Полный текст (1 077 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
سواريه ومنطقته ثم حمل الفرس بالفيلة على المسلمين حملة واحدة. وكبر الرابعة فزحف المسلمون ودارت رحى الحرب ونفرت خيول المسلمين من الفيلة. فخرج الرماة يرشقون الفيلة بالنبل. واشتد لردها آخرون وحمل المسلمون على الفيلة ومن معها من الفرس حملة زلزلت أركانهم. فاشتد عواء الفيلة ووقت الصناديق فهلك أصحابها ثم اقتتلوا إلى الليل وكان هذا اليوم يوم الرماة.
ولما أصبحوا إذا هم بخيل طالعة من الشام كان عمر ﵁ أرسلها مدداً لهم بعد أن فتح دمشق. فإنه عزل خالد بن الوليد عن جند العراق وأمر أبا عبيدة أن يؤمر عليهم هاشم بن عتبة يردهم إلى العراق. فخرج بهم هاشم وعلى مقدمته القعقاع بن عمرو فتعجل القعقاع فقدم على الناس صبيحة ذلك اليوم وهو يوم أغواث. وقد عهد إلى أصحابه أن يلحقوا به ألفاً ألفاً كما بلغ ألف منهم مد البصر تبعه ألف آخر. فسلم القعقاع على الناس وبشرهم بالجنود ثم تقدم للقتال وطلب البراز. فخرج إليه ذر الحاجب فقتله القعقاع وسر المسلمون بذلك ووهنت الأعاجم. ثم طلب البراز أيضاً فخرج إليه الفيرزان والبندوان فقتل الأول ثم نادى يا معشر المسلمين باشروهم بالسيوف فحمل المسلمون على الفرس وأكثروا القتل فيهم ودام القتال أياماً متتابعة حتى هربت الفيلة وانتهوا إلى رستم وهو القائد لجيش الفرس فقتلوه ثم انهزم المشركون وتبعهم المسلمون فوصلوا إلى الجالينوس وهو يجمع المنهزمين فقتلوه أيضاً وجمعوا من الأسلاب والأموال ما لم يجمع مثله قبله ولا بعده. وأخذ ضرار بن الخطاب راية الفرس العظيمة وكانت قيمتها ألف ألف ومائة ألف ألف واستولى المسلمون على تلك البلاد. وكتب سعد إلى سيدنا عمر ﵁ بالفتح وأقام بالقادسية ينتظر كتاب عمر فوصل الكتاب يأمره أن يقيم بالقادسية.
(يتبع)
стр. 982
سلسلة
حكم الخلفاء
٣
(معاوية ﵁ المروءة احتمال الجريرة وإصلاح أمر العشيرة والنبل الحلم عند الغضب والعفو عن المقدرة. ما رأيت تبذيراً قط إلا وفي جنبه حق مضيع. أنقص الناس عقلاً من ظلم من هو دونه. أولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة. إصلاح ما في يدك أسلم من طلب ما في أيدي الناس. غضبي على من أملك وما غضبي على من لا أملك وقال ﵁ لعبيد الله بن زياد يا ابن أخي احفظ عني لا يكن معك في عسكرك أمير غيرك ولا تقولن على منبرك قولاً يخالفه فعلك ومهما غلبت فلا تغلبن على موتة كريمة. ومن سفه بالحلم أقمعه إني لا أحمل السيف على من لا سيف معه وإن لم تكن إلا كلمة يشتفي بها مشتف جعلتها تحت قدمي ودبر أذني المقذع إن الله سبحانه يقي من اتقاه. لا واقي لمن لا يتقي الله. وقال لعبد الرحمن بن الحكم يا ابن أخي إن قد لهجت بالشعر فإياك والنسيب بالمساء فتعير الشريفة والهجاء فتعير كريماً وتستثير لئيماً والمدح فإنه طعمة الوقاح ولكن افخر بمفاخر قومك وقل من الأمثال ما تزين به نفسك وتؤدب به غيرك. إني لأرفع نفسي من أن يكون ذنب أعظم من عفوي وجهل أكبر من حلمي وعورة لا أواريها بستري وإساءة أكثر من إحساني. قيل له أي الناس أحب إليك قال أشدهم لي تحبباً إلى الناس. العقل والحلم والعلم أفضل ما أعطي العباد، إن الكريم طروب.
خطب يوماً من أيامه بدمشق فقال أيا أيها الناس سافروا بأبصاركم في كر الجديدين ثم ارجعوها كليلة عند بلوغ الأمد فإن الماضي عظمة للباقي ولا تجعلوا الغرور سبيل العجز عن الجد فتنقطع حجتكم في موقف الله سائلكم فيه ومحاسبكم فيما أسلفتم. أيها الناس أمس شاهد فاحذروه واليوم مؤدب فاعرفوه وغداً رسول فأكرموه وكونوا على حذر من هجوم القدر فإن أعمالكم مطيات أبدانكم والعمر ميدان يكثر فيه الثأر والسالم ناجٍ والعاثر في النار.
(معاوية بن يزيد ﵀ ما أنا بالراغب في الائتمار. الساخط علي أكثر من الراضي ويلي أن لم يرحمني ربي.
(مروان بن الحكم) قال لابنه آثر الحق وحصن مملكتك بالعدل فإنه سورها المنيع لا يغرقه
стр. 983
ماء ولا تحرقه نار ولا يهدمه منجنيق. وقال لابن عبد العزيز لما انصرف من مصر إلى الشام واستعمله على مصر أرسل حكيماً ولا توصه انظر أي بني إلى أعمالك فإن كان لهم عندك حق غدوة فلا تؤخرهم إلى عشية وإن كان لهم عشية فلا تؤخرهم إلى غدوة وأعطهم حقوقهم عند محلها تستوجب بذلك الطاعة منهم وإياك أن يظهر لرعيتك منك كذب فلا يصدقونك في الحق، واستشر جلساءك وأهل العلم فإن لم يستبن لك فاكتب إلي يأتك رأيي فيه إن شاء الله تعالى وإن كان بك غضب على أحد من رعيتك فلا تؤاخذه به عند سورة الغضب واحبس عنه عقوبتك حتى يسكن غضبك ثم يكون منك ما يكون وأنت ساكن الغضب مطفأ الجمرة فإن أول من جعل السجن كان حليماً ذا أناة ثم انظر إلى ذي الحسب والدين والمروءة فليكونوا أصحابك وجلساءك ثم اعرف منازلهم منك على غيرهم على غير استرسال ولا انقباض أقول هذا واستخلف الله عليك.
(عبد الله بن الزبير ﵁ لم يذل والله من كان الحق معه وإن كان مفرداً ضعيفاً ولم يعز من كان الباطل معه وإن كان في العدة والعدد والكثرة، إن لفراق الحميم لذعة يجدها حميمه عند المصيبة ثم يرعوى من بعد ذو الرأي والدين إلى جميل الصبر، إنما الدنيا عارية من الملك القهار الذي لا يزول سلطانه ويبيد ملكه فإن تقبل الدنيا علي لا آخذها أخذ الأشر البطر وإن تدبر عني لا أبك عليها بكاء الخرف المهين، لا أعلم امرئ كسر سيفه واستبقى نفسه فإن الرجل إذا ذهب سلاحه فهو كالمرأة أعزل.
إبراهيم خليل مردم بك
(لها بقية)
стр. 984
العدد ٣٢ - بتاريخ: ٢ - ٩ - ١٩١٣
стр. 985
الدين الإسلامي والتوحيد
٢٥
أحوال يوم القيامة
ذكرنا أن الإيمان باليوم الآخر ركن من أركان الإيمان. ولا يصح إيمان عبد حتى يصدق به من صميم قلبه تصديقاً لا يشوبه شك ولا ترديد ومعنى الإيمان به التصديق بالأحوال التي تقع فيه فمن ذلك البعث والحشر وقد تقدم الكلام عليهما مستوفى ومن ذلك ما ينال الناس في ذلك اليوم من الشدة والهول والخوف والفزع وإلى ذلك الإشارة بقوله عز اسمه ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ، يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ وقول سبحانه ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ، مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء﴾
ومنه إلجام الناس بالعرق على قد أعمالهم ففي الحديث عنه ﷺ تدنو الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق فمنهم من يكون على كعبيه ومنهم من يكون إلى ركبتيه ومنهم من يكون إلى حقويه ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً وأشار ﵊ إلى فيه.
ومنه أنه تعالى يكرم بعض عباده فينجيهم من حر الشمس ويظلهم تحت ظل عرشه فقد أخر البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال ﵊ سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله الإمام العادل وشاب نشأ في عبادة ربه ورجل قلبه معلق في المساجد ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ورجل طلبته ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله ورجل تصدق أخفى حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه.
ومنه أن الناس إذا خرجوا من قبورهم خرجوا عطاشاً فيرد المتقون من حوض النبي ﷺ للشرب منه وهو أي حوضه ﷺ ثابت بإجماع أهل السنة والأحاديث الصحيحة المستفضية شاهدة به وقد ذكرنا في الخصائص وصف الحوض وأن ماءه أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل. وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو
стр. 986
بن العاص ﵄. حوضي مسيرة شهر وزواياه سواء ماؤه أبيض من اللبن وريحه أطيب من المسك وكيزانه أكثر من نجوم السماء من شرب منه فلا يظمأ أبداً. قال العلماء ﵃ ولا يطرد عن الحوض إلا أقوام ظلموا أنفسهم بأن غيروا وبدلوا عهدهم الذي أخذه الله عليهم فالمرتد من المطرودين ومن أحدث في الدين ما لا يرضاه الله تعالى ومن خالف جماعة المسلمين كالخوارج والروافض والظلمة الجائرون والمعلن بالكبائر المستخف بالمعاصي وأهل الزيغ والبدع لكن المبدل بالارتداد مخلد في النار والمبدل بالمعاصي تحت المشيئة الإلهية.
أخذ العباد الصحف
ومن أحوال الآخرة أخد العباد الصحف والمراد من الصحف الكتب التي كتبت فيها الملائكة ما فعله العباد في الدنيا قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ، كِرَاماً كَاتِبِينَ، يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً، اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾. وبعد أن يتعلق كل كتاب بعنق صاحبه تناديهم الملائكة فتأخذها من أعناقهم وتعطيها لهم في أيديهم فالمؤمن يأخذ كتابه بيمينه والكافر يأخذه بشماله من وراء ظهره قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ، فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ، إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيهْ، وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ، وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ، يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾. وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً، وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً، وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِهِ، فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً، وَيَصْلَى سَعِيراً﴾.
الحساب
ومن أحوال الآخرة الحساب وهو توقيف الله عباده قبل الانصراف من المحشر على أعمالهم خيراً كانت أو شراً قولاً أو فعلاً وهو من مجوزات العقل التي ورد الشرع فيها فيجب اعتقاده لثبوته بالكتاب والسنة والإجماع قال تعالى: ﴿وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ وروى أصحاب السنن الأربعة من حديث أبي هريرة ﵁ أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته وفي الصحيحين من حديث عائشة قال ﵊ من نوقش الحساب عذب وروى البخاري ومسلم من حديث ابن عباس ﵄ قال
стр. 987
صلى الله عليه وسلم عرضت علي الأمم فقيل هذه أمتك ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عقاب جاء في رواية أحمد بن حنبل من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ قال عمر هلا استزدت ربك فقال ﷺ استزدته فأعطاني مع كل رجل سبعين ألفاً قال عمر فلا استزدته فقال ﷺ قد استزدته فأعطاني هكذا وفرج بين يديه.
ثم إن الناس متفاوتون في الحساب فمنهم المناقش فيه ومنهم المسامح فيه بكيفية مختلفة فمنه اليسير والعسير والسر والجهر والتوبيخ والفضل والعدل ومن الناس من يدخل الجنة بغير حساب وهم المقرون كما مر.
الميزان
ومن أحوال الآخرة الميزان وقد عرفوه بقولهم ما يعرف به مقادير الأعمال خيراً أو شراً وهو أيضاً حق ثابت بالدلائل السمعية والبراهين النقلية ولا يحيله العقل لأنه من الأمور الممكنة فوجب التصديق به وينبغي الإمساك عن تعيين حقيقته قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. وقال تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم﴾.
والموزون إنما هو صحائف الأعمال كما روى الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال ﷺ يستخلص رجلاً من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعة وتسعين سجلاً كل سجل منها مد البصر ثم يقول أتنكر من هذا شيئاً؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول لا يا رب فيقول ألك عذر؟ فيقول لا يا رب فيقول ألك حسنة؟ فيقول لا يا رب فيقول تعالى بلى إن لك عندنا لحسنة وأنه لا ظلم عليك فتخرج له بطاقة كالأنملة فيها - أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله - فيقول يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات فيقال إنك لا تظلم فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة ولا يثقل مع اسم الله شيء.
والحكمة في وزن الأعمال ظهور العدل في العذاب والفضل في العفو وتضعيف الثواب وقال بعض المتأخرين لا يبعد أن يكون من الحكمة في ذلك ظهور مراتب أرباب الكمال وفضائح أرباب النقصان على رؤوس الإشهاد زيادة في سرور أولئك وخزي هؤلاء.
стр. 988
الصراط
ومن أحوال الآخرة الصراط وهو جسر ممدود على متن النار يرده كل الخلائق وهو ورود النار لكل أحد المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ وهو مما يجب على كل مكلف اعتقاده لثبوته بالكتاب والسنة قال تعالى: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾. وأخرج البخاري ومسلم من حديث طويل عن أبي هريرة قال ﵊ ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم فأكون أنا وأمتي أول من يجوز. ولا ينبغي الخوض في أنه كما في رواية أدق من الشعر واحد من السيف فقد نازع في ذلك العز بن عبد السلام والشيخ القرافي وغيرهما كالبدر الزركشي قالوا وعلى فرض صحة ذلك فهو محمول على غير ظاهره بأن يؤول بأنه كناية عن شدة المشقة وعلى كل فالقدرة صالحة لكل شيء.
والقادر على أن يسير الطير في الهواء لا شك في أنه قادر على أن يسير الإنسان على صراط أدق من الشعر وقد روى البخاري ومسلم عن أنس ﵁ أن رجلاً قال يا نبي الله كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة فقال له ﵊ أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادراً على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة.
ثم إن الناس متفاوتون في المرور عليه فمنهم من يمر كالبرق الخاطف ومنهم كطرف العين ومنهم كالريح ومنهم كالجواد وآخرون يسقطون في النار ويؤيد ذلك ما في البخاري ومسلم من حديث حذيفة قال ﵊ ثم يضرب الجسر على جهنم قيل يا رسول الله وما الجسر قال دحض مزلة فيه خطاطيف وكلاليب وحسكة تكون بنجد فيها شويكة يقال لها السعدان فيمر المؤمنون كطرف العين وكالطير وكأجاويد الخيل وكالركاب فناج مسلم ومخدوش مرسل ومكردس ومكردس في نار جهنم.
الشفاعة
ومن أحوال الآخرة شفاعة الرسل والأخيار كالملائكة والصحابة والشهداء والعلماء العاملين والأولياء لأهل الكبائر وغيرهم كما جاءت الأحاديث الصحيحة دالة على ذلك وأجمع عليه أهل السنة وعلماء النقل. فعند ابن ماجة من حديث عثمان بن عفان ﵁ يشفع يوم القيامة ثلاثة الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء وأخرج الترمذي عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال إن من أمتي من يشفع للقوم ومنهم
стр. 989
من يشفع للقيلة ومنهم من يشفع للعصة ومنهم من يشفع لرجل حتى يدخلوا الجنة.
وقد ذكر العلماء بأن لنبينا ﷺ خمس شفاعات إحداها وهي أعظمها وأعمها شفاعته ﷺ في فصل القضاء حينما يشتد الأمر ويعظم الهول ويتمنى الناس الانصراف ولو إلى النار فيشفع ﷺ في فصل القضاء وهي مختصة به ثانيتها في إدخال قوم الجنة بغير حساب وهي من خصائصه أيضاً ﷺ ثالثتها في قوم من عصاة الأمة استوجبوا النار فيشفع فيهم نبينا ﷺ وهذه كما قال بعض العلماء إنها ليست من خصائصه بل تكون لغيره أيضاً رابعتها فيمن دخل النار من المؤمنين المذنبين وهذه الشفاعة وقع إطباق العلماء على عدم اختصاصها به ﷺ حيث كان لهم عمل خير زائد على الإيمان إذ الشفاعة في إخراج من في قلبه مثقال ذرة من الإيمان ليخرج من النار ليست خاصة به ﷺ بل تكون لغيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام خامستها الشفاعة في زيادة الدرجات في الجنة وزاد بعض العلماء شفاعة سادسة وهي الشفاعة في تخفيف العذاب عمن استحق الخلود في النار كما في حق أبي طالب للحديث المتقدم في الخصائص قال ﵊ أنا أول شافع وأول مشفع وروي أنه ذكر عنده عمه أبو طالب فقال لعله تنفعه شفاعتي فيجعل في ضحضاح من نار كذا ذكره سيدي عبد الغني النابلسي في شرح الطريقة المحمدية جعلنا الله من الفائزين بشفاعته ﷺ العاملين بسنته الحائزين شرف خدمته بمنه وكرمه.
стр. 990
سنن متروكة
٤
من السنن المتروكة عند كثير من الناس غسل اليدين قبل الطعام وبعده فيسن للأكل أن يغسل اليدين والفم قبل الأكل وبعده ويبدأ في أوله بصاحب المنزل ثم بالصبيان ثم بالشبان ثم بالشيوخ وبعد انتهاء الطعام يبدأ بالشيوخ ثم الشبان ثم الصبيان ثم صاحب المنزل ويصب المضيف على يد الضيف.
ومن السنن المتروكة أن يجلس الآكل جاثياً على ركبتيه وظهور قدميه أو ينصب رجله اليمنى ويجلس على اليسرى ويكره الأكل متكئاً ومن السنن المتروكة الدعاء إذا قرب إليه طعام نقل الإمام النووي عن كتاب ابن السني عند عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه يندب إذا وضع الطعام أمامه أن يقول اللهم بارك لنا فيما رزقتنا وقنا عذاب النار ثم يسم الله والتسمية سنة روى البخاري ومسلم عن عمر بن أبي سلمة ﵄ قال قال رسول الله ﷺ سم الله وكل بيمينك وروى أبو داود والترمذي عن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ إذا أكل أحدكم فيذكر اسم الله تعالى في أوله فإن نسي أن يذكر اسم الله تعالى في أوله فليقل بسم الله أوله وآخره وروى مسلم في صحيحه عن جابر ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول إذا دخل الرجل بيته فذكر الله تعالى عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان لإخوانه لا مبيت لكم ولا عشاء وإذا دخل فلم يذكر الله تعالى عند دخوله قال الشيطان أدركتم المبيت وإذا لم يذكر الله تعالى عند طعامه قال أدركتم المبيت والعشاء ومن نسي أن يذكر اسم الله تعالى على طعامه فليقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ إذا فرغ والتسمية في شرب الماء واللبن والعسل والمرق وسائر المشروبات وليقتدي به في ذلك والأفضل في التسمية بسم الله الرحمن الرحيم فإن قال بسم الله كفاه وحصلت السنة وسواء في ذلك المحدث حدثاً أكبر وغيره ولو سمى واحد عن الجماعة أجزأهم والأفضل أن يسمي كل واحد منهم ومن السنن المتروكة عدم التعييب على طعام روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال ما عاب رسول الله ﷺ طعاماً قط إن اشتهاه أكله وإن كرهه تركه ويجوز أن يقول لا أشتهي هذا الطعام أو ما اعتدت أكله روى البخاري ومسلم عن خالد بن الوليد
стр. 991
رضي الله عنه لما قدموا الضب مشوياً إلى رسول الله ﷺ فأهوى رسول الله ﷺ بيده إليه فقالوا هو الضب يا رسول الله فرفع رسول الله ﷺ يده فقال خالد أحرام الضب يا رسول الله قال لا ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه والسنة إذا كان المدعو صائماً متنفلاً ولو مندوباً أن يفطر ولو كان بعد العصر فإن لم يأكل دعا له بالبركة روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ إذا دعي أحدكم فليجب فإن كان صائماً فيلصل وإن كان مفطراً فليطعم ومعنى فليصل فليدع وروى البخاري من حديث أبي العميس عن عون ابن أبي جحيفة عن أبيه قال آخى النبي ﷺ بين سلمان وأبي الدرداء فزار سلمان أبا الدرداء فرأى أم الدرداء مبذلة فقال لها ما شانك قالت أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاماً فقال كل قال فإني صائم قال ما أنا بآكل حتى تأكل قال فأكل فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم قال نم فنام ثم ذهب يقوم فقال نم فلما كان من آخر الليل قال سلمان قم الآن فصليا فقال له سلمان إن لربك عليك حقاً ولنفسك عليك حقاً ولأهلك عليك حقاً فأعط كل ذي حقٍ حقا فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك فقال النبي ﷺ صدق لسلمان ولا بأس بالأكل على المائدة إلا أن النبي ﷺ لم يأكل إلا على السفرة وينبغي البداءة بالملح والختم به ويكره الأكل مضطجعاً أو متكئاً في غير ما يتنقل به من الحبوب ولا يكره الأكل قائماً لكن القعود أفضل ومن السنن المتروكة الأكل من أسفل القصعة ومما يليه ويكره مما يلي غيره ولا يكره قطع اللحم بالسكين ويندب التأني في الأكل إلا لشغل ويكره الشره ومن السنن المتروكة تصغير اللقمة وإجادة مضغها وترك مد يده لأخرى قبل بلعها ولا يجمع فاكهة ونواها في طبق بل يلق النوى ومن السنن المتروكة لعق أصابعه قبل مسحها بمنديل بل وتسن الجماعة على الطعام والكلام المباح ومؤاكلة عبيده وصغاره وإن لا يتميز عن مؤاكليه بجنس بلا عذر بل يؤثرهم بأطيب طعامه ولا يترك الأكل وغيره يأكل ولا يتبسط في الأطعمة إلا لضيافة أو توسعة على عياله ويسن الحلو وينبغي تقديم أكل الفاكهة ثم اللحم ثم الحلاوة وتقديم أكل لقمة أو لقمتين من الخبز على اللحم كي لا يدخل اللحم بين أسنانه ويكره للآكل تقريب فمه من الطعام بحيث يقع منه شي فيه ويكره أن يبصق أو يتمخط حال أكلهم بلا ضرورة وأن
стр. 992
يذكر أو يفعل ما يتقذرونه ولا ينفض يده في القصعة وإذا أخرج شيئاً من فمه صرف وجهه عن الطعام وأخرجه بيساره ولا يغمس لقمة دسمة في خل ولا عكسه ولا لقمة قطعها بفيه في مرقة ونحوها ومن السنن المتروكة التخلل ورمي ما أخرجه الخلال وبلغ الخارج من بين أسنانه بلسانه ويكره قرن نحو تمرتين من طعام غيره بلا إذن أو قرينة وإذا أكل مع صاحب عاهة يقول بسم الله ثقة بالله وتوكلاً عليه روى أبو داود والترمذي وابن ماجة عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ أخذ بيد مجذوم فوضعها معه في القصعة فقال كل بسم الله ثقة وتوكلاً عليه فإذا فرغ الآكل من الطعام حمد الله وأفضل صيغه الحمد لله كثيراً طيباً مباركاً فيه غير مكفى ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا ويكفي الحمد لله ومن السنن المتروكة ترك الضيف الدعاء لأهل الطعام بما ورد فيما أخرجه أبو داود عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ جاء إلى سعد بن عبادة ﵁ فجاء بخبز وزيت فأكل ثم قال النبي ﷺ أفطر عندكم الصائمون واكل طعامكم أبراركم وصلت عليكم الملائكة ويكره الشرب متكئاً أو مضطجعاً والشرب قائماً خلاف الأولى إلا لضرورة ومن السنن المتروكة الشرب من الكوز بلا نظر إليه قبل الشرب ومنها مص الماء ويكره التجشؤ في الإنهاء بل ينحيه عن فمه ومن السنن المتروكة التنفس عند الشرب ثلاث مرات يسمي الله أول كل مرة ويحمده آخرها يقول في الأولى الحمد لله ويزيد في الثانية رب العالمين وفي الثالثة الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم ويندب أن لا يشرب في أثناء الأكل بلا حاجة وأن لا يشرب من ثلمة الإناء ويكره من فم القربة والتنفس والنفخ في الإناء ومن السنن المتروكة إدارة المشروب عن يمين المبتدئ وإن كان من على يساره أفضل.
(يتبع)
стр. 993
موت شريف
أو حياة سعيدة
كنا نعلل النفس وندفع الأحلام المخيفة ونتصور أن أمم القرن العشرين ناشرة المدنية والحضارة. . .
ترجع إلى الحق وتكف عن التحامل على المسلمين وترحم الإنسانية التي وصل أنينها إلى السماء فسمع صداها وأراد الحق أن ينتقم للمظلوم من الظالم وهكذا قضت الإرادة الإلهية أن تمحق أمم التوحش من عالم الوجود رأفة بالعبادة ورحمة للخلق وبينما كنا نتصور بأن دول الغرب التي تسعى وراء الوئام والسلام هي التي تنتقم للإنسانية من تلك الأمم المتوحشة التي أحرقت الأخضر واليابس ومثلت ببني البشر بلا استثناء تلك الفظائع التي لم يسمع بأن الحيوانات المفترسة والوحوش الضارية تقدم على مثلها وما الفرق بين وحوش أفريقيا وبين الأمة البلغارية التي عزم محالفوها أن يمحوها من سفر الوجود بالنظر لما بدا لهم من توحشها وخطر وجودها على المجتمع الإنسان ولكن عداوة الدين التي لا يرجى لها مودة هي التي تضطر دول الغرب بأن يغمضوا العين ويتعاموا عن تلك الفظائع كي يحولوا دون ثأر الأمة الإسلامية لنفسها ولم أعلم ما الذي يخول هذه الدول بان يرجعوا العثمانيين إلى ما وراء خط ميديه بعد أن تمرد البلغار ولم يخل المواقع التي اتفق عليها مع أن العثمانيين الذين كان ينتظر بان يدفعهم حب الانتقام لأن يعتدوا بمثل ما اعتدى عليهم مشوا بكل وتؤدة وسكينة مما برهن للعالم بأن الأمة الإسلامية هي أحق بالمدنية والحضارة التي تزعمها دول الغرب وإني لأخال في أن زحزحة الأرض أو خر الجبال أهون من إخلاء أدرنة من العثمانيين بعد أن استرجعوها بحق صريح ولا أظن بأن دول أوروبا يغرب عليها إن أصرت على العناد في أن صرخة واحدة في الهند وصيحة بإفريقيا تكفي لأن تثير عواطف المسلمين الذين سئموا حياة الذل وعيشة العار
لا تسقني ماء الحياة بذلة ... بل فاسقني في العز كأس الحنظل
ماء الحياة بذلة كجهنم ... وجهنم بالعز أفخر منزل
وعندئذ تزلزل الأرض زلزالها وتخرج الأرض أثقالها ويستريح الكون من مظالم البشر ولكن لا لمثل هذا خلق الله الكون ولا لأجل التدمير والتخريب منّ الله على الإنسان بالعقل
стр. 994
والحكمة بل ليستخرج الآلات ويستخرج كنوز الأرض ويعيش من كده وتعبه لا أن يأكل القوي الضعيف ويطمع الغني في الزيادة حتى إذا بلغ حد الكمال وتناهى في كل شيء دارت الدائرة عليه وانعكست القضية لديه ويهيأ الله له من يكون أقوى منه ويسلبه ما امتلكه بالقوة سنة الله في خلقه وهكذا من أمعن النظر في تواريخ الأمم تنجلي له الحقائق ويعلم بأنه ما من دولة كانت فتوحاتها كبيرة إلا وتوالى عليها الضعف إلى أن تتلاشى رويداً رويداً وكما أن الشرق كان قد ابتلع الغرب فالغرب يريد أن يبتلع الشرق وإذا قوي العرق الأصفر فيعود لابتلاع الشرق والغرب والأرض أرض والسماء سماء لم ينقص منهما شيء ولم تتبدل من الأرض حاجة غير أن تلك النفوس تذهب ضحية مطامع المسلوك حتى قيام الساعة فلو أن دول الغرب الذين كفة السلم بيدهم يسعون وراء نبذ المطامع ويكتفون بما في أيديهم أما كان خيراً لهم من أن يكونوا مهددين للخطر ومعرضين لنزول الصواعق.
يعرى ويغرن من أمسى على طمع ... من المكارم وهو الطاعم الكاسي
إن المطامع ذل للرقاب ولو ... أمسى أخوها مكان السيد الراسي
اللهم أنزل الرحمة في قلوب عبادك وألهمهم سبيل الرشد وطرق الهدى.
أمير زاده محمد سعيد
(الحقائق) هذا ما كتبه حضرة الأمير المشار إليه وهو غاية في الشهامة والحمية، وآية واضحة في علو الهمة وصدق الوطنية ولا غرو فالأمير حفظه الله قد ورث هذه المحامد كابراً عن كابر فلم ينس الناس مسارعة والده إلى الحرب الطليانية ومغادرته وطنه إلى البلاد الطرابلسية كما أنهم لم يذهلوا عن جهاد جده المقدس ووقوفه السنين الطويلة أمام دولة عظيمة من دلو الغرب ونعني بها دولة فرسنا ولقد عجبنا كما عجب كل عاقل من انتقاد بعض أصحاب الأغراض لهذه المقالة الممتلئة حماساً وغيرة ورمي كاتبها بسوء النية بدعوى أن الأوروبيين أصبحوا أقوى وأعرف وأغنى منا فعلينا أن نحترم مشيئتهم وأن وأن إلخ إلخ.
ولو أدى ذلك إلى خروجنا من أدرنه - وقلنا أن هذا الاستسلام والخضوع لأوروبا هو الذي أوصلنا إلى هذه الحالة التعيسة واستغربنا كيف يصدر أمثال هذه السخافات من وطني مسلم وكيف رضي له إسلامه ووطنيته باختيار ما تشاء أوروبا ولو أدى إلى تسلمي أردنه في
стр. 995
حين أن بعض الأوروبيين نفسهم يصرح بأن لنا الحق في الاستيلاء على أدرنة وعدم الخروج منها وإليك تعريب ما جاء في جريدة لومانيتي الفرنسية بقلم مدير سياستها المسيو جوريس:
(لا يوجد في العالم من ينازع الجيش العثماني في دخوله مدينة كمدينة أدرنة يسود فيها العنصر العثماني أو بعبارة أخرى العنصر الإسلامي.
نعم إن دخول هذا الجيش في هذه المدينة لم يكون منتظراً إلا أنه طبيعي ولا ينبغي لنا أن ندهش منه وإلا فكيف يسوغ لنا أن نجرد العثمانيين من مدينة بهذا الوصف ونعطيها للبلغاريين الذين ثبت لدينا أنهم ارتكبوا أكبر المنكرات واقترفوا أعظم الفظائع.
إننا نتمنى أن لا يجني العثمانيون ما جناه البلغاريون وأن يقدروا ما منحهم به حسن الحظ وأن لا يدنسوا دخولهم عاصمة تراقية القديمة بمعاملة البلغاريين بمثل ما عاملوهم به انتقاماً منهم وأن لا يتقدموا إلى أوروبا التي غضبت بسبب ما بلغها من أنباء الفظائع التي روت البلقان بالدماء وأن يظهروا الضمانات الكافية على تسامحهم وحسن نيتهم فإنهم كلما أظهروا أنهم لا يميلون إلى الانتقام ثبتت أقدامهم في هذه المدينة التي احتلوها ثانية أنهم إذا عرفوا كيف يكونون معتدلين ومحببين للإنسانية فمن قلة الأدب نزع مدينة هي لهم من حيث الجنسية والدين لتسليمها من جديد إلى أمة البلغار التي أثبتت الصرب واليونان والرومان أنها سفاكة للدماء اهـ).
فليقابل القراء بين ما رآه هذا الأجنبي وما يراه ذلك الوطني وليقرأ قوله تعالى فإنه لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.
стр. 996
الوظائف الدينية والجهلاء
٢
إن الشارع ﷺ يعتبر في سائر مصالح الأمة سواء كانت دينية أو إدارية. الكفؤ لها والأصلح لإدارة شؤونها. ليقوم بأودها حق القيام ويمثل واجباتها أحسن تمثيل ومن هنا أخذ الفقهاء حكم سائر المصالح وأطبقوا على أن الأصلح يقدم على الصالح لا محالة.
وهذا أمر مقرر قد فرغ منه لا يحتاج إلى تبيان وزيادة إيضاج. . . إلا أنه لما انعكس الأمر وتبدلت الحقائق وضيعت حكم التشريع فأصبح الباطل حقاً والحق باطلاً والسنة بدعة ممقوتة والبدعة سنة معروفة يتبادل العلم بها جمهور الناس بل تسربت إلى بعض الخواص. وأضحى المنكر معروفاً وبالعكس وعاد الدين غريباً كما بدا. وضاعت محاسن الشريعة السمحة ودكت معالمها وقوضت أركان السنة الشريفة وعفت آثارها وطمس الله على القلوب فصارت كالحجر الصلد لا ترعوي لكلمة الحق بل لا تفقه لما يقال لها. صار من اللازم اللازب على أهل العلم الصحيح الذين استرعاهم الله الأمانة أن يبينوا حكم الله في هذه النوازل ومغزى الدين الإسلامي في هاتيك المسائل لئلا يشوه وجه الحقيقة الناصعة بمثل هذه اللبيسات ويتخرص المتخرصون بأن من شريعتنا الإسلامية السمحة ما نحن عاكفون عليه اليوم.
ولئلا يكونوا مؤاخذين أمام الله تعالى الذي أمر من أوتوا العلم أن يظهروه عند اصطدام الخطوب وجعل الشعوب وبما أخذ عليهم من العهود الوثيقة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. الأمر الذي هو من أعظم دعائم الدين الإسلامي إن لم نقل كله.
قال تعالى في الكتاب العزيز ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾. وقال حاكياً عن القوم الذين تركوا الأمر بالمعروف وموبخاً لهم ﴿كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾.
وأخرج ابن أبي الدنيا من حديث أبي إمامة الباهلي عن النبي ﷺ . قال كيف انتم إذا لم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر. قالوا وكائن ذلك يا رسول الله. قال نعم وأشد منه سيكون. قالوا وما أشد منه قال كيف أنتم إذا رأيتم المعروف منكراً والمنكر
стр. 997
معروفاً قالوا وكائن ذلك يا رسول الله. قال نعم وأشد منه سيكون. قالوا وما أشد منه قال كيف أنتم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف إلخ. . .
هذا وإن من أعظم المنكرات الشائعة والبليات الذائعة. . . تولية الجهلاء الأغرار الوظائف الدينية واحتكارهم عوائدها الخيرية حتى أصبحت من الموروثات يرثونها عن آبائهم وأجداهم كما يورث الدرهم والدينار وسقط المتاع. كأنها من جملة التركة يخلفها الميت لبنيه عوناً لهم على صدمات الدهر وطوارق الحدثان بحيث لا نغالي إذا قلنا إن جل هذه الوظائف (إن لم يكن كلها) مغتسلة بأيدي هؤلاء الجهلة بطريق التغلب من دون أهلية ولا استحقاق. . . فهم يلتهمون أوقافها وريعها بسائق هذا الادعاء الباطل ولا منازع في الأمر ولا رادع.
وبالواقع ونفس الأمر لم تشرع هذه الوظائف وتؤسس تلك العوائد إلا لأناس مستحقين ذوي جدارة ولياقة من أهل العلم الصحيح ليس إلا.
وقد سبب هذا لاحتكار أضراراً عظيمة وجنايات على الدين وأهله لا يرضى بها من له حمية دينية ونزعة وطنية. . فقد أصاب الفقر المدقع معظم من قضوا حياتهم بين جدران المدارس الدينية والمعاهد العلمية. ممن تاقت نفوسهم للاستضاءة بنور العلم. واشرأبت أعناقهم لارتشاف كؤوس آداب. . . فخرجوا من المدارس وبارحوا معاهدها صفر اليدين مما أسسه لهم أصحاب الخيرات العظيمة وواقفي العوائد الجسيمة - حتى ألجأهم سائق الاضطرار للاحتراف بالحرف الضئيلة ليسدوا رمقهم ويدفعوا عوزهم. . . وهم آسفون أشد الأسف على ترك العلم ومبارحة معاهده. يحنون إليها كلما ترقرق لهم ذكراها.
ولو وجدوا ما يسدون به رمق اليوم وعوز المستقبل لما بارحوها وفيهم عرق ينبض ومنهم شيوخ أجلاء أناخ عليهم الدهر بكلكله. ثبتوا على صدمات الدهر ومقارعة الأيام بقوا بين خرابات (المدارس) وأطلالها البالية يقاسون من العذاب ألواناً. حرصاً منهم (أبقاهم الله) على إفادة مستفيد وإرشاد مسترشد ونشر العلم ولو بين الموتى ولكن ويا للأسف بارت هذه التجارة وكسد سوقها. . .
في حين أن هؤلاء الفرقة الجاهلة تستبد بالزيغ وتستهلك عين الوقف بالبيع خوفاً من مصادرتهم ولو بعد حين.
стр. 998
وهكذا ذهب العلم ونضب ماؤه واندثر الفضل ودكت أركانه وزلزلت أبنيته المشيدة واضمحلت معالمه الرفيعة فلا حول ولا قوة إلا بالله.
من مثل هذه الطوارئ كان يخاف على أمته ﵊ فقد أخرج الستة خلا أبا داود من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رفعه أن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس ولكن يقبضه بقبض العلماء حتى إذا لم يترك عالماً اتخذ الناس رؤساء جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا.
ونحن نرى أن من أعظم الأسباب لانقراض العلم وأهله هو توارث وظائف الدين عن الآباء والأجداد تلك التي أيدها قانون التوجيهات وجهل حكام الشرع وتهورهم في توسيدها إلى غير الأكفاء وهرولتهم لإعطاء الإعلامات الشرعية - كذا - مؤذنة بأن حاملها من أعظم العلماء وأوحد العصر وفرد الأوان وهكذا من الألفاظ التي يندى لها جبين الدهر خجلاً فقد ظنوا (وبعض الظن إثم) أصلحهم الله أن العلم هين المنال سهل المراس يكفي فيه الألقاب الضخمة والصفات الفخمة وينقضي الأمر بتحكيم القبة فوق الجبة ويكون المنعوت هو فلان بن فلان. . . فقد طاش ورب الكعبة سهمهم وخاب فالهم تخرصوا على الله وخاضوا في الجاهلية الأولى وهاموا في تيه الضلالة ونازلوا جنوداً لا قبل لهم بها.
فكيف يدأب طالب العلم على طلبه ويسعى جهده لتحصيله ويعلم أنه لو طلبه من المهد إلى اللحد لما وجد شيئاً يعتاش به ويرتاش.
وقد نقبت طويلاً في كتب الفقه على اختلاف نزعاتها وتباين مشاربها لأعثر على أصل يرجع إليه أو قول يركن إليه يبرر هذا الاحتكار المضر فلم أظفر بعد عناء البحث بشيء من ذلك.
بل وجدت أن كلمة الفقهاء ممن أدركوا حدوث هذه البدعة السيئة. متفقة على إنكارها وردها والقيام بوجه تيارها الجارف.
وما يقال من أن شيخ الإسلام التقي السبكي هو المجيز لها المفتي بها تخرص بحت على هذا الشيخ الجليل. فقد نفى هذه التهمة عنه ولده التاج في طبقاته الكبرى ودحض هذه الحجة بقوة بيانه المشهورة ومما قاله ﵀ أن الوالد كان يشدد النكير على هذه الكارثة ولا يجيزها البتة وبين الأضرار الجمة الناشئة عنها خلافاً لما يشيعه أعداؤه ولا بأس بأن
стр. 999
نورد شيئاً من نصوص السادة الفقهاء في حكم هذه المسألة قال في التتارخانية في أدب القاضي يعزل القاضي إذا ولى مدرساً للدين ليس بأهل له ولا تنفذ توليته لأنه مؤتمن على الدين وقد ثبتت خيانته بذلك أهو في الولوالجية والذخيرة نحو من هذا.
قال الجلال السيوطي في أشباهه الفقهية يحرم على من بيدهم مقاليد الأمور إعطاء وظائف الدين من تدريس وإفتاء وحسبة وإمامة وغير ذلك إلى غير الكفؤ لها لأنه بذلك يكثر سواد الجهل ويضعف العلم وأهله ثم قال وهذا هو السبب في اعتزالي عن الناس خارج القاهرة فراراً من مشاهدة هذه البدع الحادثة وقال البدر الزركشي في قواعد (قاعدة الضرر يزال) اتفاقية بين المذهبين لمصالح الديانة مع وجود الكفؤ لها - والنصوص في هذا الباب كثيرة جداً يجد المتتبع لها طرفاً صالحاً يؤيد ما نقول. .
وهنا نذكر شيئاً (والشيء بالشيء يذكر) أنه وقع في مدة قضاء شيخ الإسلام السبكي على دمشق الشام تدريس شاغر فتعرض له شمس الدين الذهبي ذلك المحدث الشهير حامل لواء السنة في عصره ولدى اجتماع علماء العصر عند قاضي القضاة للمداولة فيمن يصلح له ذكر الذهبي فيمن ذكر من الطلاب فمانعوا أشد الممانعة في إعطائه للذهبي وقالوا إن من شرط من يتولى هذا التدريس أن يكون أشعري العقيدة والذهبي ليس بذلك وبعد أخذ ورد أزمعوا أمرهم على أن يلزموا السبكي بقبوله لتوفر جملة الشروط فيه وقد فعلوا.
وأول من قر عيناً بصنيعهم هذا الذهبي نفسه ولم يتغير خاطره قد وقعد أمام السبكي فأدى الوظيفة. . . أبت النفوس الأبية والأرواح العالية إلا أن ترضخ لكلمة الحق مهما اختلفت المشارب وتعددت المآرب ولله في خلقه شؤون.
هكذا كانت تقل الغبراء وتظل الخضراء من مثل هذه الطبقة العالية والفرقة العالمة ممن شيدوا دعائم الدين الإسلامي ووطدوا أركانه ومهدوا سبل العلم وشيدوا بنيانه بل حموا ذمارهم عن الدخلاء وحفظوا مجداً طالما تعب بتأسيسه أسلافنا الصالحون ومن ذب عن حوضه ودافع شرفه ومجده لا عتب عليه ولا ملام.
شمروا عن ساعد الجد والعمل بثبات جأش وقوة عزيمة وهمة شماء لا تعرف الكلل والملل ودكوا ما بناه العابثون في الحقوق وقوضوا صروح ما أسس على الغصب والاحتيال وسائق التدليس والتمويه فما أبقوا له أثراً - ونكسوا أعلام جيش الباطل وهزموه شر
стр. 1000
هزيمة وولوه الأدبار.
وما كان يثبط همتهم ويخور عزيمتهم محاباة هؤلاء المغتسلين (ولا محاباة في الدين) ولا مداهنة الجاهلية ولا مجاراة أهواء الحكام الغاشمين بل كانوا يتآزرون ويتعاونون على إظهار الحق بين الملأ ويقفون سداً منيعاً في وجه من يجتري على سدة العلم ليهتك سترها.
ويصدون هجمات المعتدين على حقوق الغير. ويضربون بعصا من حديد على كل يد تمتد إلى غير حلها كانت (فيحائنا) معهداً عظيماً للعلوم والمعارف ومنتدى للفضل وأهله ومحطاً لرحال نخبة العالم وأجلاء بني آدم كانت كعبة يؤمها ألوف من طلاب العلوم ومحبي المعارف بل كانت من أعمر الربع المسكون بالعلم والعرفان ومن أغنى بلاد الله بوفرة العلماء فيها وتهافتهم من أقصى أنحاء المسكونة على موائدها حين ما كانت تحتوي على أعلى طبقة راقية من أجلاء علماء الإسلام وتقل جهابذة الفضل وقادة الأفكار أيام خصبها ونضارتها من مثل ابن عساكر وأبي شامة وابن الصلاح والنووي وابن عبد السلام والتقي السبكي وأولاده وأفضلهم (التاج) وابن تيمية والمزي والذهبي والزملكاني وفخر الدين المصري والجار بردي والحافظ العلائي وأضرابهم ممن لا يحصون عدداً.
وأقرب منهم عهداً. البدر الغزي وعماد الدين الحنفي وأبو الصفا الحلبي والقاضي محب الأدب الحموي والكوراني والعجلوني وعبد الرحمن العمادي المفتي وكمال الدين الحمزاوي (الممدوح من قبل العلامة الأديب عبد القادر البغدادي تلميذ الخفاجي في أوائل حاشيته العظيمة على شرح بانت سعاد ونجم الدين الغزي صاحب حسن التنبه في التشبه وهو كتاب لا نظير له في بابه) مما يطول تعداد أسمائهم ويفنى المداد دون إحصائهم وكان البدر الغزي هو المدرس في جامع بني أمية وهو أعلم علماء جلق يومئذ.
وكان يجري بين (البدر) وبين علماء عصره حين ما يلقي الدروس من الأبحاث الرائقة والتحقيقات الفائقة ما يأخذ بمجامع القلوب طرباً. . .
فقد ذكر تقي الدين في طبقاته أن المولى الفاضل علي جلبي المعروف بابن الخيالي القاضي بدمشق الشام حضر درس العلامة الشيخ بدر الدين الغزي لما ختم الشيخ في الجامع الأموي التفسير الذي صنفه وجرى بينهما من مطارحة العلوم والسباق في ميدان الأبحاث ما يدهش الألباب ويبعث على الإعجاب. ثم اختلفا في مسألة عويصة وعي اعتراضات السمين في
стр. 1001
كتابه إعراب القرآن على البحر المحيط لشيخه أبي حيان. . كان الحكم فيها علماء الفيحاء.
لمثل هؤلاء الأعلام كانت توسد وظائف الدين ورتب الوعظ والإرشاد وبهم كانت دمشق آهلة بالفضلاء مفعمة بالأدباء والنبلاء عامرة بالصلحاء والأتقياء تتيه دلالاً وإعجاباً وتفاخر غيرها من البلاد والأمصار بما منحها الله من مزية عالية طالما حسدها عليها سائر البلدان ولكن أبى الله إلا أن يقلب لها ظهر المجن ويبدل صفاءها بالأكدار (وأي صفاء لا يكدره الدهر):
(وبعد) فإني وأيم الحق واجس خيفة على الملأ الصالح من البقية الباقية من شيوخ العلم الذي أمهلنا بهم الدهر وأخاف كما يخاف غيري أن يسلب الله منا هذه النعمة نعمة وجودهم بين ظهرانينا (لا سمح الله) ولو فعل لا نجد من يحل لنا إشكالاً في علم ولا معضلة في فن ونبقى كالقطيع الشارد لا راعي ولا مأوى. . . بل أخاف ما هو أعظم من ذلك بكثير.
فيا أهل العلم الصحيح أفلا تتلافون هذا الخطر المداهم والتيار الجارف فتجتمعون (ويد الله مع الجماعة) وتطالبون الحكومة بأن تضع حداً لمثل هذه الفوضى في وظائف الدين فتميز الجاهل عن العالم وتفرق بين الحق والباطل وذلك بالامتحان الذي هو الحكم الفصل في قضيتنا هذه فإن لبت نداءكم وأنصتت لصداكم قضي الأمر وحل على أيديكم ما استعجم على يد غيركم وخدمتم العلم بل أنفسكم خدمة يسطرها لكم التاريخ إلى الأبد وإن لم تجب طلبكم سقط وزر هذه الضلالة عن عاتقكم وما أراكم فاعلون إن شاء الله تعالى.
(أبو الضيا)
(البقية تأتي)
стр. 1002
خلاصة الرحلة الشرقية
أهدانا صديقنا الشيخ السيد المكي هذه الرحلة لأخيه الأستاذ الشيخ السيد محمد الخضر بن الحسين أحد المدرسين بجامع الزيتونة بحاضرة تونس قال حفظه الله تعالى:
اقترح علي جماعة من الفضلاء أن أحرار خالصة من آثارنا رحلتنا الشرقية فعطفت عنان القلم لمساعفة اقتراحهم بعد أن رسمت له الوجهة العلمية والأدبية سبيلاً لا يحيد عن السير في مناكبها ولئن لم يلتقط الناظر منها درة علمية فائقة فإنها لا تخلو من أن تنبسط له بملحة أدبية رائقة وغليك التحرير.
بعث لي باعث على الرحلة إلى بلاد الشام وهو زيارة الأهل وفاء بحق صلة الرحم فامتطيت الباخرة يوم الخميس الرابع من شعبان سنة ١٣٣٠ وعند ما أقلعت من مرساها وأخذت المباني التونسية تتوارى عن أبصارنا أخذ الحنو إلى الوطن يتزايد وحر الأسف لمفارقة الأصحاب يتصاعد حتى أصغيت إلى نفسي وهي تخاطب رائد السفينة بقولها:
حادي سفينتنا اطرح من حمولتها ... زاد الوقود فما في طرحه خطر
وخذ إذا خمدت أنفاس مرجلها ... من لوعة البين مقباساً فتستعر
وإني لأدرك في مثل هذا الموطن دقة نظر أمام الحرمين حين قيل له لم كان السفر قطعة من العذاب؟ فأجاب على الفور بقوله لأن فيه فراق الأحبة.
رست الباخرة على جزيرة مالطة عند مغرب يوم الجمعة ولم نر فائدة في نزولنا والليل قد ضرب أطنابه فقضينا ليلتنا على متن البحر وانحدرنا صباحاً إلى المدينة التي هي مقر حكومتها وتسمى (قاليتا) فتجولنا في مناهجها المتناسقة وشهدنا من خطاباتهم كيف تنحط العربية وتندرس أطلال فصاحتها بين الأمة التي تجهل مكانتها وتزهد في تعاليمها إلى أن تلتحم بأخلاط من لغة أخرى فإن لغة أهل هذه الجزيرة عربية محرفة وأكثر ما يتخللها قطع من اللغة الطليانية وإنما انساقت إليها العربية حين استولى عليها أبو الغرانيق محمد ابن الأغلب سنة ٢٥٥.
ويشعرك بانتشار العربية وآدابها بينهم لذلك العهد ما صه المؤرخون من أن ملك مالطة صنع له بعض مهندسي بلده تمثال جارية يتعرف بها أوقات الصلاة وكانت ترمي ببنادق على الصنج (قصاع الأبنوس) فقال أبو القاسم بن رمضان المالطي أحد شعرائها لعبد الله بن السمنطي المالطي وكانت له براعة في صناعة الشعر أجز هذا المصراع
стр. 1003
جارية ترمي الصنج
فقال له: بها القلوب تبتهج
كأن من أحكمها ... إلى السماء قد عرج
وطالع الأفلاك عن ... سر البروج والدرج
ثم عدنا إلى الباخرة حيث أزف رحيلها وجعلت أنظر إلى زوارقها المزخرفة وهي تحوم حولنا واردة وصادرة فوقع بصري على زورق يطوف به على جوانب السفينة سائل مقعد فأراني إحدى رجليه نحيفة ملتوية فقذفت له مسكوكاً فالتقطه وهو يقول بالسلامة السلامة وحيث لم يتعرض لي قبل هذا سائل في زورق قلت:
عهدت الذي يسعى على متن زورق ... إلى الرزق يدلي نحوه شرك الصيد
وذا قانص في اليم إلى العلا ... حبالة أقوال فتظفر بالقصد
بارحنا مالطة عند الزوال يوم السبت واسترسلت السفينة على بحر صامت ما عدا نسمات لينة تخطر علينا غسق الليل وأطراف النهار حتى قدمت على مرسى الإسكندرية ضحوة يوم الأربعاء فنزلنا منزلاً ألقينا في رحلنا وبعد أن طفئت حرارة الهاجرة خرجت صحبة رفيق يعرف شعاب المدينة إلى أن وافينا باب مسجد فجزته لأداء صلاة الظهر وأثر ما قضيت الصلاة جلس أمام المسجد مستنداً إلى أسطوانة ودنا له طائفة من الناس فقرأ لهم نبذة من كتاب الشفا لعياض مع بعض بيانات تدل على أنه ذو حظ من علوم الدين ثم حان وقت العصر وبعد أن انصرف من صلاتها ألقى علي السلام متعرفاً لأثري وعرض علي المبيت بمنزله في طرف البلد فاعتذرت له بقصر مدة الإقامة وقصد الاستطلاع على مناظر البلد ومعاهدها العلمية.
امتطيت عربة أتت بنا على مكتبتها القائمة بإزاء إدارة البلدية فطالعت صحائف متفرقة من نموذج كتبها ولم يقع بصري فيما طالعته على كتاب نادر يستحق أن نذكره ثم اجتزنا إلى متحف يقال له (عمود السواري) يحتوي على تماثيل عتيقة وعلى عمود قائم ذكر لنا الدليل المكلف باستطلاع الغرباء على المتحف أن ارتفاعه يبلغ ستاً واربعين ذراعاً وذكر المقريزي في الخطط أن ارتفاعه سبعون ذراعاً وقال المقريزي أيضاً ويذكر أن هذا العمود من جملة أعمدة كانت تحمل رواق أرسطاطاليس الذي كان يدرس به الحكمة.
стр. 1004
وقصدنا لزيارة مقام الشيخ الأبوصيري ثم مقام أستاذه أبي العباس المرسي ويتجمع حول هذين المقامين عدد وافر من الطائفة الظاهرة في زي المجاذيب.
التقينا بالسيد حسين بن عباد من أهالي جزيرة جربة القاطنين بتلك المدينة وذهب بنا إلى ناد حافل يقال له (المنشية) فقضينا بها جانباً من الليل في أسمار مونسة واستطلاع على مجامع متنوعة وهيأت من الملابس مختلفة فإن هذا النادي يأوي إليه السائحون من بلاد الشرق ولا تتجافى عنه الطبقة العالية من الأهالي ومما يذود عن جفنك الكرى هنا أن باعة الجرائد يخترقون الصفوف والمجامع وهم يصرخون بأسمائها وأيدي القوم تتلقفها واحدة عقب واحدة.
وأبث الأسف هنا حيث لم يتمهد لنا التعارف بفضيلة العالم الأستاذ الشيخ السيد عبد الفتاح المكاوي أحد العلماء بمشيخة الاسكندرية قبل مقدمي هذا حتى أحظى بسعادة لقائه فإنه بعث لي رسالة بعد وأنا حينئذ بدمشق خاطبني فيها على أن أوجه له بنسخة من رسالتنا (الدعوة إلى الإصلاح) فما لبثت أن قدمتها لفضيلته بواسطة البريد فطالعها بعين الكرم وتفضل حفظه الله بالكتاب الذي قصرت اليراعة أن تبسط باعها بما يستوجبه من الشكر ونصه بعد الديباجة:
فقد تلقيت خطابك السامي ورسالتك الداعية إلى الإصلاح والخير والفلاح وبمطالعتها علمت أن الإسلام لم يعدم أنصاراً ولم يزال للإرشاد دعامة هي خير الدعامات قلت فبرهت، ودعوت فسددت، وأحييت سنة الخلفاء والمصلحين فربطت بهذا آخر العالم الإسلامي بأوله ولا يسعني إلا تهنئة الحاضرة التونسية بك بل الأقطار الإفريقية بل الممالك الشرقية وإني وأيم الله لقد امتلأ قلبي سروراً وأفعم فرحاً من تعاليم جامع الزيتونة حيث انتخبت مفكراً وعالماً دينياً بصيراً مثلك ولقد ضاقت علي سبل الشكران أشكرك على ما قدمته للإسلام والمسلمين من براهينك الساطعة وحججك الدامغة أم أشكرك على ما أهديته للحركة الفكرية العصرية مما تلقته البصائر بالإجلال والإعظام أو على عنايتك الكبرى بتبديد الخرافات التي علقت بأفئدة كثير من المسلمين أو على شجاعتك المتناهية في إزالة سحب الجهالات التي أخرتنا إلى الوراء أميالاً ليست بقليلة أو أشكرك على إهدائك لي ما أعده ذكراً حسناً وأثراً خالداً باكرنا يوم الخميس إلى القطار المصري فانطلق يهرع ما بين أشجار وأنهار
стр. 1005
ومزارع وقرى منها دمنهور وطنطا وبنها العسل. وأسماء الأماكن التي يقف عندها القطار مرسومة بالقلم العربي وباعة الصحف والمتكففون يلجون عربات الرتل ويتجولون فيها المسافة البعيدة مجاناً.
وصلنا إلى مصر وتبوأت بيتاً في قصر يمسى (الكلوب المصري) ثم هويت من المنزل يرافقني السيد محمد القديدي القيرواني ودرجنا إلى مسجد سيدنا الحسين ﵁ وفيه منفذ للمكان الذي اشتهر أنه مشهد رأسه الشريف ورأيت زوار هذا المسجد وزائراته كيف يزدحمون على بابه ما بين وارد وصادر وللعلماء بالروايات مقال في هذا المشهد الحافل فإن منهم من يقول أن مدفن رأسي الحسين ﵁ بعسقلان ولعلنا نقص أثر هذا المطلب في مقام آخر.
ثم توجهت إلى زيارة المعهد العلمي الشهير بالأزهر ولما وافيته نهض لي زمرة من التلامذة تونسيون وجزائريون وكان بعضهم ممن تقدم له الحضور بالدروس التي نلقيها بالمعهد الزيتوني فطافوا بنا في زوايا الجامع وحواشيه ثم جلينا برواق المغاربة مدة وجيزة وأزمعت على افياب تخلصاً من متاعب السفر فالتمسوا مني العود لزيارتهم مساء وجنح بنا السبيل إلى منزل صديقنا السيد الشريف بن حمودة فلما وقع بصره على رؤيتنا انطلق لسانه بعبارات الترحاب والإعجاب فلبثنا لديه ساعة أنس خففت عنا معظم ما مسنا من التعب ثم آويت على محل الإقامة.
اكتفيت بحظ من الراحة يسير وانصرفت لإنجاز الموعد الذي أخذه مني التلامذة فقضينا أمداً في محاورة علمية بحسب ما تجذب إليه المناسبة ثم ذهبنا نتجول في المناهج والأسواق ومن رفقائنا الشيخ محمد الصالح الشواشي والسيد محمود بن رشيد التونسي حتى برزنا إلى جسر ممدود على وادي النيل وعبرناه إلى حديقة ناضرة فذكرت قول صلاح الدين الصفدي:
رأيت في أرض مصر مذ حللت بها ... عجائباً ما رآها الناس في جيل
تسود في عيني الدنيا فلم أرها ... تبيض إلا إذا ما كنت في النيل
وقلت:
عبرت على جسر أرى النيل تحته ... إلى روضة فاشتقت منهل زغوان
стр. 1006
صراط وفردوس وسلسال كوثر ... وما قيظ أشواقي سوى وهج نيراني
شهدت صلاة الجمعة بالجامع الأزهر والخطيب من ابناء الشيخ السقا صاحب الخطبةالمشهورة فكان موضوع الخطبة فضل ليلة النصف من شعبان ولكنه ألقاها بصوت جهير في هيأة مرتجل دون أن يمسك في يده ورقة وحينما شرع في دعاء الخطبة الثانية أخذ ينزل من موقفه الأعلى فانتهى الدعاء عند الدرجة السفلى من المنبر.
أجبنا دعوة الشيخ محمد عبان القيرواني وناولنا كؤوساً من الشاهي وهو يلتمس العذر كأنه يعد نفسه مقصراً في الضيافة فأنشدته قول الصاحب ابن عباد:
نسائلكم هل من قرى لنزيلكم ... بملء جفون لا بملء جفان
التقينا مساء هذا اليوم بأساتذة أزهريين أحدهم الشيخ الزنتاني من طرابلس الغرب وأتى في المذكرة الحديث عن الشيخ ابن عرفة فقال ذلك الأستاذ أن الفخر به لأهل طرابلس لأن قبيلة الشيخ لذلك العهد كانت من ملحقات طرابلس فقلت له إنما يعود فخره إلى التونسيين لأن نشأته الأدبية وحياته العلمية إنما كانت في تونس.
وجرى في المحادثة لفظة (صلاعة) على معنى الاستراحة من التعليم فقلنا هي كلمة أصلها عربية قال في القاموس (صلاع الشمس ككتاب حرها) وأيام الاستراحة هي أوقات الحر غالباً والكلمة الشائعة في معنى الاستراحة من التعليم عند كثير من أهل الجزائر لاسيما المتخرجين من المدارس هي لفظ (فكالس) وهي حرف فرنسوي.
دعانا الشيخ إبراهيم صمادح أحد المجاورين بالأزهر للسمر عند ليلة يوم السبت فقضينا نصف هذه الليلة في أسمار علمية ومحاورات أدبية ممن جاذبنا أطرافها الشيخ أحمد أمين الشنقيطي أحد العلماء الذين تجولوا في بلاد الشام والحجاز والشيخ عبد المعطي السقا أحد المدرسين بالأزهر وفيما طرح من المباحث بمناسبة خطبة ذلك اليوم تفسير قوله تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة مباركة) حيث ساق بعض الخطباء الآية في فضائل ليلة النصف من شعبان كما ينقله بعض المفسرين عن عكرمة وأوردنا في هذه الليلة المذاكرة إنكار أبي بكر ابن العربي لهذا التفسير وتحقيقه أن المراد من الليلة المباركة ليلة القدر وهي التي يفرق فيها أمر حكيم.
واتصل الكلام بالبحث في البدعة وسقنا تحرير أبي سحاق الشاطبي في ضابطها وهو أن
стр. 1007
يكون السبب الذي استند إليه العامل قائماً زمن رع الأحكام ويسكت عنه الشرع ولا يقرر له حكماً. ويصح أن يضرب المثل لهذا بصلاة الرغائب فقد ألف الشيخ عز الدين بن عبد السلام رسالة وضح فيها أنها بدعة وهذا مما لا تدخله الريبة فإنه إذا ثبت أن الحديث الذي يروي في شأنها موضوع كما حقق ذلك أبو الفرج بن الجوزي انطبق عليها أنها عمل لم يحدث له موجب ولا ورد فيه أثر عن صاحب الشريعة وهذا بخلاف ما يكون السبب الموجب له طارئاً بعد زمن الوحي كتدوين علم الغريبة وجمع القرآن في المصاحف.
سايرني بعد أن انتثر عقد المجلس بعض التلامذة واقترحوا علي إقراء درس في التفسير وحكوا أن لغيرهم من أهل العلم حرصاً أكيداً على هذا الاقتراح فبسطت إليهم بمعذرة أني قد ربطت العزم على الرحيل صبيحة يوم الأحد فقالوا يمكن أن نعين لميقات الدرس عشية غد ونكتفي بالمقدار الذي يتيسر جمعه وبيانه والغرض إنما هو المحافظة على سنة الكثير من أهل العلم يمرون بالأزهر فما وسعني إلا أن ساعدت مرغوبهم فأحضروا تفسير القاضي البيضاوي ووقع الاختيار على أن يكون موضوع الدرس قوله تعالى: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة) الخ الآية.
افتكرت في المنهج الذي نتبعه في تحرير الدرس فسبق لي استحسان إبرازه في الأسلوب المتعارف في جامع الزيتونة فلا أسل يدي من تقرير ما يناسب من مباحث عربية أو أصولية أو أحكام فرعية ن المقترحين للدرس أزهريون.
أتينا صباح يوم السبت على المسجد الذي ابتدعه عبد الرحمن ابن الشيخ عليش ﵀ وشاهدنا بأم العين ما رسمه في أعلى مفتحه بالقلمين الإفرنجي والعربي وأنكره عليه علماء الإسلام. ثم مضينا للوفاء بموعد الشيخ عبد المعطي السقا فجاز بنا إلى داخل منزله وأهداني كتاباً حافلاً ألفه فضيلة جده المنعم في فضل عمارة المساجد وللشيخ عبد المعطي عناية كبرى بالفحص عن التآليف النادرة والسعي الحثيث في تحصيل ما نشرته المطابع في البلاد القاصية وقد تفضل علي برد الزيارة فاتفق أن كنت خارج المنزل فكتب بطاقة يشعرني فيها بزيارته ويتأسف لعدم الملاقاة وأودعها لدى ناظر الكلوب.
ذهبت إلى الجامع الأزهر لأذان العصر وانتبذت للتحية مكاناً بين مجمعين لتعليم القرآن فانشق صدري أسفاً لأحد المعلمين إذ كان لا يضع العصا من يده ولا يفتر أن يقرع بها
стр. 1008
جنوب الأطفال وظهورهم بما ملكت يده من القوة وربما قفز الصبي آبقاً من وجع الضرب الذي لا يستطيع له صبراً فيثب في أثره بخطوات سريعة ويجلده بالمقرعة جلداً قاسياً حتى قلت لأزهري كان بجنبي (من جلس إزاء هذه المزعجات فقد ظلم نفسه) وذكرت أني كنت ألقيت خطبة في أدب تعليم الصبيان ببلد بنزرت حالما كنت قاضياً بها وأدرجت فيها ما قرره صاحب المدخل من الرفق بالصبي وعدم زيادة المعلم إن اضطر إلى ضربه على ثلاثة أسواط وتحذيره من اتخاذ آلة للضرب مثل عصا اللوز اليابس والفلقة. ولما خطبت في هذه الآداب أرسل لي بعض المعلمين كتاباً على طريق البريد يعترض فيه على نشر هذه الآداب ويقول أن هذا مما ينبه قلوب التلامذة للجسارة علينا.
وكان أمامي في هذه الجلسة تلميذان يتفاهمان كتاباً في العربية يطالعانه بمقربة منهم تلميذ ثالث حتى أتيا على قول الشاعر (على أن فاها كالسلافة أو أحلى) فقال أحد التلميذين السلافة الخمر فقال له ذلك التلميذ الذي هو بمعزل عنهما السلافة حيوان فأعاد عليه الأول القول بأنها الخمر وكرر الآخر القول بأنها حيوان فقال له صاحبه منبهاً له على وجه خطأه (أو أحلى أو أحلى) فرجع وقال السلافة شيء ضيق قال هذا ليلائم تشبيه الفم بها وأظنه اشتبه عليه أولاً لفظ السلافة بالسلحفاة سبق في ظني أن مقترحي الدرس قصدوا أن يكون قراؤه برواق المغاربة فانصرفت بعد صلاة العصر متوجهاً لذلك الرواق فأنبأوني بأنهم اختاروا أن يكون بوسط الجامع وعرضوا علي منصة بعض الأساتذة فلم يسعني إلا أجلس حيث عزموا.
أقبلت قبل الشروع في تقرير الدرس على تلميذ أعرفه بحفظ القرآن وصرف الهمة في تجويده واقترحت عليه أن يجهر بتلاوة الآية ليسمعها الحاضرون فقنعه الحياء وتقدم تلميذ آخر فرفع بها قراءته ورتلها ترتيلاً.
ونودع في هذه الخلاصة جملة من المباحث التي أوردناها في تفسير الآية عسى أن تكون أنظار بعض القارئين قد طمحت إلى الإلمام بمقاصدها.
قررنا فاتحة الدرس قول الشيخ ابن عرفة (من الناس من ينظر في وجه المناسبة بين الآية وما قبلها كابن الخطيب ومنهم من لا يلتزمه في كل آية كالزمخشري وابن عطية ومنهم من يمنع النظر في ذلك ويحرمه لئلا يعتقد أن المناسبة من إعجاز القرآن فإذا لم تظهر المناسبة
стр. 1009
للناظر وهم في دينه ووقع له خلل في معتقده) وعلقنا عليه أن هذا الاختلاف إنما يقع لهم في الآيات التي لم تقترن بنحو حرف عطف إذ يمكن الاكتفاء في بعضها بأن اتصال الآية بما قبلها معتبر فيه الترتيب بينهما في النزول الوارد على حسب الوقائع والحاجات أما إذا اتصل بها حرف الوصل كهذه الآية فتطلب المناسبة متعين لأن رعايتها حينئذ داخلة في حقيقة البلاغة التي هي الركن الأعظم في الإعجاز. ثم أتينا على عقد المناسبة بين هذه الآية وما قبلها.
ثم انتقلنا إلى بيان قول القاضي في تفسير الآية (لا يستقيم للمؤمنين أن ينفروا جميعاً لنحو غزو أو طلب علم كما لا يستقيم لهم أن يتثبطوا جميعاً فإن يخل بأمر المعاش) والبيان أما خطر انصراف الناس قاطبة إلى اجتناء ثمر العلوم وإخلاله بمطالب حياتهم فلأن الإنسان يفتقر في تحصيل معاشه ووسائل بقائه إلى مساعدة أبناء جنسه ولا يستطيع أحد أن يقوم بها وحده وإن بلغ أشده في استقامة البنية وسعة الفكر فإذا نفر الشعب بحذافيرهم وولوا وجوههم شطر الارتواء من العلم ضاعت واجبات اجتماعهم وانتقضت عليهم قواعد العمران من زراعة وصناعة وتجارة.
وأما تخلفهم جميعاً وقعودهم عن الرحلة في طلب العلم فإنه يخل بنظام العيش من جهة إن جهل القبلة بما أرشدت إليه الشريعة من العقائد والأخلاق وخلوها عما فصلته من قوانين الاجتماع وضروب السياسات يفضي إلى انتشار المفاسد واشتعال نار الفتن مثلما كانت عليه حال العرب في جاهليتهم ولا تخالجنا الريبة في هذه الحقيقة متى شاهدنا انتظام شؤون العمران وتوفر أسباب الراحة لدى بعض الأمم العارية عن الصيغة الدينية فإنها ما وصلت إلى تلك التراتيب التي ضربت بها أطناب الأمن والسكينة إلا بعد أن فتحت أعينها في نظامات الشرائع السماوية واقتدت على أثر الأمم المتدينة.
وفضائل العبادات أيضاً لها مدخل في انتظام العيش بمعنى قرار النفس ورضاها عما سخر الله لها من العيش وهذا ما يعتبره الإنسان من نفسه متى نظر إلى حالته وهو ملتفت بقلبه إلى زخارف الدنيا وقاسها بحالته إذا أقبل بسريرتها على ما يقر به إلى فاطر السماوات والأرض فإنه يجد في هذه الحالة من لذة اليقين وراحة الخاطر ما يكشف له عن كدر كان يمازج قلبه وحزازة هي أثر القساوة والإعراض بجانبه عن الطاعة فيرى أن العيش
стр. 1010
المنتظم على الحقيقة إنما هو عيش الفائزين بهداية الدين علماً وعملاً.
وعبر في الآية بالمؤمنين دون الناس لأن الآية مسوقة للحث على القيام بعمل والأعمال إنما يرجى الامتثال فيها من المؤمنين ولو كان الأمر هنا بواجب من العقائد لناسبه التعبير بنحو الناس وقد قرر بعض المفسرين فيما أعهد أن من عادة القرآن التعبير بمثل (يا أيها الناس) إذا كان المخاطب به مما يرجع إلى أصل من أصول الدين فإذا كان المأمور به فرعاً من الفروع صدر الخطاب بنحو (يا أيها الذين آمنوا).
أو يقال أن ذكر المكلفين هنا بوصف الإيمان لتقوية داعيتهم وإغرائها على العمل بأسلوب لطيف فإن من تسميتهم بالمؤمنين تلويحاً إلى صفة الإيمان بالله من شأنه أن تبعث على حسن الطاعة والمسارعة إلى امتثال أوامره وتعرضنا عقب هذا إلى البحث في لفظة (كافة) فقررنا أن ابن هشام ذهب في مغني اللبيب إلى أنها من الأسماء التي لا تخرج عن النصب على الحال وخطأ الزمخشري في قوله بخطبة المفصل (محيطاً بكافة الأبواب) وقد صحح الشهاب في شرحه درة الغواص أنها لا تلزم النصب على الحالية ومما استشهدنا به القائلون بانفصالها عن الحالية قول عمر بن الخطاب ﵁ قد جعلت لآل بني كاهلة على كافة بيت مال المسلمين لكل عام مائتي مثقال دهباً إبرايزاً قال الدماميني إن صح هذا سقط القول بملازمتها للنصب على الحالية.
(لها بقية)
стр. 1011
سلسلة حكم الخلفاء
(عبد الملك بن مروان الأموي ﵀: خطب يوماً فقال أيها الناس اعملوا لله رغبة ورهبة فإنك نبات نعمته وحصيد نقمته ولا تغرس عليكم الآمال إلا ما تجتنيه الآجال وأقلوا الرغبة فيملا يورث العطب، فكل ما تزرعه العاجلة تقلعه الآجلة، واحذروا الجديدين فهما يكران عليكم إن عقبى من بقي لحوق بمن مضى وعلى أثر من سلف يمضي من خلف فتزودوا فإن خير الزاد التقوى كفانا الله وإياكم سطوة القدر وأعاننا بطاعته على الحذر من شر الزمن، ومضلات الفتن وقال أربعة لا يستحي من خدمتهم السلطان والوالد والضيف والدابة.
أفضل الرجال من تواضع عن رفعة، وزهد عن قدرة، وانصف عن قوة، وطال اطلبوا معيشة لا يقدر السلطان على غصبها فقيل له ما هي فقال الأدب، حقد السلطان عجز، من صغر مقتولاً فقد أزرى صاحبه.
وقال له رجل أريد أن أسر لك شيئاً فقال عبد الملك لأصحابه انهضوا فلما أراد الرجل الكلام قال له عبد الملك قف لا تمدحني فإني أعلم بنفسي منك ولا تكذبني فإنه لا رأي لكذوب ولا تعب عندي أحداً فقال إذاً تأذن لي بالانصراف قال إذا شئت. . وأوصى بنيه فقال: أوصيكم بتقوى الله فإنها أزين حلية وأحصن كهف، ليعطف الكبير منك على الصغير، وليعرف الصغير حق الكبير وانظروا (مسلمة) فأصدروا عن رأيه فإنه نابكم الذي عنه تفترون ومجنكم الذي عنه ترمون وكونوا بني أم بررة لا تدب بينكم العقارب وكونوا على الحرب أحراراً فإن القتال لا يقرب ميتة وكونوا للمعروف مناراً فإن المعروف يبقي أجره وذكره، وضعوا معروفكم عند ذوي الإحسان فإنهم أصون له وأشكر لما يؤتي إليهم منه، وتعهدوا ذنوب أهل الذنوب فإن استقالوا فأقيلوا وإن عادوا فانتقموا. وددت أني كنت أكتسب يوماً بيوم ما يقوتني وأشتغل بطاعة الله. وددت أني عبد لرجل من تهامة أرعى غنماً في جبالها وأني لم أك شيئاً. يا دنيا ما أطيبك إن طويلك قصير وإن كبيرك لحقير وإن كنا منك لفي غرور. إن من يمن السائس أن يأتلف به المختلفون، ومن شؤمه أن يختلف به المؤتلفون. قال الوليد لأبيه عبد الملك يا أبت ما السياسة قال هيبة الخاصة مع صدق مودتها واقتياد قلوب العامة بالإنصاف لها واحتمالها.
وقال لابنه الوليد وكان ولي عهده يا بني اعلم أنه ليس بين السلطان وبين أن يملك الرعية
стр. 1012
أو تملكه إلا حرفان حزم وتوان.
(الوليد بن عبد الملك ﵀: لا مقدم لما أخر الله، ولا مؤخر لما قدم الله وقد كان من قضاء الله وسابق علمه ما كتب على أنبيائه وحملة عرشه الموت، إن الشيطان مع الفرد، أيها الناس عليكم بالطاعة ولزوم الجماعة، من سكت مات بدائه، لأجمعن المال جمع من يعيش أبدا ولأفرقنه تفريق من يموت غدا.
(سليمان بن عبد الملك ﵀: الكلام فيما ينفعك خير من السكوت فيما يضرك. قال ليزيد بن المهلب ثلاث اتركهن فخك أبيض مثل ثوبك ولا يكون خف الرجل مثل ثوبه وطيبك ظاهر وطيب الرجل يشم ولا يرى أثره وتكثر من مس لحيتك.
(عمر بن عبد العزيز ﵁: إن قوماً لزموا سلطانهم بغير حق فأكلوا بخلاقهم وعاشوا ألسنتهم وخلفوا الأمة بالمكر والخديعة والخيانة كل ذلك في النار إلا فلا يصحبنا من أولئك أحد فمن صحبنا بخمس خصال فأبلغنا حاجة من لا يستطيع، ودلنا على ما نهتدي إليه من العدل، وأعاننا على الخير، وسكت عما لا يعنيه، وأدى الأمانة التي حملها منا ومن عامة المسلمين فحيهلا به. ومن كان غير ذلك ففي حل من صحبتنا أو الدخول علينا وعزل بعض قضاته فقال لم عزلتني. قال بلغني أن كلامك أكثر من كلام الخصيمين إذا تحاكما إليك.
التقى ملجم. وخطب فقال أيها الناس لا تستكثروا شيئاً من الخير أو تيتموه، ولا تستقلوا شيئاً منه أن تفعلوه، ولا تستصغروا الذنوب، والتمسوا تمحيص ما قد سلف منها بالتوبة والعمل الصالح، فإن الحسنات يذهبن السيئات وقد ذكر الله أقواماً فقال: (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون) فإياكم والإصرار على الذنوب فإن الله تعالى ذكر قوماً بذنوبهم فقال : (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون، ثم أنهم لصالوا الجحيم. ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون) نار لا تطفى ونفس لا تموت فهي كما قال تعالى: (كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها. كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً ليذوقوا العذاب) فهل لأحد بهذا طاقة؟. . فمن استطاع منكم أن لا يحجبه الله تعالى فليفعل. ثلاث من كن فيه فقد كمل، من لم يخرجه غضبه عن طاعة الله، ولم يستزله رضاه إلى معصية
стр. 1013
الله وإذا قدر عفا وكف، وكتب ﵁ لى عماله لما ولي الخلافة إذا دعتكم قدرتكم على الناس إلى ظلمهم فاذكروا قدرة الله عليكم ونفاد ما تأتون إليه وبقاء ما يأتي إليكم من العذاب بسببهم.
(لها بقية)
إبراهيم خليل مردم بك
стр. 1014
العدد ٣٣ - بتاريخ: ١ - ١٠ - ١٩١٣
стр. 1015
تهتك الحرائر
يعلم كل عاقل ما لهذه المصيبة من الأضرار وما لها من التأثير على الأخلاق وكيف أنها بفضل تساهلنا تزداد يوماً فيوماً انتشاراً وتفشو من حين إلى حين حتى عمت جميع الطبقات وأصبحت الداء العضال لهذه المرأة بل الضربة القاضية على شرفها وكامل أخلاقها. مع مات في ذلك من مخالفة صريح الدين ومصادمة نصوص الكتاب المجيد والسنة الصحية دع عنك ما نشأ عنها وما ينشأ عنها من إتلاف الثروة وتبديدها على غير جدوى وبلا فائدة غير استحقاق السخط والمقت الإلهي ورمي الطبقة الوسطى فضلاً عمن تحتها بالضائقة المالية والعسر المستمر. . نعم إنك لتجد من تحسب أنه من الأغنياء في اضطراب زائد وكدر عظيم لا يدري ما يصنع أمام هذه الكارثة العظيمة والتيار الجارف.
مهما جد الفقير واجتهد في الكسب والتكسب لا يكاد يرضي امرأته ولا يستميل قلب ابنته فهما في سخط دائم عليه، وكره لحالته فلا يزال عيشه في كذر وليله في سهر يحالف الهم ويرافق الغم يكتسب حتى الحرام فيغش ويخدع ويضرب في كل سهم ابتغاء رضوان أهله ونسائه وما هم عنه براضين ما دام زي أمس يبطله زي اليوم وزي اليوم يبيده زي غد وما دام القصد من اللباس إنما هو التقليد لا الكتساء والتهتك لا التستر.
إن فضلى النساء لا تكاد تتزين لزوجها زينتها إلى السوق وقد ورد في الحديث عنه ﷺ قال أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية وكل عين زانية.
وقال ﷺ كل عين زانية والمرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس فهي كذا وكذا يعني زانية وأخرج ابن حجر في زواجره من حديث ابن عباس ﵄ أن امرأة من خثعم أتت رسول الله ﷺ فقالت يا رسول الله أخبرني ما حق الزوج على الزوجة فإني امرأة أيم فإن استطعت وإلا جلست أيماً قال فإن حق الزوج على زوجته إن سألها عن نفسها وهي على ظهر قتب أن لا تمنعه نفسها ومن حق الزوج على الزوجة أن لا تصوم تطوعاً إلا بإذنه فإن فعلت جاعت وعطشت ولا يقبل منها ولا تخرج من بيتها إلا بإذنه فإن فعلت لعنتها ملائكة السماء وملائكة الأرض وملائكة الرحمة وملائكة العذاب حتى ترجع.
وأخرج أيضاً عن رسول الله ﷺ قال اطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها
стр. 1016
النساء وذلك بسبب قلة طاعتهن لله ولرسوله ولأزواجهن وكثرة تبرجهن، ومن هنا يعلم عظم وزر هذه الخطيئة (التبهرج) وأن المرأة المتبرجة لغير زوجها زانية والتي تخرج من دارها بغير إذن زوجها تلعنها ملائكة السماء والأرض حتى ترجع. والرجل الراضي بأن تتبرج امرأته لغيره وأن تخرج من غير أذنه شريك لها في وزرها مستحق للمقت معها بل هو الديوث الذي لا يشم ريح الجنة ولا يدخلها والخلاصة أن هذه السيئة من المنكرات التي يجب التناهي عنها والتعاضد لصد تيارها حتى لا يتسع الخرق فتعتقد المرأة أن خروجها متبهرجة حق من حقوقها الطبيعية لا دخل للزوج في وضعه ولا رفعه. وهذا ما دعانا لأن نستحث همة كل خطيب وكاتب ومدرس وواعظ ومرشد وناصح ليبذل كل جهده في إزالة هذه العادة السيئة والبدعة القبيحة وأن نشكر همة من قاموا ببلدتنا (دمشق) بتأسيس جمعية لهذه الغاية ولقد علمنا أن هذه الجمعية حيا الله رجالها توالي الجلسات وتعقد الاجتماعات وتجتهد كل الاجتهاد للتوصل إلى إبطال هذه الرذيلة بالطرق المشروعة المقبولة فجزى الله أعضاءها وكل مساعد لهم جزاء المحسنين وكان لهم خير معين.
وهنا يحسن لبنا أن نورد للقراء مقالة نشرتها مجلة مكارم الأخلاق بقلم الكاتب المفكر عبد المجيد أفندي رئيس قسيم الإدارة بمديرية الشرقية في هذا الصدد لما فيها من الفائدة وفصاحة البيان قال أكثر الله من أمثاله:
بسم الله الرحمن الرحيم وبحمد والصلاة والسلام على رسوله أستفتح مقالتي التي جعلت عنوانها تهتك الحرائر وتالله ما كتبتها تحت هذا العنوان استلفاتاً للنظر ولا مبالغة في الوصف وإنما هو الواقع كما أنكم تنتظرون كيف لا وكل يرى المرأة لاهية عن بيتها عن الزينة دقها وجلها ثم لا يلبث أن يراها وقد أرادت الخروج قد أخذت كل زخرفها وازينت وبرزت من خدرها عروساً ولكنها لا خباء أو فجوراً ولا مبالغة ولا مراء كيف لا نسمي ذلك تهتكاً والحرة والفاجرة فيه سواء ها هي الطرقات والأسواق غاصة بالنساء وهن في غاية التبرج والخلاعة كما ترون فلا حاجة لوصف أزيائهن التي عند تصورها يضيق الصدر ويعتقل اللسان ماذا سترت المسلمة من زينتها التي أمرت بشترها إذا كانت هكذا في الطريق ظاهر ردفها وخصرها ونحرها وكفها والمعصم كذاك شعر رأسها وكل ما في وجهها كأنفها ثم الفم.
стр. 1017
أم ماذا تركت الحرة للفاجرة من ضروب التبرج وماذا أبقت لنفسها من ضروب الاحتشام أنها لم تترك من ذاك ولم تبق من هذا شيئاً.
وماذا ينتظر الرجال إلا آخرة هذا الحال وبئست الآخرة هي هتك عرض وذهاب مال.
أيها المسلمون لا بأس عليكم ماذا جرى لعقولكم حتى رضيتم أن تفجر أمامكم نساؤكم.
أيها المسلمون أولى لكم من الاشتغال بالسياسة العمومية أن تسوسوا بيوتكم.
أيها المسلمون نساؤكم من نعم الله عليكم فأمسكوها أن تزول وكفى ما فرطتم.
أيها المسلمون أعراضكم كأرواحكم وقد فرطتم فيها كثيراً أفلا تتقون.
أيها المسلمون الله ولاكم أمر نسائكم لتصلحوا الولاية فأسأتم بتفريطك فهل أنتم منتهون.
أيها المسلمون ما بلغ النساء هذا الحد إلا من تساهلكم وضعف رأيكم في سياستهن وخور عزيمتكم في حجبهن كأنه لا غيرة في قلوبكم على أعراضكم قبح الله من لا يغار.
أيها المسلمون ما كلم واحد منكم الآخر في حال النساء إلا وأظهر التحسر والتأسف ولا شك في إجماعكم على قبح هذا الحال وسوء مآله.
فإذا كان الحال كذلك سيئاً في نفوسكم فلماذا عدم تغييره والله جاعل دواءه بيدكم أصبح التواكل غريزة فيكم حتى في خصوصياتكم أينتظر الواحد منكم أن يأتي غيره ليصون له حليلته أم تنتظرون أن تقلب الحكومة نظامها وتدخل في أموركم الخصوصية وهي تباعد عنها احتراماً لحريتكم الشخصية وكيف تتداخل هي وأنتم ساكتون وسكوتكم دليل على الرضا بما أنتم له كارهون والله ما شاعت هذه البدعة الفاحشة في المسلمات غلا بتفريطكم في الحجر عليهن فاحذروا يا رجال عاقبة هذا الحال فالعقل لا يسلم بصيانة المرأة تمشي كل وقت بهذا التهتك الفاضح تزاحم الرجال في الأسواق عين ترمقها وقدم يتبعها وقبيحة تسمعها وكف تلمسها ويد تصافحها ورب ساعد يضمها وفم يقبلها ومن يشك في بعض ما قلت فليسر في أسواق المدينة ويتفقد خاناتها (مخازنها) ويتأمل كيف تستقبل من فيها النساء وكيف يعاملوهن وهكذا تفسد الأخلاق وتهتك الأعراض ولا تنسوا أنه كلما كثر خروج المرأة ومخالطتها لغيرها زاد طلبها للملابس والحلي أما تشبهاً بغيرها وإن كن أعلىمنها أو أكثر ثروة وإما تشبهاً لما هو معروض في الأسواق استلفاتاً لأنظارهن وترغيباً لهن ألم تر أن التجار لم يقتصروا على هذه الوسيلة بل تجاوزوها إلى بيع سلعهن للنساء سلفاً وهم
стр. 1018
آمنون على أرباحهم بما يرون من تغلبهن على الرجال.
وهذا الأزار الجديد والبدع التي تظهر فيه كل يوم اختراع تجاري ساعد على انتشاره ورواجه تسلط النساء على الرجال مع ضرره المالي (إذا لم نقل الأدبي) فمن ذا الذي ينكر أن أنواع هذا الجديد أغلى ثمناً وأكثر كلفة وأقصر عمراً من القديم كيف لا ومادة الحبر الجديد لا تبلغ جودة الحبر القديم وأنواع الملاآت الجديدة لا تبلغ متانة الملاآت البلدية القديمة وقد كانت الحبرة الأولى تكفي صاحبتها خمس سنين أو أكثر وهي لا تبلغ ثمناً وكلفة أكثر من دينارين وقس على هذه النسبة الملاآت البلدية أما الحبرة الجديدة فقل أن تكفي سنة أو اثنتين إن كانت جديدة وكانت صاحبتها أكثر من غيرها لزوماً لبيتها والاختراع التجاري وتفنن الخياطات في الأزياء ضامنان لزوم حبرتين أو أكثر في السنة الواحدة وثمن وكلفة هذه لا ينقص عن ثلاثة دنانير وقد يزيد إلى سبعة للمتوسطات ولا ندري كيم تتكلف حبرة العاليات وعلى هذه النسبة تقاس الملاآت ولا تسل عما يجتهدن في إحرازه من نفائس الحلل واستنكاف الواحدة منهن الخروج بالحلة الواحدة مرتين وقد تهجر البدلة الثمينة بعد قليل لتغير زياه أو تترك في زوايا الصناديق حتى تنقرض والزوج أسال عرق جبينه في أداء ثمنها لا تجود عليه بالتحلي مرة بين يديه بثوب نظيف بهذه الوسائل الشيطانية والتصرفات النسوانية لتذهب الأموال ويسوء المآل.
وهل علمتم ما هي غاية النساء من هذا التبرج نعم تعلمون أنها غاية سافلة فإنما تريد المرأة من خروجها بهذه الهيئة أنها تسلتفت إليها الرجال أثناء سيرها قي الطريق وتريد أن تكون هي المرموقة بين السائرات معها بعين الاستحسان وإن تمحلت بعض الأسباب الواهية مثل كونها تريد مناظرة أمثالها ومباهتهن بنفسها فدعواها باطلة وإلا لأبقت الإزار على عهده السابق بسيرها في الطريق حتى تدخل محل المناظرة والمباهاة فتبدي زينتها على أمثالها وتباهي بها من تشاء منهن وربما نقول أن الرجال وإن رأوها في الطريق فليس يعرفون من هي حتى يكون في ذلك سيئة لزوجها فإذا سلمنا لها بذلك وضربنا صفحاً عن سفيه يراقب دخولها وخروجها من بيتها ولا يلبث أن يعرفها من هي فما فائدة ظهور زينتها لمن لا يعرفها أليس هذا نهاية الطيش والجهالة.
تأمل أيها القارئ لهذه الغاية السافلة كيف تكون في نفس تلك الخارجة متى خرجت وتذكر
стр. 1019
أن هيئتها وهي عنوان الخلاعة تطمع من يراها في بلوغ إربه منها وتحرك همته للسعي إلى ما توسوس له به نفسه مع أنها لو ألزمت بستر زينتها لسارت في حمى هيبة الاحتشام ولما وجد سفيه من نفسه مطمعاً يؤديه لمداعبتها وانظر ما في هذا البلد من أشرار برعوا في الوقاحة والتحكك بالنساء واستهواء عقولهن وما فيها من أماكن الفجور التي يسمونها سرية وما يوجد بين أكنافها من القوادات المتسترات ببعض الحرف النسائية ألا تكون نهاية ذلك فساد العرض ولو بعد حين خصوصاً مع مواظبة النساء على الخروج وكثرة الأسباب التي يتذرعن لبها إليه فإما شراء شيء من السوق (لا لنفسها فقط أو لها ولأولادها بل لزوجها أيضاً) أو لزيارة أهل أو ضريح أو جبانة أو لنزهة أو حمام أو لحفلة فرح أو موكب جامع كموكب المحمل أو وفاء النيل أو وفود ملك أو أمير أو غير ذلك مما يتجاوز العد ولا يحيط به الحد.
ومع تعرض الأعراض بالخروج لحظ تلك الآلات يسمح الرجال لهن به وتجد المرأة من هذه الأسباب ما يكفي لخروجها من بيتها كل يوم أكثر من مرة وهي مقدمة عندها على واجباتها المنزلية وقد واظب أكثر النساء عليها كل المواظبة ورأي من تفريط رجالهن أكبر مسهل لهن حيث ترك الرجال (غلا قليلاً منهم) أمر الخروج للنساء إن شئن قعدن وإن شئن خرجن ومن منهن تشأ أن لا تخرج.
عرفنا من تمادي النساء على هذا الحال والتزام الرجال الصمت والسكون في هذا المقام رغماً عن تحقيقهم ضرره أدباً ومالاً أن سبب هذا الصمت والسكون مع الحاجة للكلام والحركة السريعة هو وهم ساد على عقول الجنسين في فهم معنى الحرية الشخصية التي أطلقتها الحكومة للرعايا فظنوها حكماً مطلقاً لا قيد فيه ومعنى ذلك أن يمشي كل على هواه في ظل الحرية لا أن تخرج المرأة عن طاعة زوجها وتجري في الحجاب على مشيئتها وقد آنست من الرجل التساهل في حقه فكادت تنكره واسترسلت مع هواها وتوسعت في مطالبها حتى وصلت إلى ما نراها فيه الآن لاهي على الزي الإفرنجي الذي يقتضي الاحتشام من الزينة حيث لا حجاب يسترها ولا هي على الزي البلدي متخذة حجاباً يستر زينتها التي كانت تطمئن في اتخاذها في الأيام الخالية على الحجاب اللائق فأصبحت مثال التبرج ولكن لا تبرج الجاهلية الأولى بل تبرج المدينة الأخرى معنى الحرية أن لا ظلم
стр. 1020
اليوم فالقوي والضعيف سواء يحكم بينهما بالعدل فيدار القضاء فليتمتع كل ذي حق بحقه لا سواه وليلتزم كل حده لا يتعداه.
للمرأة حقوق ولها حدود فلا نهضمها الحق ولا نرضى تخطيها الحد فلها مما نحن بصدده الخروج لزيارة والديها مرة كل أسبوع ولزيارة محارمها (أي أقاربها المحرمة عليهم) في كل سنة مرة. (انظر المادة ٢١٥ من كتاب الأحوال الشخصية).
وعليها أن تكون مطيعة لزوجها فيما يأمرها به من حقوق الزوجية ويكون مباحاً شرعاً (أي لا تلزمها طاعته في أمر يحرمه الشرع) وأن تتقيد بملازمة بيته ولا تخرج عنه إلا بإذنه (انظر المادة ٢١٢ من الأحوال الشخصية).
وللزوج أن يمنعها من الخروج من بيته بلا إ١ذنه إلا في الأحوال التي يباح لها الخروج فيها شرعاً كزيارة والديها ومحارمها كما تقدم وله منعها من زيارة الأجنبيات وعيادتهن ومن الخروج إلى الولائم ولو كانت عند المحارم (انظر المادة ٢١٧ الأحوال الشخصية).
ولكي تظهر لكم حكمة مبالغة الشرع في كراهة خروج النساء إلى الولائم حتى أنه أعطى الرجال حق منعهن من الخروج إليها ولو كانت عند المحارم أصف لكم هيئة فرح وكيف كانت حالة النساء فيها وإن كان ذلك غير خاف عليكم.
زرت القاهرة منذ شهرين في ليلة جمعة ومررت صدفة بفرح في بيت عظيم مطل على شارع مهم وكانت الحفلة في الشارع أمام هذا البيت فرأيت النساء مشرفات على الرجال ن الشبابيك المفتحة عن آخرها بلا ستر ولا غطاء ولا خوف ولا حياء كأنهن نساء رجل واحد نافست الواحدة منهن ضرتها في اجتذاب قلبه إليها بزينتها وبهرجتها وكلكم يعلم ما يفعل النساء بأنفسهن عن الخروج للأفراح وكان الرجال المجتمعون في هذا المهرجان في نظرهن ذاك الرجل الواحد لا يرون في الظهور عليه عاراً بل يرونه أمراً حلالاً وصادف أن فرغ المغنون من أغنية كانوا يغنونها وسكتوا للاستراحة فانفتح باب التنكيت ورمت السنة السفهاء من قبيح القول ما أضحك الغافلين والنساء يسمعن وينظرن ولا يستحين كل هذا جرى وكل من الرجال الحاضرين يسمع ويرى وما منهم من قبح منكراً أو هزته حمية لدفع هذا العار المهين مع أن المكان لا يخلو طبعاً من كثير من أزواج أولئك النساء مدعوين مثلهن إلى المهرجان وكانوا بأعينهم يرونهن ويرضون كل ذلك منهن فما استطعت
следующие страницы →