← Джавами‘

Джавами‘ · id 29676

مجلة الحقائق

عبد القادر الإسكندراني

Полный текст (1 077 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

إلا بحقها وحسابهم على الله ولكن أباب بكر ﵁ كان أحسن رأياً وأبعد نظراً في العواقب وأعلم بأمور الدين فرد عليهم بقوله إن الزكاة حق المال وقد قال إلا بحقها ولمح من خلال تلك الفتنة الدماء التي تضطرب بالعرب أن الإسلام لا تقوم له قائمة إذا لم تقمع ويضرب على مثيريها بيد من حديد فاستعد لقتالهم وانتظر بمصادمتهم قدوم أسامة. أخبار الردة عبس وذبيان أقام أبو بكر ﵁ ينتظر جيش أسامة فعاجلته عبس وذبيان وانضم لهم بعض بني أسد وكلهم من تباع طليحة وافترقوا فرقتين فرقة أقامت بالإبريق وسارت فرقة إلى ذي القصة وأمدهم طليحة باخيه حبال فكان عليهم وأرسلوا وفداً إلى أبي بكر يبذلون الصلاة ويمنعون الزكاة فقال أبو بكر والله لو منعوني عقالاً لجاهدتهم عليه وردهم خائبين فرجعوا إلى عشائرهم وأخبروهم بقلة أهل المدنية وأطعموهم فيها وجعل أبو بكر بعد مسير الوفد على أنقاب المدينة عليا والزبير وطلحة وابن مسعود وألزم أهل المدينة بحضور المسجد وقال لهم أن الأرض كافرة وقد رأى وفدهم منكم قلة وأنكم لا تدرون أليلا تؤتون أم نهاراً وأدناهم منكم على بريد وقد كان القوم يألمون أن نقبل عليهم ونوادعهم وقد أبينا عليهم ونبذنا غليهم عهدهم فاستعدوا وأعدوا فما لبثوا ألا ثلاثاً حتى طرقوا المدينة غارة مع الليل وخلفوا بعضهم بذي حسي ليكونوا لهم رد فوافوا ليلاً الأنقاب وعليها المقاتلة فمنعوهم وأرسلوا على أبي بكر بالخبر فأرسل لهم من ألزموا أماكنكم ففعلوا وخرج في أهل المسد على النواضح ودوا العدو واتبعوهم حتى بلغوا ذا حسي فخرج عليهم أردء بأنحاء قد نفخوها كل نحمي في طوله فنفرت إبل المسلمين وما تنفر من شيء نفارها من الأنحاء وباحت بهم ما يملكونها حتى دخلت بهم المدينة فلم يصرع مسلم وطن الكفار بالمسلمين الوهن وبعثوا على أهل ذي القصة بالخبر فقدموا عليهم وبات ابو بكر يعبي الناس وخرج ليلاً فما طلع الفجر إلا وهم العدو على صعيد واحد فما شعرواو بالمسلمين حتى وضعوا فيهم السيوف فما ذو قرن الشمس حتى ولوهم الأذبار وغلبوهم على عامة ظهرهم وقتل حبال وكان أول الفتح وأتبعهم أبو بكر حتى نزل بذي القصة ووضع بها النعمان بن مقرن في عدد ورجع إلى المدينة فذل بها المشركون ووثب بنو ذبيان وعبس على من فيهم من

стр. 177

المسلمين فقتلوهم كل قتلة وفعل من وراءهم فعلهم وعز المسلمون من يهم من المسلمين فقتلوهم كل قتلة وفعل من وراءهم فعلهم وعز المسلمون وقعة أبي بكر وحلف أبو بكر ليقتلن في المشركين كل قتلة وليقتلن في كل قبيلة من قتلوا بالمسلمين وزيادة وطرقت المدينة صدقات نفر كانوا على صدقة الناس وذلك لتمام ستين يوماً من مخرج أسامة وقدم أسامة بعد ذلك بأيام فاستخلفه أبو بكر على المدينة وجنده ليستريحوا ويريحوا ثم خرج فيمن كان معه فناشده المسلمون ليقيم فأبى وقال لا أواسينكم حتى يرق فقاتل من به من المشركين فهزمهم وغلب على بني ذبيان وبلادهم وحماها لذواب المسلمين ثم عاد إلى المدينة فلما استراح أسامة وجنده وكان قد جاءهم صدقات كثيرة تفضل عليهم بادر أبو بكر إلى تسيير الجيوش إلى أهل الردة. (يتبع)

стр. 178

متفرقات حديقة الجنان في تاريخ لبنان أصدر الرصيف الفاضل الخوري سطفان ضو منشئ مجلة العثماني الغراء الجزء الأول من هذا المؤلف وقد وجدنا فيه من الحوادث التي طرأت على الجبل وساكنيه ما بلغت الأنظار فنشكر لمؤلفه هديته ونرجو له ما يستحق من الإقبال. النفائس العصرية مجلة أدبية فكاهية تاريخية شهرية تصدر في القدس لمنشئها الكاتب الفاضل خليل أفندي بيدس قيمة اشتراكها ريال مجيدي في البلاد العثمانية وفرنكات في غيرها فبحث على مؤازرتها ونتمنى لها دوام الرواج. السيف جريدة أسبوعية سياسية انتقادية إخبارية تصدر في حماة مرة في كل أسبوع قيمة اشتراكها سنوياً في حماة مجيدي واحد وفي سائر الجهات مجيدي وربع فنرجو لها إشاعة الذكر والثبات. الحقائق والتلفيق أر سل لنا ثلاث رسائل للتنويه بها في الحقائق. فكتبنا عنها في العدد الرابع ما رأيناه بمرتبتها وقلنا عن اعتماد المؤلف في إحداها جواز التلفيق نه مخالف لما عليه محققوا الأصرليين فاستغرب المرسل أن تكون هذه المسالة الفروعية من مباحث علم الأصول وسألنا في جريدة المنتخبات عن محققي الأسوليين الذين ذكروا هذه المسألة. وصادف أن كان لدينا مقالة لأحد الفضلاء في التلفيق استدل بها على بطلانه بكلام كثيرين من محققي الأصوليين وبين ضرر جوازه وأجاد فنشرناها في العدد السادس مذيلة بالتوقيع الرمزي واتبعناها بكلام فريق من الأصوليين الذين ذكروا هذه المسألة ممن فاته ذكرهم مع نص ما ذكروه ورأينا أن ذلك كافٍ للسائل ثم قرأنا في جريدة (العصر الجديد) مقالة له بعنوان (مجلة الحقائق والتلفيق) تكلم فيها على المقالة السابقة المدرجة في العدد السادس مع ما زدنا عليها وأطال فيما ظنه نقضاً لكلام المانعين. ونحن نرى أن لا نشغل وقت القراء بتحقيق مسألة فرغ من تحقيقها وفي نظرنا أن ابن

стр. 179

الحاجب والغزالي والقرافي وابن الهمام والاسنوي والسكي وابن عابدين وخلافهم ﵃ ممن ذكرناهم يحسن أن يستدل بأقوالهم فلا حاجة إلى أن نتكلم ثانية على هذه المسألة هذا ونرجو من أهل العلم النظر فيما نشر في العدد السادس وفيما نشر في (العصر الجديد) ليتبين الحق وليعلم أن مجرد الكتابة في الجرائد واستصغار شأن العلم وأهله لا بغير حكماً ثابتاً، ولا يؤيد باطلاً.

стр. 180

العدد ٧ - بتاريخ: ٣ - ٣ - ١٩١١

стр. 181

مولد سيد الوجود ﷺ أرى كل مدح في النبي مقصراً ... وإن بالغ المثني عليه وأكثرا إذا الله أثنى بالذي هو أهله ... عليه فما مقدار ما تصنع الورى نبينا ﷺ أكمل مظهر إنساني ظهر في الوجود، وأعظم صورة من صور الإبداع الإلهي، ولا يستطيع إنسان أن يصفه بما يستحقه من مراتب الإجلال لأن الإحاطة بمقامه ليست مما يطمع به تصور البشر فهو فوق الوصف ولا يعلم مقامه إلا من أرسله رحمة للعالمين. أشرق نوره ﷺ على الأكوان بمكة لاثنتي عشرة ليلة مضت من مثل هذا الشهر المبارك (ربيع الأول) على أشهر الأقوال ضاءت به غرة الاثنين وابتسمت * عن حسنه في ربيع روضة الحرم كما كان ﷺ فرداً في كمالاته فذاً في أخلاقه التي لم يطمع أحد من الخلق في مبارتها كانت ليلة مولده ﷺ فذة بين الليالي ظهر فيها من الآيات البينات والأرهاصات الباهرات ما لم يحلم به الزمن لأحد قبله أو بعده. رتج ليلة ولادته ﷺ إيوان كسرى أنوشروان وكان من عجائب الدنيا سعة وأحكام بناء وسقط من شرفاته أربع عشرة وفسر ذلك بما حصل لملك فارس في زمن عمر بن الخطاب ﵁ من الذلة والهوان والطرد إلى أقصى مملكته ثم ما كان في زمن عثمان ﵁ من قتله وزوال ملكه وخمدت نار فارس وكانوا يعيدونها وكان لها ألف عام تخمد إشارة إلى خمود نار الكفر وظهور نور الإيمان وتنكست الأصنام التي كانت فوق الكعبة إشارة لانقضاء زمن الوثنية وحلول زمن التوحيد وغارت ساوه أي يبس ماؤها وهي لفارس أيضاً قال البوصيري ﵁ في الهمزية. وعيون للفرس غارت فهل كا ... ن لنيرانهم بها إطفاء وضعته أمه ﷺ جاثياً على ركبتيه رافعاً رأسه على السماء. رافعا رأسه إلى السماء وفي ذلك الرف ... ع إلى كل سؤدد إيماء رامقاً طرفه السماء وترمي ... عين من شأنه العلو العلاء

стр. 182

هذه شذرة مما ظهر في ليلة ولادته من الآيات فضلاً عما رأت أمه في حمله وقبيل ولاده وحليمة في زمن إرضاعه وقريش في عام ولادته وغير ذلك ويحسن بنا أن نأتي على خلاصة الأحوال التي كانت سائدة على العالم قبيل بعثته ليقابل القارئ بينها وبين ما جاء به ﷺ من الدين الحق والأخلاق الكاملة والمدنية الصحيحة وما عرجت إليه أمته من صروح العز والمدنية ويعلم أنه هو وحده كان سبباً في بلوغها ذروة المجد والتقدم والفلاح. كان أكثر الأمم قبل الإسلام خاضعاً لدولتين دول العرب في الشرق ودولة الرومان في الغرب، وكان بينهما من الضغائن والأحقاد ما جعل همهما سفك الدماء وإنهاك القوى وبذلك شقيت أمتهما واستولى عليها ضروب من الفقر والذل والخوف على الأرواح والأموال. وكانت العرب قبائل بعيدين عن مناحي المدينة وليسوا على شيء من الدين ليهذب أخلاقهم ويشذب من طباعهم فكانوا يسجدون للأصنام ويستقسمون بالأزلام وكان بأسهم بينهم فتراهم في جلاد مستمر وكفاح دائم حتى أنهم كانوا يقتتلون عشرات من السنين لأجل سبق فرس أوهجو شاعر إلى غير ذلك من مفاسد الأخلاق ومساوئ الصفات. جاء هذا الرسول الكريم ودعا إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة وجاهد في سبيله غير هياب ولا وكل وقام بنصرته نفر ممن كتب لهم السبق في الإسلام فاحرزوا في عشرة سنين ما تعجز عنه الملوك والأقيال في آلاف من السنين رحمة من الله للبشر حيث أراد أن ينقلهم من غاية الشقاء إلى السعادة ومن يدقق في البحث يرى أن تلك الأمم التي كانت قبل البعثة المحمدية رازحة تحت كلاكل الجهل فاقدة لجميع الروابط الاجتماعية. لا يمكنها في سنين قليلة أن تظهر بذلك المظهر المهيب الذي أدهش العالم بأسره، وزعزع أركان القياصرة والأكاسرة لولا أن العناية الإلهية أمدت هذا المجدد العظيم بالنصر والتسديد واللفز والتوفيق قال علي كرم الله وجهه من خطبة. أرسله على حين فترة من الرسل، وطول هجعة من الأمم، واعتزام من الفتن، وانتشار من الأمور، وتلظ من الحروب، والدنيا كاسفة النور ظاهرة الغرور، على حين اصفرار من ورقها، وإياس من ثمرها، واغورار من مائها، قد درست منار الهدى، وظهرت أعلام الردى، فهي متجهمة لأهلها، عابسة في وجه طالبها، ثمرها الفتنة، وطعامها لجيفة،

стр. 183

وشعارها الخوف، ودثارها السيف. إلخ ما قال وقال بعثه والناس ضلال في حيرة. وخابطون في فتنة، قد استهوتهم الأهواء، واستزلتهم الكبرياء واستخفتهم الجاهلية الجهلاء حيارى في زلزال من الأمر وبلأ من الجهل فبالغ ﷺ في النصيحة ومضى على الطريق ودعا إلى الحكمة. هذا وقد اتفق جميع العقلاء على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم على أن شكر المنعم واجب وقد علمت أنه ﷺ هو الواسطة العظمى في إنقاذنا من ظلمات الكفر والجاهلية وعبادة الأوثان، إلى نور الحق والإيمان، وجعلنا خير أمة وشهداء على الناس وغير ذلك من ضروب الإكرام أفلا يجب علينا تعظيم هذا النبي الكريم لنكون قائمين بواجب شكره ومن تعظيمة أن نحتفل بيوم مولده ﷺ على صفة مشروعة فنظهر فيه معالم السرور والابتهاج والاحتفاء. وهو أحق بذلك من جميع الأيام لأنه يوم ظهور نبي الرحمة. وبعقد المحافل لقراءة ما صح من سيرة مولده ﷺ . ونجعله يوماً مصروفاً لعمل البر بأنواعه من العبادة والصدقة على المعوزين، وصلة الأرحام، وإصلاح ذات البين. وشكر الله سبحانه على أن جعلنامن أتباع هذا النبي الكريم ذي القدر العظيم. وأول من قام بهذا الواجب الملك المظهر صاحب أربل نقل عنه أنه كان يصرف على المولد في كل سنة ثلاثمائة ألف دينار. وذكر ابن حجر في مولده الكبير أنه في سنة ٧٨٥ احتفل الظهر برقوق سلطان مصر بالمولد بقلعة مصر وأنفق على إطعام الطعام والإحسان لفقراء والقراء والمداح ما يبلغ عشرة آلاف مثقال من الذهب. وأن ابن دحية صنف له كتابا في المولد سماه التنوير بمولد البشير النذير فأجازه بألف دينار. وقد نقل عن الحافظ بن حجر أنه قال وقد سئل عن مشروعية المولد وظهر لي تخريجة على اصل ثابت وهو ما في الصحيحين أن النبي ﷺ قدم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم فقالوا هو يوم أغرق الله فيه فرعون ونجى موسى فنحن نصومه شكراً قال فيستفاد منه فعل الشكر على ما من به تعالى في فعل معين وأي نعمة أعظم من بروز نبي الرحمة وقد اعتاد الناس عند قراءة قصة المولد الشريف أن يقوموا عند ذكر وضعه ﷺ احتراماً لمقامه. وتعظيماً لقدره، ولو أمكن

стр. 184

القيام له كلما ذكر في جميع الأحوال لكان حسناً ونريد أن تنقل هنا نبذة ذكرها الحلبي في السيرة في مشروعية القيام عند ذكر وضعه ﷺ قال جرت إعادة إذا سمعوا ذكر وضعه ﷺ أن يقوموا تعظيماً له ﷺ . وهذا القيام بدعة حسنة لأن ليس كل بدعة مذمومة. وقد قال عمر ﵁ في اجتماع الناس لصلاة التراويح نعمت البدعة. وقال العز ابن عبد السلام ن البدعة تعتريها الأحكام الخمسة. وقال أمامنا الشافعي ﵁ ما أحدث وخالف كتاباً أو سنة أو إجماعاً فهو البدعة الضلالة. وما أحدث خيراً ولم يخالف شيئاً من ذلك فهو البدعة المحمودة. وقد وجد القيام عند ذكر اسمه ﷺ من عالم الأمة. ومقتدى الائمة تقي الدين السبكي وتابعه على ذلك مشايخ الإسلام في عصره فقد حكى بعضهم ن السبكي اجتمع عنده خلق كثير من علماء عصره فأنشد منشد قول الصرصري في مدحه ﷺ : قليل لمدح المصطفى الخط بالذهب ... على ورق من خط أحسن من كتب وأن تنهض الإشراف عند سماعه ... قياماً صفوفاً أو جثياً على الركب فند ذلك قام الإمام السبكي وجميع من في المجلس وحصل أنس كبير باختصار ومن أحسن ما يحتفل في يوم مولده ﷺ تذكر أخلاقه ﷺ من التواضع والصبر والحلم والشجاعة والأمانة والزهد وجميع مكارم الأخلاق والتخلق بها يقدر الاستطاعة وهذا أحسن شكر له ﷺ .

стр. 185

الوطن والوطنية طالما نادى الكتاب على منابر الصحف مكررين هاتين الكلمتين ويريدون بذلك أنه يجب على كل فرد من أفراد هذا المجتمع أن يحب وطنه وأن يبذل في سبيل ترقية غاية الجهد لكنهم لم يتفلسفوا في معنى الوطن واكتفوا بظاهر معناه فلذا طفق الناس وأهل الغايات مسرعين للعمل في سبيل الترقي الموهوم إجابة للنداء وأداءً لحق هذا الواجب في زعمهم فدخل عملهم في طور الفوضوية. وكل يدعي وصلابليلي ... وليلي لا تقر له بذاك روج البعض هذا النداء بحديث (حب الوطن من الإيمان) مع أنه متكلم فيه. وها نحن نبين لك معنى الوطن في اصطلاح اللغويين والفقهاء لتعلم عدم ظهور إرادته. قال في الكليات الوطن هو منزل الإقامة وهو صادق على الوطن الأصلي وهو محل الولادة والتأهل وعلى وطن الإقامة وهو البلدة أو القرية التي ليس للمسافر فيها أهل ونوى أن يقيم فيها خمسة عشر يوم فصاعداً وعلى وطن السكني وهو المكان الذي يريد المسافر أن يقيم فيه أقل من خمسة عشر يوماً فليت شعري أي وطن هو المعني بذاك الحديث وإذا عين فما وجه التخصيص؟ وربما يكون الوطن من البلاد الأجنبية وإذا بقي على عمومه شمل الوطن الأجنبي واي إيمان ينشأ منه حب الوطن أجنبي؟ إذاً على الحاث على حب الوطن أن يوضح معناه وأن يبين جهة الحب وطرق الترقي المقصود له. الوطن أن حمل على محل الولادة أو التأهل أو. . . أو. . . يكون للمحسوسات المرئيات بالعين الباصرة لا للمعنويات المعقولات بقوة الفكر ومن المعلوم أن الحب للمحسوسات يقوم بقيامها ويبقى ببقائها بخلافة للمعنويات فإذا أحببت وطنك على كونه محلاً لولادتك أو لتأهلك ربما تكون هذه المحبة ضعيفة القوى سريعة الزوال. التفلسف الذي ينبغي أن يقصد بمعنى الوطن أن تريد به أولاً الفطرة الإسلامية وكلمة التوحيد إذ هما أولى بالاعتبار وأجدر بالدعوة إليهما من المنزل الذي تقيم به وتولد فيه لأنهما يجمعانك مع ثلاثمائة مليون من أهل الكرة الأرضية وهذه هي الصلة التي لا ينقطع أصلها والعروة الوثقى لا انفصام لها فأول واجب عليك أن تسعى لترقية هذه الجامعة وإعلاء كلمتها بأداء حق كل فرد من أفراد أهلها بالإحسان غليهم والنصرة لهم والزن لحزنهم والفرح لفرحهم، وبذل النصح لهم وتقوية روابط الألفة والاتحاد بينهم وعدم تفرقة

стр. 186

كلمتهم على اختلاف العناصر والأجناس لأن الشرع المحمدي ساوى بينهم بلا تفرقة بين تركي وعربي وكردي وأرنؤدي وفارسي وهندي إلا بتقوى الله [يا أيها الناس أنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا أن أكرمكم عند الله أتقاكم وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال (سلمان منا أهل البيت). ولك أن تريد بالوطن العثمانية إذ هي التي تؤويك حيث أويت وتحفظك حيث ححللت والواجب الثاني عليك أن تسعى لتعزيزها وتقوية شوكتها وبذل النفس والنفيس في سبيل ترقيها وخدمتها بالصدق والإخلاص وعدم خيانتها أو مسها بسوء وانتخاب الخبرة الكرام ليكونوا لها أعواناً وأنصاراً فهي دولة الخلافة الإسلامية وسلطانها حامي المسلمين في جميع أقطار الأرض فإعزازه إعزاز لهذه الجامعة الدينية المار ذكرها. ولك أن تريد بالوطن الإنسانية إذ هي التي أكرمتك وأعزتك وميزتك عما سواك من أنواع المخلوقات وجعلتك مع كونك جرماً صغيراً ذا سلطان كبير يهابه جميع من سواه ويعترف بمكانته كل من رآه. فالواجب الثالث عليك أن تسعى لحفظها بالتخلق بالأخلاق الفاضلة التي تليق بها كالصدق والأمانة والعدل والحلم والكرم والاستقامة وعدم تشويه وجهها بالأخلاق السافلة من الكذب والغدر والجور والمكر ونحو ذلك فإن مثل هذه الأخلاق ليست أصلية في الإنسان بل هي أخلاق بهيمية لم يرتكبها الإنسان إلا جهلاً بفضل إنسانيته فعليك أيها الإنسان أن تسعى لها ببث العلم والمعرفة وتقوية روابط الألفة بين أفرادها أياً كانوا الآن الإنسان من حيث إنسانيته واجب حفظه وعدم التعرض له بسوء إلا بحق وقد جاء في بعض الروايات المسلم من سلم الناس من لسانه ويده أخرجه ابن حيان في صحيحه بلفظ سمعت عبد الله بن عمر يقوب ورب هذه البنية لسمعت رسول الله ﷺ يقول (المهاجر من هجر السيئات والمسم من سلم الناس من لسانه يه).

стр. 187

رأينا في إصلاح المدارس الثبات في الأعمال كثر فينا القائلون، وقل الرجال العاملون، ولو دققت النظر لوجدت أن القسم الأكبر من هؤلاء العاملين لا نتيجة لأعمالهم ولا ثمرة لها يفرح أحدهم ببدائة العمل. ويهتم بإحداث المشاريع ولكن لا ينظر إلى المستقبل نظر من يريد أن يستفاد من عمله نعم قضي علينا معاشر العثمانيين أن لا نثبت في أمر ولا ندأب على عمل فكأنا خلقنا للأقوال لا للأفعال ولأحداث الأعمال لا لإتمامها. أين نحن ممن يداومون الأعمال، وينتهون الفرص لتحقيق المال، لا تزعزعهم الشكوك والاحتمالات، ويوقفهم التردد عن إدراك الغايات، أين نحن من قوله ﷺ أحب العمل على الله أدومه ألف كثير في حاضرتنا جمعيات لأعمال ومنافع لو ثبت منها عمل واحد لرجونا أن نكون مع الفائزين. وفي مصاف الراقين، عدم الثبات في الأعمال، والتقلب من حال إلى حال، أعظم أمر أتى علينا فنال منا بل كاد يودي بحياتنا المدرسية يبتدئ أحدنا العمل بهمة وعزيمة فما هي الأعشة أو ضحاها حتى يأخذه الخور. ويعتوره الملل. فتذهب تلك الهمة، وتفتر شرة ذلك الاجتهاد كم من مؤلف لم يتم تأليفه، ومصنف لم يكمل تصنيفه. وأمير خلب العقول بكاذب وعوده وصحا في عاهد الله على أن يعمل لأمته. ثم كان عمله لنفسه وشهوته، وكم من جمعية نادت بالإصلاح ثم همدت، وأناس دعوا إلى خير الأعمال ثم كانوا أول المتبرئين منه. مدارسنا والثبات مدارس حاضرتنا على اختلاف أنواعها، وتغاير مقاصدها، لا تثبت على عمل. ولا تستقيم على حال، فهي بين التقلب والتحول دائرة. وبين التغير والتبدل سائرة. وها نحن نتكلم عليها بما نرى راجين أن نوافق لإصابة الحق وقول الصدق وأن لا نلام من جانب رؤوساء المدارس بمجاهرتنا بما نعتقد فكلنا ساع للفائدة راغب في الإصلاح. المدارس الدينية يدخل الطالب مدرسة دينية فيرى أحد شيوخها يقرئ كتاباً في النحو أوفى الأصول مثلاً فيعزم على الاستفادة يبتدئ لكن لا يكاد يمر عليهما بضعة أيام حتى يمل هو أو يمل الأستاذ وينالهما الضجر. ومن كان في ريب مما قدمنا فليسأل الشيخ أولاً عن ما ابتدأه من الكتب

стр. 188

ولم يتمه والتلميذ ثانياً عن السؤال نفسه. وعن عدد رفقائه أول الكتاب وعددهم بعده هذا ولا تظنن أيها القارئ أن صاحبنا اذلي مل دام ملله بل قد علم من أحد أصدقائه أن الشيخ الفلاني يبتدئ يوم الأحد الكتاب السابق عينه فأعددته للحضور بين يديه مع تلامذته وفي الصباح أسرع حتى لا يفوته شيء من تقرير الشيخ وحضر ولكنه لم يلبث حتى تحول إلى درس آخر وهكذا تذهب حياته بين غدو ورواح ورغبة وملل. وفي ذلك ما فيه من حدوث العداوة بين ذلك الطالب ومطلوبه. إذ يثبت في قلبه بعدئذ أن وصوله إلى الغاية متعسر أو متعذر فيعرض عن العلم ويدعه ظهرياً وبسبب ذلك وغيره مما سنبين كثيرة قل عدد المتعلمين الحقيقيين. (ودخل في القوم من ليس منهم) فانحطت درجة هذا السلك الشريف وبقي إلا قليلاً مظاهر ترضي العين وتحزن القلب. الدواء لهذا الداء لا نرى دواءً أنجع لهذا الداء من إلزام المشايخ أنفسهم بالعمل بنظام مخصوص يسيرون عليه ويعملون بمقتضاه وامتناعهم بتاتاً من إهمال كتاب لبدائة آخر ومثلهم في كل ذلك التلامذة أيضاً مع ما يتبع ذلك من حسن المعاملة من الشقين والحض والتبشير من الأستاذ وهذا بلا ريب باعث على النشاط والأمل وقوة العزيمة والثبات والخير كله في الثبات بقية المدارس مر بنطرك نحو المدارس الأهلية عندنا فترى فيها التبدل والتقلب على أئمة ترى فهرس دروسها في رجب غيره في شعبان وفي رمضان فيره في شوال ترى عزيمة من بيده أمر شيء منها مصروفة تارة إلى ترقية اللغة التركية. وأخرى إلى تقوية اللغة العربية، ومرة إلى غير ذلك فهو بعد أن يعد عدته الأولى ويدخر لها ما في وسعه يعرض عنها ويستبدل بها الثانية. وهكذا حاله يوم ينتخب الكتب ويختار لها المعلمين، ففي كل شهر يتغير اجتهاده فيهم فيثبت منهم قسماً ويحذف الآخرين وهذا يتبعه تغير الكتب أيضاً لرجوعها في الغالب لرأي المعلم ومثل المدارس الأهلية في ذلك المدارس الأميرية فيبقى التلميذ فيها عرضة لأفكار الرؤوساء يسمعونه في كل شهر صوتاً وفي كل آونة نغماً. وهذا مع مافيه من سوء الصنيع وإضاعة الوقت الثمين بلا فائدة يعود على التلميذ بالضرر في مستقبله حيث يصير التقلب خلقاً ذاتياً له.

стр. 189

كلمة أو رجاء نقترح عليكم أيها الرؤساء أن تطرحوا هذه العادة جانباً وأن تتقوا الله في أطفال المسلمين وأفلاذاً أكبادهم وأن تحافظوا على أواتهم من الضياع فإن الله محاسيكم عليها. وعليكم أن تدققوا أول السنة في ترتيب بروغرام الدروس واختيار المعلمين الأكفاء. وفي ذلك ما يكفل لكم الثبات وعدم التقلب أثناء السنة ولا يخفى ما يحصل من ذلك من الانتظام في المدارس. وعدم الفوضى في التعليم، وذلك خير ما يرقي مدارسنا. أولياء التلامذة وضرر تقلبهم على المدارس إن في الأهلين قسماً كبيراً درجوا على هذه العادة السيئة، وتخلقوا بهذا الخلق الشائن ألا وهو التقلب يأتي الرجل وله ثلاثة أولاد مثلاً فيرى في أول الأمر أن تفريقهم أولى لما يترتب على اجتماعهم من تضييع الوقت باللهو ونحوه فيجعل كل واحد منهم في مدرسة وهو لا يدري ما حقيقة المدارس التي وضعهم فيها ولا مراده في المستقبل من أولاده يترك الوالد في هذه المدارس أولاده وشأنهم ولا يعلم من أمرهم إلا أن المعلم طلب منهم كتباً ودفاتر وأوراقاً وغير ذلك فينقدهم ثمنها ثم يكتفي منهم بالذهاب في الصباح والإياب في المساء يظل هذا الرجل وحالته هذه بضعة اشهر وفي بعض الأيام يأتيه أحد أولاده قائلاً أي به أنا لا أذهب إلى المدرسة. اجعلني مع أخي في مدرسته فإنها أرقى من مدرستنا وأنفع. وفيها دروس كثيرة، وأنا لم أتعلم من مدرستي شيئاً، وعندنا شيخ لا يحسن التعليم، وربما تحامل علي أكثر من غيري. ولقد يضربني في حين لا أستحق الضرب وهكذا يذم مدرسته ويمدح مدرسة أخيه، ويغضب عليها، بعد أن كان راضياً عنها، ولا يزال يلح على أبيه حتى يجعله مع أخيه، وحينئذٍ يترائى له أن وضع أولاده معاً أحسن وأقرب للنفع والفائدة فيجعلهم في مكان واحد ولكن لا تمضي مدة طويلة حتى يتسامع في البلدة أن إحدى المدارس ستقيم ليلة كذا حفلة تختبر بها تلامذتها فيتسرع صاحبنا في اليوم الثاني إلى وضع أولاده في تلك المدرسة ظناً منه بأنها المدرسة التي تخرج له أولاداً نجباء ولم يدر أنه بذلك أهلك أولاده وأعدمهم نتيجة مستقبلهم إذ أنهم يوم كانوا متفرقين كان كل واحد منهم آخذاً بنصيب من الدروس وحظ من الفائدة ولكن لسوء الطالع لم يكمل لهم ذلك حتى جمعهم والدهم عملاً بنصيحة ولده الصغير في مدرسة واحدةة فابتدأوا بدروس غير تلك الدروس.

стр. 190

ودفاتر غير تلك الدفاتر. وكتب غير تلك الكتب، ورأوا معلمين لم يكونوا رأوهم من قبل، وتناسوا جميع ما علق في أذهانهم من مدرستهم الأولى لأن مدرستهم الجديدة تقرئ الصرف التركي ولكن غير ما كانوا يعلمونه. وتقرئ أيضاً النحو والفقه والتوحيد والحساب والجغرافيا ولكن بأسلوب يغاير أسلوب الأولى وهذا ما اضطرهم إلى تناسي ما كان ثابتاً في أذهانهم أقبل الأولاد يقتطفون ثمرات جديدة، ويتعلمون أسلوباً حديثاً، ولكن مع الأسف ما أوشكوا أن يتعرفوا هذا الأسلوب الحديث ويأخذوا بأول ثمراته حتى سمع والدهم العزيز صوت حفلة أخرى فعزم على إخراجهم إلى المدرسة الرابعة لينالوا ثمت من العلم أكمله وأوفاه ندع الوالد لفكره ورأيه وننظر الأولاد فإنهم لما دخلوا المدرسة امتحنهم مديرها (وهكذا مديرة المدارس عندنا لا يقبلون أحداً إلا بالامتحان) ووزعهم على حسب استعدادهم وفي المساء جاء الأولاد بيد كل واحد منهم جريدة كتب فيها أسماء الكتب والدفاتر والوالد التي تلزمه فنقدهم الأب كامل وكثيراً ما يضع من رتبتهم بخساً ليوهمهم قلة علم من كانوا عنده ما طلبوه، وأرسل عليهم رحماته الأبوية ودعا لهم بكلمات الرضا والإحسان. مضى على الأولاد في المدرسة الرابعة مدة أيام نزعوا فيها ما ثبت في أذهانهم من مدرستهم السابقة وابتدروا يأخذون من الجديدة ما فيها أما الوالد فبينا كان مع أصحابه في بعض الأيام إذ رأى بيد أحدهم ورقة فطلبها ليعلم ما فيها فأذاها تقول تدرس مدرستنا العلوم العصرية والعلوم الدينية وتعني عناية تامة باللغات الإفرنسية والتركية والعربية مع ما يلزم الإنسان معرفته من العلوم الرياضية كالجغرافيا والهندسة المسطحة والهندسة المجسمة والحساب بأنواعه إلخ. . إلخ فاعجب بها وبكثرة دروسها وفكر أنه ليس بين أولاده وتحصيلهم هذه الدروس كلها غلا أن ينقلهم إليها ويجعلهم في عداد تلامذتها ومتى أتموا دروسهم فيها ينتخبون مبعوثين أو يختارون ولاة أو مشيرين وما تنفس صبح اليوم التالي حتى أسرع فنادى كبير أولاده ليؤذن أخويه بعدم الذهاب إلى المدرسة ففعل وكان الأخ الصغير يجتهد ليلة كله لوعد سلف منه لمعلمه بحفظ دروس الفقه فلما علم بأمر والده فرح وذهب ما كان يجده من حرارة الوعد وثقله ثم ساروا جميعاً ضحوة النهار إلى المدرسة الجديدة وهي خامسة المدارس وهكذا مضت حياتهم بين قديم وحديث ومدرسة كبيرة وأكبر

стр. 191

وحسنة وأحسن. إلى أن حان وقت خروجهم من المدارس وليس لديهم من المعارف ما ينفعهم في دينهم أو يرقيهم في دنياهم شأن المتقلبين في الأمور، المبتلين بتقاطع الأعمال أمثال هؤلاء المتهوسين لا يكون ضررهم قاصراً على أنفسهم بل يتناول بني جنسهم أيضاً فقد يرزقون أولاداً فلا يحسنون تربيتهم ويسيئون عشرتهم ولا أقل من أنهم يورثونهمو تلك العادة القبيحة عادة التقلب وعدم حفظ المبدأ فتفسد حالهم، ويختل نظام حياتهم ويعيشون عالة على الناس، وعباء ثقيلاً على الوطن. إن الوالد يدعي محبة ولده وأنه يتمنى له الخير ولكن لا يعلم الطريق إلى ذلك وربما عاد سعيه بالفائدة له ضرراً وأضراراً يحب على الولدان أن قلب الولد كالمرآة الصافية ينعكس فيها نطلق خيال فذلا كان من أعظم الواجبات عليه أن يسير به السير الحسن. ويخلقه بكامل الأخلاق فإذا رأى منه يوماً عدم الثبات في الأمور والتقلب في الأحوال نصحه وعظه. وردعه وزجره مخافة أن يثبت على التلون وينشأ على التقلب وعدم الصبر فيكون في الأمة العضو العاطل بل الضربة المؤلمة على المجتمع كله هذا في الدنيا وفي الآخرة يشترك الأب وابنه في عذاب الله ومقته. ويستحقان معاً نار الله وحجيمه. قال الإمام الغزالي في أحيائه (أن الولد أمانة عند والديه وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة خالية عن كل نقش وصورة فإن عود الخير وعلمه نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة وشاركه في ثوابه أبواه وكل معلم ومؤدب وأن عود الشر وأهمل شقي وهلك وكان الوزر في رقبة وليه). ووزر الولد أيضاً ثابت كما قدمنا لتقصيره في غصلاح نفسه بعد بلوغه وإن كان أنقص من وزر الوالد والوالد تعاظم وزره لتضييعه هذه الجوهرة التي وهبها الله له وأضراره بتلك الوديعة التي لا ذنب لها إلا أنها انقادت لإشارته وصارت طوع كلمته ولولا أن الآباء شعروا بثقل هذا الحمل. وصعوبة هذه الوديعة، وما يترتب على إهمالها من الفساد لسعوا في تأديبها وتهذيبها قبل سعيهم لغذاء أجسامهم (ولو أنهم فعلوا لرأينا من نشئنا ما ينفع ويفيد). الدواء لهذا الداء

стр. 192

لا نرى دواءً أنجع لداء تقلب الأهلين من تعاضد أرباب المدارس واتفاقهم، وإزالة البغضاء من صدورهم، فيجمعون أمرهم على ما يعود بالنفع لهذه الناشئة وأول ذلك توحيد يورغراماتهم (فهرس الدروس) واعتماد كتب مخصوصة يكون العمل عليها تدرس في سائر المدارس لا تبدل بعد اتفاق أكثرهم عليها ولا تغير ولو وجد ما هو خير من بعضها وأقرب منه تناولاً فلؤجل إلى انتهاء العالم ليعرض على رؤساء المدارس ويكون العمل عليه في السنة التالية وبذلك نأمن مفاسد كبيرة ونوفر للطالب جزأ من عمره كان من قبل فريسة التنافر وعدم الائتلاف. والثاني اتفاقهم جميعاً على زيادة راتب الأولاد زيادة وسطاً وجعلها في السنة قسطاً أو قسطين تدفع سلفاً لمدير المدرسة وتعيين مادة مخصوصة يرحم بها الفقير والمسكين وبذلك تحصل الفائدة التامة إذ أن زيادة الماديات أكبر مقو للمعنويات، والفوائد لا تقوم إلا بقيام العوائد زيادة هذه الرواتب مما ينشط معلمي المدارس ويزيد في رغبتهم بالتعليم والإفادة وجعل الأجرة في السنة قسطاً أو قسطين هو الحافظ الوحيد لمستقبل الأولاد إذ به يجبر التلميذ على المداومة ريثما تنقضي المدة التي دفع راتبها وبالمداومة يجد حلاوة المدرسة ويذوق لذة العلم والتعلم وتعيين مادة مخصوصة لرحمة الفقير لا يختلف بفائدتها اثنان بل هي أعظم ما يسعى إليه المصلحون وفي رأينا أن استعمال وهذا الدواء مما يقدم المدارس ويعود عليها بالغصلاح التام وليس هو بالأمر الصعب على رؤسائها فهم القدوة في محاسن الصفات ولا صفة تعلو صفة الاتحاد والاتفاق على ما يرقي هذا النشئ الكريم. فإن قال قائل لاشك أن ما ذكرتموه هو الدواء النافع ومدارسنا إليه في أشد الاحتياج ولكن نظن أنه لا يفيد رؤساء المدارس لما نعلمه بينهم من التنافر اذلي يستحيل معه مطلق اتفاق قلنا له ما علمته من رؤساء المدارس غير ما علمناه وعلمه غيرنا منهم فقد عرفوا عندنا بلين العريكة، وقبول النصيحة، وتهذيب الأخلاق، فلا يحتاجون إلا إلى التذكير [والذكرى تنفع المؤمنين].

стр. 193

كلمتنا في كتاب دروس التاريخ الإسلامي لاريب في أن كل عالم بما بني عليه الدين الإسلامي من دعائم العمران وآداب الاجتماع ينفطر قلبه حينما يشاهد من ناشئة العصر أناساً جاهلين بتاريخه غير واقفين على حقيقته. ذلك الدين الذي صارت هذه الأمة بسببه أرقى الأمم أخلاقاً وأحكمها ارتباطاً وأشدها باساً وأكثرها اعتناء بالإنسانية، وقد سرنا ما ينشره في هذه الآونة حضرة الكاتب الألمعي الشيخ محي الدين أفندي الخياط باسم (دروس التاريخ الإسلامي) حيث وجدناه ضالتنا المنشودة فإنه جمع في ذلك خلاصة ما ينبغي لناشئة المسلمين أن يطلعوا عليه بعبارات قلت ألفاظها وكثرت فوائدها على طريق مختصر وأسلوب سهل فجزاه الله على هذا العمل خيراً ووفقه لإتمام هذا المشروع المفيد. غير أن موضوعاً كهذا الموضوع الجليل المخترع في أسلوبه قد لا يسلم من هفوات شأن كل عمل في مبدئه. وكنا اطلعنا على الجزء الثاني وكتبنا عنه جملة مختصرة في عدد من هذه المجلة ووعدنا أن نبين رأينا فيه. وها نحن نذكر ما عثرنا عليه مما يلزم بيانه إيفاءً بالوعد وخدمة للتاريخ جملة ما انتدبناه عليه ثمانية أشياء: عدم إتيانه بالصلاة والسلام على النبي ﷺ كلما كتب اسمه الكريم. مع أن تعظيم النبي ﷺ فرض على كل مؤمن فقد أنقذنا ﵊ من الظلمات إلى النور وخلصنا من غياهب الجهل الحالك إلى مشارق أنوار العلم وطهرنا مما كان عليه الجاهلية وعبدة الأوثان حتى بلغنا أرقى ذروة في الآداب وانتهينا إلى أشرف مدينة محفوفة بأحسن الأخلاق وأسدى غلينا ﷺ من الإحسان مالا نبلغ معشار واجب شكره فجزاه الله عنا ما هو أهله. وكيف لا يجب علينا أن نربي الناشئة على تعظيمه ﷺ وقد قال الله تعالى: [إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه كلمتنا دروس التاريخ الإسلامي (الحقائق ج٨م١) وتوقروه] أي تجلوه وتبالغوا في تعظيمه. ما ذكره ص٦ من أن عمر بن الخطاب أمر بقتل سعد بن عباده لتخلفه عن بيعة أبي بكر ﵃ قال فرحل سعد إلى الشام فأرسل عمر إليه رجلاً ليقتله إذا أبى عن البيعة فأدركه الرجل بحوران فدعاه فأبى فقتله. وقد تتبعنا كثيراً من المظان فلم نجد أن عمر ﵁ أمر بذلك بل رأينا ما يؤيد خلافة فقد نقل القسطلاني عن ابن الأثير أنهم لم يختلفوا في كون سعد ﵁ وجد

стр. 194

ائلاً في بئر يسمعون صوته ولا يرون أحداً ينشد هذين البيتين: #نحن قتلنا سيد الخز ... رج ميتاً على مغتسله ولم يشعر أهل المدينة بموته ولم يشعر أهل المدينة بموته حتى سمعوا سعد بن عباده فرميناه يسهم ... فلم يخط فؤاده فلما سمع الغلمان ذلك ذعروا فحفظوا ذلك اليوم فوجدوه اليوم الذي مات فيه سعد بالشام وقال ابن سيرين بينا سعد يبول قائماً إذا أتكأ قتله الجن. فعلى المؤلف إذا كان مستنداً بما نقله لشيء أن بينه (٣) ذكر ص ٨ أن الأسود العنسي قتل في خلافة أبي بكر ﵁ والحال أنه قتل في زمن النبي ﷺ وذلك أنه حينما كان المسلمون في صنعاء وهي البلدة التي يقيم فيها العنسي يومئذ قدم عليهم وبر بن يحنس ومعه كتاب النبي ﷺ يأمرهم فيه بالنهوض في الحرب والعمل في الأسود أما غيلة وأما مصادمة فأجمع المسلمون أمرهم على أن يقتلوه. فاجتمع فيروز وقيس وداذويه وجشيش بن الديلي ودخلوا على الأسود ليلاً وهو نائم في بيته فقتله فيروز وحز رأسه. وذلك في حياة النبي ﷺ ثم أرسلوا من يخبر رسول الله ﷺ بذلك فوصلت رسلهم إلى المدينة صبيحة الليلة التي توفي فيها رسول الله ﷺ . وأن النبي ﵊ قد أتاه الخبر من السماء في الليلة التي فتل فيها العنسي فبشر المسلمين بذلك وقال ومن هو قال فيروز ذكر ذلك الطبري في تاريخه. (٤) ما قاله ص ١٠ من أبا بكر ﵁ كان واضع أول أساس للفتح الإسلامي وقد عجبنا من وصفه أبا بكر ﵁ بذلك مع أن الفاتح الأول هو رسول الله ﷺ الذي أنزل الله عليه قوله [إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً فسبح بحمد ربك] وخاطبه بقوله [إنا فتحنا فتحاً مبيناً] ولعل المؤلف أراد أول فاتح بعده ﷺ . (٥) ما نقله ص ٣ من أن سعداً اتخذ إيوان كسرى مسجداً والتماثيل وفيه كنا نود من المؤلف لايذكر ذلك في رسالة ألفها لينتفع بها أولاد المسلمين من غير أن ينتبه على حرمة التماثيل أو أن يغفل مثل هذه القصة في مثل هذا المختصر.

стр. 195

(٦) ما ذكره ص ٥٣ وص٧٨ من أن سيدنا عثمان وسيدنا عليا ﵄ كانا بعيدين عن الحزم. و (٧) ما تهور فيه ص ٥٩ من إطلاقه كلمة ح (محبو الفتنة) على بعض من وجد في جيش وقعة الجمل. و (٨) ما انفرد به ص ٨٤ من إطلاقه لفظ اشتراكي على سيدنا أبي ذر الغفاري ﵁ وقد عجبنا من المؤلف بعد درسه تاريخ الإسلام واطلاعه على ما ورد في فضل عثمان وعلى وسائر الصحابة رضوان الله عليهم وما ورد من الوعيد فيمن يقدح في أحد منهم كيف تجاسر أن يحكم على أحد منهم بأنه بعيد عن الجزم أو محب للفتنة وكيف التبس عليه مبدأ الزهد الذي كان عليه سيدنا أبو ذر الغفاري ﵁ بما يسمونه اليوم (مبدأ الاشتراكية) وهي ألفاظ لا تليق أن تطلق على أحد من خاصة المسلمين فضلاً عن الصحابة الكرام رجال الدين ومصابيح الهدى سبحانك هذا بهتان عظيم وكيف يرمى بشيء من هذا فيهم رسول الله ﷺ (الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضاً من بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني فقد آذى الله ومن آذى الله يوشك أن يأخذه حديث صحيح رواه الترمذي عن عبد الله بن مغفل وقال ﷺ إذا ذكر أصحابي فأمسكوا حديث رجاله رجال الصحيح إلا واحداً اختلف فيه وقد وثقه ابن حيان وغيره كما ذكره العلامة ابن حجر الهيتمي ص ٦ من هامش الصواعق المحرقة وقال ﷺ (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) أخرجه البيهقي وأبو الحسن رزين بن معاوية العبدي عن عمر بن الخطاب ﵁. هذا وقد ذكرت مجلة المقتبس في انتقاد الكتاب المذكور وجرها آخر جديرة بالنظر ونحن نتمنى لمؤلفه حفظه الله أن يتثبت في النقل لينال تأليفه من الإقبال ما يستحق ونرجوه أن لا يضن علينا بحكمه وأن لا يعتب علينا في بيان الحق فالمؤمن مرآة أخيه. ونسأل الله أن يوفقنا وإياه لخدمة الأمة الإسلامية بكل ما يمكننا إنه ولي التوفيق.

стр. 196

الحقائق ومكانة الدين من الرقي من استعمل القوة الفكرية في الوسائط الموصلة إلى إدراك حقائق الأشياء لاحت له بوارقها وبدت له أشعة شموسها لا يذهب بك الوهم ولا يغري بك الخيال أن معرفة الحقائق تحصل بمجرد قراءة ألفاظ الكتاب وسرد العبارة من غير تعقل وإمعان ونظر في المقدمات المنتجة للمطلوب. كل إنسان مستعد لإدراك الحقائق لأن القلب الذي هو محل العلم كالمرآة بالنسبة إلى صور المتلونات تظهر كل فيها على التعاقب فكل قلب بالفطرة الإلهية صالح لإدراك الحقائق. العقل إذا لم يتحرك من معقول إلى معقول لم يدرك شيئاً من النظريات تلك الحركة هي المسماة بالفكر فكما أن العين الباصرة لا يمكنها إدراك الأشياء إلا عند ظهور النيرات كالشمس والقمر ونحوهما كذلك العقل لا يقدر على إدراك الحقائق إلا إذا أشرقت عليه أنوار التوفيق والهداية. فخاصية الإنسان هي معرفة الحقائق على الوجه الذي هي عليه بحيث يرتفع على قلبه حجاب الشك والوهم وبكمال هذه الخاصية ونقصانها يفضل بعض أفراد الإنسان على بعض. الحقائق سر مصون من ضمائر الكون لا يطلع عليه إلا من أفعم قلبه نوراً وامتلأ صدره إيماناً. ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور. معرفة الحقائق تتوقف على قوة العقل التي هي إحدى القوى الأربع التي إذا اعتدلت في الإنسان كان إنساناً كاملاً وهي قوة العقل وقوة الشجاعة وقوة العفة وقوة العدل فمن اعتدال هذه القوى الأربع تصدر الأخلاق المحمودة ثم أن العقول متفاوتة في فهم الحقائق على حسب استعدادها ومهما بالغ الإنسان في تعاطي الوسائط لا يتأتى له أن يستقصيها علماً بل لا يحوز إلا على المقدار الذي يناسب حاله مما هو من مقدور البشر فأهم شيء للإنسان الإقبال على طلب كشف حقائق الأشياء والإعراض عما يشغل سره من العوارض التي تحول بينه وبين طلبها ومتى انكشفت له تحقق عنده أن سعادة كل أمة تكون برجوعها إلى أصول الدين القويم والأخذ بأحكامه والتصدي لإرشاد العامة بمواعظ تستدعي تطهير القلوب وتهذيب الأخلاق ولم الشعث وجمع الكلمة. هل يكابر أحد أن صلاح هذه الأمة لا يكون إلا بالتمسك بقواعد الدين؟ هل ينكر أحد أن

стр. 197

الدواء الناجع لنهضتها هو امتثال أوامر الرب جل وعز واجتناب نواهيه والرضوخ لأحكامه. فإذا كان التمسك بأصول الدين ينشئ للأمة قوة الاتحاد وائتلاف الشمل ويبعثها على اقتناء الفضائل وتوسيع دائرة المعارف وينتهي بها إلى أقصى غاية في المدنية فلم لا تسارع إلى ما يكون وسيلة لنجاحنا وذريعة لإعادة مجدنا ونتجافى عما يطوح بنا إلى هوة التقهقر. لو جعلنا تاريخ الأمم مطمح نظرنا ونصب أعيننا لعلمنا أنه ما انقض صرح عز أمة. ولا انقلب عرش مجدها إلا التساهل في الدين واختلاف وشقاق. أو توسيد الأمور لغير أهلها وفي ذلك حيد عن سنن الله تعالى. لو تأملنا في آيات القرآن واعتبرنا الحوادث التي أملت بالإسلام لوجدنا أن سببها ترك الأوامر والميل عن الصراط السوي واتباع الهوى وخطوات الشيطان ولا يظلم ربك أحداً. نرجع إلى مداركنا ونصبر أخلاقنا ونلاحظ مسالك سيرنا هل نحن الآن متسربلون بسيرة الأسلاف الذين سبقونا الإيمان؟ هل فينا من يقتفي أثر العلماء ممن جاهدوا بأنفسهم وأموالهم في طاعة الله تعالى؟ كان من سيرتهم لتخلق بآداب الشريعة من استقامة الرأي وصدق القول وسلامة الصدر وصفاء الطوية والعفة عن الشهوات والحمية للحق والشفقة على عباد الله تعالى وهذا هو نتيجة التمدن الحقيقي. وأما سيرتنا الآن فلا يرتاب أحد أنها مباينة لما كان عليه السلف تبايناً جلياً. هل تنفع حكمة أفلاطون وأرسطو؟ هل يغني طب أبقراط وجالينوس؟ هل تفيد هندسة إقليدس، وهيئة بطليموس مع الانحراف عن الدين والإعراض عن الحق. والأخذ بالصد عن الاقتداء بالقرآن العظيم، والعمل بسنة النبي ﵊! لا يتبادر إلى ذهن القارئ أن كلامنا هذا من قبيل التنفير عن الاشتغال بدراسة الطب والهندسة وغيرهما أو من قبيل ذمها وتثبيط الهمم عن تعاطيها كلا ولكن من باب التقريع لمن أقبل بشراشره على تحصيلها ونبذ علوم الدين وراءه ظهرياً، زعماً منه أنه بلغ بذلك نم الترقي في المدنية غاية لا مطلع للرغبة وراءها وأداه الجهل بأحكام الله التي شرعها وحدوده التي حدها إلى انتهاك حرمة الدين وارتكاب ما نهى عنه. وإلا فتلك العلوم في ذاتها لا ينكر عاقل أنها من جملة

стр. 198

الأسباب في ترقي النوع الإنساني ومن البواعث على تنوير عقله واتساع دائرة فكره. نحن لا نذم علماً من العلوم لذاته لأن كل علم لا يخلو من منفعة أما في المعاد أو المعاش أو في الكمال الإنساني وإنما نذم بعض العلوم لأحد أسباب إما لكره مؤدياً لضرر بصاحبه في دينه وإما يكون المتعلم يقصد بالعلم أمراً فوق غايته. فينبغي أن يكون للإنسان نظران يرمي بأحدهما إلى الدنيا في انتظام الشؤون وتحسين الأحوال، وبالآخر إلى الآخرة في استعمال الوسائل الموصلة إلى رضاء الله والفوز بما وعد به. خير رجال هذه الأمة من لا تشغله آخرته عن دنياه ولا دنياه عن آخرته. فمن كان له قلب يفقه وعين تبصر وأذن تسمع وتتبع حوادث العالم يحكم حكماً لا يشوبه الريب بأنه ما حاق السوء بالأمة لا وكانت هي الظالمة لنفسها بما تجاوزت من حدود الله تعالى وانتهكت حرماته وانحرفت عن شرائعه. لكن هذه الأمة المحمدية ما زال الخير فيها إن شاء الله ولا يزال إلى يوم القيامة كما جاءت الأخبار ودلت الآثار. وهذا الانحراف الذي نشاهده اليوم من بعض الناس والتساهل في الدين نرجو أن يكون من العوارض التي يحكم بسرعة زوالها خصوصاً إذا تداركتهم العناية والتوفيق ورجعوا إلى ما يأمرهم به ربهم وراجعوا علماء الدين المعروفين بالفقه والتقوى والاستقامة والصدق فأخذوا عنهم معالم دينهم وعلى العلماء الأتقياء أن يسارعوا إلى إرشاد الخلق بأداء ما عليهم من النصيحة لله ولرسوله وللمؤمنين ويشمروا عن ساعد الجد بتذكيرهم بالمواعظ وآداب الشريعة المطهرة لعل الله يزحزح عن قلوبهم غيوم الأوهام ويشرح صدروهم لتلقي الأحكام التي لا يرتاب عاقل بأنها السبب الأقوى لترقيهم ذرى المجد وتنسمهم شاهق العزة والله نسأل أن يهدينا إلى سواء السبيل.

стр. 199

التايخ تابع ترجمة أبي بكر ﵁ خرج أبو بكر ﵁ إلى ذي القصة فعسكر بها وعقد لقتال المرتدين أحد عشر لواء لأحد عشر قائداًَ: لخالد بن الوليد وأمره بطليحة بن خويلد فإذا فرغ سار إلى مالك بن نويرة. لعكرمة بن أبي جهل وأمره بمسيلمة. (٣) للمهاجر بن أبي أمية وأمره بجنود العنسي ومعونة الأبناء ثم يمضي إلى كندا بحضرموت (٤) لخالد بن سعيد وبعثه إلى مشارف الشام. (٥) لعمرو بن العاص وأرسله إلى قضاعة. (٦) لحذيفة بن محصن الغلفاني وأمره بأهل دبا (٧) لعجرفة بن هرثمة وأمره بمهرة (٨) لشرحبيل بن حسنة وبعثه في أثر عكرمة بن أبي جهل (٩) لمعن بن حاجز وأمره ببني سليم ومن معهم م هوازن. (١٠) لسويد بن مقرن وأمره بتهامة اليمن (١١) للعلاء بن الحضرمي وأمره بالبحرين. وكتب للأمراء عهداً هذا صورته: بسم الله الرحمن الرحيم_هذا عهد من أبي بكر خليفة رسول الله ﷺ لفلان حين بعثه في من بعثه لقتال من رجع عن الإسلام وعهد إليه أن يتقي الله ما استطاع في أمره كله، سره وجهره، وأمره بالجد في أمر الله، ومجاهدة من تولى عنه، ورجع عن الإسلام إلى أماني الشيطان، بعد أن يعذر إليهم فيدعوهم بدعاية الإسلام فإن أجابوه أمسك عنهم وإن لم يجيبوه شن غارته عليهم حتى يقروا لبه ثم ينبئهم بالذي عليهم والذي لهم فيأخذ ما عليهم ويعطيهم الذي لهم لا ينظرهم ولا يرد المسلمين عن قتال عدوهم فمن أجاب إلى أمر الله وأقر له قبل ذلك منه وأعانه عليه بالمعروف وإنما يقاتل من كفر بالله على الإقرار بما جاء من عند الله فإذا أجاب الدعوة لم يكن عليه سبيل وكان الله حسيبه فيما

стр. 200

استسر به ومن لم يجب إلى داعية الله قتل وقوتل حيث كان وبلغ مراغمه ولا يقبل الله من أحد شيئاً مما أعطي إلا الإسلام فمن أجابه وأقر قبل منه وأعانه ومن أبى قاتله فإن أظهره الله عليه قتلهم فيهم كل قتلة بالسلاح والنيران ثم قسم ما أقدر الله عليه إلا الخمس فإنه يبلغناه ويمنع أصحابه العجلة والفساد وإن من يدخل فيهم حشواً حتى يعرفهم ويعلم ما هم لئلا يكونوا عيوناً ولئلا يؤتى المسلمون منقبلهم وأن يقتصد بالمسلمين ويرفق بهم في السير والمنزل ويتفقدهم ولا يعجل بعضهم عن بعض ويستوصي بالمسلمين في حسن الصحبة ولين القول. وكتب للمرتدين كتباً يأمرهم فيها بالرجوع إلى الإسلام ويهددهم إذا لم يجيبوا لذلك وسير هذه الكتب قبل مسير الأمراء ثم خرجت الأمراء معهم العهود كل إلى وجهته والله ناصره. خبر طلحة كان طليحة بن خويلد الأسدي رجلاً كاهناً ادعى النبوة في زمن النبي ﷺ فبعث ﵊ ضرار بن الأزور ﵁ لمقاتلته فسار إليه ولما هم بأخذه جاءت الأخبار بوفاة النبي ﷺ فقام عيينة بن حصن في بني غطفان وقال إني متابع طليحة والله لأن نتبع نبياً من الحليفين أحب إلينا من أن نتبع نبياً من قريش وقد مات محمد وبقي طلحة فطابقوه على رأيه فلما اجتمعت غطفان على المطابقة لطليحة رجع ضرار بن الأزور ومن كان معه إلى المدينة فأخبروا أبا بكر ﵁ الخبر وأمروه بالحذر قال ضرار فوالله ما رأيت أحد ليس رسول الله ﷺ إملاء بحرب شعواء من أبي بكر فجعلنا نخبره بالخبر ونأمره بالحذر ولكأنما نخبره بما له ولا عليه أه. فلله در أبي بكر ﵁ ما أشجع قلبه، واشد بأسه ولما انهزمت عبس وذبيان كما قدمنا في خبرهم رجعوا إلى طليحة وكان نازلاً على بزاخة فضمهم إليه وارسل إلى جديلة والغوث من بني طيء يأمرهم باللحاق به فتعجل إليه بعضهم وأمروا قومهم باللحاق بهم وكان أبو بكر ﵁ أرسل عدي بن حاتم قبل خالد إلى طيء فدعاهم وخوفهم فأجابوه ولحق بالمسلمين منهم ألف راكب فكان عدي خير مولود في أرض طيء وأعظم بركة عليهم فسار خالد يريد طليحة فالتقى بالمرتدين ببزاخة فقاتلهم قتالاً شديداً وطليحة

стр. 201

متلفف كسائه يتنبأ لهم فلما اشتد الحرب كر عيينة على طليحة وقال له هل جاءك جبريل بعد قال لا فرجع فقاتل ثم كر على طليحة فقال له لا أبا لك أجاءك جبريل قال لا فقال عيينة حتى متى قد والله بلغ منا ثم رجع فقاتل قتالاً شديداً ثم كر على طليحة فقال هل جاءك جبريل قال نعم قال فماذا قال لك قال قال لي إن لك رحى كرحاه وحديثاً لا تنساه فقال عيينة قد علم الله أنه سيكون حديث لا ننساه انصرفوا يا بني فزارة فإنه كذاب فانصرفوا وانهخزم الناس وكان طليحة قد عد فرسه وهيأ بعيراً لامرأته فلما أن غشوه الناس يقولون ماذا تأمرنا قام فوثب على فرسه وحمل امرأته وقال من استطاع منكم أن يفعل مثل ما فعلت وينجو بأهله فليفعل ثم انهزم فلحق بالشام ثم نزل على كلب وارفض جمعه وقتل الله من قتل وأسر عيينة بن حصن فقدم على أبي بكر فكان صبيان المدينة يقولون له وهو مكتوف يا عدو الله أكفرت بعد إيمانك فيقول والله ما آمنت بالله طرفة عين فتجاوز عنه أبو بكر ﵁ وحقن دمع وقد أسلم طليحة بعد ذلك لما بلغه أن اسداً وغطفان قد أسلموا وسيأتي له ذكر جميل في فتح العراق.

стр. 202

مسألة التلغراف اطلعت على مقالة في المقتبس عدد ٥٠٠ للعالم الفاضل جمال الدين القاسمي فيما يتعلق بالتلغراف من ثبوت الأحكام الشرعية وقد ذكر أنه كان من الباحثين في هذه المسألة من سنين وأنه الآن رأى في الاتحاد العثماني مقالة تحت عنوان (كيف أعلن العيد وجواز العمل بالتلغراف) مضمونها صحة العمل به في ثبوت الهلال وأن قاضي مصر قضى بذلك. بعد مذاكرته مع مفتيها استناداً على التلغراف الوارد في رؤية الهلال هناك وأكده بفتوى الشيخ عليش المالكي بذلك ونقل عن الشيخ عبد الباقي الأفغاني الحنفي والشيخ محمد الشطي الحنبلي أنها أفتيا بذلك وأن الأول وافق كبار علماء الشافعية بدمشق الذين كانوا يفتون بها واستدل عليه بابتناء السلطنة السنية عليه قائلاً بأنها أيدها الله تعالى وضعت التلغراف لتبليغ الأخبار من البلاد البعيدة والقريبة في مدة يسيرة وأقامت لأعماله أشخاصاً مسلمين وأنفقوا على ذلك إلى آخر ما ذكره. فأقول وبالله تعالى التوفيق والهداية لأقوم طريق إن ما ذكره من الأدلة لا ينهض دليلاً لثبوت ذلك شرعاً فإن الشارع ﷺ قال صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين. واتفقت علماء المذاهب الأربعة على رد قول من قال أنه يثبت بقول أهل الحساب مع أنه أولى من التلغراف وأجدر منه بالاعتبار لما هو مشاهد من شيوع الغلط فيه على أن الشيخ عليش ﵀ س ل عن حكم شرب الدخان فيما نقله عنه في الفتاوى الكمالية فأجاب بأن الدخان لا نص فيه للمتقدمين لعدم وجوده في زمانهم وإنما حدث بعد الألف من الهجرة ولذلك اختلف العلماء فيه الخ. . فأنت ترى أن الشيخ المذكور ناقض نفسه لأنه لم يفت بحكم الدخان لعدم وجوده في زمن المتقدمين وأفتى بالتلغراف وكلاهما لم يوجدا بزمن المتقدمين بل حدوث التلغراف بعد الدخان بأعوام عديدة وهذا منه عجيب وأما ما نقله عن رسالة الشيخ عبد الباقي الأفغاني ورسالة الشيخ محمد الشطي فهو نقل محرف لأنهما بعد تقديم مقدمات حقوقية يجري فيها قبول الكتابة المحفوظة كالمبرآات السلطانية والفرمانات الخاقانية ألحقا بذلك قبول التلغراف بالحقوق كالوكالة وما شابهها إلا أنهما أفتيا بأنه تثبت به أركان الدين ولولا خوف الإطالة لنقلت ما ذكراه بتينك الرسالتين فعليك أيها القارئ بمراجعتهما وحقاً إني لأعجب من هذا الفاضل كيف ينقل من عبارة صدرها الذي هو

стр. 203

مقصوده ويترك محل الشاهد الذي هو مقصود المؤلف منها وهذا ليس من شأن العلماء لأن العلم أمانة. وأما نقله عن بعض الطلبة القائل ليس هذا أي ثبوت شهر رمضان بالتلغراف من مذهبنا أو ليس عندنا الخ ثم رده عليه بقوله أن هذا اشتباه لأن المذهب الذي ينسب إلى إمام نفياً أو إثباتاً هو ما قاله أو نص عليه إلى آخر ما رده فأجيب عنه بأن ما قاله هذا البعض هو الحق الصريح وخلافه باطل وغير صحيح وكون إثبات رمضان غير منصوص عليه من صاحب المذهب غير صحيح وأيضاً بل نصت علماء المذاهب على حصر ثبوت شهر رمضان بالرؤية أو بإتمام العدة وذلك نص صاحب الشرع ﷺ والحاصل أن من له أدنى إلمام بفروع الشرع وأصوله لا يقول بثبوت شهري رمضان وشوال بالتلغراف بل أكثر ما يقال فيه أنه يورث شبهة بالحقوق لا بالديانات ثم ليت شعلاري من هم علماء الشافعية في دمشق الذين أفتوا به ووافقهم الشيخ عبد الباقي الأفغاني ليتنا نطلع على أسماءهم وعلى ما ذكروه من الأدلة وأظن أنه ليس عندهم إلا الاستحسان العقي ومن المعلوم المقرر أن أسرار الشرع المطهر لا يستقل بها العقل أعفانا الله تعالى من هذه الترهات ودخلنا بواسع الرحمات بجاه صاحب المعجزات ﷺ دمشق راغب السادات

стр. 204

عود على بدء لحضرة الأستاذ الشيخ جمال أفندي القاسمي لا أعجب ولا أستغرب من جاهل يتعالم أو أحمق يتعاقل لأن الفطرة في ذاتها توحي للجاهل بفضل العلم وللأحمق بفضيلة العقل والنفس خلقت جالبة ما ليس لها حريصة على التحلي بغير حليها (هم يحسدون الناس على ما آتاهم من فضله) لكن أتعجب من عالم لا خلاف في عالميته وفضله يتجاهل في محاولة إثبات محال ممتنع. يا أستاذ ليس هذا الدين من الأديان المنوط تبديلها وتغييرها بعلمائها وأمرائها وذوي الحل والعقد منها ولا يستطيع أحد أن يجعل محكماً من نصوصه متشابهاً ولا ناسخاً ولا منسوخاً ولا منسوخاً ناسخاً إلا (الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله) وأعيذك بالله أن تكون منهم إثبات الإفطار والصيام من مسائل الدين المستندة إلى الصول الشرعية فدع ما قال وقالوا وانبذ ما سوى قول الله وقول رسوله ثقال الله تعالى: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) وقال رسول الله ﷺ (صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته) الحديث. فأنت ترى أن الله تعالى قال (حتى يتبين لكم) فكيف يصح لنا اعتماد ما تبين لغيرنا ولم يتبين لنا والرسول ﵊ قال (صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته) فأنى لنا أن نصوم ونفطر لرؤية غيرنا سيما في قطر يخالف مطلعه قطرنا. لا يرتاب ذو مسكة من العلم أن الذين أمروا بهذا الأمر كانوا عالمين باختلاف المطالع وفهموا معنى هذا القيد ولذا لم يسالوا عنه على عادتهم الاستفهام عن كل ما يشكل عليهم حتى الكلمة الواحدة. كنت قدمت لكم أمثلة عن اختلاف المطالع في الطول لكن هذا الاختلاف ليس منحصراً في الطول فقط بل هو موجود في العرض أيضاً وكما أن الفرق في الطول يعرف من تقسيم ٢٤ ساعة على درجة ٣٦٠ ففي العرض كذلك مثلاً أن الفرق في العرض بين دمشق والمدينة المنور ٩ درجات و١٠ دقائق فاضربهن بأربع دقائق الخاصة كل درجة تجد الفرق بين المطلعين تماماً فالآن في ١٥ كانون الثاني طلعت الشمس في المدينة في الساعة الواحدة وبعض دقائق في حين أنها تطلع في دمشق في الساعة الواحدة وبضع وثلاثين دقيقة فإذا كان هذا الدليل العلمي والحسي معاً ظاهراً كالشمس في اختلاف دون عشر

стр. 205

درجات وهو كاف لتولد الهلال به في أحد المطلعين فكيف لا يكون كافياً في ما بين الاستانة ودمشق وبغداد وأرض روم وصنعاء ولعمري أن المكابرة بقال فلان وقال فلان ونؤمل أن يقول فلان لا تغني من الحق شيئاً أترى يا أستاذ أنك لو نويت صيام يوم وفي الصباح أتاك تلغراف من بطرسيبرج يقول لك كل واشرب إلى وقت كذا لأنه عندنا ليل وأنت تنظر الشمس طلعت أو كادت تطلع أكنت تتبع قوله أم ترفضه؟ ثم بقيت صائماً فقبل الغروب جاءك تلغراف من بغداد بأن الشمس غربت والليل طلع وأنت تنظر الشمس لم تغرب أكنت تفطر وتأمر أخاك الذي في مراكش بأن يفطر والوقت عصر عنده؟ كلا ما أنت فاعل هذا ولا ذاك فهل ترى أنك مضطر بالدين إلى اعتبار المطالع أم لا. . أراك يا أستاذ حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء فبأي قياس عقلي تجوزون الاعتماد على التلغراف في الأمور الشرعية مع أنه عبارة عن ناقل يملي بغير فهم وآخر يفهم غير ما ألقي إليه وكل منهما يحرف كما يفهم ولو تتبعنا سقطاته بالأخبار لملأت كتاباً وحيث أن مجلة الحقائق استوفت نقص أسس ما بنيتم عليه صرح بشارتكم فلا حاجة للبحث معكم في زخرفه ووهنه (أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا حرف هار). لماذا يا أستاذ اكتفيت بهذه البشارة عن (طبارة) عن (مصر) بخ بخ (يوحي بعضهم إلى بعض) ولم تبشر المسلمين كافة والناشئة المتمدنة خاصة بسائر البدع العصرية لا جرم أنك لو بشرت هؤلاء المتمدنين بها قبل ما بشرتهم بشيء لا علاقة بينهم وبينه ولا تعارف لكانوا أكثر سروراً منك واشد غبطة بفضلك هذا ما حضرني الآن راجياً تغاضيك عن مزجاة بضاعتي وعسى أن تعود فنعود. المدينة المنورة مختار المؤيد

стр. 206

حجاب الفتاة بقلم الشاعر الكبير عبد الحميد أفندي الرافعي عن الرأي العام الأغر بنت الحجاب ترينهم ظلموك ... والصون أمك والعفاف أبوك خافوا عليك من العيون وربما ... من سحر عينك للورى خافوك ستروك عن مقل الرجال وليتهم ... حتى عن الجارات لو ستروك أنت الزجاجة بينهم لولا الحمى ... في كسر بيتك خلتهم كسروك إن اللحاظ سهام شيطان الهوى ... لن تتقى بفؤادك المضنوك قد لذ عيشك بالعفاف وإنه ... شرف توارث مجده أهلوك وألفت روض الخدر حتى خلتهم ... لو أخرجوك لنزهة مقتوك لم يرضهم سقف السما وبودهم ... لو أنهم عن شبهها حجبوك وتصد عنك الشمس أختك غيرة ... ويكاد يمتشق الحسام أخوك وكذاك أنت كما ربيت نزوعة ... للستر لن يلفى وينطق فوك ومن العجائب أن بعض بنيك في ... هذا الزمان برأيه الموعوك قدر أم كشف عنك سفاهة ... يا بئس ما رام الغداة بنوك ودت رجال الدين زخرف قولهم ... ولو أنهم نجحوا إذن فضحوك قالوا الحجاب ظلام ظلم للنسا ... وتشدقوا بالعلقم المعلوك رامو بمثلك خطة بل خزية ... من دونها خوض الدم المسفوك ما شم ريح الدين يوماً من يرى ... فضلاً عن المستور للمهتوك يدعو النسا لوظائف قد خصها ... برجالها رب بغير شريك متحككاً بعوائد البعداء لم ... يبرح منها متحنكاً يهجوك ويرى التبرج كالمباح وذاك ما ... يأباه بين العالمين ذووك ويرى مخالطة الفتاة مع الفتى ... تدعو إلى التسكين لا التحريك وتعود البصرين نظرة مخلص ... أبعصمة كحلوة أو كحلوك أوليس من قد حام من حول الحمى ... في موقف من أن يهال وشيك

стр. 207

وأرى شباك الحسن أعظم قانص ... قل لي فما هي حالة المشبوك والناس أكثرهم عبيد فروجهم ... من مالك منهم ومن مملوك إن قيل أن الوجه ليس بعورة ... ومرادهم هذا بلا تشكيك فثقي بأن الوجه أكبر فتنة ... ولو انجلى لملائك وملوك إلى أن يقول هذا إذا اكتفت النساء بالوجه لم ... تتعداه وبعقلها ناهيك أما إذا كشفت خصائل شعرها ... ما بين محلول إلى محبوك وتدرجت من بعد ذا يوماً إلى ... كشف الصدور وددت لو وأدوك فمصائب التقليد قد كثرت ومن ... ذا الداء غير الستر ليس يقيك ثم قال ماذا يكون من النتائج ويحكم ... لا تعبثوا بالمذهب المسلوك فالدين والناموس يأبى كلما ... جئتم به من ذلك التأفيك إن الحجاب يصون من عين الفتى ... بنت الغني وزوجة الصعلوك وهناك أمر لو دريتم شره ... لم تجعلوه كمهمل متروك إن ابتذال الوجه منه مجفف ... ماء الحياء فويل كل هتوك وجمال ذي الخفر المهيب مؤثر ... في القلب سطراً ليس بالمحكوك متضمناً معنى عجيباً مشبهاً ... سحر التواضع في اعتزاز مليك وجلالة الحسن المصون يحسها ... من كان ذا دين وحسن سلوك تقتاد أملاك القلوب كأنما ... وضعت عليها خاتم التمليك بالله يا ذات النقاب تشبثي ... ودعي أقاويل الأُلى امتهنوك زعموا إناب تتهذبي في كشفه ... وتهذبي كذبوا ودين أبيك إن كان تعليم النسا بترجل ... فالجهل عندي موجب التبريك عز الفتاة هي الصيانة وحدها ... وكمالها بالستر لا التهتيك يكفيك بعد الدين أن تتعلمي ... تدبير منزلك الذي يؤويك لا الناس في هذا الزمان كما نرى ... ناس وليس النهج غير مشوك

стр. 208

ساروا على سنن الأُلى من قبلهم ... شبراً بشبر فالزمي ناديك وتمسكي بحمى الحجاب على المدى ... وسلي الإله هداية لبنيك

стр. 209

المولد الشريف بعد طبع ما تقدم قرأنا في (الكائنات) للشاعر المجيد الشيخ أحمد أفندي الصابوني أحد كتاب حماه قصيدة عنوانها (المولد الشريف قال في أولها: ما في المواسم والعادات في العيد ... يوم كميلاد أبهى كل مولود فيا ربيه شهور العام جئت به ... يوليك من كل شخص كل تمجيد تزهو لياليك إشراقاً بطلعته ... فهنَّ بيض المحيا لسن بالسود إلى أن قال: قف إن تبدى لك القبر الشريف وقل ... في صوت مبتئس بالحزم مكمود المسلمون أضاعوا ما أمرت به ... واستبدلوا البعض منه بالتقاليد تفرقوا فأبوا إلا مناجزة ... بعضاً لبعض وخلقاً غير محمود للعلم عادوا وما عادوا له فغدا ... لهم عدوّ أو من عادى فقد عودي ومن يهن نفسه لم يلق مكرمة ... إن الهوان أتى في كل تنكيد يراد منهم بأن يسعوا لما نجحت ... به الأجانب من قصد ومقصود لا يريدون إلا ما يؤخرهم ... حتى استقاموا على عجز وتسهيد ماذا يرى مدعي الإصلاح حين يرى ... مقتل الوقت بين الدف والعود وصاحب الجاه إذ يختاره شركاً ... لصيد مال عظيم القدر منقود لله كم من ضمير بات محترقاً ... حزناً بناء أتنى لا نار أخدود ونادب أسفاً مما يشاهده ... وقائل يا ليالي مجدهم عودي

стр. 210

العدد ٨ - بتاريخ: ١ - ٤ - ١٩١١

стр. 211

الدين الإسلامي والتوحيد تابع لما قبله العلم ٩ إن بداهة العقل جازمة، بأن الذي وجد العالم وأتقنه، وأقامه على هذا النمط البديع وأحكمه، وأبرزه إلى حيز الوجود مشحوناً ببدائع تأخذ بالألباب وتحار فيها المدارك ووضع الأشياء في مواضعها وهدى كل ممكن لما يحتاج إليه في وجوده وحياته، وركب في كل إنسان عواطف وأميالاً صالحة لتكميله وإيصاله إلى غاية عالية من الرفعة الصورية والمعنوية وهو موصوف بصفة العلم وقد تقرر أن من ثبتت له الألوهية ثبتت استناداً لحوادث في وجودها إليه وذلك لا ريب مستلزم علمه بما يفعله. فهو عالم بجميع المعلومات محيط بما يجري من تخوم الأرضين إلى أعلى السموات لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، يدرك حركة الذر في جو الهواء، يعلم السر وأخفى ويطلع على هواجس الضمائر وحركات الخواطر وخفيات الأسرار. تأمل هذه الحيوانات كيف اختلفت في الصور والهيئات وتنوعت في القدر والأحجام وتباينت في التراكيب والأجسام وكيف نشأ فيها ذلك الإلهام العجيب الذي يهديها لبناء مساكنها وتغذية صغارها والهيمنة على أحوالها وأمورها أنى اهتدت إلى معايشها ووفقت لسبل غذائها وما يقيم حياتها وهذا النحل على صغر حجمه كيف هدي إلى اتخاذ البيوت مسدسة الشكل متساوية الأضلاع لا يزيد بعضها على بعض بمجرد طبعها والعقلاء من البشر لا يمكنهم مثل تلك البيوت إلا بآلات وأنظار دقيقة فجل العليم الحكيم الذي يعلم ذلك كله بعلم قديم أزلي لم يزل موصوفاً به أزل الآزال لا بعلم متجدد حاصل في ذاته بالحلول والانتقال. اتفق جمهور العقلاء على أن العلم صفة أزلية قائمة بذات الله تعالى تنكشف بها المعلومات عند تعلقها بها سواء كانت المعلومات موجودة أو معدومة قديمة أو حادثة كلية أو جزئية، وهو ليس بعرض ولا ضروري ولا مكتسب لأن الضروري قد يطلق على ما قارنته الضرورة من الحوادث والكسبي من صفات العلم الحصولي وكل ذلك محال في حق الله تعالى.

стр. 212

ومن الأدلة على وجوب صفة العلم له كونه فاعلاً بالاختيار في جميع الأشياء لا وجوب ولا إيجاب عليه والفاعل المختار يجب أن يعلم ما يقصده إيجاده_فهل كون هذه الكائنات على ما هي عليه من إبداع وجمال ونظام وهو غر عالم (معاذ الله) ماذا يصنع وغير مدرك (حاشا لله) ماذا يعمل. . ألا يدل ذلك على أن مصدره هو الله الذي لا يعزب عن علمه شيء في الأرض ولا في السماء العالم بحال الإنسان وهو جنين في بطن أمه وتقلبه من طور إلى طور حتى بلغ قمة الإبداع التكويني (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير). وقد أرشدنا الله تعالى إلى ما هو المنتهى في الاستدلال قال تعالى (وعنده مفاتيح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا ويعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) (يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور) إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء إلى غير ذلك من الآيات فسبحان من أحاط بكل شيء علماً وأحصى كل شيء عدداً) بقي شيء ينبغي التنبيه عليه وهو أن المخلوقات وإن كان لها حظ من وصف العلم إلا أن علمه تعالى مباين لعلمها إذ علمه لذاته لا بسبب من السباب فلا يفتقر إلى آلة ولا إلى جولان الفكر وأفاعيل النظر بخلاف علم غيره من الممكنات فإنه لا يتأتى حصوله إلا بأحد أسباب ثلاثة: الحواس السليمة، والخبر الصادق، ونظر العقل فيكون علم كل إنسان حادثاً ومتجدداً وما حصله فليس إلا جزء محدود_وبعبارة أخرى ليس إلا عدماً بالنسبة لما يجهله من المعلومات لا تتناهى (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) ومع ذلك لم يحرمه العليم الحكيم جل شأنه مما ييل أوام مطامحه، وينقع أوار مطامعه، فلا تجده خطا خطوة إلى الأمام حتى أوسع الله أمامه من الباحات، ومهد له من الساحات ما لا يستطيع معه أن يدعي ضيق المجال وحرج المضمار (وقل رب زدني علماً). الحياة ١٠ ومما يجب له سبحانه صفة الحياة وهي صفة أزلية قائمة بذاته تعالى تقتضي صحة اتصافه بالعلم وغيره من الصفات والدليل على وجوب الحياة له تعالى أنه متصف بالقدرة وافرادة والعلم كما قدمنا وهي ملزومات للحياة وتحقق الملزوم يقتضي تحقق اللازم وحياته تعالى

стр. 213

مباينة لحياة غيره من الممكنات بالضرورة إذ كل ممكن حياته حادثة ولا تكون إلا بواسطة_انظر إلى هذا الهيكل الإنساني تظهر لك ماهية حياته_حركات دائمة، مجهودات من أجزائه متواصلة، لا تهدأ مطرف عين، ولا تقف لحظة من زمان، قلب يرتجف، ومعدة تعمل، وعصارات تفرز، وسوائل تتحلل، وتتركب وتترشح وتتصاعد، وغدد تختزن السوائل لحين الحاجة، ودم دائب الجريان في أجزاء الجسد، وخلايا بسيطة تتلاشى وتتكون وتتكاثر إلى غير نهاية_وكل هذا لا يهدأ لحظة ولا يسكن آونة في ليل أو نهار فالإنسان أبدع الأنواع الحية وأكمل نموذج للصورة المادية فسبحان الخلاق العظيم.

стр. 214

حجاب المرأة في الإسلام تحت هذا العنوان قرأنا في المقتبس عدد ٥٩٣ و٥٩٤ مقالة للكاتب المغربي ذكر فيها ما محصله أن الحجاب على الطريقة المألوفة اليوم ليس مما أشار إليه الإسلام بل هو من جملة ما طرأ على المسلمين بما أحاط بهم من المؤثرات والعادات وتقاليد الأسر وتقريرات الشيوخ وآراء علماء المذاهب ونحو ذلك_وأن الغرض من الحجاب حفظ كرامة النساء وذلك يحصل بترك التبرج وعدم الخلوة بالأجنبي والسفر مع محرم، وأن ما ألزم به المسلمون نساءهم من تلفع المرأة بإزار يسترها من فرقها إلى قدمها ومنعها الخروج من دارها إلا لضرورة وعدم محادثتها الرجل الأجنبي وتركها المساجد في الجمع والجماعات وكونها لا تزاول بعض أعمال الرجال (أي لا تسعى مع الرجل في طلب الرزق) ليس مما شرعه الإسلام. ثم نقول قولاً يعارض بها مثبتي الحجاب ليس لها نصيب من الصحة ولا طريق من الاعتماد إذ أكثرها غير معروف المصدر وربما كانت جميعها من كتب الأقاصيص والسمر على أن جلها يشهد عليه لا له كما يتضح للمتأمل. اعتمد الكاتب أثناء مقالته الوجهة الاجتماعية وقال أن الإسلام لا يصادم نواميس الاجتماع وهو بطبيعته السمحة لا يمكنه أن يقول لهؤلاء الأقوام افعلوا غير ما يقتضيه عمرانكم وطبيعة اجتماعكم_وهكذا هرف بما يرضاه الهوى، وتحبه النفس، عدا عما منه في كلامه من الفروض الممتنعة الباطلة والمغامز الصريحة بإيذاء أهل الدين وحملة العلم مما سنبينه بعد_كل هذا كتبه الكاتب المغربي ولم يراع إلا ولا ذمة، ولا عهد ولا وفاء، وهكذا شأن بعض كتبة اليوم_كان سلفنا يكتبون وخشية الله ملء قلوبهم وهو السؤال نصب أعينهم، يروجون يواب الله ويخافون عقابه، فخلف من بعدهم خلف نسوا السؤال والحساب، وذهولا عن أهوال العقاب، يكتبون للشهرة، ويسيرون وراء الغاية، أضرت بالدين أم لم تضر، ناقضت ما بني عليه من الآداب أم لم تناقض. الكاتب المغربي معروف الرأي عند قومه وكل مطلع على كتاباته، وليست هذه المسألة_حجاب المرأة_بأول مسائله، على أنه هو ليس بأول قارع لها طرقها قبله فئة من المتطرفين وأكثرهم يجد في هتك ستر هذه المرأة المسلمة ويسعى في أن تكون كالمرأة الغربية من كل وجه.

стр. 215

جاء في مقالة الكاتب بعد نقله أن عائشة بنت طلحة وسكينة وعمرة الجمحية كان يجتمع إليهن الرجال لإنشاد الشعر ما نصه_وكما يقال عن عقائل لوندره وباريس اليوم أن فلانة منهن (صاحبة صالون) يجتمع فيه الفضلاء والعلماء والأدباء للمسامرة والحديث_يصح أن نقول نحن أن أولئك العقائل الثلاث العربيات (عائشة وسكينة وعمرة) كن من ذوات الأندية في صدر الإسلام فهذا كما ترى أيها القارئ صريح بأن غاية ما يحبه المغربي وما يتمناه بل يعده خطوة عظيمة في سبيل ترقي المسلمين هو أن تلقب نساؤنا بما تلقب به تلك النساء الغربيات، وربما تهكم بمن يتباعد من مخالطتهن ويمنع نساؤه من محادثتهن_اقرأ ما كتب أثناء مقالته وبه تعلم الغاية التي يرمي إليها وكيفية ازدرائه بالمتدينين_قال وبلغ الأمر ببعض الصلحاء المتنطعين (كذا) أن كان لا يأذن لنسوة بيته بالخروج أبداً فلزمن البيت وكن لا يعرفن الدواب والأنعام فكان لأستاذ يصف ذلك لهن وقد أرادت إحدى الفلاحات المسيحيات الدخول عليهن فمنعها بداعي أن دخولها لا يجوز شرعاً كما علمهن والدهن أه قلنا أن الكاتب المغربي لم يكن أول مريد لكشف حجاب المرأة المسلمة بل سبقه إلى ذلك شرذمة ممن احتكوا بالغربيين وتغذوا بغذائهم وشربوا من شرابهم وهذه الشرذمة هي الشرذمة التي يصح أن نلقبها بالشرذمة المفتونة شرذمة الطيش والحمق هي الشرذمة التي ابتليت بحب الفرنجة وصارت بحيث ترى الكمال وسائر الفضائل لهم وحدهم. هي الشرذمة التي غرتها زخرفة الغربيين وقوي عليها شيطان مكرهم وخداعهم فحسبت أن قانون الغرب مطابق لقانون الشرق وأن ما هناك من الميول والعادات ينطبق على ما هنا من الأخلاق والآداب هي الشرذمة التي نسيت تاريخ الإسلام والمسلمين فلم تحفظ للمسلمين مزية ولم تعرف لهم فضيلة هي الشرذمة التي يجب على كل ذي دين أن ينبذها نبذ النواة لأنها أضرت بالدين والمتدينين. حسبك أيتها الفئة المفتونة بحب الأعداء أنا لم نسمع لك قبل أن تعلن فرنسا براءتها من الدين صوتاً. ولم نعرف ذلك ذكراً. وبعد أن احتك الغربيون بالشرقيين ورموا عليهم ويلاتهم وشرور أفكارهم_سبقت جميع الطبقات لإجابة ندائهم وتلبية دعائهم فجعلت وجهتك في كل حال وقبلتك في كل زمان تتلمذت لهم واقتفيت آثارهم وأحييت لهم لغاتهم وحبذت جميع أعمالهم ثم لم تقفي عند هذا الحد من الولوع بهم بل قمت تدعين أبناءنا إلى ذلك
следующие страницы →