← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 9941–9980 · переход к 9946.

стр. 9941

أن تضاف إلى المعنى فتجعله كالمنفرد بنفسه أو كالمخترع ولعمري لو كان للطبيعة مائة صورة في الخيال الشعري، ثم قدم شوقي للناس تسعاً وتسعين منها، لقال ذلك الناقد المتعنت: لا. إلا الصورة التي لم يقدمها. . . . وكان شعر شوقي في جزالته وسلاسته كأنما يحمل العصا لبعض الشعراء، يردهم بها عن السفسفة والتخليط والاضطراب في اللفظ والتركيب؛ فكثر الاختلال في الناشئين من بعده وجاءوا بالكلام المخلط الذي تبعث عليه رخاوة الطبع وضعف السليقة، فتراه مكشوفاً سهلاً ولكن سهولته أقبح في الذوق من جفوة الأعراب على كلامهم الوحشي المتروك. والآفة أن أصحاب هذا المذهب يفرضون مذهبهم فرضاً على الشعر العربي كأنهم يقولون للناس: دعوا اللغة وخذونا نحن. وليس في أذهانهم إلا ما اختلط عليهم من تقليد الأدب الأوربي فكل منهم عابد الحياة، مندمج في وحدة الكون، يأخذ الطبيعة من يد الله، ويجاري اللانهاية، ويفنى في اللذة، ويعانق الفضاء، ويغني على قيثارته للنجوم؛ وبالاختصار فكل منهم مجنون لغوي. . . . وأنا فلست أرى أكثر هذا الشعر إلا كالجيف، غير أنهم يقولون إن الجيفة لا تعد كذلك في الوجود الأعظم، بل هي فيه عمل تحليل علمي دقيق. لقد صدقوا، ولكن هل يكذب من يقول: إن الجيفة هي فساد ونتن وقذر في اعتبار وجودنا الشخصي، وجود النظر والشم، والانقباض والانبساط، وسلامة الذوق وفساد الذوق! وكان حاسدو شوقي يحسبون أنه إذا أزيح من طريقهم ظهر تقدمهم؛ فلما أزيح من الطريق ظهر تأخرهم. . . وهذه وحدها من عجائبه ﵀. وقد كان هذا الشاعر العظيم هبة ثلاثة ملوك للشعب، فهيهات ينبغ مثله إلا إذا عمل الشعب في خدمة الشعر والأدب عمل ثلاثة ملوك. . . . وهيهات. (طنطا) مصطفى صادق الرافعي

стр. 9942

السنيون والشيعة للأستاذ أحمد أمين بهذا العنوان كتب الأستاذ (محمد رضا المظفر) من أفاضل علماء النجف مقالاً قيماً في (عدد الرسالة ١١٨ السنة الثالثة)؛ وقد أستهلها الأستاذ بالعجب من أن أكون كاتب (فجر الإسلام وضحاه)، وكاتب (مقدمة تاريخ القرآن) للأستاذ الزنجاني معاً وأن (النغمة التي ظهرت مني في هذه المقدمة نغمة متواضعة على وتر من إحساس جديد) وإنها على عكس ما ظهر مني في فجر الإسلام وضحاه، وفسر ذلك بأن لي (شخصيتين تباعدتا على قرب العهد بينهما) والحق - يا أخي - أن النغمتين صدرتا عن نفس واحدة كانت تكره الخلاف بين السنيين والشيعة أشد الكره وأعمقه يوم كتبَتْ فجر الإسلام وضحاه كما كانت تكرهه يوم كتبت مقدمة تاريخ القرآن، وكما لا تزال تكرهه إلى اليوم وكل مظاهر الخلاف بين القولين سببه أني بحثت في فجر الإسلام وضحاه مذهب الشيعة كما يبحثه كل عالم، وحاولت جهدي أن أضع التعصب جانباً، وأن أتناسى أني سني أكتب عن الشيعة، وأملأ نفسي عقيدة أني مؤرخ يتطلب الحق حيث هو - ومن أجل ذلك نقدت السنيين كما نقدت الشيعة، وقلت ما اعتقدته الحق في هؤلاء وهؤلاء، ووضعت الفرقتين في كفتي ميزان؛ فإذا قلت إن بعض الشيعة وضعوا بعض الأحاديث قلت إن بعض السنيين وضعوا بعض الحديث أيضاً، لأني اعتقدت الحق في ذلك؛ وهكذا سرت على هذا النهج دائماً وأنصفت المعتزلة في بعض آرائهم، والخوارج في بعض آرائهم، والشيعة في بعض آرائهم. مع أن العادة جرت أن السنيين لا يرضون عن شيء من ذلك، فأسلوبي في الحالين طلب الحق حيث كان، وإذا كان ديننا يتطلب منا أن نزن الحق في ذاته من غير أي اعتبار آخر سواء كان مصدره مسيحياً أو يهودياً أو وثنياً، فبالأحرى نزنه إن كان مصدره معتزلياً أو خارجياً أو شيعياً؛ وكل ما في الأمر أن بعض أخواني من الشيعة اخطأوا من ناحيتين: الأولى إنهم دائماً طبقوا ما أقوله عن الشيعة على أنفسهم، وفهموا أني لا أعني بالشيعة في كل موضوع إلا إياهم، مع أن الشيعة كما يعلمون فرق مختلفة لا حصر لها، وإن منها الغالي الممعن في غلوه، ومنها المعتدل القريب من الإنصاف، وليست الإمامية التي يدين

стр. 9943

بها أهل العراق وفارس إلا فرقةً واحدة من فرق عديدة، بعضها باق إلى اليوم، وبعضها عفى عليه التاريخ؛ فخطأ محض أن يظنوا أني كلما قلت (الشيعة) عنيتهم؛ إنما يكون لهم الحق كل الحق أن يفهموا إني أقصدهم عندما أتكلم على الإمامية أو الاثني عشرية - والمؤرخ يجب عليه أن يؤرخ الماضي كما يؤرخ الحاضر، وأن يذكر الغلاة كما يذكر المعتدلين، فإذا عاب الغلاة فليس عيبه إذا فهم قوم منه أنه يعنيهم والناحية الثانية هي ما دعوت إليه في (مقدمة تاريخ القرآن) من إنه يجب على العلماء من الطائفتين أن يوسعوا صدرهم للنقد النزيه (ويتلقوا النتائج بصدر رحب)، فهذه شيمة العلماء حقاً، فكم أخطأ الشيعة وكم أخطأ السنيون! فواجب الباحث أن يبحث المسائل حراً طليقاً، ويتأهب للبحث وهو على الحياد بالنسبة للنتائج، فسواء خرجت النتيجة صفراء أو سوداء لا يهمه، لا أن يعتقد أولاً ثم يبحث عن البرهان الذي يؤدي إلى النتيجة التي أعتنقها من قبل، فذلك ليس شيمة العلماء المخلصين للحق. وكل ما في الأمر أن الواجب أن ينحي العامة وأشباههم عن الدخول في مثل هذه المباحث لأنهم لا يستسيغونها ولا هم متهيئون لها، وليست تنفعهم في دينهم ولا ديناهم بهذه الروح بحثت، ولا أدعى العصمة، فقد أكون أخطأت؛ وقد وجه بعض أخواني من الشيعة نظري إلى أني حين بحثت عولت على مصادر أهل السنة أكثر مما عولت على مصادر الشيعة، وكان الواجب ألا يعتمد في كلام خصم على خصم، وأن ينظر في قول كل فرقة إلى حكاية أصحابها وخصومها معاً، ثم يمحص الحق من ذلك كله؛ وقد أصغيت إلى هذا القول واقتنعت بصحته، فلما أردت أن أكتب فصل الشيعة في الجزء الثالث من ضحى الإسلام توسعت ما وسعني في قراءة الكتب المعتمدة عند الشيعة، ولا أزال أقلبها ظهراً لبطن وأفكر فيها من وجوهها المختلفة حتى ينثلج صدري للحق وأومن بما يقوم عليه البرهان من غير تحزب لناحية - وليس يتطلب مني أكثر من ذلك. وإنما يتطلب من قادة الرأي في الشيعة والسنيين ألا يضيق صدرهم حرجاً مما يقال متى خلصت نية القائل - وعلى القائل والكاتب أن يعمد إلى الحق والحق وحده، وأن يقوله في أدب لا في تهاتر وسباب وليس من الحق ألا يرضى الشيعة عن المؤرخ إلا إذا مجد كل عقائد الشيعة وصوبها، كما

стр. 9944

ليس من الحق ألا يرضى السنيون عنه إلا إذا مجد كل عقائدهم وصوبها، فالمؤرخ قاض عادل لا يهمه من رضى ومن غضب، وهو لم ينصب للإرضاء والإغضاب، إنما نصب ليتعرف الحق ويجهر به هذا ما أردت أن أقوله من الناحية العلمية، وأرى من وراء ذلك كله إلى القول بأن البحث العلمي شيء والنزاع والخصام شيء آخر، وأن البحث العلمي لا يمنع التفاهم والوئام، بل هو إذا نظر إليه النظر الواسع العالي سبب من أسباب الألفة أما الناحية العملية في الوفاق فسهلة ميسورة متى أخلص القادة في ذلك - وهي في هذا الزمان أيسر وأسهل؛ وإذا كانت الوطنية قد استطاعت أن توفق في مصر بين الأقباط والمسلمين، وفي سوريا بين المسلمين والمسيحيين، فكيف لا تستطيع المصالح المشتركة القوية الواضحة ألا توحد بين الشيعة والسنيين وهم أهل دين واحد يجمعهم الإيمان العميق في صدورهم بأن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وان كل الخلاف بينهم موجات على السطح وفقاقيع في الظاهر يستغلها أهل الجاه والمال والرياسة فيوهمون أنها كل شيء في الدين، وليس ذلك بصحيح إلا إذا كانت فقاقيع الماء كل الماء، وأمواج البحر هي كل البحر، وزبد السوائل كل السوائل، والعمامة الخضراء والحمراء والبيضاء هي كل الإسلام؛ فالحق إن الإسلام أعمق من ذلك كله، وما الخلافة والنزاع عليها والفروق الخفيفة في مظاهر الوضوء والصلاة والزواج والطلاق ونحو ذلك إلا أشياء تافهة كل التفاهة بجانب القواعد الأساسية للدين، والفرق بينهما كالفرق بين مظهر الإنسان وقلبه، وبين ملبسه ومخبره. ليكن الإيمان بالأسس في القلب، ثم ليكن المظهر ما يكون، فالله ينظر إلى قلوبكم لا إلى صوركم وليقلل علماء الدين سنيون وشيعة من تمسكهم بالمظهر ومحافظتهم على وجاهتهم في قومهم وأتباعهم وما يغله ذلك عليهم، يروا أن الوفاق أقرب ما يكون وأسهل ما يكون ويضحكوا ويبكوا من سخافات السلف والخلف الذين أثاروا النزاع على التافه وتركوا اللباب أليس من السخف أن يتقاتل طائفتان على خلاف تاريخي أكان علي أحق بالخلافة أم أبو بكر وعمر، وعلي وأبو بكر وعمر في قبورهم لا يعنون بشيء من ذلك؟ أم ليس من السخف أن يتعادى طائفتان مسلمتان تقرأن كل أسس الإسلام من أجل اختلافهما في جزيئات صغيرة في أشكال

стр. 9945

الوضوء وما إليه؟ أم ليس من السخف ألا يقر الشيعة بعلم ولا فضل ولا فكرة ولا عمل مجيد إلا إذا صدر من شيعي؟ وألا يقر السنيون بعلم ولا فضل ولا فكرة ولا عمل مجيد إلا إذا صدر من سني؟. . لا لا أيها القوم! جعفر الصادق رجل عظيم، وأبو حنيفة رجل عظيم، فليزر شيعة العراق أبا حنيفة لعظمته، وليزر سنيو العراق مشهد الحسين لعظمته؛ والأمهات يلدن النوابغ على السواء، فلم تضن على الشيعة بنوابغ ولا على السنيين بنوابغ، كما لم تضن على الأمم الأخرى بنوابغ، فحصر كل فرقة تعظيمها لرجال فرقتها ضيق في النظر وفقر في الفكر. وإذا زال هذا كله وأمثاله - وهي فيما أرى من البديهيات - رأينا الخلاف قد تبخر ولم يعد له أساس، ولا يبقى إلا عند المؤرخ والباحث، والمؤرخون والباحثون دائماً متصافون متى كان رائدهم الحق، وشعارهم الصدق، ولم تطوح بهم الأغراض والشهوات ليس من وسيلة تدرأ هذا الخلاف إلا أن يتقدم علماء اليوم من الفريقين فيمحوا الآثار السيئة التي خلفها علماء الأمس ولعل أصلح بقعة لذلك هي العراق، لأنها أشد البلاد مظهراً لهذا الخلاف، فيتعاون رؤساء الطائفتين لعقد مؤتمر في بغداد من رؤساء السنيين والشيعة، ويبحثوا وجوه الخلاف وكيف تزال في جو هادئ مخلص؛ وأسبق الطائفتين إلى هذه الدعوة أفضلهم، ولا يجعلوا للعامة والغوغاء سلطاناً، وليحذروا من أصحاب المطامع والشهوات ودسائسهم، وليجعلوا شعارهم في كل مجتمع وعند كل خلاف (مسلمون قبل كل شيء) (مسلمون قبل أن نكون شيعة وسنيين). ولا بأس أن يدعوا قادة الفكر في مصر والشام والحجاز للاشتراك في هذا المؤتمر والتشديد في حصر أغراضه في إزالة الخلاف بين سني وشيعي، فلا يمسون أي موضوع آخر، ثم يرسمون الطريق العملي لإزالة هذا النزاع من تزاور الطائفتين، واتخاذ شعار لهذا الوفاق، وتبيين يوم يتخذ عيداً يذكر بهذا الاتحاد ونحو ذلك. إنهم إن فعلوا واخلصوا خلصوا من أكبر مشكلة يتعرض لها الطائفتان، وأمكنهم أن يوجهوا هذه القوى - العظيمة التي تذهب في الخلاف - إلى إصلاح شؤونهم الاجتماعية، واستطاعوا أن يتعاونوا على رفع مستوى قومهم، وعجبوا بعد قليل - لما يظهر من نتائج باهرة - كيف كانوا جميعاً في ظلام دامس،

стр. 9946

وكيف كانوا هذا الزمن الطويل يستمسكون بالعرض، ويضيعون الجوهر، ويفرطون في الكتاب، ويحتفظون بالغلاف واقرر من الآن أني سوف لا أرد على من يتخذ من بعض ما جاء في هذه المقالة وسيلة لإثارة النزاع من جديد، إلا أن يفتح صاحبها مجالاً للكلام في مشروع المؤتمر، أو وسائل الوفاق وباللهالتوفيق. . . . أحمد أمين

стр. 9947

عصبة الأمم وتطبيق العقوبات تحريم الحرب من الوجهة الدولية وتشبيه الدولة بالفرد في قمع الاعتداء لباحث دبلوماسي كبير لأول مرة في التاريخ نشهد قراراً دولياً بأن حرب الاعتداء وسيلة غير مشروعة لتحقيق غايات السياسة القومية، ولأول مرة في التاريخ تصدر دول العالم ممثلة في عصبة الأمم حكمها على دولة أوربية عظمى هي إيطاليا بأنها دولة معتدية، وإنها بغزو الحبشة ترتكب خرقاً لقانون الأمم؛ بل نشهد في الواقع ما هو أعظم من الأحكام النظرية؛ نشهد عصبة الأمم تقرر باسم دول العالم أن توقع على إيطاليا طائفة من العقوبات الاقتصادية التي نص عليها في ميثاقها؛ وهذه أول مرة تتخذ فيها عصبة الأمم مثل هذه القرارات الخطية الحاسمة، وقد كان يبدو دائماً كلما وقعت أزمة دولية خطيرة أن هذه النصوص التي أدمجت في ميثاق عصبة الأمم وقت حمى السلام، إنما هي نصوص خيالية لا سبيل إلى تطبيقها بصورة عملية؛ ولكن يلوح لنا إن عصبة الأمم تسير هذه المرة بعزم واضع إلى تطبيق هذه التجربة الشائكة، وإنها تزمع أن تصل بتطبيقها إلى نتائج عملية لا شك في أهميتها من الوجهة الدولية وهذا الإقدام الذي تبديه العصبة في مقاومة الاعتداء الإيطالي على الحبشة وعلى السلام العام يثير بلا ريب كثيراً من الإعجاب، ويرفع بلا ريب هيبة العصبة بعد أن كادت تغيض في الأعوام الأخيرة؛ ولكن يجب ألا نبالغ في فهم الدور الذي تؤديه العصبة في هذا النضال الدولي الخطير، أو بعبارة أخرى يجب أن نفرق بين العصبة كشخصية دولية معنوية، وبين الدول التي تساهم في تكوينها وتشرف على توجيهها؛ فمن الواضح أنه لو لم تقف إنكلترا وقفتها المعروفة في التمسك بميثاق العصبة، ولو لم توفق السياسة البريطانية إلى إقناع الدول الأخرى بوجهة نظرها في تأييد الميثاق، بل لو لم تقم إنكلترا باتخاذ تلك الاهبات البحرية والعسكرية الخطيرة لتأييد موقفها، لما استطاعت العصبة أن تقدم بمثل هذا العزم على تطبيق الميثاق واتخاذ قرارها الشهير في الحكم على إيطاليا بالاعتداء وتوقيع

стр. 9948

العقوبات الاقتصادية عليها ومن الواضح أيضاً أن بريطانيا العظمى لم تقف هذا الموقف الحازم من المغامرة الإيطالية حباً في السلام فقط، أو لأن بريطانيا تريد أن تكون حارسة للسلم، أو أن تكون على حد تعبيرها (بوليسا) للقارة، أو بوليسا للعالم. فبريطانيا أزهد ما يكون في مثل هذه المهمة التي تعرضها لمتاعب ومسؤوليات لا نهاية لها؛ ولكن الحقيقة أن هذه الحرب الاستعمارية التي تثيرها إيطاليا تعرض مصالح الإمبراطورية البريطانية للخطر، وفوز إيطاليا بافتتاح الحبشة وتحقيق حلمها في إقامة إمبراطورية استعمارية في شرق أفريقيا، يهدد السيادة البريطانية في وادي النيل، وفيما وراء البحار، ويعرض المواصلات الإمبراطورية البريطانية لأخطار لاشك فيها، وإذكاء مطامع إيطاليا القيصرية بالفتح يهدد سيادة إنكلترا البحرية في البحر الأبيض المتوسط، وهي عماد الطريق الإمبراطوري إلى الهند وإلى استراليا. فهذه البواعث الخطيرة هي التي تحمل إنكلترا قبل كل شيء على اتخاذ موقفها في تحريك ميثاق عصبة الأمم، وفي المغامرة بالدخول في أية معارك بحرية أو برية يقتضيها تطبيق العقوبات الاقتصادية على إيطاليا على إنه مهما تكن البواعث التي تواجه السياسة البريطانية في الآونة الحاضرة فلا ريب أن بريطانيا العظمى تقف إلى جانب السلم، ولا ريب إنها بموقفها تؤيد سلام العالم؛ وإذا كانت الفاشستية الإيطالية بعنفها المضطرم، ووسائلها المثيرة، وأحلامها الإمبراطورية، وغرورها الأعمى، تهدد الإمبراطورية البريطانية في البحر الأبيض والبحر الأحمر، فإنها تهدد سلام العالم أيضاً؛ وربما كان من حسن الطالع أن يتحد هذان العاملان معاً، وأن تجد بريطانيا من بواعث مصالحها الحيوية ما يدفعها إلى العمل في تلك الآونة لتحطيم مشروعات إيطاليا الهمجية. وها نحن أولاء نشهد من إصرار بريطانيا على موقفها، ومن تمسكها بتطبيق العقوبات الاقتصادية ضد إيطاليا، ومن أهباتها البحرية والعسكرية ما يفسر خطورة البواعث والعوامل التي تجثم وراء هذا النزاع وقد كثر الحديث حول العقوبات الاقتصادية التي تعنى بتطبيقها عصبة الأمم ضد إيطاليا المعتدية؛ وهي عقوبات لها خطورتها وأثرها في هذا العصر الذي يتوقف كل شيء فيه على المال، وتستمد فيه قوى الدول من مواردها المالية قبل كل شيء؛ فإذا شلت موارد

стр. 9949

الدولة من جراء مقاطعة اقتصادية صارمة تنظمها الدول الأخرى، فلا ريب إن مشاريعها العسكرية تصاب أيضاً بنوع من الشلل يضطرها إزاء هذا الضغط إلى الخضوع. وقد أجملت المادة ١٦ من ميثاق عصبة الأمم ذكر هذه العقوبات، ولسنا نرى لشرحها خيراً من إيراد نص هذه المادة كاملاً وهو: (إذا التجأ عضو من أعضاء العصبة إلى الحرب خلافاً للتعهدات المنصوص عليها في المادتين ١٢ و١٣ أو المادة ١٥ فإنه يعتبر قد أرتكب عملاً حربياً ضد كل أعضاء العصبة الآخرين، ويتعهد هؤلاء أن يقطعوا في الحال معه كل علائقهم التجارية والمالية، وأن يحظروا كل علائق بين رعاياهم وبين رعايا الدولة التي خرقت الميثاق، وأن يقطعوا كل الصلات المالية والتجارية والشخصية بين رعايا هذه الدولة وبين رعايا أية دولة أخرى، سواء أكانت عضواً في العصبة أم لا (وفي هذه الحالة يجب على المجلس (مجلس العصبة) أن يوحي إلى الحكومات المختلفة ذات الشأن بتقديم القوى العسكرية أو البحرية أو الجوية التي يساهم أعضاء العصبة في تقديمها للقوى المسلحة التي تقوم بالعمل على احترام تعهدات العصبة (ويتعهد أعضاء العصبة أيضاً أن يعاون بعضهم بعضاً في تطبيق الإجراءات الاقتصادية والمالية التي تتخذ طبقاً لهذه المادة والتي يراد بها أن تخفض إلى أدنى حد ما يمكن أن يترتب عليها من الخسائر والمضار، ويتعهدون أيضاً بالتعاون في مقاومة كل إجراء خاص يوجه إلى أحدهم من جانب الدولة التي خالفت الميثاق، ويتخذون الإجراءات اللازمة لكي يسهل المرور في أراضيهم لقوات أي عضو من أعضاء العصبة يساهم في العمل المشترك الذي يقصد به العمل على احترام تعهدات العصبة ويمكن أن يفصل من العصبة كل عضو وينتهك أحد التعهدات المترتبة على هذا الميثاق، وبصدر قرار الفصل بموافقة أعضاء العصبة الآخرين الممثلين في المجلس) فهذه العقوبات الدولية يمكن إجمالها في كلمة هي (المقاطعة الاقتصادية) وهذه المقاطعة هي التي تجد في سبيل تنظيمها عصبة الأمم ضد إيطاليا؛ وتجد إيطاليا من جهة أخرى في سبيل اتقاء عواقبها؛ وتعلل إيطاليا نفسها بأمل انقسام أعضاء العصبة وانهيار الجبهة التي استطاعت السياسة البريطانية أن تؤلفها ضدها حين البدء في تطبيق العقوبات، وتعتمد في

стр. 9950

ذلك بادئ بدء على فرنسا التي تزداد كل يوم تردداً وإحجاماً؛ وسنرى على أي حال نتيجة هذا الصراع في القريب العاجل؛ بيد أن الذي نريد أن نلفت النظر إليه هو أن تنفيذ هذه العقوبات بدقة سيقتضي بلا ريب تنظيم نوع من الحصار المسلح ضد الدولة المعتدية أعنى إيطاليا، وقد يقتضي القيام ببعض الإجراءات والأعمال العنيفة، وهذا أخطر ما في التجربة، فإن إيطاليا تصرح دائماً بأنها ستقابل مثل هذه الأعمال العنيفة بمثلها، وعندئذ يكون هذا الصدام الذي لا مفر منه، بدء حرب، يستحيل أن تحصر في دائرة معينة، ومن المحتوم أن تتحول في الحال إلى حرب أوربية وربما إلى حرب عالمية - ٢ - على أننا نترك هذه التكهنات جانباً لنبحث ناحية أخرى من الموضوع. ولنفرض أولاً أن عصبة الأمم قد وفقت في مهمتها، واستطاعت الدول المتحدة أن ترغم إيطاليا على وقف الحرب الحبشية، وأن تقنع بتسوية ودية تمنح بها بعض المزايا الاستعمارية؛ فماذا يمكن أن يترتب على هذه النتيجة من الوجهة الدولية؟ يمكن أن يترتب عليها تقرير مبدأ في منتهى الخطورة أو بعبارة أخرى تأييده من الوجهة العملية، إذ هو موجود بالفعل، وهذا المبدأ هو تحريم الحرب الاعتدائية؛ وقد نص على تحريم الحرب كأداة للسياسة القومية بمقتضى ميثاق كلوج؛ ولكن هذا الميثاق لم يكن أكثر من وثيقة نظرية؛ أما اليوم فإن تحريم الحرب يقع بصفة عملية، إذ ترغم دولة قررت عصبة الأمم أنها (معتدية) على وقف الحرب أو تعاقب على فعلتها بالمقاطعة الدولية. وهنا نستطيع أن نلمح وجه المقارنة الفقهية بين الدولة (المذنبة) وبين الفرد (المذنب) ففي القانون العام، وفي داخل المجتمع المتمدن يحرم على الفرد أن يرتكب ضد غيره عملاً من أعمال العنف، ولو وقع عليه اعتداء ما فلا يسمح له أن ينتصف لنفسه؛ ذلك لأن إقامة العدالة من حق المجتمع، والقانون العام ينظم المجتمع ويرتب حقوق الأفراد وواجباتهم، فإذا اعتدى على شخص فرد ما أو اعتدى على حقوقه، كان القانون كفيلاً بمعاقبة المعتدي، وكفيلاً برد الحق المسلوب، وإذا تقرر ذلك فما الذي يمنع من أن تشبه الدولة في جماعة الأمم بالفرد في المجتمع؟ وكما أن العنف محرم على الفرد - عدا ماله من حق الدفاع عن النفس أو المال - فكذلك يمكن أن يحرم العنف على الدولة وتحرم الحرب كأداة لتحقيق غايات السياسة القومية، وإذ كانت الحرب ما زالت

стр. 9951

تعتبر في القانون الدولي أداة مشروعة للسياسة القومية، فإنه يمكن بتحريمها أن تغدو عملاً محرماً غير مشروع، والمقصود هنا دائماً هو الحرب الاعتدائية، وهذا ما سعى إليه الساسة الفقهاء الذين اشتركوا في وضع ميثاق تحريم الحرب أو (ميثاق كلوج)، فإذا تقرر أن الحرب محرمة، وأنها تعتبر خرقاً لمواثيق السلام وقانون الأمم، فإنه يمكن معاقبة الدولة التي تقدم عليها، إذا قررت دول العالم ممثلة في هيئة دولية عليا كعصبة الأمم، أنها دولة معتدية، وقررت بذلك أن تطبق عليها نوعاً من العقوبات يكفل ردها إلى صوابها وهذا ما نشهده اليوم في الواقع، فإن عصبة الأمم، تقرر أن إيطاليا وهي عضو من أعضائها دولة معتدية فيما تقوم به من غزو للأراضي الحبشية، وتقرر أن تطبق عليها العقوبات الاقتصادية التي نص عليها في المادة السادسة عشرة من الميثاق، ولكنا نكرر القول بأن عصبة الأمم ما كانت لتجرؤ على اتخاذ مثل هذه الخطوة لو لم تحركها يد السياسة البريطانية القوية، وإلا فأين كانت عصبة الأمم يوم اعتداء اليابان على منشوريا والاستيلاء عليها تحت سمع العصبة وبصرها؟ وإذا كانت عصبة الأمم تستطيع كشخصية معنوية تمثل فيها إرادة الأمم أن تحكم على الدولة الممثلة فيها أولها، فمن الواضح أنه يقتضي لتنفيذ أحكامها قوة دولية أو وسائل ضغط معينة، وهذه القوة أو الوسائل أشارت إليها المادة السادسة عشرة من الميثاق، ولكنها لم تخلق أو توجد بعد، ولو لم تتقدم بريطانيا العظمى باهباتها وقوتها المسلحة مدفوعة بما تقدم من البواعث لتنفيذ العقوبات، لبقى قرار العصبة قراراً نظرياً لا سند له ولا أثر على أن من الإسراف في التفاؤل والأمل أن نعتقد أن عصبة الأمم قد غدت محكمة الأمم العليا، وغدت ملاذ السلم الأعلى، وأن هذه الخطوة التي تقدم على اتخاذها اليوم ستغدو بالفعل مبدأ دولياً عالمياً يحتكم إليه في كل الحوادث والظروف المماثلة. إنها نظريات السلام والعدالة الدولية وحقوق الأمم تبدو في الأفق، وفي ظلها وباسمها تعمل عصبة الأمم، ولكنها القوة في الواقع تعمل من الوراء ظاهرة غير مستترة؛ وهي تعمل مسيرة بالبواعث والمصالح الخاصة التي كان من حسن الطالع أنها تتفق مع قضية العدالة الدولية والسلام العالمي؛ ولكن هل يمكن أن تجتمع مثل هذه الظروف دائماً إذا ما تعلق الأمر بإقامة الحق والعدالة الدولية؟ هذا ومن جهة أخرى فإنه من المرجح جداً أن تطور الحوادث على هذا

стр. 9952

النحو الخطر الذي نشهده قد يقضي في النهاية على كل مظاهر الحق ونظريات السلام والعدالة الدولية؛ وقد يضطرم العالم من جديد بحرب تودي بعصبة الأمم وكل ما يمثل فيها من النظريات والمثل الدولية العليا

стр. 9953

النقد والمثال للأستاذ أحمد الزين تحدثتُ في فصلٍ سابقٍ عن المعنى، وأنه العنصرُ الأولُ من عناصر الشعر، بل هو الشعرُ نفسهُ، وقلت: إن الألفاظ ليست إلا ثوباً يحيط به، ويقدر على أجزائه، وأن حُسنها وروعتها ليست إلا وسائل يقصد بها استمالة القلوب النافرة، واجتذاب الميول الجامحة ولست أريد بالمعنى أي معنى يخطر بالخاطر، وأول ما تتحدث به نفس الشاعر، والحقائق المجردة الأصلية التي تقع في الفكر لأول مرة قبل أن تتصرف فيها الملكة الفنية، فإن ذلك لا يسمى شعراً وليس منه في قليل ولا كثير، لأن هذه المعاني مشتركة بين جميع الأذهان، ولا فضل للشاعر فيها على غيره؛ وإنما يقصد بنظمها ضبط الحقائق المتفرقة، وضم المسائل المنتثرة على من أراده، لا التأثيرُ في العاطفة الذي يقصد إليه الشاعر بشعره، ومن ذلك قول المرحوم حافظ بك إبراهيم: البرلمان تهيأت أسبابه لم يبق من سبب سوى المفتاح وقوله من قصيدة يودع بها صاحب الدولة المرحوم سعد زغلول باشا في بعض أسفاره لمفاوضة الإنجليز: الشعب يدعو الله يا زغلول … أن يستقلّ على يديك النيل وقوله في هذه القصيدة أيضاً: فزعيمهم شاكي السلاح مدجّجٌ … وزعيمنا في كفه منديل وقوله يمدح ثلاثة من الأغنياء قد وقفوا بعض الضياع على إحدى المدارس المصرية: ثلاثة من سراة النيل قد وقفوا … على مدارسنا سبعين فدانا وخالفوا سنةً في مصر شائعةً … جرّت على العلم والآداب خسرانا فإن عادتهم في مصر أن يقفوا … على القبور وإن لم تحو إنسانا فهل ترى فرقاً بين تلك الأبيات والأخبار التي تقرؤها في مختلف الصحف إذا نظمت على أجزاء العروض وبحوره؟ وكذلك قول المرحوم أحمد شوقي بك في قصيدته التي أستقبل بها مصر حين عاد من الأندلس:

стр. 9954

وكلُّ مسافر سيؤوب يوماً … إذ رُزِق السلامة والايابا إلا أن ما في بقية القصيدة من جلال المعاني، وعلو الألفاظ، ورقة الديباجة قد ستر ما يشعر به الأديب المتذوق في هذا البيت من عادية المعنى، وخفته وإبتذاله، وقلة خطره، واشتراك جميع الأذهان فيه ومن هذا النوع أيضاً تلك المتون التي ينظمها العلماء في مختلف الفنون ليسهل حفظها واستذكار العلم بها على الطالب، كالشاطبية في القراءات، وألفية النحو، والبهجة الوردية في الفقه، وعقود الجمان في البلاغة، وما إلى ذلك ومنه أيضاً ما كان ينظم في عهد الثورة المصرية من القصائد المسجلة لحوادثها لإثارة العامة. وتنشرها الصحف إذ ذاك في كل يوم لأشخاص لا يجيدون قراءة الشعر فضلاً عن قوله، فلا يلبث أحدهم أن يسمع الحادثة عن بعض الزعماء، أو يرى طوائف الجنود المدججة تجوب الأحياء، أو يسمع الخبر، حتى يجلس جلسته يسيرة يعصر فيها ذهنه، ويكد قريحته، وينشئ قصيدة طويلة الذيول، كثيرة الفضول، لا يذوق الأديب فيها للشعر طعماً، ولا يحس له فيها عيناً ولا أثراً؛ وعفا الله عن الغرابلي باشا، فكم أمطرنا سحابه الهاطل من هذه القصائد ما يصك الأذواق والأسماع، وإن أستهوى قلوب العامة والرعاع، فهذا الشعر أشبه بالخطب الشعبية منه بالقصائد الشعرية فإذا تصرفت ملكة الشاعر في تلك المعاني الأصيلة، وتناولتها بأناملها الرقيقة الصناع، فأضافت إليها شيئاً من جمال الشعر وروعته، وسحر الفن وفتنته، ومزجتها بخيال مستعذب، أو تعليلٍ مستحسن، أو تشبيهٍ رقيق، أو مجازٍ غريب، أو تصويرٍ فاتن، أو وضعٍ حَسَن أو ترتيبٍ جميل، أو حرارة تحي العاطفة وتستثير الشجن، أو روحٍ فيها تحرك الحاسة وتجتذب الشعور، أو غير ذلك، تحولت تلك المعاني الأصيلة إلى معانٍ شعريةٍ تحسب أن صاحبها قد إخترعها، ولم تكن معروفةً لأحد قبله، ووقع الشعر من القلوب موقعه، وأصاب من كل نفسٍ موضعه؛ وكان كما قلت في صفة شعر المرحوم إسماعيل صبري باشا في القصيدة التي رثيته بها: متلمِّسٌ من كلِّ نفس سِرّها … ومُلامِسٌ من كلِّ قلب موضعا طبَّ النفوس يعيد في ميت المنى … روحاً ويبعث في القنوط المطمعا

стр. 9955

شِعرٌ إذا يتلى تكاد لحُسَنِهِ … تَثبُ القلوب من الصدور تطلعا فكأنها في كل بيت تبتغي … نبأ عن الأحباب فيه أُودعا فلو أن شعركَ كان سجعاً للقطا … كاد الأراك مع القطا أن يسجعا ومن المعاني الشعرية ما تراه شائعاً في شعر الجاهليين والمخضرمين والإسلاميين ومن نهج نهجهم من التحدث إلى ما لا يفهم خطاباً، ولا يحير جواباً، كمخاطبة الأطلال الدراسة، والرسوم الطامسة، ومساءلة الديار الخالية والمغاني المقفرة عن أهلها متى رحلو؟ وأين حلو؟ والدعاء له بسقيا المطر، وأن يعود لها ما فقدته من زمان غبر، كما قال أبو تمام: دِمنٌ ألم بها فقال سلامُ … كم حلَّ عقدة صبره الإلمامُ لا مرَّ يوم واحد إلاّ وفي … أحشائه لمحلّتيك غمام حتى تعمّمَ صَلُع هامات الرُّبى … من نوره وتأزَّر الأهضام ولقد أراك، فهل أراك بغبطة … والعيش غض والزمان غلام أعوام وصل كان ينسى طولها … ذكرُ النوى فكأنها أيام ثم انبرت أيامُ هجر أردفتْ … نجوى أسىّ فكأنها أعوام ثم انقضت تلك السنون وأهلها … فكأنها وكأنهم أحلام وقول مهيار الديلميّ: سلمت وما الديارُ بسالماتٍ … على عنتِ البلى يا دارَ هندِ ولا برحتْ مفوَّفة الغوادى … تصيب رُباك من خطأ وعمْد بموقظة الثرى والترب هاد … ومجدية الجنى والعام مكدي على أنى متى مطرتْكِ عيني … ففضلٌ ما سقاكِ الغيث بعدي أميل إليكِ، يجذبني فؤادي … وغيرُك - ما استقام السير - قصدي وأشفق أن تبدّلك المطايا … بوطأتها كأن ثراكِ خدّي وعلة الجمال في ذلك أن قوة العاطفة قد ملأتْ قلب الشاعر وضاقت بها نفسه، وضعف عنها احتماله، فافضاها على ما حوله، وأسبغها على ما يشاهده من آثار الديار، والدِّمن القفار؛ متخيلاً أن لها ماله من قلب وكبد، وإنها تحس ما يحس، وتجد ما يجد؛ ومن ذلك أيضاً مخاطبة الحمائم على الغصون، والإفضاء إليها بما يكنه الشاعر من لوعة وشجون،

стр. 9956

كقول الشاعر: تذكرني أمَّ العلاء حمائمٌ … تجاوبن أن مالت بهن غصون تملأ طلا ريشِكُن من النّدي … وتخضرُّ مما حولكن فنون ألا يا حمامات اللوى عدْنَ عَودة … فأني إلى أصواتكن حزينُ فعُدْن فلما عدْنِ كدْن يمتنني … وكدتُ بأسراري لهن أبين فلم تر عيني مثلهن حمائما … بكين ولم تدمع لهن عيون وقول أبي كبير الهذليّ: ألا يا حمام الأيك إلفُك حاضر … وغصنُك ميّادٌ ففيم تنوحُ أفِق لا تنُح من غير شيءٍ … فأنني بكيتُ زماناً والفؤاد صحيح ولوعاً فشطت غربةً دارُ زينب … فهأنا أبكى والفؤادُ قريح ولهذا الشعر قصة طريفة لا بأس من روايتها هنا لما اشتملت عليه من المعاني الشعرية التي نحن بصدد شرحها في هذا الفصل. لما وُلَي عبد الله بن طاهر خراسان أخذ معه عوف بن محلِّم الخزاعي؛ فلما كانا (بالرّي) جلسا تحت شجرة، فسمعا صوت عندليب يغرد، فقال عبد الله: هل سمعت مثل هذا الصوت يا عوف؟ قال: لا والله، ألا قاتل الله أبا كبير الهذلي حيث يقول: (ألا يا حمام الأيك إلفك حاضرٌ) الأبيات. فقال عبد الله بن طاهر: لقد كان في هذيل مائة وثلاثون شاعراً وكلهم مُفْلِق، وكان أبو كبير أحسنهم. بالله عليك يا عوف إلا ما أجزت هذه الأبيات؛ فقال: كبرتْ سني، وفنى ذهني، وأنكرتُ ما كنتُ أعرف؛ فقال عبد الله: أقسمت إلا ما فعلت؛ فقال: أفي كل عام غربةٌ ونزوح … أما للنوى من وَنيةٍ فتريح لقد طلَّح البين المشتُّ ركائبي … فهل أرينَّ البين وهو طليح وشوقني (بالرَّيّ) نوح حمامة … فنحت وذو اللّبِ الغريب ينوح على إنها ناحت ولم تُذْرِ دمعةً … ونحت وأسراب الدموع سفوح وناحت وفرخاها بحيث تراهما … ومن دون أفراخي مَهامهِ فِيح ألا يا حمام الأيك إلفك حاضرٌ … وغصنك مَيَّادٌ ففيم تنوح عسى جود عبد الله أن يعكس النوى … فتلقى عصار التَّسيار وهي طروح

стр. 9957

فإن الغنى يُدني الفتى من صديقه … وعدْم الغنى بالمعسرين نزوح فبكى عبد الله بن طاهر وحلف ألاُ يعمل معه خفاً ولا حافراً إلا بالرجوع إلى أهله، وأمر له بثياب ودنانير؛ فقال عوف: يا ابن الذي دان له المشرقان … طُرَّا وقد دان له المغربان إنَّ الثمانينَ وَبلِّغتُها … قد أحوجت سمعي إلى ترجمان وبدّلتني بالشطاط انحِنا … وكنتُ كالصعدة تحت السنان وبدّلتْني من زَماع الفتى … وهمّتي همَّ الجبان الهِدان وقاربت مني خُطى لم تكنِ … مقارباتٍ وثنتْ من عِنان وأنشأتْ بيني وبين الورى … عنانةً من غيرِ نَسج العنَان ولم تَدَع فيَّ لمستمعٍ … إلا لساني وبحسْبي لسان أدعو به الله وأثني به … على الأمير المُصْعَبيِّ الهِجان فقرّباني بأبي أنتما … من وطني قبل اصفرار البنان وقبلً منعايَ إلى نسوةٍ … أوطانها حران والرفتان أما أمثلة المعاني الشعرية من شعر المعاصرين، فمن ذلك قصيدة (مصاير الأيام) للمرحوم احمد شوقي بك، فقد بلغت هذه القصيدة من جمال الفن، ووفرة هذه المعاني الفاتنة غايةً لم تبلغها قصيدة أخرى من شعر المعاصرين، وأنا انصح للأدباء والتادبين بحفظها وروايتها فأنها تعتبر بحق من معجزات الشعر الحديث لما فيها من دقة في تصوير الحياة بجميع مراحلها حتى ليخيل لك أنها حياة كاملة من مبدئها إلى نهايتها يقول في أولها: ألا حبِّذا صحبةُ المكتبِ … وأحْبِبْ بأيامه أحْبِبِ! ويا حبذا صبيةٌ يمرحون … عِنانُ الحياة عليهم صَبي كأنهمُ بَسماتُ الحياة … وأنفاسُ رَيحانها الطيّبِ يُراح ويُغدى بهم كالقَطيع … على مشرق الشمس والمغرب إلى مَرْتع الفِوا غيَره … وراعٍ غريبِ العصا أجنبي ومستقَبلٍ من قيود الحياة … شديدٍ على النفس مستصعَب فراخ بأيكٍ فمن ناهضٍ … يروض الجناحَ ومن أزغَبِ

стр. 9958

تقاعدُهم من جَناح الزمان … وما عملوا خطرَ المْركَب عصافيرُ عند تهجّي الدروس … مِهارٌ عرابيدُ في المَلْعب خليّون من تبِعات الحياة … على الأمّ يُلقونها والأب جنونُ الحداثة من حولهم … تضيق به سَعةُ المذهب عدا فاستبدّ بعقل الصّبّي … وأعدَى المؤدِّبَ حتى صبي لهم جَرَسٌ مطربٌ في السراح … وليس إذا جدّ بالطرب توارت به ساعةٌ للزمان … على الناس دائرةُ العقرب تَشُول بإبرتها للشباب … وتقذف بالسمّ في الشُّيب يَدقّ بمطرقتيها القضاء … وتجري المقادير في اللولب وتلك ألا واعي بإيمانهم … حقائب فيها الغد المختبي ففيها الذي أن يقم لا يُعَد … من الناس أو يَمضِ لم يُحسب وفيها اللواء وفيها المنار … وفيها التبيع وفيها النّبي وفيها المؤخَّر خلف الزحام … وفيها المقدمّ في الموِكب ويقول في آخرها: قد انصرفوا بعد علم الكتاب … لبابٍ من العلم لم يكتب حياةٌ يغامر فيها امرؤٌ … تسلح بالناب والمخلب وصار إلى الفاقة ابن الغنّي … ولاقى الغني ولد المترب وقد ذهب الممتلئ صحة … وصح السايم فلم يذهب وكم منجب في تلقي الدروس … تلقى الحياة فلم ينجب وغاب الرفاق كأن لم يكن … بهم لك عهدٌ ولم تصحب إلى أن فنوا ثلةً ثلةً … فناء السراب على السبسب ولنذكر لك مثالا أخر للمعنى الشعري من شعر شوقي أيضاً موضحين لك معناه الأصلي، وكيف استطاع صاحبه أن يحوله إلى معنى شعري بما أدخله عليه من المحسنات التي تلعب بالألباب لعب الشمول، قال يصف أبا الهول: أبا الهول طال عليك العصُر … وبلغت في الدهر أقصى العمُر

стр. 9959

فيالدةَ الدهر لا الدهر شاب … ولا أنت جاوزتَ حد الصغر إلامَ ركوبك متن الرمال … لطيِّ الأصيل وجَوْب السحر تسافر منتقلاً في القرون … فأيان تلقى غبار السفر أبينك عهدٌ وبين الجبال … تزولان في الموعد المنتظر الخ. . . فإن المعنى الأصلي لهذه الأبيات لا يزيد على أنه يصف أبا الهول بطول البقاء، وأن العصور المتوالية والأجيال المتعاقبة لم تنل منه منالاً، ولم تصدع له بناء، فأنظر إلى عبقرية شوقي كيف أتت بذلك المعنى اليسير واستخرجت منه تلك المعاني الكثيرة الساحرة ومزجته بتلك المحسنات الفاتنة؛ أتراه لو انه اقتصر على نظم المعنى الأول كان يعده أصحاب الذوق الشعري قد صنع شيئاً أو أتى بجديدة؟ ولا يفوتنا في هذا الفصل التنبيه على وفرة هذه المعاني الشعرية الساحرة، وقوة الجمال الفني الرائع في شعر الرافعي، فانك تحس بذلك الجمال في كل بيت من ابياته، بل في كل من نثره، بل فيه هو إذا جلست إليه وتحدث اليك، فهو شعر كله؛ وإنما انسب الغموض المتوهم في بعض أبياته إلى قصور ذهن المتوسطين من القراء، والى ضيق الألفاظ المحدودة، عن أن تحصر هذا الجمال المعنوي الذي لا يحد؛ إلا إنني أرى أن معانيه من صنعة الفكر وابتكار الذهن، لا من وحي العاطفة وإملاء الإحساس. واليك بعضاً من شعره ليتبين لك صحة ما ذهبت إليه؛ قال يصف بائسة حسناء أفقرتها الحرب: طريدة بؤس ملّ من بؤسها الصبرُ … وطالت على الغبراء أيامها الغُبر وكانت كما شاءت وشاء جمالها … كما اشتهت العليا كما وصف الشعر تلألأ في صدر المكارم دُرَّةً … يحيط بها من عِقد أنسابها درّ وما برحت ترقى السنين وتعتلى … وكل المعالي في طفولتها حِجْر فكانت كَزهر نَضرّ الفجرُ حسَنه … ولما علت كالنجم أطفأها الفجر تقاسمت الحسْن الإلهي واُنثنى … يقاسمها، فالأمر بينهما أمر فللشمس منها طلعة الحسن مُشرقاً … وفيها من الشمس التوقد والجمر وللزَّهر منها نفحةُ الحسن عاطرا … وفيها ذُبولٌ مثلَما ذبلَ الزهر

стр. 9960

وللظبي منها مقلتاها وجيدها … وِفيها من الظبي التلفت والذعر وما قيمة الحسناء يقبح حظها … وتذوي بروض الحب أيامها الخُضْر فما الحسن فخر للحسان وإنما … لخالقه فيما يريد به سِرّ ضعيفة أنفاس المنى بعد ما غدت … رقابُ أمانيها يغلّلها الفقر وبين خُطَى أيامها كل عَثرةٍ … يزلزل أقدامَ الحياة بها العُسر وزَجت بها الأحزان في بحر دمعها … وليس لبحر الدمع في ارضنا بر إذا استنبؤها أرسلت من دموعها … لآلى حزن كلّ لؤلؤةَ فكرْ وان سألوها لجَلجَت فكأنما … عرا اللفظ لما مرّ من فمها سكْر مشرَّدة حيرى تنازَعَ نفسها … فريقان ذلٌ لم تعوَّده والكبرْ إلى أن قال في هذه القصيدة يصف ما في الإنسان من شر وسوء: رأت كل مخزاة من الشر تلتوي … ويهرب ذعراً من جنايتها العذر رأت أثراً تَدمى به الأرض والسما … وليس سوى الإنسان في جرحه ظُفر أليس يرى الإنسانُ في القرد شِبَهُه … فهل ذاك إلا من تكبّره سُخْر كما عاقب الله الأسود لكبرها … فجاء لنا في صورة الأسد الهرِّ وهي طويلة فقد عرفت ألان نوعين من المعاني وعرفت الفرق بين المعاني الأولية والمعاني الشعرية التي هي من مقومات الشعر وأصوله فينبغي للشاعر إذا أراد أن يكون شعره مخصب المعاني، متنوع الاغراض، ان يقصد إلى المعنى قبل ألفاظ البيت وقافيته، فيمزجه بالمحسنات التي سبق ذكرها، ويهذبه تهذيباً يقربه من العواطف ليحدث فيها اثره، ويبعث الحياة فيما همد منها. وبعض الشعراء قد تعوزهم من البيت قافية فيتطلبونها قبل المعنى، ويتلمسونها قبل إعداد الغرض، فإذا ظفروا بالقافية آتوا بالمعنى على مقتضاها، فيخرج الشعر مكبلة معانيه، مظلمة نواحيه، ضيق المقاصد، قليل الأغراض؛ وكثيراً ما ترى ذلك أيضاً في شعر شعراء البديع الذين لا يقصدون من البيت أو القصيدة إلا إلى ذلك النوع البديعي الذي لا يحرك نفساً، ولا يهز حساً، فقد أجهزوا على الشعر بالحرص على هذه المحسنات اللفظية إجهازاً تاماً، وصيروا البكاء عليه في جميع الأقطار عاماً، واليك أبياتاً

стр. 9961

من قصيدة لصلاح الدين الصفدي كتب بها إلى صديقه جمال الدين بن نباته المصري، وقد ضمنها شطرات من معلقة امرئ القيس التي أولها: (قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل) وجعل صدر كل بيت من شعره وعجزه من قصيدة امرئ القيس، قال: أفي كل يوم منك عتب يسؤني … (كجلمود صخر حطه السيل من عَلِ) وتَرمى على طول المدى متجّنياً … (بسهميكَ في أعشار قلب مقتَّل) فأمسِي بليل طال جنح ظلامه … (عليّ بأنواع الهموم ليبتلى) وأغدو كأن القلب من وقدة الجوى … (إذا جاش فيه حَميهُ غلى مِرجَل) تطير شظاياه بصدري كأنها … (بأرجائه القصوى أنابيشُ عُنصُل) وسالت دموعي من همومي ولوعتي … (على النحر حتى بل دّمعيَ محملي) وهي طويلة، وقد أجابه ابن نباته بقصيدة مثلها ضمنها شعر امرئ القيس أيضاً، قال: فَطَمَت ولَائي ثم أقبلت عاتباً … (أفاطمُ مهلاً بعض هذا التدلل) بروحيَ ألفاظ تعّرض عتبُها … (تعّرضَ أثناء الوشاح المفصّل) فأحيين وداً كان كالرسم عافياً … (بسقط اللوى بين الدخّول فحومل) تعفىِّ رياح الغدر منك رقومَه … (لمِا نسجَتها من جنوب وشمأل) نعم قَوِّضتْ منك المودّةُ وانقضت … (فيا عجبا من رحلها المتحمّل) وهي طويلة أيضاً فهل ترى في هذا الشعر غير المقدرة على الملاءمة بين شعرهما وشعر امرئ القيس، والمهارة في التوفيق بين المعاني المتباعدة، والأغراض المتباينة؟ على أن هذه المقدرة ضائعة القيمة حقيرة الخطر إذا قيست بما جره تكلف التضمين على هذه الأبيات من تفاهة وبرود، وخلوها من روح الشعر. ولنا في هذه الفصول عودة إلى شعراء البديع وغيرهم ممن يحرصون على إظهار المقدرة اللفظية اكثر من غيرها في شعرهم. احمد الزين

стр. 9962

معركة عدوى للأستاذ الفريق طه باشا الهاشمي رئيس أركان حرب الجيش العراقي أخذت الجرائد والمجلات في الآونة الأخيرة تبحث في معركة عدوى التي انتصر فيها الأحباش على الطليان وكثيراً ما يذكرها الطاغية موسوليني، ويحث الشبان الفاشيست على محو وصمة العار التي لحقت بالجيش الطلياني، ويعلن للملأ انه عازم على الانتقام من الأحباش. وقعت هذه المعركة في ١ مارس ١٨٩٦ في أطراف عدوى بين الجيش الطلياني البالغ عدده زهاء عشرين الفاً، والجيش الحبشي البالغ مقداره زهاء ثمانين ألفاً، وبرغم حيازة الجيشالطلياني على الأسلحة الجيدة، وتنظيمه على احدث الأساليب، انتصر الأحباش عليه انتصاراً مبيناً، وأوقعوا به خسارة فادحة بلغت ٢٤٨ ضابطاً، و١٥٤٠٠ جندي، بين قتيل وجريح وأسير، ونالوا بذلك صك استقلالهم الذي امتنعت إيطاليا عن الاعتراف به. لم يكن الجيش الحبشي جيشاً منظماً على الوجه المطلوب، بل كان مؤلفاً من أناس مسلحين بأسلحة متنوعة كالبندقية والحربة والسيف والترس والقوس وغير ذلك، وكان يقودهم رؤساؤهم على الطريقة البدوية وكانت مدافعه قديمة يبلغ عددها الأربعين؛ وكان لدى الجيش الطلياني أربعة وستون مدفعاً حديثاً وقبل البحث في هذه المعركة رأينا من المفيد أن نذكر باختصار جغرافية الحبشة وتاريخها وعلاقاتها بالدول المستعمرة جغرافية الحبشة تقع الحبشة في الشمال الشرقي من أفريقية ويحيط بها من الشرق مستعمرة إريترية الطليانية، والمستعمرات الصومالية الفرنسية، والبريطانية والطليانية؛ ومن الشمال مستعمرة إريترية والسودان المصري؛ ومن الغرب والجنوب المستعمرات البريطانية في وسط أفريقية. ولا منفذ للحبشة إلى البحر الأحمر، وقد سدت دول الاستعمار طريق البحر في وجهها، فجعلتها خاضعة لها في تجارتها واقتصادياتها. وتبلغ مساحتها السطحية زهاء ١. ١٢٠. ٤٠٠ كيلو متراً مربعاً؛ وتقدر نفوسها باثني عشر مليوناً؛ وهذه النفوس لا تنتمي إلى قومية

стр. 9963

واحدة، ولا تدين بدين واحد؛ وفيما يلي الشعوب التي يتألف منها سكان الحبشة: الأمحرة، الغالا، السيدامو، الصومال، الدناكل، الزنوج ودين الدولة الرسمي المسيحية، والمذهب يعقوبي. وفيما يلي عدد النفوس بالنظر إلى الأديان: العدد ٤. ٥٠٠. ٠٠٠ مسيحيون (يعاقبة) ٣. ٠٠٠. ٠٠٠ مسلمون ٣. ٥٠٠. ٠٠٠ وثنيون ٥٠. ٠٠٠ يهود ٤٠. ٠٠٠ كاثوليك ٥. ٠٠٠ الاتحاد اللاتيني واللغة الرسمية هي اللغة الامحرية وهي شعبة من اللغات السامية والعاصمة أديس أبابا ونفوسها زهاء ١٠٠. ٠٠٠ نسمة وهي متصلة بالميناء جيبوتي عاصمة المستعمرة الفرنسية بالسكة الحديدية. وصف البلاد - السهول والجبال تتألف بلاد الحبشة من جبال وسهول. والأراضي السهلة واقعة بالقرب من الساحل. أما الأراضي الجبلية فهي في داخل البلاد. وإذا ما أنعمنا النظر في خريطة الحبشة رأينا إن سلاسل الجبال الواقعة إلى الشرق وإلى الجنوب قد كونت مثلثاً متساوي الأضلاع: الضلع الشرقي منه ضفاف البحر الأحمر وخليج عدن، والضلع الجنوبي يمتد من رأس عسير المقابل لجزيرة سومطرة إلى الشرق، والضلع الغربي يمتد من الشمال إلى الجنوب. والأرض الواقعة في هذا المثلث هي الأرض السهلة المتموجة من بلاد الحبشة والمتاخمة لمستعمرة إريترية الطليانية والصومال الفرنسي والبريطاني. والقسم الشمالي منها صحراء دناكل القاحلة، وإلى جنوبي الضلع الجنوبي من ذلك المثلث تقع أرض سهلة متموجة أخرى تتألف منها بلاد الغالا وفيها قصبة ولوال التي نشأ الخلاف عليها بين إيطاليا والحبشة. وليست الأرض المتموجة خالية من الجبال، فالجبال منتشرة فيها هنا وهناك، إلا إنها أقل وعورة من المناطق الجبلية الواقعة إلى غربي الضلع الغربي من المثلث المذكور. ومع

стр. 9964

ذلك تقع سفوح الجبال الشرقية إلى شرقي هذا الضلع وهي شديدة الانحدار كثيرة المناعة والوعورة. والجبال في الحبشة تحيط البلاد الداخلية بسور منيع طالما وقف في وجه المستعمرين وساعد الأحباش على الاحتفاظ باستقلالهم. ويشبه الوضع الجبلي في داخل بلاد الحبشة خطوطاً مستحكمة، فخط منها في الشرق يمتد من الشمال إلى الجنوب على موازاة الساحل ويسيطر على السهول ويسد طرق الاستيلاء الممتدة من الساحل. وهذا الخط هو السلسلة التي تؤلف ضلع المثلث الغربي. وهناك خط آخر ممتد من رأس عسير في الصومال البريطانية على موازاة ساحل خليج عدن الجنوبي إلى أن يصل إلى قصبة (هرر) ثم ينعطف نحو الجهة الجنوبية الشرقية ثم إلى الجنوب موازياً للبحيرات الواقعة في جنوبي الحبشة، وهو السلسلة التي تؤلف الضلع الجنوبي للمثلث. وهذا الخط يعلو ارتفاعاً ويشتد مناعة كلما تقدمنا من الشرق إلى الغرب، وكأنه الخط المستحكم الأول الذي يسد طرق الهجوم في وجه القوات الزاحفة من الصومال الطليانية للتوغل في صحراء الغالا. وغير هذين الخطين توجد خطوط أخرى تمر بذري الجبال الشامخة منفصلة عن الخط الشرقي وممتدة من الشرق إلى الغرب على موازاة حدود إريترية الطليانية الشمالية كأنها خطوط مستحكمة متوازية لصد القوات المتقدمة من الشمال على التعاقب. ومع وقوع الأرض السهلة والأرض المتموجة والحافات الشرقية الوعرة في شرقي الخط الأول الممتد من الشمال إلى الجنوب والمسيطر على صحراء الدناكل تشتد الأرض وعودة وتزداد مناعة في هذا الخط ذاته وفي غربيه - أي في الهضبة الحبشية التي تقطعها عدة سلاسل جبلية ممتدة من الشرق إلى الغرب على ما سبق ذكره؛ وفي أطراف بحيرة تانا نلتف الجبال بعضها ببعض فتكون المعقل المركزي للحبشة بشكل منحرف، ضلعاه القصيران في اتجاهي الشرق والغرب، وضلعاه الطويلان في اتجاهي الشمال والجنوب؛ وتقع العاصمة (أديس أبابا) في طرف الضلع الشرقي. أما منطقة البحيرات الواقعة في جنوبي الحبشة فمحاطة من الشرق والغرب بسلسلتين جبليتين؛ وهما طرفا الخط الأول والخط الثاني الممتدين من الشرق والغرب، وفي وسط

стр. 9965

هاتين السلسلتين تعلو البحيرات فتؤلف هضبة مرتفعة. مما تقدم نعلم أن داخل بلاد الحبشة قلعة منيعة ذات عدة خطوط مستحكمة تسيطر على السهول في الشرق والجنوب، وهي مؤلفة من عدة معاقل كونها الهضاب الشامخة بجبالها وغاباتها وبحيرة (تانا). تمد وادي النيل بالمياه في موسم الصيف بواسطة رافده النيل الأزرق، وهي ذات خطورة خاصة لمصر والسودان، ولولاها لما فاض النيل في كل سنة فسقي الحقول الواسعة والمزارع الخصبة التي ضرب بها المثل في فجر التاريخ؛ وسبب ذلك أن الثلوج المتراكمة في ذرى الجبال تذوب فتختلط بالأمطار الغزيرة التي تنزل صيفاً فتجري في الوديان المتشبعة من الجبال وتنصب جميعاً في النيل الأزرق فيطفح بالمياه وبالطين، وينقل البركة والخير إلى بلاد السودان ومصر. ولنذكر بعد ذلك المرتفعات التي في أرض الحبشة: الأرض المتاخمة للساحل في المستعمرات الطليانية والفرنسية والبريطانية منخفضة وسهلة، وكلما تقدمنا من الشرق إلى الغرب أخذت الأرض في الارتفاع. وفي إريترية (على مسافة تتراوح بين ٥٠ و٨٠ كيلو متراً من الساحل تتصل هذه الأرض بالقسم الشمالي من الخط الأول فتصبح شامخة وعرة، مكسوة بالغابات والإحراج. وفي صحراء دناكل بالقرب من (عصب) تكون أرضاً متموجة قليلة المياه، وذات شعاب ووديان؛ وعلى مسافة (٢٠٠ إلى ٣٠٠) كيلو متر من الساحل تصل إلى حدها الأعلى في الخط الأول حيث المضايق الوعرة؛ ويتفاوت ارتفاع الذرى في هذا الخط من (٢٤٠٠ إلى ٤٣٠٠) متر، ويبلغ الارتفاع في ذروة (أبونا يوسف) (٤٢٠٠) متر، وفي ذروة (كللو) يبلغ ٤٣٠٠ متر، وتقع قلعة (مجدلة) على هذه الخط. وفي الجنوب يبدأ السهل من ساحل البحر المحيط الهندي ويأخذ في الارتفاع إلى الغرب، وعلى مسافة ٢٠٠ إلى ٣٠٠ كيلو متر من الساحل يبلغ من الارتفاع والوعورة مبلغاً يكون هضاب (اوجادن) و (بوران). وتتفاوت الارتفاعات في هذا القسم من (٣٠٠ إلى ١٠٠٠) متر وبالقرب من خليج عدن يبلغ الارتفاع في السلسلة التي تؤلف الخط الأول ٢٠٠٠ متر في جنوبي (بربرة).

стр. 9966

وفي صحراء (الغالا) نجد الأرض متموجة والروابي قليلة الميل، وهي ترتفع إلى جبال هرر بسهولة وتلتقي بالخط الثاني، وتتفاوت المرتفعات في مركز هذا الخط من (١٠٠٠) إلى (١٥٠٠) متر، وفيها هضاب شامخة بانحدارات شديدة كأنها جدران يتفاوت ارتفاعها من (٢٠٠٠ إلى ٣٥٠٠) متر وصخورها بركانية. أما الجبال الداخلية التي تؤلف معاقل الحبشة فالهضاب فيها ترتفع (٢٠٠٠) متر كأنها قلعة أحاطت بها الجبال من الشمال والشرق والجنوب، ومع ذلك لا يمكن تسلقها من جهة الغرب حيث يجري النيل الأزرق إلا بصعوبة. وفي منطقة (غوجام) يبلغ الارتفاع في راس (دانجان) (٤٦٢٠) متراً وهو أعلى ذروة في بلاد الحبشة (يتبع) طه الهاشمي

стр. 9967

من الأشواق الملتهبة شجرتي الضالة (مهداة إلى الأستاذ مصطفى صادق الرافعي) للأستاذ خليل هنداوي مقدمة: (لي شجرة ضخمة الجذع وارفة الغصن؛ أحج إليها كل يوم لأتبوأ جذعها ألابتر مقعداً، حيث لا يطرقني إلا الطيور النازحة والنسائم الرائحة شان هذه الشجرة عجيب، قد غبرت عليها عصور، وهي ثابتة تبدل قشوراً بقشور، لا يمسها نصب ولا فتور. والسالك في ذلك الطريق الوعر ينجذب بظلها، فيأوي إليها مخففاً عن نفسه بعض ما ناء بها من مشقة الطريق؛ فيرى الظل والراحة والنعيم؛ فيتمنى لو أنام أيامه تحت ظلها؛ أو لو أن حياته القلقة تحتوي على مثل هذا الظل الذي تنحط عليه الشمس من كل مكان لتحرقه وما هو بمحترق؛ ولكن الإنسان ما أشقاه! ولوع بالسير ولكن إلى أين؟ هذه الشجرة آثرتها لي مثوى في أيام صيفي، لأنها تقصيني عن الناس وتدينني من نفسي؛ وما آثرته لجسدي منتقلاً كيف لا أوثره له يوم تغدو حقيقته ظلاً!. . .) (خليل) المسلك إليك وعر يا شجرتي! وهأنذا قد سلكته الطريق محفوف بالشوك وهأنذا قد طرقته. . . يقولون عنك (ضالة) لأنك آثرت هذه العزلة العميقة، وهذه الزاوية السحيقة وينظرون إليك ساخرين لأنك تركتهم وملت إلى الانفراد. كم يخشى الناس هؤلاء المعتزلين! يرونهم فيقولون: ربنا لا تجعلنا من الضالين اتضنين على من سلك الوعر إليك. . .

стр. 9968

ضالاً عن قرنائه بهذا الفيء الذي جاهدت جذورك وأوراقك وروحك في حياكته ولو أردت الظل لنفسك لما تعبت في مده والظل الخفيف يغنيك. . . ولكنك لست كالإنسان الذي يقضي العمر كله في حياكة ظل لنفسه، ويمضي غير منتهٍ من حياكة ذلك الظل أما ظلك أنت فقد حُكتِه! وهذا الظل الواسع الممدود على الأرض لم تحوكينه؟ أليس - للظالين - أيتها الشجرة الظالة؟ إلهي اجعلنا من الضالين! أتضنين على من تحمل النصب من أجلك - وقد تكونين أنتِ في غنى عنه - أتضنين عليه باستواء قصير على منكبك العالي ليشركك في تأملك العميق وإن ضلالك ليشرك ضلالي وظلك الممدود ينادي خيالي فلا تثاقلي من استوائي عليك، فإنني لن أشوش عليك تأملاتك ولن تعطل طيورك أهازيجها من أجلي افتحي قلبك لي فإني لاجيء إليك وأومئي بأوراقك فإني ضال مثلك أأنت تلك المحجة التي يسعى إليها الإنسان غير حافل بوعورة الطريقة؟ أأنت تلك المحجة التي تناهضها الصخور والوعور والأشواك لتواريها عن العيون؟ وكم يكلف الوصول إلى هذه المحجة؟ إرتفعي كثيراً وأسمي كثيراً، حتى تبدو للضالين ذروتك، وأصعدي باغصانكِ إلى السماء. وليجذبها شوقك دائماً إلى السماء. هل رأيت المحجة بعين الشوق، فأنبأت رفيقاتك فسخرن منك، لأنهن لا يرين إلا

стр. 9969

بعيونهن، فإعتزلتهن، وانطلقت وحدك وراء المحجة. . . نورها يسطع للعيون براقاً، فما أدناه للعين وما أبعد تناوله! أغمضي عينك فقد جمدت، وسالمي قدمك فقد ارتعشت والمحجة لا تزال بعيدة كالنور الذي ترنو إليه العين وتقصر عنه اليد. ألا أن المحجة في عالم أنفسنا قد سطعت، فمدى يدك إلى قلبك تلمسيها، وانظري بعينك في نفسك تبصريها. ألا إن المحجة في أنفسنا. . . ستضرمنا العاصفة ثم تذرونا الرياح رماداً قبل أن ندرك هذه المحجة. أليست هي في أنفسنا؟ ولكن الأبعاد الشاسعة بين نجوم الفضاء. . . هذه الأبعاد التي ترتجف لها مقاييسنا حين نمدها بينها، هذه الأبعاد هي أقرب تناولاً من الأبعاد الشاسعة المنتصبة بيننا وبين أنفسنا. أين أنت أيهذا الذي بلغ نفسه! بلى! ستضر منا العاصفة، وسنحول رماداً قبل أن تنتهي مراحلنا إلى أنفسنا كلانا ضال وراء نفسه كلانا يرهب طريقه الناس، لأن طريقنا طريق الوحدة، وطريق الوحدة طريق الضلال كلانا يمشي وإن لم يكن في نظر المقاييس شيئاً، لأن مشينا لا تدركه مقاييس ضميني إليك يا شجرتي الضالة فقد أضواني السير ولفحت وجهي الشمس ضميني إليك أقرن تأملاتي بتأملاتك، فنحن في نظر الحياة شريكان يتمم بعضنا بعضاً تضيئنا شمس واحدة، وتنير طريقنا مصابيح واحدة، وتعانقنا غاية واحدة مشهدك واحد في حياتك كلها لا يبرح ناظرك، ولك منه كل يوم وجه للتأمل جديد ومشاهدي كثيرة واعتباري منها قليل وواصلي أيها الطيور أغانيك فوق رأسي فما أنا بالمروع لك! وغذيني أيتها الشجرة الضالة بفيئك الواسع وغداً أغذي جذورك بلحمي ودمي ألست ظمأى إلى دم إنسان!

стр. 9970

محجتنا واحدة وصداقتنا عميقة فوق ظهر الأرض وتحت بطنها ستمتصني جذورك عصيراً، وستحملني سراً عميقاً إلى فروعك السامية. إننا لن نقف! لأن الشمس تبارك أشواقنا وتنير أرواحنا لأننا أحسنا الاستحالة وبغير هذه الاستحالة كيف يريدون أن تحوك جذورك هذا الظل الوارف الذي يأوي إليه الضالون! وكيف يريدون أن تعيش هذه الزهور المتفتحة بدون رماد! ألسنا في حالي الفناء والوجود قافلة من قوافل الحياة السائرة منذ الأبد حتى الأبد؟ ألست في صدرك حياً أيتها الشجرة؟ ألست أنت حية في صدر النار التي ستلتهمك؟ ونحن ألسنا بعد شيئاً ينبض في قلب الحياة دماً ولحماً، وماء ونباتاً، وناراً ورماداً؟ ربي أحلني في قلب هذه الشجرة ثمرة يباركها قلب جائع، ثم اجعلنا وقوداً لنار يهتدي بها الضالون. (كفريا) خليل هنداوي

стр. 9971

من نوادر المخطوطات أثر أدبي فذ! اختراع الخراع لصلاح الدين الصفدي للأستاذ علي الطنطاوي تتمة قوله من الطلوع: نعوذ بالله منه، لأنه مرض بلغمي يحدث في الشعر لمداومة أكل الزنجبيل والأشياء الحارة: كالبطيخ والأسماك، وغيرها. قال أبن الدمينة يرثى شخصاً: فسَّر لي عابر مناماً … فصّل في قوله وأجملْ وقال لابدّ من طلوع … فكان ذاك الطلوع دّملْ ومن قال إن الطلوع ضد النزول وأستشهد بقول أبي ذؤيب الهذلي في الهجاء: أيسعدني يا طلعة البدر طالع … ومن شقوتي خطٌّ بخديك نازل فقد أخطأ ووهم والصحيح الأول. إلى بئركِ: لفظ مركب من الأعداد في التركي، كقولك في العربي واحد إثنان، فبير واحد وإكي اثنان. ومجموع هذا العد سبعة ونصف، لأن إكي ناقصة الياء، ولولا ذلك لكان المجموع ثمانية، وألفاظ الأتراك لا شاهد عليها من العربية. فلهذا أضربنا عن الاستشهاد لذلك. في الليل: الليل معروف، وهو من الزوال إلى أذان العصر في العرف، وفي اللغة من طلوع الشمس إلى غروبها، كما قال دريد بن الصمّة في الغزل: أستوفي قلْيّوبَ … إلى كم هكذا تكذب من الصبح إلى الظهر … إلى العصر إلى المغرب وقليوب بليدة صغير على شاطئ الفرات من أعمال عدن، وقيل هي إقريطش (كريد) باليمن. قوله: ظلام النهار الخ. . . الخ. القول في الإعراب

стр. 9972

لو: حرف يجر الاسم ويكسر الخبر على ما ذكره الرماني في شرح طبيعي الشفا. والكسائي في رموز الكنوز هذا مذهب الكوفيين؛ والصحيح إنها من الأفعال الناقصة التي لا عمل لها، إنما قلنا إنها فعل ناقص لأنها كانت في الأصل لوي فنقصت حرفاً، وإنما قلنا إنها لا عمل لها لأنها متى نقصت ضعفت عن العمل، وهذا الذي ذهب إليه إقليدس وأرشميدس في مخارج الحروف وبرهناه مستشهدين على ذلك بقول الشماخ في رائيته: أرسل فرعاً ولوي هاجري … صدغاً فأعيا بهما واصفه وقد سقط من الرسالة أوراق لا أدري كم هي، ثم يبدأ الموجود منها بقوله قال الشارح رحمه الله تعالى: ما في كلام العرب أسم معتل الطرف بالألف المقصورة غير كان، وهذا مع أن دخلت فيها الحركات الثلاث: الجر والخفض والكسر فأجريت مجرى الصحيح، وليس بعجيب. قال أرسطو العبري: وربما صحت الأجسام بالعلل ومن قال: هذا من شعر أبي مرة الحلاوي أبن المتنبي فهذا قول من لا يدري علم الرمل ما هو. . . وبعد هذا فما أدري بماذا حكم عليها؟ هل هي صلة وتتمة لأبن خلكان وزير بغداد الحنبلي، أو هي أسم قائم برأسه، أستغفر الله: قائم برجليه. فإن قلنا إنه صلة من أبن خلكان فلا يخلو إما أن يكون العائد على الصلة من باب أسماء الأفعال أو من باب مالا يتصرف، فإن كان الأول من القسمين لزم الخ. . أكل: فعل مضارع لأن في أوله أحد الزوائد الخمسة وهو الهمزة، إنما قلنا بزيادتها لأنه لا يصح تجريدها، تقول كل شيء. . . قال لبيد: كل خطب ما لم تكونوا غضاباً … يا أهيل الحمى عليّ يسير وقد جاء فعلاً ماضياً في قول الخنساء الاخيلية ترثي زوجها: أكِلُ الأمر إذا ما حل بي … للذي قدَّره أن يقعا الشعير: الألف واللام أصلية، وهو نكرة إن قلنا بأنها أداة التعريف، ومعرفة إن قلنا بأصليتها، ذكر ذلك المبرد في كتاب ديسقوريدوس في باب النعت، وهو هاهنا مرفوع على الحال؛ وللنجاة هاهنا بحث في الماضي والمستقبل والحال بينهم وبين الحكماء، لأن النجاة

стр. 9973

أنكروا زمن الحال، وقالوا ثبوته يؤدي إلى القول بالجوهر الفرد وهو ممنوع، وقول الحكماء أقرب إلى الصحة قال عبد الله بن عجلان النهدي: ولو عاين النظام جوهر ثغرها … لما شك فيه أنه الجوهر الفرد وما الذي يمنع الخ. . . في: أسم لأنه يحسن دخول حرف الجر عليه: تقول أنتقل من الشمس إلى فيء الظل، ودخول الألف واللام: تقول هذه الدراهم مبلغ ألفي درهم، والإضافة تقول: أعجبني حسن فيك، والتنوين أيضاً تقول: هذا المال فيءٌ للمسلمين، وعلى الجملة فما للنجاة في الأسماء كلمة يدخلها سائر خواص الاسم إلا (في) وهي ممنوعة من الصرف لأنه أجتمع فيها من العلل أكثر مما أجتمع في أذربيجان، وذلك أن الفاء بعشرة والياء بثمانين على ما ذكره الزجاج في الجمل، فصارت تسعين، وعلل الصرف المانعة تسعة! قال شبرمة بن الطفيل في وصف الزرافة: ربَّ برغوث ليلة بت منه … وفؤادي في قبضة التسعين والقبض هو المنع من الصرف. فلهذا قال النحاة إن (في) لا تنصرف، وهذه النكتة غريبة جداً لم أر أحداً ذكرها من النحاة غير الأصطخري في كتاب الحميات له، وهو معرب بالنصب على أنه صفة للفاعل وهو جارية وإن قلنا إلخ. . . البرد: منصوب بالألف واللام التي في آخره على أنه خبر متقدم تأخر عنه المبتدأ فحذف، وهي مسألة مشهورة في باب الاستثناء، ونصّ عليها سيبويه خلافاً لأبن الحاجب لما بحث معه في المسألة الزنبورية بين يدي الوليد بن عبد الملك، وتقدم الخبر دائر في الكلام على ألسنة العرب، قال كثير عزة في محبوبته بثينة: والله ما من خبر سرني=إلا وذكراك له مبتدأ فقدم الخبر وأخر المبتدأ. . . (إلى أن قال): القول على المعنى قبل الخوض في الكلام على المعنى نقدم مقدمة تشتمل على ما يتعلق بهذين البيتين من التاريخ منقولاً من المجسطي للأحنف أبن قيس في تاريخ بغداد؛ فنقول: بكتوت هذه كانت

стр. 9974

بعض حظايا النعمان بن المنذر، شراها من نور الدين الشهيد صاحب القيروان، وكانت قبل لعنان بنت النابغة أبن أبي سلمى زوج سيف الدولة أبن بويه السلجوقي أول ملوك السامانية الذين أخذوا خراسان من الفاطميين. أول أملاكهم السفاح. . . والسفاح هو أخو العاضد وكانت بكنوت الخ. . . وما أحسن قول بعض ملوك الأندلس أظنه أبن سكرة الهاشمي: أيا ربة القرط التي حسنت هتكي … على أيّ حال كان لابدّ لي منك فأما بذلٌ وهو أليق بالهوى … وأما بعزّ وهو أليق بالملك وقد أخطأ من نسبهما إلى ابن الأحمر، فقد أوردهما صاحب المرقص والمطرب وهو مصنف موجود قبل ابن الأحمر بألف وخمسمائة سنة. وهذا المعنى من البيتين واضح اتضاح الغسق نصف الليل في ثماني وعشرين من الشهر، وضياء الباطل إذا جاءه الحق، إن الباطل كان زهوقاً، ولله در نجم الدين الكاسي دبيران حيث قال يخاطب الشريف الرضي: وليس يصح في الإفهام شيء … إذا احتاج النهار إلى دليل هذا مثال من هذه الرسالة العجيبة، نقف عنده لا نجاوزه إلى القول في البديع والعروض والقافية لأن المقال قد طال، ونخشى أن يمل القراء الكرام علي الطنطاوي

стр. 9975

من صور العباقرة هانيبال بقلم حسين مؤنس لنكن على حذر حين نلتمس أخبار هانيبال، فهذا رجل وكل أمره لأنصاف خصومه، وترك تراثه في رعاية أشد الناس عداوةً له، وتولى تقديمه إلى الناس أحفل الناس ببغضه؛ فهو مظلوم من بوليبيوس، مغضوب عليه من تيت ليف، مهضوم الحق عند الكثرة الغالبة من رواة عصره وقضاة زمانه، ولكنه برغم هذا كله بارز لا تحتاج عظمته إلى البينة، ظاهر لا يعوز عبقريته البرهان؛ وإن الشهادة له لتبدر من الخصم حين يتخونه الحذر، وإن فضله على أعدائه لتقوم عليه البينات والحقائق وإن أعوزته الألفاظ والعبارات؛ وهذا بوليبيوس يتحدث عن آل سيببو فيطيل الحديث، ويكون قصارى ما يتأنق فيه من دلائل نبوغهم أنهم أخذوا فنون الحرب عن هانيبال، وأن أشهرهم المعروف بالأفريقي أخذ عنه وتفطن لأساليبه وحاربه بها في زاما. ولعل سبب هذه الخصومة هو أن الرجال كان شرقياً، لا هو روماني ولا إغريقي، وإنما هو فينيقي عريق، وكانت الخصومة مشبوبة في ذلك العصر بين الشرق والغرب، وكان الزمان قد استدار وصار اليوم للغرب، ورفرفت راياته وخفقت بنوده، حملها الإسكندر وخلفاؤه زماناً ثم تركوها للرومان، وكان الفينيقيون قد ضاقت بهم الأرض في المشرق فالتمسوا الرزق في المغرب، وأقاموا المراكز والمدن على شواطئ أفريقية وإسبانيا وصقلية وجنوبي إيطاليا وفرنسا، فلما نهض الرومان وجدوا الفينيقيين في طريقهم أينما ساروا، وكان مركز قيادتهم قد أنتقل من صور في المشرق إلى قرطاجنة في المغرب، ومن هنا كانت الخصومة بين روما وقرطاجنة، ومن هنا كان تعصب مؤرخي الرومان على هانيبال، ومن هنا كانت ضيعة قضيته عند القضاة؛ فلنلتمس أخباره في حذر. . . ولنحاول أن نشهده عن كثب، وأن نفضي إليه ونصاحبه حياته الحافلة بالأحداث، الخصبة بالوقائع والبيانات. ها هو ذا في مجلسه على شاطئ الرون ينظر إلى جيشه الكبير يعبر النهر صفاً طويلاً وقد طال به الجلوس وطال به الانصراف إلى هذا المشهد حتى لا يدري أهذا مطلع النهار أم مقبل الليل؛ وكيف له التمييز وهذه أيام ثلاثة بلياليها تقضت وهو في مجلسه هذا شاخصاً

стр. 9976

إلى أجناده وفرسانه وقبيلته وهي تعبر النهر على مهل؟. . وأين له الراحة أو الانصراف عن التفكير وهو يعلم أن الرومان قد علموا بأمره وأنهم ساعون في أثره مرسلون قوادهم خفافاً للحاق به والقضاء عليه؟. وهذه عيونه تنبئه بأن مارسلوسن ماض في الطريق إليه، وإنه ليخشى ذلك كثيراً، إذ كيف تكون العاقبة لو لحق به الرومان وهو يعبر النهر؟. إذاً لقضوا عليه في يسر وهينة. ثم هذه عيونه تنهى إليه أن آل سيببو يثيرون عليه النافو ويقيمون عليه قيامة الشعب. فإذا متع الضحى فقد أقبل عليه رئيس فرسانه ينبئه بأن الجيش قد فرغ من العبور وأنه لم تبق في الضفة الأخرى إلا شراذم من المشاة وأشتات من المؤن التي لا يؤذي ضياعها. هناك ينهض الرجل الذي أجهده الإعياء وثقلت عليه قلة النوم، ويأوي إلى فسطاطه. . . ويطلب النوم فيسرع إليه النعاس. . . ولكنه على رغم ذلك مضطرب ما يزال. . . وأن الذكريات لتسعى إليه في الحلم فتروعه. هذا هو أبوه هملكار يخطو إليه رهيباً جليلاً. . . يذكره بعهده الذي قطعه على نفسه وهو أبن سنوات تسع، وهذا صوت الصبي الصغير يتردد على سمعه واضحاً بيناً، إنه يقسم أن يكون عدواً لدوداً لروما إلى الأبد. وها هو ذا يرى نفسه صبياً وفتى يافعاً، ثم رجلاً في مداخل الرجولة، إنه ليمضي الوقت في قفار إسبانيا ووهادها، لم ينصرف إلى شيء مما ينصرف إليه الشبان، ولم يترك لنفسه فرصة للراحة أو الدعة، وإنما أشتد على نفسه عشرين سنة كاملة حتى أوفى على الثلاثين. . . حتى إذا أكتمل الأهبة، فقد أتخذ سبيله إلى إيطاليا، وكان الرومان قد أخذوا عليه سبيل البحر بعد أن قضوا على أسطول قرطاجنة، ولم يبق له إلا أن يمضي فيخترق هذه المجاهل الجافة حتى يصل إلى سهول إيطاليا؛ ولقد فصل عن قرطاجنة الجديدة وهو في تسعين ألفاً فتهاوى منهم الآلاف في الطريق تعباً وإجهاداً. . . ولولا بقية من أمل معقودة بلواء فرسان نوميديا، لأدركه اليأس وكر راجعاً إلى بلده. . . هكذا كانت حياته: واقع أشبه بالحلم، وحلم أشبه بالواقع! إنه ينام ليحلم بحرب روما، ويقوم ليمضي لخراب روما. ومضى أمامهم فمضوا من خلفه، وهم أشد ما يكونون رهبة من هذا الذي يمضي بهم إليه؛ إنهم ليشعرون الرهبة من هذه الجبال السامقة التي تطل عليهم وتنذرهم بالموت. . . وأين لأبدانهم المتعبة أن تتوقل هذه النجاد الوعرة، وأن تنحدر على

стр. 9977

هذه الصخور القاسية؟ وأين لجسومهم العزم الذي يخوضون به هذه الركام المثلوجة التي تبهر عيونهم على قنن الجبال؟. . . ولكنهم لا يملكون لأمر قائدهم دفعاً. . . بل هو لا يملك لأمر نفسه دفعاً. وإنه ليمضي ليوفي عهد أبيه لا يكاد يفطن إلى شيء مما حوله. فها هو ذا في مقدمة الجيوش يصعد في إعياء ويسير في هينة، والجنود يتساقطون من حوله إجهادا والخيل تنبت من تحته نافقة، وهو في طريقه لا ينبس. . حتى ينتهوا إلى السهول فينحدروا إليها سراعاً. هنا ترجع بنا الذاكرة إلي معبد (بعل) في قرطاجنة. . . تلك هي القديسة تضطرب تحت يد هملكار الذي يقدمها إلى الآلهة طاعة ونسكا. . . وتلك هي روما تضطرب تحت يد ابنه هانيبال الذي يقدمها إلى أبيه قرباناً زكياً. . وهؤلاء هم الرسل مقبلين على مدينة التلال السبعة يرجفون بالأخبار ويزعزعون العزمات من رهبة الوعيد، ويضطرب الأمر بين الرومان اضطراباً شديداً، ويقذفون بجيوشهم إلى هانيبال في شجاعة وأقدام حقيقين بالإعجاب. . والقرطاجني متربص يفني الجيوش فناء، ويبتلع القادة ابتلاعاً وهذه تربيا تشهد يوم اجبر هانيبال العدو على النزول إلى الميدان في البكرة القارسة والشمس لا تزال في خدرها، وكيف انسابت الكمائن من فرسان نوميديا على جوانب الجيش الروماني فأكلته أكلا. . . وهذه ترازمين تذكر يومها العبوس من شتاء سنة ٢١٧. . هذا هانيبال يخبئ جنوده في باطن الجبل المطل على أمواج البحيرة، ويترك منهم نفراً يناوش القنصل فلامينيوس، ويتقدم الروم ثم يندفعون اندفاعاً شديداً. . فإذا انتهوا إلي ساحل البحيرة فقد القوا أنفسهم في وابل من نبال الغال، ونار من فرسان النوميديين وإذا العدو يسد عليه طريق الرجوع، وإذا الماء يعين عليهم الخصم. . وإذا هزيمة ساحقة لم ينج منها إلا نفر مضى إلى روما يزلزل أهلها بالمصيبة النازلة، والفاجعة التي لم تذر. . وهؤلاء أهل المدينة مروعين قد انتابهم هلع شديد. . إذ ترامى إلى أسماعهم أن الرجل قاصد إليهم. . ثم هاهو ذا على أميال من روما. . ليس من الموت بد! ولكن هانيبال لا يتقدم، إنما يطوي عن المدينة ويتجه إلى الجنوب. ترى ماذا صد هانيبال عن روما؟ كانت الحصون واهنة والجيوش منكسرة ولا يكلف الاستيلاء على المدينة الا اقل الجهد. . ولكن هانيبال كان يرجو شيئاً آخر. . كان لا يريد

стр. 9978

أن يقتل الفريسة دفعة واحدة وإنما يقطع أعضاءها عضواً عضواً، ويمزق أشلاءها شلواً شلواً: ثم يدعها تموت؛ كان يرجو أن يمزق جسد روما جزءاً جزءاً ويبتر مستعمراتها عنها على مهل! لم يمزق الرومان أملاك قرطاجنة واحدة فواحدة لكي تموت على مهل. هكذا كان يريد أن ينفذ انتقامه الشديد - ولهذا مضى يثير أنصار روما ويؤلب عليها أحلافها. . . انه ليعلن انه اقبل ليحارب الرومان لا الايطاليين، وانه ليطلق الأسرى الإيطاليين دون الرومان وانه ليكسب من هذا كسباً عظيماً. . هذه (كبوا) تسارع إليه بقواتها وأحلافها. . وهذه المدن الإغريقية في (تارنتم) تعلن ولاءها. . وهؤلاء هم الرومان يشتد بهم الخوف فيختارون (فابيوس) لهم قنصلاً. . فيختط لمحاربة هانيبال خطة صارت علماً عليه في التاريخ: هي أن يجنب نفسه وجيوشه لقاء العدو في موقعة حاسمة. . بل يناوشه ويتخطف جنوده، ويقفل طريق الإمداد من الشمال. . ويمضي على ذلك حتى يضعف فمره ويفني جنوده. . ولكن الرومان لا يطيقون صبراً. . أن هانيبال ليفسد عليهم جيرانهم واتباعهم. . ويتلف مزارعهم ويهدم حصونهم ويمضي من بلد إلي بلد، تاركاً جنوده يأتون من الأمر ما يحبون ويصيبون من العدو ما تصل إليه أيديهم، حتى يضيق ذرع اللاتين فيعزلوا فابيوس ويولوا قنصلاً آخر يمضي مسرعاً حتى يلقي هانيبال في (كاني) على ساحل الأدرياتيك، وهناك تظهر قدرة الرجل في الحرب في أجمل آياتها. . . إنه ليصف جندوه صفوفاً طويلة تكاد تخفي جناحي الفرسان. . وانه ليلقي العدو وينثني قلب جيشه حتى يصير الصف نصف دائرة تحتوي الرومان ثم يقبل الفرسان فيقضون على العدو قضاء مبرماً. ندع هانبيال في سيره إلى جنوب شبه الجزيرة ونخف إلى روما لنشهد اضطراب الشيوخ وهياج الشعب واشتداد الأمر ولنشهد مشهداً من أصدق مشاهد الرجولة القوية والبطولة الخالدة. . . إن (آل سيببو) لا يحفت لهم صوت ولا يضعف لهم أمل. . . لقد مات الأخوان في وعور إسبانيا، وهما في طريقهما إلى بلادهما بعد أن استوليا على (قرطاجنة الصغيرة) قاعدة هانيبال في أيبريا، وشطرا شبه الجزيرة كلها عن القرطاجني حتى حصروه حصاراً شديداً. . . وها هوذا أخوه (هازدرونال) أخو هانيبال يجمع له ما تيسر من فلول المرتزقة ويمضي إلى إيطاليا فيلقاه الرومان ويفتكون به ويقتلونه. . . ثم يحملون رأسه إلى أخيه ويلقون به بين يديه.

стр. 9979

ثم ينهض سيببو الصغير ويقود حملة من أعنف حملات التاريخ؛ فهذا فتى في الخامسة والعشرين ولكنه روماني عزيز. . . إنه ليقطع شبه الجزيرة على عجل. . . ثم يركب البحر إلى صقلية ثم يخف إلى أفريقية وينزل على مقربة من قرطاجنة ثم يبدأ يصنع في أفريقية ما يصنعه هانيبال في إيطاليا. . .! هنالك يتأمل هانيبال رأس أخيه الشهيد ويستمع إلى أخبار سيببو فتأكل الحسرة قلبه ويفزع على مصير قرطاجنة، ويسرع لنجدتها. . . ولا تكاد قدمه تمس ثرى أفريقية. . . حتى تسرع نحو سيببو. . . فيمضي هذا أمامه. . . ولم يكن أخطر على الجيش الروماني من هذا المضي الذي يباعد ما بينه وبين الشاطئ. . . ولكن. . . أنظر إنه ليثير النوميديين على قرطاجنة، إنه ليطويهم تحت رايته حلفاء أقوياء. . . ثم يثبت لهانيبال عند (زاما) ويرسل فرسانه في طرفي مشاته. . . ويصف الجنود صفاً طويلاً، ويباعد بين الجندي والجندي حتى ليدع بينهما طريقاً رحباً. . . ثم يقبل هانيبال. . . ويدور فرسانه فإذا هم وجهاً لوجه أمام فرسان سيببو. . . فيفسحون لهم الطريق، فيندفع هؤلاء إلى ما وراء الجيش وهناك ينتظرون. . . وتشد المعركة، ويثار النقع، حتى إذا بلغ الإعياء من جيش قرطاجنة أقبل فرسان الرمان فقضوا عليهم قضاءً أخيراً. أليست هذه أساليب هانيبال؟ أليست تلك خطته في كاني؟ وإنها لبينة واضحة على عبقريته، وآية باقية على ما خلف للعالم من تراث. ويخف هانيبال إلى قرطاجنة، ويأمر بأسوارها أن تقفل ويسودها الهرج والاضطراب، ويجتمع مجلسها ويتعاقب الخطباء منادين بالحرب والثأر. . . ولكن الرجل لا يطبق. . . إنه يعرف خصمه جيداً فينهض ويسكت الخطيب. . . ويعتذر لمواطنيه عن هذه الجفوة التي لا محيص له عنها بعد ست وثلاثين سنة في ميادين الحروب. . . ثم يوافق على شروط الصلح التي قدمها سيببو. ثم يبدأ صراع هو أشبه بصراع المائة يوم بين نابليون وخصومه. . . ولكن يطول سبع سنوات، يصر الشيوخ في السناتو على القضاء على الرجل. . . ويطلبونه ويجدون في طلبه. . . وهو لا يفقد الأمل في الغلبة عليهم والانتقام منهم. . . لقد فشل في أن يثير عليهم الغرب، فلملا يقيم عليهم قيامة الشرق؟. . . ها هو ذا يخف إلى بلده (صور)، فإذا

стр. 9980

هي ترتعد فرقاً من روما وجيوشها فيفصل عنها إلى (إنطاكية) حيث يستقبله ملكها أثينوكس، إذ كان بعد حملته على روما. . . ويدبر معه الأمر. . . ويرسم معه مشروعاً خطيراً. . . ولا يكادان يشرعان في العمل حتى يفاجئهما الرومان فيقضوا على أثينوكس في داره فيفر إلى بيثتنيا حتى يلقاه ملكها مرحباً. . . . ويأويه ويكرمه. ولكن الرومان لا يسكتون عنه. . . ويطلبونه ويجدون في طلبه. . . وإنه لجالس ذات يوم في ملجئه. . . إذ أحس اضطرابا وسمع وقع أقدام جنود يقتربون منه. . . فنادى بخادمه. . . وأمر بالسم فأتى به إليه. . . وقال وهو يدني الكأس من شفتيه: (لكي تستريح روما إذا كان لا يرضيها أن تترك شيخاً في الستين يموت على مهل). حسين مؤنس
следующие страницы →