Полный текст (65 431 стр.). Показаны 9871–9910 · переход к 9876.
стр. 9871
تابعنا فريزر في المقالات السابقة، وسرنا وراءه خطوة خطوة رجاء أن نعرض صورة كاملة من آرائه وأبحاثه. وعلّ القارئ قد تبين في هذه الصورة غزارة مادة العالم الإنجليزي وسعة إطلاعه وتمكنه من موضوعه. فهو لا يكتفي بأن يدرس ظاهرة من الظاهر الاجتماعية لدى قبيلة أو شعب أو طائفة، وإنما يستقري الشعوب ويتتبع الجمعيات على اختلافها: فمن زنوج إفريقية إلى هنود أمريكا، ومن متوحشي استراليا إلى سكان الهند والصين، ومن القبائل الهمجية إلى الأمم المتحضرة، ومن العصور القديمة إلى التاريخ المتوسط والحديث. تشهد أمثلته، فوق غزارتها، وحسن اختيارها، بدقة الملاحظة والتعمق في البحث. هذا إلى خيال رائع، وأسلوب جذاب، وأحكام متواضعة لا زهو فيها ولا ادعاء، ولا مبالغة، ولا تهويل، قد أملتها دراسة هادئة، واستنبطتها عقلية متزنة. ويكفي للبرهنة على ذلك أن نسرد الفقرة التالية التي ختم بها فريزر بحثه إذ يقول: (هاكم، سيداتي وسادتي، دفاعي عن الخرافة الذي قد يعرض تخفيفاً عن هذا المتهم الساقط حين يقف بين يدي القضاة، ومع هذا سيحكم عليه بالإعدام لا محالة؛ غير أن هذا الحكم لن ينفذ في جيلنا الحاضر، وسيبقى موقوف التنفيذ إلى أجل بعيد. وما أنا إلا محام - لا خصم - يتقدم إليكم الليلة. وقد كانت محكمة أثينا العليا لا تقضي في الجنايات إلا ليلاً، لهذا تخيرت الليل للدفاع عن سلطان الظلام. والآن، ونحن في ساعة متأخرة، يجدر بي أن أختفي مع موكلي الأشأم قبل أن يصيح الديك، ويبدو ضوء الفجر الرمادي في الأفق)
وفي دراسة فريزر للخرافة ناحية أخرى جديرة بالتقدير، ذلك أنه أخذ على عاتقه نصرة قضية يتبادر إلى الذهن بطلانها. يكاد يجمع الناس على أن الخرافة مبعث شر ومثار فتنة؛ ويأبى فريزر إلا أن يخرج على هذا الإجماع معلناً أن في باطن هذا الشر خيراً عظيماً وأن الخرافة أساس النظم الاجتماعية الهامة. وقد نجح نجاحاً كبيراً في إثبات دعواه والبرهنة على ما كان يرمي إليه. بيد أنه لا يفوتنا أن نلاحظ أن ما يسميه فريزر خرافة هو في رأى معتنقيه دين وعقيدة. فالهمجي يخضع للملوك والحكام خضوع الموقن بسلطانهم الخارق للعادة وهيبتهم الصادرة عن السماء، ويؤمن بأن مال سيده ورئيسه مقدس فلا يمسه بسوء، ويعتقد أن الزنا مجلبة للصواعق والجدب والقحط فلا يقربه، ويخشى الأرواح والأشباح خشية الواثق من وجودها فلا يقتل نفساً ولا يسفك دماً. ولو خالجه الشك يوماً في هذه
стр. 9872
المعتقدات ما انقاد لها، ولو جال بخاطره أنها تمت إلى الخرافة بصلة لنبذها نبذ النواة. نعم إن من الديانات ما هو حق ومنها ما هو باطل؛ ولكن الفكرة، صواباً كانت أم خطأ، متى اكتست بكساء الدين أضحت قوة هائلة وأثرت في المجتمع تأثيراً نافعاً. ولو لم يكن للأديان إلا هذا النفوذ في قيادة الشعوب والتأثير في الجماهير لكفى في نصرتها والاستمساك بها
ونستطيع أن نأخذ على فريزر - فوق هذا - عنايته بالأمثلة وتعلقه بالحوادث الجزئية أكثر من بحثه عن القواعد الشاملة والقوانين العامة. وهذا نقد يصدق على مدرسة الاجتماع الإنجليزية الحديثة بأسرها التي قامت أعمالها أولا وبالذات على الرحلة والمشاهدة دون أن تعير النظريات والضوابط اهتماماً كبيراً، وقد جارها فريزر في هذا التيار. انظر أي كتاب من كتب سبنسر أو وسترمرك أو تيلور الاجتماعية مثلاً تجد أنك تنتقل من مشاهدة إلى مشاهدة ومن مثال إلى آخر، وقل أن تظفر بقضية عامة أو أصل ثابت. نحن لا ننكر أن هذه الطريقة أفادت علم الاجتماع مادة غزيرة وثروة طائلة، إلا أن هذه المادة لم تهيأ بعد للتغذية، وهذه الثروة لما تستثمر. هي مادة أولية (خام)، إن صح هذا التعبير، في حاجة إلى من يستخلص منها روحها وما حوت من أسرار. وقد فطن علماء الاجتماع الفرنسيون - وهم أبعد الناس عن السفر وأرغبهم عن الرحلة - إلى هذا النقص فكملوه، واستغلوا التجارب والمشاهدات الإنجليزية استغلالاً حسناً، وصاغوا المعلومات الاجتماعية في القوالب العلمية الحق. فإذا كان علم الاجتماع مديناً لرحالة الإنجليز والأمريكان بما فيه من مشاهدات جزئية وحوادث واقعية، فإن الفضل في كثير من نظرياته وقوانينه يرجع إلى المدارس الفرنسية
ومهما يكن فهناك نقطتان هامتان نخرج بهما من أبحاثنا السابقة في الخرافة، أولاهما خاصة بمصر والشرق في جملته، وتتلخص في أنه يسود هذه الديار قدر وفير من الخرافات أشرنا إليها سلفاً. فالخرافة متوغلة في كثير من معتقداتنا وعباداتنا، في عاداتنا وتقاليدنا، في آرائنا وأفكارنا. وليس معنى هذا أن أوربا خالية من أية خرافة؛ كلا فللغرب خرافات كما للشرق، والجمعيات على اختلافها لا تستطيع أن تتخلى عن مجموعة من الخرافات ترى فيها غذاء لميولها وأحلامها. ولكن مما لا شك فيه أن الخرافة وجدت بين ظهرانينا مرتعاً خصيباً فنمت وترعرعت. وما أجدرنا بأن ندرس خرافاتنا لنعرف أصلها ونشأتها وصلتها
стр. 9873
بالخرافات العالمية الأخرى؛ وبذا نستطيع معالجتها أو مطاردتها والتخلص منها. فخرافة (الزار) مثلاً ظاهرة اجتماعية تتطلب دراسة تاريخية مقارنة فيها كثير من بواعث السرور ووسائل التشويق. وما تخيرنا الخرافة بين الأبحاث الاجتماعية الكثيرة إلا لنلفت الأنظار إلى هذه الأرض الخصبة التي لم تستكشف وهذا العمل لم يبدأ فيه بعد
وقد لاحظنا من قبل إجماع بعض القبائل على اعتناق خرافة ما؛ وفي هذا ما يؤذن أن للإنسانية، وإن تنوعت بتنوع البيئة والوسط، تراثاً عاماً يأخذه الخلف عن السلف؛ وأن الإنسان المتحضر ليس إلا صورة مهذبة للإنسان المتوحش. نحن في كثير من آرائنا وعادنا وتقاليدنا عالة على من كان قبلنا، بل تكاد تكون شخصيتنا ونظام تفكيرنا من صنع القرون الغابرة. فلندرس إذن النظم الاجتماعية على ضوء التاريخ إن كنا نريد فهمها على وجهها الصحيح، لا سيما ونحن مخدوعون غالباً بما ألفناه. فكثيراً ما يلبس الشيء في أعيننا لباس العقل والمنطق في حين أنه يعتمد على أساس خرافي وأصل ضعيف. وكم من عمل عادي فردي أو جمعي نقوم به اليوم دون أن نعيره أية أهمية في حين أنه كان بالأمس ذا صلة بعقيدة خاصة أو عبادة محترمة. وقد تنبه علماء الاجتماع المحدثون إلى هذا فشرحوا لنا أموراً ما كنا نفكر في سردها وتعليلها. وعلى الجملة فالإنسانية أشبه ما تكون بشجرة ممتدة الأغصان مترامية الأطراف قد مرت عليها عصور طويلة وأجيال كثيرة، ولا يمكن فهم طبيعتها وفصيلتها والمؤثرات في ثمرتها إلا إن بدأنا بجذورها الأولى وعرفنا كيف نمت وتكونت
إبراهيم بيومي مدكور
دكتور في الآداب والفلسفة
стр. 9874
العامية والعربية أيضاً
ألفاظ صحيحة لم لا نستعملها؟
للأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني
لما فتح العرب مصر لم تكن العربية لغة البلاد، وإنما كانت لغة القوم خليطاً من المصرية القديمة والإغريقية والرومانية وغيرها، ثم أخذت العربية تحل محل هذا المزيج، وبدأت مصر بعد رسوخ الإسلام فيها تساهم بحظ في النشاط الذي كانت بغداد مصدره، على خلاف الحال في إفريقية الشمالية، حيث كان انتشار العربية بطيئاً جداً، حتى أنه - إلى القرنين التاسع والعاشر - لم تكن ثم دائرة أدبية تستحق الذكر إلا في القيروان بتونس، على حين كانت مصر قد صارت في القرن التاسع مركزاً لمدرسة تاريخ مستقلة في العالم الإسلامي. ومما ساعد على رسوخ اللغة العربية في مصر ونجاتها من العوامل التي كانت تحدث أثرها في هذه اللغة في آسيا، دخول الفاطميين وقيام دولتهم في مصر، فقد كانوا أنصاراً للعلم والثقافة، ومن أجل آثارهم هذا الأزهر الذي ظل بعد خراب نظائره في أسيا أكبر جامعة إسلامية، ولا يزال كذلك إلى الآن؛ فلا عجب إذا كانت عامية مصر أصح من عاميات الأمم العربية الأخرى وأقرب إلى الفصيح
وقد سقت أمثلة في فصل سابق، وإلى القراء طائفة أخرى من الألفاظ التي يتوهم الكثيرون أنها عامية، وهي صحيحة لا عيب فيها
فمن ألفاظ الطعام والآكال وما إلى ذلك:
النّشا - شيء يعمل به الفالوذج
القطائف - دقيق يعجن قريباً من الميوعة ويخمر ويحشى بالفستق وما إليه ويقلى
المُرَبَّي - معروفة
القَرَاصيا - الثمر المعروف
الزَّلَابْيَةُ - حلواء معروفة
البَسيسة - دقيق يُلتُّ بالسمن ويؤكل ولا يطبخ، أو يطبخ
الكُرُنب، أو الكَرْنَبُ، والقُنَّبيط (تلفظه العامة قرنبيط) والخس، واللفت، والفجل، والكراث، والإسفاناخ، والفول، والحمص، والباذنجان، والعدس، والثوم، والرّجلة، والشبث،
стр. 9875
والجرجير، والسلق، واللوبيا، والقلقاس، والكرفس، والقرفة، والدّارصيني، والقرنفل، والكراويا - وهي جميعاً معروفة
قرّصت العجين - بسطته بالتقطيع لتجعله أرغفة
الفرن - ما ينضج فيه الخبز
الطابون - من طبن النار دفنها لئلا تطفأ، والموضع الطابون والعامة في مصر يؤنثون اللفظ
الرُّقاق والكعك - معروفان
قَشَشْتُ الشيء - أخذته بأجمعه
التمطُّق بالشفتين - أن تحدث صوتاً وأنت تضمهما وتفتحهما
الكوز - والجمع كيزان وأكواز
المسعور - الحريص على الأكل
الطبق - ما يؤكل عليه
الرائب - اللبن إذا خثر
الرُّوبة - الخميرة في اللبن
مَخْضُ اللبن - أخذُك زبده
تَجَبّن اللبن - صار كالجبن
الحالوم - الجبن الطري
العُلبة - معروفة
زهمت يدك - صارت فيها رائحة الشحم، والزُّهومة، ريح اللحم السمين إذا أخذ يفسد
ومن ألفاظ البيت التي يستعملها العوام وهي صحيحة:
الدهليز - ما بين الباب والغرف
الرُّواق - يستعمل في مصر للحجرة الكبيرة الواسعة
الصحن - وسط الدار
الرف - معروف
الكنيف - المرحاض
стр. 9876
الصفة في البناء - معروفة
الدكة - للقعود
الإسطبل - للدواب
الحارة والشارع والزُّقاق - معروفة
المصطبة - مكان للجلوس
المِدْماك - الصف من الَّلِبن في البناء
الطيّان - الرجل الذي يصنع الطين للبناء
البلاط - الحجارة تفرش بها الأرض
العتلة - حديدة طويلة تقلع بها الحجارة
الزيج، والأمام، خيط البناء
الرَّزَّةُ - حديدة يدخل فيها القفل
الخوخة - الكوة في الجدار أو في الباب
العريش - الظلة من شجر أو نحوه
الحصير - نسيج من القش معروف
النُّخ - بساط خشن معروف
المِخدة - الوسادة للرأس
المسند - الوسادة يُستند عليها
الخُرْجُ - جوالق ذو ناحيتين
الدُّرج - ما تحفظ فيه الأشياء الصغيرة
القنّينة - إناء للشرب
الشباك - النافذة
إن اتخاذ هذه الألفاظ وما إليها، في مواضعها، يمنع التكلف الذي يجعل اللغة غريبة، وينفي ما تقرر في النفوس من أن لنا لغتين: واحدة نكتب بها، والأخرى نستعملها في الكلام
ويأخذ الطريق على الذين يدعون إلى اتخاذ العامية لغة للكتابة، فإن كل حجتهم هي أن العامية هي لغة السواد، وأن العربية أجنبية، ومتى ثبت أنهما شيء واحد، فقد سقطت
стр. 9877
الحجة
وليس من همي الاستقصاء، وما أريد إلا أن أنبه إلى أن درس العامية واجب، وأن من العبث والتكلف الذي لا موجب له، أن نبحث عن ألفاظ وهي على ألسنتنا كلما تكلمنا
إبراهيم عبد القادر المازني
стр. 9878
النقد والمثال
للأستاذ أحمد الزين
تحدثت إليك في فصل سابق عن البيان اللفظي ومنزلته من الشعر، وأنه من أهم ما تتفاوت به الشعراء في مراتبهم، وتتمايز به درجاتهم، كما تحدثت عن الاختلاف بين لغة الشعر والكتابة والخطابة؛ واليوم أتحدث إليك في المعنى، فإن المعنى هو قوام الشعر، والعنصر الأول من عناصره، بل هو الشعر نفسه؛ وما حرصنا على تحسين الألفاظ وتجميل العبارات إلا ليظهر المعنى في صورة فاتنة تجعل القلوب أشد قبولاً له، وأقوى تأثراً به، وينطبع في أذهان الحفظة والوعاة، ويخلد على ألسنة الرواة؛ فلا ينال منه تعاقب الزمن، ولا تمحوه عوادي المحن؛ وتلك هي ميزة الشعر التي اختص بها من دون النثر، وإلا فقد كان النثر كافياً في تأدية المعنى وإفهام الغرض؛ وكما أن الأصوات الغنائية المعروفة الآن بالأدوار لا تعمل عملها في النفس إذا تليت على الأسماع كما تتلى الرسائل، وألقيت كما تلقى الخطب، بل لابد من جريانها على قواعد الفن الموسيقي الجميل، وأدائها بالصوت العذب الرخيم حتى تبلغ في النفوس أثرها، وتفعل في المشاعر فعلها، فكذلك المعاني الشعرية لابد في تأديتها من حسن الألفاظ، وعذوبة العبارات، وجزالة التراكيب، وقوة النسج واطراده، وما إلى ذلك مما سأذكره بعد في هذه الفصول، ليكون أثرها في القلوب أبلغ، وعملها في النزعات والميول أقوى؛ وكما أن سوء الطبع والتحريف، وكثرة الخطأ والتصحيف، وتعمية الخط، ورداءة الورق في بعض الكتب قد تذهب بما حوت صفحاتها من علم غزير وفضل كثير وبحوث دقيقة وأفكار عميقة، فلا غرابة أن يذهب سوء التأدية وضعف النسج والإبهام في العبارات، والإسفاف في الألفاظ، يما يريده الشاعر من أغراض سامية ومعان جليلة؛ بل إن الصلة بين المعاني والألفاظ أشد وأقوى من الصلة بين الألفاظ والكتابة، إذ المعاني لا تؤدَّى بدون العبارات، وقد تؤدَّى الألفاظ مشافهة بدون كتابة. وقد غفل أو تغافل أو عجز عن ذلك بعض الشعراء في عصرنا، فاعتبروا المعاني كل شيء في الشعر، على ما في معانيهم من الضعف والمسخ وسوء تناولهم إياها، وقصور شاعريتهم عن تحويل المعنى الأصلي إلى معنى شعري، وقلة خبرتهم بكيفية وصفها في الشعر، وما إلى ذلك مما سأحدثك به عند الكلام على المعاني؛ ولم يعنوا بالألفاظ أقل عناية، موهمين
стр. 9879
أنفسهم وغيرهم من قصار النظر أن بيان الألفاظ، وإشراق العبارات، ومتانة النسج، والبلاغة في الأسلوب، وإجراء الشعر على سنن الشعر العربي، أنواع من التزيين والتحلية والزخرف الذي مضى عصره، وانقضى زمنه، وذهب به العصر الجديد، ومحته آية التجديد؛ فملئوا الصحف والدواوين بشعر لا صلة بينه وبين الشعر العربي إلا الصلة العروضية في الوزن والقافية؛ علة أن بعضهم قد يتركهما مبالغة في التجديد، محتجاً بأن ذلك نوع من التقييد؛ على أنهم بعد أن أطلقوا الألسنة والقرائح من قيودها المزعومة، لم يأتوا بالمعجب المطرب في معنى ولا لفظ، ولم يبتكروا غريباً في تشبيه ولا خيال، ولم يخترعوا جديداً في تصوير عاطفة ولا إحساس؛ وإنك لتقرأ ديوان أحدهم من ألفه إلى يائه فلا تظفر منه ببيت يعلق بذهنك فتعيده، ولا معنى يملك لبَّك فتستجيده؛ وسبب ذلك يرجع إلى أنهم لم يقرءوا من الأدب العربي القديم ولا من علوم العربية ما يقوّمون به ألسنتهم، ولم يتعلموا من فحول الشعراء المتقدمين ما يهذبون به معانيهم قبل وضعها في قالبها الشعري، ويميزون به بين المعنى الشعري وغيره من معاني الكتابة والخطابة، فإنه مما لا ينازع فيه ذو ذوق فني دقيق أن المعنى الواحد تختلف صوره باختلاف تأديته في هذه الصناعات الثلاث، وأن الشعر والكتابة والخطابة كما تختلف في ألفاظها وعباراتها تختلف في تصوير معانيها وأغراضها، فإن الخطيب لا يعمد في تصوير معانيه إلى خلودها على مر العصور، وبقائها محفوظة في الصدور، ولكن يقصد إلى نوع من الإثارة الوقتية يلهب بها حمية الجمهور إلى ما يريده من الأمور؛ فإذا فترت همم الجمهور بعد ذلك الموقف لجأ إلى خطبة أخرى وهكذا، ففن الخطيب فنٌّ وقتي لا فن خالد، ولذلك لم ينقل الرُّواة إلينا من خطب الأولين ومواقفهم في المخاصمات والمصالحات وفي حضرة الخلفاء والأمراء ما يوازي كله ديواناً واحداً من دواوين الشعراء، ولا مجموعة واحدة من رسائل الكتاب. أما الشاعر والكاتب فإنهما يقصدان في تصوير معانيها إلى خلودها وبقائها؛ والفرق بينهما أن قصد الشاعر إلى تخليد أثره أكثر، وحرصه على بقاء فنه أقوى، فهو يضع في معانيه وألفاظه من جمال التصوير وروعة الفن ما يرى أنه كفيل ببقاء شعره وحياته على الزمن
ولذلك كانت رواية الشعر أشيَع، وما نقل إلينا منه أكثر
وأيضاً فإن الكاتب والخطيب يبالغان في تقرير المعنى وتأكيده في الأذهان بإكثار الأمثلة
стр. 9880
وذكر الأشباه والنظائر إلى حدّ الاستقصاء أحياناً؛ أما الشاعر فيقتصر من ذلك على قدر الحاجة، فإن الشعر ضيق لا يحتمل ذلك الطول، بل يراه في بعض الأحيان نوعاً من الفضول. وثم فرق ثالث هو أن الخطيب يراعي في تصوير معانيه أن تكون سطحية بسيطة، قريبة الغور، سريعة إلى الفهم، فإنه يوجهها إلى عقلية بسيطة هي عقلية الجماعة؛ وكما أن هذه العقلية سريعة القياد، فهي سريعة الجموح، لا يؤمن نِفارُها؛ وما أقرب انصرافها وإعراضها عن الخطيب إذا رأت في معانيه ما يكلفها مشقة الفهم وعناء الفكر، ولذلك يعتمد الخطيب في خطبته على الصوت والإلقاء وملابسات الموقف أكثر من اعتماده على غرابة المعنى وعمق الفكر
أما الكاتب والشاعر فيغربان في معانيهما ما شاءا، ويتعمقان في ذلك ما أرادا؛ تلك هي بعض الفروق بين المعاني في الصناعات الثلاث؛ فإذا رأيت في إحدى هذه الصناعات بعض الميزات الغريبة عنها فهي مستعارة من غيرها لا أصلية فيها؛ ولا غرابة في أن ترى الشاعر خطيباً أو كاتباً في قصيدته، ولا أن ترى الكاتب شاعراً أو خطيباً في رسالته، ولا أن ترى الخطيب شاعراً أو كاتباً في خطبته؛ وإنك إذا قرأت شعر ابن الروميّ وجدت فيه كثيراً من تقسيمات الكتاب وتعليلاتهم والاستدلالات المنطقية، والاحتجاجات الملزمة للخصم، كقوله:
لما تؤذن الدنيا به من صروفها … يكون بكاء الطفل ساعة يولد
وإلا فما يبكيه منها وإنها … لأوسع مما كان فيه وأرغد
وقوله يخاطب صديقاً:
وقد حلفنا على الوفاء جميعاً … واجتهدنا وذاك جهد المطيق
فبأي الأحكام توجِب تصدي … قك حتما ولا ترى تصديقي
وبأي الأحكام قولك برها … ن وقولي من خُلّبات البروق
ليس في العدل أن تحكم في قو … لك فارجع إلى سواء الطريق
ما من الدعويين إن ضِقت دعوى … غير محتاجة إلى تحقيق
ولنا إن رددت ما ندّعيه … رَدُّ ما تدعيه، ضيقاً بضيق
وقوله يعاتب صديقاً لم يحفظه في مغيبه وعاب شعره:
стр. 9881
لي صاحب قد كنتُ آمل نفعه … سبقت صواعقه إليَّ صبيبه
إلى أن قال:
نبئت قوماً عابني سفهاؤهم … وشهدت مجلسهم وكنت خطيبه
عبوا وعبتَ بغير حق منطقاً … لو طال رميك لم تكن لتصيبه
وهب القضاء كما قضيت، ألم يكن … في محض شعري ما يجيز ضريبه
هلا وقد ذُوِّقت دَرَّ قريحتي … فذممت حازرَه حمدت حليبه
بل هبْه عيباً لا يجوز، ألم يكن … من حق ِخلك أن تحوط مغيبه
وديوانه مملوء بمثل هذا الشعر الذي هو أقرب إلى رسائل الكتاب منه إلى قصائد الشعراء. أما الكتاب الشعراء في نثرهم فمنهم المرحوم أحمد شوقي بك في كتابه أسواق الذهب، والزمخشري في أطواق الذهب، والقاضي الفاضل عبد الرحيم البيسانيّ في رسائله الكثيرة المملوءة بها كتب الأدب
أحمد الزين
стр. 9882
الشعر في صدر الإسلام وعهد بني أمية
بقلم أحمد حسن الزيات
شعر الشيعة
ورث علي بن أبي طالب بحكم مولده ومرباه مناقب النبوة، ومواهب الرسالة، وبلاغة الوحي، وصراحة المؤمن، وبسالة المجاهد، فأجمع الناس على إجلاله وكادوا يطبقون على حبه؛ حتى من كتب عنه من الأوربيين قد شاركوا المسلمين في هذه العاطفة، فقد قال فيه الكاتب الإنكليزي كارليل: (أما ذلك الفتى عليّ فلا يسعك إلا أن تحبه؛ ركب الله في طبعه النبل منذ الحداثة، وتجلى في خلاله الكرم طوال عمره، ثم طبعه على العمل ونفاذ الهمة وصراحة البأس، وآتاه سر الفروسية وجرأة الليث، وكل ذلك في رقة قلب وصدق إيمان وكرم فعال تليق بالفروسية المسيحية) ثم سار عليّ في خصومته وخلافته وسياسته على ضوء هذه الأخلاق، فما قارف الأثرة، ولا حاول الفرقة، ولا راقب الفرصة، ولا أثار العصبية، ولا استخدم المال؛ وإنما أخلص النية للعمرين، ومحض النصيحة لعثمان، وأعذر بالحجة لمعاوية؛ ولكن دنيا الفتوح كانت قد أخذت على عهده تتجاهل دين البساطة والزهد، ولم تعد السياسة الدينية وحدها قادرة على كبح النفوس المفتونة بمال معاوية في الشام، وثراء الرافدين في العراق، فانتشر أمره، وانصدعت خلافته، ثم قتل مظلوماً في محرابه؛ فكان محياه ومماته تاريخاً دامياً للفضيلة المعذبة والنفس المطمئنة الشهيدة. ثم ورّث بنيه وأهليه ذلك العزم الثائر وهذا الجد العاثر، فدب الموت للحسن سراً في كأس مذعوفة، وقتل الحسين قتلة لا يزال يرعد من هولها الدهر
وتلاحقت الفواجع الأموية فصرع زيد وقتل يحيى، وافتنَّت المنايا الرواصد في اختلاج بني عليّ، وهم يقابلون هول الغوائل الظاهرة والباطنة بالشجاعة والصبر والاحتساب، وحتى أسفرت حول وجوههم طفاوة من التنزيه والتقديس، وتخللت محبتهم قلوب المسلمين، ولا سيما الشيعة. فإن ندم هؤلاء على خذلانهم إياهم، وألمهم لما رأوا من اضطهادهم وأذاهم، رفعا في نفوسهم ذلك الحب حتى أشرفا به على مقام العبادة؛ ثم ظهر ذلك الحب في صور من العقائد: فقالوا بالوصية، وجعلوا الإمامة من أصول الدين، وحصروها في عليّ وبنيه، وطعنوا في إمامة الشيخين. ولم يتهيأ لهم السلطان، ولم تسعفهم القدرة، فاعتمدوا على
стр. 9883
استمالة القلوب وترقيقها بالبكاء والندب، وتصوير الآلام، وإعلان الفضائل، فاصطبغ شعرهم بالحزن العميق، والرثاء النائح، والمدح المبتهل، والعصبية الحاقدة. على أن هذه الخصائص لم تكن واضحة في شعر أوائل الشيعة وضوحها في شعر الأواخر منهم، فإن تغلغل الفكرة في أصل العقيدة، وتنكيل الحاكمين بآل البيت، واضطهاد الولاة للشيعة، إنما تدرجت قسوةً وقوة مع الزمن، فضلاً عن قلة شعراء الشيعة في هذا العصر لإفساد الأمويين الضمائر بالحديد والذهب؛ فشعرهم بدأ ولاءً صادقاً، ومدحاً خالصاً، وهجاء مراً، ثم اشتد فصار مفاضلة جريئة، ومعارضة شديدة، ومناقشة فقهية، ودعاية حزبية. ولعل ذلك يتجلى لك فيما ذكرناه وفيما سنذكره من الأمثلة. فمن التعبير عن العاطفة القوية الساذجة قول أبي الأسود الدؤلي:
يقول الأرذلون بنو قشير … طوال الدهر لا تنسى عليّا!
ينو عم النبي وأقربوه … أحبُّ الناس كلهم إليّا
أُحِبهمُ كحبّ الله حتى … أجيء إذا بُعثت على هَويا
فإن يك حبهم رشداً أُصِبْهُ … ولست بمخطئ إن كان غيّا
ومن المدح والمفاضلة قول أيمن بن خزيم الأسدي:
نهاركمُ مكابدة وصوم … وليلكُم صلاةٌ واقتراء
أأجمعكم وأقواماً سواءً … بينكُم وبينهم الهواء؟
وهم أرض لأرجلكم وأنتم … لأرْؤسِهمْ وأعينهمْ سماء
ومن الهجاء قول ابن مفرغ الحميري:
ألا أبلغ معاوية بن صخر … مغلغلةً من الرجل اليماني
أتغضب أن يقال أبوك عفٌّ … وترضى أن يقال أبوك زاني؟
فأشهد إن رحمك من زيادٍ … كرحم الفيل من ولد الأتان
وأشهد أنها ولدت زياداً … وصخر من سُمَيّة غير داني
وقول عبد الله بن هشام السلولي في يزيد بن معاوية:
حُشينا الغيظ حتى لو شربنا … دماء بني أمية ما روينا
لقد ضاعت رعيتكم وأنتم … تصيدون الأرانب غافلينا
стр. 9884
ومن المناقشة الجدلية قول الكميت في الخلافة:
يقولون لم يورث ولولا تراثه … لقد شَركت فيه بجيلٌ وأرحبُ
ولا انتشلت عضوين منها يُحابرٌ … وكان لعبد القيس عضو مؤَرّب
فإن هي لم تصلح لحي سواهمُ … إذن فذوو القربى أحق وأقرب
فيالك أمراً قد تشتَّت جمعُه … وداراً ترى أسبابها تتقضب
تبدلت الأشرار بعد خيارها … وجُدَّ بها من أمة وهي تلعب!
ويكاد الكميت بن زيد الأسدي بقصائده الهاشميات يكون الشاعر الفذ لبني هاشم؛ فقد مدحهم واحتج لهم ودافع عنهم بلسان صادق واعتقاد خالص ونفس جريئة وقريحة سمحة. ولما أهدر هشام بن عبد الملك دمه لجأ على ما أُرجح إلى التَّقَّية في شعره على عادة الشيعة، فقال من كلمة يمدحه فيها:
فالآن صرتُ إلى أميّة والأمور إلى المصائر
يا ابن العقائل للعقا … ئل والجحاجحة الأخاير
من عبد شمس والأكا … بر من أمية فالأكابر
لكم الخلافةُ والألا - ف برغم ذي حسد وواغر
ومهما يقل الكميت فإن عاطفة شعراء الشيعة ستظل كما قلنا مكظومة بالطمع والخوف حتى تنبجس في عهد بني العباس نفثات غيظ، وحسرات حزن، وعبرات ألم، في شعر السيد الحميري، ودعبل الخزاعي، وديك الجن، ومطيع بن إياس، وأبي الشيص، والعكوّك، وأضرابهم
شعر الخوارج
وأما الخوارج - وجمهرتهم من البدو الجفاة والسذج - فقد قام أمرهم على الصلابة في الرأي، والمكابرة في القول والاشتطاط في الحكم، والتشدد في الدين، والغلو في العبادة، والقسوة في المعاملة، والاعتماد على الحرب. شايعوا عليّا وآزروه حتى قبل التحكيم، فقالوا له: حكّمتَ الرجال ولا حكم إلا لله! ثم خرجوا عليه وأبوا أن يرجعوا إليه إلا إذا أقر على نفسه بالكفر، ونقض ما عاهد معاوية عليه، فأبى عليهم ما سألوا، وأوقع بهم يوم النهروان، فزاد ذلك في حنقهم عليه وخلافهم له فائتمروا به واغتالوه. واستعرضوا أعمال الخلفاء
стр. 9885
وعقائد الناس، فخطئوا بعضاً وكفَّروا بعضاً؛ ثم ذهبوا إلى أن الخلافة تصح في غير قريش وفي غير العرب، وأن العمل جزء من الإيمان، فحرصوا كل الحرص على أداء الشعائر واجتناب الكبائر، ولاذوا بكور الجبال يدعون جهراً إلى مذهبهم دون مواربة ولا تقية ولا هوادة؛ فكانوا في الدين كما قال صاحبهم أبو حمزة الشاري: (أنضاء عبادة، وأطلاح سهر؛ قد أكلت الأرض أطرافهم، واستقلوا ذلك في جنب الله؛ فإذا كان الجهاد ورعدت الكتيبة بصواعق الموت، استخفوا بوعيد الكتيبة لوعيد الله، ومضى الشاب منهم قُدُماً حتى اختلفت رجلاه في عنق فرسه، وتخضبت بالدماء محاسن وجهه، فإذا أنفذه الرمح جعل يسعى إلى قاتله ويقول: (وعجلت إليك ربِّ لترضى)
وكانوا مع هذا الورع الشديد والخشية البالغة يقسون على مخاليفهم، فلا يرحمون ضعف المرأة، ولا براءة الطفل، ولا شيخوخة الهرم، ولا وشائج الرحم، لأنهم - كما ظنوا - باعوا أنفسهم وأموالهم لله بأن لهم الجنة، فقطعوا أسباب الحياة، وأماتوا عواطف الدنيا، وقاتلوا وقُتلوا في سبيل هذا المذهب وتلك الغاية. وهم لصراحة بداوتهم، وشدة عصبيتهم، وخلوص عقيدتهم، وما تقتضيه دعوتهم من إدمان الحجاج والناظرة، أسلس الناس منطقاً، وأروعهم كلاماً، وأمتنهم شعراً؛ ولكن الشعر كان عندهم في المحل الثاني من الخطابة، لقيام أمرهم على الإقناع والجدل بآيات الله وأحاديث الرسول، وغناء الشعر في ذلك قليل. فإذا ما صمد الخارجي إلى الخصم، أو هجم على الموت، أو وقع في الأسر، جاشت نفسه بمتين الرجز، أو رصين القصيد، يضمنه وصفه للحرب، وولهه للقتال، وزهده في الحياة، واستخفافه بالموت، وشوقه إلى الشهادة، وظمأه إلى الجنة، في لفظ جزل وأسلوب قوي؛ وقلما يدور شعرهم على غير ذلك. فمن الرجز قول أم حكيم:
أحمل رأساً قد سئمت حمله … وقد مللت دهنه وغسله
ألَا فتى يحمل عني ثقله!
ومن القصيد قول معاذ بن جوين يحرض قومه وهو أسير:
ألا أيها الشارون قد حان لامرئ … شرى نفسه لله أن يترحلا
أقمتم بدار الخاطئين جهالة … وكل امرئ منكم يصاد ليُقتلا
فشدوا على القوم العداة فإنها … أقامتكُم للذبح رأياً مضللا
стр. 9886
ألا فاقصدوا يا قوم للغاية التي … إذا ذكرت كانت أبر وأعدلا
فيا ليتني فيكم على ظهر سابح … شديد القُصيري دارعا غير أعزلا
فيا رُب جمع قد فللت، وغارة … شهدت، وقِرْن قد تركت مجندلا
وقول الطرماح بن حكيم:
لقد شقيتُ شقاءً لا انقطاع له … إن لم أفز فوزة تنجي من النار
والنار لم يَنجُ من لهيبها أحد … إلا المنيبُ بقلب المخلص الشاري
أو الذي سبقت من قبل مولده … له السعادة من خلاقها الباري
وقوله:
وأمسى شهيداً ثاوياً في عصابة … يصابون في فج من الأرض خائف
فوارس من شيبان ألف بينهم … تُقى الله نزالون عند الزواحف
إذا فارقوا دنياهم فارقوا الأذى … وصاروا إلى ميعاد ما في المصاحف
وكقول قَطَرِي بن الفجاءة في يوم دولاب:
فلم أر يوماً أكثر مَقْعصاً … يمج دماً من فائض وكليم
وضاربة خداً كريماً على فتى … أغر نجيب الأمهات كريم
أصيب بدولاب ولم تك موطناً … له أرض دولاب حميم
فلو شهدتنا يوم ذاك وخيلنا … تبيح من الكفار كل حريم
رأت فتية باعوا الإله نفوسهم … بجنات عدن عنده ونعيم
وقليلاً ما يجادل الخوارج بالشعر ويقارعون بالهجاء، لاعتمادهم في الجدل على الخطابة، وفي القراع على السيف. ومن هذا القليل قول بعضهم في الجدل وقد هزم أربعون منهم ألفين لابن زياد:
أألفا مؤمن فيما زعمتم … ويقتلكم بآِسكَ أربعونا
كذبتم ليس ذاك كما زعمتم … ولكن الخوارج مؤمنونا
هي الفئة القليلة قد علمتم … على الفئة الكثيرة ينصرونا
وقول عمران بن حطان في هجاء الإمام:
لله در المرادي الذي سفكت … كفاه مهجة شر الخلق إنسانا
стр. 9887
أمسى عشية غشاه بضربته … مما جناه من الآثام عُريانا
وما حمله على ذلك إلا أنه من القَعَدة لضعفه عن الحرب لكبر سنه فجاهد بلسانه
الزيات
стр. 9888
من نوادر المخطوطات
أثر أدبي فذ!
اختراع الخراع لصلاح الدين الصفدي
للأستاذ علي الطنطاوي
أطلعني على هذه الرسالة صديقي الشاعر الأديب السيد أحمد عبيد، أحد أصحاب المكتبة العربية العامرة بدمشق الشام، فرأيتها رسالة عجيبة، وتحفة أدبية غريبة، ورأيت فيها فناً من فنون الأدب العربي لا يعرفه الناس ودليلاً على بعد الغاية التي بلغها أدبنا، ورأيت فيها جمالاً ولذة، ووجدت فيها نفعاً وفائدة، فأحببت أن أتحف بها قراء الرسالة، فتكون لهم أفكوهة وللأدب خدمة، بتسجيل هذا الأثر الجميل من آثاره الضائعة في الرسالة (السجل الأدبي الخالد)
صلاح الدين، أبو الصفا، خليل بن أيبك بن عبد الله الصفدي (المتوفى سنة ٧٦٤) أحد أئمة القلم والأدب في عصره، (مهر في فنّ الأدب، وكتب الخط المليح، وقال النظم الرائق، وألف المؤلفات الفائقة، وباشر كتابة الإنشاء بمصر ودمشق، ثم ولي كتابة السرّ بحلب، ثم وكالة بيت المال بالشام، وتصدى للإفادة بالجامع الأموي، وحدّث بدمشق وحلب وغيرهما. ذكره شيخه الذهبي في المعجم المختص، فقال: الإمام العالم الأديب البليغ الأكمل، طلب العلم وشارك في الفضائل، وساد في علم الرسائل، وقرأ الحديث وكتب المنسوب وجمع وصنف والله يمده بتوفيقه، سمع مني وسمعت منه، وله تآليف وكتب وبلاغة)
قال شيخ الإسلام التاج السبكي:
(خليل بن أيبك) الشيخ صلاح الدين الصفدي الإمام الأديب الناظم الناثر أديب العصر: ولد سنة ٦٩٦ وقرأ يسيراً من الفقه والأصلين، وبرع في الأدب نظماً ونثراً وكتابة وجمعاً، وعني بالحديث، ولازم الحافظ فتح الدين بن سيد الناس وبه تمهر في الأدب، وصنف الكثير في التاريخ والأدب. قال لي: إنه كتب أزيد من ستمائة مجلد تصنيفاً
ومن مؤلفاته الوافي بالوفيات ويكاد يكون أجمع كتب التراجم. ومن مؤلفاته المطبوعة نكث الهميان في نكت العميان، والغيث المنسجم في شرح لامية العجم، وجنان الجناس في
стр. 9889
الأدب، ودمعة الباكي، وتمام المتون في شرح رسالة ابن زيدون (وهي غير الرسالة التهكمية التي شرحها ابن نباته) ووصف الهلال وغيرها
أما هذه الرسالة التي نتكلم عنها، فلم أجد من ذكر أنها له، ولكني لا أشك في أنها إن لم تكن له، فلن تكون إلا لأديب كبير، وعالم متمكن، ولغوي محقق، وهي في شرح بيتين من الشعر. . . شرحهما المؤلف شرحاً مستفيضاً، حلاه بالنكات اللغوية والمسائل النحوية، والطرائف الأدبية، والآراء الفلسفية، وزينه بالحكم الباهرة، والأمثال السائرة، واستشهد على كل مسألة من مسائله بأقوال العرب. . . ولكنه - وتلك ميزة هذا الكتاب - تعمّد ألا يأتي إلا بما هو خطأ محرّف عن أصله، معدول به عن جادة الصواب، ممال به عن سبيل الحق: فلا بيت ينسب إلى صاحبه، ولا كتاب يعزى إلى مؤلفه، ولا مسألة تورد على وجهها، ولا بلدة توضع في موضعها؛ وقد أورد ذلك كله بحذق ومهارة، ولباقة وظرف، حتى أن الرجل ليتلوه فيحس لحلاوة ما يقرأ أنه لا يقرأ إلا حقاً وصدقا، وما فيه من الحق والصدق شيء
ولا يقدر على الخطأ الذي لا صواب فيه، إلا من يقدر على الصواب لا خطأ معه. يحتاج كلاهما إلى علم بمواقع الخطأ ووجوه الصواب، وانتباه وفطنة، واطلاع ومعرفة، كيلا يخلط خطأ بصواب، أو صواباً بخطأ. والرسالة على ما فيها من الهزل والتحريف، تدل على طول باع مؤلفها في علوم اللسان، وعلوم العقل، ووقوفه على آراء الفلاسفة، وآثار الأدباء، ومباحث العلماء، ولا تخلو من فوائد
وهي ناقصة من وسطها وآخرها، والموجود منها (٥٣) صفحة، في كل صفحة (١١) سطراً، مكتوبة بخط قريب من النسخي، مضبوط قليل الأخطاء، يدل على علم ناسخه. وليس في الرسالة تاريخ، ولكن ورقها من الورق الذي بطل استعماله من ثلاثة قرون، فكأنها مكتوبة في القرن التاسع أو العاشر
على الصفحة الأولى منها:
كتاب اختراع الخراع
تأليف المولى الأجل الفاضل
العلامة فريد دهره ووحيد
стр. 9890
عصره صلاح الدين أبي الصفا
خليل بن أيبك الصفدي
رحمه الله تعالى
للشيخ عبد الجواد:
بدا لابن أيبك في عصره … كساد العلوم وخبث الطباع
وأن الأماثل قد أصبحوا … هباء يطار بهم في الشعاع
وأن كثيراً كمالاتُهم … دعاوى أحاديثها في انقطاع
فجرّ بأفعاله رأيهم … وأتحفهم باختراع الخراع
وعلى الرسالة تعليقات لطيفة، وتنبيهات شريفة
وأول الرسالة:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال أبو خرافة، الهدّ القشيري، سامحه الله تعالى: حضرت في بعض أوطان أوطاري، وأوْكار أفكاري، مع جماعة الخ. .
فابتدر أحد ظرفائهم فأنشدنا بيتين الخ. . . وهما
لو كنت بكتوت امرأة جارية الفضل … وكان أكل الشعير في البرد مَلْبَسكو
لا بدّ من الطّلوع إلى بئرك في … الليل وظلام النهار متضحٍ اً
فأخذ الجماعة في الإعجاب، مما اتفق فيهما من اختلال النظم، واختلال القافية، وعدم الإعراب، وخلاف أوضاع اللغة، وتناقض المعنى وفساده، والتخبيط في التاريخ، وقضوا نهارهم بتعاطي كؤوس العجب من ذلك
فقال أحدهم: ألا إنهما محتاجان إلى شرح ينخرط معهما في سلك الغريب، ويبرز في مظهرهما العجيب!
فالتزم بعض من حضر الخ. . . وصبَّحهم وقد أعمل في الشرح حيلته. . . فقال:
حدثني نصير الدين أبو الهزايم ثابت، قال حدثني من كتابة أصيل الدين أبو المفاخر لقيط القطربي، وقيل القرطبي، قال أخبرني اجازة أسد الدين أبو ثور صقر الفنحكردي من أهل دمشق، قال: إن افتخار الدين سبكتكين القسهتاني صاحب زهر الآداب، قال: عارض هذين
стр. 9891
البيتين الأفوه الأودي أبو علي، على ما ذكره الحريري في الخطب النُباتية في قوله:
وإذا نظرت إلى الوجود بعينكم … فجميع ما في الكائنات مليح
وهذا من قصيدته الطردية في التشبيهات، وأولها:
وأنت يا غصن النقا … ما أنت من ذاك النمط
وزعم مؤيد الدولة أبو خاذل أيدكين الجواليقي، صاحب المديح المأموني، في كتاب الصادح والباغم، في باب المراثي أنهما من باب قول الثعالبي:
لو كنت شاهين جارية الف … ضل وكان الحريم منزلك
لابدّ الخ. . .
وليس بشيء والصحيح الأول
قال الشارح عفا الله عنه: نبدأ أولاً بما في البيتين من اللغة وثانياً بما فيهما من الإعراب، وثالثاً بما فيهما من التاريخ وتقدير المعنى، ورابعاً بما فيهما من البديع، وخامساً بالكلام على ما يتعلق بعروضهما، وسدساً بما يتعلق بعلم القافية
القول في اللغة:
قوله بكتوت: هو علم مركب من اللغة العربية والتركية، فبك بالعربي وتوت بالتركي، ومعناهما أمير توت مثل دمرطاس ومروان وقراحاً وما أشبه ذلك، ومن قال إن معنى ذلك بالعربية أمير النيروز فلا يتأتى له ذلك إلا إن كان النيروز في شهر توت على ما ذكره السخاوي في سمع الكيان
قوله امرأة: المرأة مشتقة من المرآة، وهي التي يرى الإنسان فيها وجهه إذا كانت في جيبه أعني السراويل، وكقول الأخطل:
ما أخذ المرآة في كفّه … ينظر فيها للجمال المصون
إلا رأى الشمس وبدر الدجى … ووجهه في فلك يسبحون
قوله جارية فيها قولان، منهم من قال: هي الساقية لأنها تجري من أسفل إلى فوق، واستشهد بقول الحطيئة:
نديمتي جارية ساقية … ونزهتي ساقية جارية
جارية أعينها جنّة … وجنّة أعينها جارية
стр. 9892
ومنهم من قال هي في مقابلة المملوك، واستشهد بقول العكوّك:
أيا بديع الجمال رقّ لمن … ستر هواه عليك مهتوك
دموعه في هواك جارية … وقلبه في يديك مملوك
وهذا باطل ببديهة الإنسان
قوله الفضل: هو كل شيء ناقص، ومنه سمّي عبد الرحيم كاتب مروان بالفاضل لأنه كان قصيراً، وفي أمثال بزرجمهر لأمر ما جدع قصير أنفه. قال التلعفري:
ضعاف الطير أطولها جسوماً … ولم تطل البزاة ولا الصقور
قوله كان: معلوم أنها للاستقبال وسيأتي الكلام عليها في الإعراب
قوله أكل: هو الحالة المؤدية إلى الجوع لمن هو شبعان الخ. .
قوله الشعير: معروف أنه من فواكه الآدميين؛ ولا يوجد إلا في جزرات الهند بالمغرب في الليل دون النهار صيفاً. قال ابن الساعاتي:
جارية لم تأكل المرققا … ولم تذق من البقول الفستقا
ومن استشهد في هذا بقول ابن الفارض يصف رجلاً من الأكراد كوسجا:
إن تطل لحية عليك وتعرض … فالمخالي معروفة للحمير
علق الله في عذاريك مخلا … ة ولكنها بغير شعير
فليس من التحقيق في شيء والمعنى على الأول
قوله البرد: هذا معروف أيضاً عند الأساكفة في الشام وأظنه نوعاً من الأطلس الحريري. قال امرؤ القيس في معلقته الطائية:
قالوا حريراً كان وجه حبيبه … ونرى مسوح الشعر فوق الأطلس
جهلوا معاني حسنه مع علمهم … أن الحرير كماله بالقندس
ومن قال إنه نوع من العديني وأنشد الخ. . فليس بشيء لأن العديني نوع الخ. . والأطلس إنما هو فلك القمر خلافاً لأبي تمام فإنه في الخطب النباتية زعم أنه الفلك الذي له الحركة القمرية الخ. . وهذا رأي المشائين. والرواقيون خالفوهم والعمدة في اللغة على أقوالهم (إلى أن قال):
لابدّ: البد معلوم، وهو صنم يعبده اليهود في النوبة. قال بعض شعراء الجاهلية:
стр. 9893
من قال لابدّ منه … فمنه لي ألف بدّ
وقال النابغة:
دعوه يبلي فؤادي … لا خفَّف الله عنه
كم لمت قلبي فيه … فقال: لابدّ منه
(البقية في العدد القادم)
علي الطنطاوي
стр. 9894
من تراثنا الأدبي
٢ - أبو العيناء
بقلم محمود محمود خليل
تحدثت في مقالي السابق عن إسراف أبي العيناء في هجاء الناس، حتى لم يسلم منه أحد من عظيم أو سوقة، وقلت إن هناك عوامل أثرت في حياته، حتى جعلته سليط اللسان وقد آن أن أتحدث عن تلك العوامل:
(١) الوراثة وقد تعرضت لها فيما سبق بحديث مستفيض، فلا حاجة بي الآن إلى تكرار القول فيها
(٢) نشأته فقيراً، وطالما كان الفقر وهو مثير الأضغان والأحزان منبعاً للنبوغ والذكاء، ونجد فقره هذا اضطره فيما بعد إلى الارتحال من منبت نشأته وهو البصرة إلى بغداد طلباً لعطايا الخلفاء والوزراء، وكل أحاديثه مع الكبراء تنبئنا بفقره المدقع، فقد دخل مرة على عبيد الله بن سليمان بن وهب الوزير فضمه إليه، فقال له أنا إلى ضم الكفاية أحوج مني إلى ضم اليدين. وقال له مرة أنا معك مغبوط الظاهر موجود الباطن كما قال أبو الطيب المتنبي:
ماذا لقيت من الدنيا وأعجبها … إني بما أنا باك منه محسود
وقال لعبيد الله بن يحيى: مسّنا وأهلنا الضر، وبضاعتنا الحمد والشكر، وأنت لا يخيب عنده حر
وسواء كان هذا الكلام منه من أساليب الاستجداء الذي اشتهر به أو من شدة الحاجة كما يقول، فقد عاش أبو العيناء في حياته كلها سواء منها المدة التي قضاها في البصرة أو المدة التي عاشها في بغداد في ضنك من العيش وشدة، وتلك حياة كثير من الأدباء والكتاب في عصره، حتى كان الانتساب إلى الأدب طالع سوء على محترفيه، اللهم إلا نفراً قليلاً من الأدباء الذين أتاح لهم القدر أن يصلوا إلى مرتبة الوزارة أو القضاء، وغفلت عنهم عين الزمان كما يقولون، كالفضل بن سهل وأخيه الحسن والفضل بن الربيع وابن الزيات ويحيى بن أكثم وأحمد ابن أبي دؤاد وغيرهم، وما عدا هؤلاء فكانت حياتهم تتوقف على العطايا التي ينفحهم بها أرباب المناصب في الدولة؛ وكثيراً ما كانت تضيق أمامهم سبل
стр. 9895
العيش، وتضطرهم الفاقة إلى الاستكانة والذلة، ولا سيما إذا راعينا رجلاً كأبي العيناء وهو مكفوف البصر، رثينا لحاله التي كان فيها، وانتحلنا له عذراً في استطالته بلسانه على الكبراء، فإنه لا يملك غيره، وهو سيفه الوحيد الذي كان يناضل به في حياته عن عيش الكفاف الذي كان يبتغيه في دنياه كما يقول ذلك لعبيد الله بن سليمان
(٣) وثالث العوامل التي غيرت مجرى حياته فقد بصره، ولم يحدثنا الرواة أحصل له ذلك الحادث في حياته البصرية أم في حياته البغدادية، وإني أرجح أن ذلك كان في حياته البصرية قبل أن ينتقل إلى بغداد، فإن أحاديثه جميعها التي نقلت عنه وهو ببغداد تنبئنا أنه كان أعمى يقوده غلامه
ويظهر أن هذا الحادث قد أثر فيه تأثيراً كبيراً فجعله ساخطاً على الحياة، يتناول الناس بقوارص الكلم. قال له المتوكل: لا تكثر الوقيعة في الناس، قال: إن لي في بصري لشغلاً عن الوقيعة فيهم، قال ذلك أشد لحيفك في أهل العافية. فانظر إلى حيفه في أهل العافية الذي يذكره له المتوكل، أما كان هذا أثراً من آثار فقد بصره؟ وشكا مرة إلى صديق له سوء الحال وفقد البصر، فقال له اشكر فإن الله قد رزقك الإسلام والعافية. قال: أجل ولكن بينهما جوعاً يقلق الكبد، ويفقد الرشد
لم يتخذ أبو العيناء سخطه على الحياة مذهباً فلسفياً له كما اتخذه شاعر المعرة من بعده، ولم يؤدّ به هذا السخط إلى الزهد والتقشف كما فعل ذلك أبو العلاء، وإنما كان سخطه مقصوراً على حزنه العميق الذي خالج فؤاده لفقد بصره
صفاته وأدوار حياته:
إذاً فقد اجتمعت عوامل ثلاثة أثرت في حياته: الوراثة والفقر وفقد البصر، حتى جعلته سليط السان حاضر البديهة متوقد الذكاء؛ ولقد تزود في حياته البصرية من آثار الوسط الذي كان يعيش فيه بما يصلح لمجالس الملوك والأمراء ومنادمتهم بأحاديث وطرف ونوادر، ثم رحل إلى بغداد بعد أن ضاقت به سبل العيش في البصرة؛ ولقد ذمها للمتوكل حينما سأله عنها فقال: من أين أنت؟ قال من البصرة. قال له: فما تقول فيها؟ قال: ماؤها أجاج، وحرها عذاب، وتطيب في الوقت الذي تطيب فيه جهنم
تزود بتلك الرواية الواسعة واشتهر مع هذا بالجواب المسكت والمراسلات العجيبة
стр. 9896
والجواب السريع والطبع الفكه والحجة الداحضة، والبديهة المتوقدة. فكانت تلك المظاهر معينة له على الحياة التي أقدم عليها ببغداد. فمن ذلك أن بعض الرؤساء قال له: يا أبا العيناء، لو مت لرقص الناس طرباً وسروراً! فقال بديهةً:
أردتَ مذمتي فأجدت مدحي … بحمد الله ذلك لا بحمدك
فلاثك واثقاً أبداً بعمد … فقد يأتي القضاء بغير عمدك
ثم قال: أجل. الناس قد ذهبوا فلو رآني الموتى لطربوا لدخول مثلي عليهم، وحلول عقلي لديهم، ووصول فضلي إليهم، فما زال الموتى يغبطونكم ويرحمونني بكم. وخاصم أبو العيناء يوماً علوياً فقال له العلوي: تخاصمني وأنت تقول كل يوم: اللهم صل على محمد وآل محمد! قال لكني أقول الطيبين الطاهرين ولست منهم. ووقف عليه يوماً رجل من العامة فلما أحس به قال من هذا؟ قال رجل من بني آدم، فقال مرحباً بك! أطال الله بقائك، ما كنت أظن هذا النسل إلا قد انقطع. ولقيه بعض أصحابه في السحر فجعل يتعجب من بكوره، فقال له: أراك تشركني في الفعل وتفردني في التعجب! وقال له المتوكل: إبراهيم بن نوح النصراني واجد عليك. فقال: ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم. قال إن جماعة من الكتاب يلومونك. فقال: -
إذا رضيت عني كرام عشيرتي … فلا زال غضباناً علي لئامها
وغير هذه الأحاديث كثير تستطيع أن تقرأها في كتب الأدب. وتلك البديهة الوقادة والأجوبة المسكتة هي التي جعلت الحصري صاحب زهر الآداب يقول: كان أبو العيناء أحدَّ الناس خاطراً وأحضرهم نادرة، وأسرعهم جواباً، وأبلغهم خطاباً. ولقد كان أبو العيناء يجالس في حياته البغدادية الخلفاء والكبراء فيطرفهم بأحاديثه وفكاهته، فكان سلوة لهم في مجالسهم وزينة في محاضرهم على ما فيه من حدة اللسان
انتقل أبو العيناء إذاً من البصرة إلى بغداد بعد أن تمت له الثقافة التي أرادها، والبلاغة العكاظية التي امتاز بها، وتلك حال كان يشترك معه فيها كثير من أدباء عصره، إذ كانت بغداد مركز الخلافة الإسلامية يرحل إليها الأدباء والعلماء، ويبتغون فيها صلات الملوك والأمراء، وقد يصل بعضهم إلى أن يرتب له الخلفة من بيت المال رزقاً يجري عليه. ويظهر أن أبا العيناء كان من أولئك النفر كما تدل عليه أحاديثه ولا سيما إذا لاحظنا أنه من
стр. 9897
موالي الخلفاء العباسيين، فكان بلا ريب له دالة عليهم جعلته في مأمن من تلك الحزازات التي كانت في صدور كثير من الحاشية، والتي سبّبها أبو العيناء ببذاءة لسانه، وتطاوله على أعراض الناس
حياته البغدادية:
يقول الرواة إن أبا العيناء ولد في آخر المائة الثانية وتوفي سنة ٢٨٢ أو سنة ٢٨٣هـ فمن ثم يكون قد أظلته خلافة المأمون والمعتصم والواثق والمتوكل والمنتصر والمستعين والمعتز والمهتدي والمعتمد وصدر من خلافة المعتضد بالله الذي تولى سنة ٢٧٩ وتوفي سنة ٢٨٩هـ. ولقد كانت الحياة البغدادية في عصر أبي العيناء كلها ترف ولذة، يسودها المجون والخلاعة، ويروج فيها العبث واللهو، وقد روى لنا المؤلفون كثيراً من مجالس لهوهم ومنادمتهم على الشراب، ومساجلات الشعراء في خلواتهم، وأحاديث المجان في طربهم، وإني أعتقد أن الخليفة الذي تمتع بملذات الحياة، وأنال نفسه ما تبتغيها حقاً، من خلفاء العباسيين هو المتوكل على الله، فهو أول من أظهر من خلفاء بني العباس الانهماك على شهوته، فأسرف في بناء القصور، وعكف على الشراب ولم يبال باللوم، ولقد جنى ثمرة رفاهية الدولة، وإن شئت فقل إن الدولة قد بلغت في أيامه ذروة العظمة، وكان لابد لها من بعده أن تضعف حتى تنمحي، ولكل شيء إذا ما تم نقصان. ولقد حدثنا التاريخ أنه قتل في قصره، وأن الأمور من بعده اضطربت اضطراباً شديداً بسبب المعول الهادم الذي أوجده المعتصم وهو الجنود الأتراك، ولم يظهر استبدادهم وشرهم حتى بلغت الأمور غايتها ثم ظهر الفساد بعد عصر المتوكل
اتصل أبو العيناء بالمتوكل اتصلاً شديداً، وسنعلم إلى أي حد أثر فيه هذا الاتصال، ولم يقتصر اتصاله بالخلفاء على المتوكل وإنما اتصل بغيره كما اتصل به، ولكن المتوكل هو الذي رفع له الحجاب، وجعل يصغي لأحاديثه، ولقد بهره منه تلك البديهة الحاضرة، وذاك الذكاء الوقاد، حتى رأيناه يمزح معه في كثير من مجالسه، ويرفع الكلفة بينه وبينه
ويظهر من أقوال الرواة أن أبا العيناء حينما ارتحل إلى بغداد كان الخلفة المأمون على رأس الدولة فاتصل به وعرف وزيره الحسن بن سهل وأخذ منهما الصلات والعطايا، ولقد أثر ذلك المعروف في نفسه حتى قال لما بلغه موت الحسن بن سهل: والله لئن أتعب
стр. 9898
المادحين، لقد أطال بكاء الباكين، والله لقد أصيب بموته الأنام، وخرست لفقده الأقلام. وخبر آخر قال أبو العيناء: حصلت لي ضيقة شديدة فدخلت يوماً على يحيى بن أكثم فقال إن أمير المؤمنين جلس للمظالم وأخذ القصاص فهل لك في الحضور؟ قلت نعم ومضيت معه، فلما دخلنا أجلسه وأجلسني ثم قال يا أبا العيناء بالألفة والمحبة ما الذي جاء بك في هذه الساعة؟ فأنشدته:
لقد رجوتك دون الناس كلهم … وللرجاء حقوق كلها تجب
إن لم أكن لي أسباب أعيش بها … ففي العلا لك أخلاق هي السبب
فقال لغلامه: انظر أي شيء في بيت مالنا دون مال المسلمين، فقال بقية من مال، قال فادفع له منها مائة ألف وابعث له بمثلها في كل شهر. فلما كان بعد أحد عشر شهراً مات المأمون فبكى عليه أبو العيناء حتى تقرحت أجفانه، فقال له بعض أولاده يا أبتاه بعد ذهاب العين ماذا ينفع البكاء. فقال:
شيئان لو بكت الدماء عليهما … عيناي حتى يؤذنا بذهاب
لم يبلغا المعشار من حقيهما … فقد الشباب وفرقة الأحباب
(يتبع)
محمود محمود خليل $ ٢
стр. 9899
شوقية لم تنشر
مراقب الصحف بالآستانة
للمغفور له أحمد شوقي بك
لنا رقيب كان ما أثقله … الحمد لله الذي رحّلهْ
لو ابتلى الله به عاشقاً … مات به لا بالجوى والولَهْ
لو دام للصحْف ودامت له … لم تنج منه الصحف المُنْزله
إذا رأى الباطل غالى به … وإن بدا الحق له أبطله
لو خال (بسم الله) في مصحف … تغضب (تحسيناً) محا البسمله
وعزة الله بلا (عزتٍ) … لا تنفع القاري ولا خردله
جرائد الترك على عهده … كانت بلا شأن ولا منزله
إن تذكر الخنجر لفظاً تُصِبْ … من شدة الذعر به مقتله
وإن تصف قنبلة لم ينم … من هول ذكرى حادث القنبله
الشر بالشر فيا قوم لا … إثم إذا راقبتموه منزله
فحاصروا الأبواب واستوقفوا … من أخرج الزاد ومن أدخله
إن كان في السلَّة تفاحة … ضعوا له موضعها حنظلة
أو جيء (بالشرشر) له فاملأوا … مكانها من علقم جردلة
أو اشتهى الأبيض من ملبس … قولوا له الأسود ما أجمله
ذلك يا قوم جزاء امرئ … كم غيرَّ الحق وكم بدَّله
стр. 9900
خطرات
للشاعر الفيلسوف جميل صدقي الزهاوي
- ١ -
اكْدَحْ لدنياكَ اكْدَحِ … وبالملذات افرِح
وامرح فما خُلِقتَ في ال … أرض لغير المرح
دع الهمومَ جانباً … وللمسرّات اجنح
وربما وجدتَها … في جرعة من قدح
فقد تكون مُمْسياً … في اليوم غير مُصبح
وإن خُلِقتَ شاعراً … فقل ولا تمتدح
كل الذنوب إن صرف … تَ النفسَ عنها تنمحي
- ٢ -
الناس تحيا بالمُنى … فما لها عنها غِنَى
لولا المنى ما عشتَ أن … تَ هادئاً ولا أنا
لا تَدْلَهِمُّ أنفسٌ … لها من المُنى سَنا
ولا يَرى ذو اليأس ما … أمامَه وإن رنا
اليأس نارٌ تحرق الر … وح وتفني البدنا
وتجعل العمرَ قصي … راً وتُطيل الشجنا
أمِّلْ حياةً كلها … طيبٌ هناك أو هنا
- ٣ -
مَن يعتقد بنحسه … فهو عدوُّ نفسه
خير الفتى وشرّه … كلاهما في رأسه
إن الفتى بسؤله … ينشط لا بيأسه
وذلُه في جبنه … وعزهُ في بأسه
وربما عرفت ما … نسيجُه من لمسه
стр. 9901
يرجو الفتى ألا يكو … ن يومُه كأمسه
قد درّسته نفسُه … فليستفد من درسه
- ٤ -
يا نفس لا تنخدعي … بالزاهد المنقطع
دنياكِ هذي تحتوي … على النعيم أجمع
تنعّمي بخيرها … قبل دنوّ المصرع
وبالحياة ما صفت … تمتعّي تمتّعي
لكل بابٍ تحسبي … ن الخيرَ خلفه اقرعي
وانتهزي الفرصة قب … ل فوتها وأسرعي
بالبسمات تبلغي … ن السؤلَ لا بالأدمع
- ٥ -
مصيبتي في الهرم … فإنه امتصَّ دمي
لم يبق مني غير جلْ … دٍ ذابلٍ وأعظُم
وغير نفسٍ قد تربَّت … ني فيا نفسُ أسلمي
وغير ما أقوله … عند الأسى من كَلِم
صعبٌ عليّ السيرُ من … ضوء الضحى للظلم
إني أرى الموتَ أما … مي ماثلا من أمَم
مَن ضامنٌ ألا يكون … ن الشيخ بالمنهدم
- ٦ -
انظر إلى الزواهر … يسبحن في الدياجر
تلك شموسٌ قد بعدْ … ن عن عيون الناظر
لا تنسَ ما بين نجو … م الليل من أواصر
فكلها مؤلَّفٌ … من كهرباء ثائر
ما أقدم الوجودَ فَهْ … وعنصر العناصر
стр. 9902
فما له من أوّل … ولا له من آخر
بلى لكونٍ فيه نح … يا سندٌ من قادر
- ٧ -
أهْدِ إلى الشمس القبَلْ … فإنها بنتُ الأزَلْ
وحَيِّهَا عند شرو … قها وحَيِّ في الطَّفَل
قد عُبِدت من الأنا … م في قرونها الأُوَل
منها الحياة والرخا … ء والسرور والجذل
والأرض لولاها خلت … من الحياة والعمل
والشمس أمُّ الأرض وال … خطبُ إذا زالت جَلل
توغِلُ في هذا الفضا … ء الرحب من غير وَجَل
بغداد
جميل صدقي الزهاوي
стр. 9903
بعد الأخاء والعداء
للأستاذ عبد الرحمن شكري
حنوت على الود الذي كان بيننا … وإن صَدَّ عنه ما جنينا على الود
حنوت ولو أني حنوت وما حنا … ولو أنه يبغي هلاكي من الحقد
ولا أكذِبَنَّ الناس قلبي كقلبه … له آنة ميلٌ عن النصف والقصد
كلانا جنى شراً فعاد إخاؤنا … محالاً حكى ذكرى الشباب على بُعْدِ
فيا طيب ذكراه وما بُعْد عهده … وأين قديم الود من حاضر الصد
مضى حيث يمضي عابر بعد عابر … من الأهل والأصحاب والذخر والولْدِ
مضى حيث يمضي كل رأي ومذهب … له أجل كالناس ظعن بلا عَوْدِ
إذا أنا أُنْسِيتُ الإساءة من أخ … ذكرتُ له مني إساءة ذي عمد
وأيقنت لا ينسي عدائي وما جنى … عدائي عليه من عناء ومن جهد
أيلتئم الصخران في اليَمِّ بعدما … تردد موج اليَمِّ بالصدع والهد
ويتفق الخِلاَّنِ من بعد ما بدت … به بغضة من مين قول ومن نقد
وكنا على ما كان من قرب أنفس … كنهرين في وادي الغضارة والورد
قد اقتربا مجرى وماءً وعسجدا … من الشمس لألاءً كلألأة الود
حياة شبابٍ عسجدٍ أيَّ عسجد … وعهد إخاء لا يغيض ولا يُكْدِي
إلى أن دعا داعي الحياة وإفنها … فمال بنا قصد السبيل عن القصد
وغَيَّرَ منا القلبَ والنفسَ والمُنى … وزاد طماحُ النفس بعداً على بعد
هو البغض مثل الحب لحظ فمنطق … فنار لها بين الأضالع كالوقد
وإن كنت تدري الحب كيف طروقه … ولم تدره أيقنت ما جاء بالحقد
فيا ليت أني قد غفرت جفاءه … ونَبْوْتَهُ حتى يصد عن الصد
ويذكر لي صبري على الضيم والأذى … فيأسى على ما كان منه من الكيد
وَتكْسِبني منه الندامة أُلفة … وإن كان لي من قبل كالحجر الصلد
أعيش بصفو منه يوماً فإنْ جنى … على إثْرِهِ غدراً ذخرت له ودي
وأُذْكِرُ نفسي منه عند انصرافها … شمائل تستدعي المَغِيظَ إلى الحمد
стр. 9904
أبَعْدَ بلائي العيش أبغي مُبَّرأَ … وكيف ونفسي لي كما الضد للضد
يروقك حسن الفجر والنجم في الدجا … ومرأى رياض من عرار ومن ورد
وَأحسن منها البشر وجه صاحب … حليفك منه ما استسر ولم يُبْدِ
فيا ليت لي دنيا أبيع حطامها … بود أخٍ لو يشتري الود بالنقد
إذا الحب لم يخلص من البغض والأذى … فكيف خلاص الود من عنت الحقد
وخِلاَّننا مثل الجوارح أيهم … فقدنا فبعض النفس في ذلك الفقد
أحقٌ طِلَابُ الود من نقص طالب … إذاً قَمِنٌ نشدانك الود بالحمد
لتكمل بالخل الذي أنت ناشد … كما كَمُلَ النصفان تجمع في العد
ويا طيب قلب غره الود حقبة … كما عظُمَ المخدوع بالفضل والمجد
وإنك لا تدري أقلب مراوغ … أسرُّ أم القلب المُغَرَّرُ بالود
وإنَّ وداد المرء من بعض غنْمِهِ … ولو أنَّ مخلوف الوفا غاض لم يُجْدِ
تعيش بمخلوف الرجاء وكذبه … فَطَامِنْ فإن الود يا قلب لم يُرْدِ
رحيق الحياة الود لو دام صفوه … - وكالخمر - أصفاه المُعَتَّقُ ذو العهد
وأحسنه ما كان من عصرة الصِّبى … ولم يَحْلُ بعد الشيب مُستَحْدَثُ الود
فمن لي بعود الدهر للود والصِّبَى … أليفين ما كانا كما الند للند
يخال الصِّبَى ودا وود الصِّبَى صِبىً … كيانهما الممزوج كالجوهر الفرد
وإن فقير الناس من خان خِلُّهُ … وإن نال حظاً من طريفٍ ومن تلد
أأبغي إخاءً لم تَشُبْهُ عداوةٌ … وأنقم عفو الغدر أو غدرة العَمْدِ
كأنَي لم أدرِ الأنام وخُلقه … ولم أدْرِ أن الضد يولع بالضد
أَبَعْدَ فراغي من جنازة ودنا … أروم خلود الود من عادم الخلد
متى أرتضى الخلان صحوا وغيمة … فأمنحهم غيثي وأمنعهم رعدي
أُغالط نفسي فيهمُ وأغرها … وإن لاح منهم غدر أعْدَائي اللد
وأكتم من آلام نفسيَ عزةً … إذا لم يُتَحْ لي ما أُزيل به وجدي
فيا ساقِيَ النسيان عاطِ صحابتي … وهات لِيَ النسيان رفداً على رفد
وهيهات ما أمر إذا جد جده … ليُنْسَى ولو واروه في مُشْبِهِ اللحد
стр. 9905
إذا انفلت السهم الطليق فما له … ولو أنه سهم النميريِّ من رد
ويعجز هذا الدهر عن نقض فعله … ألَا وهو الدهر المصَرِّفُ ذُو الأَيْدِ
عبد الرحمن شكري
стр. 9906
في الأدب الإنجليزي
٤ - الكائنات الغيبية في شعر شكسبير
بقلم خيري حماد
وكان من السائد في ذلك العصر أن هذه الطائفة من المخلوقات سرمدية أزلية، فكثيراً ما يطلق شكسبير على الناس لقب الأحياء الفانين بينا هو لا يعرض لهن بشيء من ذلك. وقد يجعلن من الرجل أداة للهزء والسخرية فيلقبنه بألقاب عدة أهمها أنه حي زائل وليس بباق. فالملكة تيتانيا تطلب من بطانتها ووصائفها أن يعاملن بلطف ذلك المخلوق الزائل بوتوم ولهذه المخلوقات زيادةً على ذلك خاصية الاختفاء والظهور للبشر، فهي كالفقاعات الهوائية التي لا تظهر للناس حتى تزول ولا يمكن عند ذلك معرفة الجهة التي اختفت فيها أو تمييزها.
وفضلاً عما تقدم كانت لهن صفات أخرى أهمها خاصية التشكل والظهور بصور عدة، وقد صور إبيرون لنا نفسه بقوله: (سأكون في وقت ما حصاناً فأصهل، أو كلباً فأنبح، أو قوقعة فأنعق، أو دباً فأقهقع، أو ناراً فأحترق). وخاصية السرعة والنشاط فهنّ أسرع من القمر، وفي استطاعتهن الدوران حول الكرة الأرضية في مدة لا تتجاوز الأربعين دقيقة. وقد افتخر روبن هود بسرعته وتحدى الآخرين قائلاً (انظروني أذهب بسرعة لا تدانيها سرعة السهم وقد انطلق من قوس التتري)
وأهم ما نراه مشتركاً بين الجنيات هو ميلهن إلى الموسيقى وفنه فلا يطربن للسماع فقط بل خلقن وقد لازمهن هذا الفن وهذه الموهبة النادرة ملازمة تامة. وما جزيرة العاصفة الخرافية إلا مكان تسوده الموسيقى والأصوات العذبة مما جعل للمكان روعة ساحرة خلابة. فكثيراً ما كانت تسمع أصوات آلاف الآلات الموسيقية منتشرة في الجو انتشاراً لا يضاهيه انتشار الروائح العطرية المختلفة ولم تقتصر هذه الموهبة على الموسيقى فحسب بل تجاوزتها إلى الرقص، فنرى الملكة تيتانيا تأمر بطانتها وجواريها (أن يخترن من الينابيع وجداول الأنهار وشواطئ البحار أمكنة ليقمن فيها حلقات الرقص والموسيقى)
стр. 9907
وآخر هذه الميزات التي اشتهرت بها الجنيات هي ميزة حماية القبور والأضرحة. فكن يقمن بأعمال ما يسمونه الملاك الحارس. ولا تقتصر مهمتهن على تسلية الميت بل تتعداها إلى حفظه سليماً من الحشرات معافى من الجراثيم. ونرى هذه الخاصية بوضوح في رواية سمبالين إذ يقول (ستقوم نساء الجنيات بحراسة قبره من الحشرات)
أم وقد انتهينا من هذه الصورة الرائعة التي صورها لنا شكسبير فيجدر بنا أن ننظر أكان موفقاً في تصويره أم غير موفق. قال جبسن يصف هذه المحاولة: (إن صورة الجنيات في روايات شكسبير تمثل لنا المرح والسرور والنية الطاهرة ممتزجاً بعضها ببعض تحددها المحاولات الضئيلة التي يقصد منها إيقاع الضرر بالناس. ولا يقصد الشاعر من هذه الصور إلا تسلية قراءه فقط غير محاول إظهار عقيدته الحقيقية، وما هي إلا مخلوقات هوائية تحلق في الفضاء مرفوفة أمام أعيننا)
لا يسهل علينا أن ننكر قط هذا الجمال الظاهر في هذه الصورة النادرة. فقد نجح شكسبير أيما نجاح في إبرازها إلى حيز الوجود بلباس رائع من المرح والسرور؛ ولقد صدق جبسن في وصفه السابق لهذه الصورة من ناحية واحدة وأخطأ في ناحية أخرى، فلقد حكم أن شكسبير لم يقصد منها إلا تسلية قرائه غير معبر عن أية عقيدة من عقائده. وحسبي أن أقول معارضاً هذا الرأي أنه ليس في استطاعة أي شاعر أو كاتب أن يصف عقيدة من العقائد كهذا الوصف الدقيق المسهب دون أن يكون له أدنى تفكير وإيمان بالعقيدة نفسها. فقد اعتقد شكسبير بوجود الجنيات وسمع ما كان يدور على ألسنة أهل عصره من قصص وأساطير جلاها في رواياته مرتدياً رداء من الخيال الواسع والابتكار البديع
الساحرات
من الصور الغيبية التي رسمها شكسبير بدقة تأتي صورة الساحرات في الدرجة الثانية؛ فلم يقتصر ذكرهن على رواية واحدة من رواياته؛ بل تعدتها إلى عدد من الروايات لا يقل عن التي تبحث في الجنيات أهمية وعدداً، ولكنه اختص إحدى هذه الروايات ببحث مسهب مستفيض جعلها قاصرة على هذا النوع من المخلوقات الغيبية، وهذه الرواية هي التي يعدها كثير من النقاد والأدباء أحسن ما كتبه الشاعر ألا وهي رواية مكبث
أما ساحرات شكسبير فيقسمن إلى طبقتين مختلفتين: أولاهما طبقة الساحرات البشريات
стр. 9908
اللواتي يوصفن عادة بالذبول. وثانيهما طبقة الساحرات العلويات أو الغيبيات اللواتي امتزن عن أخواتهن بميزات أرقى وأهم
يذكر شكسبير ساحراته الأرضيات في كثير من رواياته العديدة حيث يكون لهنّ شأن ضئيل في مجرى الرواية وهيكلها. فهو يذكر في رواية هنري السادس إحدى هؤلاء الساحرات على لسان تالبوت حيث يقول: (إن بوسيل تلك الساحرة الملعونة قد سببت هذه المصيبة وتلك الأكدار التي لم نتخلص منها في فرنسا إلا بعد لأي)، وقد ذكرهن في رواية أخرى هي رواية (نساء وندسور المرحات) حيث تقول السيدة بيج (دعنا نلبسه ألبسة تشبه ألبسة ساحرة برانيفورد). وقد ذكر هذا النوع من الساحرات في رواية ثالثة هي رواية الملك ريشارد الثالث عندما يخاطبه كلوسستر قائلاً: (إن هي إلا امرأة ادورد تلك الساحرة التي نفثت سحرها في أعمالي فباءت بالفشل)
في جميع هذه الروايات التي ذكرتها نرى الساحرات البشريات يلعبن دوراً بسيطاً، بينما الساحرات السماويات تشغل قسماً أكبر من تفكير هذا الشاعر العظيم؛ فقد اختص رواية مكبث كلها بتحليل شخصياتهن ووصفها وصفاً دقيقاً مسهباً. وقد صدق مستر لويد في كتابته النقدية عن مكبث حين قال: (إن رواية مكبث تشمل الخيال المبدع والمخاوف السحرية، وكثيراً من الخرافات التي كانت تسود أقسام بريطانيا الشمالية والجزر الغربية منها)
وهؤلاء الساحرات لا أسماء لهن فهن يدعين أنفسهن بالأخوات الذابلات كما يتبين لك في مواضع عدة من رواية مكبث وقد كان الناس كثيراً ما يشتبهون فيهن فيحسبونهن رجالاً لما في ذقونهن من لحى كلحى الرجال بينما هنّ في الحقيقة إناث اكتملت فيهن صفات الأنوثة؛ ويظهر هذا جلياً في رواية مكبث عندما يقول مخاطباً آباءهن: (إنكن نساء مع أن لحاكن تجعلني أميل إلى الاعتقاد في رجولتكن)
إن هذا المظهر الذي كان يجمع بين صفتي الرجولة والأنوثة في هؤلاء الساحرات كان سبباً قوياً في ازدياد الشعور نحوهن بالكره والازدراء. وكم كان الناس يودون القضاء عليهن لولا أن في استطاعتهن أن يغيرن صورهن وأشكالهن، فتارة تراهن بصورة قطة من القطط الرقطاء، وطوراً بشكل فأر قد قطع ذنبه، وهذا يتجلى لنا بصورة واضحة في رواية مكبث عندما تظهر إحداهن في بدء الرواية بصورة هرة تدعى كريمالكين وقد
стр. 9909
وصفت إحداهن نفسها بقولها في ناحية أخرى من الرواية (سأكون بشكل فأرة عارية عن الذنب فأمتطي منخلاً وأسبح في البحر محاولة تخريب السفن وإغراقها)
وتختلف الساحرات عن الجنيات بكونهن عاملاً من عوامل الشر والدمار فهن يحملن في أنفسهن الكره الشديد لبني البشر ويسعين بكل طاقتهن لإيقاع الضرر بالمجموع البشري، وكثيراً ما يستعملن الأعشاب السامة لتنفيذ أغراضهن الشريرة، وكانت لهن ملكة تدعى هكبت اقتصرت أعمالها على إيقاع الآلام بالناس، وقد وصفها لوشيانس في رواية هملت بقوله: (انك لتخلط بين أعشاب الليل وبين الأعشاب الصفراء الذابلة التي جمعتها هكبت لتستعملها في سحرها وفي ذلك تنتهي الحياة البشرية)
وتمتاز الساحرات بأنهن أقوى أنواع هذه المخلوقات المغيبة، فهبوب الرياح والسباحة في البحار كانت من المسائل التي في استطاعتهن القيام بها بكل سهولة، وكان الليل أحب الأوقات إليهن لأنهن يستطعن الخروج فيه بكل جرأة وحرية ويتعاطين ما يشأن في أثنائه. ولنستمع إلى مكبث مخاطباً إياهن قائلاً: (ماذا تعملن أيتها المخلوقات السرية الليلية)
ولم يقتصر زمن ظهورهن على الليل فقط بل كان بإمكانهن التجول أثناء النهار فقد اتفقن في الفصل الأول من رواية مكبث أن يقابلنه قبل مغيب الشمس. وكان في استطاعتهن أن يختفين أو يظهرن حسب إرادتهن. فقد ظهرن لمكبث وبانكو في الفصل الثالث من الرواية لكنهن ما عتمن أن اختفين بعد أداء مهمتهن التي قصدنها وقد استولت الدهشة على بانكو فصاح قائلاً لما اختفين: (إن للأرض فقاعات كما أن للماء فقاعات أيضاً، وهذه المخلوقات هي من فقاعات الأرض، في أي مكان اختفين؟)
حاولت الساحرات إظهار قوتهن وسلطتهن على البشر فصدرت عنهن تلك النبوءات التي تم تحقيقها في نهاية رواية ومبث، وكل ما في هذه الرواية من ابتكار وابتداع يرتكز على محور واحد ذلكم هو النبوءات، ففي بدء الرواية يخبرنه عن المستقبل فيتنبأن بصيرورته سيداً على كادور ثم ملكاً على اسكتلندا، وكلتا هاتين النبوءتين يتحقق، وفي نهاية الرواية يتنبأن بنبوءات جديدة، فيخبرنه أنه لن يصيبه مكروه من إنسان عادي بل من رجل لم تنجبه امرأة، وإن هذا الأمر لن يتحقق إلا إذا انتقلت غابة برنام من مكانها وسارت مسافة لا تقل عن الخمسين ميلاً، وكل هذه النبوءات تتحقق ويتبين صدقها في نهاية الرواية
стр. 9910
ونظراً لهذه الشرور والآثام التي كان الساحرات يرتكبنها كان الناس على اختلاف مللهم ونحلهم ينظرون إليهن بعين الكراهية والسخط، فكانت لهن عادات مستهجنة غريبة كميلهن إلى الأعداد الغريبة وخصوصاً الثلاثة منها، فلا يخطون إلا ثلاث خطوات عند رقصهن، والقط لا يموء إلا ثلاث مرات؛ وقد اعتقد شكسبير أن السبب الذي حدا بهن إلى هذا الميل الغريب هو اعتقادهن أن الأعداد الغريبة تنبئ عن الحظ الحسن والفال الجيد
وكان العقاب الشديد دائماً في انتظارهن يهدد حياتهن، فكل امرأة كان يشك في كونها ساحرة من النوع الخطر كانت تشد إلى قطعة خشبية مصلبة تتوقف بواسطتها الحركة الدموية، وتتشنج الشرايين فتحدث ألماً شديداً قل أن يحتمله إنسان. وقبل أن تتوقف الحركة الدموية بهذه الطريقة كان الساحرات يربطن لمدة لا تقل عن الأربع والعشرين ساعة حتى تعترف بسحرها. وهناك طريقة أخرى كان الساحرات يعذبن بواسطتها ألا وهي طريقة نزيف الدم بقطع أحد الشرايين
وللساحرات فصل معين من فصول السنة لا يظهرن فيه أبداً، وقد ذكر شكسبير ذلك في رواية هملت بقوله: (يقول البعض إن الفصل الذي ولد فيه السيد المسيح هو فصل سعادة وحبور، ففي أثنائه تظل الطيور مغردة على الأفنان، وتختفي الساحرات والأشباح من عالم البشر). وكان الناس يخافونهن ويسعون في مرضاتهن فيستعيذ المتدينون من الرجال منهن ويبتعدون عن شرورهن وآثامهن
وإني لأعتقد من جرّاء هذا الاهتمام الذي أبداه شكسبير بهن، وهذا التدقيق في البحث في مسألتهن وتصويرهن، أن شكسبير كان يؤمن بوجودهن وقدرتهن الإيمان كله، فقد اعتقد أن لهن من القوة والجبروت ما تستطعن بواسطته إخضاع النوع البشري لسلطتهن وسيطرتهن، وهذا ما أظهره جلياً في كتابته عنهن في كثير من رواياته.
خيري حماد
следующие страницы →