Полный текст (65 431 стр.). Показаны 9906–9945 · переход к 9911.
стр. 9906
في الأدب الإنجليزي
٤ - الكائنات الغيبية في شعر شكسبير
بقلم خيري حماد
وكان من السائد في ذلك العصر أن هذه الطائفة من المخلوقات سرمدية أزلية، فكثيراً ما يطلق شكسبير على الناس لقب الأحياء الفانين بينا هو لا يعرض لهن بشيء من ذلك. وقد يجعلن من الرجل أداة للهزء والسخرية فيلقبنه بألقاب عدة أهمها أنه حي زائل وليس بباق. فالملكة تيتانيا تطلب من بطانتها ووصائفها أن يعاملن بلطف ذلك المخلوق الزائل بوتوم ولهذه المخلوقات زيادةً على ذلك خاصية الاختفاء والظهور للبشر، فهي كالفقاعات الهوائية التي لا تظهر للناس حتى تزول ولا يمكن عند ذلك معرفة الجهة التي اختفت فيها أو تمييزها.
وفضلاً عما تقدم كانت لهن صفات أخرى أهمها خاصية التشكل والظهور بصور عدة، وقد صور إبيرون لنا نفسه بقوله: (سأكون في وقت ما حصاناً فأصهل، أو كلباً فأنبح، أو قوقعة فأنعق، أو دباً فأقهقع، أو ناراً فأحترق). وخاصية السرعة والنشاط فهنّ أسرع من القمر، وفي استطاعتهن الدوران حول الكرة الأرضية في مدة لا تتجاوز الأربعين دقيقة. وقد افتخر روبن هود بسرعته وتحدى الآخرين قائلاً (انظروني أذهب بسرعة لا تدانيها سرعة السهم وقد انطلق من قوس التتري)
وأهم ما نراه مشتركاً بين الجنيات هو ميلهن إلى الموسيقى وفنه فلا يطربن للسماع فقط بل خلقن وقد لازمهن هذا الفن وهذه الموهبة النادرة ملازمة تامة. وما جزيرة العاصفة الخرافية إلا مكان تسوده الموسيقى والأصوات العذبة مما جعل للمكان روعة ساحرة خلابة. فكثيراً ما كانت تسمع أصوات آلاف الآلات الموسيقية منتشرة في الجو انتشاراً لا يضاهيه انتشار الروائح العطرية المختلفة ولم تقتصر هذه الموهبة على الموسيقى فحسب بل تجاوزتها إلى الرقص، فنرى الملكة تيتانيا تأمر بطانتها وجواريها (أن يخترن من الينابيع وجداول الأنهار وشواطئ البحار أمكنة ليقمن فيها حلقات الرقص والموسيقى)
стр. 9907
وآخر هذه الميزات التي اشتهرت بها الجنيات هي ميزة حماية القبور والأضرحة. فكن يقمن بأعمال ما يسمونه الملاك الحارس. ولا تقتصر مهمتهن على تسلية الميت بل تتعداها إلى حفظه سليماً من الحشرات معافى من الجراثيم. ونرى هذه الخاصية بوضوح في رواية سمبالين إذ يقول (ستقوم نساء الجنيات بحراسة قبره من الحشرات)
أم وقد انتهينا من هذه الصورة الرائعة التي صورها لنا شكسبير فيجدر بنا أن ننظر أكان موفقاً في تصويره أم غير موفق. قال جبسن يصف هذه المحاولة: (إن صورة الجنيات في روايات شكسبير تمثل لنا المرح والسرور والنية الطاهرة ممتزجاً بعضها ببعض تحددها المحاولات الضئيلة التي يقصد منها إيقاع الضرر بالناس. ولا يقصد الشاعر من هذه الصور إلا تسلية قراءه فقط غير محاول إظهار عقيدته الحقيقية، وما هي إلا مخلوقات هوائية تحلق في الفضاء مرفوفة أمام أعيننا)
لا يسهل علينا أن ننكر قط هذا الجمال الظاهر في هذه الصورة النادرة. فقد نجح شكسبير أيما نجاح في إبرازها إلى حيز الوجود بلباس رائع من المرح والسرور؛ ولقد صدق جبسن في وصفه السابق لهذه الصورة من ناحية واحدة وأخطأ في ناحية أخرى، فلقد حكم أن شكسبير لم يقصد منها إلا تسلية قرائه غير معبر عن أية عقيدة من عقائده. وحسبي أن أقول معارضاً هذا الرأي أنه ليس في استطاعة أي شاعر أو كاتب أن يصف عقيدة من العقائد كهذا الوصف الدقيق المسهب دون أن يكون له أدنى تفكير وإيمان بالعقيدة نفسها. فقد اعتقد شكسبير بوجود الجنيات وسمع ما كان يدور على ألسنة أهل عصره من قصص وأساطير جلاها في رواياته مرتدياً رداء من الخيال الواسع والابتكار البديع
الساحرات
من الصور الغيبية التي رسمها شكسبير بدقة تأتي صورة الساحرات في الدرجة الثانية؛ فلم يقتصر ذكرهن على رواية واحدة من رواياته؛ بل تعدتها إلى عدد من الروايات لا يقل عن التي تبحث في الجنيات أهمية وعدداً، ولكنه اختص إحدى هذه الروايات ببحث مسهب مستفيض جعلها قاصرة على هذا النوع من المخلوقات الغيبية، وهذه الرواية هي التي يعدها كثير من النقاد والأدباء أحسن ما كتبه الشاعر ألا وهي رواية مكبث
أما ساحرات شكسبير فيقسمن إلى طبقتين مختلفتين: أولاهما طبقة الساحرات البشريات
стр. 9908
اللواتي يوصفن عادة بالذبول. وثانيهما طبقة الساحرات العلويات أو الغيبيات اللواتي امتزن عن أخواتهن بميزات أرقى وأهم
يذكر شكسبير ساحراته الأرضيات في كثير من رواياته العديدة حيث يكون لهنّ شأن ضئيل في مجرى الرواية وهيكلها. فهو يذكر في رواية هنري السادس إحدى هؤلاء الساحرات على لسان تالبوت حيث يقول: (إن بوسيل تلك الساحرة الملعونة قد سببت هذه المصيبة وتلك الأكدار التي لم نتخلص منها في فرنسا إلا بعد لأي)، وقد ذكرهن في رواية أخرى هي رواية (نساء وندسور المرحات) حيث تقول السيدة بيج (دعنا نلبسه ألبسة تشبه ألبسة ساحرة برانيفورد). وقد ذكر هذا النوع من الساحرات في رواية ثالثة هي رواية الملك ريشارد الثالث عندما يخاطبه كلوسستر قائلاً: (إن هي إلا امرأة ادورد تلك الساحرة التي نفثت سحرها في أعمالي فباءت بالفشل)
في جميع هذه الروايات التي ذكرتها نرى الساحرات البشريات يلعبن دوراً بسيطاً، بينما الساحرات السماويات تشغل قسماً أكبر من تفكير هذا الشاعر العظيم؛ فقد اختص رواية مكبث كلها بتحليل شخصياتهن ووصفها وصفاً دقيقاً مسهباً. وقد صدق مستر لويد في كتابته النقدية عن مكبث حين قال: (إن رواية مكبث تشمل الخيال المبدع والمخاوف السحرية، وكثيراً من الخرافات التي كانت تسود أقسام بريطانيا الشمالية والجزر الغربية منها)
وهؤلاء الساحرات لا أسماء لهن فهن يدعين أنفسهن بالأخوات الذابلات كما يتبين لك في مواضع عدة من رواية مكبث وقد كان الناس كثيراً ما يشتبهون فيهن فيحسبونهن رجالاً لما في ذقونهن من لحى كلحى الرجال بينما هنّ في الحقيقة إناث اكتملت فيهن صفات الأنوثة؛ ويظهر هذا جلياً في رواية مكبث عندما يقول مخاطباً آباءهن: (إنكن نساء مع أن لحاكن تجعلني أميل إلى الاعتقاد في رجولتكن)
إن هذا المظهر الذي كان يجمع بين صفتي الرجولة والأنوثة في هؤلاء الساحرات كان سبباً قوياً في ازدياد الشعور نحوهن بالكره والازدراء. وكم كان الناس يودون القضاء عليهن لولا أن في استطاعتهن أن يغيرن صورهن وأشكالهن، فتارة تراهن بصورة قطة من القطط الرقطاء، وطوراً بشكل فأر قد قطع ذنبه، وهذا يتجلى لنا بصورة واضحة في رواية مكبث عندما تظهر إحداهن في بدء الرواية بصورة هرة تدعى كريمالكين وقد
стр. 9909
وصفت إحداهن نفسها بقولها في ناحية أخرى من الرواية (سأكون بشكل فأرة عارية عن الذنب فأمتطي منخلاً وأسبح في البحر محاولة تخريب السفن وإغراقها)
وتختلف الساحرات عن الجنيات بكونهن عاملاً من عوامل الشر والدمار فهن يحملن في أنفسهن الكره الشديد لبني البشر ويسعين بكل طاقتهن لإيقاع الضرر بالمجموع البشري، وكثيراً ما يستعملن الأعشاب السامة لتنفيذ أغراضهن الشريرة، وكانت لهن ملكة تدعى هكبت اقتصرت أعمالها على إيقاع الآلام بالناس، وقد وصفها لوشيانس في رواية هملت بقوله: (انك لتخلط بين أعشاب الليل وبين الأعشاب الصفراء الذابلة التي جمعتها هكبت لتستعملها في سحرها وفي ذلك تنتهي الحياة البشرية)
وتمتاز الساحرات بأنهن أقوى أنواع هذه المخلوقات المغيبة، فهبوب الرياح والسباحة في البحار كانت من المسائل التي في استطاعتهن القيام بها بكل سهولة، وكان الليل أحب الأوقات إليهن لأنهن يستطعن الخروج فيه بكل جرأة وحرية ويتعاطين ما يشأن في أثنائه. ولنستمع إلى مكبث مخاطباً إياهن قائلاً: (ماذا تعملن أيتها المخلوقات السرية الليلية)
ولم يقتصر زمن ظهورهن على الليل فقط بل كان بإمكانهن التجول أثناء النهار فقد اتفقن في الفصل الأول من رواية مكبث أن يقابلنه قبل مغيب الشمس. وكان في استطاعتهن أن يختفين أو يظهرن حسب إرادتهن. فقد ظهرن لمكبث وبانكو في الفصل الثالث من الرواية لكنهن ما عتمن أن اختفين بعد أداء مهمتهن التي قصدنها وقد استولت الدهشة على بانكو فصاح قائلاً لما اختفين: (إن للأرض فقاعات كما أن للماء فقاعات أيضاً، وهذه المخلوقات هي من فقاعات الأرض، في أي مكان اختفين؟)
حاولت الساحرات إظهار قوتهن وسلطتهن على البشر فصدرت عنهن تلك النبوءات التي تم تحقيقها في نهاية رواية ومبث، وكل ما في هذه الرواية من ابتكار وابتداع يرتكز على محور واحد ذلكم هو النبوءات، ففي بدء الرواية يخبرنه عن المستقبل فيتنبأن بصيرورته سيداً على كادور ثم ملكاً على اسكتلندا، وكلتا هاتين النبوءتين يتحقق، وفي نهاية الرواية يتنبأن بنبوءات جديدة، فيخبرنه أنه لن يصيبه مكروه من إنسان عادي بل من رجل لم تنجبه امرأة، وإن هذا الأمر لن يتحقق إلا إذا انتقلت غابة برنام من مكانها وسارت مسافة لا تقل عن الخمسين ميلاً، وكل هذه النبوءات تتحقق ويتبين صدقها في نهاية الرواية
стр. 9910
ونظراً لهذه الشرور والآثام التي كان الساحرات يرتكبنها كان الناس على اختلاف مللهم ونحلهم ينظرون إليهن بعين الكراهية والسخط، فكانت لهن عادات مستهجنة غريبة كميلهن إلى الأعداد الغريبة وخصوصاً الثلاثة منها، فلا يخطون إلا ثلاث خطوات عند رقصهن، والقط لا يموء إلا ثلاث مرات؛ وقد اعتقد شكسبير أن السبب الذي حدا بهن إلى هذا الميل الغريب هو اعتقادهن أن الأعداد الغريبة تنبئ عن الحظ الحسن والفال الجيد
وكان العقاب الشديد دائماً في انتظارهن يهدد حياتهن، فكل امرأة كان يشك في كونها ساحرة من النوع الخطر كانت تشد إلى قطعة خشبية مصلبة تتوقف بواسطتها الحركة الدموية، وتتشنج الشرايين فتحدث ألماً شديداً قل أن يحتمله إنسان. وقبل أن تتوقف الحركة الدموية بهذه الطريقة كان الساحرات يربطن لمدة لا تقل عن الأربع والعشرين ساعة حتى تعترف بسحرها. وهناك طريقة أخرى كان الساحرات يعذبن بواسطتها ألا وهي طريقة نزيف الدم بقطع أحد الشرايين
وللساحرات فصل معين من فصول السنة لا يظهرن فيه أبداً، وقد ذكر شكسبير ذلك في رواية هملت بقوله: (يقول البعض إن الفصل الذي ولد فيه السيد المسيح هو فصل سعادة وحبور، ففي أثنائه تظل الطيور مغردة على الأفنان، وتختفي الساحرات والأشباح من عالم البشر). وكان الناس يخافونهن ويسعون في مرضاتهن فيستعيذ المتدينون من الرجال منهن ويبتعدون عن شرورهن وآثامهن
وإني لأعتقد من جرّاء هذا الاهتمام الذي أبداه شكسبير بهن، وهذا التدقيق في البحث في مسألتهن وتصويرهن، أن شكسبير كان يؤمن بوجودهن وقدرتهن الإيمان كله، فقد اعتقد أن لهن من القوة والجبروت ما تستطعن بواسطته إخضاع النوع البشري لسلطتهن وسيطرتهن، وهذا ما أظهره جلياً في كتابته عنهن في كثير من رواياته.
خيري حماد
стр. 9911
القصص
صور من هوميروس
١٠ - حروب طروادة
معركة بين الآلهة. . .
للأستاذ دريني خشبة
وقفت نَدْمانَةُ الآلهة (هيب) اللعوب الهيفاء، تسقي أربابها خمراً! وكان الأولمب يزخر بسادته
فهذا زيوس العظيم مستوياً على عرشه الضخم المرصع بالجوهر والياقوت
وهذا أبوللو سيد الشمس، وصاحب القوس، يوقع على قيثارته أشجى ألحانه
وهذا فالكان، الحداد القذر، قد بدا في حلة جديدة ذات ألوان صارخة
وذاك مارس الجبار، إله الحرب، يلاعب الأسنة، ويداعب الصَّعْدَةَ المُرِنَّة
وذلك هرمز، عزرائيل هيدز الكريم، ورسول الآلهة إلى سكان الأرض، يرسل في الملأ نظراته الساخرة، ونكاته المنكرة
وهذه حيرا،، مليكة الأولمب، تود لو تضرم النار في قصور مولاها، إن لم يقض بانتصار الإغريق!
وهذي مينرفا. . . الحكيمة الراشدة. . . تصمت صمتاً أبلغ من وحي الأولمب كله، ترى هل تستطيع تسخير هذه العصبة من الأرباب لسحق باريس وقومه وأحلافه!
ثم طائفة كبيرة من الآلهة وأنصاف الآلهة. . .
وهيب اللعوب تسقي الجميع خمراً!!
وللخمر الأولمبية، كما لخمر هذه الأرض، نشوة وسورة، ولها على رؤوس أربابها صولة وسلطان، وهي مثلها تُرَوِّي حتى تبلغ المُشاش، وتتغلغل حتى لتمتزج بالدم!
وهيب تروح وتجيء، حلوة بسامة. . . كأنها مدامة!
وروى الجميع إلا حيرا!!
وانتشى الجميع إلا مينرفا!!
стр. 9912
لقد كانتا ما تفكران إلا في هذه الساحة الحمراء، وما يقع فيها من بلاء!
أليس قد ذهب الهيلانيون ينتقمون لكبريائهما من باريس ومن قوم باريس؟
ألم تنصح عروس الماء، إيونونيه، لباريس ألا يصيخ لفينوس، وأن يعطي التفاحة لمينرفا؟
ألم تحذره من التعرض لنقمة الربتين العظيمتين؟
غير أنه أبى!!
وآثر الجمال والحب، ثم الشقاء والحرب، مع فينوس، على القوة والصولة، والملك الكبير، والحكمة والنورانية، مع حيرا أو مينرفا!!
وبذلك جلب على نفسه وقومه وبال هذه الحرب ونكالها!
وليس اليوم أروح إلى قلب حيرا، وأرضى إلى نفس مينرفا، من أن تنصرا جحافل الهيلانيين، وتثبتا في ساحة الحرب أقدامهم!
ولكن أخيل منفرد في معسكره وهو مفئود محزون!
وقد وعدته أمه بالأثئار له، وكلمت فيه زيوس سيد الأولمب، ولم تزل به تسلط عليه ذكريات غرامهما القديم حتى زلزلت أركانه، وسلبت جنانه، وانتزعت منه وعداً قدسياً بأن ينتقم من أجاممنون، وجنوده لأخيلها العزيز!
تانِكم إذن حيرا ومنرفا
وذاكم زيوس كبير أرباب الأولمب
أما أبوللو، فهو لا ينسى أن فضحه أجاممنون في بنت كاهنه، وهو ما يفتأ يتربص بالقوم، ويدبر لهم سوء المنقلب!
وأما فينوس،. . .،. . .؟. . .
فتلك أبر بباريس وبقوم باريس، وهي أبداً ستحمي باريس وجند باريس!! لأنها ستذكر له أبداً أنه نصرها على حيرا. . . وأيدها على مينرفا!!
وكذلك أوقدت هذه الحرب العداوة والبغضاء بين الآلهة، وأضرمت النيران في قصور الأولمب!
فللآلهة في جبل (إيدا) معسكران، كما لبني الموتى حول طروادة معسكران!!
أوشك منالايوس أن يفتك بباريس، لولا أن أنقذته فينوس ولقيته هيلين عاذلة مغضبة، لكنه
стр. 9913
نسي نفسه بين ذراعيها، واستماحها أن تدع حديث الحرب إلى نشوة الحب،. . . (على أن أعود فأثأر لنفسي من منالايوس العنيد، الذي لولا حماية مينرفا وحيرا له لبطشت به وجعلته خبراً في الذاهبين. . .)
وكان العهد بين بريام الملك، وأجاممنون قائد الهيلانيين، أن يلقي المغلوب السَّلمَ، فلما فرّ باريس تقدم أجاممنون وطلب أن يسلم الطرواديون هيلين الأرجيفيه، وأن يقدموا دروع باريس وسيفه، وفرسه، وجميع عدته الحربية، لتكون أثراً خالداً يحتفظ به الإغريق ويتوارثونه رمزاً لمجدهم الحربي، وتذكاراً لفوزهم وغلبهم
بيد أن الطرواديين رفضوا هذا الطلب: (لأن أحداً من المتبارزين لم يظفر بالآخر، ولأن قطرة من الدم لم تصبغ أديم الأرض فتكون شاهد النصر)
وكانت بين الفريق مهادنة
فخشيت حيرا ومينرفا أن يطول أمدها، واتفقتا على أن تذهب مينرفا هذه المرة أيضاً فتضع حداً لهذا السلام الذي يشمل الساحة، وأن تثير الحرب من جديد!
وذهبت مينرفا فاندست بين صفوف الطرواديين؛ وسحرت نفسها فبدت في عدة (لاودوكوس) البطل الطروادي وهيئته، ثم وترت قوسها وأرسلت سهماً مراشاً نفذ في جسم منالايوس إذ هو يبحث عبثاً عن باريس. . .
وتجددت الحرب بين الفريقين بسبب هذه السهم، فكانت حرباً زبوناً، طاشت من هولها الأحلام، وبلغت القلوب الحناجر وزاغت الأبصار فما ترى إلا حميماً. . .
وعز على فينوس أن ينهزم جند طروادة، وهم أولياؤها وصنائعها، فذكرت أن لها في أرباب الأولمب عاشقاً هيماناً يترضاها ويلتمس وصلة منها تشفي قلبه الخفق، وتداوي هواه الثائر، وأعصابه التي مزقها الحب، وأذابها لظى الغرام، فانطلقت إليه تغريه بكل ابتسامة تلين الحديد، وكل نظرة ساجية تفجر الماء من الصخر، أن يقوم من فوره فينفخ من روحه في قلوب الطرواديين، ويؤيد بنصره صفوفهم. . .
ذلك هو مارس، مسعر الحروب وموري لظاها!
وطرب الطرواديون لوجود رب القتال في صفوفهم يناصب أعداءهم الحرب فيجعلها ضراماً، ويصلصل دروعه فيوقع في قلوبهم الرعب، ويثير في نفوسهم الهلع، ويروعهم
стр. 9914
ترويعاً. . .
وكانت إلى جانبه فينوس تنفث فيه سحرها، فكان لا يلقى فارساً إلا طعنه فيكبه على وجهه، ثم يشكه فيجفوه من الأرض، كأنما يتخذ منه هزواً وسخرياً!!
وهرع أبوللو فأمطر الهيلانيين وأبلا من سهامه التي ما مست أحداً إلا أردته، وما أقصدت صدراً إلا شقته. . .
وساء منقلب الهيلانيين!
وعز على حيرا ومينرفا أن ينهزم أصحابهما، وأن يصلوها من مارس وأبوللو نارا حامية، وهزيمة منكرة، ثم لا يكون بحسبهم ضربات مارس اللزاب، وسهام أبوللو المفوَّقة، بل تطحنهم هذه الصواعق الجهنمية التي سلطها كبير الآلهة عليهم؛ زيوس؛ سيد الأولمب، الذي أصبح كل همه أن ينتقم لأخيل بن حبيبته ذيتيس من هؤلاء الإغريق ناكري الجميل!!
وعبست حيرا عبوساً ثقيلاً، ودعت إليها مينرفا، وجلستا تفكران! وبدا لهما أن يذهبا إلى الأولمب فيستدعيا رب البحار العظيم، نبتيون، فيضع حداً لهذه القسوة التي يبديها مارس وزميله أبوللو. . .
ولكن كيف السبيل إلى غل يد زيوس، ورد صواعقه التي تنحط على الإغريق من عل، فلا تبقي عليهم ولا تذر؟
آه! لا سبيل إلى ذلك إلا بمنطقة فينوس السحرية! سستوس! تلك المنطقة العجيبة التي تغوي كل من نظر إليها، وتشعل في قلبه لظى من الهوى، وضراماً من الحب. لا بأس إذن من ممالقة فينوس حتى تنزل عن منطقتها أياماً لمليكة الأولمب وكبيرة رباته، ثم لتذهب مليكة الأولمب بمنطقة فينوس لتعبث كثيراً - أو قليلاً - بقلب زيوس، الذي ما يفتأ يرسل صواعقه على الإغريق من جبل (إيدا)، وليس شك أن سيصبو زيوس حين يرى منطقة فينوس تزين خصر حيرا وتبرز مفاتن صدرها؛ فإذا عصفت به فورة التشهي، وحاول قبلة واحدة من آثر زوجاته إليه، فلا بأس من أن تمنحه إياها. . . ولكن. . . لتنتهز سكرته العميقة وتسلط عليه إله النوم الجبار - الذي هو دائماً في خدمتها أينما سارت - فيغرقه في سبات عميق، ويظل به يداعب أجفانه، ويعسل أحلامه، حتى يكون نبتيون قد انكشف لمارس وصاحبه، وأجنادهما، فيقذف الرعب في قلوبهم، ويزلزل أركانهم، ويوهي
стр. 9915
عزائمهم؛ ويختلط حابلهم بنابلهم فيولون مدبرين لا يلوي أحد على أحد!. . .
وقد أفلحت خطة حيرا. . .
فهذا مارس ما يكاد يلمح نبتيون حتى يذكر هذه الأيام السوداء التي صب عليه فيها رب البحار سوط عذابه، فيخفق قلبه، وترتعد فرائصه، ويكبو زنده، وتذهب ريحه وتنحطم شوكته. . . ثم يقذفه نبتيون بسهم، وقل أن تطيش سهام نبتيون، فيصرخ إله الكريهة صرخة كريهة، وينفتل من الحلبة الحمراء مولياً عقبه، ساخطاً على فينوس، وما يجر إليه غرام فينوس!!!
وولى في أثره أتباعه الطغاة، آلهة الشرور، إيريس رب الشغب، وفوبوس رب الرعب، وميتوس رب الخوف، وديميوس رب الفزع، وباللور رب الهلع. . . عصبة الإجرام وشرذمة الآثام، والطغمة الباغية من أوشاب الأرباب!!
وأفيق الإغريق مما حل بهم من روع. . .
ونظروا فرأوا مارس وملأه مولين الأدبار، والدم يتدفق من جراحهم جميعاً؛ فأفرخ روعهم، وأمن سربهم، ثم لموا شعثهم وهجموا على أعدائهم هجمة رجل واحد، فأدالوا لأنفسهم، وثأروا لكبريائهم، وانصرفوا يتفقدون جرحاهم، ويحرّقون جثث قتلاهم الشهداء!
يا للهول!
لقد قتل إمبريوس البطل! قتله تيوسير، غير راحم شبابه، ولا مبق على عوده الفينان!
وأمفيما خوس!! لقد صرعه هكتور بن بريام، غير راث لأمه العجوز الهرمة، ولا آبه بالباكين حوله والمعولين!!
وديوميد!! زين شباب هيلاس، وآثر فتيانها إلى قلوب الآلهة! لقد جرحه باريس بسهم أوشك أن يكون قاتلاً! لولا أن أدركه جنوده فأسعفوه، وضمدوا جرحه وإلى المعسكر حملوه!
وأجاممنون! لقد برز في المعمعة، ودل على الفروسية التي بهرت الطرواديين، بيد أنه أصيب بسهم نفذ فيه، فارتد على عقبه يصرخ ويتلوى!
وأوليسيز!! أوليسيز العظيم!! لقد أرسل إليه سوكوس، أمهر رماة طروادة، بسهم مفَوَّق، فجعله ينتفض كما ينتفض المحموم، ويخر إلى الأرض فيتأود كمن لدغته أفعى، ولولا أن أدركه أجاكس ومنالايوس فأسعفاه لكان من الغابرين!
стр. 9916
وأجاكس كذلك! لقد أتاه سهم كاد يذهب به لولا بقية من حياة!!
ومخاون! لقد روعه باريس هو الآخر فشكى وبكى!!
أرأيت؟
لقد نال الطرواديون وأحلافهم من جموع الهيلانيين، ولولا أن أغاث هؤلاء نبتيون القاهر، لكانت ملحمة فاصلة في هذه الحرب الشعواء!
وكأن السماء قد أيقظت ضمائر اليونانيين، وبرهنت لهم أن أخيل ما دام لا يخوض معهم المعمعة، فلا نصر لهم ولا غلبة، ولا محيص من هذه الهزائم المتتالية، والجروح التي لما تكن قصاصاً لولا أن أدركهم نبتيون!
عرف اليونانيون هذا، وآمنوا بعد هذا الفزع الأكبر أن لو كان أخيل بينهم يوم هذه الكريهة لما حفلوا بمارس وأتباعه، ولأظفرتهم آلهتهم بأعدائهم، ومارس وملئه، وأبوللو وجنوده جميعاً. . .
وانطلق نسطور فعرض على أجاممنون مصالحة أخيل وإرضاءه، وبعد لأي رضى القائد العام أن ينطلق نسطور وأوليسيز وأجاكس وفونيكس إلى معسكر أخيل، مندوبين عن القائد، ليعرضوا عليه صلحاً شريفاً، وموثقاً كريماً، يرضاه الطرفان؛ ولكن أخيل يثور لكرامته، ويأبى إلا. . . بريسيز. . . ثم لا يشترك في حرب ضد الطرواديين. . .
ويلح أوليسيز على صديقه القديم. . . . ولكن صديقه القديم ما يزداد إلا شماساً، وما يزداد إلا أنفة. . .
ويكون فونيكس قد نالت منه حجج أخيل، ويكون قد خلبه بيانه، وبهره حسن منطقه، وطلاقة لسانه، وعظيم شجاعته، فيؤثر البقاء معه، مخاصماً الهيلانيين جميعاً حتى يرضى أخيل فيتركه أوليسيز وصاحباه، ويعودون إلى أجاممنون. . . بخفي أخيل!!
وهكذا تتم كل هذه الأحداث الجسام. . .
وزيوس يغط في نومه الهادئ الناعم يوماً بأكمله. . حتى يبطل السحر، وتذهب الرُّقية، فيهب الإله الأكبر من سباته حيران أسفاً. . . لأنه ينظر من ذروة جبل إيدا، فيرى إلى نبتيون الجبار يصول في ساحة طروادة ويجول، ويصرع الأبطال، ويجندل الأقران، ويرى إلى مارس العتيد، وجنوده الأقوياء، يفرون من وجه سيد البحار، لا يلوون على شيء. . .
стр. 9917
ويرى أيضاً إلى أخيل ما يزال منفرداً في فسطاطه، قريباً من سفائنه، والحزن يمضه، ويوهي جلده، فيحزن الإله الأكبر وينفذ إيريس إلى نبتيون ليزجره، ويأمره أن يغادر المعمعان في الحال، وإلا أرسل عليه سيد الأولمب صواعقه، وهناك لا يكون له حول ولا تكون له قوة. . .
ويغادر نبتيون الموقعة، ولكن بعد دمر الطرواديين تدميراً!. . .
(لها بقية)
دريني خشبة
стр. 9918
رحلة إلى حدود مصر الغربية
مرسى مطروح، سيوه، السلوم
للأستاذ الرحالة محمد ثابت
شددت رحالي إلى الناحية الغربية من الديار المصرية، تلك الناحية التي نجهل عن أهلها الشيء الكثير، فكان أن بدأت بخط أدكو ورشيد، فمررنا بأراض شبه صحراوية، بها مزارع متناثرة غير متصلة، وبخاصة حول أدكو، وهنا أدهشني نشاط الأهلين في الكد وراء كسب عيشهم حتى الأطفال، فتراهم لا يضيعون من وقتهم شيئاً، يخرجون جماعات لصيد السمك أو الطيور، ويتجرون في ذلك كباراً وصغاراً، وأنت ترى جموعهم تتهافت على القطار يعرضون عليك سلعهم هذه، فإن أعوزهم المشترون عكفوا على دورهم يأكلون ما تخلف معهم من سمك كثير وطير وفير؛ لذلك كنا نلمس في أجسادهم وفرة التغذية والامتلاء، ومن السلع المنتشرة هنالك البيض والليمون، أما غابات النخيل فهي في كثرة فائقة، ومنها نستمد البلح الرشيدي (الزغلول) ذائع الصيت. ولقد مررنا بتفتيش إدفينا، وهنا تجلت المجهودات الجبارة التي بذلت في استثمار تلك الأراضي التي كانت بائرة نزة، فلقد زودت بالمصارف والمضخات والقنوات، فأضحت جنة يانعة، وهي ملك للخاصة؛ ويا حبذا لو شمل ذلك الإصلاح ما جاورها من متسعات لا يزال أمرها مغفلاً مهملاً، وهنالك بعض الشركات الأجنبية تشتري المساحات الشاسعة وتتعهدها بالإصلاح، فهلا قامت الحكومة بذلك أو ساعدت الأهلين عليه حتى لا تزيد في ملكية الأجانب وامتيازاتهم في بلادنا؟ دخلنا رشيد فحاكت بلدا عتيقاً، بيوته بالآجر الأحمر الصغير لا يكسوه ملاط، وهي تقوم على النيل، ومن أظهر ما يسترعي نظرك مداخن لا حصر لها هي لمضارب الأرز أنشط جهات العمل في البلدة، وعلى مسيرة زهاء خمسة كيلو مترات يلتقي النيل بالبحر في لسان شبيه بذاك الذي في رأس البر، ولقد كان ماء هذا الشهر عذباً (أغسطس) بعد أن ظل مالحاً ستة شهور قبل ذلك من طغيان ماء البحر على النهر، وسيظل الماء عذباً بقية العام؛ ويجاور البلد عدد من الملاحات، ونرى زوارق الصيد يغص بها النهر والبحر، ومهنة صيد السمك رئيسية هنالك
عدت إلى الإسكندرية، وقمت صوب الغرب إلى مطروح مسافة تزيد على ٣٠٠ك م، ثلاثة
стр. 9919
أرباعها بسكة الحديد إلى محطة فوكه وبعدها بالسيارات الكبيرة، وكان قد أنشأ ذاك الخط سمو الخديو السابق رغبة في تعمير تلك الناحية التي كان يمتلك جل أراضيها ويحاول إصلاحها، لكنه اعتزم أن يبيع الخط للطليان، فسارعت الحكومة بشرائه منه، ولقد سار القطار إلى جانب مستنقعات بحيرة مريوط وصحرائها الملحة طويلا، ومر بمحطة (اكنحي مريوط)، ولعل أكبر البلاد (الحمام) العاصمة التجارية لتلك الناحية، أما الأهلون فهم قليلون مشتتون في خيامهم، ولهم لهجتهم العربية المحرفة، وقد كنا نقف على المحطة فلا نرى من المساكن شيئاً سوى أبنية عمال المحطة، فنتساءل أين البلدة؟ فيقولون: ليس هناك من بلد، والأهلون متفرقون في مساحة شاسعة من الأرض حولها، ويبدو عليهم العوز والجوع، وبخاصة في هذا العام الذي تخلف فيه المطر فأجدبت منابت الشعير، وكنا نرى مساحات الأراضي التي (عزقها) أصحابها وبذروا فيها الشعير كعادتهم وتركوها حتى ينزل عليها مطر الشتاء فيسقيها، وعند اقتراب نضجها يعودون من جولاتهم الطويلة - التي قد تصل بهم إلى داخل مديرية البحيرة - ويحصدونها
وبعد مسير ثماني ساعات ونصف من الإسكندرية أشرفنا على مرسى مطروح في خليج هلالي، تقوم المباني على جوانبه في شوارع متعامدة أبعادها تكاد تكون متساوية وهندستها موحدة بسيطة، فجلها شبه مربعات من طابق واحد يكسوه الطلاء الأبيض، وقل أن تجد بناء يشذ في علوه أو لونه وهندسته، والشوارع هناك فسيحة، ويبدو عليها المظهر الصحراوي في ندرة النبت، وإن حاولت المحافظة استنبات بعض الأشجار القليلة على جوانب الطرق؛ وهناك بيت المحافظ الإنجليزي - ومطروح تعتبر عاصمة محافظة الحدود الغربية - يشرف على البحر، ويليه بيت وكيل المحافظ وسائر الموظفين. ومما يذكر للإدارة هناك بالفخر، عنايتها بالنظافة التامة، ورعاية صحة الأهلين والرقابة الخلقية عليهم؛ ولقد أعدت للموظفين نادياً صغيراً جميلاً على البحر زود بصنوف الحلوى والمرطبات وأدوات اللعب البريء وبجهاز للراديو يسري عنهم في معيشتهم المنعزلة الموحشة؛ وتضاء الشوارع بالمصابيح الكبيرة التي تقلل من وحشة سكون الليل الرهيب هنالك. وخير ما يتجلى منظر البلدة في كامل روائه من الاستراحة الحكومية التي أقيمت على النجاد التي أدت بسيارتنا إلى شاطئ خليج مطروح؛ وفي ناحية نائية من غرب مطروح مسجد أنيق
стр. 9920
(لسيدي العوام) بطل المنطقة وقد بناه الخديو السابق كما بنى كثيراً من المساجد في بلدان خط مريوط، وكانت تقوم حوله طائفة من مساكن الأعراب فعوضتهم عنها الحكومة وأزالتها وأقامت مصيفاً يسمونه الليدو، فبدأت بنزل فاخر زودته بكافة وسائل الترف والراحة وجعلت أجر المقام به نصف جنيه في اليوم، ثم أقامت حوله بيتين صغيرين أنيقين (فلآت) لمن يريد الاستئجار. على أن عزلة المكان وبعده وافتقاره إلى وسائل اللهو قد زهد المصيفين فيه، إذ أني لم أحص في المصيف كله أكثر من عشرة أشخاص، فهو عندي خير مصطاف لطلاب الراحة البريئة والسكون الشامل وهؤلاء قليلون؛ ويخيل إلي أن تقدير الحكومة الصدقية كان خاطئاً إذ كلفته نيفاً وعشرين ألف جنيه لن يسد للدولة منها شيئاً. ولقد قال لي بعض الناس من سكان البلد إنها فكرة إنجليزية قصد بها أن يقيم على حساب الدولة مستراضاً للمارة من السادة الإنجليز في روحاتهم وغدواتهم على الحدود الغربية
وأهل البلد من الأعراب يسيرون في ثيابهم الفضفاضة، وسادتهم يطوقون كواهلهم بأحزمة بيضاء ثقيلة، ونساؤهم يسرن سافرات في ثياب حمراء فضفاضة أكمامها هائلة هادلة وهن على جانب كبير من السذاجة. تجلس في المقهى فترى الواحد منهم يدخل ويقف حولك يحدق فيك ويزوغ ببصره ثم يتسكع حولك ولا يكاد ينصرف حتى ترى غيره، وأطفالهم عراة جياع حالتهم تستدر العطف وتستنزل الرحمات ويكثر بينهم الزنوج السود وهم من عبيد السنوسية جاءوا بهم معهم بعد أن حرروهم لما أن طاردهم الطليان وأجلوهم عن ديارهم. ولأبناء السنوسي هناك مقام كبير بين الناس يكاد يبلغ حد التقديس. حدث مرة أن رأيت بيتاً فاخراً طلي باللون الأزرق على خلاف سائر بيوت البلدة فسألت أحد المارة بيت من هذا؟ فأجاب: بيت الأسياد. قلت: ومن الأسياد؟ فثار الرجل وصاح في نغمة الغاضب المستنكر: الأسياد! الأسياد! كيف لا تعرفهم هم آل السنوسي! ولهؤلاء جل أملاك المنطقة وأبنيتها. وإلى الجنوب الغربي من البلدة أقيم المطار في متسع هائل واستعداد كبير لاستقبال الطائرات المختلفة، وقد نزلت به أمامي طائرتان إحداهما للشركة الهولندية التي تقوم من هولندة وبتافيا، وهي طائرة كبيرة من الألمنيوم بها ١٤ مقعداً للمسافرين. أما الثانية فطليانية بين الإسكندرية وبني غازي وذاك خط حديث بدأ منذ أسبوعين فقط وطائرته صغيرة
стр. 9921
وفي مطروح محطة لاسلكية أساس عملها الاتصال بالطائرات خصوصاً الهولندية. أقمت في مطروح زهاء يومين في نزل إغريقي، واليونانيون هنالك نشيطون في التجارة وبيدهم غالب سيارات النقل وحوانيت البدالة والفنادق؛ وسيارات النقل هناك تقوم لثلاث جهات: فوكة وتلك كل يوم، السلوم، واحة سيوة مرة أو مرتين في الأسبوع
إلى سيوه:
قمنا مبكرين نستقل سيارات الحدود فأخذنا نسير في صحراء لا نهائية عربت عن النبت حتى الشائك منه وإن كان مظهرها في الشتاء والربيع أبهى وأجمل إذ يكثر العشب بنواره المختلف الجميل، ولا يفتأ المسافر يمر ببقاع تنمو بها أعواد الشعير، والطريق حجري في جزئه الأول، مترب في الأخير، ويمر بمجموعة من آبار أذكر من بينها: حجفة جلاز عند الكيلو ٧٢ من مطروح - حجفة أي بئر بلغتهم - وحجفة البويب عند الكيلو ١٢٤ على مقربة من الاستراحة التي أقيمت لجلالة الملك يوم أن زار تلك الناحية سنة ١٩٢٨، ولذلك يطلقون على تلك البئر أحياناً (بئر جلالة الملك) لأنه شرب منها، ثم بئر النصف في منتصف الطريق عند الكيلو ١٥٠، والمسافة كلها ٣٠٠ كيلو متر، وغالب تلك الآبار رومانية الأصل كانوا يحفرونها تجاويف في الصخر تبطن بالأسمنت أو الآجر، وتعد بفتحات ضيقة يؤدي إليها ماء المطر عند سقوطه ليتراكم فيها، وعلى الفتحة الرئيسية باب وحارس يكلف بحفظها من الأوساخ ومن إسراف الناس في مائها، وأنت ترى طائفة كبيرة من السائمة وبخاصة الإبل تحوم حول تلك العيون وتتسكع في مرعاها عساها تشفي بعض ظمئها من الماء كلما مر بالبئر عابر، وقد كان يبدو على بعض الإبل عند بئر جِلاّز ظمأ شديد، ولم يرغب الحارس في سقيها، ولما سألناه عن السبب قال: لكي لا تنتجع تلك الناحية وتعتادها كثيراً فتضايقه، على أنا أجبرناه أن يسقيها هذه المرة إكراماً لنا ورأفةً بها
لبثنا نسير في ذاك الطريق الوعر ثماني ساعات ونصف الساعة - والسيارات الأخرى الكبيرة تقطعه في يوم كامل - وقبل دخولنا الواحة أخذنا في الهبوط تدريجياً، وظهرت مخاريط متناثرة من الربا، تمتد إلى الآفاق في منظر رائع جميل، ثم بدت الخضرة الشاحبة على بعد أمامنا، وذاك أول قبس من سيوه التي تنخفض عن سطح البحر بنحو ٢٥ متراً، ثم أخذت تفاصيل المنظر تبدو في شبه غابات من النخيل مغلقة متباعد بعضها عن بعض؛
стр. 9922
بينها ربا أقيمت عليها المباني بعضها للحكومة والبعض للأهلين
وقفنا بباب مركز البوليس، ولقينا حضرة المأمور أحسن لقاء، وقدم لنا الاستراحة لنأوي إليها، وأظهر استعداده الجميل لمساعدتنا في جولتنا العلمية القصيرة هناك، وكان قد أوصاه بنا خيراً سعادة وكيل المحافظ وبعض إخواننا من مطروح. دخلنا دار الاستراحة وقد أقيمت فوق ربوة شاهقة تشرف على الواحة وقد زودت بالشرفات تغطيها شبابيك من السلك لمنع البعوض، وقد كانت الواحة مهددة بالملاريا منذ زمان بعيد ولا يزال لها بقية إلى اليوم - ولن أنسى جلستي في إحدى تلك الشرفات ومشهد الواحة من دوني ساحر وامتداد الصحراء رهيب، وقد عني بتلك الاستراحة عناية خاصة، لأن جلالة الملك قد نزل بها في زيارته، وبها دورة للمياه فاخرة، وفي أسفلها بعض المغارات التي كان يتعبد فيها الشيخ السنوسي الكبير في زياراته لتلك الواحة قديما، وبعد أن طارده الطليان إليها. نزلت أجوب بعض أطراف البلدة فإذا بغالب بيوتها على الربى تقام من الطين المصفر الذي يحكى الطفل، وترى البيوت وكأنها الأحجار أو المغائر بعضها ركب فوق بعض وتشبه مجموعة من حصون قديمة، وليس لها من النوافذ سوى كوى صغيرة لا تكاد تسمح لضوء الشمس أن يتخللها، ولهم العذر في ذلك، لأن لفح الصيف قاتل وبخاصة في أبريل ومايو، وقر الشتاء زمهرير، وشهور أغسطس وسبتمبر خير مواسم السنة جواً هنالك. ومن أظهر ما يسترعي نظرك وسط تلك الأبنية برج مربع يدق كلما علا ويشبه المدخنة وهو مئذنة لمسجد من مساجدهم القديمة، أما سوق البلدة ومتاجرها فأقيمت في متسعات أسفل تلك الربى وزودت بطلل من الطين وجريد النخيل، ومداخل شوارعها ضيقة مسقفة، لا تشعر بأنها طرق يباح المرور فيها
(يتبع)
محمد ثابت
стр. 9923
البريد الأدبي
ذكرى الموسيقي سان سيان
احتفلت الدوائر الفنية الفرنسية في أوائل أكتوبر الحالي بالذكرى المئوية لمولد الموسيقي الشهير شارل كامي سان سيان. ويشغل سان سيان في عالم الموسيقى مركزاً فريداً، فهو حلقة اتصال بين المشرق والمغرب يندر وجودها، وله بالأخص صلة بمصر لا يزال يذكرها من تمتع بسماع عزفه في هذه البلاد قبل الحرب الكبرى. وقد ولد هذا الموسيقي الشهير في أكتوبر سنة ١٨٣٥ بباريس ودرس الموسيقى منذ حداثته، ودرس عزف الأرغن على العازف الشهير بنوا، ودرس التأليف الموسيقي على هاليفي في معهد باريس، وتخصص في الموسيقى الكنسية. وفي سنة ١٨٥٨ عين عازفاً لكنيسة المادلين، ولم يمضي قليل حتى طار صيته كعازف ومؤلف موسيقي، وفي سنة ١٨٦٧ نشر مقطوعته الشهيرة (أعراس بروميتيه) فلقيت نجاحاً عظيماً، وأتبعها بنشر سلسلة أخرى من المقطوعات القوية الشائقة وأخصها مقطوعة عنوانها (شمشون ودليله) التي عزفت لأول مرة في فيمار بألمانيا وأكدت صيته وعبقريته كمؤلف لمقطوعات الأوبرا، ومن مقطوعاته الأخرى: (الرقصة المروعة)، (شباب هرقل)، (هنري الثامن)، (اسكانيو)، (البرابرة)، (هيلين) وغيرها
وقد ساح سان سيان كثيراً في بلاد المشرق، فزار الجزائر ومصر، وتأثر بمحيطها ومثلها الشرقية. وله مقطوعات شهيرة يلذ سماعها للشرقي بنوع خاص، ففيها يتجلى سحر السماء الصافية، وروعة الصحراء، وجمال الليالي الشرقية
ومما يرويه المستر أدوين ايفانس الناقد الموسيقي الشهير، أنه كان يمر ذات مساء بالإسكندرية في طريق الرمل، إذ سمع عزفاً بديعاً على (المعزف) (البيانو)، فسمره السحر في مكانه وسرعان ما علم أن هذا العازف إنما هو سان سيان، وإنه يقضي بمصر أياماً في خفية وتنكر
وذاع صيت سان سيان في جميع أوربا، ولا سيما فرنسا وإنكلترا والنمسا وألمانيا. وعاش زهاء خمسة وثمانين عاماً. وتوفي بالجزائر في ديسمبر سنة ١٩٢١
مباحث عن أصل الترك
أنشأت حكومة الجمهورية التركية في استنبول متحفاً لعلم الأجناس البشرية يقصد به بنوع
стр. 9924
خاص أن يعاون العلماء الباحثين في أصل الجنس التركي على تحديد خواصه الجنسية وتعيين السلالة الإنسانية التي ينتمي إليها. ولكي يتمكن العلماء من إجراء المباحث العلمية اللازمة أصدرت الحكومة لائحة تبيح فتح قبور العظماء الترك وفحص جماجمهم وإيداعها بالمتحف المذكور عند الحاجة
وقد نفذت هذه اللائحة بالفعل وفتح قبر سنان باشا أعظم مهندسي الترك؛ وقد عاش في القرن الخامس عشر وأنشأ أكثر من مائتي مسجد وقصر ومكتبة كلها من الأبنية الأثرية الشهيرة؛ وفحصت جمجمة المهندس الشهير لجنة من العلماء. وسيجري أيضاً فحص عدد من جماجم العظماء الترك الآخرين من رجال الحرب والسياسة والتفكير. وتشجع الحكومة هذه المباحث وتعضدها؛ وهي تجري بإشراف عالمين أجنبيين كبيرين أحدهما الأستاذ موشيه الأخصائي في علم الأجناس البشرية
والمعروف أنه يصعب جداً أن تحدد خواص الجنس التركي أو خواص العنصر السائد فيه لأن الترك ليسوا إلا شعبة من جنس آسيوي كبير هو الجنس المغولي على الأرجح؛ وهو جنس متشعب الفصائل، هذا إلى أن الشعب التركي امتزجت به خلال العصور أجناس كثيرة أخرى دخلت الإسلام واعتنقت الحضارة التركية؛ ثم إن الترك درجوا خلال العصور على التسري، وكان الكبراء منهم يحوزون في (حريمهم) نساء من مختلفي الجنسيات، فمن الصعب بل ربما كان من المستحيل أن يستطيع الترك المعاصرون إرجاع أصلهم إلى جنس بذاته
خطر على المؤلفين
هل يقرأ الناس اليوم أكثر مما كانوا يقرءون؟ وهل يربح المؤلفون أكثر مما كانوا يربحون؟ دلت الإحصاءات في إنكلترا وفي أمريكا على أن قراء الكتب الإنكليزية قد زادوا في سنة ١٩٣٤ عنهم في سنة ١٩٣٣ بمعدل نحو عشرة في المائة، وكان المفروض أن ذلك يعني أن المؤلف قد زاد ربحه ولكن الواقع أن أخبار المؤلفين لا تسر، والأدلة متوفرة على أنهم يسيرون من سيئ إلى أسوأ، وقد دل البحث على أن أشد العوامل وطأة على المؤلفين هو نظام المكاتب الدورية المأجورة؛ ويوجد من هذه المكاتب في أمريكا نحو خمسين ألف مكتبة، وهي تنتشر الآن في إنكلترا بسرعة مدهشة، ونظام هذه المكاتب في غاية السهولة
стр. 9925
فهي لا تطلب ضماناً عما تعيره من الكتب، ولا تتقاضى من القارئ إلا أجراً زهيداً قد لا يتجاوز بضعة ملاليم عن الكتاب الواحد، على أنها مع ذلك تجني أرباحاً طائلة، وبهذه الوسيلة يقرأ الكتاب الواحد مئات وربما آلاف من الناس، ولا يصل المؤلف منهم شيء، وقد وصفت هذه المكاتب السيارة بأنها (الوباء الأسود) بالنسبة للمؤلفين؛ فإذا لم يوضع نظام آخر لهذه المكاتب يكفل للمؤلفين نوعاً من المشاركة في الربح، فإنها تنتهي بتثبيط همم المؤلفين، ويحجم المؤلفون بذلك عن التأليف، وعندئذ يكون المشتغلون بهذا النظام قد قتلوا الدجاجة ذات البيضة الذهبية، وما يقال عن إنكلترا وأمريكا يمكن أن بقال عن مصر التي أصبحت فيها عارية الكتب والمجلات والصحف رذيلة ذائعة
معرض للإنجيل
مضت أربعمائة عام كاملة على طبع أول إنجيل باللغة الإنكليزية. وقد احتفل بهذه الذكرى أخيراً في إنكلتراً؛ وأقامت مكتبة رينالدز الشهيرة في منشستر معرضاً للأناجيل القديمة. والإنجيل الذي يحتفل بذكراه هو الإنجيل الذي ترجمه (كفرديل)؛ وقد عرضت إلى جانبه أناجيل عديدة بمختلف اللغات تمثل تطور الإنجيل منذ نشأة النصرانية حتى القرن الأخير. والمعروف أن أول إنجيل طبع هو إنجيل جوتنبرج الذي طبع في سنة ١٤٥٦، وتوجد منه الآن في العالم كله أربعون نسخة فقط. وبين هذا الإنجيل، وإنجيل (كيفرديل) ثمانون سنة؛ وقد ظهرت تراجم عديدة أخرى للإنجيل منذ العصور الوسطى منها تراجم إلى العبرية واليونانية والألمانية والفرنسية؛ وظهرت بالإنكليزية تراجم لأجزاء من الإنجيل في وقت مبكر جداً؛ من ذلك ترجمة كايدمون في القرن السابع، وترجمة الراهب بيد في القرن الثامن، ثم ترجمة ألفريد الأكبر. وقد عرضت هذه الأناجيل كلها في صعيد واحد. وعرض معها إنجيل مخطوط كان ملكاً للملكة اليصابات
آثار الفيكنج
كشفت المباحث الأثرية في السويد عن أشياء مدهشة تدل على بعد المدى الذي انتهى إليه (الفيكنج) في تجوالهم في طلب السلب والغنيمة، في القرنين الثامن والتاسع من الميلاد، ومن ذلك ما وجد في جهات متعددة في أنحاء السويد وحفظ في متاحفها، وهي عبارة عن
стр. 9926
طائفة كبيرة من الآثار واللقط الشرقية، وبالأخص النقد الشرقي القديم، فقد وجد منها زهاء عشرين ألف قطعة، وجد معظمها في جزيرة جوتلاند، وتدل بعض الأحجار المنقوشة على أن بعض زعماء الفيكنج سافروا حتى ضفاف بحر الخزر (بحر قزوين)، وتوفوا هنالك في تلك القفار النائية؛ وفي متحف البندقية أسد من المرمر عليه نقوش (فيكية) محي بعضها؛ وكان هذا الأسد من غنائم الحرب التي حصلتها البندقية من اليونان في القرن السابع عشر
كيف يشجعون الأدب
قرأنا في أنباء أمريكا الأخيرة أن الرئيس روزفلت أقر مشرعاً أدبيا ضخما يعد الأول من نوعه، وخلاصته أن الحكومة الأمريكية قد اعتمدت نحو سبعة وعشرين مليون ريال (خمسة ملايين جنيه ونصف) لتغذية الحركة الأدبية والفنية في أمريكا، وأن هذا المشروع الذي يبدأ في تنفيذه من سبتمبر الماضي سيؤدي إلى إيجاد أعمال لخمسين ألفاً من الكتاب والموسيقيين والفنانين لمدة ستة شهور
وهذا المشروع بلا ريب من مفاخر الرئيس روزفلت وسياسته، وإذا كان ثمة بلد نرجو أن يحدث فيها مثل هذا المشروع صداه وأثره، فهي مصر التي ما زالت تتجاهل الحركة الأدبية والفنية، وما زالت تتركها لمصيرها وبؤسها. ولقد عنيت الحكومة أخيراً بمسألة التمثيل، ورصدت لتشجيعه وإنهاضه زهاء ثلاثين ألفاً، هذا عدا عشرة آلاف أخرى تفرق كل عام على الفرق الأجنبية. وإذا كنا نحمد لوزارة المعارف عنايتها بالتمثيل وهو من عناصر الفن وأركانه، فإننا لا نستطيع أن نسيغ موقفها إزاء الحركة الأدبية وإزاء المشتغلين بالأدب والكتابة، فلم نسمع إلى اليوم أن وزارة المعارف قد فكرت في عهد من العهود أن ترصد أي اعتماد لتشجيع الحركة الأدبية، ولم نسمع أنها رصدت يوماً أي مبلغ لمكافئة الكتاب المبرزين أو مؤلفي الكتب الممتازة، ومنذ أعوام ترصد وزارة المعارف اعتمادات مختلفة لإعانة الممثلين والممثلات، ولكنها لم تفكر يوماً في أن ترصد مبلغاً لإعانة الكتاب والمؤلفين، ولسنا نجد مبرراً لمثل هذا الإغفال المؤلم من وزارة المعارف، فهل لنا أن نؤمل أنها في عهدها الجديد، تعنى بهذه المسألة؟ وهل لنا أن نؤمل أنها كما ذكرت التمثيل والممثلين تذكر الأدب والكتاب، فتعمل لهؤلاء شيئاً مما تريد أن تعمله لأولئك؟
стр. 9927
آخر كتاب للكولونيل لورنس
من أنباء نيويورك أن شركة للنشر قد أعلنت أنها ستخرج في الخريف القادم عشر نسخ فقط من آخر كتاب وضعه الكولونيل لورنس بطل الثورة العربية الشهير، وعنوانه المضرب وستطبع هذه النسخ العشر على ورق من الحرير الفاخر وتعرض النسخة الواحدة للبيع بمبلغ خمسمائة ألف دولار (مائة ألف جنيه!) والمقول أن بيع الكتاب بهذا الثمن الخرافي يقصد به حماية حق طبعه وعدم إذاعته. ومما يذكر بهذه المناسبة أنه لما طبع كتاب لورنس الشهير (سبعة أعمدة من الحكمة) في أمريكا عرضت النسخة للبيع بمبلغ أربعة آلاف جنيه وبيعت كلها وكان المطبوع منه ١٢٠ نسخة فقط
كتاب جديد لدانونزيو
صدر أخيراً كتاب جديد لجبرائيلي دانونزيو شاعر إيطاليا الأكبر بعد صمت طال أمده. وعنوان كتاب الشاعر الجديد طريف مدهش، فقد سماه (مائة ومائة ومائة ومائة صفحة من الكتاب السري لجبرائيلي دانونزيو الذي يود الموت) والكتاب مدهش رائع حقاً؛ فهو يحتوي على طائفة كبيرة من ذكريات دانونزيو ومخاطراته وتجاربه الشخصية وملاحظاته من كل ضرب، وهو يفيض بالصور البديعة والآراء الغريبة، والتخيلات المدهشة والاضطرام المتقد في سبيل المجد والشهرة. وينقسم الكتاب إلى قسمين، قسم يحتوي على قصص الشباب وأحلامه الوحشية، وقسم عنوانه (الكتاب السري)، وفيه يتحدث دانونزيو عن الدور الذي قام به في الحرب الكبرى، ومخاطراته وأحلامه وأعماله العبقرية التي جعلت من الشاعر جندياً شهيراً، وجعلت منه بطلاً قومياً لإيطاليا
من ضحايا النازي
يعيش في المنفى رهط كبير من أكابر الكتاب الألمانيين (غير اليهود) وذلك لأنهم من خصوم هتلر وسياسته؛ ويعاني الكثير منهم شظف العيش وآلام المنفى لأنهم حرموا من أموالهم وأملاكهم التي صادرتها الحكومة الألمانية. وقد توفي أخيراً في باريس أحد هؤلاء الكتاب، وهو الدكتور هلمان فون جيرلاخ
وكان فون جيرلاخ قبل قيام الحكم الهتلري من أقطاب الصحافة الألمانية، يحرر (جريدة
стр. 9928
برلين الأسبوعية) وقد اشتغل فون جيرلاخ بالسياسة منذ بعيد وتقلد النيابة في الرخستاج مراراً عن سيليزيا العليا موطنه. ولكنه كان ديموقراطي النزعة يدعوا إلى السلام والتفاهم مع فرنسا، وهو الذي أسس شعبة حقوق الإنسان الألمانية، ولما قام الحكم الهتلري في ألمانيا فر من ألمانيا إلى باريس، فنزعت الحكومة أملاكه وأمواله، وجعل فون جيرلاخ جهوده لمقاومة الحكومة النازية ومبادئها حتى توفي في نحو الخامسة والستين من عمره
منازل الفضل
كان الأستاذ الجليل محمد محمود جلال قد أخذ يكتب تحت هذا العنوان عن الدور القديمة التي كان لها أثر ظاهر في تاريخ مصر الحديثة، فنشر في العدد الثامن والثمانين من (الرسالة) مقالاً نفيساً عن (قصر الوالدة)، ثم شغلته شواغل الحياة عن موضوعه. وقد جاءنا اليوم كتابان أحدهما من الأديب (علي فهمي) بالمنصورة، والآخر من (فؤاد شاكر) بالقاهرة يستنجزان الأستاذ وعده بالمضي في هذا الموضوع الطريف الذي يجمع بين الفائدة والعضة واللذة، والأستاذ لا شك فاعل
стр. 9929
الكتب
١ - وحي العصر - تأليف الأستاذ إبراهيم المصري
٢ - قصص الحياة - تأليف السيدة نور الهدى الحكيم
للأستاذ محمود الخفيف
ترى في هذين الكتابين مثلين من ألوان الأدب العصري في مصر. أما أولهما فمجموعة مقالات تتخللها عدة أقاصيص مترجمة، قسمه المؤلف خمسة أقسام: دراسات أدبية، واجتماعيات وصرخات، ووجوه وأروح، وقصص. ولذلك كان الكتاب في بنائه وفي موضوعه لا يخرج كثيراً عن ذلك النوع من الأدب المعروف (بأدب المقالة)، فلقد جمع المؤلف شتيت ما كتب في مناسبات مختلفة وأطلق عليه اسم وحي العصر، وإن كان هذا الاسم يوحي إليك فكرة متصلة أو دراسة مفصلة للعصر الذي يعيش فيه
تطالع الفصل الأول (وحي البيئة والعصر في الأدب الحديث) فترى الكاتب يقرر أن الأدب الحي الجدير بالبقاء هو ما جمع بين تأثير البيئة وإيحاء العصر، وتراه من أجل ذلك يعيب على أدبنا العصري خلوه من هذه الصفة، بينما هو يمتدح الأدب الأوربي ويعجب به، وهو إذ يورد لك الأمثلة في أدبنا ينسى أن ما يشكو منه إنما هو وليد البيئة، كما جاء في كلامه عن طريقتنا في الحب والشعر مثلا؛ والغريب أنه يشير إلى العلة، وهي بعد المرأة عن الرجل! أوليس تأثير البيئة الذي يدعوا إليه واضحاً في هذا؟ وكيف يتسنى لنا أدب آخر مع ما نحن عليه؟
وإنك لتنتظر أن يدور الكتاب على تلك القاعدة التي يدعو إليها، فإذا بك لا تكاد تحس أثراً لبيئتنا إلا في تلك القطعة الجميلة القوية وهي (المرأة المصرية قبل الكفاح الوطني وبعده) وماعدا هذه فالصيغة كلها غريبة، أوربية وأمريكية، ففي مقالة (الصدق في الأدب والحياة) تجده لا يقتصر عن اتهام أدبنا فيرمينا بأننا نؤثر اللذة على الألم في إنتاجنا ضعفاً منا وجبنا، ثم هو يعيب علينا كثرة الخيال وضعف قوى العقل، يعيب ذلك علينا في الشعر والقصة، وهو لا يجهل أن الشعر في العالم قديمه وحديثه شرقيه وغربيه وليد الخيال، وأن القصة تفقد أهم عناصرها إذا غلب فيها التحليل والدرس على الخيال الشعري القوي، فإذا
стр. 9930
طلب الصدق فعليه أن يطلبه في الفلسفة، فان الصدق في الأدب عدو الخيال، ومن ثم فهو عدو الشعر والقصة. على أن الكاتب الفاضل لا يلبث أن ينسى القاعدة أيضاً، فيرى أن الأدباء البرجوازين يتعامون عن بيئتهم، ويزيغون عنها، ويبتعدون بذلك عن الصدق، وهو مع ذلك يرى في أدبهم قوة تنجيه من اللوم، ثم تراه حين يتحدث عن (الشعر في هذا العصر ونهضته في فرنسا) يدعوا مع الداعين من أبناء الغرب إلى السمو الروحاني والخيال الجامح المليء بالرؤى والأحلام، تراه يدعو إلى (ذلك الشعر الذي يغلب فيه الخيال على العقل، والذي ينطلق كموج الموسيقى، ويتصاعد إلى السماء كالصلاة، ويقصد به الشاعر التغني بالحياة وتمجيد ظواهرها واستبطان هذه الظواهر بواسطة الإشراق الروحي والاتصال من خلالها بالقوة العلوية الخالدة التي أبدعتها) فأين هذا من إنكاره الخيال في الأدب وخصوصاً في أدبنا؟! ولعل هذا التناقض نتيجة انعدام الوحدة في الكتاب كما سبق أن ذكرت
أما باقي موضوعات الكتاب فهي كما أسلفت غريبة الروح والعاطفة، فأنت تقرأ الأدب الأمريكي الحديث وترجمة خمسة من أعلامه، وتقرأ أدب السرعة ومظهره في أوربا، كل ذلك دون أن تظفر بإشارة إلى شاعر من شعرائنا أو كاتب من كتابنا؛ وفي قسم التراجم من هذا الكتاب لن تجد سوى أعلام الغربيين كأميل زولا، وبول بورجيه، ورومان رولان، وهنري دي منترلانن وغيرهم؛ وفضلاً عن ذلك فلن تحس بشخصية المترجم في تلك التراجم، وهي على دقتها واستيفائها لا تخرج في جملتها عما نطالعه في المجلات من لمحات بسيطة في سير هؤلاء الرجال حتى لقد أحسست أن ثقافة المجلات مسيطرة سيطرة قوية على الأديب المؤلف في هذا الباب
حتى الأقاصيص تجدها معربة تشرح بيئات غير بيئتنا ومجتمعاً غير مجتمعنا، ومثلاً غير مثلنا. نعم لا ضير على الأديب أن ينقل إلينا ما استحسن من النماذج بين حين وآخر، ولكن على شرط أن يشعرنا بألحاننا ويرينا من ألوان ثقافتنا وصور حياتنا ما يؤنسنا وسط هذا الضجيج الغربي الذي نخشى أن يعوق تقدمنا، ويمحو ذاتيتنا، ويحول بيننا وبين الأصالة والخلق، ويقطع الصلة بيننا وبين ماضينا الحافل
ولست أشك في أن الأستاذ إبراهيم المصري بذكائه ونشاطه واستعداده قمين أن يجول في
стр. 9931
أدبنا المصري الناشئ جولات تعود علينا بالخير، إن هو وجه إليه بعض عنايته
يأتي بعد ذلك الكتاب الثاني (قصص الحياة في الأسرة والمجتمع) للمربية الفاضلة السيدة نور الهدى الحكيم، ويقع في نيف وثلثمائة صفحة، وذكرت مؤلفته أنه مؤسس على نظريات التربية وعلم النفس والاجتماع. ولقد قرأته فألفيته يدور كله حول المرأة وعلاقتها بالرجل، وهو يضم إلى ما به من أقاصيص بعض نظرات في الحياة (كاستفتاء في حادث خلقي) والمجتمع الحديث للأسر المصرية، وتطور الآراء في تربية المرأة. وهذا الكتاب يتناول المجتمع المصري والبيئة المصرية في الكثير الغالب من موضوعاته، حتى لتكاد تنعدم فيه الصبغة الغربية، على الرغم من أن صاحبته عاشت في أوروبا زمناً، وهي ظاهرة نحمدها لها؛ فما أحوجنا إلى من يتناول حياتنا بالشرح والتحليل في إخلاص وعطف. ولقد أحسست الإخلاص والتحرق إلى الإصلاح في هذه الأقاصيص الساذجة، وأعجبتني تلك الروح الطيبة؛ فالكاتبة لا تشير إلى عيوبنا إشارة المترفع المستكبر الذي يباهي بمدنية غيره، ولن يهمه سوى إظهار نقائصنا وعرضها في شكل فضائح كما يفعل شبابنا، بل تراها تعرض لها في رفق وهوادة، ولن تقتصر على الموقف السلبي منها، وإنما تذكر اوجه العلاج وتشرحها جهد طاقتها، وهي كما أذكر طريقة حميدة وروح محمودة. هذا إلى أن الكاتبة الفاضلة قد وفقت إلى أسلوب بسيط مقبول، تراه وإن لم يرضك كثيراً من ناحية البلاغة، لن يثقل عليك ولن تمله
غير أني أرى بناء القصة عندها ضعيفاً، ولعلها لا تسير فيها على قاعدة ولا تنتهج طريقة، وإنما يختلج الرأي في رأسها فتلبسه ثوب القصة في أي وضع، جاعلة نصب عينيها إبراز الفكرة وتوضيحها بطريقة سهلة غير طريقة الدفاع والمناقشة. ولعلها لم تفكر قط في بناء تلك الأقاصيص؛ والحقيقة أنها أقرب إلى (الحكايات) التي تدور بين جليسين منها إلى القصة في وضعها الفني، فأنت إذا طلبت الاستمتاع الفني عند قراءة هاتيك الأقاصيص لن تظفر به في معظمها، أما إذا طلبت الرأي والعاطفة فهي متوفرة لديك
هذا إلى أن الكاتبة النابهة، أقوى شخصية وأشد تأثيراً وأسمى بياناً في المقالة عنها في القصة، فلقد أعجبت حقاً بمقالها (تطور الآراء في تعليم المرأة وتربيتها) وتلوته مرتين مستمتعاً بما جاء فيه من آراء صائبة، وما تجلى في ثناياه من روح متوثبة
стр. 9932
وإني إذ أقدم هذا الكتاب إلى فتياتنا وفتياننا، أتقدم بالثناء للمربية الفاضلة على ما بذلت من جهد وما توخت من خير
الخفيف
стр. 9933
العدد ١٢١ - بتاريخ: ٢٨ - ١٠ - ١٩٣٥
стр. 9934
خيبة المدنية
وا أسفاه!! أبعد هذه الحقب الملايين التي أتت على سليل الطين فسوت من خلقه، وراضت من خلقه، وصقلت من ذهنه، وصفت من جوهره، وجعلته على ملكوت الأرض يديره على حكمه، ويجريه على نظامه - لا يزال كأوابد الفقر وضواري الغاب يسطو القوى على القوى بالختل، ويعدو القوى على الضعيف بالقتل، وتضطرب الشهوات والمآرب بين الحيلة والغيلة اضطراب الأثرة بين العجز والقدرة؟!
أبعد الرسالات المتعاقبة التي بلغها رسل الله فغمرت العالم بالضياء، ووصلت الأرض بالسماء، ونهجت للنقص البشري سبيل الكمال المطلق - لا يبرح الإنسان باسطاً عنانه في الجهل، يرتكس في عماية الهوى، ويرتطم في حمأة المادة، ويجعل من الدين غشاء لنابه، ومن الأخلاق طلاء لظفره!
أبعد انتشار العلوم التي هتكت أستار الكون، وكشفت أسرار الطبيعة، وسبرت أغوار الحياة، وذلك ريض القوة - يظل أبن آدم على حيرة من يومه، وفي غمة من غده؛ لا يثق وثوق العالم بالحاضر، ولا يطمئن اطمئنان المؤمن بالمستقبل؟
أبعد ازدهار الآداب التي خلقت للناس أجنحة من الشعر، وكشفت للعالم أجواء من الخيال، وأبهجت مشاعر النفس بسحر المجهول، ودبجت حواشي العيش بألوان الربيع، ووجهت مطامح العيون إلى رفيع المثل - يظل الإنسان مسفا إلى حقير الأمل، مدفوعاً إلى دنى الغرض، محصوراً في حدود المنفعة؟!
أبعد هذه المدينة المغرورة التي تزعم إنها حررت الفكر، وأبطلت الرق، وضمنت حقوق الإنسان، ووحدت المقاييس بين الألوان، وحصرت أهواء الدول العاتية في قصر من قصور (جنيف) لتأمين خصامها بالتوفيق، وضمن سلامها بالتعاهد، وتجعل من جماعتها ألباً على الطغيان، وحرباً على العدوان، ويداً على الإثم - يظل الإنسان على عاد الجاهلية: يتكاثر بالعديد، ويتعزز بالسلاح، ويرصد الغفلة للغزو، ويفتري الحجة للغضب، ويغذى قوته على ضعف غيره؟!
من كان يظن بعد هذا الدهر المتطاول والعمران المستبحر والتقدم العجيب، أن يظل الناس على ضراوة الفطرة لا يتغير فيهم غير الغشاء، ولا يتبدل غير الأسماء، فتصبح البربرية بالعلم مدنية، والاغتصاب بالمدينة إنتداباً، والإسترقاق بالقانون وصاية!
стр. 9935
من كان يظن أن بحر الروم الذي كان بالأمس مسبحاً لغارة القرصان، ومسرحاً لبغي الرومان، لا يزال اليوم مجالاً لمثل ذلك؛ فالأساطيل على وجهه، وفي جوفه، وفي جوه، تضطرم بالحديد والنار لا استجابةً لصريخ الحق، ولا إطاعة لأمر القانون، ولكن لأن طاغية من طغاة المدنية المغشوشة، حشر جنوده في البر والبحر والهواء ليقتل أمة عزلاء قبل أن يتفق مع منافسيه على اقتراف الجريمة واقتسام الغنيمة؟!
من كان يظن إن هذا (الفاشي) المفتون يقف بمرأى من (الفاتيكان)، وعلى مسمع من (جنيف)، فيلغي قانون (العصبة)، وينقض ميثاق (كيلوج)، ويتحدى جميع الدول، لأنه نفخ (زقاقه السود) بالهواء الحار، وحوَّل الحذاء الإيطالي كله مصانع للذخائر والآلات، ومعامل للسموم والغازات، ثم تكبر وإختال، وتيخل ثم خل، وفكر فيمن يحرقه بهذا الرصاص، ويمزقه بهذا الديناميت، ويخنقه بهذا الغاز، ويسحقه بهذا الحديد، فلم يجد كفاء لتالد روما وطريف الفاشيست غير الحبشة المتواضعة المسكينة!! ولكن بأي حجة يبلغ (الدوتشي) الشعوب الهمج. والأحباش ولا ريب همج لأنهم لا يأكلون (الأسباجتي)، ولا يشربون (الكيانتي)، ولا يسترقون إلا الأفراد فلم يرتقوا بعد إلى استرقاق الأمم!!
أما بعد، فلو كانت أمور الناس تجري على سنن المنطق لكانت الحبشة أولى بتمدين إيطاليا؛ قضى خمسون دولة بالإجماع على الطليان بالعار والخزي، فقاطعوهم مقاطعة المجذوم، وطاردوهم مطاردة الآثم؛ ووقف الأحباش من المغير موقف الكرامة والنبل، يقابلون العدواة بالسلم، ويدافعون السفاهة بالحلم، حتى ظفروا بإعجاب العالم ورشح النجاشي لجائزة نوبل!! فلما أغار (المتمدنون) من غير إعلان، وقاتلوا من غير ضمير، واستعملوا أسلحة بغير حق، دافع (الهمجيون) دفاع المستبسل الحر، وجاهدوا جهاد المستشهد الصابر، وغالبوا باطل المعتدين بقوة الحق وعطف الشعوب ومزايا الرجولة، وكان موقف النجاشي الأسود من الزعيم الفاشي الأبيض موقف رب الدار من اللص، وصاحب القانون من الجرم!
رويدك يا أسود الشعار وممثل دور الجبار ومنذر العالم بيوم القيامة! إن أرواح الشباب الذين قذفتهم ظلماً في جحيم الحبشة، لتخرق أذنيك من خلال اللهيب بهذا الهتاف الرهيب:
على رسلك يا نيرون! إنك تحرق روما مرةً ثانية!!
стр. 9936
أحمد حسن الزيات
стр. 9937
بعد شوقي
للأستاذ مصطفى صادق الرافعي
كان يتوجه الظن على شوقي ﵀ فيزعم الزاعم أن شوقي هو يحي شعره، وهو يرفع منه، وهو يشيع حوله قوة الجذب من مغناطيس الثروة والمكانة؛ وإن الرجل ما أوفى على شعراء جميعاً لأنه أفضلهم، بل لأنه أغناهم، ولا من أنه أقواهم قوة، بل لأنه أقواهم حيلة؛ وأن الشاعر لو جاء يومه لبطل السحر والساحر، فترجع العصا وهي عصاً بعد أن انقلبت حية، ويؤول هذا الشعر إلى حقيقته، وتتسم الحقيقة بسمتها؛ كأن شوقي كان يعمل لشعره بقوة السموات والأرض لا بقوة رجل من الناس.
فقد ذهب الرجل إلى ربه، وخلا مكانه، وبطلت كل وسائله، ونام عن شعره نومة الأبدية، وتركه لما فيه يحفظه أو يضيعه إن كان فيه حق من الشعر أو باطل، وأصبح الشاعر هو وماله وجاهه وشعره في حكم الكلمة التي بقولها الزمن، ولم تعد هذه الكلمة في حكمه. فهل أثبته الزمن أو نفاه، وهل سلم له أو كابره، وهل رده في غمار الشعراء أو جعل الشعراء بعده أدلة من أدلته؟
أول ما ظهر لي أن الزمن بعد شوقي أصبح أقوى في الدلالة عليه وأصدق في الشهادة له، كما تكون الظلمة بعد غياب القمر شرحاً طويلاً لمعنى ذلك الضياء، وإن سطعت فيها الكواكب وتوقد منها شيء وتلألأ شيء. فقد دل الزمن على أن ذلك الشأن لم يكن لشاعر كالشعراء، يقال في وصفه إنه مفتن مجيد مبدع؛ ولكنه للذي يقال فيه إنه صوت بلاده وصيحة قومه كانت تحدث الحادثة، أو يتخالج الناس معنى من الهم الذي يعمهم، أو يستطيرهم فرح من أفراح الوطن، أو يزول عظيم من العظماء فيزيد صفحة في التاريخ، أو ينشأ كون صغير من أكوان الحضارة في الشرق كبنك مصر، أو ترتج زلزلة في الحياة العربية أينما ارتجت، فإذا كل ذلك قد وقع في الدنيا بهيئتين إحداهما في ذهن شوقي، فيرسل قصيدته الشرود السائرة داوية مجلجلة، فلا تكاد تظهر في مصر حتى تلتقي حولها الأفكار في العالم العربي كله، فتكون شعراً من أسرى الشعر وأحسنه، ثم تجاوز فإذا هي صلة من أقوى الصلات الذهنية بين أدباء العربية وأوثقها، ثم تجاوزها فإذا هي عاطفة تجمع القلوب على معناها، ثم تسمو فوق هذا كله فإذا هي من هذا كله زعامة مصر على
стр. 9938
الشعر العربي.
واليوم يقع مثل ذلك فتتطاير بعض الفقاقيع الشعرية من هنا وثم ملونة منتفخة ماضية على قانون الفقاقيع في الطبيعة من أن لحظة وجودها هي لحظة فنائها، وأن ظهورها يكون لتظهر فقط لا لتنفع.
ولست أماري في إن بيننا شعراء قليلين يجيدون الشعر ولهم فكر وبيان ومذهب وطريقة، ولكن ما منهم أحد إلا وهو يشعر من ذات نفسه أن الحوادث لم تختره كما اختارت شوقي، وأنه في الحياة كالواقف على باب ديوان ينتظر أن يعهد إليه وأن يخرج له التقليد فهو ينتظر وسينتظر.
وهذا عجيب حتى كأنه سحر من سحر الزمن حين تفصل الدنيا بين العبقري الفذ وبين من يشبهونه أو ينافسونه - بضروب خفية من الصرفة والعوائق لا هي كلها من قوة العبقري ولا هي كلها من عجز الآخرين.
وأعجب من ذا إن (شوقي) كان في العالم العربي كأنه عمل تاريخي متميز من أعمال مصر، غير أنه مسمى بأسم رجل؛ وكان على الحقيقة لا على المجاز - كأن فيه شيئاً من هذه الروح التاريخية المتغلبة التي تخلد بأسماء الآثار الفنية وتكسبها العظمة في الوجودين، من محلها ومن نفس الإنسان.
وأعجب من هذا وذلك أني لم أر شعراً عربياً يحسن في وصف الآثار المصرية ما يحسن في وصفها شعر شوقي، حتى لأسأل نفسي: هل تختار بعض الأشياء العظيمة وصفها ومفسر عظمتها، كما تختار المرأة الجميلة عاشقها ومستحلي حسنها؟
وما بان شوقي على غيره إلا بأنه رجل أفرغ في رأسه الذهن الشعري الكبير، فكان في رأسه مصنع عماله الأعصاب، ومادته المعاني، ومهندسه الإلهام؛ والدنيا ترسل إليه وتأخذ منه؛ وعلامة ذلك من كل شاعر عظيم أن تضع دنياه على أسمه شهادتها له. ولهذا ما يكون بعض الشعراء كأن أسمه في وزن اسم مملكة. فإذا قلت شكسبير وإنجلترا، فهما في العظمة النفسية من وزن واحد، وكذلك المتنبي والعالم العربي، وكذلك شوقي ومصر.
قالوا كان الفرزدق ينقح الشعر، وكان جرير يخشب (أي يرسل شعره كما يجيء فلا يتنسوق فيه ولا ينقحه)؛ وكان خشب جرير خيراً من تنقيح الفرزدق. ولم يتنبه أحد إلى
стр. 9939
السر في ذلك؛ وما هو إلا السر الذي كان في شوقي بعينه، سر الامتلاء الروحي قد أمد بالطبع، وأعين بالذوق، وأوتى القوة على أن يتحول بآثاره في الكلام؛ فكل ما كان منه فهو منه، يجيء دائماً قريباً بعضه من بعضه، ولا يكاد ينفذ إلى شعور إلا اتحد به.
وقد كان عمر بن ذر الواعظ البليغ إذا تلكم في مجلسه نشر حوله جسواً من روحه فيجعل كل ما حوله يتموج بأمواج نفسية؛ فكان كلامه يعصف بالناس عصف الهواء بالبحر يقوم به ويقعد، وكان من الوعاظ من يقلده ويحكيه ولا يدري إنه بذلك يعرض الغلطة على ردها وصوابها، فقال بعض من جالسه وجالسهم: ما سمعت عمر بن ذر يتكلم إلا ذكرت النفخ في الصور، وما سمعت أحداً يحكيه إلا تمنيت أن يجلد ثمانين. . .
فالفرق روحاني طبيعي كما ترى، لا عمل فيه لأحد ولا لصاحبه وهو يشبه الفرق بين عاصفة من الهواء وبين نسيم من الريح يرسلان على جهتين في البحر. ففي ناحية يلتج الماء ويثب ويتضرب ويقصف قصف الرعد، وفي الأخرى يترجرج ويتزحف ويقشعر ويهمس كوسواس الحلي.
والشأن كل الشأن للكمية الوجدانية في النفس الشاعرة أو الممتازة؛ فهي التي تعين لهذه النفس عملها على وجه ما، وتهيئهاً لما يراد منها بقدرٍ ما، وتقيمها على دأبها إلى زمن ما، وتخصها بخصائصها لغرض ما. وإذا أنت حققت لم تجد الفروق بين النوابغ بعضهم من بعض، إلا فروقاً في هذه الكمية ذاتها مقداراً من مقدار. ولولا ذلك لكان أصغر العلماء أعظم من أكبر الشعراء، فقد يكون الشاعر العظيم كأنه تلميذ في العلم ثم يكون العلم كأنه تلميذ لقلب هذا الشاعر وعواطفه. ولئن عجز النقد العلمي أن ينال من الشاعر العبقري لقديماً عجز في كل أمة.
وقد كان فيمن حاولوا إسقاط شوقي من هو أوسع منه إطلاعاً على آداب الأمم، وأبصر بأغراض الشعر وحقيقته، وكان مع ذلك حاسداً شانئاً قد ثقب في قلبه الحقد؛ والحاسد المبغض هو في اتساع الكلام وطغيان العبارة أخو المحب العاشق، فكلاهما يدور الدم في كبده معاني ووساوس، وكلاهما يجري كلامه على أصل مما في سريرته فلا تجد أحدهما إلا عالياً عالياً بمن يحب، ولا تجد الآخر إلا نازلاً نازلاً بمن يبغض. وكان هذا الناقد شاعراً فأنضاف شعره إلى حسده، إلى بغضه، إلى ذكائه، إلى إطلاعه، إلى جهده، إلى طول الوقت
стр. 9940
وتراخي الزمن؛ وهذه كلها مفرقعات نفسية. . . بعضها أشد من بعض كالبارود، إلى الديناميت، إلى الميلينيت؛ ولكن شوقي كان في مرتقى لم يبلغه الناقد فانقلب جهد هذا عجزاً وأصبح البارود والتراب في يده بمعنى واحد. . . .
ومن أعجب ما عجبت له من أمر هذا الناقد، أني رأيته يقرر للناس صواب الحقيقة بزعمه، فإذا هو يقرر غلطه وجهله وتعسفه. وهو في كل ما يكتب عن شوقي يكون كالذي يرى الماء العذب وعمله في إنبات الروض وتوشيته وتلوينه، فيذهب بعيبه للناس بأنه ليس هو البنزين. . . الذي يحرك السيارات والطيارات.
تناول شوقي بعد موته فجرده من الشخصية أي من حاسة الشعر ومن إدراك السر الذي لا يخلق الشاعر الحق إلا لإدراكه والكشف عن حقائقه؛ وكان فيما استدل به على ذلك أن شوقي لا يحسن وصف الربيع بمثل ما وصفه ابن الرومي في قوله:
تجدُ الوحوشُ به كفايَّتها … والطيرُ فيه عتيدةُ الطُّعْمِ
فظباؤُه تُضحى بُمنْتَطَح … وحمامه يضحى بمختَصمِ
وزعم أن ابن الرومي قد ولد بحاسة لم يولد بها شوقي، ولهذه الحاسة اندمج في الطبيعة فأدرك سر الربيع وأنه غليان الحياة في الأحياء، فالظباء تنتطح من الأشر الخ الخ وبنى على ذلك ناطحة سحاب. . . . لا ناطحة ظباء.
أما شوقي الشاعر الضعيف العاجز الذي لم يولد بمثل تلك الحاسة فلو أنه شهد ألف ربيع لما أحس هذا الإحساس ولا استطاع أن يجيء بمثل هذا القول المعجز. وكل ذلك من هذا الناقد جهلٌ في جهل في جهل، واعاليل بأضاليل بأباطيل؛ فابن الرومي في هذا المعنى لصٌّ لا أكثر ولا أقل، فلم يحس شيئاً ولا ابتدع ولا اخترع.
قال الجاحظ: يقال في الخصب (أي الربيع) نفَشَت العنز لأختها؛ وخلفت أرضاً تطالم معزاها (أي تتظالم). قال لأنها تنفش شعرها وتنصب روقيها في أحد شقيها فتنطح أختها وإنما ذلك من الأشر. (أي حين سمنت وأخصبت وأعجبتها نفسها).
فأنت ترى أن ابن الرومي لم يصنع شيئاً إلا أنه سرق المعنى واللفظ جميعاً، ثم جاء للقافية بهذه الزيادة السخيفة التي قاس فيها الحمام على الظباء والمعزة. . . . فاستكره الحمام على أن يختصم في زمن بعينه وهو يختصم في كل يوم. وإنما شرط الزيادة في السرقة الشعرية
стр. 9941
أن تضاف إلى المعنى فتجعله كالمنفرد بنفسه أو كالمخترع ولعمري لو كان للطبيعة مائة صورة في الخيال الشعري، ثم قدم شوقي للناس تسعاً وتسعين منها، لقال ذلك الناقد المتعنت: لا. إلا الصورة التي لم يقدمها. . . .
وكان شعر شوقي في جزالته وسلاسته كأنما يحمل العصا لبعض الشعراء، يردهم بها عن السفسفة والتخليط والاضطراب في اللفظ والتركيب؛ فكثر الاختلال في الناشئين من بعده وجاءوا بالكلام المخلط الذي تبعث عليه رخاوة الطبع وضعف السليقة، فتراه مكشوفاً سهلاً ولكن سهولته أقبح في الذوق من جفوة الأعراب على كلامهم الوحشي المتروك.
والآفة أن أصحاب هذا المذهب يفرضون مذهبهم فرضاً على الشعر العربي كأنهم يقولون للناس: دعوا اللغة وخذونا نحن. وليس في أذهانهم إلا ما اختلط عليهم من تقليد الأدب الأوربي فكل منهم عابد الحياة، مندمج في وحدة الكون، يأخذ الطبيعة من يد الله، ويجاري اللانهاية، ويفنى في اللذة، ويعانق الفضاء، ويغني على قيثارته للنجوم؛ وبالاختصار فكل منهم مجنون لغوي. . . .
وأنا فلست أرى أكثر هذا الشعر إلا كالجيف، غير أنهم يقولون إن الجيفة لا تعد كذلك في الوجود الأعظم، بل هي فيه عمل تحليل علمي دقيق. لقد صدقوا، ولكن هل يكذب من يقول: إن الجيفة هي فساد ونتن وقذر في اعتبار وجودنا الشخصي، وجود النظر والشم، والانقباض والانبساط، وسلامة الذوق وفساد الذوق!
وكان حاسدو شوقي يحسبون أنه إذا أزيح من طريقهم ظهر تقدمهم؛ فلما أزيح من الطريق ظهر تأخرهم. . . وهذه وحدها من عجائبه ﵀.
وقد كان هذا الشاعر العظيم هبة ثلاثة ملوك للشعب، فهيهات ينبغ مثله إلا إذا عمل الشعب في خدمة الشعر والأدب عمل ثلاثة ملوك. . . . وهيهات.
(طنطا)
مصطفى صادق الرافعي
стр. 9942
السنيون والشيعة
للأستاذ أحمد أمين
بهذا العنوان كتب الأستاذ (محمد رضا المظفر) من أفاضل علماء النجف مقالاً قيماً في (عدد الرسالة ١١٨ السنة الثالثة)؛ وقد أستهلها الأستاذ بالعجب من أن أكون كاتب (فجر الإسلام وضحاه)، وكاتب (مقدمة تاريخ القرآن) للأستاذ الزنجاني معاً وأن (النغمة التي ظهرت مني في هذه المقدمة نغمة متواضعة على وتر من إحساس جديد) وإنها على عكس ما ظهر مني في فجر الإسلام وضحاه، وفسر ذلك بأن لي (شخصيتين تباعدتا على قرب العهد بينهما)
والحق - يا أخي - أن النغمتين صدرتا عن نفس واحدة كانت تكره الخلاف بين السنيين والشيعة أشد الكره وأعمقه يوم كتبَتْ فجر الإسلام وضحاه كما كانت تكرهه يوم كتبت مقدمة تاريخ القرآن، وكما لا تزال تكرهه إلى اليوم
وكل مظاهر الخلاف بين القولين سببه أني بحثت في فجر الإسلام وضحاه مذهب الشيعة كما يبحثه كل عالم، وحاولت جهدي أن أضع التعصب جانباً، وأن أتناسى أني سني أكتب عن الشيعة، وأملأ نفسي عقيدة أني مؤرخ يتطلب الحق حيث هو - ومن أجل ذلك نقدت السنيين كما نقدت الشيعة، وقلت ما اعتقدته الحق في هؤلاء وهؤلاء، ووضعت الفرقتين في كفتي ميزان؛ فإذا قلت إن بعض الشيعة وضعوا بعض الأحاديث قلت إن بعض السنيين وضعوا بعض الحديث أيضاً، لأني اعتقدت الحق في ذلك؛ وهكذا سرت على هذا النهج دائماً وأنصفت المعتزلة في بعض آرائهم، والخوارج في بعض آرائهم، والشيعة في بعض آرائهم. مع أن العادة جرت أن السنيين لا يرضون عن شيء من ذلك، فأسلوبي في الحالين طلب الحق حيث كان، وإذا كان ديننا يتطلب منا أن نزن الحق في ذاته من غير أي اعتبار آخر سواء كان مصدره مسيحياً أو يهودياً أو وثنياً، فبالأحرى نزنه إن كان مصدره معتزلياً أو خارجياً أو شيعياً؛ وكل ما في الأمر أن بعض أخواني من الشيعة اخطأوا من ناحيتين: الأولى إنهم دائماً طبقوا ما أقوله عن الشيعة على أنفسهم، وفهموا أني لا أعني بالشيعة في كل موضوع إلا إياهم، مع أن الشيعة كما يعلمون فرق مختلفة لا حصر لها، وإن منها الغالي الممعن في غلوه، ومنها المعتدل القريب من الإنصاف، وليست الإمامية التي يدين
стр. 9943
بها أهل العراق وفارس إلا فرقةً واحدة من فرق عديدة، بعضها باق إلى اليوم، وبعضها عفى عليه التاريخ؛ فخطأ محض أن يظنوا أني كلما قلت (الشيعة) عنيتهم؛ إنما يكون لهم الحق كل الحق أن يفهموا إني أقصدهم عندما أتكلم على الإمامية أو الاثني عشرية - والمؤرخ يجب عليه أن يؤرخ الماضي كما يؤرخ الحاضر، وأن يذكر الغلاة كما يذكر المعتدلين، فإذا عاب الغلاة فليس عيبه إذا فهم قوم منه أنه يعنيهم
والناحية الثانية هي ما دعوت إليه في (مقدمة تاريخ القرآن) من إنه يجب على العلماء من الطائفتين أن يوسعوا صدرهم للنقد النزيه (ويتلقوا النتائج بصدر رحب)، فهذه شيمة العلماء حقاً، فكم أخطأ الشيعة وكم أخطأ السنيون! فواجب الباحث أن يبحث المسائل حراً طليقاً، ويتأهب للبحث وهو على الحياد بالنسبة للنتائج، فسواء خرجت النتيجة صفراء أو سوداء لا يهمه، لا أن يعتقد أولاً ثم يبحث عن البرهان الذي يؤدي إلى النتيجة التي أعتنقها من قبل، فذلك ليس شيمة العلماء المخلصين للحق. وكل ما في الأمر أن الواجب أن ينحي العامة وأشباههم عن الدخول في مثل هذه المباحث لأنهم لا يستسيغونها ولا هم متهيئون لها، وليست تنفعهم في دينهم ولا ديناهم
بهذه الروح بحثت، ولا أدعى العصمة، فقد أكون أخطأت؛ وقد وجه بعض أخواني من الشيعة نظري إلى أني حين بحثت عولت على مصادر أهل السنة أكثر مما عولت على مصادر الشيعة، وكان الواجب ألا يعتمد في كلام خصم على خصم، وأن ينظر في قول كل فرقة إلى حكاية أصحابها وخصومها معاً، ثم يمحص الحق من ذلك كله؛ وقد أصغيت إلى هذا القول واقتنعت بصحته، فلما أردت أن أكتب فصل الشيعة في الجزء الثالث من ضحى الإسلام توسعت ما وسعني في قراءة الكتب المعتمدة عند الشيعة، ولا أزال أقلبها ظهراً لبطن وأفكر فيها من وجوهها المختلفة حتى ينثلج صدري للحق وأومن بما يقوم عليه البرهان من غير تحزب لناحية - وليس يتطلب مني أكثر من ذلك. وإنما يتطلب من قادة الرأي في الشيعة والسنيين ألا يضيق صدرهم حرجاً مما يقال متى خلصت نية القائل - وعلى القائل والكاتب أن يعمد إلى الحق والحق وحده، وأن يقوله في أدب لا في تهاتر وسباب
وليس من الحق ألا يرضى الشيعة عن المؤرخ إلا إذا مجد كل عقائد الشيعة وصوبها، كما
стр. 9944
ليس من الحق ألا يرضى السنيون عنه إلا إذا مجد كل عقائدهم وصوبها، فالمؤرخ قاض عادل لا يهمه من رضى ومن غضب، وهو لم ينصب للإرضاء والإغضاب، إنما نصب ليتعرف الحق ويجهر به
هذا ما أردت أن أقوله من الناحية العلمية، وأرى من وراء ذلك كله إلى القول بأن البحث العلمي شيء والنزاع والخصام شيء آخر، وأن البحث العلمي لا يمنع التفاهم والوئام، بل هو إذا نظر إليه النظر الواسع العالي سبب من أسباب الألفة
أما الناحية العملية في الوفاق فسهلة ميسورة متى أخلص القادة في ذلك - وهي في هذا الزمان أيسر وأسهل؛ وإذا كانت الوطنية قد استطاعت أن توفق في مصر بين الأقباط والمسلمين، وفي سوريا بين المسلمين والمسيحيين، فكيف لا تستطيع المصالح المشتركة القوية الواضحة ألا توحد بين الشيعة والسنيين وهم أهل دين واحد يجمعهم الإيمان العميق في صدورهم بأن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وان كل الخلاف بينهم موجات على السطح وفقاقيع في الظاهر يستغلها أهل الجاه والمال والرياسة فيوهمون أنها كل شيء في الدين، وليس ذلك بصحيح إلا إذا كانت فقاقيع الماء كل الماء، وأمواج البحر هي كل البحر، وزبد السوائل كل السوائل، والعمامة الخضراء والحمراء والبيضاء هي كل الإسلام؛ فالحق إن الإسلام أعمق من ذلك كله، وما الخلافة والنزاع عليها والفروق الخفيفة في مظاهر الوضوء والصلاة والزواج والطلاق ونحو ذلك إلا أشياء تافهة كل التفاهة بجانب القواعد الأساسية للدين، والفرق بينهما كالفرق بين مظهر الإنسان وقلبه، وبين ملبسه ومخبره. ليكن الإيمان بالأسس في القلب، ثم ليكن المظهر ما يكون، فالله ينظر إلى قلوبكم لا إلى صوركم
وليقلل علماء الدين سنيون وشيعة من تمسكهم بالمظهر ومحافظتهم على وجاهتهم في قومهم وأتباعهم وما يغله ذلك عليهم، يروا أن الوفاق أقرب ما يكون وأسهل ما يكون ويضحكوا ويبكوا من سخافات السلف والخلف الذين أثاروا النزاع على التافه وتركوا اللباب أليس من السخف أن يتقاتل طائفتان على خلاف تاريخي أكان علي أحق بالخلافة أم أبو بكر وعمر، وعلي وأبو بكر وعمر في قبورهم لا يعنون بشيء من ذلك؟ أم ليس من السخف أن يتعادى طائفتان مسلمتان تقرأن كل أسس الإسلام من أجل اختلافهما في جزيئات صغيرة في أشكال
стр. 9945
الوضوء وما إليه؟ أم ليس من السخف ألا يقر الشيعة بعلم ولا فضل ولا فكرة ولا عمل مجيد إلا إذا صدر من شيعي؟ وألا يقر السنيون بعلم ولا فضل ولا فكرة ولا عمل مجيد إلا إذا صدر من سني؟. . لا لا أيها القوم! جعفر الصادق رجل عظيم، وأبو حنيفة رجل عظيم، فليزر شيعة العراق أبا حنيفة لعظمته، وليزر سنيو العراق مشهد الحسين لعظمته؛ والأمهات يلدن النوابغ على السواء، فلم تضن على الشيعة بنوابغ ولا على السنيين بنوابغ، كما لم تضن على الأمم الأخرى بنوابغ، فحصر كل فرقة تعظيمها لرجال فرقتها ضيق في النظر وفقر في الفكر.
وإذا زال هذا كله وأمثاله - وهي فيما أرى من البديهيات - رأينا الخلاف قد تبخر ولم يعد له أساس، ولا يبقى إلا عند المؤرخ والباحث، والمؤرخون والباحثون دائماً متصافون متى كان رائدهم الحق، وشعارهم الصدق، ولم تطوح بهم الأغراض والشهوات
ليس من وسيلة تدرأ هذا الخلاف إلا أن يتقدم علماء اليوم من الفريقين فيمحوا الآثار السيئة التي خلفها علماء الأمس
ولعل أصلح بقعة لذلك هي العراق، لأنها أشد البلاد مظهراً لهذا الخلاف، فيتعاون رؤساء الطائفتين لعقد مؤتمر في بغداد من رؤساء السنيين والشيعة، ويبحثوا وجوه الخلاف وكيف تزال في جو هادئ مخلص؛ وأسبق الطائفتين إلى هذه الدعوة أفضلهم، ولا يجعلوا للعامة والغوغاء سلطاناً، وليحذروا من أصحاب المطامع والشهوات ودسائسهم، وليجعلوا شعارهم في كل مجتمع وعند كل خلاف (مسلمون قبل كل شيء) (مسلمون قبل أن نكون شيعة وسنيين).
ولا بأس أن يدعوا قادة الفكر في مصر والشام والحجاز للاشتراك في هذا المؤتمر والتشديد في حصر أغراضه في إزالة الخلاف بين سني وشيعي، فلا يمسون أي موضوع آخر، ثم يرسمون الطريق العملي لإزالة هذا النزاع من تزاور الطائفتين، واتخاذ شعار لهذا الوفاق، وتبيين يوم يتخذ عيداً يذكر بهذا الاتحاد ونحو ذلك. إنهم إن فعلوا واخلصوا خلصوا من أكبر مشكلة يتعرض لها الطائفتان، وأمكنهم أن يوجهوا هذه القوى - العظيمة التي تذهب في الخلاف - إلى إصلاح شؤونهم الاجتماعية، واستطاعوا أن يتعاونوا على رفع مستوى قومهم، وعجبوا بعد قليل - لما يظهر من نتائج باهرة - كيف كانوا جميعاً في ظلام دامس،
следующие страницы →