← Джавами‘

Джавами‘ · id 29676

مجلة الحقائق

عبد القادر الإسكندراني

Полный текст (1 077 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الدين الإسلامي والتوحيد تابع لما قبله العلم ٩ إن بداهة العقل جازمة، بأن الذي وجد العالم وأتقنه، وأقامه على هذا النمط البديع وأحكمه، وأبرزه إلى حيز الوجود مشحوناً ببدائع تأخذ بالألباب وتحار فيها المدارك ووضع الأشياء في مواضعها وهدى كل ممكن لما يحتاج إليه في وجوده وحياته، وركب في كل إنسان عواطف وأميالاً صالحة لتكميله وإيصاله إلى غاية عالية من الرفعة الصورية والمعنوية وهو موصوف بصفة العلم وقد تقرر أن من ثبتت له الألوهية ثبتت استناداً لحوادث في وجودها إليه وذلك لا ريب مستلزم علمه بما يفعله. فهو عالم بجميع المعلومات محيط بما يجري من تخوم الأرضين إلى أعلى السموات لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، يدرك حركة الذر في جو الهواء، يعلم السر وأخفى ويطلع على هواجس الضمائر وحركات الخواطر وخفيات الأسرار. تأمل هذه الحيوانات كيف اختلفت في الصور والهيئات وتنوعت في القدر والأحجام وتباينت في التراكيب والأجسام وكيف نشأ فيها ذلك الإلهام العجيب الذي يهديها لبناء مساكنها وتغذية صغارها والهيمنة على أحوالها وأمورها أنى اهتدت إلى معايشها ووفقت لسبل غذائها وما يقيم حياتها وهذا النحل على صغر حجمه كيف هدي إلى اتخاذ البيوت مسدسة الشكل متساوية الأضلاع لا يزيد بعضها على بعض بمجرد طبعها والعقلاء من البشر لا يمكنهم مثل تلك البيوت إلا بآلات وأنظار دقيقة فجل العليم الحكيم الذي يعلم ذلك كله بعلم قديم أزلي لم يزل موصوفاً به أزل الآزال لا بعلم متجدد حاصل في ذاته بالحلول والانتقال. اتفق جمهور العقلاء على أن العلم صفة أزلية قائمة بذات الله تعالى تنكشف بها المعلومات عند تعلقها بها سواء كانت المعلومات موجودة أو معدومة قديمة أو حادثة كلية أو جزئية، وهو ليس بعرض ولا ضروري ولا مكتسب لأن الضروري قد يطلق على ما قارنته الضرورة من الحوادث والكسبي من صفات العلم الحصولي وكل ذلك محال في حق الله تعالى.

стр. 212

ومن الأدلة على وجوب صفة العلم له كونه فاعلاً بالاختيار في جميع الأشياء لا وجوب ولا إيجاب عليه والفاعل المختار يجب أن يعلم ما يقصده إيجاده_فهل كون هذه الكائنات على ما هي عليه من إبداع وجمال ونظام وهو غر عالم (معاذ الله) ماذا يصنع وغير مدرك (حاشا لله) ماذا يعمل. . ألا يدل ذلك على أن مصدره هو الله الذي لا يعزب عن علمه شيء في الأرض ولا في السماء العالم بحال الإنسان وهو جنين في بطن أمه وتقلبه من طور إلى طور حتى بلغ قمة الإبداع التكويني (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير). وقد أرشدنا الله تعالى إلى ما هو المنتهى في الاستدلال قال تعالى (وعنده مفاتيح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا ويعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) (يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور) إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء إلى غير ذلك من الآيات فسبحان من أحاط بكل شيء علماً وأحصى كل شيء عدداً) بقي شيء ينبغي التنبيه عليه وهو أن المخلوقات وإن كان لها حظ من وصف العلم إلا أن علمه تعالى مباين لعلمها إذ علمه لذاته لا بسبب من السباب فلا يفتقر إلى آلة ولا إلى جولان الفكر وأفاعيل النظر بخلاف علم غيره من الممكنات فإنه لا يتأتى حصوله إلا بأحد أسباب ثلاثة: الحواس السليمة، والخبر الصادق، ونظر العقل فيكون علم كل إنسان حادثاً ومتجدداً وما حصله فليس إلا جزء محدود_وبعبارة أخرى ليس إلا عدماً بالنسبة لما يجهله من المعلومات لا تتناهى (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) ومع ذلك لم يحرمه العليم الحكيم جل شأنه مما ييل أوام مطامحه، وينقع أوار مطامعه، فلا تجده خطا خطوة إلى الأمام حتى أوسع الله أمامه من الباحات، ومهد له من الساحات ما لا يستطيع معه أن يدعي ضيق المجال وحرج المضمار (وقل رب زدني علماً). الحياة ١٠ ومما يجب له سبحانه صفة الحياة وهي صفة أزلية قائمة بذاته تعالى تقتضي صحة اتصافه بالعلم وغيره من الصفات والدليل على وجوب الحياة له تعالى أنه متصف بالقدرة وافرادة والعلم كما قدمنا وهي ملزومات للحياة وتحقق الملزوم يقتضي تحقق اللازم وحياته تعالى

стр. 213

مباينة لحياة غيره من الممكنات بالضرورة إذ كل ممكن حياته حادثة ولا تكون إلا بواسطة_انظر إلى هذا الهيكل الإنساني تظهر لك ماهية حياته_حركات دائمة، مجهودات من أجزائه متواصلة، لا تهدأ مطرف عين، ولا تقف لحظة من زمان، قلب يرتجف، ومعدة تعمل، وعصارات تفرز، وسوائل تتحلل، وتتركب وتترشح وتتصاعد، وغدد تختزن السوائل لحين الحاجة، ودم دائب الجريان في أجزاء الجسد، وخلايا بسيطة تتلاشى وتتكون وتتكاثر إلى غير نهاية_وكل هذا لا يهدأ لحظة ولا يسكن آونة في ليل أو نهار فالإنسان أبدع الأنواع الحية وأكمل نموذج للصورة المادية فسبحان الخلاق العظيم.

стр. 214

حجاب المرأة في الإسلام تحت هذا العنوان قرأنا في المقتبس عدد ٥٩٣ و٥٩٤ مقالة للكاتب المغربي ذكر فيها ما محصله أن الحجاب على الطريقة المألوفة اليوم ليس مما أشار إليه الإسلام بل هو من جملة ما طرأ على المسلمين بما أحاط بهم من المؤثرات والعادات وتقاليد الأسر وتقريرات الشيوخ وآراء علماء المذاهب ونحو ذلك_وأن الغرض من الحجاب حفظ كرامة النساء وذلك يحصل بترك التبرج وعدم الخلوة بالأجنبي والسفر مع محرم، وأن ما ألزم به المسلمون نساءهم من تلفع المرأة بإزار يسترها من فرقها إلى قدمها ومنعها الخروج من دارها إلا لضرورة وعدم محادثتها الرجل الأجنبي وتركها المساجد في الجمع والجماعات وكونها لا تزاول بعض أعمال الرجال (أي لا تسعى مع الرجل في طلب الرزق) ليس مما شرعه الإسلام. ثم نقول قولاً يعارض بها مثبتي الحجاب ليس لها نصيب من الصحة ولا طريق من الاعتماد إذ أكثرها غير معروف المصدر وربما كانت جميعها من كتب الأقاصيص والسمر على أن جلها يشهد عليه لا له كما يتضح للمتأمل. اعتمد الكاتب أثناء مقالته الوجهة الاجتماعية وقال أن الإسلام لا يصادم نواميس الاجتماع وهو بطبيعته السمحة لا يمكنه أن يقول لهؤلاء الأقوام افعلوا غير ما يقتضيه عمرانكم وطبيعة اجتماعكم_وهكذا هرف بما يرضاه الهوى، وتحبه النفس، عدا عما منه في كلامه من الفروض الممتنعة الباطلة والمغامز الصريحة بإيذاء أهل الدين وحملة العلم مما سنبينه بعد_كل هذا كتبه الكاتب المغربي ولم يراع إلا ولا ذمة، ولا عهد ولا وفاء، وهكذا شأن بعض كتبة اليوم_كان سلفنا يكتبون وخشية الله ملء قلوبهم وهو السؤال نصب أعينهم، يروجون يواب الله ويخافون عقابه، فخلف من بعدهم خلف نسوا السؤال والحساب، وذهولا عن أهوال العقاب، يكتبون للشهرة، ويسيرون وراء الغاية، أضرت بالدين أم لم تضر، ناقضت ما بني عليه من الآداب أم لم تناقض. الكاتب المغربي معروف الرأي عند قومه وكل مطلع على كتاباته، وليست هذه المسألة_حجاب المرأة_بأول مسائله، على أنه هو ليس بأول قارع لها طرقها قبله فئة من المتطرفين وأكثرهم يجد في هتك ستر هذه المرأة المسلمة ويسعى في أن تكون كالمرأة الغربية من كل وجه.

стр. 215

جاء في مقالة الكاتب بعد نقله أن عائشة بنت طلحة وسكينة وعمرة الجمحية كان يجتمع إليهن الرجال لإنشاد الشعر ما نصه_وكما يقال عن عقائل لوندره وباريس اليوم أن فلانة منهن (صاحبة صالون) يجتمع فيه الفضلاء والعلماء والأدباء للمسامرة والحديث_يصح أن نقول نحن أن أولئك العقائل الثلاث العربيات (عائشة وسكينة وعمرة) كن من ذوات الأندية في صدر الإسلام فهذا كما ترى أيها القارئ صريح بأن غاية ما يحبه المغربي وما يتمناه بل يعده خطوة عظيمة في سبيل ترقي المسلمين هو أن تلقب نساؤنا بما تلقب به تلك النساء الغربيات، وربما تهكم بمن يتباعد من مخالطتهن ويمنع نساؤه من محادثتهن_اقرأ ما كتب أثناء مقالته وبه تعلم الغاية التي يرمي إليها وكيفية ازدرائه بالمتدينين_قال وبلغ الأمر ببعض الصلحاء المتنطعين (كذا) أن كان لا يأذن لنسوة بيته بالخروج أبداً فلزمن البيت وكن لا يعرفن الدواب والأنعام فكان لأستاذ يصف ذلك لهن وقد أرادت إحدى الفلاحات المسيحيات الدخول عليهن فمنعها بداعي أن دخولها لا يجوز شرعاً كما علمهن والدهن أه قلنا أن الكاتب المغربي لم يكن أول مريد لكشف حجاب المرأة المسلمة بل سبقه إلى ذلك شرذمة ممن احتكوا بالغربيين وتغذوا بغذائهم وشربوا من شرابهم وهذه الشرذمة هي الشرذمة التي يصح أن نلقبها بالشرذمة المفتونة شرذمة الطيش والحمق هي الشرذمة التي ابتليت بحب الفرنجة وصارت بحيث ترى الكمال وسائر الفضائل لهم وحدهم. هي الشرذمة التي غرتها زخرفة الغربيين وقوي عليها شيطان مكرهم وخداعهم فحسبت أن قانون الغرب مطابق لقانون الشرق وأن ما هناك من الميول والعادات ينطبق على ما هنا من الأخلاق والآداب هي الشرذمة التي نسيت تاريخ الإسلام والمسلمين فلم تحفظ للمسلمين مزية ولم تعرف لهم فضيلة هي الشرذمة التي يجب على كل ذي دين أن ينبذها نبذ النواة لأنها أضرت بالدين والمتدينين. حسبك أيتها الفئة المفتونة بحب الأعداء أنا لم نسمع لك قبل أن تعلن فرنسا براءتها من الدين صوتاً. ولم نعرف ذلك ذكراً. وبعد أن احتك الغربيون بالشرقيين ورموا عليهم ويلاتهم وشرور أفكارهم_سبقت جميع الطبقات لإجابة ندائهم وتلبية دعائهم فجعلت وجهتك في كل حال وقبلتك في كل زمان تتلمذت لهم واقتفيت آثارهم وأحييت لهم لغاتهم وحبذت جميع أعمالهم ثم لم تقفي عند هذا الحد من الولوع بهم بل قمت تدعين أبناءنا إلى ذلك

стр. 216

وتريدين شبابنا عليه من غير استحياء ولا خجل وآخر الأمر ناديت بناتنا وأمهاتنا ليرفعن الحجاب كما رفعوه ويمتن الحياء كما أماتوه وبعبارة ثانية ليدخلن جحر الضب الذي دخلوه_لم يكفك ايها المتفرنجون أنكم أخذتم أولادنا إلى مدارسهم وحببتم إلينا كل أعمالهم حتى جئتم لهذه الدرة المصونة (المرأة المسلمة) ربة العفاف وصاحبة الحياء تقربون إليها البعيد وتعلمونها ما لم تكن تعلم. هذا وربما لايروق في ذهن الكاتب المغربي ما سنكتبه في رد مزاعمه ويمكن أن يستجمع قواه لمقاومتنا فيما نطلبه منه من الرجوع معنا بمسألة الحجاب إلى الحد الشرعي ولكن مهما يكن لديه من قوة لا تنفعه ولا تفيده ما دام الشرع في غير جانبه. وهل بعد شريعة الله من شيء؟ وفي أملنا أن يسير معنا سير المفكرين المنصفين وأن يعدنا من النصحاء الأمناء. جملة الشبه التي أوجبته أن يقول بهتك النساء المسلمات أربع لا يصح واحدة بل بعضها يمتنع ذكره بتاتاً كما سنعلمه بعد إن شاء الله تعالى. الأولى: كون الغرض من الحجاب صيانة كرامة النساء (وصونه الكرامة يتأتى على رأيه مع التكشف) ولذا لم يحدد له الإسلام صورة ولا كيفية وهو على الطريقة المعروفة اليوم في مصر والشام ووو الخ مما أحدثه المسلمون. ثم قال_وكأني بالقارئ يستشهد على دعواه (الحجاب) على صورته بنقول تاريخية وآثار دينية أما أنا فلا أجادل في تلك النقول والآثار وإنما أعراضها بنقول وآثار أخرى تدل على أن الحجاب المتعارف عليه بيننا اليوم ليس مما شرعه الإسلام على سبيل الحتم وإنما ألزم المسلمون به نساؤهم سداً للذريعة ثم استدل على دعواه بنتف تاريخية فاسدة. الحجاب المبحوث فيه مجموع شيئين ستر وجه المرأة أمام الرجل الأجنبي وملازمتها البيت إلا لحاجة أما الأول فقد قال تعالى (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين) وقال عامة المفسرين ما مؤداه_معنى يدني عليهن من جلابيبهن يرخينا عليهن ويغطين بها وجوههن وأعطافهن ويقال إذا زال الثوب عن وجه المرأة ادن ثوبك على وجهك والجلباب ما يستر الكل مثل الملحفة ومن للتبعيض أي ترجي بعض جلبابها وفضله على وجهها تتقنع به_وأخرج ابن جرير بسنده عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى (يا أيها النبي قل لأزواجك) الآية أمر الله

стр. 217

نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عيناً واحدة. وبسنده أيضاً إلى ابن سيرين قال سألت عبيدة التلمساني عن هذه الآية فرفع ملحفة كانت عليه فتقنع بها وغطى رأسه كله حتى بلغ الحاجبين وغطى وجهه وأخرج عينه اليسرى من شق وجهه الأيسر أه. فهذه الآية الشريفة من كتاب الله تعالى مصرحة على ما يرى القارئ بوجوب الحجاب على النساء_فكيف يجترأ الكاتب المغربي على معارضتها مع أن المعارض يلزمه أن يعارض بأقوى أو بالمثل على الأقل والكاتب المغربي يعارض بجمل من كتب اللهو والأدب كالأغاني والعقد الفريد ونحوهما_ولم ندر متى كانت أمثال هذه الكتب يحتج فيها للأمور الشرعية حتى يصح له أن يعارض بها كلام الله_وتفسير ابن عباس وعبيدة ﵃ الآية واضح أيضاً ببيان الكيفية المراد من الحجاب وهي ستر وجه المرأة ورأسها بمنديل أو إزار أو نقاب أو ملاءة أو قناع أو غير ذلك من كل ما يحصل به الستر المؤدي إلى توفير حرمة الأعراض وراحة العائلات وطمأنينة النفوس، لا كما زعم الكاتب من أنها غير مراده وإنما المراد قناع بسيط يتلفعن به ويسدلنه على صدروهن_وهذا ما يعتقده الكاتب ولذا حار فيما إذا قام فينا (دعاة) يستبشرون بديننا وجاؤوا إلى مسألة الحجاب قال_فبماذا نأمر أولئك الدعاة أن يكلفوا به الأمم ويلزموا به نساءهم وما هو نوع الحجاب الذي يعلمونه؟ ثم قال هنالك تقوم قيامة الدعاة من سكان الأمصار الإسلامية وتحتدم نار الجدال بينهم لأن دعاة القرى والبوادي يخالفونهم فإن الحجاب عندهم أي كما تقدم للكاتب قناع بسيط يسدل على الصدر وليت شعري من هم الدعاة الذي يحب المغربي أن يأمرهم وهل وصل الدعاة في الجهل إلى حالة يحتاجون إلى أمر المغربي وتقوم قيامتهم وتحتدم نار الجدال بينهم ولا يدرون أن الغاية من الحجاب ستر الوجه بمطلق النقاب_اللهم إن هذا افتراء على علماء دينك وتهكم بهم وتصور سببته الشهوة والهوى وأما الثاني وهو ملازمة المرأة البيت إلا لحاجة فهو الشبهة الثانية للكاتب حيث ادعي أن القرار في البيوت حجاب خاص بنساء النبي ﷺ أي فليس واجباً على غيرهن ولم يأت على ذلك بدليل اللهم لا أن يكون قد عد ما نقله عن بعض كتب الأدب المار ذكرها بعضها دليلاً وبرهاناً_وها نحن نبين أن ذلك ليس مخصوصاً بهن قال الله تعالى: (يا نساء النبي لستن

стр. 218

كأحد من النساء) قال صديق خان ﵀ أي بل أنتن أكرم علي وثوابكن أعظم لدي (أي اتقيتن) بين أن هذه الفضيلة لهن إنما تكون لملازمتهن للتقى (فلا تخضعن بالقول) أي لا تلن القول عند مخاطبة الناس كما تفعله المريبات من النساء ولا ترققن الكلام (فيطمع الذي في قلبه مرض) أي فجور أو شهوة أو شك أو ريبة أو نفاق_والمعنى لا تقلن قولاً يجد المنافق والفاجر به سبيلاً على الطمع فيكن. والمرأة مندوبة إلى الغلظة في المقال إذا خاطبت الأجانب لقطع الأطماع فيهن (تأمل) (وقلن قولاً معروفاً) أي حسناً مع كونه خشناً بعيداً عن الريبة على سنن الشرع (وقرن في بيوتكن) الزمنها (ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى) التبرج أن تبدي المرأة من زينتها ومحاسنها ما يجب ستره مما تستدعي به شهوة النساء قال ابن عطية وأشار بالجاهلية إلى الجاهلية التي لحقتها وأدركتها وجعلها أولى بالنسبة على ما كن عليه (وأقمن الصلاة) الواجبة (وآتين الزكاة) المفروضة (وأطعن الله ورسوله) فيما أمر ونهى. . قال تعالى (وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب) قال ابن جرير رحمه الله تعالى يقول تعالى ذكره وإذا سألتم أزواج رسول الله ﷺ ونساء المؤمنين اللواتي لسن لكم بأزواج متاعاً (فاسألوهن من وراء حجاب) يقول من وراء ستر بينكم وبينهن ولا تدخلوا عليهن بيوتهن (ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن) من عوارض العين فيها التي تعرض في صدور الرجال من أمر النساء وفي صدور النساء من أمر الرجال وأحرى أن لا يكون للشيطان عليكم وعليهن سبيلا. . ثم قال تعالى (لا جناح عليهن من آبائهن ولا أبنائهن ولا أخوانهن) الخ قال ابن جرير أيضاً لا إثم على نساء النبي ﷺ وأمهات المؤمنين في إذنهن لآبائهن وترك الحجاب منهن ولا لأبنائهن ولا لأخوانهن ولا لأبناء أخوانهن وعنى أخوتهن وأبناء أخوتهن. الخ. فقد تبين بهذا تفضيل نسائه ﷺ في آية_لستن كأحد من النساء_مرتبط بالتقوى لا بالستقرار في البيوت وآية القرار كآية الحجاب خاصة الألفاظ، عامة الأحكام، وادعاء أنهما خاصتان بنساء النبي ﷺ لا يصح وأما آية الحجاب فلأن الاستثناء وهو لا جناح عليهم في. . . الآية بعدها لا خلاف بين علماء المسلمين بأنه عام وهو فرد من الأصل الذي هو الحجاب ولو قلنا بتخصيص الأصل كما يدعيه بعض المفتونين للزم عنه تخصيص الفرع وقد علمت تعميمه أي فكيف نقول لامرأة قد أباح لك

стр. 219

الظهور على أبيك وابنك وأخيك وغيرهم مما هو مذكور في آية لا جناح حال كونه تعالى لم يوجب عليها التحجب عن غيرهم فضلاً عنهم وأما آية القرار فلأنها اشتمت على ثمانية أحكام: الأمر بالتقوى، وعدم الخضوع بالقول، وقول المعروف، والإقرار في البيوت، وعدم التبرج، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وإطاعة الله وإطاعة الرسول ﷺ ولا خلاف واجبة على كل مسلمة والثامن كذلك لا محالة وأيضاً لو قلنا باختصاص نزول الآيتين بنسائه ﷺ لا يقصر الحكم على من نزل بحقهن وإلا للزم عنه حصر أكثر أحكام القرآن حيث أن نزول أكحثرها بلا خلاف كان بسباب خاصة والقاعدة أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب على واحد (ابدؤا بما بدأ الله) و (صلوا كما رأيتموني أصلي) فعلم من هذا أن آية (فاسألوهن من وراء حجاب) عامة لسائر النساء_فإن قلت ما حكمه تخصيص نزول آية (فاسالوهن) بنساء النبي ﷺ قلنا لأنها مظنة جواز ترك الحجاب من حيث كونهن أمهات المؤمنين وتحريم نكاحهن تأييداً على كل مسلم بخلاف غيرهن من النساء فلذا كان من المناسب تخصيص الآية بهن_وفي الزواجر لابن حجر أنه ﷺ قال أربعة من النساء في الجنة وأربعة في النار وعد من الأربعة اللواتي في الناي المرأة التي لا تستر نفسها من الرجال وتخرج من بيتها متبهرجة وقال أيضاً وفي الحديث المرأة عورة فاحبسوهن في البيوت فإن المرأة إذا خرجت للطريق قال لها أهلها أين تريدين قالت أعود مريضاً أشيع جنازة فلا يزال الشيطان حتى تخرج ذراعها وما التمست المرأة وجه الله بمثل أن تقعد في بيتها وتعبد ربها وتطيع بعلها. وروى الطبراني في الأوسط مرفوعاً المرأة عورة وأنها إذا خرجت من بيتها استشرفها الشيطان وروى الترمذي عن ابن مسعود وقال حسن صحيح بلفظ المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان وأقرب ما تكون من رحمة ربها وهي في قعر بيتها وقال علي ﵁ لزوجته فاطمة بنت سيد المرسلين ﷺ ورضي الله عنهما ما خير للمرأة قالت أن لا ترى الرجال ولا يروها وكان علي ﵁ يقول ألا تستحون ألا تغارون يترك أحدكم امرأته تخرج بين الرجال تنظر غليهم وينظرون إليها. الشبهة الثالثة: قال الكاتب أن الحجاب يؤدي إلى سقوط المرأة وضياع حقوقها وغلبه الجهل

стр. 220

عليها وأن بعض النساء كن يجتمعن ببعض الرجال لإنشاد الشعر وأن النساء في الدولتين العباسية والأندلسية كن يحادثن الرجال ويجتمعن بهن ويغنين أمامهم ثم قال ما نصه: ناهيك أن علية بنت الخليفة المهدي وحفيدة الخليفة المنصور وأخت الخليفة هارون الرشيد وعمة الخليفة المأمون اخترعت ألحاناً في الغناء بلغت ثلاثة وسبعين طصوتاً وكلها من بديع الصنعة على ما رواه صاحب الأغاني أه. ومن هذا يرى القارئ أن الكاتب مترقب من رفع الحجاب أن يحادث النساء المسلمات الرجال ويغنين أمامهم. وقد اتهم (علية) بأنها برعت في الغناء وعد ذلك لها تمدناً ورقياً_وفي رأينا أن لا يرد على من يتوقع بنساء المسلمين ذلك بل يجب نبذه وعدم الوثوق به وإعلام الناس بما يتمناه للمسلمين ويرضاه لهم. ودعواه أن الحجاب يؤدي على سقوط شأن المرأة وضياع حقوقها وغلبة الجهل عليها دعوى باطلة كان بودنا أن لا يتمسك بها لمخالفتها الواقع المشاهد. قال فريد بك وجدي في مقالة نشرت في الحقائق ص ٢٢٢ يقولون أن الحجاب يصد المرأة عن التعلم وهو ادعاء يكذبه العيان فإن المرأة لا تتنقب إلا في الطرقات وليست الطرقات بمجامع العلماء لكنها مضطرب الفساق ومزدحم الغوغاء. وهذه مدارس البنات يوجد بها كثير من المحجبات يذهبن إلى المدرسة بالنقاب فإذا وصلن إليها خلعنه وتلقين دروسهن سافرات فإذا أتممن النهار رجعن إلى دورهن متحجبات. فهل في هذا من ذاب للعلم أو فيه للجل أقل سبب من الأسباب. هذا ما كتبه الاجتماعي الخبير وهو في غاية الجودة فهل يقنع به الكاتب المغربي وتزول به شبهته؟ أو يعده قول رجل جمد على التقليد؟ اللهم إنك تعلم المفاسد التي يسببها كشف الحجاب والمضار التي تنشأ عن الاختلاط وكيف أن ذلك يهدم أساس الأدب والعفة ويميد ركن الشرف والصيانة. ويكون الضربة القاضية على ما بقي لدينا من العادات والأخلاق. الشبهة الرابعة: اضطرار المرأة مشاركة الرجل في السعي والعمل قال فإن الإسكيمو الزولوب وأهل القرى والبوادي وعمران أمم أوروبا وأمريكا لا يفرطون قط بقوة النساء فيلففونهن بالإزار ويلزمونهن بالقرار ويقولون لهن أنتن ضعاف لدوا وربوا واطبخوا ولستن مكلفات بغير ذلك وإنما يقولون لهن قوموا بوظيفتكن الطبيعية المذكورة واستعملوا

стр. 221

قواكن المختلفة في مساعدتنا وتوفير كل ما به فائدة لهيئة اجتماعنا. هذا ما يقوله الكاتب عن نساء الزولوب والأسكيمو وأهل القرى والبوادي ويود أن تكون مثلهم النساء المسلمات أما نحن فنقول أهل القرى والبوادي ليسوا مشرعين وعملهم لا يكون حجة على غيرهم وما تواطئوا على فعله ليس له مستند شرعي ونفعه الاجتماعي يقابله ضرر عظيم يشكو منه عقلاء الأوروبيين أنفسهم. والشرع افسلامي لم يحظر مشاركة المرأة الرجل في السعي إن توفرت مسألة الحجاب لكنه لم يوجب عليها ذلك إيجاباً محتماً والنص الذي أوجبه الله في كتابه والزم به عباده هو أن الرجل مكلف بنفقة المرأة وكسوتها وكل ما تحتاج إليه ولا تكلف المرأة بشيء من ذلك قال تعالى: (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف) وهذه هي حالة الوسط المرضية عند العقلاء وتكليف الرجل عدل محض مطابق لشهامته ومروءته وهو مقتضى قوله عز اسمه (الرجال قوامون على النساء) وبهذا كله اتضح أن القروي لا يجوز له إجبار امرأته على السعي معه وأحكام الله تعالى عامة لا تختص بقروي أو مدني ونساء الأسكيمو والزولوب ليسوا لنا قدوة وليس مل ما يحسنه الإفرنجة واجب علينا اتباعه والعمل به على أن تكليف المرأة العمل فضلاً عن كونه مخالفاً للأوامر الإلهية كما تقدم مضيع على المرأة وظائفها البيتية ومانع لها من تربية أولادها وتعهدهم. كتب كاتب في أمريكا على صديقه تحت عنوان الفتاة الشرقية والفتاة الغربية ما محصله: لا شيء يستدعي الشفقة مثل حال المرأة في هذه البلاد (أمريكا) فإنها مضطرة للعمل مثل الرجال فبينا تكون الفناة السورية أو المصرية لا تزال في خدرها إذ ترى الفتاة هنا خارجة من بيتها حتى في أيام البرد والزمهرير لتشتغل إما في معمل أو مكتب أو حانوت أو مطعم أو صالون حيث قد تستنكف الفتاة السورية أو المصرية أن تدخل زائرة أو مشترية وقد يكون رئيسها فظ الأخلاق غليظ الطبع فإذا تأخرت ولو بضع دقائق تلقاها بوجه باسر وإذا تكرر ذلك منها طردها أو خصم من أجرتها. وقد يكون من جملة الذين يشتغلون معها رجال أسافل قد أماطوا قناع الحياء وخلعوا ربقة الحشمة فلا تسلم تلك الحسناء من نظراتهم الدنيئة وكلماتهم البذيئة.

стр. 222

والأعجب أنهم يدعون أنهم خولوا المرأة من الحرية والاحترام ما لم تحلم به الفتاة السورية أو المصرية أو أي فتاة تحت سماء الشرق إلى أن قال: لم تطالب المرأة الأوروبية أو الأمريكية بالحرية حتى منحوها إياها ليس احتراماً ولكن تخلصاً منها وطمعاً في الانتفاع بتعبها وقد حسبت المرأة أن ذلك نعمة لها تفاخر بها بنات جنسها وكانت النتيجة أنها دخلت في زحام كانت في غنى عنه واستدرجت إلى مواقف لا تأمن معها المزلة. وفضلاً عن أنها فقدت مركزها الأنثوي الطبيعي الجميل فإنها أخذت تفقد جمالها فرأسها الصغير أصبح كبيراً وشعرها الكثيف المسترسل أصبح ضعيفاً وربما أصبحت بعد قليل صلعاء من إدمان التفكير وجسمها الرقيق أصبح خشناً وغليظاً من إدمان العمل_وناب عن حيائها الذي تقابله القلوب بالخفقان عين لا تطرف وأصبح لبسها الذي كانت تختاره من الألوان الزاهية وتبالغ في التأنق فيه بسيطاَ قصيراً بل ربما عدلت عنه إلى لبس الرجال لتستطيع معه العمل. وبيتها الذي كان موضع اهتمامها تزينه وتزخرفه أصبح اليوم غرفة بسيطة لا يقر بها الناظر ولا يبتهج لها الخاطر_وعلى الجملة فقد أصبحت المرأة بفضل هذه المدنية مسترجلة وإذا كان التاريخ يستفظع وأد بعض رعاع العرب في الجاهلية وليداتهم خوف العار فكم يكون استفظاعه لإعدام حياة كثيرات من الفتيات في هذه المدنية. . هذا وقد كان لكتابة الكاتب المغربي وقع سيء في نفوس المسلمين ولذا انهالت عليه الردود فرأى التخلص من ذلك بإلزام من اعترضه بالقول بالجواز منشر سؤالاً في (المفيد والمقتبس) خلاصته_هل القروي إذا تزوج مدنية أن يمنعها عادات أهلها ويكلفها عادات أهله كأن يحظر عليها استعمال الإزار والمنديل خوف المثلة ويأمرها بوضع خمار تديره حول رأسها وتسدله على صدرها وبالذهاب إلى محل شغله على هذا الزي لتساعده كما يساعد الرجال نساء الحي فتخدم كما يخدمن وتعلف الدواب كما يعلفن وتجمع أكداس الحصيد على البيدر وتهيء له ولضيوفه الطعام وغير ذلك. ويعلم الجواب عنه بعدم الجواز مما كتبناه في رد الشبهة الرابعة فراجعه إن شئت في الختام نضرع إلى الله أن يهدينا والكاتب سواء السبيل ويحمينا جميعاً من التفرنج والتضليل إنه أكرم مسؤول وأجل مأمول.

стр. 223

التماثيل والصور في الإسلام إن الزمن الجاهلي قد أبقى عادات سيئة. ولم يزل بعض المسلمين مصراً على العمل بها، إما جهلاً بأن الدين الإسلامي قد أنكرها، وتجاهلاً مع العلم بخروجها عن دائرة الشرع المنيف. من تلك العادات ما كثر في هذه الأزمنة من اقتناء التماثيل والصور واستعمالها في الأواني والملبوسات والمفروشات ميلاً لاستحسان عوائد الفرنجة بسبب شيوع التفرنج بين بعض مدعي التنور واتخاذ البعض لها صنعة يتعيش بها ويعدون كل ذلك من الترقي. النفوس الشريرة لها على أصحاب العقول القاصرة سلطان قاهر وحكم نافذ يصعب التخلص منه. إن لم يلجئوا للانقياد لأوامر الشرع ونواهيه. التماثيل والصور بمعنى واحد جمع صورة تمثال يطلقان لغة على الشيء المصنوع مشبهاً بخلق من خلق الله أعم من أن أيكون مجسماً أو منقوشاً حيواناً أو غيره ويطلقان أيضاًُ على الأوثان والأصنام التي كانت الجاهلية الملحدة تتخذها آلهة من دون الله. وقد أحلت بعض الشرائع جواز عمل التماثيل والصور قال الله تعالى: (يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل). قال المفسرون كانت الجن تصور صور الأنبياء والعباد في حال عبادتهم يجعلونها من نحاس وغيره ويضعونها في المساجد ليراها الناس فيتعبدون بمثل عبادتهم وكان ذلك جائزاً في شريعة سليمان ﵇. وما زال أمر التماثيل قبل الإسلام يتعاظم حتى صار الناس يعبدونها ويتخذونها آلهة من دون الله. جاء الدين الإسلامي بالتوحيد الخالص فأبطل الأوثان وكسر الأصنام وأنكر التماثيل ومزقها ومنع اتخاذها على وجه يأتي تفصيله سداً لداعية الفساد وحسماً لعروق الشرك والعصيان. عمل التماثيل إما أن يكون فيه مضاهاة لخلق الله أو تشبه بالوثنيين أو اقتناء لما عبد من دون الله. (وابغض الأشياء وأفظعها الاقتراب مما عصى به الله). ربما قال المتفرنجون أننا لا نقصد كل ذلك لأن هذا الوقت منير لا يصح فيه شيء من تلك الخزعبلات والتماثيل إنما نستعملها تذكاراً لمن مضى وتقدير لأعمالهم وتخليداً لذكراهم وللتصوير سر في المدنية غامض لا يصل لإدراكه إلا المتنورون.

стр. 224

قلنا في الجواب لهم أما قصدكم فالله أعلم به وأما إنكاركم أن يكون في مثل هذا الوقت المنير شيء من ذلك فهو مردود لأنا لم نزل نسمع أن في الهند وثنيين ويعبدون الهياكل القديمة ويتقربون إليها بقصد النفع ودفع الضر ويوجد أيضاً من يعبد الشمس أو القمر. أفهل يقال بعد هذا كله أن هذا الزمن زمن نور لا يمكن أن تعبد فيه التماثيل وأما زعم أن استعمالها تذكاراً لمن مضى وتقديراً لعمله وتخليداً لذكراه فهو زعم باطل أيضاً لأن التاريخ هو الذي يقدر أعمال الرجال ويحفظ لها ذكرها ويشيد لها مجدها ويجعلها محترمة في القلوب معظمة في الصدور. ولا دخل للصورة في شيء من ذلك فكم من صور حفظت ولم يعرف لصاحبها عمل يذكر به وكم من مصلحين دوى صدى آثارهم في جميع الأقطار بما حفظ التاريخ لهم من الأعمال والآثار ولم يقم لهم تمثال ولم ترسم لهم صورة ولم يتساءل العقلاء عن أشكالهم وهيآتهم واكتفوا بنتائج عقولهم وثمرات أفكارهم هؤلاء الرسل والأنبياء والخلفاء والعلماء وأساطين الأمة ومصلحوها ونقلت أخبارهم وبقيت آثارهم ووصلت إلينا سيرهم وهي باقية كما ترونها (وستبقى أبد الآبدين إن شاء الله) وليس لهم صورة ولا رسم. هذا القرآن العظيم وسائر الكتب السماوية المنزلة لهداية البشر وفيها ذكر من مضى وبيان عاداتهم وسيرهم وأخبارهم لنعتبر بها لم نعهد أنها رسمت تمثالاً أو صورة_فيا متخذي الصور والتماثيل أبتقليد الفرنجة تترقون؟ أم بما حرم الله تعتبرون بخ بخ لهذا الارتقاء أليس من الحكمة أن ندع تقليد الفرنجة ونقتدي بكتاب الله تعالى ونأتمر بأمر نبيه ﷺ وننكر ما أنكره؟ أليس من الحكمة أن لانتغالى في تقليد أعدائنا مغالاة تضر في ديننا وأخلاقنا_في الزواجر لابن حجر في تفسيره قوله تعالى (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذاباً مهيناً) قال عكرمة الذين يصنعون الصور وأخرج الشيخان أن ابن عباس ﵄ جاءه رجل فقال إني رجل أصور هذه الصور فأفتني بها فقال ادن مني فدنا ثم قال ادن مني فدنا منه حتى وضع يده على رأسه وقال أنبئك بما سمعت من رسول الله ﷺ سمعت رسول الله ﷺ يقول كل مصور في النار ويجعل له بكل صورة صورها نفساً تعذبه في جهنم قال ابن عباس فإن كنت لا بد فاعلاً فاصنع الشجر وما لا نفسه له.

стр. 225

وأخرج البخاري في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت قدم رسول الله ﷺ من سفر وقد سترت بقوام لي على سهوة لي فيها تماثيل فلما رآه رسول الله ﷺ هتكه وقال أشد الناس عذاباً الذين يضاهون بخلق الله قالت فجعلناه وسادة أو وسادتين. وأخرج البخاري أيضاً في صحيحه من حديث مسلم ابن صبيح قال كنا مع مسروق في دار يسار بن نمير فرأى في صفته (بضم المهملة وتشديد الفاء) تماثيل فقال سمعت النبي ﷺ يقول إن أشد الناس عذاباً المصورون وفي الصحيحان عن ابن عباس من صور صورة في الدنيا كلف يوم القيامة أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ. وأخرج ابو داود في سننه عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ أتاني جبريل ﵇ فقال أتيتك البارحة فلم يمنعني أن أكون دخلت إلا أنه كان على الباب تماثيل وكان في البيت قرام شرقية (تماثيل) وكان في البيت كلب فمر برأس التمثال الذي في البيت يقطع فيصير كهيئة الشجرة ومر بالستر فليقطع فليجعل وسادتين منبوذتين توطأن ومر بالكلب فليخرج ففعل رسول الله ﷺ وإذا الكلب لحسن أو لحسين كان تحت نضد لهم فأمر به فأخرج_هذا وقد أجمعت الأئمة الأربعة بل لم نعلم خلافاً لأحد من علماء الإسلام على حرمة تصوير الحيوان المجسم الكامل الخلقة حرمة شديدة وصرحوا بأنه كبيرة من الكبائر للوعيد الشديد عليه في الأحاديث المارة وغيرها وأما إن كان أي التصوير لغير كامل الخلقة بأن نقص منه ما لا تبقى معه الحياة فصرحت السادة المالكية بكراهة المجسم وقال علماء باقي المذاهب لا بأس به سواء كان لجسم أو غيره. وأما إذا كان التصوير لغير مجسم بأن كان نقشاً على حائط أو ثوب أو كتاب فحكمه حكم المجسم في الحرمة عند الأئمة الثلاثة وصرحت السادة المالكية بالكراهة التنزيهية فيه فإن نقص ما لا تبقى معه الحياة فلا بأس به عندهم جميعاً وإن نقص ما تبقى معه الحياة فهو الكامل سواء ولا فرق عند الإمام أبي حنيفة والإمام الشافعي في حرمة التصوير بين كونه لممتهن أو غيره صغير أو كبير وسواء في ثوب أو بساط أو يد أو حائط أو درهم لأن المضاهاة لخلق الله ثابتة في الكل قال الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم: قال أصحابنا وغيرهم من العلماء تصوير صورة الحيوان حرام شديد التحريم وهو من الكبائر لأنه متوعد عليه في الأحاديث الشريفة بالوعيد الشديد وسواء صنعه لما

стр. 226

يمتهن أو لغيرته فصنعته حرام بكل حال لأن فيه مضاهاة لخلق الله وسواء كان في ثوب أو بساط أو درهم أو دينار أو فلس أو حائط أو غيرها أه ونقل العلامة ابن نجيم في البحر هذه العبارة فقال فظاهر كلامه أي الإمام النووي الإجماع على تحريم تصوير الحيوان أه ثم نقل هذا الكلام عتن البحر العلامة السيد محمد عابدين في حاشيته على الدر وأقره وذكر كلاماً يؤديه فيستفاد منه أن مذهب السادة الحنفية في ذلك موافق لما قاله الإمام النووي ﵀ والذي يظهر في مذهب المالكية رحمهم الله تعالى التفرقة بين ما صورة يمتهن بأن كان على بساط أو زلاربية فيجوز وبين ما صور لا للامتهان بأن علق على حائط أو رسم فيه أو في ثوب وشبهه فيحرم في الكامل المجسم ويكره في الناقص أو غير المجسم الكامل. قال السيد أحمد بن محي الدين الحسني الجزائري المالكي في جوابه عن سؤال ورد عليه في هذه المسألة نص السؤال: الحمد لله ما قول السادة المالكية ﵃ في تصوير صور الحيوانات العاقلة وغيرها المجسدة التي لها ظل الكاملة الصورة والتي لا ظل لها بأن كانت على ورق أو حائط أفيدونا مأجورين. الجواب: إن تصوير الحيوان مطلقاً عاقلاً أو غيره كان كامل الصورة وله ظل فلا يجوز وإن كان على ورق أو حائط ولا ظل له أو ناقص الأعضاء التي لا يعيش بدونها فيجوز مع الكراهة التنزيهة هذا إن كان غير ممتهن بأن كان معلقاً على حائط أو مرسوماً فيه وأما إذا كان ممتهناً بأن كان على زريبة أو بساط فيجوز بلا كراهة وإن كان الأولى والأحسن تركه هذا ملخص ما ذكروه. أحمد بن محي الدين الحسيني وكذا يظهر من مذهب الحنابلة التفرقة بين ما جعل في ستر وسقف وحائط وسرير ونحوه فحرام وبين ما افترش أو جعل مخداً فيجوز بلا كراهة. قال في الإقناع وتصويره (أي الحيوان) كبيرة حتى في ستر وسقف وحائط وسرير ونحوها لا افتراشه وجعله مخداً فيجوز بلا كراهة أه هذا حكم التصوير. وأما حكم استعمال الصورة فإن كانت لحيوان وكانت مجسمة كاملة الأعضاء فيحرم

стр. 227

استعمالها واتخاذها بإجماع المذاهب الأربعة بل لم نسمع في ذلك خلافاً لأحد من علماء المسلمين وقد صرح علماء المالكية بحرمة النظر إليها إذ النظر إلى المحرم حرام واعتبروا المكان الذي تكون فيه من محال المنكرات قالوا ويسقط عنه وجوب الإجابة لدعوة الوليمة إذا كان هناك صورة إذ محال المنكرات يفترض على المكلف تجنبها. ويدخل تحت حرمة النظر للصور حرمة ذهاب المكلف إلى المصور أو طلبه منه أن يصوره أو يصور ولده أو صديقه وبيع الصورة وشراءها ودفع الأجرة عليها حرام أيضاً يجب اجتنابه والتباعد منه لأنه إعانة على المعصية وقد كثر فعل ذلك لشيوع التفرنج في هذه الأزمنة نعهم استثنى العلماء من الصور المحرمة لعب البنات الصغار والحكمة في ذلك تدريبهن على تربية الأولاد وإن كانت أي لصور غير الحيوانات كشجر وسفينة فيجوز استعمالها واتخاذها مطلقاً وإن كانت كاملة غير مجسمة بأن كانت منقوشة على ورق أو ثوب أو آنية أو بساط فاتفق العلماء على أن استعمالها ممتهنة مما لا بأس به وإن كان الأولى تركه واستعمالها على غير صفة الامتهان سواء للزينة أو للتعظيم حرام عند الأئمة الثلاثة مكروه عند السادة المالكية واتفقوا أيضاً على كراهة السجود على الصورة قال في الإقناع وتكره الصلاة على ما فيه صورة ولو على ما يداس والسجود عليها أشد كراهة ونص السادة الحنفية أيضاً على كراهة الصلاة في ثوب أو مكان رسم أو علق فيه تمثال، وقال النووي أن الصورة في البيت تمنع دخول ملائكة الرحمة له أي فيحرم صاحبه زيادة على ما تقدم من الإثم استغفار الملائكة له وحفظهم إياه من الجن وغيرهم نسأل الله الحفظ والسلامة إنه بالمؤمنين رحيم.

стр. 228

شيء عن المرأة لحضرة الباحث الأديب صاحب الإمضاء تبارت الأقلام باسم الله مجراها في أنهار لجرائد ناحية نحو مستقبل المرأة في هذه البلاد والبحث جليل لأن النساء نصف الهيئة الاجتماعية ورقيهن مقدمة ببلوغ الرجال الشأو الذي تشرأب غليه أعناقهم وهو شأن لا أدعي أنهم لا يصلون إليه قبل أن ترقى المرأة المكانة التي نطلبها لها ولكنه غير قريب المنال ذلك لأن التربية الأولى إذا أحسنت أثبتت في النفوس قوة الإرادة وشجاعة القلب التي تورث الإقدام وبثت فيها الآداب التي يستعين بها المرء على الصعاب وهيأتها لتعلم العلوم والفنون التي نرى الميول إليها ضعيفة ومكنت منها حب العمل الذي لا تقوم لأمة أو فرد قائمة إلا به. وكل هذه مزايا لا خلاف في أن تعود المر إياها في سنيه الأولى يجعل فوائدها مضاعفة محققة في جميع أدوار الحياة والمرأة في العالم بأسره هي التي تتولى شؤون تلك السنين الأولى فهي أم ومعلم ومؤدب معاً ويا ويح الابن التلميذ المتأدب إذا لم يتوله كفء لهذه الوظائف الثلاث جميعاً. فالبحث الذي نريد أن نخوض فيه مقصود به الوصول إلى نتيجة تضمن لنا هذه الكفاءة وقد نرى الرجل في أدوار حياته فنجده لا يستفيد في الدور الأول الفوائد التي لو كانت للمرأة كفاءة في وظائفها هذه لجمع منها شيئاً كثيراً فإنه يعاني الآلام في تحصيله بالتجارب التي لا بد منها لمن يريد التحصيل. فيستقيم تارة في سبيله ويضل أخرى وربما انتهى أمره إلى ما يلزمه الحزن الدائم أو الصغار من ضعف الشأن واليأس أو الرضا بما يصير إليه. فلا نجد بداً من البدء بتربية المرأة تربية تصلح بها لأن تكون أماً ومعلمة ومهذبة لأبنائها لأن هذه الوسائل هي الضرورية ولا أراها داخلة ضمن مسألة الحجاب والسفور التي ملأ الكتاب البلد حديثاً عنها وجدالاً فيها وكأنهم لا ينظرون إلى ماضي الشرقيات وحاضر الغربيات ليعرفوا أن الحجاب الذي شرعه الإسلام غير هذا الحجاب وأن السفور في أوروبا قد رفع القوم ل ما علا منه صياحهم وحملهم من أمرهم نصباً كثرت منه شكاياتهم. كان النساء في صدر الإسلام متحجبات وكان لهن شأن غير شأن نساء اليوم. وقد كانت لهن مواقف صدق في تقويم أود الرجال كما نعلم من تعرض إحداهن لأبي

стр. 229

محجن الشاعر الشهير وهو راجع عن الحرب بعد الانتصار تعيره بالفرار وتحثه على العودة إلى الميدان لظنها أنه مخذول. وإن الذي حفظه التاريخ للمرأة في العصور الأولى خير مدافع عن الحجاب وهذه هي كتب الأدب والمعارف مشحونة بالرواية عنهن فأي ضير كان عليهن من الحجاب؟!! الحجاب في الحقيقة ومراد الشارع امتناع عن اجتماع المرأة بغريب إلا مع قريب أو جماعة تؤمن مع وجودها الفتنة وستر الأعضاء التي يشتغل الفكر عند النظر إليها بالهوى فهو مفيد ضروري لا ضرر فيه. فالذي على أعداء الحجاب أن يتأملوا في حقيقته لعلهم يطلبون رده إليها وأن يذودوا عن أذهانهم فكرة السفور. فإن السفور هو الذي دفع الغربيات إلى مزاحمة الرجل في المصانع والمتاجر وهو الذي أشقى البائسات منهن فتدهورن في حضيض الفاقة وبؤرة العار وهو الذي روج سوق اتخاذ الخليلات الذي تصرخ منه فرنسا لقلة النسل اليوم. وسيقع غير فرنسا في الذي وقعت هي فيه: ولولا السفور لما رأينا المطالبات بحقوق الانتخاب ولما خطر ببالنا أنه يجوز أن يطلبن في المستقبل تقلد الوظائف الكبيرة في الحكومة بعد ما هو حاصل الآن من تقلدهن وظائف في الشركات والمصارف ونحوها وسيبالغن في هذه الأمور مبالغة وخيمة العاقبة لأنها انصراف عن العناية بتربية أبنائهن وبناتهن. وإن هذا الإهمال قد يجر إلى أن يخلف العالم عالم جديد فاسد التربية جاهل وذلك في المستقبل القريب أو البعيد فلم لا يفكرون في عواقب السفور من حيث هذه الأمور ولم يطلبونه لمجرد ظنهم أنه يمكن المرأة من الاختلاء بالرجل والتعامل معه؟؟ إني لست ممن يرون حجة واحدة لطلاب السفور فكل الذي يوردونه سفسطة ولا أدري كيف حسبوها براهين اقتنعت بها نفوسهم. ولكنهم معذورون لأن الحجاب على حالته الحاضرة سيء ضار يجب تبديله بالحجاب الشرعي كيلا يكون في الاندفاع إليه ما يتجاوزه بالنساء وكل ما أميل إليه تقرير القواعد الثابتة لتعليم المرأة كيف تحسن الأمومة وتعليم النسل وتهذيبه.

стр. 230

وكل مسألة من هذه المسائل لها ارتباط بالآخر فإن تربية الجسم تقتضي معرفة قواعد الصحة التي يسميها الفرنجة هيجين وليس في نساء الشرق من تلقت قليلاً ولا كثيراً من هذا العلم الضروري بل رجالنا أكثرهم يجهلونه لأن تربية المرأة إنما هي تربية الطفلة حتى تصير جدة ومحاولة تعليم النساء وهن نساء كمحاولة اتخاذ الحبال من خيوط الشمس. الحقيقة عن العلم محمد راغب

стр. 231

حجاب المرأة بعث إلينا أحد كبار العلماء في مصر يقول عن حجاب المرأة ما خلاصته أن الكلام في مسألة الحجاب في بلادنا بالحق وبالباطل ضار غير نافع وضد أضر في مصر على ما فيها من الحرية والتفرنج والهتك ومن كتب فيها لا يعرف مقدار ضررها ولكنه ينحدر في التيار. قلما يوجد أحد من الشبان لا يتأثر بما يقرأه من الترغيب في تغيير عاداتنا وتقاليدنا القومية بما هو مستحسن في المدنية الغربية وقلما يوجد منهم من يفكر في خطر هذا التغيير ولو كان استبدال الذي هو ادنى بالذي هو خير فكيف يغيره وإن أنفع أخلاق الإنكليز لهم وأفعلها في سيادتهم الواسعة هو شدة محافظتهم على عاداتهم وتقليدهم وعدم التحول عنها ولو إلى أحسن منها غلا ببطء وزمن طويل يأمنون فيه من ضرر التحول والانقلاب وبهذا كانت حكومتهم أرسخ حكومات أوروبا في الديمقراطية والشورى على ما فيها من المحافظة على السروات والإشراف الذي هو ذد الديمقراطية وأضر التحول والتغيير ما كان سببه الباطن تقليد الأمة لأمة أقوى منها ولا سيما إذا كانت خصماً لها في السياسة والاجتماع كحالنا مع أوروبا الآن. نهى الأستاذ الإمام قاسم أن يبحث في كتابه تحرير المرأة عن مسألة الحجاب فلم يقبل وأرضى الأستاذ في الجملة بتقييده بنصوص الشرع ولكن المقيدين بنصوص الشرع من المصريين لا يحفلون بكلام مثل قاسم وإن كان حسناً والمفتون بمثله هم المتفرنجون وقد زادهم جرأة على هتك الحجاب حتى أن بعض وجهاء المصريين صاروا يسافرون بنسائهم إلى أوروبا بزي الإفرنجيات ويجلس معهم منفردات على الموائد العامة يأكلن ويشربن الخمر ولم يكن لقول قاسم بالوقوف عند حدود الشرع ولو على بعض الأقوال تأثير في نفوس هذا الصنف ويتحدث كثير من الشبان المتفرنجين بأنهم لا يتزوجون إلا بشرط أن يخرج نساؤهم سافرات ويحضرن المجامع العامة وأن يفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير. عن (المفيد)

стр. 232

التربية للتربية المقام الأول في تهذيب النفوس وتنمية الملكات الفاضلة وتدميث الأخلاق وهي من أقوى العوامل على النهوض من عثرة النقائص. والصعود إلى مرتقى الفضائل. ومن أراد أن يعرف مستقبل أمة فليبحث عنه في أطفالها ومبلغ الاعتناء بتعليمهم وتهذيبهم. فهم عنوان المستقبل ومرآة ما فيه من سعادة وشقاء. يولد المولود على الفطرة وفيه قوى خيرية كامنة مفتقرة إلى مرب عاقل عالم بطرق التربية الصحيحة ليظهر تلك القوى بأجلى مظاهرها الفخيمة ويهيء هذا الطفل لما خلق مستعداً له. وما كمون هذه القوى في الإنسان إلا ككمون النار في الحجر المحتاج في أن يري إلى القدح. فليس من العقل أن يترك الطفل وشأنه فتصدأ قواه السامية ومبادئه الشريفة وربما ذهبت تلك القوى ضحية الإهمال بتغلب رذائل الأخلاق المكتسبة عليها. أودع الله في هذا المخلوق (الإنسان) قابلية لاستحسان الخير واستقباح الشر وعقلاً هادياً إلى مواضيع الخير لتتبع. ومصارع الشر لتجتنب. فلا يبعد على من أحسنت تربيته ومهد له الطريق لاستعمال عقله فيما خلق مستعداً له من مراتب الكمال أن ينشأ إنساناً كاملاً. بل ملكاً كريماً تسعد به أمته وقومه بل جميع بني جنسه. كما لا يبعد على من تركه بدون تربيه وزج به في هذا المجتمع الحافل بالعادات السيئة والأخلاق السافلة أن تخنق فيه تلك الفضائل الكامنة ويستولي على أمكنتها الكثير من أضداد تلك المزايا ونقائض تلك الفضائل. وقد اعتاد أكثر الناس حتى الطبقات العالية أن يتركوا أطفالهم غفلاً من العناية بالتأديب والتهذيب ويزعمون أن هذا الإهمال من باب الاتكال ويقولون: نرى كثيراً يعيشون ولا أولياء تهذبهم سواء طريق الخير، وتنكبهم طرق الشر، ثم ينشئون مهذبين مهديين إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم وآخرين اعتنى بتأديبهم واحتيط لتهذيبهم ثم نشأوا فاسدي الأخلاق سيء الطباع ويحفظون من الشواهد على هذه الدعوى ما يظنونه مبرراً لعملهم الذي لم يكن منشؤه إلا الكسل وضعف الرأي وفاتهم أن الاتكال في عرف الشارع هو تعاطي الأسباب وعدم الاعتماد عليها. وأن ما يشاهد من نبوغ المهمل وفساد المعتنى به ليس إلا نادراً بالنسبة لضده. والعاقل لا يتكل على الصدف بعد العلم بالأسباب الموصلة للمقصود وليس المرء معذوراً في أن يسلك مفازة محفوفة بالمخاطر وهو أعزل مع قدرته على أن يكون شاكي السلاح آخذاً بالحيطة ولم ذلك المتهوس يترك حبل ولده على غاربه

стр. 233

اتكالاً ولا يترك السعي للرزق ومعاطاة أسبابه اتكالاً لأن الله متكفل به، أجل إن السعي مطلوب في جميع ذلك. ولا يجوز لأحد أن يترك الوسائل ويطلب المقاصد وإن كان الله جل شأنه يمكن أن يوصل الخير إلى العبد بدون سعي إليه ولكنه جل شأنه خلق الأسباب والمسببات ودعى العباد إلى الأخذ بالأسباب والاعتماد عليه في حصول المسببات هذا وإن للأطفال حقوقاً على أوليائهم تختلف باختلاف الزمان والمكان فعلى الأولياء أن يعلموا أن هؤلاء الأطفال هم رجال الغد وينظروا ما يحتاج إليه من تهذيب وتأديب وعلوم وفنون فيسيروا بهم في الطرق المؤدية لذلك ويعتنوا بتعويدهم على الآداب الدينية والأخلاق الفاضلة. ويسعوا في تثقيف عقولهم وتهذيب طباعهم وتحبيب العمل إليهم وتزيين الجد في نفوسهم ليخرجوا ن عهدة هذا الحق ويهيئوا لأطفالهم مستقبلاً زاهراً ولأوطانهم أدمغة مفكرة وأيد عاملة وإن لم يفعلوا بل تركوا أبناءهم تتلاعب بهم الأهواء وتتقاذفهم الشهوات فقد خانوا حق الله وحق أبنائهم وحق أوطانهم وأكثروا من تلك الأعضاء الشلاء التي تضر المجتمع الإنساني وتقف حجر عثرة في سبيل الترقي والفلاح. فإلى التربية أيها الأولياء فإن جريمة منكم بإهمال تربية طفل واحد على المبادئ الدينية والأخلاق الفاضلة ربما تجر على الوطن الشر والبلاء ما لا يقدر على مثله العدو بخيله ورجله وكتائبه ومقانبه. فإن هذا الطفل المهمل من التربية بالكلية أو المربى تربية فاسدة لا تلتئم مع روح الأخلاق الدينية ينشأ فاسد الطباع دنيء النفس خامل المروءة ضعيف العزيمة فتنطبع تلك الصفات المشينة في نفوس من يليه من أهله وأولاده وأخدانه وعشرائه فيكثر سواد الجاهلين وعدد الخاملين وهذا يكون عند سيادة الجهل، وشيوع نقص التربية أما متى كان أصحاب التربية الحقة أكثر عدداً وأعز نفراً كما أسلفنا فإن بوسعهم أن يحصروا تلك الجريمة ضمن دائرة ضيقة ربما لا تعدوا أكثر من ابناء ذلك الأخرق الذين لم تساعدهم الظروف على تلقي المبادئ الصحيحة في المدارس الراقية. قال بعض الحكماء رأينا شباباً أساء المربون تأديبهم غلماناً فلم يبصروهم العواقب، فنشأوا أغراراً حمقى لا تكف جورهم حدود ولا تدعم عملهم قواعد أهمل رياضتهم المؤدبون صغاراً فراضتهم الخطوب كباراً منهم من أذعن وانقاد ومنهم من جمح فأصبح حرب الأمن

стр. 234

والسلام وآفة البشر. هذا إجمال في موضوع التربية ربما تبعه تفصيل في أعدادنا المقبلة إن شاء الله.

стр. 235

الإفتاء من غريب ما يشاهد في هذه الحاضرة أنه إذا وقع بها حادث سواء كان جليلاً أو حقيراً اشترك في البحث فيه الخاصة والعامة فلا يستحي الجاهل من أن يبدي رأياً فيمن ينبغي أن يكون والياً للولاية ولا الأمي فيمن يكون نائباً في مجلس الأمة، وإن كانوا لا يفقهون من الصفات الواجب وجودها شيئاً ليعلموا إن كانت توجد فيمن وقع اختيارهم عليه أم لا. ذلك أمر كاد يكون عاماً في الطبقة الوسطى من الناس كما أنه فشا في الطبقة العليا أن يكون الانتخاب على طبق الهوى لا على ميزان المصلحة ينتخب أحدهم زيداً لكونه من اصدقائه والثاني عمراً لأنه من أقاربه وكلا المنتخبين (بكسر الخاء) لولا الصداقة ما وقع اختيارهما على زيد وعمرو، بل كانا يتفقان على اختيار الأفضل، واصطفاء الأمثل ومن اجتمعت فيه الشروط اللازمة لمن يتولى منصباً مثل منصبه. ومنهم من لا ينتخب إلا من يشترط عليه أن يعمل بإشارته وحسب أمياله وضرر هذا القسم أعظم وكلمته إلى القبول أقرب. يتجلى ذلك ما ذكر بأجلى مظاهره في حالتنا الحاضرة اليوم حيث ينتخبون مفتياً للحاضرة بدلاً من فضيلة سليل العلم والفضل سليمان أفندي الجوخدار فترى كثيراً ممن رشحوا أنفسهم لهذا المنصب الجليل وشهد لهم باللياقة عدد لا يستهان به من الخاصة والعامة مع أنهم خلو من كل ما يؤهل للجلوس على منصة الأحكام الشريعة وما الحامل للشاهدين إلا ما اسلفنا بيانه مجاملة من الخاصة وتضحية للمصلحة العمومية في سبيل المصلحة الذاتية وجهل من العامة بقدر المناصب والصفات المؤهلة له وتهاون من الطرفين بوعيد شاهد الزور. سألنا نفراً ممن يبحثون في خلف المفتي عمن وقع اختيارهم عليه فرأيناهم على اختلاف في الأشخاص المرشحين، وعلى شبه وفاق في الصفات اللازمة لمن يرشحون، فهم يريدونه لطيفاً مجاملاً للطبقة العالية متقناً للغة التركية، ويريدونه جسوراً ليناضل في مجلس إدارة الولاية عن حقوقهم. يذكرون تلك الصفات الكمالية وينسون الصفات الحقيقية التي لا يكون المفتي مفتياً إلا بها (ألا وهي العلم والأمانة) فالمفتي ممثل للشارع الأعظم ﷺ في أحد وظائفه وعلى فتواه يعتمد الحكام والقضاة في المخاصمات والحدود وغير ذلك وهو وحده المسؤول

стр. 236

فيما يحدث من الوقائع ويشتبه من المسائل وتطبيقها على أصل من أصول الدين فإذا لم يكن المفتي عالماً محققاً مضطلعاً بالحوادث والفتاوى ودقائق الفقه وعويص مسائله متوقد الذهن صحيح الفكر لا يؤمن أن يرد الفرع المسؤول عنه إلى أصل غير أصله فيحلل الحرام ويحرم الحلال، كما أنه إذا لم يكن أميناً على أحكام الدين لا يبعد أن يلتمس وجهاً لإحقاق الباطل وتبرئة المجرم لإيفاء بالشرط، أو حباً بالأصفر الرنان. يا أيها المؤمنون انتخبوا من تثقون بعلمه وعمله، وتقواه وورعه، وإلا فسلام على العلم والعلماء وحسرة على المفتين الأمناء.

стр. 237

وصف بعض الجرائد ذكرنا ما نشرته بعض الجرائد الدمشقية من الشتائم والسباب بحق بعض النزهاء من أهل العلم ما كتبة (حافظ أفندي إبراهيم) مخاطباً بعض أصحاب الجرائد. أي فلان إن للصحافة رجالاً، وللسياسة أبطالاً طرقوا لها إلى الضمائر وتناولوا بها ما وراء السرائر فسددوا الكلام كما تسدد السهام وبلغوا بالمقال ما لا تبلغه النصال يعجبونك فتعجب ويستغضبونك فتغضب فهم ملوك الأفكار ينقشون في النفوس ما نقشوا في الطروس. ويودعون في الصدور ما أودعوا في السطور وهم كما قال صاحب كليلة (يحقون الباطل، ويبطلون الحق، كالمصور الذي يصور في الحائط صوراً كأنها خارجة وليست بخارجة وأخرى كنها داخلة وليست بداخلة) فأين أنت من رجال إذا استلوا أقلامهم ثلوا العروش الراسية وذا أرسلوا بيانهم عطفوا القلوب القاسية تجري على أسنة أقلامهم أرزاق البائسين وتسبح في قطرات مدادهم آمال الراجين. تبتدر الأسماع ما يقولون. وتنهب الأبصار ما يكتبون. فما أنت يا ولدي من الرأي منهم ولا الذنب. ولا علمك من ذلك العلم ولا أدبك من ذلك الأدب ولكن تأنق الشيطان لك في تزيين الضلال وألقى في أمنيتك أن تصبح من رجال هذا المجال. فأخرجت للناس تلك الصحيفة ثم جعلته لك فيها خليفة. فما فتئ يملي عليك. وهو جاثم بين كتفيك. . حتى أصبحت أشد سواداً من صحيفة أبي لهب وأظلم ممن افترى على الله الكذب. فأتعبت الكرام الكاتبين وأحرجت الكتبة الراشدين. وشد منك إقبال العامة وسكون الخاصة وشاركك القارئ في آثامك. وافتتن الجاهل بكلامك إلى آخر ما قال ثم استطرد لذكر مضار أمثال هذه الجرائد فقال أما وجوه المضرة في بقاء هذه الجرائد فقد أصبحت شيئاً يحس وأصبح مثلها كمثل الهواء فقد كنا نشعر به ولا نره حتى سلطوا عليه ضغط الجو فتكاثفت حتى همت الأيدي بلمسه وتلون حتى وقع من النظر تحت حسه ومنها أنهم نصبوها حبائل لصيد المال فأقاموا لها سوقاً فرشت فيها الصحف وركزت الأقلام وعرضت للبيع أعراض الناس فتراهم يجلسون للمساومة في تلك الأعراض ويأتي حامل الضب لأخيه فيساومهم في تمزيق عرض من أراد ويشهر ذلك في المزاد. ومنها دبيب الفساد إلى أخلاق العامة لكثرة ما يقرأون ويسمعون من ألفاظ السباب وإذا فسدت الأخلاق في أمة فسد فيها كل شي. ومنها دخول السقاط في زمرة المحررين اللهم إلا نفر من أنصار الفضيلة ذهب صرير

стр. 238

أقلامهم ضياعاً في وسط تلك الضجة القائمة وهذا قليل من كثير. اقتراح اقترح صاحب الإمضاء تشطير أو تخميس هذين البيتين وخص بالإشارة حضرة الأفاضل الشيخ عبد الرحمن أفندي القصار والسيد عبد القادر أفندي المبارك والشيخ عبد القادر أفندي كيوان وجعل الجائزة إنشادهما عنه تجاه الحجرة الطاهرة على صاحبها أفضل الصلاة وأتم السلام والبيتان هما وما مصدر الأشياء إلا محمد ... وناهيك طول المدح فيه قصور بدائرة التكوين نور جماله ... عليه جميع الكائنات تدور المدينة المنورة مختار المؤيد

стр. 239

العدد ٩ - بتاريخ: ٣٠ - ٤ - ١٩١١

стр. 240

دمشق غرة جمادى الأولى ١٣٢٩ و ١٧ نيسان و ٣٠ نيسان ١٩١١ الدين النصيحة لا شيء أتم نفعاً وأكمل فائدة لانتظام الهيئة الاجتماعية من بث النصيحة بين أفراد الأمة لينبعث عنها روح التعاون على البر الذي هو قوام حياة المجتمع الإنساني. أدل أمر على حسن حال الأمة وانتظام شؤونها شيوع النصيحة بين أفرادها وإرشاد بعضها بعضاً إلى ما يجمع كلمتها ويرأب صدعها. ويسلك بها مسالك الجد في أعمالها والدأب وراء تحقيق آمالها وما تركت أمة النصيحة إلا وتشتت جمعها وانحلت عرى ألفتها وضرب عليها الذل وسجل عليها الشقاء وجعل بأسها بينها شديداً. النصيحة كلمة جامعة وهي من وجيز السماء ومختصر الكلام قالوا (وليس في كلام العرب كلمة مفردة تسوفي العبارة غير معنى هذه الكلمة) فهي ينبوع يتفجر منه سلسبيل الحياة الاجتماعية وتتدفق منه أمواج النور عليها وهي التي تأخذ بالأيدي عن السفاسف وتصعد بالأرواح إلى مكانات الفضائل ومقامات المكارم وبها يستبين الحق في أهبى مجاليه ويتضاءل الباطل في أقصى مراميه. فهم الكثير من الناس أن النصيحة خاصة في ترك الغش في المعاملات الدنيوية من بيعه وشراء ونحو ذلك من العقود مع أنها في لسان العرب واصطلاح الشرع أعم مما فهم إذ هي عبارة عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع صيانة الأقوال والأفعال عن شوائب الغش والخيانة والنفاق بحيث لا يصدر من الإنسان قول ولا عمل إلا وقد أراد به حسن المعاملة مع الخالق جل شأنه والخلائق. إذا تأملت أيها القارئ في قوله ﷺ الدين النصيحة يتبين لك بالبداهة: أن النصيحة هي القطب الذي تدور عليه أفلاك الدين الحق والأساس الذي ترتكز عليه دعائمه والدين الحق هو ضالة الأرواح وأنشودة العواطف ونسيم الرحمة. بالنصيحة بعث الله أنبياءه ورسله صلوات الله وسلمه عليهم وأمر بها عباده بقوله: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) فما من نبي إلا وجهر بالنصح لأمته واجتهد في إرشادهم واستفرغ. . . . . . .) من حديث شريف أخرجه الإمام مسلم.

стр. 241

الوسع في إسعادهم ولم يصدهم عليهم الصلاة والسلام عن سبيل النصيحة ما كانوا يقاسونه من الأذى ويلقونه من الشدائد والجفا بل منحهم الله من الصبر والثبات ما هون عليهم البلايا وحبب إليهم تكبد المشاق في سبيل النصح والإرشاد. وعلى هذا سلك الخلفاء الراشدون وسائر الصحابة وسلف الأمة عملاً بقوله تعالى (ولتكن منك أمة يدعون إلى الخير الآية) واهتداء بيديه ﷺ فلم يألوا جهداً في بذل النصيحة إلى الإضرار بدنياه فكلم في ذلك فقال عاهدت رسول الله ﷺ على النصح لكل مسلم ولم يهابوا في نصحهم ملكاً لسطوته ولا غنياً لشوكته يروى أنه لما تولى هارون الرشيد الخلافة جلس للناس مجلساً عاماً فدخل عليه رجل ممن اشتهر بالصلاح يقال له بهلول فقال يا أمير المؤمنين احذر جلساء السوء واعتمد جليساً صالحاً يذكرك بمصالح الخلق إذا غفلت والنظر فيهم إذا لهوت فإن هذا نفع لك وللناس وأكثر في الأجر مما يأتي به من صوم وصلاة وقراءة وحج ولا تكن كمن قال الله في حقه (وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم) فقال له هرون زدني فقال إن الله قد قاد لك الناس وجعل أمرك فيهم مطاعاً وكلمتك فيهم نافذة وما ذلك إلا لتحملهم على الإتيان بما أمر الله والانتهاء عما نهى عنه وتعطي من هذا المال الأرملة واليتيم والشيخ والكبير وابن السبيل يا أمير المؤمنين أخبرني فلان عن فلان عن رسول الله ﷺ أنه قال إذا كان يوم القيامة وجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد أحشر الملوك وغيرهم من ولاة أمور الناس فيقول ألم أمكنكم من بلادي وأطعه لكم عبادي لا لجمع الأموال وحشد الرجال بل لتجمعوهم على طاعتي وتنفذوا فيهم أمري ونهي وتنصروا المظلومين من الظالمين يا هرون تفكر كيف يكون جوابك عما تسل عنه من أمور العباد في ذلك الموقف فبكى هارون بكاءً شديداً فقال بعض الحاضرين كدرت على أمير المؤمنين مجلسه فقال هرون لهم إن المغرور من غررتموه والسعيد من بعدتم عنه. فانظر يا رعاك الله إلى نصيحة هذا الرجل كيف واجه بها الخليفة مع ما هو عليه من الملك والسطوة والجاه والثروة ولم يخش بأسه ولم يرهب سلطانه هكذا كانت نصائح السلف الصالح ومواعظهم ويرويها لنا التاريخ تذكيراً للساهي وتنبيهاً للغافل ومضياً مع الهمم العالية والعزائم الصادقة. أصبح المسلمون اليوم في حالة يصهر لها الجسم أسفاً ويذوب الفؤاد حسرة ولهفاً لا ناصح

стр. 242

للخير ينصحهم ولا مرشد إلى معالم دينهم يرشدهم ولا هاد إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأدب يهديهم وقد ابتلوا بكتّاب أبدلوا النصائح بالتئام واستعطاف العزائم بسرد الذمائم وتشهير المآثم يذهبون في القدح كل مذهب ويسهبون في شرح المساوي ونشر القبائح لا مادة لمقالاتهم إلا الطعن والهمز ولا روح لنصائحهم إلا الغمز واللمز رغبة في أن يقال فلان بل الغليل وجاء بما يشفي العليل بأمر الآمر منهم بالمعروف وهو أول المنتهكين لحماه وينهي الناهي عن المنكر وهو أول من يغشاه ويذم الخمر وهو في دنها غريق ويزرى بالميسر وهو له زعيم يدعو إلى الإصلاح وهو أول المفسدين ويحض على التمسك بالعدالة وهو رأس الظالمين، ويحث على الاقتصاد وهو أول المسرفين. وتراه يبالغ في الأسى والأسف علا صلابة القلوب وخمود العواطف ومن لم يأتمر به من الناس كيف يطمع أن يطاع له أمر أو يعمل له بنصيحة (كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون). لو أن أولئك الكتاب حفظوا لأنفسهم أمام الأمة مكاناً صالحاً لوضعت فيهم ثقتها وعلقت عليهم مستقبل آمالها ولكن أكثرهم (كما هو مشاهد) لم يحفظ لنفسه تلك المكانة فسقط من عين الأمة أنشدكم الله أيها الكتاب أهكذا كانت نصيحة المسلمين في عهد السلف الصالح وأئمة الدين؟ أهكذا كانت وصاياهم ومواعظهم للناس؟ (جدال وخصام وشتائم وسباب) كلا ثم كلا بل كانوا يأخذون الناس باللطف لا بالعنف، باللين لا بالشدة، بالهدوء لا بهذا اللغط المزعج، وبالاتحاد والتحابب لا بالتخاصم والتباغض، وبالتعاطف والتراحم، لا بالتقاطع والتنابذ، وببث روح الحياة لا بنفخ روح اليأس، مع قيامهم بالأوامر واجتنابهم المناهي. ما أحوج هذه الأمة واشد عوزها إلى أقوام قوام بأعباء الشريعة أقوياء في دين الله نصحاء أمناء يعرفون مكامن الداء ومظان الدواء يحيون ما درس من أطلالها ويوقفون الناس عند حدودها ويميزون لهم حرامها من حلالها يصدعون بأمر الله ولا يخشون في الحق لومة لائم ولا يؤثرون العاجلة على الآجلة يسلكون في تربية عواطف الأمة تربية الحكيم العارف بمكان الضعف والقوة من ثنيات القلوب وأحناء الصدور ويهدونها إلى أمثل الطرق التي يجب اتباعها وأقوم السبل الموصلة إلى خير معاشها ومعادها بالمواعظ الحسنة والنصائح المؤثرة الباعثة على تهذيب الأخلاق وتدميث الطباع وتطهير القلوب من أرجاس الرذائل وأوضاء المثالب لعلها تدرك شأو سلفها الصالح وترتقي أوج النجاح وتصبح قابضة على

стр. 243

ناصية العزة والمجد وزمام السعادة والتقدم. ولا ريب لو قيض الله لهذه الأمة المحمدية أهل العلم (ورثة الأنبياء) وقاموا بما يجب عليهم من النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتذكير بآيات الله زمناً قليلاً وتصدوا لإرشاد الناس ووعظهم بما جاء به القرآن العظيم والسنة المطهرة لرأينا لذلك اثراً عظيماً في هذه الأمة يبقى ذكره ولشاهدنا لها يوماً تسترجع فيه سابق مجدها وسالف عزها إذ المسلمون بما ورثوا عن أسلافهم وبما تمكن من أفئدتهم من آثار العقائد الصحيحة والانقياد لأوامر الشرع في غنى عمن يدعو بالويل والبال ويندب الحال والمآل والله يتولى الصالحين. سؤال: حضرة الفاضل أصحاب مجلة الحقائق الغراء انتشرت منذ مدة رسالة للشيخ محسن العاملي اعتمد فيها حل المتعة وحط من قدر بعض أجلاء الصحابة الكرام وأورد شبهات على أهل السنة القائلين بتحريم المتعة فكان للرسالة وقع سيء في نفسو المسلمين خصوصاً لما رأينا بعض العامة قد اغتروا بها وتوهموا أنها حجة على أهل السنة وكنا نتوقع صدور ردود من العلماء الأعلام في هذه المسألة لمكانتها من الأهمية لما ينشأ عنها من استباحة الفروج التي حرمها الله تعالى. وقد مضى على تأليف الرسالة نحو سنة ولم نر أحد من العلماء تعرض لها ولما كانت مجلتكم هي المجلة الوحيدة التي أنشئت لخدمة الدين وتوفرت على رد الشبه الواردة عليه جئت بهذا السؤال راجياً منكم تبيين الحقيقة في هذه المسألة وكشف الحجاب عنها لتطمئن قلوب أهل السنة وترتاح ضمائرهم والله يكتبكم مع الهادين المصلحين. . دمشق ط ي الجواب: إن تحريم المتعة من الأمور المقررة المفروغ منها ولذلك لم يتعرض علماء العصر للرد على مؤلف الرسالة المذكورة ونحن أيضاً كنا نود أن لا نشغل وقت القراء ببيان أمر

стр. 244

مفروغ منه كهذا لكن ضرورة السؤال ألجأتنا أن نبين الصواب في هذه المسألة صدعاً للحق ودحضاً للشبهات راجين من الله تعالى أن يحفظنا من الزيغ ويهدينا لسلوك محجة الإنصاف أنه ولي التوفيق إن من قرأ ما استدل به مؤلف الحصون المنيعة على بقاء مشروعية المتعة ربما يتوهم في بادئ الأمر أن ما كتبه يقدح في مذهب أهل السنة لكن كل من علم ما ذكره علماء السنة في ذلك يتحقق بالبداهة فساد ما قاله مؤلف الرسالة المذكورة في المتعة وها نحن نبين ذلك بأجلى بيان إن شاء الله تعالى. . حاصل ما استدل به مؤلف الرسالة على مدعاه ثلاثة أمور (الأول) قوله تعالى في سورة النساء (فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة) قال أن الآية واردة في المتعة وقد اعترف بذلك غير واحد من علماء السنة. ثم قال واحتمال أن يراد بالآية النكاح الدائم مدفوع بأنه خلاف ظاهر لفظ الاستمتاع والأجور الخ. . (ونقول) أما ادعاؤه أن الآية واردة في المتعة فهو مخالف لما عليه السواد الأعظم من المسلمين وجماهير علماء التفسير قال ابن جرير ما مؤداه اختلف أهل التأويل في هذه الآية قال بعضهم أنها واردة في النكاح الدائم وقال آخرون أنها واردة في نكاح المتعة إلى أجل وأولى التأويلين في ذلك الصواب الأول لقيام الحجة بتحريم الله المتعة على لسان رسول الله ﷺ . وقال الفخر الرازي: في الآية قولان أحدهما وهو قول أكثر علماء الأمة أن المراد بالآية ابتغاء بالأموال عن طريق النكاح والأجور المهور والقول الثاني أن المراد بها حكم المتعة. ويستفاد من كلام الحافظ بن كثير في تفسيره أن الجمهور ذهبوا إلى أن الآية نزلت في النكاح الدائم وتابعهم على ذلك السيوطي والزمخشري والبيضاوي والنسفي والخطيب والشربيني والألوسي والخازن وصاحب روح البيان وغيرهم. وقال في لسان العرب ما خلاصته أما قول الله تعالى في سورة النساء (وأحل لكم ما وراء ذلكم ما تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة) فالمراد بها النكاح الدائم ومعنى الآية ما نكحتم منهن على الشريطة التي جرى في

стр. 245

الآية أنها الإحصان والمراد بالأجور المهور، هذه الآية قد غلط فيها قوم غلطاً عظيماً لجهلهم باللغة فزعموا أن المراد بها المتعة التي أجمع أهل العلم أنها حرام وهذا الزعم خطأ عظيم لأن الآية واضحة بينة وقد صح أن ابن عباس ﵁ لما صح له نهي النبي ﷺ عن المتعة الشرطية رجع عن إحلالها إلى تحريمها وإنما بينت هذا البيان لئلا يغر بعض الرافضة غراً من المسلمين فيحل له ما حرمه الله على لسان رسوله ﷺ وأن النهي عن المتعة صح من جهات لو لم يكن فيها غير ما وري عن أمير المؤمنين علي بن ابي طالب ﵁ ونهيه ابن عباس عنها لكان ذلك كافياً أه. وأما قول مؤلف الرسالة أن حمل الآية على النكاح الدائم مدفوع بأنه خلاف ظاهر لفظ الاستمتاع والأجور فهو دليل على عدم تضلعه بالكتاب ومعانية وقد رأيت أن صاحب لسان العرب وهو من كبار أئمة اللغة فسر الآية كما ذكرنا أما الاستمتاع فالظاهر أن معناه الانتفاع قال الله تعالى: (ويوم نحشرهم جميعاً يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض) أي انتفع بعضنا ببعض وقال الله تعالى (أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها) أي تعجلتم الانتفاع بها وفي حديث ابن الأكوع كما في النهاية الأثيرية قالوا يا رسول الله لولا متعتنا به هلا تركتنا ننتفع به أه والشواهد على ذلك كثيرة فتبين أن الاستمتاع قد ورد في القرآن والسنة بمعنى الانتفاع ولا يخفى أن الانتفاع أظهر في النكاح الدائم من المتعة. وأما الأجور فمعناها المهور قال الله تعالى (ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن) والمراد بالأجور في هاتين الآيتين المهور ولا يصح حمل الأجور فيهما على غير المهور بالاتفاق. فظهر بطلان قول مؤلف الرسالة أن حمل آية النساء على النكاح الدائم مخالف لظاهر لفظ الاستمتاع والأجور. على أن حمل الآية على المتعة مخالف لسياق الكلام قال الشهاب الألوسي ما مفاده أن نظم القرآن الكريم يقتضي أن تكون آية فما استمتعتم واردة في النكاح الدائم. وأما حملها على المتعة فهو بعيد

стр. 246

فإنه سبحانه بين أولاً المحرمات ثم قال عز شأنه (وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين) وفيه إشارة إلى النهي عن كون القصد مجرد قضاء شهوة وصب الماء واستفراغ أوعية المني فبطلت المتعة بهذا القيد لأن المقصود المتمتع ليس إلا ذاك دون التأهل والاستيلاد وحماية الذمار والعرض لذا تجد المتمتع بها في كل شهر تحت صاحب وفي كل سنة بحجر ملاعب فالإحصان غير حاصل في امرأة المتعة أصلاً ولهذا قالت الشيعة أن المتمتع الغير الناكح إذا زنا لا رجم عليه وقد أردف سبحانه الآية المذكورة بقوله (ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات) ثم قال تعالى: (ذلك لمن خشي العنت منكم) وفي هذه الآية أيضاً إشارة إلى المنع فإن من لم يستطع غنى لنكاح الحرائر وخاف الوقوع في الزنا قد أمره الله أن ينكح من الإماء ولو كانت المتعة حلالاً لقال الله تعالى ومن لم يستطع منكم طولاً فليتمتع. لأن المتعة أخف مؤونة وأقل كلفة فإنها مادة يكفي فيها الدرهم والدرهمان. فلو كانت مباحة لما كان ثم ضرورة داعية إلى نكاح الإماء. وعلى تقدير أن المراد من الآية نكاح المتعة فغاية ما يفيده أن ذلك كان مباحاً ونحن لا ننكره بل نقول أن الله نسخ ذلك بقوله تعالى في سورة المؤمنون (والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون) روى الترمذي في صحيحه عن ابن عباس ﵄ أنه قال إنما كانت المتعة حلالاً في أول الإسلام حتى إذا نزلت آية إلا على أزواجهم أو ما مالكت أيمانهم قال ابن عباس فكر فرج سواهما فهوا حرام أه. وبيان هذا أن الله تعالى جعل من ابتغى غير زوجته وملك يمينه من العادين والمتمتع بها ليست ملك يمين وهو ظاهر ولا زوجة لأنها لو كانت زوجة لجرت عليها أحكام الزواج من الإرث وتوقف الفرقة على الطلاق وعدم صحة نفي ولدها إلا باللعان كما في النكاح الدائم والمتمتع بها لا تجري عليها هذه الأحكام حتى عند الشيعة فإنها لا ترث عند على الأظهر الأصح من الأقوال إذا لم يشترط الإرث. وفراقها لا يتوقف على الطلاق بل يحصل لمجرد مضي الأجل وإن لم يرض المتمتع بها كما هو واضح الولد منها يصح نفيه بمجرد إنكاره ولو من غير لعان كما نقله مؤلف السالة

стр. 247

صحيفة ٧٢ وقال الشهاب الألوسي في تفسيره قد صرح علماء الشيعة بانتفاء لوازم الزوجية كالميراث والطلاق والنفقة في المتعة وروى أبو منصور منهم في صحيحه عن الصادق ﵁ تعالى أنه سئل عن امرأة المتعة أهي من الربع قال لا ولا من السبعين وهو صريح في أنها ليست زوجة وإلا لكانت محسوبة في الأربع. أما زعم مؤلف الرسالة أن آية المؤمنون مكية فلا دليل عليه لأن قول المفسرين أن سورة كذا مكية أو مدنية مثلاً لا يستلزم أن تكون فيها من الآيات ما ليس بمكي وأوضح دليل على أن آية إلا على ازواجهم مدنية استدلال ابن عباس بها على تحريم المتعة كما تقدم في حديث الترمذي وابن عباس ﵄ أدرى بعلوم القرآن وأعلم بمواقع نزول الآيات. بقي أن مؤلف الرسال نقل عن ابن عباس ﵄ قرأ فيما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن والجواب أنها قراءة شاذة ولا يصح الاعتماد عليها وما دل على التحريم كآية إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم قطعي فلا تعارضه القراءة الشاذة على أن الدليلين إذا تساويا في القوة وتعارضنا في الحل والحرمة وقدم دليل الحرمة منها لا سيما قد صح عن رسول الله ﷺ أن الله حرم المتعة تحريماً مؤبداً إلى يوم القيامة كما يأتي إن شاء الله. (للكلام صلة)

стр. 248

صاحب المقتبس يفتري على علماء الدين اعتاد هذا الصحفي أن يدور في أثناء كتاباته على مناهضة علماء الدين وتحقيرهم أمام الشعب فتارة يصفهم بالجمود وأخرى يندد بسلطتهم الدينية وآونة يزعم أنهم عقبة في سبيل الترقي والنجاح وغير ذلك من المزاعم الباطلة. وما نخال الحامل له على ذلك إلا ما يراه من بعض متطرفة الغربيين الذين يناوؤن سلطة أحبارهم ورهبانهم مع أن بيننا وبينهم بون كبير فإن أولئك يحسون بوطئة تلك السلطة ولا سلطة في الدين إلا العلم. وها هو اليوم قد قام ينتصر للزنادقة لينال من علماء المسلمين فنشر في مقتبسه الشهري في الجزء العاشر في المجلد الخامس مقالة بقلمه ترجم فيها كتاب الدرر الكامنة في أعيان الماية الثامنة لحافظ عصره ونابغة دهره العلامة ابن حجر العسقلاني_ابتدء فيها بالكلام على ترتيب الكتاب وتراجمه ثم قال (ومن أعظم ما يلفت نظرك في هذا الكتاب روح التعصب التي كانت مستحوذة في ذاك العصر أيام كان يقتل كل من يخالف رأي الجمهور في فكر أو مذهب فنقرأ فيه صورة مكبرة من حال ذاك القرن الذي استولت فيه على هذه البلاد الجراكسة والتتار ممن أصبحوا ألعوبة في أيدي المتعصبة من رجال الدين) أه ثم استشهد على مدعاه بتراجم بعض من قتلوا في ذلك العصر مما هو واضح في الشهادة عليه لا له فنقل ترجمة إسماعيل بن سعيد الكردي وقال ما خلاصته: أنه رمي بالزندقة حتى صار يقال له إسماعيل الكافر أو إسماعيل الزنديق فحبس ثم أن بعض الصلحاء رأى النبي ﷺ في النوم وأمره أن يقول للقاضي اقتل اسمعيل (ثم قال) فاستدعي إلى مجلس القضاء فأقيمت عليه البينة الشرعية (تأمل) لدى القاضي تقي الدين الأخناي فقتل. ثم نقل ترجمة ناصر بن أبي الفضل بن إسماعيل المقري وخلاصتها أنه أقيمت البينة على زندقته عند القاضي شرف الدين المالكي فأعذر إليه فما أبدى عذراً فقتل، ثم نقل عن ابن كثير أن ناصراً هذا ضربت عنقه على كفره واستهتاره بآيات الله وشركه وحبته الزنادقة وحضر قتله العلماء والأكابر وأرباب الدولة وكان يوماً مشهوداً أعز الله فيه الإسلام وأذل فيه الزنادقة وأهل البدع وكان ابن تيمية حاضؤراً فأنبه وقرعه على ما كان يصدر منه. ثم ذكر ترجمة علي بن حسن الرافضي وحاصلها أن علياً هذا حمل إلى القاضي تقي الدين السبكي فاعترف بسب أبي بكر وعمر ﵄ فكرروا عليه التوبة ثلاثة ايام فأصر فضربت عنقه أه. ثم قال صاحب المقتبس بعد أن سرد هذه التراجم (ومن أنعم النظر

стр. 249

في تراجم من قتلوا يتضح له أنهم كانوا على جانب عظيم من العقل والعلم وأن أكثر ما وري عنهم منقول عليهم ليجدوا السبيل إلى إقناع العامة والحكام لإزهاق أرواحهم). هذا ما أورده صاحب المقتبس دليلاً على قيام التعصب في ذاك العصر أوردناه ليعلم الناس مبلغه من العلم ومكانته من الفهم وتشبثه بالحط من قدر علماء الدين والانتصار للزنادقة والملحدين مع أنه لا ذنب للعلماء والقضاة كما يرى القارئ إلا محافظتهم على دين الله وإقامة حدوده لكبح جماح أهل البدع والضلالة فما أكثر بلاء هؤلاء الكتاب البسطاء على الأمة والدين وما أشد تغريرهم بالعامة المساكين ذا كان جميع الأمم متفقين على وضع عقوبات شديدة من السجن والنفي والقتل للمحافظة على القانون الذي وضعوه والحد الذي رسموه ويرون أن ذلك ضروري لحصول الانتظام وقمع الفتن فكيف يتجرأ صحاب المقتبس على الله بأن يسمي المحافظة على دينه تعصباً وهو القانون السماوي الذي أنزله الله رحمة للعالمين به تحفظ الحقوق وتدرأ المفاسد وهو مناط السعادتين من اعتصم به نجا ومن انحرف عنه ضل وغوى. ربما يقال أن في من عوقبوا على الاستهتار بالدين من قد يكون براء مما وصموا به كما يديعه صاحب المقتبس فنقول أن ذلك الاحمال يمكن أن يقال في أكثر المحاكمات ولو كان مجرد احتمال البراءة يدرء عن الجاني العقوبة لتعطلت الحدود وسادت الفوضى ولترك الجاني وجنايته والسارق وسرقته والقاتل وفعلته والملحد وضلالته والمفتري وفريته. فلا يحاكمون ولا يعاقبون لاحتمال ان يكونوا براء إن هذا لعمر الحق لا يقول به م عنده مسكة من عقل ولو نتفة من إدراك. هل يعد من التعصب قتل من ثبتت عليه الزندقة وطلب منه أن يعتذر فلم يفعل بل ظل معانداً؟. هل يعد من التعصب قتل من يصرح بسب أبي بكر وعمر ﵄ وتعرض عليه التوبة لثلاثة أيام فلا يقبل وهما أفضل م طلعت عليه الشمس بعد النبيين. هل يعد من التعصب قتل من ثبت عليه بالبينة الشرعية أنه خرج عن الدين والصراط المستقيم. إن هذا لعجيب وأعجب منه هذه الجملة الأخيرة التي لم تر في كلام صاحب المقتبس

стр. 250

أغرب منها وهي أن الزندقة متقولة على هؤلاء المترجمين وقد علمت أن أولهم ثبتت عليه بإقراره والثاني أخذ بالبينة الشرعية والثالث طلب منه أن يعتذر فلم يعتذر. على رسلك أيها الكاتب فإنك محسوب علينا معاشر الدمشقيين فلا تدع الأغيار ينظرون إلينا نظر الاحتقار والجهل فإن الصحافة عنوان البلاد التي تصدر فيها وما نظنك نحيت هذا المنحى في انتقاد ذاك العصر وتبرئة المتزندقين إلا انتصاراً لابن تيمية لأنه سجن في ذاك العصر ولكن العدو العاقل خير من الصديق الجاهل فإنك أردت الانتصار له فعددته مع المتزندقين مع أن ابن تيمية مشهود له بالعلم والمعرفة والتقوى وسعة الاطلاع وإن كان ينكر عليه مسائل يؤاخذ بها والعصمة لأنبياء الله. وكان بودنا لو ينشر صاحب المقتبس ما يهذب أمته ويرقي مداركها ويزيدها تمسكاً بالدين الذي هو مبعث كل فضيلة بدلاً من أن ينشر ما يحمل المسلمين على إساءة الظن بعلمائهم الذين خدموا الدين وأفادوا الأمة بعلومهم وأفكارهم وأولى لكم أيها الكتاب أن تحافظوا على الصحافة فإنها موضوعة لغير ما تكتبون والمقصود منها غير ما تتوهمون فرفقاً بالأمة رفقاً، وسيراً على الخطة المثلى فإن الله من ورائكم محيط.
следующие страницы →