Полный текст (1 077 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
مليون تصهر أجسادهن نيران المصانع، وتبل زهرة جمالهن المزاحمات؟
ليست هذه الصيحات هي التي تفتن الشرقيين فهم بمعزل عنها بل هي تلك الأسراب النسائية من بنات الغرب يرونهن غاديات رائحات بين الجزيرة والأهرام على حال يوهم الناظر السطحي أنهن بلغن غايات المدنية، وأن رجالهن قد حصلوا بهن علي أقصى نهايات الراحة العائلية.
لذلك الناظر أن يظن ذلك فليس هو بأول سار غره قمر. وليكتمه في نفسه وليسأل عنه خبيراً. أما جعله نتائج هذه المشاهدات السطحية مبادئ ثم النهوض لنشرها بين الناس فلا نسلم له فيه.
إن هذا المظهر الفاتن الذي يؤثر على مشاعر بعض شباننا في أمر النساء ويضرم في نفوسهم نار الغيرة لإبلاغ نسائنا هذه الدرجة الراقية في أعينهم يكفينا لأجل أن نر مبلغ خطأهم في النظر للأشياء أن نبرهن لهم أنه مثار البلاء على أهله. ومنبعث الانحلال على مدنيتهم.
جاء في دائرة معارف لاروس بعد ذكرها أن خراب مدنية روما إنما جاء من انطلاق النساء مع الأهواء قالت:
وعي هيآتنا الاجتماعية الحاضرة التي فيها النساء يتمتعن بحرية مفرطة نرى أن دناءة ذوقهن وميلهن الشديد الذي يحملهن دائماً إلى الاشتغال بجمالهن وبكل ما يزيد حسنهن، كل ذلك خطراً وهو لا مما كانت عليه الحالة في روما.
نعم لسنا أول من لاحظ هذا الأثر السيء الذي يحدثه حب النساء للزينة يوماً فيوماً على أخلاقنا (تأمل) فإن أشهر كتابنا لم يهملوا الاشتغال بهذا الموضوع الكبير وكثير من أقاصيصنا التي قوبلت بالاستحسان العام قد وصفت بطريقة مؤثرة الخراب الذي يجره على العائلات الشغف الجنوني بالتزيين والتبرج فكيف النجاة من هذا الداء الذي يقرض مدينتنا الحالية (تأمل) ويهددها بسوط سريع جداً وإن شئت فقل بانحطاط الأدواء له
هذه أقوال أصحاب الدار ولكن أتى لها أن تصل إلى الواقفين مع الظواهر وخصوصاً هذه الظواهر الفتانة.
يخيل لمن يكتب في المواضيع الاجتماعية عن شعوره الذاتي بدون علم أن جميع المسائل
стр. 142
تابعة للقانون المنطقي والاستحسان الشخصي فمتى رأى رأيا وقدره بنظره تقديراً ما لم يجد أمامه بعد ذلك أدلى صعوبة في جملة مبدأ له يصح أن يدلي به الناس كأصل من أصول الحياة فما المانع بعد ذلك في رأي الكاتب من أن يأخذ به الناس وأن يعملوا به مندفعين.
هكذا يخيل لمن يكتب في المسائل الاجتماعية عن شعوره الخاص بلا علم ولاهدى ولا كتاب منير، ولو حقق النظر واخترق غلف المظاهر المحيطة به واستعرض أمام عينه حالات الاجتماع بعواملها المتراكبة وبراعتها المتشبعة ونظرا للهيئة الاجتماعية وهي في حالة تدافع وتفاعل لها له ما يرى ولوقف حيث هو يتطلب من الله بصراً نافذاً يهديه إلى العلل الأولى للأشياء وإلى العوامل المهيئة للأهوال.
قلنا أن للمرأة مسألة حية في كل أمة فهي في أوروبا وأمريكا كما أثبتنا هنا عبارة عن شكوى الرجال من إفراطهن في التبرج وتخوفهم من انحلال هيئاتهم الاجتماعية بما يستتبع ذلك من الأعراض ولم أعرض فيما كتبت على ما يجأرون منه من فساد الأخلاق وشيوع المخزيات ولكن لهذه المسألة في بلادنا موضوع آخر وهو شكوى الرجال من انحطاط النساء في المعارف ووقوعهن بذلك في الأسر والاستعباد وما يتتبع ذلك من قلة إقبال الشبان على الزواج لقلة الأكفاء منهن ويلقي بعض الكاتبين تبعة ذلك كله على الحجاب.
فالحجاب في اعتقادهم صاد للمرأة عن العلم ومسقط لها تحت كلا كل الرق مفسد لأخلاقها الكريمة مانع من رؤية الخاطب لخطيبته ومعاشرته لها قبل الزواج فهو مجتمع الإزراء ومنار كل بلاء!
ولو زال الحجاب في يقينهم أصبحت المرأة عالمة بما لها وما عليها حاصلة على تمام حريتها بإزاء الرجل. أديبة مهذبة منزهة عن الأهواء وفوق ذلك تصبح عرضة للخطاب فيتهافت عليها الشبان ويستطيعون أن يعاشروها قبل الزواج فيقترن بها من يهواها عن بينة واختبار فيعيش معها عيشة السعداء (كما يعيش الأوروبي مع امرأته. . . خالي البال من المنغصات فارغ لبصدر من المكدرات فينعدم الطلاق ويقل (كما هو في أوروبا. . .) ثم يكون من أثر هذا الانتقال البديع إقبال الشبان على الزواج ورواج سوق المصاهرات فلا يعود الشرق يشكو من انتشار مبدأ العزوبة (كما لا يشكو منه الغرب الآن. . . .)
هكذا يقولون
стр. 143
كل هذه المسائل الخطيرة سببها هذا الحجاب الشفاف الذي يشبه كما قالت جريدة لابورص اللثام الذي يضعه الآن الأوربيات المغاليات في حب الظهور بأقصى شكل من الجمال.
ما الذي يمنع أن يكون الحجاب في نظر باحثنا الشرقي علة كل هذه الأرزاء وهو لم من علة سواء.
لا شك عندنا في أن هذا النظر المعوج من بعض الكتاب وهذه الخفة المتناهية في تقدير المسائل الاجتماعية سيكون لها نتائج وخيمة جداً على مجموعنا الإسلامي إن لم يسرع أهل الذكر بالوقوف أمام تيارها وإن هذه المسائل الخطيرة ما دامت متروكة لأقلام السطحيين من الكتاب فلا ينتظر منها إلا أسوأ العواقب على العفاف والأعراض.
وإني أعرف أن كثر الذين يلجون هذا الباب هم من الشبان الذين ليس لهم زوجات وإن ليس المقصود بهذه الحركة الشؤمى خلع النساء للحجاب فقط بل المقصود منها أمر وراء ذلك وهو تسهيل سبيل مخالطة النساء للرجال ولاندري ماالذي رآه غيرنا من الخير من وراء هذه المخالطة حتى نخف لتقليدهم فيها بدون نقد ولاتدبر ولا استبصار.
يقولون أن الحجاب يصد المرأة عن التعلم وهو ادعاء يكذبه العيان فإن المرأة لاتتنقب إلا في الطرقات وليست الطرقات بمجامع للعلماء ولكنها مضطرب الفساق ومزدحم الغوغاء.
وهذه مدارس البنات يوجد فيها كثير من المحجبات يذهبن إلى المدرسة بالنقاب فإذا وصلن إليها خلعته وتلقين دروسهن سافرات فإذا أتممن النهار رجعن إلى دورهن محتجبات فهل في هذا من زاب للعلم أو فيه للجهل أقل سبب من الأسباب.
يقولون أن الحجاب يفسد الأخلاق وهو ادعاء أدخل في الخطأ مما سبقه فإن الحجاب إن لم يمنع الفساد بتاتاً فهو من أكبر موانعه لمن ينظر للأمور بعقل وإنصاف.
هل يجهل المعادون للحجاب أن أكبر الفساد لايتأتى إلا من اختلاط البيان وماعلينا أن يرضى المتعنتون من خفاف الأقلام.
يقولون الحجاب يسبب كثرة الطلاق لعدم تمكن الخاطب من رؤية خطيبته بسببه وهو قول من لم يبحث عن حقيقة الأسباب ولو كلف هؤلاء الباحثون أنفسهم لوجدوا أن تسعمائة وتسعة وتسعين حالة من أحوال الطلاق سببها الشقاق العائلي الذي يسببه في أكثر الأحوال الرجال بسوء سيرتهم نحو نسائهم ولتطلعهم إلى سواهن ممن قابلوهن في الأسواق ولانظن
стр. 144
أن في كل ألف أكثر من حالة واحدة يطلق الرجل امرأته لعدم الاستحسان. يقولون أن الحجاب هو سبب كل هذا الطلاق لأن الرجل بعد إمكان معاشرة المرأة قبل زواجها يجهل أخلاقها تمام الجهل فإذا اقترن بها وجدها على ما لا يرام فيطلقها. وهذا قول بعيد عن الصواب لأن الإنسان لاتظهر أخلاقه بمجرد التنزه في الخلوات والجلوس على القهوات خصوصاً إذ وراء ذلك الزواج فيسهله على كل من الزوج والزوجة أن يتصنعا الكمال ويتكلفا محاسن الخصال ليتم المراد. ولو كان هذا النظر صادق لبطل الطلاق عند الأوربيين والأميركيين وهو لديهم آخذ في الازدياد فلو كان هؤلاء المعارضون للحجاب ممن يطالعون الكتب الاجتماعية ويستأنسون بالحوادث الوجودية لخجلوا أن ينسبوا للحجاب هذه العلة الوهمي.
كتب الكاتب الأميركي الشهير (لوسن) في المجلد الخامس والعشرين من مجلة المجلات الفرنسية إحصاء عن الطلاق في أميركا بلد حر المطلقة بناءً على طلب المجلة نقتطف منه مايأتي قال:
سجلت المحاكم في مملكة (مساشوزيت) من ولايات الممالك المتحدة (١٦٢٢) ورقة طلاق سنة ١٨٩٤ بعد إن كانت في سنة قبلها (٧٧٠) فقط أي أنه آخذ في الازدياد بسرعة مدهشة.
أما في مملكة (أهيو) من الممالك المتحدة فقد سجلت المحاكم سنة ١٨٦٥ ٩٨/ ٢٢ زواجاً حدث في ٨٣٧ طلاقاً يعني أنه يخص كل (٣٦ ونصف) زواجاً طلقة واحدة. وأما في سنة (١٨٩٤) أي بعد مضي ٣٥ سنة فسجلت المحاكم (٣٣٨٥٨) زواجاً وبلغ الطلاق (٢٧٥٣) أي أن في كل (١٢) زواجاً ونصف طلقة واحدة.
وقد شوهد أن عدد الطلاق فيها في مدة عشر سنين بلغ زيادة عن معدله بمقدار (١١٠٠٠) ونقص الزواج عن معدله بمقدار (٨٤٨٨٩).
وفي كاليفورنيا من الممالك المتحدة حصل في ألفي زواج في سنة ١٨٩٧ (٦٤١) طلاقاً أي في كل ثلاث عقود طلقة واحدة.
قال الكاتب عقب هذا الإحصاء بالحرف الواحد:
فالطلاق ينتشر إذن للدرجة القصوى والمدهش أن (٨٠) في المائة من طلبات الطلاق آتية
стр. 145
من جهة النساء مما يثبت أن ليس للرجل إلا دور ضعيف في حل عروة الزواج وذلك لأن الطلاق يخجله جداً ولذلك تراه إذا تعب من امرأته يبحث عن سواها (تأمل) ولا يسعى في انفصاله من الأولى إلا إذا طالبته الثانية بالزواج انتهى.
تم وصف هذا الكاتب سهولة الطلاق هناك قتال:
وكثير من الأزواج لا يعرفون أن نساءهم طلقتهم إلا بعد أن يتزوجن ثانياً.
ثم ذكر الكاتب السبب الذي يحمل النساء في طلب تطليق الرجال فقال عند افتتاح المحكمة العليا في السنة الماضية أي سنة (١٨٩٧) في مدينة (بوستون) ملئت المحكمة ثلاثة أيام متوالية بالناس رجالاً ونساءً وكلهم يطلب الطلاق فأمضى في الأسبوع الأول (٧٥) طلاقاً وكان السبب على العموم في طلبه هو هجر الرجال لنسائهم.
ثم عقبت المجلة تحت هذا الإحصاء بقولها:
الرابطة الاجتماعية آخذة إذن في الاحتراق ولكن ليس من طرفيها فقط بل سعوا في اشتعالها من وسطها أيضاً. ولاشك عندنا أن المرأة الجديدة هي التي تسعى في هذه العائلة انتهى.
نقول ماذا يقول أضداد الحجاب في هذه الإحصاءات فهل كثرة الطلاق في أميركا هي من زوايا الحجاب والمرأة الأميركية أكثر نساء العالم حرية وانطلاقا من القيود.
اللهم إن هؤلاء الكتاب يكتبون بلا علم ويتفلسفون بلا اطلاع وأن بعض الجرائد تنشر مقالاتهم بلا نقد ولا تمحيص. . فاهد اللهم القارئين لأن يدركوا هذا الضعف فيهم فلا يرفعون بما يكتبون رأساً وإلا أضلوا عبادك إنك بالمؤمنين رحيم.
يقول هؤلاء الكتاب أن العزوبة تنتشر في مصر ولا سبب لإضراب الشبان عن الزواج مخافة الإقدام على ما يجهلون.
والحقيقة أن الشبان في مصر يتأخرون عن الزواج ليتسع لهم الوقت لاصطياد فريسة واكتساب مغنم. فليس لأكثرهم من هم إلا التزوج بالثريات فترى أحدهم لا يزال يتحرى مواقع الثروة غير مفكر في كمال ولا جمال حتى يعثر بمطلوبه فيعمل كل ما في وسعه للتزوج بها وهي تأبى أن ترضاه لطمعها فيمن هو أغنى منها فحدث ما نراه من قلة الإقبال على الزواج.
стр. 146
وهناك سبب آخر ساعد كثيراً على انتشار مبدأ العزوبة وهو شيوع الفحشاء في البلاد وسهولة إتيانها سرا وعلانية.
وهذا المبدأ بجميع علله ومعلولاته إحدى هدايا المدينة الأوربية التي نفحتنا بها مع علومها وآدابها. وليس سببه هذا الحجاب الشفاف كما يذهب إليه المفتونون ببدع الحياة الغربية المادية.
كتب العمراني الخطير (جيوم فريرو) في مجلة سنة ١٨٩٥ من مجلات الفرنسية ما يأتي:
إن العلامات المنذرة بقرب حلول الأزمة النهائية لهذا الشكل من المدنية التي تعيس فيه كثيرة جداً (تأمل) بحيث لا يمر يوم حتى يقف الباحث على إنذارات جديدة فيه. فلنعط نحن أيضاً أنفسنا وظيفة الطبيب ولنساعد في مساعدة ما شخصه الأطباء من هذا المرض الاجتماعي في زماننا هذا بدرس هذا الشكل الجديد من الرهينة التي هي مع عدم استنادها على دين تهددنا بأنها ستصل إلى الحد الذي وصلت إليه الرهينة الدينية في زمن من أزمنة القرون الوسطى.
يعلم الرجال والنساء بالتجربة وفي كل بلد تلقي العقبات التي تحول دون الزواج تزداد يوماً بعد يوم وأن هناك أسباباً لا عداد لها اقتصادية على الخصوص تقف في طريقه حتى أن كثير من الناس لما يئسوا من إمكان تذليلها صبروا على العزوبة بكل وسعهم ومن السهل علينا أن نقول أن عددا عديداً من أشخاص من كلا الجنسين يجب أن يحدثوا آثارا هائلة على كيان الهيئة الاجتماعية كلها. وذلك بمعيشتهم بلا زواج أعني في شروط حيوية صناعية ويجب أن الآثار التي تنتج من النساء العازبات تكون أكبر من التي تنتج من آثار الرجال العازبين فإن عزوبة الرجل تكسبه في الواقع ونفس الأمر صفات نفسية خاصة به ولكنها لا تقلب كيان شخصيته تماما لأنها لا تستلزم عنده العفة مطلقاً ويمكنها أن تجبره على المعيشة بين بنات الهوى أو ترغمه على الفساد وعلى هذا فالعزوبة لا تقلل فيه تلك الوظيفة الفيزيولوجية دفعة واحدة وأما المرأة فبخلاف ذلك فإن الشروط الاجتماعية الحالية تستدعى عفتها في عزوبتها والعفاف يقتضي حذف وظيفة الأمومة وهي الوظيفة التي خلقت المرأة لأجلها جسداً وروحاً لاشك إذن في أن هذه الحالة يجب أن تفسد شخصيتها إفساداً ذريعاً ولاشك أيضاً أن عددا كبيراً من هذه النسوة يحدثن آثارا هائلة على الهيئة
стр. 147
الاجتماعية
ثم قال:
وقد ابتدأ علماء العمران يشعرون بوخامة عاقبة هذا الأمر المنافي للسنن الطبيعية فإن هذه النسوة بمزاحمتهن للرجال صار بعضهن عالة على الهيئة الاجتماعية لا يجدن ما يشتغلن به ولو دام الحال على هذا المنوال لنشأ عنه خلل اجتماعي عظيم انتهى.
وقالت مجلة المجلات الفرنسية في المجلد الثامن عشر في فصل على المرأة:
إن الزواج الذي كان آباؤنا يعتبرونه ضرورياً يظهر أنه قد صدم صدمة شديدة في كل جهة فإن الرقي العقلي الذي قالته المرأة وامتداد حقوقها يوما بعد يوم وغرامها الشديد بمساواة الرجل في حقوقه وافراطاته كل ذلك يهدد مدركاتنا التي ورثناها على الزواج. ثم قالت: إن رفض الناس للزواج ومحبتهم للطلاق وهما الأمران اللذان ينتشران يوماً فيوماً في أمريكا وفي كل الممالك الأوربية ثم كل هذه الاعتصابات النسائية تشعر بمرض يجب أن يتنبه له المتشرعون. انتهى
ماذا يقول أضداد الحجاب بعد هذا البيان. ومتى يشعرون بأن الكلام في المسائل الاجتماعية لا يصح أن يكون بغير عرق راسخ في النظر وبلا هدى من أحوال البشر.
نسبوا للحجاب إضراب الفتيان عن الزواج في مصر وهذا الإضراب في الحقيقة عرض من أعراض هذه المدينة الأوربية فعزوا المعلولات لغير عللها الحقيقة واستهتروا في ذلك استهتار افعقدوا معه أدب الكاتب وأدب الاجتماع معاً. حتى أضروا بمبدئهم من حيث يريدون تأييده وإذاعته.
إن هؤلاء أغرقوا فيما هم فيه حتى عزوا لتكشف النساء كل آثار التعليم والتربية والآداب الصحيحة وغاب عنهم أن فلاحات مصر وبدويات الصحارى وزنجيات إفريقيا منكشفات وهن مع ذلك محرومات من كل ثمرات الحياة الصالحة وراسفات في أثقل قيود الأسرة والعبودية لرجالهن فلماذا لم يؤثر تكشفهن على حالتهن الاجتماعية فنخفف من وطأة النوازل عليهن؟
إن الاختلاط بين النساء والرجال إذا كان له أثر على حالة النساء فلا يكون إلا في تدنيس قلوبهن وإفساد فطرهن وتسهيل سبيل الفسق والفجور على الأرذال من الرجال ومنهن يقول
стр. 148
قسم بك أمين ﵀ أنه يجب علينا أن نكشف نساءنا واو أدى ذلك إلى دخولهن في جميع الأدوار التي دخلت فيها المرأة الأوربية يريد بذلك ولو أصبح الحال في العالم الإسلامي كما هو في العالم الأوربي من شيوع الزنا ورواج سوق الفسق والغرام وانتشار العزوبة إلى الحد الذي بلغت إليه أوروبا وهو كلام لا نفهمه وليس هو من الحكمة في شيء فقد كان يصح ما يقول إذا كانت المرأة الأوربية خرجت من كل هذه الأدوار راقية شريفة. أما هي لا تزال تتخبط في تلك الأدوار ويجأر فلاسفة بلادها إلى الله من فداحة مصابها ومصاب الرجال. ويعتبرون ذلك علة أصلية لتلاشي مدينتهم وتقوض دولتهم فلا يصح في عقل عاقل أن ينصح ناصح قومه بأن يدفعوا نساءهم في هذا السبيل المحفوف بالمكارم الذي هو إلى الشر أقرب منه إلى الخير.
فأما أن نصبر على ما نحن عليه حتى يتبين لنا ما وراء كل هذه المقاذر التي تخوضها المرأة الغربية وأما أن نعمل عقولنا فندرك أن أحسن السبل هو أن نقوي في مجتمعاتنا مبدأ عدم الاختلاط حتى لا نقع فيما وقع فيه سوانا من الإرزاء.
مساكين الكتاب السطحيون ينظرون إلى السراب فيحسبونه ماء فيملأون الدنيا صباحاً بالدعوة إلى وروده ولو تبعهم الناس لما تأدوا إلى شيء بل لتأدوا إلى اخلاط يضل في الحجى ويتوه فيها الصواب ولا يكون من ورائها إلا الهلاك.
يقولون بالاختلاط يتمكن الخاطب من رؤية خطيبته ومعاشرتها ليعجم عودها ويخبر خيمها فما أعجب هذه الآراء وما أبعدها عن التعقل.
إن نتيجة هذه المعاشرة في أوروبا قد سببت من المفاسد الاجتماعية ما لو أردنا إحصاء بعضه للزمن كتاب خاص.
منها خدع الفساق من الرجال للنساء فترى أحدهم يتصدى لشابة فيوهمها أنه يريد أن يتزوج بها ويظهر لها من اللطف والحب ما يجلب لها فإذا آنس أنه تمكن من قلبها عاشرها معاشرة الزوج لزوجته فتلد منه ولدا واثنين وثلاثة ثم يهجرها بأولادها هجر غير جميل فلا تجد المرأة المسكينة بعد هذه النكبة وسيلة أسهل من الانتحار فأما أن تقتل أولادها بيدها أو تدعهم لملاجئ الأيتام وترسل بنفسها إلى عالم الأرواح انظر إلى ما تقوله الإحصاءات.
جاء في المجلد الحادي عشر من مجلة المجلات الفرنسية نقلا عن الإحصاءات الرسمية أنه
стр. 149
حصل في إيطاليا من سنة (١٨٨٩) إلى سنة (١٨٩٣) أي في مدة خمس سنين (٥٦٩) انتحارا من جهة النساء وحصل في فرنسا في تلك المدة عينها (٥٨٦٩) حادثة أي أن فرنسا ينتحر فيها في كل سنة نحو (٢٠٠٠) امرأة وهو عدد ليس بالقليل لمن فيه ولو كانت هذه المعاشرة قبل الزواج تكفي لدوام الارتباط العائلي أو لتقليل الطلاق لكان الطلاق نادرا وقد رأيت أنه أخذ في الانتشار بسرعة مدهشة.
وهناك أمر جدير بالنظر وذلك أن النخوة الأدبية في أوروبا أرقى منها في مصر فإذا كان يسهل على جمهور من المصريين أن يروا بأعينهم مداعبة تحدث بين فاسق وفاسقة على قارعة الطريق فلا ينفعلون فإن مثل هذه المخازي في انجلترة وفرنسا مثلا مما لا يتصور حدوثه على مرأى المارين والجالسين ولا البوليس الموكل بحفظ الآداب فإذا شاع عندنا الاختلاط بين الرجال والنساء غلبت مبادئ الفساق على تصون الفضلاء وأصبحت بلادنا مسارح يمثل فيها الفجور عيانا. إن المصريين تساهلوا قليلا في أمر الحجاب فنشأ لديهم من أنواع الخناما لايغيب عن ذهن القراء فما من بيت في مصر الآن إلا ويجاوره أو يحاذيه بيت عامر بالخلاعة مقفر من الكرامة فيرى الراؤون الحال ولايزيدون عن الحوفلة والاسترجاع وهي من صفات العاجزين إن لم تصحب بالنخوة الحافظة لكرامة الجوار.
هذا اللين المتناهي عيب من عيوننا المعهودة ولا سبيل لشفائنا منه إلا بعد أجيال فإذا اختلط النساء بالرجال ونحن متلبسون بهذه النقيضة زاد الطين بلة وقضينا بأيدينا على البقية الباقية من الآداب.
أنا لست ممن يذهب إلى أن المرأة أميل من الرجال إلى الفسوق بل أنا ممن يعتقد أنها أقرب للطهر والكمال وأكثر تمسكا بأذيال العفاف من الرجل واعتقد من جهة أن الحجاب فيه شيء من الحبس لحريتها ولكن ما الحيلة إذا كان هو الضمان الوحيد لعدم الاختلاط الذي وراءه كل هذه الآفات وكم من الحياة من قيود وأغلال نضعها في أرجلنا مضطرين إذا كانت الحياة تقتضيها أو كان وراءها الخلاص من بلاء مبين.
أظنني قد أزلت شبهة أضداد الحجاب بهذه العجالة إن كان فيما يكتبون ما يصح أن يسمى شبهة وإن عادوا عدنا والله من ورائهم محيط.
متفرقات
стр. 150
جاءنا هذا الكتاب من العالم الفاضل صاحب الإمضاء
حضرة الأفاضل المحترمين أصحاب مجلة الحقائق الغراء
غلب تقديم واجبات التعليم والاحترام أرجو من فضلكم التأمل بالحديث المذكور في خطاب العلامة الشيخ صالح أفندي المدرج في الجزء الخامس من مجلتكم ص (١٢٧) التي صواب نمرتها (١٨٥) س٨ بلفظ نعم مطية الدنيا الآخرة فإنه ظهر لي من هذا اللفظ كون الآخرة مطية للدنيا وأشكل علي ذلك فإن كنت متوهماً أفيدوني وإلا فإما أن يكون فيه خطأ من الطبع أو سبق قلم من الأستاذ على كل أرى لزوم التنبيه على ذلك مع بعض غلطات بديهية وقعت في طبع هذا الجزء كما هو محرر في جانبه وما القصد إلا أن تبلغ مجلتكم الدرجة القصوى من التحقيق والتدقيق من جميع الوجوه جزاكم الله خيراً على هذا المشروع الخيري هذا ويوجد عند الداعي تلغراف بهذا اللفظ - شام جامع الدرويشية سليم أفندي السكري:
عن خالتي طمنتكم ... يا صاحب القدر الرفيع
لبت لعت طارت فيا ... بشرى وزارت للشفيع
نزلت معان بصحت ... منو بتطمن الجميع
الأمضا توفيق العلمي
وصواب البيت الأول عن خالتي لأن المقصود مرسله تطميننا عن خالتنا وخالته بأنها وصلت إلى معان بصحة بعد أداء فريضة الحج وصواب البيت الثاني لبت سعت_فأين لفظ لعت من سعت وطارت من طافت وصواب البيت الثالث_نزلت معان بصحة منوا بتطمين الجميع_وخطؤه بديهي وقد تكرر معنا الخطأ بجملة تلغرافات غير هذا كما بينتم حفظكم لله كثرة خطائه والله يحفظكم آمين. (محمد سعيد السكري)
(الحقائق) - نشكر للكاتب عنايته ونثني على همته وقد نبهنا أيضاً حفظه الله إلى بعض غلطات أثبتناها وغيرها مع بيان الصواب فيها في هذا الجزء وعلمنا من ثقة أن قد تسامع في بعض الولايات خبر إثبات بعض الشهور فاستنبأ قاضي تلك الولاية من قاضي المتصرفية الخبر فورد إليه الجواب بالتلغراف أنه ثبت فطلب أن يرسل إليه على العادة الإعلام والشهود فجاءه الخبر ثانية ألم نخبرك بأنه لم يثبت فكيف تطلب منا
стр. 151
الإعلام_التلغراف كتب بأنه لم يثبت بأنه ثبت_تأمل
(تشطير بيتي أبي العتاهية في الصديق * للعالم الفاضل صاحب الإمضاء)
(صديقي من يقاسمني همومي) ... ويفرح إذ تساعدني الأماني
ويمسك بالصداقة أصدقائي ... (ويرمي بالعداوة من رماني)
(ويحفظني إذ ما غبت عنه) ... ويهديني الخير إن رآني
فهذا يرتجي لي كل خير ... (وأرجوه لنائبة الزمان)
دمشق
محي الدين الخاني
стр. 152
أغلاط الجزئين الخامس والسادس
صحيفةسطرخطأصواب١٦٠١٨والحروف في الحروففي الحروف١٦٤٥فساد أخلاقفساد الأخلاق١٧١١٤غنياً أو فقيراغنياً أو فقيراً١٧٢١٢شهدينشهيدين١٧٣٢المرأتانالمرأتين١٧٥٣اليقينةاليقينية١٧٢٣لما أمنكهملما أمكنهم١٧٢٧نعم مطية الدنيا الآخرةنعم مطية الآخرة الدنيا١٨٣١٢إنما المؤمنينإنما المؤمنون١٨٦١١روحانالروحان١٨٧٤شهدءشهداء١٨٧٨يالأرواحبالأرواح١٨٧١٢وقظووقظوا١٨٧١٨وزراريهموذراريهم١٨٧١٨ووضاورضا١٨٧٢١أموالكمبأموالكم١٨٨١٧وعظاموأعظام١٩٠٣بعضمبعضهم١٩٤٦بداعةبراعة١٩٤١٠لاشدورلاشذوذ١٩٧١٦هذهذا١٩٧١قليلاً ماتتذكرونقليلاً ماتذكرون١٩٨١٣ووحدانية في الصفاتووحدانية الصفات١٩٩١٩في مدنيةفي مدينة٢١٣٣الذيالتي٢١٤١فضلتكمفضيلتكم٢١٨١إن نبسةإن نسبة٢٢٢١٥يالنساءبالنساء٢٢٣٣قيطلقهافيطلقها٢٢٥٨منهامنه٢٢٦١٧للسنننللسنن٢١٨٩يمكنهميمكنهن٢١٩١٩إلىعلى٢٢٢٣من وراءوراء٢٢٢١٠زابذاب١١تحدستحدث $ الجزء السابع - المجلد الأول - ١ شباط ١٩١١
الدين الإسلامي والتوحيد
(تابع ما قبله)
القدرة ٧
الإنسان كلما ترقى في مراقي العقل، وعرج في معارج العلم، ومدارج الفهم، وازداد نظره نفوذاً في الكون وموجوداته ينكشف له من عجائب المصنوعات، وبدائع المخلوقات ما يسوقه سوقاً اضطرارياً إلى الإخبات لفاطر الأرض والسموات، والإيقان بقدرة باهرة له أبدعت هذا الوجود على مقتضى الحكمة ونهاية العدل.
لاشبهة أن الذي تفرد بالملك والتدبير، وتوحد بالخلق والتقدير متصف بقدرة شاملة لسائر الكائنات لها السلطان الأعلى في إيجاد الموجودات على حسب ماخصصته الإرادة واقتضته الحكمة الباهرة فالقدرة من الصفات الأزلية القائمة بذاته تعالى المتعلقة بجميع الممكنات بها الإيجاد والإعدام على وفق الإرادة فليس من وظيفتها أن تتعلق بالواجب لأنه لايقبل العدم ولا بالمستحيل لأنه لايقبل الوجود.
والدليل على اتصافه بها صدور الأفعال المحكمة المتقنة عنه جل وعز مثل خلق السموات والأرض وغيرهما من بدائع المصنوعات وعجائب المكونات وماهديت إليه
стр. 153
الحيوانات من مصالحها وأعطيته من الآلات المناسبة لها وذلك يدل قطعاً على كون صانعها قادراً فإن من رآى ثوباً من ديباج حسن النسج والتأليف متناسب التطريز والتطريف ثم توهم صدوره من جاهل به وعاجز لا استطاعة له ولاقدرة كان عن حيز العقل خارجاً وفي سباسب الجهل راتعاً.
شعورك أيها الإنسان بتلك القدرة الأزلية التي تولتك وأنت نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، وربتك تلك التربية الجنينية، ثم هدت والدتك وساقتها للعناية بك حتى كبرت وترعرعت، وبأنها لتولاك الآن وتبعثك بالدوافع التي وضعتها فيك إلى كمال أنت مستأهل له يجعلك هادئ الضمير، ثلج الصدر، مطمئن الفؤاد، آمناً من جيشات الشبه الهائلة، وسطوات الشكوك الفادحة، (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لاتعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون) يزيدك بياناً وبرهاناً أنك لو استعرضت شيئاً قليلاً من عجائب النباتات ورأيت أنك تلقي إلى الأرض بذرة لا تكاد تحس بها بين أصابعك فتراها بعد سنين شجرة ذات جذع غليظ وفروع ممتدة وأوراق وأثمار ذات ألوان وطعوم وأريج ثم لو طفت أيضاً على مملكة الحيوانات واستحضرت إلى فكرك تلك الكائنات المختلفة في الصور والأحجام والأشكال والطبائع والغرائز ثم لو تفكرت في أن الماهية التي هي أصل كل هذه الصور البديعة مجهولة لديك بالمرة لرجعت وكلك شعور بضعفك وعجزك ولوجدت فؤادك ساجداً بفطرته أمام هذه القدرة العظمى التي بهرت العقول وأدهشت الألباب خاضعاً لعظيم سلطانها راضخاً لتصرفات هذا الرب جل وعلا معترفاً بأنه على كل شيء قدير (لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. فالكون والكائنات آيات لتمام قدرته ودلالات واضحة على كمال تدبيره فسبحانه وتعالى (خلق فسوى وقدر فهدى) إن في ذلك لعبرة لمن يخشى أأنتم أشد خلقاً أم السماء بناها رفع سمكها فسواها، وأغطش ليلها وأخرج ضحاها، والأرض بعد ذلك دحاها، أخرج منها ماءها ومرعاها والجبال أرساها متاعاً لكم ولأنعامكم).
الإرادة ٨
مما يجب لله تعالى أيضاً الإرادة: وهي صفة أزلية لتقتضي تخصيص لمكونات بما يجوز عليها من الوجوه الممكنة على وفق العلم فكل موجود لابد أن يكون على قدر مخصوص
стр. 154
وصفة معينة وله وقت ومكان محدودان وتخصيص هذه الوجوه لكل ممكن إنما هو على وفق علمه فتأثير القدرة فرع تأثير الإرادة إذ لا يوجد سبحانه شيئاً من الممكنات أو يعدمه بقدرته إلا ما أراد وجوده أو عدمه وهذا معنى قولهم ما خصصه الله بإرادته أبرزه بقدرته وتأثير الإرادة على وفق العلم أيضاً فكل ماعلم أن يكون أولايكون فذلك مراده سبحانه هذا ولاخلاف بين أهل السنة والجماعة في اعتقاد أن الكائنات من خير وشر، وإيمان وكفر، وعرفان ونكر، وغواية ورشد، بإرادة الله تعالى فلا يجري في الملك والملكوت طرفة عين ولا فلتة خاطر، ولا لفتة ناظر، إلا بمشيئته لا رادّ لقضائه ولا معقب لحكمه، (يضل من يشاء ويهدي من يشاء) لا يسأل عما يفعل والدليل على اتصافه تعالى بالإرادة أنه فاعل بالاختيار، وكل فاعل بالاختيار تجب له الإرادة، وأيضاً لو كانت أفعال العباد واقعة على خلاف مراد الله تعالى كان ذلك نقصاً في ملكه وقصوراً وعجزاً إذ العقول قاضية بأن قصور الإرادة وعدم نفوذ المشيئة من أصدق الآيات الدالة على سمات النقص والاتصاف بالعجز وهو محلل عليه تعالى ومن ثمة قالوا من ترسم للملك ثم كان لا ينفذ مراده في أهل مملكته عدٌ ضعيف المنة مضياعاً للفرصة فإن كان ذلك يزري بمن ترسم للملك فكيف يتصور في صفة ملك الملوك ورب الأرباب تعالى عن قول الظالمين علواً كبيراً، ويؤيد ذلك الدلائل النقلية، قال تعالى (وما تشاؤن إلا أن يشاء الله) وقال ولو شاء ربك مافعلوه) وورد (ماشاء الله كان وما لم يشأ لم يكن) ومعناه أنه لايتحقق من العبد قصد جازم متعلق بالعقل صارف للقدرة إليه إلا تبعاً لإرادة الله ولنختم هذا الموضوع الجليل بأبيات نسبت للإمام الشافعي ﵁ لما لها من التعلق الشديد بهذا المبحث العظيم قال:
ماشئت كان وإن لم أشأ ... وماشئت أن لم تشأ لم يكن
خلقت العباد على ماأردت ... ففي العلم يجري الفتى والمسن
على ذا مننت وهذا خذلت ... وهذا أعنت وذا لم تعن
فمنهم شقي ومنهم سعيد ... ومنهم قبيح ومنهم حسن
يتبع
الانتقاد
стр. 155
الزهاوي يرى في المرأة غير رأي القرآن
الحجاب المبحوث عنه مجموع أمرين ملازمة البيت وستر الوجه ويظهر من كلام الكاتب أنه منكر لكلا الأمرين لأن المضار التي زعم ترتبها على الحجاب بنى بعضها على الحبس في البيوت وبعضها على عدم كشف الوجه ونريد هنا أن نبين أن كلا الأمرين شرعي يأمر به الدين أما الأول فدليله قوله تعالى (وقرن في بيوتكن) قال العلامة الآلوسي في تفسيره الخطاب للنساء الرسول ﷺ والمراد أمرهن رضي الله عليهن بملازمة البيوت وهو أمر مطلوب من جميع النساء أخرج الترمذي وليزار عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال إن المرأة عورة فإن خرجت من بيتها انتشر فيها الشيطان وأقرب ماتكون من رحمة ربها وهي في قعر بيتها وأخرج البزار عن أنس قال جئن النساء إلى رسول الله ﷺ فقلن يارسول الله ذهب الرجال بالفضل والجهاد في سبيل الله فهل لنا عمل ندرك به فضل المجاهدين فقال ﵊ من قعدت منكن في بيتها فإنها تدرك عمل المجاهدين في سبيل الله تعالى. وقد يحرم عليهن الخروج بل قد يكون كبيرة كخروجهن لزيارة القبور إذا عظمت مفسدته وخروجهن ولو إلى المسجد وقد استعطرن وتزين إذا تحققت الفتنة أما إذا ظنت فهو حرام غير كبيرة وما يجوز من الخروج كالخروج للحج وزيارة الوالدين وعيادة المرضى وتعزية الأموات من الأقارب ونحو ذلك فإنه يجوز بشروط مذكورة في محلها أهم.
وأما الثاني فدليله قوله تعالى (قل للمؤمنين بغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم أن الله خبير بما يصنعون. وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولايبدين زينتهن إلا ماظهر منها إلى آخر الآية) - (قال الألوسي قي سبب نزول هذه الآية) أخرج إبن مردوية عن علي كرم الله وجهه_قال مر رجل على عهد رسول الله ﷺ في طريق من طرقات المدينة فنظر إلى امرأة ونظرت إليه فوسوس لهما الشيطان أنه لم ينظر أحدهما إلى الآخر إلا إعجاباً به فبينما الرجل يمشي إلى جنب حائط وهو ينظر إليها إذا استقبله الحائط فشق أنفه فقال والله لا أغسل الدم حتى آتي رسول الله ﷺ فأخبره أمري فأتاه فقص عليه قصته فقال النبي صلى الله عليه
стр. 156
وسلم هذا عقوبة ذنبك وأنزل الله تعالى الآية)
بدأ الله سبحانه الآية بالإرشاد إلى غض البصر لما في ذلك من سد باب الشر فإن النظر سهم مسموم من سهام ابليس وهو بريد الزنا ورائد الفجور ولله در من قال:
والمرء مادام ذا عين يقلبها ... في أعين العين موقوف على الخطر
يسر ناظره ما ساء مهجته ... لا مرحباً بسرور عاد بالضرر
فأوجب غض البصر عما يحرم النظر إليه_وجاءت السنة السنية بالعفو عن نظرة الفجأة التي لاتعمد بها قال ﵊
(لاتتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليس لك الآخرة).
ومحل الاستدلال على المدعى قوله تعالى (ولا يبدبن زينتهن إلا ما ظهر منها) قا القاضي البيضاوي في تفسيره (ولا يبدين زينتهن) كالحلي والثياب والأصباغ فضلاً عن مواضعها لمن لا يحل أن تبدى له (إلا ما ظهر منها) عند مزاولة الأشياء كالثياب والخاتم فإن في سترها حرجاً وقيل المراد بالزينة مواضعها على حذف المضاف أو ما يعم المحاسن الخلقية والزينة_والمستثنى هو الوجه والكفان لأنها ليست بعورة_وإلا ظهر أن هذا في الصلاة لا في النظر_فإن كل بدن الحرة عورة لا يحل لغير الزوج ومحرم النظر إلى شيء منها إلا للضرورة كالمعالجة وتحمل الشهادة.
وقال الزمخشري في الكشف لزينة ماتزينت به المرأة من حلي أو كحل أو خضاب فما كان ظاهرا منها كالخاتم والفتخة والكحل والخضاب فلا بأس بإبقائه للأجانب_وماخفي منها كالسوار والخلخال والدماج (٣) أو القلادة (٤) والإكليل (٥) والوشاح (٦) والقرط (٧) فلا تبديه إلا لهؤلاء المذكورين.
وذكر الزينة دون مواقعها للمبالغة في الأمر بالتصون والتستر لأن هذه الزينة واقعة على مواضع من الجسد لايحل النظر إليها لغير هؤلاء وهي الذراع والساق والعضد والعنق والرأس والصدر والأذن فنهي عن إبداء الزينة نفسها ليعلم أن النظر إذا لم يحل إليها لملابستها تلك المواقع بدليل أن النظر إليها غير ملابسة لها لا مقال في حله كان النظر إلى المواقع أنفسها ممكناً في الحظر ثابت القدم في الحرمة وشاهداً على أن النساء حقهن أن يحتطن في سترها ويتيقن الله في الكشف عنها.
стр. 157
وكلام البيضاوي مبني على مذهب الإمام الشافعي ﵁ من أن الوجه والكفين عورة في غير الصلاة_وكلام الزمخشري مبني على مبنى الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه_من أنهما ليسا بعورة مطلقاً وفي ظاهر القولين خلاف لكن متى علمت أن مذهب الإمام أبي حنيفة معلل بالضرورة ومقيد بعدم خوف الفتنة وأن مذهب الإمام الشافعي جواز النظر للضرورة كما رأيت في عبارة البيضاوي سهل عليك أن تحكم بأن القولين يؤديان إلى نتيجة واحدة_ألا وهي عدم جواز النظر - لأن شرط أمن الفتنة مفقود التحقق في هذا الزمان.
وقد نص السادة الحنفية على أن الشك في حصول الفتنة موجب للتحريم_قال في الدر المختار_فإن خاف الشهوة أوشك امتنع نظره إلى وجهها (أي الأجنبية) فحل النظر مقيد بعدم الشهوة وإلا فيحرم وهذا في زمانهم أما في زماننا فممتنع من الشابة قهستاني وغيره.
وقال الله تعالى في حق نساء النبي ﷺ (وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب) - قال الألوسي في تفسير هذه الآية أخرج البخاري وابن جرير وابن مردوية عن أنس ﵁ قال قال عمر ابن الخطاب ﵁ يارسول الله يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فأنزل الله تعالى آية الحجاب وأخرج ابن جرير عن عائشة أن أزواج النبي ﷺ كن يخرجن في الليل إذا برزن إلى المناصع وهو صعيد أفيح وكان عمر ابن الخطاب ﵁ يقول للنبي ﷺ أحجب نسائك فلم يكن رسول الله رسول الله ﷺ يفعل فخرجت سودة بنت زمعة ليلة من الليالي عشاء وكانت امرأة طويلة فناداها عمر ﵁ بصوته الأعلى قد عرفناك ياسودة_حرصاً على أن ينزل الحجاب فأنزل الله تعالى الحجاب وذلك إحدى موافقات عمر رضي الله عته وهي مشهورة.
وقال الله تعالى (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين) _ذكر العلامة الواحدي في أسباب النزول قال كانت نساء المؤمنين يخرجن بالليل إلى حاجتهن وكان المنافقون يتعرضون لهن ويؤذوهن فنزلت هذه الآية وقال السدي كانت المدينة ضيقة المنازل وكان النساء إذا كان الليل خرجن فقضين الحاجة وكان فساق المدينة يخرجون فإذا رأوا المرأة عليها قناع قالوا هذه حرة
стр. 158
فتركوها وإذا رأوها بغير قناع قالوا هذه أمة فكانوا يراودونها فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وجلابيب جمع جلباب وهو على ما روي عن ابن عباس الذي يستر من فوق لأسفل ولإدناء التقريب وضمن معنى الإرخاء والسدل ولذلك عدي بعلى وفي الكشاف معنى بديني عليهن يرخين عليهن يقال إذا دلَ الثوب عن وجه المرأة أدنى ثوبك على وجهك.
والمراد بعليهن على جميع أجسادهن وقيل على رؤوسهن أو على وجوههن لأن الذي كان يبدو منهم أما كيفية هذا الستر في الجاهلية هو الوجه فقد اخرج ابن جرير عن محمد ابن سيرين قال سألت عبيدة السلماني عن هذه الآية فرفع ملحفة كانت عليه فتقنع بها وغطى رأسه كله حتى بلغ الحاجبين وغطي وجهه وأخرج عينه اليسرى من شق وجهه الأيسر ويوجد روايات أخر في الكيفية قريبة في المعنى مما ذكر
هذا غيض من فيض مما يمكن أن يستدل به من كلام الله وسنة رسوله على مشروعية الحجاب وقد وعدنا أن لانرد على الكاتب فيما رآه من مضار الحجاب ويكفينا أن نبين للقراء أن الله أمر به ولاشك أن القارئ المسلم يكتفي بذلك ويعلم أن الله لم يشرع لعباده إلا مافيه خيرهم وسعادتهم ويحسن بنا أن نختم مقالنا بقصيدة منقولة من المجلد (١٢) ص (٣٥١) من مجلة (المنار) في الحجاب من نظم أحد أدباء العراق في معارضة بعض شعراء العصر قال:
لنعم مؤدب الخفرات ... يقمن به إلى يوم الممات
يقرن به كواكب في بروج ... ولايعدونه متبرجات
فمالك ياغيور نظمت شعراً ... نثرت به عقود البينات
تعرض في نساء القوم قدماً ... وتعرض عن أوامر صادعات
فقد قال الإله وقرن أمرا ... يؤدب فيه خير الأمهات
فإن تفهم سوى المعنى فبين ... وإن تزعم له نسخاً فهلت
نشدتك هل قصدت بذا بياناً ... على حسن اقتدار والتفات
أواستنبطت ذا من فعل خير ال ... نساء العالمات العاملات
فإن تك أُمَنا في العلم بحراً ... تحل لسائليها المشكلات
فقد كان المعلم خير زوج ... بحجرة بيته لا المدرسات
стр. 159
وقد كان الأولى سئلوا علوماً ... بنيها لاالبعيد من العدات
فمن تغدوا على ال. . . كيما ... تعلم ضرب عودا وكرات
وتأتيها الرجال تنال منها ... فتؤتى في منازلها وتأتي
كمن أخذت عن المختار علماً ... وعلمت البنين أو البنات
قياس لاينسم في هواه ... ولاينساغ في ماء فرات
فهل هذا لعمر أبيك إلا ... كتسوية الذين مع اللواتي
وما ذكر كأنثى نص فيها ال ... كتاب مقال إحدى العالمات
ونقصان النساء حجاً وديناً ... صحيح في مسانيد الروات
أَأُم المؤمنين إليك نشكوا ... مصيبتنا بهتك المؤمنات
يريد الله أن يغضضن طرفاً ... ويدنين الجلابب ساترات
ولا يبدين زينتهن إلا ... لطفل ليس يعلم بالهنات
ويسئلن الالمتاع ورا حجاب ... ويلقين الرجال محجبات
فكيف يليق أن تلقي حجاباً ... وتبرز بين الأعضاء الأُبات
فتلك مصيبة ياأم منها ... تكاد نغص بالماء الفرات
هذا وقد كان لمقالة الكاتب الزهاوي وقع سيء في جميع البلاد الإسلامية وقد ردت عليه كثير من الصحف في سوريا ومصر وغيرها وكما ذكرنا في العدد الخامس أن الحكومة فصلته من وظيفة التدريس وشكرنا عنايتها بالدين المبين.
وكانت الصحف متباينة الفكر فيما فعلته الحكومة فريق يثني عليها ويشكرها وفريق ينتقد عملها ويقول أنه ضغط على حرية الأفكار.
وفصل الخطاب في ذلك ما ذكرته مجلة (المنار) بقلم صاحبها محل الشاهد منه باختصار_قال:
هذه الأحكام التي اعترض عليها الكاتب اعتراض تهكم وازدراء هي من القوانين الشرعية التي يحكم بها في محاكم الدولة الدستورية وهي من دين الإسلام الذي هو الدين الرسمي للدولة العثمانية بمقتضى قانونها الأساسي.
_ وقانون المطبوعات الذي وضعه وأقره مجلس الأمة لا يبيح الاعتراض والتهكم بدين
стр. 160
الحكومة التي يجب عليها حمايته بل ولا بغيره من الأديان التي أقرتها الحكومة الدستورية في بلادها فالدستور العثماني لا يبيح إذاً نشر تلك المقالة التي نشرت باسم الزهاوي فالذي ينتصر له بعد العلم بحقيقة ذنبه في نشرها يكون جانباً على الدستور خارجاً عن محيط الحرية التي يشترط عند جميع الأمم أن لا يتعدى بها حدود القوانين التي عليها العمل.
لو أن الزهاوي اتبع سبيل الحكمة والعقل في اعتدائه حدود القانون والشرع لقال كثير من العقلاء أنه يستحق الرأفة في الحكم. وأين الحكمة والعقل ممن يزعم أنه يريد إصلاح قوم فينكر عليهم ما هو ثابت في أصل دينهم وكتاب ربهم لأنه لا يفقهه ولا يدري ما حكمه إلى أن قال بعد هذا كله_أقول فيما ذكر من عزله واضطهاد الناس له أنه كان ينبغي له أن يسأل أولاً عن هذه المقالة فإن اعترف بأنه هو الكاتب لها فللحكومة أن تعزله قائلة أنه لاينبغي أن يدرس الشريعة من ينكر أصلها إلا حكم وسراجها إلا نور للناس أن ينكروا عليه ذلك إذ لا يأمن آباء التلاميذ على أولادهم من يشككهم في عدل شريعتهم وحقبتها ويجب عليهم شرعاً أن يطالبوا الحكومة بمنعه من التدريس ويجب على الحكومة أن تجيبهم إلى ذلك وإذا رفع أمره إلى القاضي الشرعي وثبت عنده أنه هو الذي تهكم بالشريعة ونسبها إلى الجور والظلم في أحكام الإرث والطلاق وتعدد الزوجات_فعليه أن يحكم بردته ويفرق بينه وبين زوجته إن كانت مسلمة.
стр. 161
المعارف
حالتنا تقضي أن لانغفل هذا الموضوع من العناية بالبحث فيه وفي برنامجه من حيث كونه ممهداً لنشر العلم الصحيح ومفضياً إلى توفير وسائله وتسهيل طرق تحصيله للتمسية ونحن نضم صوتنا إلى أصوات الصحافيين الذين لا يفتؤُن يصرحون بأن بث روح العلم هو أقوى سبب يكفل سلامة المملكة العثمانية ويضمن لها مستقبلاً زاهياً ويعيد لها نضارة العصر الذهبي المأموني الذي لم يزل يضرب به المثل حيث بلغ من مراتب الكمالات العلمية درجة تقطعت دون نيلها إذ ذاك أعناق سائر الأمم شاخصة الأبصار مع قياصرتها وأكاسرتها وعباهلتها تنظر نظر غبطة إلى ذلك الرقي الباهر ولسان حالها يقول (وأين الثريا من يد المتناول) ولا غرو فقد كان المأمون (٣) يستهين بالنفس والنفيس في سبيل العلم ويبذل لأجله كل مرتخص وغال_ولو كان يؤثر على ذلك شحن خزائنه بالأموال واحتجان المسجد والرقة (٤) لما خلدت له في بطون التواريخ ذكرى أياديه البيضاء في سبيل العلم ولا كان الدهر يردد ذكر آثاره الغراء مقرونة بالإجلال والتبجيل ولكان انطوى خبره مع أخبار ملوك اللهو واللعب ولله در القائل:
أنا غدا ملك باللهو مشتغلاً ... فأحكم على ملكه بالويل والحرب
أما ترى الشمس في الميزان هابطة ... لما غدا وهو برج اللهو واللعب
قد ثبت عند جميع الأمم أن نشر المعارف هو مدار الترقي ومناط النجاح ومن استقصى النظر في مجالس جميع الممالك ودوائرها وجد أن المختص منها بالعلوم والفنون هو أكثر انتظاماً وأقوى نهضة وأسرع ترقياً من غيره حتى أن الرجال الذين ينتخبون للمشاريع العلمية أعظم اقتداراً وحزماً وغيرة من سائر رجال الحكومة من حيث المجموع وقد أصبح فلاسفة الغربيين اليوم يقولون من أراد أن يقف على حقيقة أحوال كل مملكة فلينظر إلى معارفها بعد أن كانوا يقولون فلينظر إلى مقدار ما تستعمله من أنواع الجيد لأسلحة الجنود وبناء الأساطيل وسائر أدوات الكر والفر وآلات الهجوم والدفاع ومعدات المعارك والحروب ولا يخفى أنه ليس المراد من هذا إن الدول بأجمعها قد خضعت لكلمة الحق واستسلمت لأحكام العقلاء فلم يبق لها احتياج إلى اعداد ما تستطيعه من القوى لسحق بني أبيهم آدم بدليل أن حكومات الاستعمار لم تبرح تطحن البشر وتحصدهم حصداً في سبيل تمديد نفوذها إلى بلادهم وإدخالهم تحت سلطتها مع الضغط عليهم ضغطاً لا يسوغ العقل
стр. 162
الراجح وقوع مثله على العجماوات وإنما المراد أن المعارف إذا تم انتشارها بين أفراد الأمة وسائر طبقاتها قضى عليها بالاتحاد والوئام وبرهن لها على وجوب السعي في سبيل الاستعداد بإكفاء الرجال وخزائن الأموال وروائع العدد الحربية حيث يمكنها حينئذ أن تحتفظ بكيانها وتصون أوطانها وتقف في أرقى مستوى يتاح للدول الوصول إليه وهانحن ندرك بجميع حواسنا أن كل حكومة تذرعت بوسائل التقدم الدستوري والترقي وأخذت بالحيطة في شؤونها من جميع أطرافها لا تلبث عشية أو ضحاها حتى تثور من مرابضها وتنظر إلى غيرها نظر الساخط الساخر ولسان حالها يملأ الفضاء بمثل قول الشاعر:
وترعى حمى الأقوام غير محرم ... علينا ولا يرعى حمانا الذي تحمى
كما أن الأمم القاصرة المقصرة التي لاتعنى بالمعارف لاتزال إزاء غيرها من الدول القوية خافضة الجناح استكانة ومذلة خافتة الصوت بمثل وقول الشاعر:
إذا مرضنا أتيناكم تعودكمو ... وتذنبون فنأتيكم وتعتذر
وصفوة المقال أن النهضة العلمية هي برهان النجاح وحجة الترقي فما الذي عملناه نحن وحكومتنا الشوروية إزاء هذه النهضة منذ الانقلاب إلى اليوم هذا سؤال يردده كل عثماني يغار على الحكومة والوطن ويعنى بالفحص عن أسرار انحطاط هذه المملكة العثمانية التي قاس سكانها من العناء والبلاء ما لا يعلم به إلا الذي يحيط علماً بالجزئيات والكليات.
ونحن كنا نود أن نصرح هنا بما نشأ عن أعمال نظارة المعارف من التقدم العلمي في هذا الدور الجديد وماذا تجدد فيه من المدارس والمكاتب ودور المعلمين وماالحكمة التي روعيت في تنظيم برنامجاتها وانتخاب أساتذتها ومعلميها مع بيان الكيفية في إلقاء الدروس وإملاء التقريرات كل ذلك كنا نرغب في بسط إيضاحه بسطاً يتمكن المطلع عليه من الوقوف على مقدار الحركة العلمية والإشراف على سير المعارف في المملكة العثمانية بيد أننا نرى عنان القلم ينكمش منقبضاً عن الجري في مضمار هذه التصريحات ويقصر عن بلوغ المدى في ميدان تلك الإيضاحات مع أن في هذا المقام متسعاً للباحثين وكأن اليراع توقع إذا هو استقصى البحث واسترسل في الكلام وخاض هذا الموضوع غير هياب ولا وكل أن يقع في مضيق قانون المطبوعات الذي يصعب التقصي (٣) منه كما يسهل التورط فيه على حد قول الشاعر:
стр. 163
دخولك من باب الهوى إن أردته ... يسير ولكن الخروج عسير
وعلى تقدير السلامة فهل يؤثر مقالنا هذا التأثير الذي تتطال إليه الأعناق وتشرئب نحوه النفوس فيعود علينا بالجدوى (٤) المرغوبة ونجتني من ثمراته ماينسينا مرارة الجهالة التي تجرعتها سكان المملكة العثمانية كارهة مكرهة وتوجرتها (٥) مقهورة مضطهدة (٦) حتى وصلنا إلى زمن تقلصت (٧) فيه عن بلادنا ظلال العلوم الوارفة (٨) وأصبح المستحق لاسم العالم والحاوي لشرف العرفان أعز من الكبريت الأحمر (٩) وقل العلم والعلماء قلة يتضاءل (١٠) لها الإنسان وجلاً وخجلاً من خالقه الذي وهبه ميزة (١١) الاستعداد لنيل مناصب العلوم ومراتب المعارف وطفق مبتغي اقتباس نور العلم يضرب آباط الإبل (١٢) ويجوب فيا في الأقطار العثمانية وهو ينشد ذلك الرجل الذي يقال له على سبيل الحقيقة عالم أخصائي بله المتضلع من جميع العلوم الدينية الشرعية أو الدنيوية العصرية ولو أردنا تعداد العلماء الحقيقيين عندنا في دمشق ذات التاريخ المجيد لما جاوزوا عدد نجوم الثريا على أنها في مقدمة البلاد السورية عناية بالعلوم والمعارف. فحتى متى ونحن نقضي على الجهل وهو الداء الدفين الذي يقتل من كتمه ولم يستطب له والأنكى أن الخطباء والكتاب الذين بحت أصواتهم وكلت أقلامهم وهم يقولون (إلى العلم إلى العلم) قد سهل على المحاولين جوابهم لأنهم إذا أسندوا القصور والاقصار إلى الحكومة وأرادوها على إسعاف الشعب في سبيل التقدم العلمي قيل لهم دعوها وشأنها فهي من أمرها في شغل شاغل ولا ينبغي للشعب أن يتكئ أو يتكل عليها في كل شيئ_وأن أسندوا ذلك إلى الشعب وقصروا الملامة والتبعة عليه قيل لهم أن الشعب ليس عليه إلا أن يقوم بأداء ما تكلفه به الحكومة من الضرائب والرسوم التي تحيي منه باسم المعارف ومن أين للشعب أن يستسهل المصاعب والمتاعب ويقتحم عقبات المشاق الحائلة دون العلم وهو حديث عهد بالنقة من أمراضه الاجتماعية وبالخلاص من أعباء القيود الفادحة (٣) التي ظل يرزح (٤) تحتها ردحاً طويلاً وفي الحقيقة هذه كلها مماحكات ومواربات لاتغني من الحق شيئاً ولئن كانت زخرفة المعاذير الملفقة تفيد في دفع احتجاجات المطالبين بالإصلاح المعنوي وتسكين ضجيج المتبرمين من فشو الجهل فهي ليست تفيد نقيراً ولاقطميراً أمام الخطاب الشرعي القاضي بسؤال كل راع عن رعيته وبفرضية العلم على كل أحد وبأعداد ما في الوسع
стр. 164
والطاقة من القوى وبوجوب التحرز والاحتياط من الأخطار والمهالك ونحو ذلك مما لايتوصل إليه إلا من طريق العلم فالعلم هو سبيل السعادة التي هي الضالة المنشودة لكل فرد من أفراد البشر ولسنا نعني علماً مخصوصاً بل نريد جميع العلوم سواء كانت دينية أو دنيوية_أما الدينية فوجوبها على كل إنسان لايحتاج إلى بيان_وأما الدنيوية أو العصرية فقد أصبحت اليوم من قبيل القوى التي أمرنا باعدادها وليس في المملكة العثمانية من مدارس الفنون العصرية ما يفي بالغرض ويكفي الناشئة ويكون فيه سداد من عوز يقوم بمطالب الشعب_اللهم إلا ما تأسس وافتتح قديماً وحديثاً من المدارس الأجنبية والمكاتب الافرنجية التي لا أثر فيها لغير أيدي الأجانب وهذه لاثقة لنا ولا لحكومتنا بإخلاصها في خدمة ناشئتنا الذين يطلق عليهم بالنسبة إلى أصحاب تلك المدارس الأجنبية أنهم أولاد الأجانب كما يقال لهم أبناء العثمانيين ولا ندري بعد ذلك كيف يرجى سلامة عقيدتهم ووطنيتهم من الفساد إن لم ينقلبوا أعداء مبغضين لنا ولحكومتنا بعد أم كانوا أبناءنا وأخواننا المحبين لنا والمحبوبين عندنا والمنضوين (٣) معنا تحت ظل الهلال العثماني فلا نشعر إلا وقد خرجوا من تلك المدارس وقلبوا لنا ظهر المحن ويصبح أحدنا وهو يقول بلسان حاله لابنه أو أخيه أو غيرهما.
وأنت امرؤ منا خلقت لغيرنا ... حياتك لا نفع وموتك لا ضر
وإذا كان مثل ملك الجبل الأسود يقول لأولاده اذهبوا إلى أوروبا واجتهدوا على تحصيل العلوم وبلوغ الغاية منها لكن بشرط أنكم تتعهدون أن تعودوا إلينا بعد انتهاء تحصيلكم وأنتم في ذلك الحين على ماأنتم عليه الآن من الإخلاص لبني قومكم وصدقكم في حب وطنكم هذا (الجبل الأسود) وبقاء غيرتكم الليلة فإن رجعتم هكذا فعلى الرحب والسعة حيث نحتفل باستقبالكم ونكرم ملقاكم ويكون قدومكم علينا حينئذ بمنزلة أجمل مواسم الأفراح والمسرات وأما إذا رجعتم على العكس من ذلك فليس لكم عندنا جزاء إلا القتل والإعدام هكذا قال ملك الجبل الأسود لأولاده حين أرسلهم إلى مدارس الأجانب فنحن ماذا قلنا وماذا نقول لمواطنينا الذين لم يزالوا حتى الآن يهاجرون من بلاد سورية وغيرها إلى أمير كاوسواها من بلاد الغربيين ألا يحق لنا أن نعتبر بما نسمعه من صدى تصريحات بعض المنسلخين عنا بعد أن شبوا وترعرعوا في حجر البلاد العثمانية أليس لنا عبرة في هذه القاعدة الجديدة التي
стр. 165
اخترعت في أوروبا وأصبحوا يبثون روحها الخبيثة في أجسام مواطنينا الذين هم بين ظهرانيهم فيقولون لهم (وطن المرء حيث يعيش لا حيث ينشأ) ويدعمونها لهم * * * * * * * * * *
والأضاليل التي لا يغتر بها إلا البله والصبيان إلا أن الاستهانة بها وعدم الاحتياط لها ليسا من الحزم (فمعظم النار من مستصغر الشرر) ولاشك في اهتمام حكومتنا بدوام المحافظة على تقوية علائق الجامعة الإسلامية والرابطة العثمانية وإذا كان كذلك فيتحتم عليها مؤازرة المدارس الدينية والوطنية والمبادرة إلى تسهيل وسائل التحصيل فيها بحيث يؤمن على المتخرجين فيها من فساد العقيدة والوطنية فهل لنظارة المعارف ورجالها أن يبرهنوا لنا على القيام بالتدابير الفعالة إزاء هذا الخطر الذي يهددنا بخسران ناشئتنا ورجالنا خسراناً يؤدي إلى نقص مادي ومعنوي.
وإذا تأملنا في سر تخصيص شؤون المعارف بدوائر ومجالس رسمية وجعل إرادتها منوطة برجال لهم الصلاحية نقضاً وإبراماً في كل مايتعلق بالمعارف عرفنا أن للحكومة دخلاً وتأثيراً في تنوير الأفكار وتوسيع المدارك أو طمسها وحصرها في دائرة ضيقة وإلا فما معنى وزير نظارة المعارف ورجاله في القسطنطينية ومامعنى مدير مجلس المعارف وأعضائه في كل ولاية عثمانية وهلم جرا إلى آخر الشؤون العلمية الرسمية وسائر رجالها الرسميين وإذا كانوا يعتذرون لفشوا الجهل في الدور الغابر بضغط المابين فيما يعتذرون في هذه المادة الجديدة التي لم تشاهد فيها من النهضة العلمية غير الأقوال والمواعيد والأعمال التي يشهد العقل بعقمها وسقمها أو قلة نتائجها فإن كانوا يعتذرون بارتباك الدولة وكثرة مشاغلها ومشاكلها فهم لا دخل لهم بشيء من ذلك * * * * * * * بغير وظائفهم التي إذا قاموا بحقوقها ظهرت نتائجها لإلجام كل معترض عليهم وإفحام كل من يدعي عجزهم أو تهاونهم_فالواجبات الملية تقضي على ناظر المعارف ثم على بقية رجالها أن يبرهنوا للملأ على رؤوس الاشهاد فعلاً لا قولاً بأن زمن الشورى هو زمن النور والعلم والعدالة وبأن رجال الشورى يحرصون على تثقيف أبناء المملكة وتهذيبهم وتعليمهم ويريدون لهم الخير بكل معنى الكلمة لا كالحكومات الغاشمة التي تحرص على بقاء الجهل فاشياً بين جميع طبقات شعوبهم ليصطادوا في الماء الرنق الكدر ومما لم نفهم معناه في هذا
стр. 166
الزمان النوراني أن تصرف في العاصمة بعض الرسوم التي تجبى من الولايات وغيرها باسم المعارف وتنفق على ناشئة العاصمة مع غناهم وثروتهم وفقرنا وإملاقنا بالنظر إلى المجموع وإذا كان ناظر المعارف مضطراً إلى سلوك هذه الخطة فلماذا لم يحتج كما احتج غيره من النظار أو لماذا لم يعلن استعفاءه مصرحاً بعدم استحسان هذه العادة القديمة كما فعل غيره من الوزراء فلم يقبل استعفاؤه فخرج فائزاً بالظفر ونجح في كل ما طلب ولعل مبعوثينا يتعقبون كل هذه الدقائق ويكشفون لنا عنها حجاب الخفاء فإن الشورى مبنية على حكم الشعب الذي ينبغي أن يقف على تفصيل كل شيء من أحوال المملكة_وأما البقاء على إهمال شؤون المدارس الدينية وعدم تنظيمها وقلة العناية بها فقد استاء منه كل محب لخير بلاده ولاسيما أهل العلم والمنتمين إليه ولا يمكن لرجال الدين وسائر العلماء أن يتنصلوا من التقصير في هذا الصدد وإلا فأين المتصدون منهم لأداء واجب الأمة من إرشادهم إلى قرار الدين وحكمه ومواعظه وسائر ما يتعلق به مما يكفل لنا المراد به سعادة الدارسين وخص هنا بالذكر علماء الكلام الذي هو أساس الدين وأصله فما كان يجب على شيوخنا وأساتذتنا أن يتخولوا الناس بالنصائح الحسنة ولاسيما فيما يتعلق بالعقائد التي لم تزل تكثر طرق الفساد المتطرق إليها والشبهات الطارئة عليها أما كان عليهم أن يثمروا المساجد والمدارس بمثل هذه الدروس التي هي في المقام الأول بالنسبة إلى غيرها_أما كان على كل رئيس مدرسة أن يكون لديه نظام وقانون يحملان مرؤوسيه على حسن السلوك والاستقامة والمحافظة على أوقات الدروس والمطالعة والمذاكرة أما كان على رجال المدارس وكبار العلماء أن يتفاوضوا فيما يعود على الوطن بالنجاح العلمي ويحملوا الحكومة على وضع مقرراتهما موضع الاعتبار_ما كان عليهم أن يحثوا الأهالي على مواساة المتقين الذين يطلبون العلوم أناء الليل وأطراف النهار وليس لهم من المال إلا ما يطالونه من الصدقات والتبرعات التي تأتيهم على سبيل المصادفة وهكذا الواجبات التي لامجال لاستيفائها وختام المقال،
إن دام هذا ولم يحدث له غير ... لم يبك ميت ولم يفرح بمولود
دمشق. ع
стр. 167
أيتها الناشئة
حضرة الأفاضل الأجلاء أصاب مجلة الحقائق لازال سعيكم مشكوراً ومجلتكم نوراً أرجو درج الأبيات الآتية في مجلتكم خدمة لدين والله لا يضيع أجر المحسنين.
ويلٌ لكل معاند ومعطل ... من لم يقر بخالق صمد علي
تباً له قال الطبيعة أوجدت ... تلك العوالم من أثير ول
وعزا أوعزا إلى الأسباب خلق مسبب ... إذا لم يصل إدراكه للأول
ويخال أن العقل منه منور ... كلا ولكن مظلم بتخيل
هل للطبيعة فكرة وإرادة ... فأتت بذا الصنع البديع الأكمل
أو شاهد الأكوان حين حدوثها ... في العالم العلوي أو في الأسفل
بل ضل فكرا وهو يحسب أنه ... حسن فيا خسران كل مضلل
فليأت بالبرهان أن يك صادقاً ... هيهات برهان لدعوى المبطل
برهانه آوربا قالت هكذا ... أو لو أتت بزخارف وخزعبل
هم أنكروا ما غاب عن إدراكهم ... وغدوا أسارى الحس للشيء الجلي
أفكلما قد سطروا أسطورة ... يتشدقنَّ بها بدون تعقل
حتى يخادع نفسه لقبولها ... إذ أن فطرته بذا لم تقبل
* * *
قوم أرادوا حل رابطة لنا ... فرأوه في إفساد بن أفضل
فسعوا ليخفوا فضله بتقول ... سعياً لستر ضيا النهار بأسدل
خسئوا فقد وعد الإله بحفظه ... من كل تغيير له وتبدل
وأتوا بذم العالمين بحكمه ... كي يصرفوا عنهم قلوب الغفل
يم ينقموا منهم سوى إذ أنهم ... نور بهم ظلم الضلالة تنجلي
* * *
دسوا بدعوى العلم سم تفلسف ... فسرى الذهن بليدنا المتعقل
فنراه صار أسير تقليد لهم ... لكن بعادات لهم لم تجمل
هلا يقلدهم بفن نافع ... كالدر يلقط من مكان أرذل
إذ قد ترقوا في أتم صناعة ... وهمموا عن الخلق الكريم بمعزل
стр. 168
أيظن فعل الملهيات تمدنا ... شتان بين تمدن وتعطل
ليس التمدن غير فعل تعاون ... في كل خير للسعادة موصل
* * *
سمى اجتناب المنكرات تعصباً ... ما ضر قبح اسم لمعنى أجمل
إن كان ترك المنكرات تعصباً ... أجمل به وصفاً لذاك وأكمل
كم يدعي إصلاح أوطان وقد ... أضحى غريق مآثم وتسفل
من كان عن إصلاح نفسه قاصراً ... هل يصلحن الغير ما لم يكمل
أو كان في تيه الضلالة هائماً ... هل يهدين إلى الطريق الأعدل
* * *
ومن البلاهة أن يقول تفرنجاً ... الذين يمنع من ترقّ للعلى
الدين يأمرنا بكل فضيلةٍ ... ما بعدها إلا رذيلة أجهل
أو صح ذلك لما ارتقت أسلافنا ... بالدين أسمى رتبة لم تجهل
ذا مانع لو كان ديناً باطلاً ... لادين حق بالرقي متكفل
هو دين الإسلام الذي ضاءت ال ... آفاق علماً بعد جهل الليل
وهو الذي منح النهي حرية ... إذ قد نهى عن ذلة وتذلل
ما قال ذا الشدة جهله ... في فضل أحكام الكتاب المنزل
في (لبس للإنسان إلا ما سعى ... وتعاونوا) سر الرقي الأمثل
قول كريم فيه إرشاد إلى ... إن ليس ترك السعي قط بتوكل
لازال شمس هداية وسعادة ... قبل الكنود الوغد أم لم يقبل
دمشق
م ح خ
стр. 169
أعظم رجل في العالم
سألت جريدة الوطن فريقاً من الأفاضل عمن هو أعظم رجل في العالم ولماذا فوردت إليها أجوبة نأخذ منها جواب الكاتب الفاضل داود أفندي مجاعص قال: من هو أعظم رجل في العالم ولماذا؟
أعظم رجال العالم على الإطلاق رجل وضع في عشر سنين ديناً وفلسفة وشريعة اجتماعية وقوانين مدنية وغير شريعة الحرب وأنشأ أمة ودولة طاولت الدهر وكان أمياً، ذلك هو:
محمد بن عبد الله بن عبد المطلب
القرشي العربي بين المسلمين
وقد تدارك النبي لمشروعه العظيم كل حاجاته فوفر لأمته ولتابعيه وللملك الذي أنشأه أسباب الانتشار والخلود بحيث إذا انقطع المسلم على القرآن والحديث وجد فيهما ما يهمه من أمر دينه ودنياه وجعل للمسلمين مؤتمراً ينعقد كل عام في مكة ومن تنبه إلى فرض الحج على من يملك الراحلة والنفقة وإسقاطه عمن لا يملكها أدرك أن الغاية من الحج اجتماع الموسرين والوجوه من الأمة للبحث في شؤون جامعتهم وأمور سياستها واجتماعها وتعاونها وتدارك أمر الفقير بالزكاة المفروضة على كل مسلم بحيث إذا أداها المسلمون على حقها لم يبقَ في الأمة فقير.
وجعل نواة لبداية للإسلام بكون القرآن كتاباً عربياً يتحتم على كل مسلم أن يتفهمه بلغة العرب إذا لم يكن في هذا غير أن فهم العربية حتم على كل عالم وأمام لكفى به جامعة لسان المسلمين.
ومهد طريق النبوغ لأفراد الأمة بكون المسلم لا يفضل المسلم إلا بالتقوى فكان الإسلام جمهورية حقيقية يختار المسلمون رئيسها الذي هو الخليفة وقد ساروا على هذه السنة حيناً من الدهر ولن تزال المبايعة بالخلافة رمزاً من رموزها وسهل اعتناق الإسلام لغير العرب بقوله لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي.
ويسر لغير المسلمين العيش برخاء في بلاد الإسلام بقوله (الخلق كلهم عيال الله حبهم غليه أنفعهم لعياله) ونظر في أمر (العائلة) فرتب أمور الزواج والتناسل والتوارث ورفع من شأن المرأة.
стр. 170
وعاد إلى الأمور المدنية فوضع قوانين وقضاء للنظر في شؤون الأفراد ولم يهمل مالية الدولة بل وضع سناً لبيت المال وكان للعلم من همته نصيب وافر فجعل الحكمة ضالة المؤمن وأوصاهم بأن يطلبوا العلم ولو بالصين فكان لهذه الوصية شأن عظيم في اقتباس المسلمين العلم من كل أبوابه وازدهاره في أيامهم أفلا يكون الذي فعل كل هذا أعظم الرجال؟ (الحقائق)
نبينا ﷺ أفضل البشر على الإطلاق بإجماع المسلمين وهذا الجواب شهادة له من غير المسلمين نشرناه ليعلم الناس أن اعتقاد المسلمين بنبيهم ما ذكر ليس من باب استحسان الإنسان ما ألفه بل من الحقائق المثبتة بالأدلة التي يشهد الموافق والمخالف وإننا حمدنا من الكاتب حرية ضميره ومجاهرته بما يتقد وعدم خوفه في سبيل الصدق ملام اللائمين وتعنت المتعصبين واستبشرنا بأن هذه الشهادة ستكون مقدمة لغيرنا من نوعها فيسود في العالم معرفة قدر هذا النبي الكريم والرسول العظيم.
стр. 171
مناظرة بين عالمين
كنت ذكرت أن سماحة قاضي مصر الآن عبد الرحمن أفندي نسيب لم يحكم بالإفطار ليلة عيد الفطر الماضي سنة ١٣٢٨ بناء على ورود التلغراف بذلك كما عزاه غليه بعض الجرائد ونقله عنها الشيخ جمال أفندي واعتمد عليه في فتواه بالعمل به في الصوم والفطر وإنه إنما كان إفطار أهل مصر بمجرد إشعار محافظها بضرب المدافع بثبوت هلال شوال من غير حكم شرعي من قاضي مصر المشار إليه بل باستناد محافظها على تلغراف ورد إليه من حافظ الإسكندرية. وهاك ما يثبت ذلك لما رأيت البحث جرى في الجرائد في هذه المسألة ونسب على القاضي المشار إليه الحكم به وكان مغايراً لما عليه مقلد والإمام الأعظم أبي حنفة رضي الله تعالى عنه والقاضي مولى على أن يحكم بأصح أقوال الإمام أبي حنيفة ﵁ لم أصدق أنه حكم بغير ما هو المذهب أصلاً ولا بما ينطبق على قواعده فكتبت إليه استجليه حقيقة الأمر فورد إلي الجواب بخطه مذيلاً بتوقيعه وهذا نص تجريره أعرض عن شأن ثبوت هلال شوال الذي جرى هنا ففي اليوم التاسع والعشرين من شهر رمضان المبارك بعد المغرب اجتمعنا في المحكمة الشرعية مع علماء مصر ومن بينهم شيخ الجامع الأزهر ومفتي الديار المصرية وانتظرنا إلى الساعة السادسة العربية وما جاء الشهود وقلنا إن جاء خبر من أقطار مصر نلاحظ وانصرفنا وفي الساعة الثامنة جاء تلغراف من أصوان بثبوت هلال شوال المكرم وما فعلنا شيئاً وبعد ساعة جاء تلغراف إلى المحافظة من مدير أصوان وبلغت المحافظة إلى داعيكم وما قلنا بثبوت هلال شوال وبعد ساعة جاء تلغراف من رئيس النظار في الإسكندرية قبل هذا وضربت المدافع وسألتني المحافظة فقلت نحن لا نقدر ن نحكم وعلى هذا قال المحافظ ونحن نأمر بضرب المدافع فقلت أنا لا آمر أنتم علم وذهب وضرب المدافع وبعد ساعتين جاء الخبر من مواقع كثيرة واشتهر هذا ما جرى هنا وقاضي الإسكندرية قائل بثبوت شوال بالتلغراف لأنه يعتبر التلغراف كخبر الواحد لكن هذا أن صح ينطبق في شهر رمضان لا في شوال حرر في ١٦ تشرين الثاني سنة ٣٢٦ التوقيع. (عبد الرحمن نسيب)
فعلم منه أن الإيذان بالإفطار يوم الثلاثين من رمضان المذكور لم يكن عن ثبوت شرعي ولا عن حكم حاكم شرعي بل كان بمجرد رأي محافظ مصر واستحسان هوهذا الذي نخاف أن نصل إلى مثله فتصير أحكام الدين بيد الحكام الجاهلين المستبدين المفتاتين في أحكام
стр. 172
الدين على الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم فحيا الله قاضى مصر المشار إليه. ولله دره من مسلم لم يخف غير الله.
هذا وقد رأينا في عدد ٦٨٦ من جريدة الاتحاد العثماني أن الشيخ جمال أفندي السابق الذكر قد أرسل إلى شيخ الإسلام كتاباً خاصاً يسأله فيه عن حكم التلغراف في إثبات الصوم والإفطار وأورد إليه نصوص من أفتى بهذه المسألة من العلماء ثم لخص السؤال على طريق الفتاوى وذكر صورة السؤال إلخ فنقول أن بعثه كتاباً خاصاً لشيخ الإسلام وإيراده له نصوص من فتى بهذه المسألة من العلماء واستفتأه منه ليس يجدي نفعاً إذ العلماء أياً من كانوا لايلتفت إلى أقوالهم ولا إلى فتاويهم إذا خالفوا أئمة مذهبهم فشيخ الإسلام وأمين الفتوى ومن في معينة من فحول العلماء لا يلتفتون إلى مثل هذه الأقاويل ولا ينظرون إليها نظر اعتماد بل يقصرون النظر على المفتى به من مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه ولذا كان من القواعد المقررة بين المفتيين والعلماء أن يغزوا القول إلى من قاله وأفتى به على أن الكتابة لشيخ الإسلام كالكتابة لبيت الفتوى لأن القاعدة أنه يحول على دار الفتيا وقد أرسلنا سؤالاً إليها بواسطة أحد علماءالاستانة الأفاضل وهذا نصه (ما قول مولانا شيخ الإسلام ومفتي الأنام حفظه الملك السلام فيما إذا ورد تلغراف بثبوت رمضان أو شوال والحكم به من حاكم شرعي في بلد ثبت عنده رمضان أو شوال بالطريق الشرعي على حاكم شرعي في بلد أخرى فهل لا يجوز للحاكم الشرعي الذي ورد غليه التلغراف من الحاكم الذي ثبت عنده وحكم بموجبه أن يحكم بثبوت رمضان أو شوال سواء كان في السماء علة ولا بناء على التلغراف الوارد إليه من ذلك الحاكم المذكور لأن التلغراف لا يكون مداراً للثبوت والحكم شرعاً وقد أخذت منه جواباً مختوماً يقول فيه أن باب المشيخة قنن لدار الفتوى أن لا تفتي تحريراً لكل مستفت بصورة غير رسمية إلا شفاهاً وأما جواباتها التحريرية فلابد أن يكون فيها السؤال والاستفتاء رسمياً أعني أن يستفتي الحاكم الشرعي وصدق أكبر مأمور ملكي في محل ولاية ذلك الحاكم الشرعي المولى فيه مثل الوالي والمتصرف والقائم مقام ولا يكون الاستفتاء إلا تحريراً حتى لوسائل الوالي مع القاضي بالتلغراف الرسمي لا يجاوبونهم على سؤالهم بل يجاوبونهم أن أسئلوا تحريراً (ومع هذا فقد استفتينا شفاهاً لمسألتكم فقالوا لا نجيب على السؤال التلغرافي أبداً
стр. 173
وهم متعصبون في هذه المسألة فلله الحمد على وجود رجال يحامون عن الدين رضي الله تعال عنهم في ٤ محرم الحرام سنة ١٣٢٩.
بقى أني لما وجدت بعض من لهم تعلق بالشيخ جمال أفندي المومى إليه يسعون فساداً بيني وبينه أحببت أن أزوره إذ لم تكن المناظرة غلا لإظهار الحق لا لأمر ذاتي بيننا فتذاكرنا وسألته عما كنت سألته عنه أولاً (هل هو مجتهد أم لا) فقال لست مجتهداً لكني أقلد الإمام الأعظم الشافعي ﵁ وقد أقلد غيره من الأئمة في بعض المسائل فقلت له وفي معظم أعمالك تقلد من منهم فقال الإمام الأعظم الشافعي فقلت إذاً أنت شافعي فقال نعم وقد أخبرني أنه أتم تأليف رسالة في هذا الموضوع فلذا ترجح عندي التربص بالتكلم على الفتاوى التي استند عليها وكنت وعدت بالرد عليها ريثما تصل إلينا هذه الرسالة وبالله التوفيق ربنا عليك توكلنا وغليك أنبنا وإليك المصير.
دمشق محمد
عارف المنير الحسيني
стр. 174
التاريخ
تابع ترجمة أبي بكر ﵁
خير موضوع يخوض فيه الكتاب في هذا العصر هو ما يذكر المسلمين بعزهم السابق، ومجدهم السامق، ويبعث في نفوسهم الرجاء والأمل بأن المستقل الزاهر لهم إذا نهضوا من رقادهم واقتدوا بأسلافهم، وتسربلوا حلل الأخلاق الإسلامية، وتمسكوا بالشريعة المحمدية، فلا غر وإذا أرسلنا عنان القلم في بحث حروب أبي بكر وفتوحاته ليكون ذكرى للمسلمين يعملون بها أن سلفهم قد افتتحوا هذه الأقطار بالعدل والحزم. والتضامن والتناصح. لا بالتخاذل والتدابر كما هو جار بين المسلمين الآن مما تذرف له العيون وتضيق به الصدور.
نرى أن الشارع قد أمرهم بالاتحاد والائتلاف فما بالهم يتفرقون؟
نرى أن الشارع قد أمرهم بأعداد القوى ما استطاعوا فما بالهم لا يعدون؟
نرى أن الشارع قد أمرهم بالصدق في العزيمة فما بالهم يترددون؟ نرى أن الشارع قد أمرهم بالإقدام والعمل فما بالهم يحجمون؟ إن القلب لينفطر حين يعدد هذه الأدواء التي ألمت بالمسلمين ويتلمس لها الدواء فلا يكاد يجده بلى أن دوائهم الناجع هو النظر في سيرة أسلافهم وماكانوا عليه وكيف جابوا أطراف المعمور داعين على الحرية والعدل والدين الحق وكيف تسنى لهم أن يدوخوا أقوى دول الأرض في زمن يسير ثم يسيروا سيرهم ويحسنوا الاقتداء بهم وبذلك تعلو مكانتهم بين الأمم ويرتقون إلى أوج من الحضارة لا ينال وفي الجملة فإن في نشر سيرة عظماء المسلمين بين طبقات الأمة سواء في ذلك حروبهم وأخلاقهم ومآثرهم وأعمالهم ما يدفع بهم على الاقتداء وذلك مفيد ونافع في إيقاظ شعور الأمة.
وها نحن نذكر ما قام به أبو بكر ﵁ من الحروب والفتوحات قياماً بواجب لتذكير وإيفاء بحق الترجمة لأن أولى ما يترجم به الرجل أعماله.
إنفاذ جيش أسامة
أول ما قام به أبو بكر ﵁ بعد وفاة النبي ﷺ إنفاذ جيش أسامة الذي جهزه رسول الله ﷺ قبل وفاته وأمره أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء
стр. 175
الداروم من أرض فلسطين واختلف الصحابة في إنفاذه كما قدمنا صحيفة (٦٤) فسيره في اليوم الثالث من وفاة النبي ﷺ فشن الغارة على ذي المروة والوادي وانتهى إلى ما أمره به النبي ﷺ فسلم وغنم وكان فراغه في أربعين يوماً سوى مقامه ومنقلبه راجعاً وكان إنفاذ هذا الجيش من أعظم الأمور نفعاً للمسلمين فإن العرب قالوا لو لم يكن بهم قوة لما أرسلوا هذا الجيش فكفوا عن كثي مما كانوا يريدون أن يفعلوه.
لما توفي رسول الله صلى الله علي وسلم وسير أبو بكر ﵁ جيش أسامة تضرمت الأرض ناراً وارتدت قبائل العرب عامة أو خاصة إلا قريشاً وثقيفاً وكان العرب في ذك على قسمين فمنهم التارك للدين بالمرة وهم بنو طئ وأسد ومن تبعهم من غطفان الذين اتبعوا طليحة بن خويلد الأسدي وبنو حنيفة الذين اتبعوا مسيلمة وأهل اليمن الذين اتبعوا الاسود العنسي وكثير غيرهم ومنهم المعطل للزكاة وهم بعض بني تميم الذين يرأسهم مالك ابن نويرة وبنو هوازن وغيرهم وقدمت كتب أمراء النبي صلى الله علي وسلم من كل مكان بانتقاض العرب عامة أو خاصة وتسلطهم على المسلمين وظهر النفاق واشرأبت يهود والنصرانية وبقي المسلمون كالغنم في الليلة المطيرة لفقد نبيهم وقلة عددهم وكثرة عدوهم. قال ابن مسعود ﵁ لقد قمنا بعد رسول الله صلى الله علي وسلم مقاماً كدنا نهلك فيه لولا أن من الله علينا بأبي بكر أجمعنا على أن لا نقاتل على ابنة مخاض وابنة لبون وأن أكل قرى عربية ونعبد الله حتى يأتينا اليقين.
فعزم الله لأبي بكر على قتالهم فو الله مارضي منهم إلا بالخطة المخزية أو الحرب المجلية فأما الخطة المخزية فإن يقروا بأن من قتل منهم في النار ومن قتل منا في الجنة وأن يدو واقتلانا ونغنم ما أخذنا منهم وأن ما أخذوا منا مردود علينا وأما الحرب المجلية فإن يخرجوا من ديارهم.
هكذا تسعد الأمم وتشقى بقادتها وزعمائها فأنت ترى أن كثيراً من الصحابة ارتأوا عدم محاربة من أبى دفع الزكاة من أهل الردة وما ذلك الاجتهاد منهم وضن بدم المسلمين عن أن يهراق بطلب فرض مالي منعته العرب مع إقرارهم بالشهاة وقد استدلوا بقوله صلى الله علي وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله غلا الله فمن قالها عصم مني ماله ودمه
стр. 176
إلا بحقها وحسابهم على الله ولكن أباب بكر ﵁ كان أحسن رأياً وأبعد نظراً في العواقب وأعلم بأمور الدين فرد عليهم بقوله إن الزكاة حق المال وقد قال إلا بحقها ولمح من خلال تلك الفتنة الدماء التي تضطرب بالعرب أن الإسلام لا تقوم له قائمة إذا لم تقمع ويضرب على مثيريها بيد من حديد فاستعد لقتالهم وانتظر بمصادمتهم قدوم أسامة.
أخبار الردة
عبس وذبيان
أقام أبو بكر ﵁ ينتظر جيش أسامة فعاجلته عبس وذبيان وانضم لهم بعض بني أسد وكلهم من تباع طليحة وافترقوا فرقتين فرقة أقامت بالإبريق وسارت فرقة إلى ذي القصة وأمدهم طليحة باخيه حبال فكان عليهم وأرسلوا وفداً إلى أبي بكر يبذلون الصلاة ويمنعون الزكاة فقال أبو بكر والله لو منعوني عقالاً لجاهدتهم عليه وردهم خائبين فرجعوا إلى عشائرهم وأخبروهم بقلة أهل المدنية وأطعموهم فيها وجعل أبو بكر بعد مسير الوفد على أنقاب المدينة عليا والزبير وطلحة وابن مسعود وألزم أهل المدينة بحضور المسجد وقال لهم أن الأرض كافرة وقد رأى وفدهم منكم قلة وأنكم لا تدرون أليلا تؤتون أم نهاراً وأدناهم منكم على بريد وقد كان القوم يألمون أن نقبل عليهم ونوادعهم وقد أبينا عليهم ونبذنا غليهم عهدهم فاستعدوا وأعدوا فما لبثوا ألا ثلاثاً حتى طرقوا المدينة غارة مع الليل وخلفوا بعضهم بذي حسي ليكونوا لهم رد فوافوا ليلاً الأنقاب وعليها المقاتلة فمنعوهم وأرسلوا على أبي بكر بالخبر فأرسل لهم من ألزموا أماكنكم ففعلوا وخرج في أهل المسد على النواضح ودوا العدو واتبعوهم حتى بلغوا ذا حسي فخرج عليهم أردء بأنحاء قد نفخوها كل نحمي في طوله فنفرت إبل المسلمين وما تنفر من شيء نفارها من الأنحاء وباحت بهم ما يملكونها حتى دخلت بهم المدينة فلم يصرع مسلم وطن الكفار بالمسلمين الوهن وبعثوا على أهل ذي القصة بالخبر فقدموا عليهم وبات ابو بكر يعبي الناس وخرج ليلاً فما طلع الفجر إلا وهم العدو على صعيد واحد فما شعرواو بالمسلمين حتى وضعوا فيهم السيوف فما ذو قرن الشمس حتى ولوهم الأذبار وغلبوهم على عامة ظهرهم وقتل حبال وكان أول الفتح وأتبعهم أبو بكر حتى نزل بذي القصة ووضع بها النعمان بن مقرن في عدد ورجع إلى المدينة فذل بها المشركون ووثب بنو ذبيان وعبس على من فيهم من
стр. 177
المسلمين فقتلوهم كل قتلة وفعل من وراءهم فعلهم وعز المسلمون من يهم من المسلمين فقتلوهم كل قتلة وفعل من وراءهم فعلهم وعز المسلمون وقعة أبي بكر وحلف أبو بكر ليقتلن في المشركين كل قتلة وليقتلن في كل قبيلة من قتلوا بالمسلمين وزيادة وطرقت المدينة صدقات نفر كانوا على صدقة الناس وذلك لتمام ستين يوماً من مخرج أسامة وقدم أسامة بعد ذلك بأيام فاستخلفه أبو بكر على المدينة وجنده ليستريحوا ويريحوا ثم خرج فيمن كان معه فناشده المسلمون ليقيم فأبى وقال لا أواسينكم حتى يرق فقاتل من به من المشركين فهزمهم وغلب على بني ذبيان وبلادهم وحماها لذواب المسلمين ثم عاد إلى المدينة فلما استراح أسامة وجنده وكان قد جاءهم صدقات كثيرة تفضل عليهم بادر أبو بكر إلى تسيير الجيوش إلى أهل الردة.
(يتبع)
стр. 178
متفرقات
حديقة الجنان في تاريخ لبنان
أصدر الرصيف الفاضل الخوري سطفان ضو منشئ مجلة العثماني الغراء الجزء الأول من هذا المؤلف وقد وجدنا فيه من الحوادث التي طرأت على الجبل وساكنيه ما بلغت الأنظار فنشكر لمؤلفه هديته ونرجو له ما يستحق من الإقبال.
النفائس العصرية
مجلة أدبية فكاهية تاريخية شهرية تصدر في القدس لمنشئها الكاتب الفاضل خليل أفندي بيدس قيمة اشتراكها ريال مجيدي في البلاد العثمانية وفرنكات في غيرها فبحث على مؤازرتها ونتمنى لها دوام الرواج.
السيف
جريدة أسبوعية سياسية انتقادية إخبارية تصدر في حماة مرة في كل أسبوع قيمة اشتراكها سنوياً في حماة مجيدي واحد وفي سائر الجهات مجيدي وربع فنرجو لها إشاعة الذكر والثبات.
الحقائق والتلفيق
أر سل لنا ثلاث رسائل للتنويه بها في الحقائق. فكتبنا عنها في العدد الرابع ما رأيناه بمرتبتها وقلنا عن اعتماد المؤلف في إحداها جواز التلفيق نه مخالف لما عليه محققوا الأصرليين فاستغرب المرسل أن تكون هذه المسالة الفروعية من مباحث علم الأصول وسألنا في جريدة المنتخبات عن محققي الأسوليين الذين ذكروا هذه المسألة.
وصادف أن كان لدينا مقالة لأحد الفضلاء في التلفيق استدل بها على بطلانه بكلام كثيرين من محققي الأصوليين وبين ضرر جوازه وأجاد فنشرناها في العدد السادس مذيلة بالتوقيع الرمزي واتبعناها بكلام فريق من الأصوليين الذين ذكروا هذه المسألة ممن فاته ذكرهم مع نص ما ذكروه ورأينا أن ذلك كافٍ للسائل ثم قرأنا في جريدة (العصر الجديد) مقالة له بعنوان (مجلة الحقائق والتلفيق) تكلم فيها على المقالة السابقة المدرجة في العدد السادس مع ما زدنا عليها وأطال فيما ظنه نقضاً لكلام المانعين.
ونحن نرى أن لا نشغل وقت القراء بتحقيق مسألة فرغ من تحقيقها وفي نظرنا أن ابن
стр. 179
الحاجب والغزالي والقرافي وابن الهمام والاسنوي والسكي وابن عابدين وخلافهم ﵃ ممن ذكرناهم يحسن أن يستدل بأقوالهم فلا حاجة إلى أن نتكلم ثانية على هذه المسألة هذا ونرجو من أهل العلم النظر فيما نشر في العدد السادس وفيما نشر في (العصر الجديد) ليتبين الحق وليعلم أن مجرد الكتابة في الجرائد واستصغار شأن العلم وأهله لا بغير حكماً ثابتاً، ولا يؤيد باطلاً.
стр. 180
العدد ٧ - بتاريخ: ٣ - ٣ - ١٩١١
следующие страницы →