميرة في اللبن مَخْضُ اللبن - أخذُك زبده تَجَبّن اللبن - صار كالجبن الحالوم - الجبن الطري العُلبة - معروفة زهمت يدك - صارت فيها رائحة الشحم، والزُّهومة، ريح اللحم السمين إذا أخذ يفسد ومن ألفاظ البيت التي يستعملها العوام وهي صحيحة: الدهليز - ما بين الباب والغرف الرُّواق - يستعمل في مصر للحجرة الكبيرة الواسعة الصحن - وسط الدار الرف - معروف الكنيف - المرحاض
следующие страницы →