← Джавами‘

Джавами‘ · id 29676

مجلة الحقائق

عبد القادر الإسكندراني

Полный текст (1 077 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

هي أن الذكر يحتاج إلى الإنفاق على نفسه وعلى زوجه أما النساء فلا يحتجن إلى المال لأن نفقتهن على ازواجهن ولأن النساء مظنة الإسراف وخصوصاً فيما يتعلق بأمور الزينة والرجال أعلم بقدر المال لعلمهم بمقدار التعب والكد في تحصيله فلا ينفقونه إلا في محل الحاجة إليه غالباً بخلاف النساء وله حكم كثيرة لا تخفى على الفطن. (وقد بلغ بنا الحديث إلى مسئلة الحجاب) الحجاب أس فضائل النساء، وعليه يرتكز جميع مالهن من حياء وصيانة وعفة وأمانة ولولاه لبقيت هذه الأسماء قليلة المسميات في أخلاق النساء ومن ذا ينكر أن اجتماع النساء والرجال في مكان واحد خصوصاً بلباس الزينة الذي يستحيل أن تخرج أو تختلط المرأة بدونه يحدث تيار غرام لا يقطعه في الغالب إلا الوصال فإن الإنسان ليس في وسعه مغالبة شهواته بالوازع العقلي ولا بالوازع الديني إذا أبيح ترك الحجاب على هذا المبدأ الشريف [الحجاب] بني حياء المرأة وغيرة الرجل ومتى أبيح تركه تعودت المرأة على عدم التأثر بعاطفة الحياء الذي هو من أشرف خصالها واعتاد الرجل على أن لا يبالي بنظرات الأجانب ومغازلة الأباعد والأقارب، مما يضعف وصف الغيرة فيه. ولا يظنن ظان أن تعليم النساء يكفل لنا صونهن فإن التعليم مهما بلغ ليس بقادر أن ينزع من الرجل والمرأة ما جبلا عليه من انعطاف كل للآخر ذلك الانعطاف الفطري فكان من رحمة الله بالبشر أن شرع الحجاب ولولاه لوقعت الفوضى في النساب تلك مقدمات تكاد تكون بديهية في نظر العقل ولا ينكر أحد ما لترك الحجاب من المضار العظيمة إلا رجل محجوب عن النظر لهذا المجتمع البشري وحوادثه. فإن في أحوال الأمم التي اعتادت الابتذال عظة لقوم يعقلون مع كل ما للحجاب من الفوائد الدينية والأدبية نرى بعض جهلاء الكتاب ينسبون له من المضار كثيراً مما يوحي به إليهم شيطان الغرور حتى كادوا لا يتركون في معاجم اللغة لفظاً يدل على مفسدة إلا الصقوه بهذه الفضيلة وقد ذكر الكاتب طرفاً من ذلك ومن رأينا أن لا نتكلف الرد عليه في ذلك فإن الوقت أجل من أن يصرف في رد مثل هذه السفاسف البديهية البطلان إنما نبين الحق في مسئلة الحجاب مستمدين من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ (وماذا بعد الحق إلا الضلال).

стр. 107

مسألة التلغراف (وخلاصة القول فيها) اللهم أرنا الحق حقاً وأرزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وأرزقنا اجتنابه منذ أيام علمنا أن العالم الفاضل الشيخ جمال أفندي القاسمي نشر في عدد (٥٠٠) من المقتبس مقالة تحت عنوان (بشرى علمية) أبان فيها صحة العمل بالتلغراف وجواز الاعتماد عليه وقوى فكرة ذلك بنقله عن فئة من أهل العلم أقاويل قال أنها تقتضي جواز العمل به ولما كانت هذه المسئلة من المسائل ذوات البال أجبنا أن نبين اعتقادنا فيها مستندين في ذلك لما عليه الجمهور من سلف الأمة وخلفها رجاء أن يتمحص الحق وينكشف عن وجه الحقيقة النقاب وقبل القول في ذلك نقدم بين يدي مقالنا جملة نبين فيها فضل الشهادة ومقدارها من الدين ليعلم القراء أي بحث يبحثون، وفي أي حديث يخوضون، قال الله تعالى (ي أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين أن يكن غنياً أو فقير فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وأن تلوا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعلمون خبيراً). وقال (وأقيموا الشهادة لله) وقال (ومن يكتمها فإنه آثم قلبه) وقال ﵊ فيما أخرجه أبو داود وابن ماجه من حديث خريم ابن فاتك قال ﷺ صلاة الصبح فلما انصرف قام قائماً فقال (عدلت شهادة الزور بالإشراك بالله ثلاث مرات) ثم قرأ (فاجتنبوا الرجس من الوثان واجتنبوا قول الزور) فعلم بهذا أن الشهادة من الأمور العظيمة في الإسلام ولها في الدين المرتبة الأولى ويكفي أم أكثر أحكامه يتوقف عليها فلو أردنا عدم العناية بها وبعبارة ثانية حل عقدتها لكنا بذلك هادمين لأكثر أحكام الدين ومعطلين قسماً كبيراً من مسائله وبهذا يظهر لك سبب عناية العلماء ﵃ بها وإليك شيئاً من كلامهم المؤيد بكلام الله ورسوله ﷺ وبه تعلم فساد الاعتماد على التلغراف (قالوا) شرط الشاهد أن يكون مسلماً بالغاً عاقلاً ناطقاً عدلاً عالماً بما يشهد به لا يجر بتلك الشهادة منفعة إلى نفسه ولا يدفع مضرة عنها ولا يكون معروفاً بكثرة الغلط ولا بترك المروءة ولا يكون بينه وبين من يشهد عليه عداوة والأصل في هذا قول الله تعالى (واستشهدوا شهدين من رجالكم) قال ابن جرير يعني بذلك جل ثناؤه واستشهدوا على

стр. 108

حقوقكم شاهدين يقال فلان شهيدي على هذا المال وشاهدي عليه وأما قوله (من رجالكم) فإنه يعني من أحراركم المسلمين دون عبيدكم ودون أحراركم الكفار وقوله سبحانه (فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء يعني سبحانه فإن لم يكونا رجلين فليكن رجلاً وامرأتين على الشهادة وقوله ممن ترضون من الشهداء يعني من العدول المرتضى دينهم وصلاحهم وعلل كون المرأتان بمقابلة الرجل الواحد بقوله سبحانه (أن تضل إحداهما نتذكر إحداهما الأخرى) أي لا تهتدي إحداهما للشهادة بأن تنساها الغلبة الرطوبة على مزاجها فتذكر إحداهما الأخرى وقوله سبحانه (واشهدوا ذوي عدل منكم) أي من المسلمين (وأقيموا الشهادة لله (أي لوجهه خالصاً وذلك أن يقيمها لا للمشهود له ولا للمشهود عليه ولا لغرض من الأغراض كجلب نفع ودفع ضر ذاتيين وقوله ﷺ لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة (ولا زان ولا زانية ولا ذي غمر على أخيه ورد شهادة القانع لأهل البيت فهذا صريح بأن أمر الشهادة مبني على اليقين التام. خال عما يوجب الالتباس أو يوقع في الشك ولذلك ألغى الإسلام شهادة الصبيان ولو مميزين مسلمين لضعف إدراكهم الموجب للشك في كلامهم وهو مناف ليقين الشهادة ومنع شهادة الكافر على المسلم للشك في صدقه، ومنع شهادة النساء فيما لا يعلمنه عادة ولو مسلمات بالغات عاقلات للشك في كلامهن أيضاً بسبب ضعف إدراكهن بالنسبة للرجل ومنع شهادة مرتكبي الكبائر ومن عرفوا بالخيانة والسفه للشك أيضاً في أدائهم الشهادة خالصة والشك كما تقدم ينافي في ما بنيت عليه الشهادة من اليقين ويوجب الالتباس في الأحكام. فكيف يجوز لنا العمل بالتلغراف وهو آية الشك وسبيل الالتباس بل أن المخبر الذي لم يستوف شروط الشهادة لم يعتبره الشرع وألغى كلامه مع انه أقوى خبراً من التلغراف لا محالة إيضاح سيدنا رسول الله ﷺ صاحب الشرع الطاهر سئل عن الشهادة فقال للسائل (هل ترى الشمس قال نعم قال ﷺ على مثلها فأشهد أودع) فهل التلغراف يوجب اليقين ويزيل الالتباس والاحتمالات بحيث يجعلها كالشمس الواضحة أم لا؟ الصغير قبل الكبير والجاهل قبل العالم والناس أجمعون يقولون (لا) أفبعد هذا يجوز لنا أن نبني أحكام ديننا على التلغراف كم وقع الناس في حيرة بسبب التلغراف؟ كم فهموا عكس المعنى المراد.

стр. 109

ورد لبعضهم تلغراف هذا نصه (والتك مريض جيدة) فقام صاحبه وقعد، وبكى واستبكى ووقع في أشد الحيرة ولم يدر أوالدته مريضة أم صحيحة وورد لآخر تلغراف نصه (احضروا مهرة) وصوابه حضر فلان الفلاني ولآخر (قدموا كميه) وصوابه كمأة ولغيره قدموا قازمات وصوابه بقسماط وسئل بعضهم عن سعر العناب فقرأه من التلغراف القناب وظنه القنب فأخبر السائل أن سعر الرطل قرش ٩ فاشتري جملة خسر بها ستين ليرة ولبعضهم (قيصري أحضر كذا) وصوابه (نص أحضر كذا) إلى غير ذلك مما لو أردنا استقصاء لأدى بنا إلى الخروج عن المقصود فثبت بهذا أن القول بأن التلغراف من الأمور اليقينة لا يصح وأن الإدعاء بأنه بنية والبينة ما يبين الأمر ويوضحه في غير محله أيضاً لما علمت ما فيه من الاحتمالات بل قد يكون مغايراً للحقيقية وقد لا تمكن قراءته البتة على أن دعوى أنه بينة وأنه داخل في كلام ابن القيم غير مسلمة لأن البينة على فرض تسليم كلام ابن القيم ما يبين الأمر ويوضحه لا ما يوجب فيه الشك والالتباس هذا الإمام أحمد الذي كان ابن القيم من اتباعه لم يجوز الشهادة على المرأة حتى ينظر إلى وجهها لاحتمال اشتباه صوتها فكيف نقول أن كلام ابن القيم يشمل التلغراف وفيه ما علمت اللهم علمنا مدارك التأويل وفهمنا أسرار الشرع والتنزيل هذا وليعلم أن إثبات هلال رمضان والشهادة وغيرهما من الأحكام لا يكون بالتشهي (والتطبيق على كثير من الأمور المتجددة في العمران) ولا بالأقيسة الباطلة وغيرها بل بما عليه رسول الله ﷺ وأصحابه فالتساهل في الشهادة وقبولها من أي إنسان كان بل من آلة صماء كالتلغراف غير ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه فقد ثبت أن سيدنا عمر وهو من هو في الدين دعا الشهود من الكوفة إلى المدينة ولم يكتف بمجرد الأخبار عنهم مع أنه أقوى من التلغراف وكان في وسعه أن يكاتبهم ويتأكد الخبر عنهم ولكن لما كان أمر الشهادة يجب أن يكون خالياً من الاحتمالات كما قدمنا عدل ﵁ لإحضارهم إليه المفيد لليقين التام بقي هنا أن الكاتب الفاضل قوي فكره كما قدمنا بنقله حججاً ثمانية قال أنها تفيد صحة العمل بالتلغراف والصحيح غير ذلك لما أن إبلاغ محافظة القاهرة قاضي مصر بأن قاضي مركز الدار حكم بانسلاخ رمضان استناداً على من راى الهلال ثم وتلقيه أي قاضي مصر تلغرافاً آخر من قاضي محكمة قنا بالمعنى نفسه لا يكون موجباً لرضائه بذلك وحكمه به

стр. 110

بدليل استفتاءه مفتي مصر وبقاءه بعد ذلك متردداً وكذلك نقل مفتي مصر فتوى الشيخ العباسي لا يكون فتوى لأنه حكاية حال ماضية ومثله حكم قاضي (مركز الدار) وقاضي (قنا) لأنهما بنياه على شهادة من رأي الهلال ثم ولا دخل لهما بفتوى التلغراف وإدعاء أن الشيخ عبد الباقي الأفغاني الحنفي أفتى بذلك سيظهر لك بطلانه وذلك أنه أي الشيخ عبد الباقي بعد أن بحث في خبر التلغراف واستظهر اعتباره كحكم الكتاب أو كحكم الساعة المجربة قال ويمكن أن يكون حكمه كحكم الواحد وفرع على ذلك اعتباره في بعض حقوق العباد وعدم اعتباره في أخرى ثم صرح في آخر كلامه على مسئلة إثبات هلال رمضان تصريحاً لأشبهة في أنه خلاف ما فهم وأفتات عليه الكاتب الفاضل وها نحن أولاء ننقل لك عبارة الرسالة لتعلم ما فيها قال يعتبر السلك ويجعل حكمه كحكم الكتاب ثم قال ويجوز أن يكون حكمه كحكم الساعة المجربة ويمكن أن يكون حكمه كحكم أواحد فيعتبر خبره في بعض حقوق العباد كالحقوق التي لا إلزام فيها أصلاً كخبر الوكالة والمضاربة والرسالة في الهدايا ونحوها من الودائع فإنه لا إلزام فيها على أحد بل مختار بين أن يقبل الوكالة وبين أن لا يقبل فهذه الحقوق وأمثالها مما لا إلزام فيه على أحد كما تثبت بخبر الواحد كيفما كان ذلك الواحد كذلك تثبت بخبر السلك إلى أن قال وأما الحقوق التي فيها إلزام محض كخبر إثبات الحق على أحد في الديون والأعيان المبيعة والمرتهنة والمغصوبة فتشرط فيها سائر شرائط الأخبار من العقل والعدالة والضبط والإسلام مع العدد ولفظ الشهادة والولاية ثم قال بخلاف خبر السلك فإنه لا يقبل في هذه الحقوق وأمثالها التي فيها إلزام لأنه فاقد للشرائط المذكورة ثم قال وإما الحقوق التي فيها إلزام من وجه دون وجه كخبر عزل الوكيل وحجر المأذون فيشترط فيه أحد شطري الشهادة عند أبي حنيفة ﵁ أعني العدد أو العدالة وعندهما لا يشترط فيه شيء ثم قال ففي هذا النوع من الحقوق لا يقبل خبر السلك على ما ذهب إليه الإمام ويقبل على ما ذهب إليه صاحباه ثم نص على مسئلة هلال رمضان بخصوصها فقال ولا يعتبر خبره في صيام رمضان وأن كان خبره خبر الواحد لاشتراط الشهادة فيه وهو ليس من أهل الشهادة فلا يجوز للقاضي أن يحكم بصيام رمضان بخبره بل لابد لإثباته من عدل واحد يشهد بروية هلاله ذكراً كان أو أنثى هذا عندنا وكذا عند الشافعي ﵁ في أصح قوليه والعدل عنده لابد أن يكون ذكراً حراً إلى أن

стр. 111

قال هذا عندنا يوم العلة في السماء كالغيم والغبار ونحوها وأن لم يكن بالسماء علة فيشترط جمع عظيم لرمضان وللفطر يقع العلم بخبرهم وقيل أهل المحلة وعند أبي يوسف خمسون رجلاً والاكتفاء باثنين رواية عن أبي حنيفة رضى الله عنه وبه قال ملك والشافعي في قول وعند أحمد يكتفي بعدل والأضحى كالفطر فلا يثبت إلا بما ثبت به الفطر إلى آخر عبارته. فأنت ترى أن الشيخ عبد الباقي الأفغاني صرح بعدم اعتبار السلك في ثبوت هلال رمضان والفطر ومنه تعلم مبلغ الوثوق بما ينقله ذلك الكاتب الفاضل عن العلماء الأعلام إذ لو لم تكن رسالة الشيخ عبد الباقي مطبوعة لكنا في حاجة إلى التسليم بما قاله الكاتب الفاضل من نسبة جواز أمر شرعي لمن يصرح بمنعه وبم نعذر الكاتب الفاضل بعدما رأيت أن عبارة الشيخ عبد الباقي صريحة بضد ما أفتات عليه لا تحتمل تأويلاً، ولا تقبل تحويلاً، ومتى كان العلم يؤيد بالتشهى؟ كان سلفنا رضى الله عنهم يعتنون بضبط لفظ من ألفاظ اللغة العربية أكثر من اعتناء هذا الكاتب الفاضل بنقل حكم من أحكام الشرع. وقوله أن الشيخ العباسي أفتى بذلك باطل أيضاً وهذا نص فتوى الشيخ المذكور قال ﵀ وما يستفاد بالتلغراف من الأخبار بثبوت هلال رمضان الظاهر أنه ينزل منزلة خبر الواحد بإثبات هلال الصوم أو الفطر فلا يكون موجباً على القاضي الحكم بذلك وإلزام الناس بموجبه غاية الأمر أن وقع في قلبه صدق هذا الخبر يلزمه الصوم فإذا ضربت المدافع بناء على هذا الخبر التلغرافي فحكم سامعها كحكمه هذا ما ظهر لي والله أعلم فمن تأمل هذه الفتوى أيضاً بإمعان يظهر له أن الشيخ العباسي ممن يمنع إثبات هلال رمضان أو الفطر بخبر التلغراف وذلك لأنه نزل خبر التلغراف منزلة خبر الواحد ومعلوم أن خبر الواحد لا يثبت به هلال رمضان ولا الفطر إذا كانت السماء مصحية بل يشترط وقتئذ الجمع العظيم فوجب حمل كلام الشيخ العباسي على ما إذا كان في السماء علة وفي قوله فلا يجب على القاضي الحكم بذلك تأييد لما ذكرنا لأن خبر الواحد في حالة الصحو لا يجوز الحكم به وإشعار بأن خبر التلغراف منزل منزلة خبر الواحد الغير العدل لأن خبر الواحد العدل فيما إذا كان بالسماء علة يجب على القاضي الحكم به فثبت بهذا أن الشيخ العباسي يمنع إثبات رمضان بالتلغراف في حالة الصحو وغيرها وقصارى ما يصح أن ينسب إليه استظهاره تنزيل التلغراف منزلة خبر الواحد غير العدل والحكم على من صدقه

стр. 112

بالصوم وتمسكه بفتوى الشيخ عليش لا يصح أيضاً وإليك نص عبارتها سئل ﵀ بما قولكم في حادثة في سنة إحدى وثمانين هي أنه بعد صلاة الجمعة حضر خبر من الشام في التلغراف لبعض الثغور بأنه ثبت في الشام رؤية هلال رمضان ليلة اليوم الحاضر يوم الجمعة فأفتى مفتيه بالعمل بهذا الخبر والحكم بثبوت الشهر في ذلك الثغر وحكم قاضيه بذلك تمسكاً بقول بعض حواشي التنوير الظاهر أنه يلزم أهل القرى بسماع المدافع أو رؤية القناديل من المصر لأنها علامة ظاهرة تفيد غلبة الظن بثبوته عند قاضي المصر وغلبة الظن حجة موجبة كما صرحوا به واحتمال كون ذلك غير رمضان بعيد إذ لا يفعل مثل ذلك عادة ليلة الشك إلا لثبوت رمضان. ولما سمع ذلك بعض علماء القطر الشامي عارضوا ذلك غاية المعارضة وردوا الفتوى المذكورة قائلين بعدم جواز الحكم بثبوت رمضان بناء على ذلك مستدلين بعبارة من الكتب المحررة فهل يعول على الفتوى المذكورة أو على قول المعارضين أفيدوا الجواب (فأجاب بما نصه) الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله يعول على الفتوى المذكورة لأن سلاطين المسلمين وضعوا التلغراف لتبليغ الأخبار من البلاد القريبة والبعيدة في مدة يسيرة جداً وأقاموا لأعماله أشخاصاً مسلمين وأنفقوا على ذلك أموالاً جسيمة واستغنوا به عن السعاة وإرسال المكاتيب غالباً فصار قانوناً معتبراً في ذلك يخاطب به السلاطين بعضهم بعضاً في مهمات الأمور وتبعهم الناس إلى آخر ما قال فمن تأمل بعين التحقيق نص السؤال والجواب ير أن تمسك من أفتى بالجواز بقول بعض حواشي التنوير الظاهر أنه يلزم أهل القرى بسماع المدافع أو رؤية القناديل الخ تمسك بلا تفقه لأن جواز الاعتماد على نحو القناديل والمدافع معلل بإطلاع عموم الناس عليها وسماعهم لما مع توفر الدواعي على الإنكار ولذلك أفادت غلبة الظن ولا كذلك التلغراف لانتفاء جميع ذلك فيه بل من المشاهد يومياً خطؤه في الأخبار كما أسلفنا الموجب وقوع الريب فيه البتة ولعدم صحة هذا التمسك عدل عنه الشيخ عليش إلى تعليل آخر سترى بطلانه وهو قوله (لأن سلاطين) الخ إذ لا يخفى عليك أن هذا التعليل لا ينهض دليلاً على مدعاه وكيف يستدل بأن سلاطين المسلمين اعتمدوا عليه في مخابراتهم وينسى أنهم لم يعتمدوا عليه في المسألة نفسها إذ لو اعتمدوا عليه بها لكان إثبات رمضان في عاصمة الخلافة الإسلامية وتبليغها الخبر بذلك

стр. 113

على لسان البرق إلى سائر الولايات مغنياً عن تحمل مشاق الإثبات في كل بلدة ولم يثبت أنهم من زمن حدوث هذه الآلة إلى يومنا هذا فعلوا ذلك مما دل على عدم اعتمادهم إياه أيد الله دولتهم بتأييده ونقله عن العلامة الشيخ محمد الشطي الحنبلي باطل أيضاً إذ على فرض تسليم عبارته ليس فيها تنصيص على إثبات هلال رمضان أو الفطر بل مفادها جواز العمل به في العقود ومسألتنا ليست من العقود في شيء وقد انتهينا من الرد على الكاتب الفاضل وربما زدنا المسألة بياناً وإيضاحاً على إعدادنا الآتية إن شاء الله تعالى. المتفرقات تشطير بيتى أبي العتاهية في الصديق المندرجين في العدد الثاني من هذه المجلة ص (٦٨) صديقي من يقاسمني همومي ... ويطرح بي مقالة كل شاني ويرغب في امرئ يرعى ودادي ... ويرمي بالعداوة من رماني ويحفظني إذا ما غبت عنه ... ولا ينسى أو يقات التداني ولا أخشى بوادره بجرمي ... وأرجوه لنائبة الزمان الكائنات جريدة جديدة يصدرها مرتين في الأسبوع متوقتاً حضرة الكاتب اللوذعي الفاضل أديب أفندي نظمي تصفحنا ما صدر منها فوجد طافحاً بالآراء الإصلاحية، والنبذ الأدبية مما يجمع بين الفائدة واللذة، ولا غرو ف [الأديب] معروف فضله، مشهور أديه، وفي سيرته القلمية والأخلاقية ما يضمن لنا بقاءها طويلاً سارية على سنن الرقي جاعلة الاعتدال رائدها والحقيقة وجهتها إن شاء الله تعالى. خطاب خطاب ألقاه حضرة الأستاذ الفاضل الشيخ صالح أفندي الشريف في جمعية الإيرانيين التي أقيمت في الاستانة العلية بمحضر من أفاضل العلماء وأكابر الكتاب والوجهاء: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 114

معاشر الإسلام: إن العقل ليندهش وأن النفس لتحتار وإن العين لتحمد وأن اللسان يلجم من هذا المشهد المزعج الذي تجلى على العالم الإسلامي ذلك العالم الذي كان تميل الدنيا حيث يميل وتضطرب حيث يضطرب وتسكن حيث يسكن. ذلك العالم الذي مثل في البشر الحكمة. مثل فيه العلم. مثل فيه الطهارة. مثل فيه العدل. مثل فيه الشهامة والمرؤة وإباء الضم. مثل فيه عزة النفس. مثل فيه الشجاعة. مثل الاتحاد. مثل الاستعداد والتيقظ. مثل الجود وبذل المال والنفس في إعلاء شأن الدين والملة والوطن. ما هذا الانقلاب المهول الذي نزل به؟ ما هذا المنظر الأسيف المحزن الذي غشيه. أن النفوس لصعق من هذا التجلي الجلالي وإن الأكباد لثتفثت والعيون لتسيل دماً أسفاً وحزناً عليه وأن فلاسفة العمران لتقف محتارة في سببه وتشخيص الداء الذي أصيب به وأصابه الدواء الشافي له. ولكن الجواب عن ذلك عندكم يا أمة الإسلام مسطور والداء مشخص والدواء موصوف قبل ألف وثلثمائة سنة ونيف وأنتم عنه غافلون أو متغافلون أما الجواب فقد أخبركم به من لا ينطق عن الهوى بقوله (يوشك أن تداعى عليكم المم كما تداعى الآكلة إلى قصعتها قال قائل ومن قلة ذلك يا رسول الله قال لا ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله من قلوب عدوكم المهابة منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن قال وما الوهن قال حب الدنيا وكراهية الموت). أي أمة محمد! لقد تحقق وحي نبيكم ﷺ بكل معناه فيكم وها أنتم متهافتة عليكم الأمم تهافت الجياع على القصاع. وهاأنتم بعدما كانت عداؤكم باسمكم يسكتون صبيانهم وبذكر كم ترتعد فرائص ملوكهم وتنذهل قلوب صناديدهم. قد نزعت مهابتكم من قلوبهم واستبدلت بهذه الدرجة من الاستخفاف بكم والتهاون بيضتكم وجامعتكم. أي أمة الإسلام! هاأنتم بعدما كنتم مثال الشهامة والشجاعة والفتوة والأعراض عن زخارف الدنيا وسفاسفها والاشتغال بالجديات وبذل النفس والمال في سبيل الله والدفاع عن بيضتكم وإعلاء شأنها واستعذاب الموت دون ذلك. حل بكم حب الدنيا والانهماك في لذائذها السافلة والانغماس في شهواتها القتالة وكراهية

стр. 115

الموت الجسماني والرضا بالذلة والهوان والإقامة على الخسف الذي هو في الحقيقة الموت الأبدي هذا سبب ما حل بكم وهذا جواب سؤالكم. سبب ما أحل بكم الوهن. الشح بالنفس والمال عن الجهاد في سبيل الله والدفاع عن بيضتكم ووطنكم وحريمكم وذراريكم. وما هو هذا الشح يا ترى؟ هو حب الدنيا وكراهية الموت. أن فلاسفة الأخلاق قاطبة لو اجتمعوا ليشخصوا سبب ضعف الأمم الجوهري لما أمنكنهم أن يتعدوا معنى الوهن. ولو أرادوا أن يعرفوه تعريفاً جامعاً مانعاً لما خرجوا عن قولهم حب الدنيا وكراهية الموت. ليس المراد بحب الدنيا المذموم الوهن للأمم والمنهك لقواها السعي ورائها والكد والجد في تحصيلها لإقامة شؤون الله في عالم الله كلا ثم كلا! فقد قال مرشدكم الأعظم ﷺ ، نعم مطيه الدنيا الآخرة وقال المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف. وقال الله تعالى: فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين. فهل هناك تحريض على جمع الدنيا من حلها لإقامة شؤونها الناجعة التي ترضى الله ورسوله وترضيكم من هذا. بل المعنى من ذلك الترامي عليها وجمعها بغير الطرق المشروعة والإسراف في لذائدها والأعراض عن النفقة في الجديات وسبيل الله وسبيل ما يعلو شأننا به. أما تشخيص دائكم الذي حل بكم بسبب هذا الوهن. فهو تفرقكم وإهمال شؤونكم. أي أمة الإسلام! ما هذا التفرق؟ ما هذا التدابر ما هذا التخاذل؟ أليست عقيدتكم واحدة وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر فما هذا التفرق؟ أليست أخلاقنا واحدة وهي الائتمار بالعدل والإحسان وأبناء ذي القربى والبعد عن الفحشاء والمنكر والبغي. فما هذا التشتت؟ أليست أدابنا واحدة وهي التأدب بآداب رسول الله الحكيم الرباني ﵇ وواحد حكماء الوجود بشهادة القريب والبعيد والعدو والصديق. فما الذي يباعد بيننا؟ أليست صوالحنا واحدة؟ وهي التعاون على البر والتقوى وترك الإثم والعدوان. فما الذي يفضل بيننا؟ أليس معبودنا واحداً؟ أليس رسولنا واحداً أليس كتابنا واحداً. أليست

стр. 116

قبلتنا واحدة. أليست كلمتنا واحدة. فمن أين يدخل الفساد بيننا. أي أمة الحبيب! قد هداكم خالقكم وبارئكم إلى أن بينكم وشيجة رحمين رحم البشرية ورحم الإيمان. قال كتابكم الحكيم. يا أيها الناس أنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا أن أكرمكم عند الله أتقاكم. هذا رحمكم الإنساني وقال تعالى: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم إنما المؤمنين اخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون. هذا رحمكم الإيماني فاتقوا الله الذي تسائلون به والأرحام أن الله كان عليكم رقيباً. أي أمة أبي القاسم: أي خلف ذلك السلف الطاهر. أي نابتة أولئك الرجال. أي ناشئة أولئك الأبطال. ما هذا التهامل ما هذا الاستخفاف بدينكم؟ ما هذا الزهد في حريمكم وذراريكم ووطنكم. ما هذا التهاون بالأخطار المتراكمة عليكم. أين استعداد أسلافكم. أين تيقظهم. أين حذرهم. أين خروجهم من كل أموالهم للجهاد في سبيل الله. أين تقديم أفلاذ أكبادهم وتضحيتهم أرواحهم للدفاع عن حوزتهم وحوزة الله وإعلاء كلمة الله في ملك الله. فكأنكم ماسمعتم قول الله تعالى وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم. فكأنكم ماثلي عليكم قول الله تعالى: خذوا حذركم! فكأنكم ما أمركم كتابكم بقوله تعالى: وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة أي تبرك الإنفاق من أموالكم. أي أمة الإسلام! هذا انتخاذل وهذا الإهمال والتهاون هو دائكم الوحيد وسببه الوهن وهو حب الدنيا وكراهية الموت. فما هو الدواء يا ترى؟ الدواء الوحيد والترياق الناجع من دائكم الدفين هو اتحادكم واستعدادكم. ترياقكم الوحيد تعارفكم. ترياقكم الوحيد تكاتفكم وتعاضدكم ترياقكم الوحيد أن يأخذ كل واحد منكم جماعات ووحدانا بساعد الآخر حتى تكون واحد كالحلقة المفرغة لا يدري أين طرفاها. دوائكم الناجع. أن تكونوا أمة واحدة كالبنيان المرصوص أن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص. المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً.

стр. 117

دوائكم الناجع. أن تنزعوا حب الدنيا حب الدنيا من قلوبكم فثبذلوا جميع أموالكم في سبيل الله وسبيل الاستعداد لما يرضي الله وأن تسثعذبوا الموت أمام الذب عن حوزتكم وإعلاء كلمتكم فثبذلوا أروحكم في الدفاع عن وطنكم والجهاد في سبيل الله. دوائكم الناجع. أن ترجعوا إلى دينكم وتعلموا بنصائحه. فقد قال لكم: واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا. حبل الله المتين هو الجماعة وقد قال المرشد العظم ﷺ يد الله مع الجماعة هي معية توفيق. معية عصمة. معية معونة. وقال: يد الله على الجماعة هي علاوة حرز علاوة رعاية وصيانة. الجماعة موفقة. الجماعة معصومة. الجماعة في حصن حصين محفوظة ومصونة. عليكم بها أي أمة الحبيب! أسرعوا إليها إسراع الظمآن إلى الماء الزلال فروا إليها فرار الصبي من الأسد إلى أمه وأبيه! نادوا بها وأجيبوا إليها بدون تفكر بقلوبكم ولا فترة في أبدانكم ولا تلعثم في ألسنتكم. البدار البدار! فقد ضاق الوقت واشتد الخناق. قال ربكم الأعلى ترجمة عن المؤمنين الصادقين: يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لأئم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء وقد قال تعالى (انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم أن كنتم تعلمون. أي أمة الإسلام! إن ما كان فرضاً كفائياً عليكم قد صار فرضاً عينياً على كل كبير وصغير وغني وفقير وضعيف وقوي ورجل وامرأة فانفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم أن كنتم تعلمون وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء. أي أمة الإسلام! فلتعلموا وليعلم العالم البشري اجمع. أنكم جسم واحد وأن كل طائفة من الإسلام هي عضو منك إيها الجسم الشريف وأن من أعظم أعضائك الرئيسة أمتك الإيرانية. كيف لا وهي أمة العلم كيف لا وهي أمة الحكمة. كيف لا وهي أمة المدنية. كيف لا وهي أمة الشهامة والمروءة والشجاعة. كيف لا وهي من أقدم أمم العالم أصالة وعرافة مجداً وإسلاماً. كفاها فخراً أن لسانها عذب البيان. كفاها شرفاً قول سيد الوجود في حقها لو كان العلم في الثريا لنالته رجال فارس أو كما قال.

стр. 118

هي درة في تاجك إيها الإسلام! فهل يرضى أحد من المسلمين أن يمس ما هو من أعظم أعضائها الرئيسة بأدنى سوء كلا ثم كلا. أي أمة الإسلام! إن شعبكم العثماني المصون بالله نسبته منكم نسبة الرأس من الجسد والقلب من الصدر. فهل يرضى أن يخدش أحد أعضاء جسمه الرئيسة بأدنى خدش سيما من كان مثل الأمة الإيرانية العزيزة المقداة بأرواح إخوانها المسلمين؟ وهل يرضى رأس أن تنفصل منه عيناه؟ وهل يرضى قلب أن يمس في سويداه؟ كلا ثم كلا. أيها الشعبان الكاملان الشريفان العمدتان للإسلام الخوان الشقيقان أروحان في جسد واحد! تصافحوا. تعانقوا. تمازحوا. كونوا روحاً واحدة. قلباً واحداً. سمعاً واحداً. بصراً واحداً. رجلاً واحدة تسعى وراء صالح واحد يداً واحدة تبطش بكل من أرادها بسوء بقوة واحدة فلتكن ذراريكم واحدة وليكن خريمكم واحداً وأموالكم واحدة ووطنكم واحداً وأعراضكم وناموسكم وشرفكم واحداً وقوموا للدفاع عن حوزتكم قومة رجل واحد. أيها الشعبان المجيدان الخوان الشقيقان! أن أحد الشقيقين وأن كان ينسب بيته إلى نفسه عند تدبير الضروريان الداخلية. لكن عند أدنى حادث أجنبي يصير البيتان بيت العائلة والحريمان حريماً والأخوان الشقيقان رئيساً العائلة كلها. فليكن رجال الشعبين هما الشقيقان ولتكن بقية الشعبين هي العائلة. فهيا بنا يا رجالنا لننفر خفافاً وثقالاً ونجاهد في سبيل الله بأموالنا وأنفسنا فيها بنا يا رجالنا لنسير القدم بالقدم جاعلين ذرارينا ونساءنا وراء ظهورنا باذلين أموالنا وأرواحنا بين أيدينا. حاملين أكفاننا إعلاماً فوق حرابنا فإما أن نعز اوطاننا ونعيش عيشة رضية أو نواري حريمنا وذرارينا التراب ونموت في سبيل الله شهداء. تلك الموتة الشهية الرضية المرضية قال ربكم الأعلى: قل هي تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بإيدينا. إيها الشعب الإيراني الباسل المفدي بالأرواح! احملوا علمائكم على التطواف في كل أرجائكم ليفهموا عامتكم وخاصتكم قرويكم وبدويكم نسائكم ورجالكم وصبيانكم الخطر الذي اسدق بكم وحلق عليكم وأن لم يتدارككم ربكم بلطفه وتتنبهوا من ثباتكم ليطمكم (لا قدر الله ذلك) وقظو الشعب قاطبة أن يقف أمام هذا الخطر بنفوس ملئها الشهامة. بقلوب ملئها

стр. 119

الثبات والشجاعة. برؤس ملئها الحكمة والتدبير. فهموا الشعب كله أن يسكن تمام السكون في داخله ويشتغل بما يعنيه حتى لا يجد العدو إليه سبيلاً. حرضوهم على أن يجعلوا كل أموالهم ما عدا ما يسد الرمق ويحفظ الحياة الجسمانية رأس مال في سبيل الله ربحه وطنهم. ربحه دينهم. ربحه حريمهم وزراريهم وناموسهم ووضا ربهم. ذكرووهم بقول الله تعالى: يا أيها الذين أمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب إليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله أموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم أن كنتم تعلمون بغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين. بصروهم بعاقبة سوء التفاهم الذي أسسه بعض أرباب الغايات السافلة انفخوا فيهم روح الاتحاد والاستعداد والترقي حسب تعاليم دينهم. فليقف الشعبان في صعيد واحد ماسكاً اليد باليد. كاشر الأنياب متحفزاً للوثوب على كل من ناوأه أو أراد عرقلته عن رقيه. ماداً يده. باسماً في وجه كل من ساعده أو كف عنه شره في الأقل. قال ربكم الأعلى ولا تهنوا ولا تحزنوا وانتم الأعلون إن كنتم مؤمنين لا ينهيكم الله عن الذي لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم أن الله يحب المقسطين إنما ينهيكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون. هذا هو الدواء الناجح يا أمة: أي سادة: أني عبد ضعيف أدنى واحد في الأمة الإسلامية لكني أعلم علم اليقين قول فخر الكائنات: إلا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلوة والصدقة إصلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة وقال المؤمنون تتكافأ دمائهم يسعى بذمتهم أدناهم يد واحدة على من عاداهم. فها أنا أحمل ذمتكم الشريفة أيها الشعبان الحكيمان الخبيران بكل تجلة وعظام. احملها باسم الرحمة المهداة ﵇. أحملها باسم فاطمة الزهرا أحملها باسم زوج

стр. 120

البتول وابن عم الرسول أسد الله الغالب علي ابن أبي طالب أحملها باسم جدي الحسن أحملها باسم عمي الحسين أحملها باسم الأئمة الاثني عشر أحملها باسمكم يا أهل بين رسول الله أمان الأرض في هذا الدهر وأقول على بركة الله: قد اتحد الشعبان اتحاداً خاصاً وتعاقدوا على ما يعلي شأنهم وشأن ملتهم ودينهم ووطنهم. وهاتان اليدان القاصرتان العاجزتان وحدهما القويتان المتينتان العزيزتان بالله ثم بكما. أيها الشعبان الشريفان. قد نابنا عنكما في تلك المبايعة ومن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجراً عظيماً. أختم كلامي بجملة مناسبة لما أفاض فيه وأجاد صديقنا الشهم الغيور الخطيب المصقع فضيلة عبيد الله صاحب جريدة العرب مبعوث آيدين من مسئلة مصر ومراكش بين إنكلترا وفرنسا فأقول إن تلك القسمة هي أول قسمة ثنائية ولدولة بريطانيا فيها السهم الأوفى حسب وهم القاسمين. وهذه القسمة المرموز إليها بتهديد إخواننا الإيرانيين هي القسمة الثانية الثنائية أيضاً. ولدولة إنكلترا في زعمها القسم الأول لكن يجب على العالم البشري اجمع ولي الخصوص الأمم المهضومة الحقوق المهجوم عليها أن تنظر في هذه القسمة وتدقق النظر فيها أتم تدقيق وتتيقظ لخطرها ولتعلم أنها أن تمت (لا قدر الله) وإن تتم إن شاء الله حتى يلج الجمل في سم الخياط وحتى لا يبقى متنفس من الإسلام ولا ذرة تتحرك منه فستكون مقدمة لقسمات آخر لكنها ثلاثيات. أولاها لمملكتنا المصونة معاشر العثمانيين ثانيها لمملكتكم أمة الجابونيين ثالثها لمملكتكم أمة الصينيين خاتمتها لمملكتكم يا شعب الألمانيين فإنكم في نظر هؤلاء الساعين في استعباد العالم كله ملحقون بالشرقيين إذاً فأوجب الواجبات وآكد المؤكدات على الشعب الإسلامي كله والشعوب الجابونية والصينية والألمانية أن يمدوا يد المساعدة إلى بعضهم ويتحدوا جمعاء على جلب المصالح إلى أوطانهم وصد هذه الهجمات العدوانية عليهم.

стр. 121

ومن المحقق أن مبادئ الشعوب الأربعة لا تمنع من ذلك بل توجبه إذ المرء قليل وحده. ضعيف. كثير مع أخيه قوي. وواجب علينا معشر المعلمين أن نبتدئ ونظهر للشعوب الثلاثة الأخرى المعظمة أن ذلك من أسهل الممكنات الحصول عليه بيننا وبينهم وان الأمة كلها لها تمام الرغبة فيه وأن فائدته الجسيمة وهي الدواء الوحيد لتوطيد السلم العام وحقن دماء البشر وتوفير رفاهيته وراحته في كل المعمورة وإيقاف أرباب المطامع والأثرة وأعداء الإنسانية العابثين بها وبراحتها والمحتكرين لرزق الله من بينها قبالة سفاسفهم الساقطة وجشعهم المتوحش عند حدهم. وهذه وظيفتكم معاشر الخطباء. وظيفتكم معاشر الحكماء والعلماء والأدباء واجبكم العيني معاشر أرباب الصحف والمجلات. قوموا بها واستفتحوا باسم الله وتوكلوا على الله فمن توكل عليه كفاه وأني على يقين تام من أن أساطين أولئك الشعوب الفخام المبرورين من كل الإسلام وساستهم وفلاسفتهم وحكمائهم وعلمائهم وأرباب الصحف والمجلات منهم سيجيبونكم بأول إشارة وسيظهر للعالم البشري اجمع من ذلك الاتحاد الخير الكثير والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين. تقريظ للمجلة وردنا من حضرة الأديب الفاضل صاحب التوقيع هذه القصيدة الفريدة فنشرناها اعترافاً بفضله شاكرين حسن ظنه قال حفظه الله: أو ميض برق في دمشق يظهر ... أم كوكب فوق المجرة يزهر أم شمس فضل من سنا أنوارها ... نشرت عَلَى أهل العلا ما يبهر وقلائد المرجان طوق عقدها ... جيد الزمان لذا غدا يتجتر أم صفر آداب وعلم عن بدا ... عة منشئيه لقارئه يسفر وجوامع الكلم المهذبة التي ... عن أن تعارض أو تضاهي تكبر أم تلك خير مجلة علمية ... بسنا الحقائق للأنام تحبر هي هذه فأحرص ثليها أن تكن ... ممن بصيرتهم تحس وتبصر هذي أجل مجلة أدبية ... بالفضل تطوى والفضيلة تنشر

стр. 122

هذي الكتاب المعتنى فيه الذي ... بسطوره نور البيان مسطر هذي هي العقد النفيس جواهراً ... من يشتريه بنفسه لا يخسر هذي الحسام لقطع السنة الأولى ... زاغوا لكي يتقدموا فتأخروا هذي السهام لقلب من ضوا عَلَى ... علم لكي يستكبر وأفاستصغروا ذي الكهرباء المستضاء بها ومن ... بالسوء يلمسها يموت ويقهر نور بمقلة مهتد مسترشد ... نار بمهجة ملحد يتكبر حجج با أضحى عدو الدين مد ... موغ الدماغ بما يشق ويفزر. . صحف بها الإسلام سرو وجهه ... من حسنها متهلل مستبشر وفصول فضل لا فصول تحذلق ... وشذور علم لا شذور ينفر لله در مهذبي تحريرها ... فهم أفضل فضلهم لا ينكر نهجوا بها خيراً وأموا الحق وال ... توفيق يدعوهم إلى ما يشكر والسعد ينشئُ والكمال مصحح ... والفضل يطبع والبديع يحرر قي كل سطر سطوره بها لنا ... سطر من الآمال فيه يذكر فاليكها يا طالباً علماً فكل ... الصيد في جوف الفرا متيسر وأحفظ فوائد كالجواهر في فرا ... ئدها فأنت بها أحق وأجدرواهنأ وقل بشرى إلينا هذه=ارخ مجلة بالحقائق تزهر

стр. 123

العدد ٦ - بتاريخ: ٣ - ١ - ١٩١١

стр. 124

الدين الإسلامي والتوحيد (تابع ما قبله) ٦ الوحدانية لا نعلم بحثاً أ أشرف موضوعاً. وأدعى إلى العناية والاهتمام بالنسبة للنوع الإنساني من هذا الموضوع السامي. إذ الغاية القصوى. والمطلوب الأسمى تخليص فطرة الإنسان مما ران عليها من ظلم الأوهام. وأوضار المعتقدات الباطلة. حتى يصل إلى مقام التوحيد. وتنزيه الآله سبحانه عن الشريك والولد. فلا يلبث حينئذ أن يكون عبداً موحداً مخلصاً في عبوديته. حكيماً في عقيدته فإذا عقد فؤاده على هذه العقيدة وسرت أنوارها في أعماق سرائره. واخترق شعاعها طويات ضمائره , تحقق بعلم اليقين أو بعين اليقين أن لا معبود إلا الله. ولا نافع ولا ضار سواه. وأن الأنس والجن لو اجتمعوا على أن ينالوا أحداً بخير أو يصيبوه بشر لما استطاعوا ذلك إلا بإذن الله وقضائه. وان كل مادونه تعالى وجود حائل. وظل زائل. وأن الملوك في قصورها. والكبراء في ثرواتها ورياشها مربوبون مملوكون لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً. ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً ليس الطريق لإثبات الوحدانية بالدلائل الواضحة بصعب على سالكيه. فإن من وجه العقل أولاً إلى النظر في الكون واستعمل الفكر فيما حواه من الترتيب والانتظام وارتباط الأسباب بالمسببات مع بديع الأحكام وعجيب الإتقان. اضطر إلى الحكم بأن هذا الكون صانعاً واحداً لوحدة النظام في الأكوان قال الله تعالى (الله خيراً ما يشركون. أمن خلق السموات والأرض وأنزل لكم من السماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون أمن جعل الأرض قراراً وجعل خلالها أنهاراً وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزاً أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون أمن نجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلاً ما تتذكرون. أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته ألإله مع الله تعالى الله عما يشركون. أمن يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض ألإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) وقال جل ذكره (وآلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم) وقال سبحانه (إن

стр. 125

آلهكم لواحد رب السموات والأرض وما بينهما ورب المشارق) إلى غير ذلك من الآيات القاطعة والأدلة الساطعة ولعظيم العناية بالتوحيد كررت آية في القرآن العظيم بضعاً وثلاثين مرة فأي فؤاد لا يمتلئ إيماناً. وأي إحساس لا يتشبع يقيناً وتثبيتاً حينما تتلى هذه الآيات الدالة على وحدانيته (عن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) على ان المقصود الأعظم كما تقدم من بعثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الدعوة إلى توحيد الله المنزه عن كل ما يجيش بالفؤاد من صور وأشكال. ومقتضيات وشؤون لا تليق بمقامه سبحانه ومطالبة العقول بأن تتخلص من الغواشي الوهمية، التي غشاها بها قادة الأديان. ورؤساء العقائد الباطلة والمذاهب الفاسدة. إذا التوحيد حصن الروح وموئل العواطف ومطمأن العقل، متى وصل إليه الإنسان تأدت قواه ومواهبه إلى جهة الأمان الآلهي والسلام الصمداني ألم تر أن العرب كانوا في حنادس حالكة. وظلمات متكاثفة. هذا يعدد الآلهة. وذاك يشبه الله بمخلوقاته. ويعطيه صفات عباده. وذلك يتخيله على ما يحدد له وهمه وتتردد به أخلاقه. ولم يكن بينهم وهم في الجاهلية الجهلاء. والفتن الصماء. وبين ما آلوا إليه بعد إسلامهم من المكانات العلية. والمقامات الكريمة. إلا أن يصلوا إلى درجة التوحيد والتنزيه على الأسلوب القرآني، والتعليم المحمدي. فلا غرابة أن شواهد هذا الانتقال الباهر من جاهلية جهلاء. إلى ملكية علياء. فأدى إلى القول بأنه لابد أن يكون لتلك العقيدة يد قوية في إحداثه (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور) هذا ولما كان بحث التوحيد أشرف المباحث الاعتقادية يحفى القلم دون توفيته بعض حقوقه وتضيق مجالات التعبير عن تصوير شطر من حقيقته. قد خاض علماء الكلام في لجج باحاته. وسبحوا في سبحات أنواره. فاستخرجوا من صدف معانيه درراً تيجان الكتب بها مرصعة. حسن بنا أن نلتقط منها ما يكون واسطة لجيد هذه المجلة فنقول: التوحيد هو اعتقاد الوحدانية في الذات والصفات والأفعال فوحدانية الذات تنفي التعدد المتصل بأن يكون ذاتاً مركبة من جواهر وأعراض والتعدد المنفصل بأن تكون ذات تماثل ذاته تعالى ووحدانية في الصفات تنفي كذلك التعدد المتصل بأن تكون له قدرتان أو إرادتان أو علمان فأكثر وهكذا والتعدد المنفصل بأن تكون صفة في ذات تماثل صفاته الأزلية ووحدانية الأفعال تنفي أن يكون فعل أو اختراع أو إيجاد لغيره تعالى من الممكنات فليس

стр. 126

للعبد تأثير في فعل من الأفعال وغنما تسند إليه على سبيل الكسب والاختيار (الله خالق كل شيء) ولنا في هذا المقام زيادة تفصيل تأتي في محله إن شاء الله تعالى. والدليل على اتصافه بالوحدانية أنه لو أمكن وجود آلهين لأمكن بينهما تمانع كأن يريد أحدهما حركة زيد مثلاً والآخر سكونه لأن كلا من الحركة والسكون أمر ممكن في نفسه وكذا تعلق الإرادة بهما وحينئذ إما أن تحصيل الأمران فيجتمع الضادان أو لا يحصلا فيلزم عجزهما أو يحصل أحدهما فيلزم عجز أحدهما وهو إمارة الحدوث والإمكان لما فيه من شائبة الاحتياج وهو نقص يستحيل على الله تعالى. وقد أرشدنا سبحانه إلى هذا البرهان بقوله (لو كان فيهما آلهة إلا الله لقسدنا) وبيانه أنه لو كان في السموات والأرض آلهة سوى الله تعالى لأنفرد كل إله بمخلوقاته. ولغالب بعضهم بعضاً ففسد نظام العالم ولم يبق على طريقة واحدة لكن الشمس والقمر يجريان بحسبان واحد والجواري الكنس والبروج من الكواكب وسائر النجوم لم تختل أحوالها. فيما خلقت له، ولم تختل مراكزها ومسالكها والسماء قائمة قياماً لا يختلف، والسحاب يجري بالماء لمنافع أهل الأرض في أوقات الحاجة إليه، والحبوب والثمار تخرج على وتيرة واحدة والبشر كلهم وكل جنس من الحيوان على ما هم عليه من الصور المخصوصة بكل جنس. وكان من المحال عقلاً اتفاق آلهين مشتركين على تدبير واحد لا يعارض بعضهم بعضاً. فانتقاء الفساد المعلوم قطعاً ويقيناً مستلزم لانتقاد تعدد الآلهة. هذا وأن العادة المستمرة التي لم يعهد قط إخلالها في ملكين مقتدرين في مدينة واحدة عدم الإقامة على موافقة كل للآخر في كل جليل وحقير من الأمور بل تأبى نفس كل منهما دوام الموافقة وتطلب الانفراد بالمملكة والقهر للآخر فكيف بالآلهين والحال أن يوصف بأقصى غايات التكبر فكيف لا تطلب نفسه الإنفراد بالملك والعلو على الآخر كما أشار إلى ذلك بقوله (ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذاً لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون) أي من كل ما لا يليق بجناب قدسه من الأضداد والانداد فإن مقام الألوهية يقتضي الغلبة وقد روى أن عبد الملك بن مروان قال حين قتل عمر بن سعيد الأشدق كان والله أعز علي من دم ناظري ولكن لا يجتمع فحلان في شول لما يعلم أن الرغبة تفسد بتدبير الملكين لما يحدث بينهما من التغالب والتناكر

стр. 127

والاختلاف. ولا مرية أن من سلمت فطرته. وزكت طويته. ومن الله عليه بروح خاصة إقامته على الصراط السوي. وأبعدت فؤاده عن شياطين التأويلات وأبالسة التحريفات. إذا أطلق العنان للعقل ليجري في سبيله الذي سنته له الفطرة من التدبر في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار وتسخير البحر لحمل الفلك مع قوة سلطانه وإرسال الرياح لتنير السحاب فينزل من السحاب ماء. فتحيا به الأرض بعد موتها. وتنبت ما شاء الله من الشجر والنبات مما فيه رزق الحي وحفاظ كيانه ينتهي به الأمر إلى الحكم البات الذي لا يعتر به شك ولا يشوبه تردد بأن له مصرفاً قوياً ومدبراً علياً يهيمن عليه ويقوم بشؤونه واحداً أحداً أنفرد بالخلق والإبداع. واستقل بالإيجاد والاختراع. لا مثل له يشابهه ويساويه ولا ضد له فينازعه ويناويه (أن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعلقون) أي علامات على توحده على أن تعدد الآلهة وتفرقها (فضلاً عن بداهة فساده) مضر يفرق بين البشر في وجهة قلوبهم إلى اعظم سلطان يتخذونه فوق قوتهم وفي ذلك فساد نظامهم إما اعتقاد جميعهم بآله واحد فهو توحيد لمنازع نفوسهم إلى سلطان واحد يخضع الجميع لحكمه وفي ذلك نظام حياتهم وهي قاعدة سعادتهم وإليها مآلهم وفي الكشاف في قوله تعالى (أارباب متفوقون خير أم الله الواحد القهار؟) المراد بالتفرق في الآية التفرق في العدد والتكاثر يقول أن تكون لكما أرباب شتى يستعبد كما هذا ويستعبد كما هذا خير لكما أم يكون لكما رب واحد قهار لا يغالب ولا يشارك في الربوبية بل هو القهار الغالب. تباركت اللهم أوجدت هذا العالم الكبير المتباعد الأطراف. الواسع الأكناف. المفتقر إلى لطيف التقدير. وعظيم التصريف. وأحسنت كل شيء خلقه. وأبدعت في كل كائن صنعه. وجدت على كل حي بما إليه حاجته. ولم تحرم من رحمتك حقيراً ولا جليلاً من خلقك. أيكون في الوجود من ينازعك في ملكك. ويعارضك في تصرفك وتدبيرك، أيكون لك شريك في الملك. وولي من الذل تعاليت عما يقول الظالمون علواً كبيراً (قل لو كان معه آلهة يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلاً).

стр. 128

يتبع

стр. 129

التلفيق جاءتنا هذه الرسالة من الفاضل صاحب الإمضاء التلفيق في التقليد باطل ولا يحل لأحد أن يعمل به كما نص على ذلك المحققون في الأصول والفروع قال العلامة القرافي (وهو من كبار محققي الأصوليين) في شرح تنقيح الفصول في الأصول ما نصه قال يحيى الزناتي تقليد المذاهب في النوازل والانتقال من مذهب إلى مذهب بثلاثة شروط أن لا يجمع بينهما على وجه يخالف الإجماع كمن تزوج بغير صداق ولا ولي ولا شهود فإن هذه الصورة لم يقل بها أحد وأن يعتقد فيمن يقلده الفضل بوصول أخباره إليه ولا يقلده رمياً في عماية وان يتتبع رخص المذاهب. وقال في الدر المختار ما نصه الحكم الملفق باطل بالإجماع وقال العلامة المحقق ابن عابدين في حاشيته عليه المراد بالحكم الحكم الوضعي كالصحة مثاله متوضئي سال من بدنه دم ولمس امرأة ثم صلى فإن صحة هذه الصلاة ملفقة من مذهب الشافعي والحنفي والتلفيق باطل فصحته منتقية ثم نقل العلامة المذكور ابن عابدين عن الآمدي وابن الحاجب وغيرهم (وهم أجلاء علماء الأصول) أنهم نصوا على عدم التقليد بعد العمل (وهذا ليس نصاً في حرمة التلفيق لكنه يشير لذلك كما ستضح إن شاء الله الآن) وقال العلامة ابن حجر ﵀ في الفتاوى الحديثية ما مفاده لمقلد غير أمامه أحوال ذكرها السبكي أخذا من كلامهم إلى أن قال الحالة الرابعة أن يقصد مجرد الترخص فيمتنع لأنه حينئذ متبع لهواه لا للذين. الحالة الخامسة أن يكثر منه ذلك بحيث يصير متتبعاً للرخص بأن يأخذ من كل مذهب بالأسهل منه فيمتنع أيضاً لأنه يشعر بانحلال ربقة التكليف الحالة السادسة أن يجتمع من ذلك حقيقة مركبة ممتنعة بالإجماع فيمتنع كأن يقلد شافعي مالكاً في طهارة الكلب ويمسح بعض رأسه ويصلي لأن صلاته حينئذ لا يقول بها مالك ولا الشافعي (وكفى بنص العلامة السبكي ﵀ على حرمة التلفيق بياناً) وقال أيضاً أي العلامة ابن حجر في تحفته ما نصه ومحل ذلك وغيره من سائر صور التقليد ما لم يتتبع الرخص بحيث تنحل ربقة التكليف من عنقه وإلا أثم به بل قيل فسق ثم قال ما مؤداه ومن عمل في مسئلة على رأي إمام فلا يجوز له أن يقلد غيره في المسئلة نفسها اتفاقاً إذا بقي من آثار العمل الأول ما يلزم عليه مع الثاني تركب حقيقة لا يقول بها كل من الإمامين كتقليد الشافعي في مسح بعض الرأس ومالك في طهارة الكلب في صلاة واحدة وقال الجلال المحلي في شرح جمع

стр. 130

الجوامع الأصح أنه يمتنع الرخص في المذاهب أي بأن يأخذ من كل منها ما هو إلا هون فيما يقع من المسائل ونقل العلامة الشطي عن حاشية الخلوتي على المنتهى وعن الشيخ عثمان النجدي الحنبلي وعن العلامة السفاريني الحنبلي أنهم نصوا على المنع من التلفيق وذكراي العلامة الشطي ﵀ أن كتب الحنابلة تفيد جواز التقليد ما لم يتبع الرخص ونقل العلامة صاحب الوسم عن الإمام أحمد ﵀ أنه قال إذا تجدوا لي نصاً في مسئلة فأقول بمذهب ابن أدريس فما تقدم من نصوص المحققين في الأصول والفروع يفيد عدم جواز التلفيق حتى عند الإمام أحمد فإن الحنابلة لم يجوزوا التقليد إذا أدى إلى تتبع الرخص فالتلفيق إن لم يكن أولى بالمنع من تتبع الرخص فليكن نظيره إذ متتبع الرخص يأخذ من كل مذهب بالسهل لكنه يراعي ما لابد عنه من يقلد والملفق يفعل ذلك ولا يراعي ما لابد منه فنصهم على عدم جواز التقليد إذا أدى إلى تتبع الرخص برهان قاطع على عدم جواز التلفيق. ولاشك أن ما حكاه ابن حجر والسبكي من حرمة التلفيق جار على قواعد الإمام الشافعي ومذهبه فإذا فرض أن الإمام أحمد لم ينص على حرمة التلفيق فليكن هذا قولاً له أخذا مما نقله عنه العلامة صاحب الوسم ومن لم يقبل بذلك فلا أقل من توقفه حتى يطلع على نص معتمد سالم من الطعن وافي به وفيما نقله المحقق ابن عابدين عن ابن الحاجب والآمدي وغيرهم من عدم جواز التقليد بعد العمل دليل واضح على عدم جواز التلفيق بعد العمل سواء بقى على عمومه أو خص بما إذا ترتب عليه التلفيق، وبقي ما إذا كان التلفيق قبل العمل فهذا وإن لم ينص هؤلاء على منعه يؤخذ من تعليل الكثيرين امتناع تتبع الرخص بأنه يؤدي إلى انحلال ربقة التكليف إذا التلفيق يؤدي إلى ذلك بل العلة المذكورة فيه أظهر على ما بيناه لك آنفاً. وكيف يليق التلفيق بهذه الشريعة الحنيفية السمحة وهو أمر لا تضبط معه الحكام ولا يتميز به الحلال من الحرام بل هو الضربة القاضية على قواعد الشرع الشريف ونظام الاجتماع وأحقاق الحق الذي جاء به الدين الإسلامي وخطره على الدين والملة لا ينكر ولو فتح هذا الباب لأفسد شأن الأمة والقول بأنه يلزم من عدم جواز التلفيق إلزام العامي بمذهب معين وتكليفه بما فيه حرج عليه لا يظهر له وجه إذا لزام العامي بمذهب هو أن يلتزمه في جميع

стр. 131

المسائل ولسنا نكلفه به واشتراطنا عليه أن لا يأتي بمناف عند من يقلده لا حرج فيه ولا يلزم منه اشتراط معرفة الشروط والأركان والمفسدات ونحوها إذا الشرط أن لا يترك ما لا بد منه عند من يقلده كما تقدم وهذا سهل موجود في كثير من الأمة وإذا فرضنا وجود أفراد بخلون بذلك فإنجاب التعلم عليهم أولى من القول بجواز أمر يؤدي إلى التلاعب بالدين ويشوش على الأمة قواعدها وأي حرج على العامي وهو بين أظهر العلماء وفي بلاد المسلمين إذا كلف بأن لا يترك شيئاً لابد منه عند من يقلده وقد قال تعالى (فاسئلوا أهل الذكر أن كنتم لا تعلمون) وقال ﷺ (طلب العلم فريضة على كل مسلم) وقد نص الفقهاء في كثير من المسائل على أن الجاهل لا يعذر فيها ما لم يكن قريب عهد بالإسلام أو نشأ بعيداً عن العلماء فإذا توضأ شخص ومسح بعض رأسه ثم مس فرجه فوضوءه لا يجوز له أن يصلي به لا على مذهب الشافعي ولا على مذهب الحنفي لأن وضوءه باطل عندهما فادعاء أن هذا الوضوء صحيح بالاتفاق ليس بصحيح إذ هذا الوضوء لا يقول به واحد منهما على انفراده فضلاً عن الاتفاق وكذا القول بان هذا إنما قلدا بالحنيفة وجوده فكيف يعقل استمرار ما لا وجود له والاستدلال لجواز التلفيق بأنه لم ينقل عن أحد من الصحابة والتابعين أنه قال لمن استفتاه يجب عليك أن تراعي أحكام مذهب من قلدته لا يفيد ذلك أما أو لا فلأنه لا يلزم من عدم نقل ذلك عنهم انهم لم يبينوه لمن يسئلهم وثانياً لو سلمنا عدم بيانهم لذلك لا يلزم منه وقوع التلفيق من السائل بالفعل ومن زعمه فعليه إثبات صدور ذلك منهم وإذا جزم المحققون بحرمة التلفيق بعد إطلاعهم على ذلك فالوقوف عنده أولى إلى أن يثبت نقل صحيح يخالفه وأنى بذلك فيؤخذ مما ذكرناه حرمة التلفيق وهو الحق الأحق بأن يتبع فنسئله تعالى أن يلهم الجميع صواباً، ونعوذ من جهل بدا بسببه سوء الفهم والله أعلم. الحقائق. وإليك بعض (أقوال علماء الأصول في إبطال التلفيق وتتبع الرخص زيادة على ما تقدم) الأسنوي في منهاجه (فرعان) حكاهما ابن الحاجب (الثاني) إذا قلد مجتهداص في مسئلة فليس له تقليد غيره فيها إتفاقاً.

стр. 132

وقال أيضاً ص (٣٥٠) (فائدتان) إحداهما ذكر القرافي في شرح المحصول أن تقليد مذهب الغير حيث جوزناه شرطه أن لا يكون واقعاً في أمر يجتمع على إبطاله الإمام الذي كان على مذهبه والإمام الذي انتقل إليه فمن قلد مالكاً مثلاً في عدم النقض باللمس الخالي عن الشهوة وصلى فلابد أن يدلك بدنه ويمسح جميع رأسه وإلا فتكون صلاته باطلة عند الإمامين. ابن الهمام في التحرير ص (٣٥١) جزء (٣) وقيده [أي جواز تقليد غير أمامه) متأخر بأن لا يترتب عليه ما يمنعانه فمن قلد الشافعي في عدم الدلك ومالكاً في عدم نقض اللمس بلا شهوة وصل أن كان الوضوء بذلك صحت وإلا بطلت عندهما ابن أمير حاج في شرح التحرير ص (٣٥٢). قال الروياني يجوز تقليد المذاهب والانتقال إليها بثلاثة شروط أن لا يجمع بينهما على صورة تخالف الإجماع كمن تزوج بغير صداق ولا ولي ولا شهود فإن هذه الصورة لم يقل بها أحد. الغزالي في المستصفى ص (٣٩١) وليس للعامي أن ينتقي من المذاهب في كل مسئلة أطيبها عنده فيتوسع بل هذا الترجيح عنده كترجيح الدليلين المتعارضين عند المفتى فإنه يتبع ظنه في الترجيح فكذلك ههنا وأن صوبنا كل مجتهد ولكن الخطأ ممكن بالغفلة عند دليل قاطع وبالحكم قبل تمام الاجتهاد واستفراغ الوسع، والغلط على الأعلم بعيد لا محالة وهذا التحقيق وهو أنا نعتقد أن الله تعالى سراً في رد أباد إلى ظنونهم حتى لا يكونوا مهملين متبعين للهوى مسترسلين استرسال البهائم من غير أن يزمهم لجام التكليف فيردهم من جانب إلى جانب فيتذكرون العبودية ونفاذ حكم الله تعالى فيهم في كل حركة وسكون يمنعهم من جانب إلى جانب فما دمنا نقدر على ضبطهم بضابط فذلك أولى من تخيرهم وإهمالهم كالبهائم أو الصبيان.

стр. 133

التماثيل السياسية في البلاد العثمانية فتوى فضيلة المفتي تمثال مدحت باشا في البصرة في مصر جرائد إفرنجية راقية تكتب فصولاً لا أجدها في غيرها من صحف مصر، ومن هذه الجرائد الجورنال دي كير وقد عثرت في عددها المؤرخ باليوم الرابع من هذا الشهر على مقالة في (التماثيل والإسلام) عنيت بدرسها، وعن لي بعد ذلك أن أتناول الموضوع نفسه. هان على اختيار الموضوع ولكنني ما بدأت بمعالجته حتى شعرت بصعوبته فكتبت إلى فضيلة الأستاذ الشيخ مصطفى نجا مفتي بيروت الفاضل كتاباً جملته سيدي الأستاذ: عرض لي مبحث في (التماثيل والإسلام) فتهيبت وعورة مسكله وفكرت فيمن اتجه إليه فقادني التفكير إلى مقامكم السامي وعلمكم الجم نفعنا الله به إلا يجوز إقامة التماثيل في البلاد الإسلامية؟ وإذا حرم ذلك على إطلاقه فهل يشمل التحريم الأنصاب السياسية. ثم كيف تجيز الحكومة إقامة التماثيل للموتى في المقابر وهل لا يجوز اعتبار هذه كتلك ثم كيف أقيمت تماثيل محمد علي باشا وإبراهيم باشا وسليمان باشا الفرنسوي في مصر وكيف أجازها مقام الأفتاء السامي بمصر. هذه هي الأسئلة التي استميج فضيلتكم إجابتي عليها شاكراً مقدماً احتراماتي (التوقيع) وقد وردني من فضيلته الجواب التالي: حضرة. . . رئيس تحرير النصير هذا جواب على سؤالكم المؤرخ في ١٢ تشرين الثاني سنة ١٩١٠ حررناه ونحن نثنى على آدابكم وندعو لكم بمزيد التوفيق حرر في ١٥ ذي القعدة سنة ١٣٢٨ الموافق ٧ ت٢ سنة ١٩١٠. (الختم) الحمد لله تعالى

стр. 134

لا يجوز وضع التماثيل والأنصاب في البلاد الإسلامية لأنها عبدت من دون الله ولذلك هدمها الإسلام ولم يجوز إعادتها بعد ذلك لأحد سداً للذريعة ومنعاً للتشبه بالوثنيين واتخاذها حرام بالإجماع للنهي عنه وكذلك تعظيمها لأنه يفتح باب عبادة الأصنام وينوه أمر الوثنية وهذا التحريم بإطلاقه شامل للسياسة وغيرها ولذا منع ناظر الداخلية من وضع تمثال مدحت باشا في مدينة البصرة وأجاب بأنه مخالف للشرع الشريف كما نقلته الجرائد من عهد قريب. والحكومة التي تجيب بهذا الجواب لا تجيز إقامة التماثيل للموتى في المقابر وهي لا توجد في مقابر المسلمين وأما نصب تلك التماثيل لمحمد علي باشا وغيره فلم يكن عن فتوى صادرة عن مقام الإفتاء في مصر لما علم من أن الشرع الشريف يمنع ذلك وقد أفتى العلامة العباسي مفتي الديار ﵀ بوجوب إزالة الصنم الموضوع بالأزبكية وكسر رؤوس الصور الموجود في فتحتي كبرى قصر النيل حين سئل عنها كما في فتاويه والله تعالى أعلم حرر في ١٥ ذي القعدة سنة ١٣٢٨. الفقير إليه سبحانه مفتي بيروت مصطفى نجا (مكان الختم) إن الكثير من جاهلي الحقيقية الظاهرة في كتاب فضيلة المفتي ينسبون منع إقامة الأنصاب السياسية إلى تعصب أو غرض على ان البلاد العثمانية وهي بلاد أكثر رعاياها يدينون بالإسلام لمن الضروري أن تراعى فيها المور الدينية الواجب مراعاتها ومما يروى أن أحد علماء الألمان أراد نشر كتاب يبين فيه (على زعمه) أن فلسفة المسيح منقولة عن شارع قبله فكتب إليه الإمبراطور غليوم كتابه المشهور قائلاً له: حافظ على إحساسات الملايين من الناس الذين يعتقدون ما تريد نقضه ونحن نقول أنه إذا لم يكن في إبطال التماثيل السياسية غير مراعاة عواطف الملايين من العثمانيين المسلمين لكان ذلك موجباً لإبطالها والسلام. (النصير البيروتي) (سعيد)

стр. 135

مناظرة بين عالمين حضرة العلامة الفاضل الشيخ جمال الدين القاسمي دام نفعه آمين قد أطلعنا في جريدة المقتبس عدد (٥٣٩) على جوابكم الضمني المعنون ب (فتوى شيخ الجامع الأزهر) لآن في العمل بالتلغراف في الصوم والفطر على سؤالنا فضيلتكم المدرج في العدد الرابع من مجلة (الحقائق) فوجدناه منتقداً من أحد عشر نوعاً الأول تصديركم إياه بالعنوان المذكور عادلين عن طريق الأجوبة للأسئلة. وما ذلك إلا لغرض وهو على ما يظهر تعظيم الجواب في أعين الذين ينظرون إلى من قال ولا ينظرون للمقال وهم كل من ليس له يد طولى في العلوم وقدم راسخة في فهم المنطوق وإدراك المفهوم فقد خلتم أن من يقف على عنوان جوابكم هذا (فتوى شيخ الجامع الأزهر) لا يجسران أن لا يصدق ولا يقدران ينتقد لتوهمه أن شيخ الجامع الأزهر بمصر شيء عظيم كبير لا تتصوره العقول فيقف الذي يرى أو يسمع هذا العنوان مندهشاً مبهوتاً حيران مرتعشاً يسلم ما تضمنه لأول وهلة وهيهات هيهات فإن من قرأ ألف با يعلم أن شيخ الجامع الأزهر بل شيخ الإسلام بالنسبة لأمور الدين كأحد أفراد العلماء المتبحرين أو غير المتبحرين بحسب درجتهما في العلوم كيف وقد قال عالم المدينة المنورة وإمام دار الهجرة مالك بن أصبح رضى الله تعالى عنه (ما منا إلا من رد ورد عليه إلا صاحب هذا القبر) صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وشرف وكرم الذي شيخ الأزهر المنوه به يفتخر بأنه من اتباعه المتمذهبين بمذهبه فمثل هذا العنوان لا يرهبنا ولا عن المناقشة معه ومعكم والتنقيب بالحق يوقفنا الثاني قولكم كنا أثرنا في مقالتين متقدمتين في المقتبس الأغر ذكر من قطع بهذه المسئلة من الإعلام كالعباسي والشيخ عليش والعلامة الشطي وذكرنا من عمل بمقتضاها في هذا العام وحكم بموجبها وهم قضاة مصر والإسكندرية وغيرهما وهذا مجموعه غير صحيح فإن سماحة قاضي مصر عبد الرحمن أفندي نسيب أيده الله تعالى بالشريعة وأيد الشريعة به وبأمثاله لم يحكم به أصلاً فكن أنت وأمثالك على ثقة من قولي هذا لا كما عزي إليه فإن قاضي مصر المشار إليه لم يحكم به كما تقدم وإنما كان الحكم فيها بالإطار بمجرد إشهار من محافظ مصر بضرب المدافع بثبوت هلال شوال بناء على التلغراف الوارد إليه من محافظ الإسكندرية بأنه ثبت عند قاضي الإسكندرية، وفتاوى الباقين سيظهر ما أنطوت عليه من التناقض في بعضها وعدم البت في البعض الآخر واستظهارها الحكم به إلى غير ذلك مما

стр. 136

سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى الثالث قولكم، وبينا أن هذه المسئلة جازت القنطرة فأنا أسألكم ما مرادكم بالقنطرة الذي جازتها هل قنطرة الشريعة بمعنى أنها خرجت عن دائرة الشريعة التي شرعها الله ورسوله لعدم انطباقها على أحكامها أو قنطرة أخرى أم ماذا؟ الرابع قولكم بمعنى أنه فرغ منها ولم يبق مجال للتردد والسفسطة فهل مرادكم بانتفاء بقاء المجال والتردد لكم ولا مثالكم خاصة أو لعامة العلماء فإن كان الأول كان يلزمكم قيده وأن كان الثاني فغير مسلم كما هو ظاهر الوضوح. الخامس قولكم وأحببت أن أنقل موضع الشاهد منه دليل على أنكم حذقتم الذي ليس فيه موضع الشاهد لكم بل حذقتم الذي هو شاهد عليكم مثل اصل السؤال المندرج في مجلة المنار التي نقلتم عنها وسنوافي القراء به عن شاء الله تعالى السادس قولكم، ويكفينا في الرد الخ نعم هذا يكفى لكم ولأمثالكم أما لغيركم فليس كافياً لأن حضرة شيخ الجامع الأزهر مقلد للإمام مالك رضى الله عنه ليس بمشرع معصوم بل ناقل مقلد إذا خالف أحكام أئمة مذهبه في فتاويه لا يعول عليها بل لا يلتفت إليها التاسع قولكم على ذوي الشغب والسفسطة فإن كنتم عنيتمونا فلا نجاوبكم ونقول سلاماً وإن لم تعنونا كما هو الأجدر بكم كان الأولى أن تجاوبونا بمقتضى ما خاطبناكم به ثم إني أقول لك على رسلك أيها الفاضل لا تتبع نفسك هواها ولا تقل شططاً لسؤالي فضلتكم إن كنت مجتهداً الخ فالعذر إليك فلم تكن نسبة الاجتهاد إليك اعني تدعي الاجتهاد أو يدعى لك بدعاً مني بل هو معلوم عند كل أحد يعرف ذاتكم أو يسمع أخباركم ولو كنت لا تدعيه لتبرأت منه حينما سألتك عنه وقلت أنا مقلد للإمام الأعظم الشافعي رضي الله تعالى عنه كالإمام الغزالي وإمام الحرمين وأمثالهما أو لغيره من الأئمة رضي الله تعالى عنهم. ومواربتك التي تأتي الإشارة إليها وعدم تبريئك منها دليل صريح مثبت لما هنالك والعذر لك في عدم التبري منها على فرض صحتها لأنه يكون كذباً وأني أجلك عن مثله وها أنا أكرر لك هذا السؤال فأقول هل أنت مجتهد أو مقلد كما أني أكرر لك طلبي بيان أسماء من ذكرت من علماء الشافعية أنهم ممن وافقوا على العمل في التلغراف الصيام والإفطار ليعلم ذلك أولوا الأبصار، الثامن قولكم كلام شيخ الأزهر ومقدم العلماء فيه عود على بدء للتمويه وهذا التمويه عند عرضه على محك النقد لم يثبت فتنبهوا له فغنا لا ننظر إلى شخصه ولا إلى وصفه بل ننظر إلى قوله

стр. 137

كما قدمنا فلك يكن كلامه كافياً لنا التاسع قولكم عن كل من أفتى في هذه المسئلة ممن سميناهم قد برهن على فتواه واحتج لحكمه وما قضاه فبالله عليك بين لنا براهينهم وحججهم التي أوردوها في فتاويهم وليست منقوضة ولا باطلة من أصلها فلم نر منها غير المنقوضة الباطلة التي منها قول الشيخ عبد الباقي ومما يكفينا في اعتباره ابتنا السلطنة عليه شرقاً وغرباً إسلاماً وكفراً فتكذيبه تكذيب العالم كله وتعليل الشيخ عليش بأن سلاطين المسلمين وضعوا التلغراف لتبليغ الأخبار وأقاموا لأعماله أشخاصاً مسلمين وأنفقوا على ذلك أموالاً جسيمة واستغنوا به عن السعاة وإرسال المكاتيب غالباً فصار قانوناً معتبراً الخ وقياس الحكم بورده على الحكم بخبر الواحد وعلى الكتاب بالدين والوصية ونحوها وعلى العمل بالسعة وعلى الاستفاضة إذا تعدد وروده وعلى كتاب القاضي للقاضي إذا كان الآمر بالتلغراف القاضي الذي حكم به وعلى إيقاد القناديل في المنابر وعلى ضرب المدافع وهذه كلها لا تصلح للقياس ولا للتخريج عليها لكونها قياساً مع الفارق وللمباينة بينها وبين التلغراف وسنأتى على بيان عدم صلاحية كل فرد منها لذلك إن شاء الله تعالى: العاشر قولكم نحن آثرون وناقلون، موافقون ومستجيدون هو من قبيل قول القاضي حسين وأمثاله على ما أذكره لسنا مقلدين للشافعي رضي الله تعالى عنه ولكن وافق رأينا رأيه وهو مشعر بأنكم أردتم ما أرادوا من أنكم لستم مقلدين لمن أفتى بالعمل بالتلغراف ولكن وافق رأيكم رأيهم وهذا ما أشرنا إليه سابقاً الحادي عشر أن نشركم لهذا البحث في الجرائد اليومية مع كونه من المسائل الدينية غير مناسب لأن المجلات الدينية أولى بهذه المباحث وأبعد عن الضياع وأقرب للاحترام وحبذا لو ترسلون كتاباتكم إلى مجلة الحقائق لتنشرها مع كتاباتنا فتكون جامعة لهما ويظهر للقراء الحق بالمقابلة بينهما فإنها مستعدة لنشر مقالاتكم ومقالات غيركم لتخصيصها نفسها بخدمة الدين والذب عنه من غبر غرض ولا تصحب لجانب دون جانب وعلى كل فالأمر راجع إليكم هذا وقد آليت على نفسي أن أكتب في هذا الموضوع حتى يتبين الحكم الشرعي ويظهر الغث من السمين وإني لا التفت لكتابة غير فضيلتكم سواء كان سالكاً سبيل الأدب أو خارجاً عنه مظهر ذاته بوضع توقيعه أو متوارباً بإغفاله وسواء كان بقلمكم معزواً لغيركم أو بإشاراتكم أولاً كما أني صممت على تحرير تأليف مستقل أجمع فيه ما يحصل من الأبحاث بيننا وبينكم وما ينتج عنها إن شاء

стр. 138

الله تعالى وقد اكتفينا الآن بهذه الأسطر وسنتبعها بالكلام على الفتاوى التي اعتمدتم عليها بما يفتح الله به علينا ومنه نسأل السداد والثبات فإنه المحبب للدعوات وهو اعلم بالنيات. دمشق محمد عارف المنير الحسيني

стр. 139

مسألة المرأة المصرية لحضرة الأستاذ المفكر الكبير فريد بك وجدي في كل أمة مسالة خطيرة تكسب بحروف عريضة في المجلات والجراءة اليومية هي مسألة المرأة، ففي أوروبا ذات المدينة العتيقة وفي أمريكا صاحبة الحضارة الحديثة والحرية المطلقة تتجلى هذه المسألة بأشكال وحالات شتى. يغم على الباحث الاجتماعي وجه الحل فيها فيكاد يعتقد أنها عضلة العقد، والمعمى الذي لا يفك ما دام الوجود الإنساني قائماً. ونحن الذين أخذنا لندفع وراء المدنية الأوروبية بغير حساب بحكم قانون التقليد الذي هو بعض ما تمنى به الأمم الضعيفة المغلوبة على أمرها حيال الأمم القوية، قد أصبح لدينا شيء يقال له مسألة المرأة أيضاً. ولكن شتان بين الدوافع التي تدفعنا إلى الصباح والولولة والدوافع التي تدفع الغريبين لذلك، إنهم هنالك يشكون عافية الأضاليل الاجتماعية التي سماها كتابهم قبل قرن من الزمان باسم تحرير المرأة، فتأدوا بها إلى عكس ما يطلبون لها وإذا بلغ الشيء إلى حده انعكس بضده. كانت المرأة في أوروبا مستعبدة ليس لها شخصية ممتازة فكانت لا ترث ولا تملك وقد غولى معها حتى حرم عليها الضحك وأكل اللحم ووضعت على فمها الأقفال الحديدية وحكم عليها بأنها مجردة عن الروح الإنسانية التي للرجل. فقام أفراد يطلبون لها الحرية، وحسناً طلبوا لو كانوا وقفوا بمطالبهم عند حدود الحكمة ولكن دفعتهم الأهواء إلى تيه التعسف فطلبوا للمرأة باسمها كل شيء حتى ما ينافي وظيفتها ويفسد خصائصها، طلبوا أن تستخدم في المعامل وأن تكون محامية وطبيبة ومهندسة. كان لهم ما طلبوا، فإن الدعوة إلى الأهواء لا تجد في العالم الإنساني حداً تقف عنده إلا يوم يصيح بها صائح الفطرة فترتكس إلى الضد ولن تجد لسنة الله تبديلاً. أصبح لأوروبا وأمريكا محاميات وطبيبات ومهندسات، وخرجت المرأة من التقاليد العائلية ولكن لا تنسى أن ترى أن بجانب كل مهندسة أو طبيبة أو محامية مائة ألف من بنات جنسها وقعت في أسر الأعمال الشاقة تكد أجسادهن الأعمال وتلفح وجوههن النار. غصت المعامل بالنساء الضعيفات، وشحنت بهن مخازن التجارات، في مقابل أجور لا تبلغهن البلغة من العيش، وهل في ذلك من عجب بعد أن انزلهن محبوهن إلى ميدان

стр. 140

الأعمال، وقدر على مزاولة المشاق. قال الفيلسوف الاقتصادي برودون في كتابه ابتكار النظام في تعليل سبق الرجل للمرأة في ميدان الأعمال. قال: إن نبسة مجموعة قوى الرجل إلى قوى المرأة تساوي ثلاثة إلى اثنين فيكون التحرير الذي يطلبه بعضهم باسمهن هو تسجيل الشقاء عليهن تسجيلاً شرعياً إن لم أقل تسجيل العبودية. وقال العلامة (أجوست كونت) مؤسس علم الاجتماع البشري في كتابه (النظام السياسي) قال: إنه لو نال النساء هذه المساواة (المادية) التي يتطلبها لهن الذين يزعمون الدفاع عنهن بغير رضاهن فإن ضمانتهن الاجتماعية تفسد على قدر ما تفسد حالتهن الأدبية لأنهن في تلك الحالة سيكن خاضعات في أغلب الصنائع لمزاحمة يومية قوية بحيث لا يمكنهم القيام بها كما أنه في الوقت نفسه تتكدر المنابع الأصلية للمحبة المتبادلة انتهى. أحست الهيئة الاجتماعية في أوروبا بفداحة المصاب فصاح العلماء يستغيثون ولكن بمن يصيحون؟ إن لكل دور حداً هو بالغه، ينتهي منه إلى نهاية ثم يرتكس بذويه إلى الضد، عقاباً على التفريط، وزجراً عن الاندفاع وراء الأهواء. من تلك الصيحات التي فتت أكباد الأحرار ما كتبه العلامة قورييه قال: ما هي حالة المرأة اليوم؟ إنها لا تعيش إلا في الحرمان حتى في عالم الصناعة الذي ألم الرجل بجميع أنحائه لغاية الاشتغالات التافهة بالخياطة وصنع الريش. أما المرأة فيراها الناس منكبة على أشق الأعمال في الخلاء ومنها ما كتبه الاقتصادي الأشهر جول شيمون قال: النساء قد صرن الآن نساجات وطباعات إلخ إلخ وقد استخدمتهن الحكومة في معاملها ولهذا فقد اكتسبن بعض دريهمات ولكنهن في مقابل ذلك قد فوضن دعائم عائلاتهن تقويضاً انتهى. إلخ إلخ أهذه هي غاية محرري المرأة، يدعون أنهم يحصلون لها حقوقاً مسلوبة فيوقعونها في هذه المضانك الحيوية؟ أبعد من النتائج الحسنة للحركة المسماة بتحرير المرأة أن يصبح في أوروبا أكثر من ثلاثين

стр. 141

مليون تصهر أجسادهن نيران المصانع، وتبل زهرة جمالهن المزاحمات؟ ليست هذه الصيحات هي التي تفتن الشرقيين فهم بمعزل عنها بل هي تلك الأسراب النسائية من بنات الغرب يرونهن غاديات رائحات بين الجزيرة والأهرام على حال يوهم الناظر السطحي أنهن بلغن غايات المدنية، وأن رجالهن قد حصلوا بهن علي أقصى نهايات الراحة العائلية. لذلك الناظر أن يظن ذلك فليس هو بأول سار غره قمر. وليكتمه في نفسه وليسأل عنه خبيراً. أما جعله نتائج هذه المشاهدات السطحية مبادئ ثم النهوض لنشرها بين الناس فلا نسلم له فيه. إن هذا المظهر الفاتن الذي يؤثر على مشاعر بعض شباننا في أمر النساء ويضرم في نفوسهم نار الغيرة لإبلاغ نسائنا هذه الدرجة الراقية في أعينهم يكفينا لأجل أن نر مبلغ خطأهم في النظر للأشياء أن نبرهن لهم أنه مثار البلاء على أهله. ومنبعث الانحلال على مدنيتهم. جاء في دائرة معارف لاروس بعد ذكرها أن خراب مدنية روما إنما جاء من انطلاق النساء مع الأهواء قالت: وعي هيآتنا الاجتماعية الحاضرة التي فيها النساء يتمتعن بحرية مفرطة نرى أن دناءة ذوقهن وميلهن الشديد الذي يحملهن دائماً إلى الاشتغال بجمالهن وبكل ما يزيد حسنهن، كل ذلك خطراً وهو لا مما كانت عليه الحالة في روما. نعم لسنا أول من لاحظ هذا الأثر السيء الذي يحدثه حب النساء للزينة يوماً فيوماً على أخلاقنا (تأمل) فإن أشهر كتابنا لم يهملوا الاشتغال بهذا الموضوع الكبير وكثير من أقاصيصنا التي قوبلت بالاستحسان العام قد وصفت بطريقة مؤثرة الخراب الذي يجره على العائلات الشغف الجنوني بالتزيين والتبرج فكيف النجاة من هذا الداء الذي يقرض مدينتنا الحالية (تأمل) ويهددها بسوط سريع جداً وإن شئت فقل بانحطاط الأدواء له هذه أقوال أصحاب الدار ولكن أتى لها أن تصل إلى الواقفين مع الظواهر وخصوصاً هذه الظواهر الفتانة. يخيل لمن يكتب في المواضيع الاجتماعية عن شعوره الذاتي بدون علم أن جميع المسائل

стр. 142

تابعة للقانون المنطقي والاستحسان الشخصي فمتى رأى رأيا وقدره بنظره تقديراً ما لم يجد أمامه بعد ذلك أدلى صعوبة في جملة مبدأ له يصح أن يدلي به الناس كأصل من أصول الحياة فما المانع بعد ذلك في رأي الكاتب من أن يأخذ به الناس وأن يعملوا به مندفعين. هكذا يخيل لمن يكتب في المسائل الاجتماعية عن شعوره الخاص بلا علم ولاهدى ولا كتاب منير، ولو حقق النظر واخترق غلف المظاهر المحيطة به واستعرض أمام عينه حالات الاجتماع بعواملها المتراكبة وبراعتها المتشبعة ونظرا للهيئة الاجتماعية وهي في حالة تدافع وتفاعل لها له ما يرى ولوقف حيث هو يتطلب من الله بصراً نافذاً يهديه إلى العلل الأولى للأشياء وإلى العوامل المهيئة للأهوال. قلنا أن للمرأة مسألة حية في كل أمة فهي في أوروبا وأمريكا كما أثبتنا هنا عبارة عن شكوى الرجال من إفراطهن في التبرج وتخوفهم من انحلال هيئاتهم الاجتماعية بما يستتبع ذلك من الأعراض ولم أعرض فيما كتبت على ما يجأرون منه من فساد الأخلاق وشيوع المخزيات ولكن لهذه المسألة في بلادنا موضوع آخر وهو شكوى الرجال من انحطاط النساء في المعارف ووقوعهن بذلك في الأسر والاستعباد وما يتتبع ذلك من قلة إقبال الشبان على الزواج لقلة الأكفاء منهن ويلقي بعض الكاتبين تبعة ذلك كله على الحجاب. فالحجاب في اعتقادهم صاد للمرأة عن العلم ومسقط لها تحت كلا كل الرق مفسد لأخلاقها الكريمة مانع من رؤية الخاطب لخطيبته ومعاشرته لها قبل الزواج فهو مجتمع الإزراء ومنار كل بلاء! ولو زال الحجاب في يقينهم أصبحت المرأة عالمة بما لها وما عليها حاصلة على تمام حريتها بإزاء الرجل. أديبة مهذبة منزهة عن الأهواء وفوق ذلك تصبح عرضة للخطاب فيتهافت عليها الشبان ويستطيعون أن يعاشروها قبل الزواج فيقترن بها من يهواها عن بينة واختبار فيعيش معها عيشة السعداء (كما يعيش الأوروبي مع امرأته. . . خالي البال من المنغصات فارغ لبصدر من المكدرات فينعدم الطلاق ويقل (كما هو في أوروبا. . .) ثم يكون من أثر هذا الانتقال البديع إقبال الشبان على الزواج ورواج سوق المصاهرات فلا يعود الشرق يشكو من انتشار مبدأ العزوبة (كما لا يشكو منه الغرب الآن. . . .) هكذا يقولون

стр. 143

كل هذه المسائل الخطيرة سببها هذا الحجاب الشفاف الذي يشبه كما قالت جريدة لابورص اللثام الذي يضعه الآن الأوربيات المغاليات في حب الظهور بأقصى شكل من الجمال. ما الذي يمنع أن يكون الحجاب في نظر باحثنا الشرقي علة كل هذه الأرزاء وهو لم من علة سواء. لا شك عندنا في أن هذا النظر المعوج من بعض الكتاب وهذه الخفة المتناهية في تقدير المسائل الاجتماعية سيكون لها نتائج وخيمة جداً على مجموعنا الإسلامي إن لم يسرع أهل الذكر بالوقوف أمام تيارها وإن هذه المسائل الخطيرة ما دامت متروكة لأقلام السطحيين من الكتاب فلا ينتظر منها إلا أسوأ العواقب على العفاف والأعراض. وإني أعرف أن كثر الذين يلجون هذا الباب هم من الشبان الذين ليس لهم زوجات وإن ليس المقصود بهذه الحركة الشؤمى خلع النساء للحجاب فقط بل المقصود منها أمر وراء ذلك وهو تسهيل سبيل مخالطة النساء للرجال ولاندري ماالذي رآه غيرنا من الخير من وراء هذه المخالطة حتى نخف لتقليدهم فيها بدون نقد ولاتدبر ولا استبصار. يقولون أن الحجاب يصد المرأة عن التعلم وهو ادعاء يكذبه العيان فإن المرأة لاتتنقب إلا في الطرقات وليست الطرقات بمجامع للعلماء ولكنها مضطرب الفساق ومزدحم الغوغاء. وهذه مدارس البنات يوجد فيها كثير من المحجبات يذهبن إلى المدرسة بالنقاب فإذا وصلن إليها خلعته وتلقين دروسهن سافرات فإذا أتممن النهار رجعن إلى دورهن محتجبات فهل في هذا من زاب للعلم أو فيه للجهل أقل سبب من الأسباب. يقولون أن الحجاب يفسد الأخلاق وهو ادعاء أدخل في الخطأ مما سبقه فإن الحجاب إن لم يمنع الفساد بتاتاً فهو من أكبر موانعه لمن ينظر للأمور بعقل وإنصاف. هل يجهل المعادون للحجاب أن أكبر الفساد لايتأتى إلا من اختلاط البيان وماعلينا أن يرضى المتعنتون من خفاف الأقلام. يقولون الحجاب يسبب كثرة الطلاق لعدم تمكن الخاطب من رؤية خطيبته بسببه وهو قول من لم يبحث عن حقيقة الأسباب ولو كلف هؤلاء الباحثون أنفسهم لوجدوا أن تسعمائة وتسعة وتسعين حالة من أحوال الطلاق سببها الشقاق العائلي الذي يسببه في أكثر الأحوال الرجال بسوء سيرتهم نحو نسائهم ولتطلعهم إلى سواهن ممن قابلوهن في الأسواق ولانظن

стр. 144

أن في كل ألف أكثر من حالة واحدة يطلق الرجل امرأته لعدم الاستحسان. يقولون أن الحجاب هو سبب كل هذا الطلاق لأن الرجل بعد إمكان معاشرة المرأة قبل زواجها يجهل أخلاقها تمام الجهل فإذا اقترن بها وجدها على ما لا يرام فيطلقها. وهذا قول بعيد عن الصواب لأن الإنسان لاتظهر أخلاقه بمجرد التنزه في الخلوات والجلوس على القهوات خصوصاً إذ وراء ذلك الزواج فيسهله على كل من الزوج والزوجة أن يتصنعا الكمال ويتكلفا محاسن الخصال ليتم المراد. ولو كان هذا النظر صادق لبطل الطلاق عند الأوربيين والأميركيين وهو لديهم آخذ في الازدياد فلو كان هؤلاء المعارضون للحجاب ممن يطالعون الكتب الاجتماعية ويستأنسون بالحوادث الوجودية لخجلوا أن ينسبوا للحجاب هذه العلة الوهمي. كتب الكاتب الأميركي الشهير (لوسن) في المجلد الخامس والعشرين من مجلة المجلات الفرنسية إحصاء عن الطلاق في أميركا بلد حر المطلقة بناءً على طلب المجلة نقتطف منه مايأتي قال: سجلت المحاكم في مملكة (مساشوزيت) من ولايات الممالك المتحدة (١٦٢٢) ورقة طلاق سنة ١٨٩٤ بعد إن كانت في سنة قبلها (٧٧٠) فقط أي أنه آخذ في الازدياد بسرعة مدهشة. أما في مملكة (أهيو) من الممالك المتحدة فقد سجلت المحاكم سنة ١٨٦٥ ٩٨/ ٢٢ زواجاً حدث في ٨٣٧ طلاقاً يعني أنه يخص كل (٣٦ ونصف) زواجاً طلقة واحدة. وأما في سنة (١٨٩٤) أي بعد مضي ٣٥ سنة فسجلت المحاكم (٣٣٨٥٨) زواجاً وبلغ الطلاق (٢٧٥٣) أي أن في كل (١٢) زواجاً ونصف طلقة واحدة. وقد شوهد أن عدد الطلاق فيها في مدة عشر سنين بلغ زيادة عن معدله بمقدار (١١٠٠٠) ونقص الزواج عن معدله بمقدار (٨٤٨٨٩). وفي كاليفورنيا من الممالك المتحدة حصل في ألفي زواج في سنة ١٨٩٧ (٦٤١) طلاقاً أي في كل ثلاث عقود طلقة واحدة. قال الكاتب عقب هذا الإحصاء بالحرف الواحد: فالطلاق ينتشر إذن للدرجة القصوى والمدهش أن (٨٠) في المائة من طلبات الطلاق آتية

стр. 145

من جهة النساء مما يثبت أن ليس للرجل إلا دور ضعيف في حل عروة الزواج وذلك لأن الطلاق يخجله جداً ولذلك تراه إذا تعب من امرأته يبحث عن سواها (تأمل) ولا يسعى في انفصاله من الأولى إلا إذا طالبته الثانية بالزواج انتهى. تم وصف هذا الكاتب سهولة الطلاق هناك قتال: وكثير من الأزواج لا يعرفون أن نساءهم طلقتهم إلا بعد أن يتزوجن ثانياً. ثم ذكر الكاتب السبب الذي يحمل النساء في طلب تطليق الرجال فقال عند افتتاح المحكمة العليا في السنة الماضية أي سنة (١٨٩٧) في مدينة (بوستون) ملئت المحكمة ثلاثة أيام متوالية بالناس رجالاً ونساءً وكلهم يطلب الطلاق فأمضى في الأسبوع الأول (٧٥) طلاقاً وكان السبب على العموم في طلبه هو هجر الرجال لنسائهم. ثم عقبت المجلة تحت هذا الإحصاء بقولها: الرابطة الاجتماعية آخذة إذن في الاحتراق ولكن ليس من طرفيها فقط بل سعوا في اشتعالها من وسطها أيضاً. ولاشك عندنا أن المرأة الجديدة هي التي تسعى في هذه العائلة انتهى. نقول ماذا يقول أضداد الحجاب في هذه الإحصاءات فهل كثرة الطلاق في أميركا هي من زوايا الحجاب والمرأة الأميركية أكثر نساء العالم حرية وانطلاقا من القيود. اللهم إن هؤلاء الكتاب يكتبون بلا علم ويتفلسفون بلا اطلاع وأن بعض الجرائد تنشر مقالاتهم بلا نقد ولا تمحيص. . فاهد اللهم القارئين لأن يدركوا هذا الضعف فيهم فلا يرفعون بما يكتبون رأساً وإلا أضلوا عبادك إنك بالمؤمنين رحيم. يقول هؤلاء الكتاب أن العزوبة تنتشر في مصر ولا سبب لإضراب الشبان عن الزواج مخافة الإقدام على ما يجهلون. والحقيقة أن الشبان في مصر يتأخرون عن الزواج ليتسع لهم الوقت لاصطياد فريسة واكتساب مغنم. فليس لأكثرهم من هم إلا التزوج بالثريات فترى أحدهم لا يزال يتحرى مواقع الثروة غير مفكر في كمال ولا جمال حتى يعثر بمطلوبه فيعمل كل ما في وسعه للتزوج بها وهي تأبى أن ترضاه لطمعها فيمن هو أغنى منها فحدث ما نراه من قلة الإقبال على الزواج.
следующие страницы →