← Джавами‘

Джавами‘ · id 29676

مجلة الحقائق

عبد القادر الإسكندراني

Полный текст (1 077 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

ويعاقبان لا يرى رسول الله ﷺ كرأيهما رأياً ولا يحب كحبهما حباً لما يرى في عزمهما في الله فقبض وهو عنهما راض والمسلمون راضون فما تجاوزا في أمرهما وسيرتهما رأي رسول الله ﷺ وأمره في حياته وبعد موته فقبضا على ذلك رحمهما الله تعالى فوالله الذي خلق الحب وبرأ النسمة لا يحبهما غلا مؤمن فاضل ولا يبغضهما إلا شقي مارق وحبهما قرب وبغضهما مود إلى آخر الحديث وفي رواية لعن الله من أضمر لهما إلا الحسن الجميل فانظر وفقك الله تعالى هذا المدح العظيم من الأمير كرم الله وجهه على منبر الكوفة ومقر الخلافة الذي يجعل التقية كرماد اشتدت به الريح هل يبقى معه القول بارتدادهما والعياذ بالله تعالى وارتداد أتباعهما سبحانك هذا بهتان عظيم أه ما أردنا نقله من رسالة الألوسي وفيه البلاغ للمنصف الذي لا يتعصب لغير الحق وأما قول مؤلف الرسالة أن أحاديث التحريم معارضة بما في صحي مسلم من تمتع جابر ﵁ على عهد أبي بكر وعمر ﵄ فنجيب عنه بما قاله محققوا علماء السنة من أن فاعل ذلك محمول فعله على عدم علمه بالنسخ ويؤيده التصريخ في الرواية المذكورة في صحيح مسلم أن جابراً ﵁ قال كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق للأيام على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر حتى نهى عنهما عمر في شأن عمر وبن حريث وفي رواية أن جابراً ﵁ أتاه آت فقال ابن عباس وابن الزبير اختلفا في المتعتين فقال جابر فعلناهما مع رسول الله ﷺ ثم نهانا عنهما عمر فلم نعد لهما أه. وجابر ﵁ أجل من أن يسمع ذلك من عمر ﵁ ثم يقره عليه من غير أن يكون علم يومئذ أن نكاح المتعة ثبت نسخه عن رسول الله ﷺ وتصريح جابر بعدم عودته للمتعة دليل واضح لما ذكرنا والصحابة والذين رووا التحريم عن رسول الله كانوا كثيري الملازمة له ﵊. على أن من حفظ حجة على من لم يحفظ لتقدم المثبت على النافي كما هو مقرر ونحن لا نسلم أن جابراً وعمراً كانا موجودين دائماً في خدمة النبي ﷺ إذ هذه الجملة قضية دائمة مطلقة وهي لا تصح إلا بعد تحقق ثبوت المحمول للموضع ما دامت ذات الموضوع. ومن البديهي أن جابراً وعمراً كانا ينصرفان عنه وقت النوم والأكل ونحو ذلك بل من أين لمؤلف الرسالة

стр. 282

أن يثبت وجودهما في جميع المواطن التي كان ﷺ يقيم بها والغزوات التي سافر فيها. وأما ما نقله عن الفخر الرازي أنه روى عن عمران بن حصين ﵁ أنه قال أن الله أنزل في المتعة آية وما نسخها الخ فإنا لم نجده في شيء من كتب الحديث المعروفة والفخر ليس من المحدثين كما قدمنا بل الذي ثبت في صحيح مسلم عن عمران بن حصين ﵁ أنه قال نزلت آية المتعة في كتاب الله يعني متعة الحج وأمرنا بها رسول الله ﷺ ثم لم ينزل آية تنسخ آية متعة الحج. الحديث. فأنت ترى أن الحديث المذكور فيه التصريح بأن ذلك إنما هو متعة الحج لا في متعة النساء. وبينهما فرق ظاهر. وسيأتي الكلام على ما يتعلق بهذا الحديث من أحكام متعة الحج.

стр. 283

نصيحة لليمانيين عن الأستانة بقلك العلم العلامة المصلح الكبير السيد صالح أفندي الشريف واعتصموا بحبل الله جميعاً وال تفرقوا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وآله وصحبه أجمعين يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين. أخواننا المحترمين اليمانيين أهل الحكمة والتقوى والدين، بناء على ما أنتم عليه معروفون به من الرقة وطهارة الوجدان والكمال جئتكم بهذه السطر قياماً بواجب نصيحة الإسلام لله ولرسوله ولأئمة المؤمنين وعامتهم عملاً بقول الله تعالى (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما) وبقوله ﷺ (ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة إصلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة) جازماً بأنه ينطبق عليكم انطباقاً قول الله تعالى (فبشر عبادي الذي يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب) أخواننا المحترمين لكم جميع تعلمون ما حل بالأمة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها من استيلاء العدو عليها وشده على خناقها وعبثه بدينها ومحوه لعلومها وعمله على رفع القرآن العظيم من بين أيديها وإفساده لأخلاق صبيانها ونسائها والحيلولة بينها وبين كل كمال يرقي عقلها أو يزكي نفسها أو يطهر وجدانها أو يكسبها حظاً من حظوظ الدنيا والآخرة واستئثاره بأسباب الثروة من الفلاحة والصناعة والتجارة وبإدارة الشئون العامة كلها من عسكرية وسياسية وقبضه غصباً على كرائم الأرض وإجلائه المسلمين إلى الكهوف والجبال القحلة إلى غير ذلك من التسلط على كل حق بشري للمسلمين ومحو كل قوة أدبية ومادية لهم وجعلهم عبيد فلاحة يباعون ويشترون مع الأرض مثل البغال والحمير والبقر ولا ذنب لهم سوى كونهم مسلمين انخدعوا ووقعوا في شرك العدو المتسلط. إن هاته الحالة المدهشة للعقول المفتتة للأكباد قد ابتدأت من الأندلس وأفضت بأهلها إلى ما هو معلوم وحلت بما يقرب من تسعة أعشار المسلمين بعد ذلك وكل فرقة من العدو قابضة على طائفة من المسلمين تجد بها السير ليلاً ونهاراً لتبلغها إلى أسفل مما بلغت إليه الأمة

стр. 284

الأندلسية بيد الإسبانيول الذي كان يدعو لمجرد الدين المسيحي فمن اعتنق الدين المسيحي كانت له الحقوق المدنية أما هؤلاء المتسلطون في هذا الوقت فإن دينهم هو لهم واستئثارهم ولا قيمة للأديان عندهم ويعاملون من عاداهم معاملة الوحوش ولو ترك المسلم دينه وتجنس بجنسهم فلا يرونه أهلاً للحقوق المدنية وبذلك يخسر الدنيا والآخرة. هذه حقائق راهنة يعلمها من حلت به من المسلمين ومن أتيح له فدخل بلاد الإسلام المقهورة للأجنبي. أخواننا المحترمين أن هذه الحالة المزعجة المذهلة للعقول الحالة بغالب الإسلام قد اتفق العدو على تعميمها ومحو البقية الباقية من العالم الإسلامي بها وهناك الطامة الكبرى على الدين والملة والبلاء المعمم على هذه الأمة الأسيفة التي أهملت دينها ورأيها وخربت بيتها بيدها وسلمت مقاليدها عفواً لعدوها. أخواننا المحترمين إن الشرك الذي نصوبه لنا ووقع غالبنا بأيديهم بسببه شيء واحد وهو شقاقنا لبعضنا وسوء التفاهم بيننا وعدم النظر في العواقب والغفلة عن مكر العدو وحيله وما يقصده منا والجهل بالحقائق حتى بأنفسنا وضعفنا أمام العدو وقوته واستعداده واغتنامه الفرص فينا هذا كله وإلى الآن ما تيقظنا وأخذنا حذرنا. أخواننا المحترمين هيا بنا لنتفاهم في أسباب سوء التفاهم بين أمتين مسلمتين يتطاحنان بالصواعق المحرقة والعدو من جميع الجهات متحفز منتظر الفرصة للوثوب عليهما في وقت كان من أول الواجبات على كل المسلمين سيما من بقي فيهم رمق من الحياة مثلنا معاشر العثمانيين ن يتركوا كل ما يشم منه رائحة الخلاف وأن يأخذ كل واحد منهم جماعات ووحدانا بعضد أخيه وأن يغضوا الطرف عن كل حق شخصي بينهم ويتسامحوا ويتساهلوا مع لبعضهم وأن يتركوا كل مطمع وكل حب رياسة ويلتفوا على مقام الخلافة مقام البقية الباقية من قوة الإسلام وعزته ومنعته ومهابته ليكون سداً منيعاً أمام هجمات الأعداء الذين قد تم اتحادهم علينا وتراضوا في اقتسامهم لتراثنا. أخواننا المحترمين إن إشهار السلاح منكم على قلب الإسلام ومعقله الوحيد في هذا الزمان الحرج الذي ما رأى الإسلام أحرج منه ماذا تقصدون به يا ترى إن ما يمكن أن يتصور من الأسباب الحاملة لكم على فعلكم هذا أمور أربعة الطمع في الرياسة وحب المال والرغبة في إقامة الشريعة المطهرة والخلاص من ظلم المأمورين.

стр. 285

فأما السبب الأول والثاني فإني مع كوني بحسب كمالكم وتيقظكم أنزه وجدانكم وعقلكم وحكمتكم وغيرتكم على الإسلام عنهما أقول لكم أخواننا الأعزاء اعتبروا فيمن هم أشد منكم قوة وآثاراً على الأرض وأغزر عرفاناً وأكثر عدداً وأكمل عدداً فقد اغتروا مثل اغتراركم وطمعوا مثل طمعكم فما سلموا حتى ودعوا وما تم لهم السعي المدسوس في الانفصال عن الدولة العلية حتى التقمهم العدو وحاق بهم وبزعمائهم الشقاء الأبدي ولا نذهب بالتاريخ بعيداً بل نلتفت أدنى التفاتة إلى مصر والجزائر وتونس وها هي مراكش بين فرانسا وإسبانيا في حالة نزع ولا سبب لذلك سوى الطمع في الرياسة وحب المال على أن زعيمكم أخواننا الأعزاء تكفيه رتبته الأدبية التي حصل عليها في نظركم ونظر الدولة والعموم فإنها عند الله وعند الناس أكبر من كل رياسة لأنها توجب أن رؤساء السياسة يخدمونه ويمتثلون أمره ويهتدون بهديه وتصلح به العباد والبلاد وتفاض عليه النعم الدنيوية والأخروية ويكسب بذلك رضا الله والالتفاف التام من خلق الله وأما إن كان إشهاركم السيف وهجومكم على سفك دماء المسلمين وركوبكم هذا المركب الوعر ديناً ودنيا تتقصدون به دفع الظلم عنكم وإقامة الشريعة المطهرة بينكم وهذان هما السببان الثالث والرابع فاعملوا يا أخواننا الأعزاء أن دار الخلافة في هذا الوقت أول بلاد الله في الإسلام يقام بها دين الإسلام وأن سلطنة آل عثمان هي السلطنة الوحيدة المحافظة على شعائر الإسلام وهاكم البيان أن الصلاة التي هي عماد الدين مقامة بدار الخلافة بأبهى معناها وأن الجماعات والجمع محافظ عليها تمام المحافظة ولن تذهب مائة خطوة في الغالب إلا وتجد جامعاً أو مسجداً مقاماً حساً ومعنى ولن تدخل إلى جامع في وقت من الصلوت إلا وتجده عامراً بكل طبقات الأمة من الصبيان والشبان والكهول والشيوخ ورجال السياسة ورجال الجهلاد ورجال العلم وعامة الناس من الذوات والتجار وغيرهم ترى الضابط من فريق فما دون يدخل وقت الصلاة إلى الجامع بسيفه وأوسمته التي تمثل منه رجلاً عزيز الجانب قوياًَ متيناً كالأسد الكاسر أمام العدو فينزع ذلك ويضعه أمامه ويندمج في أخوانه المسلمين بغاية التذلل والخضوع قابضاً يديه مستقبلاً القبلة معترفاً بتمام الذل والعبودية والفقر ممثلاً في عينيه قوله تعالى: (أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم) (أربع أسطر غير واضحة صفحة٤٢٢)

стр. 286

وحديث سيد ولد عدنان في مقر الخلافة لا يوجد لها نظير فيما سمعنا ورأينا إن إقامة موسم الحج لولا دار الخلافة ما كان وها هي أوروبا تحاربه حرباً عواناً من جهة بمنع من قضي عليه فوقع تحت نيرها والبدو يعبثون به من جهة ثانية إن كلمة التوحيد مقامة على كل المنارات والمنابر وعلى أعلام الجهاد في سبيل الله إن الجيش مستعد بكل ما في وسعه حسب الشريعة المطهرة فمن بينه الصلحاء والفضلاء وأرباب الغيرة والوجدان الطاهر والقصد ومن بينه أرباب العمائم من الفتيين والأئمة والخطباء والوعاظ إن باب المشيخة مفتوح لكل الحقوق الشرعية ولا يعقد عقداً ولا يحله إلا حسب الشريعة المطهرة وبإشارة باب الفتوى القائمة به رجل من أهل العلم والتقوى والصلابة في الدين الذين لا تأخذهم فيه لومة لائم إن دروس العلم مقامة وأن التكايا عامرة وأن شكل الحكومة على العموم شكل حكومة إسلامية متدينة سالكة مسلك أهل السنة والجماعة وقائمة بواجبات خلافة الإسلام في هذا الزمان بقدر الاستطاعة. نعم يوجد بعض الأفراد الجهلاء الفاسقين أو المارقين يوجد بعض الظلمة المتغلبة عليهم شهواتهم ومطامعهم الشخصية الأمر الذي لا تنجو منه أمة ولا بلدة بل ربما ولا قرية فهل يسوغ لنا شرعاً وعقلاً وحكمة أن نحمل وزرهم للأمة قاطبة المعدودة بالملايين والله جلت قدرته يقول (لا تزر وازرة وزر أخرى) ثم نقول هل منعنا بسبب هذه الأفراد المنحرفة من صلاتنا هل منعنا من جماعتنا وجمعنا هل منعنا من زكاة هل منعنا من صومنا وحجنا وإشهارنا الكلمة جامعتنا هل أفسدت أنكحتنا هل انتهكت مواريثنا هل ألزمنا على الخنا والفسوق وترك الدين منا كلا ثم كلا بل الشعائر محفوظة والقائم بها والمحافظ عليها معزز ومكرم من البر والفاجر ثم نقول هل يعد ما تأخذه الدولة من الضرائب منكم لسد الثغور وبناء الأساطيل وإعداد المعدات وصد الهجمات وتأمين الطرقات وتنظيم الشؤون والذي عن حوزتكم وحوزتها وصون بيضة الإسلام من الآفات ظلماً وهو أمر يقتضيه الشرع والعقل والعمران والأمم المتمدنة تكلفها دولها أضعاف ما تكلفنا به دولتنا وكلهم لا يحركون بذلك حراكاً بل يعطونه عن طيب نفس لعلمهم بواجب وطنهم وملتهم ولمعرفتهم لقيمة محيطهن وبعد نظرهم في عواقب الأمور ثم نقول هل سدت طرق طلب الشريعة ورفع الظلم ولم يبق إلا إشهار السيف والله يقول (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) ثم نقول هل أباح لنا الشرع والعقل

стр. 287

والسياسة والحمية والرأفة بالإسلام والمحافظة على دينه وناموسه وحريمه وذراريه أنا بسبب ظلم مأمور جاهل أو فسقه أو كفره نحمل المسلمين على شق عصا الطاعة وتعرضها لسفك الدماء وتلف الأرواح والأموات ويتم الصبيان وترميل النساء وهلاك الحرث والنسل وتعريض الدولة للمشاكال وتعريض أنفسكم لالتقام العدو هل ما ارتكبتموه أخف الضررين الواجب ارتكابه شرعاً وعقلاً هل ما ارتكبتموه هو طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المشروط بإجماع الأديان والعقلاء أن لا يكون بطريقة تؤدي إلى ما هو أوخم من الحال الحاضرة إني أكل جواب ذلك لدينكم وأمانتكم وحكمتكم وإلى العالم الإسلامي المعرض للاضمحلال بأمثال هذه الحركات بين أخوانه. أخواننا الأعزاء في دين الله أتوسل عليكم بالله وبرسول الله وبدين الله وبكتاب الله وبوجدانكم الطاهر أن تتيقظوا وتفيقوا من غفلتكم ولا تطعنوا قلوبكم وقلوب أخوانكم المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها بأيديكم. أخواننا إن دولتنا العلية وأمتنا العثمانية هي البقية الباقية من الإسلام وهي بمثابة القلب منه وكل أخوانكم المغلوبين على أمرهم للعدو ينظرون إليهم ويعلقون كل آمالهم عليهم وأن العدو ما أخر الإجهاز النهائي على دينهم وإدماجهم في اسفل طبقة منه إلا خوفاً واحتراماً لكم معاشر العثمانيين وها هو كلما رأى ضعفاً فيكم واشتغالاً بداخلكم اتخذ ذلك فرصة وأسرع في القضاء على أخوانكم تعساء الحظ من جهة وبادر إلى نقصكم من أطرافكم وإحكام التدخل في شئونكم من جهة أخرى أخواننا لاتغتروا بكثرة عددكم فلستم بأكثر من الهند ولا تغتروا بمعلوماتكم فلستم بأكثر معلومات من مصر ولا تغتروا ببأسكم وشجاعتكم ووعورة بلادكم وتمسككم بدينكم فلستم بأشد من الجزائر وتونس ومراكش أخواننا إن القسمة النهائية قد تمت وإنكم في حصة أردء خلق الله وأوحش خلق الله وأخبث خلق الله وحوادث الجديدة تنبئكم عمن هو متحفز للوثوب عليكم وإذا تمكن منك لا قدر اللع سيمزق أحشاءكم ويعبث بدينكم ويهتك عرضكم وحريمكم ويحكم حفظكم الله والمسلمون من كل سوء نعم إن كنتم قد بلغتم عن دار الخلافة سواء من حيث الدين أو من حيث السياسة بأخبار مدسوسة أو غاش صاحب أغراض شخصية أو جاهل فعليكم بالتثبت والعمل بقول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا جائكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم

стр. 288

نادمين) واعلموا أن الغلط في مثل هذا الباب ليس بالسهل وها مبعوثوكم يخبرونكم بالحقيقة ويبلغونكم ما تقصدون من الحقوق المشروعة المنطبعة على الزمان فلتكونوا أخواننا الأعزاء عاملين بقول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم) ولنكن يداً واحدة لجمع كلمة الإسلام على دار الخلافة ورفع الغش منهم وإرشادهم بالحكمة آمرهم ومأمورهم عالمهم وجاهلهم ولنترك هذا الشقاق ولنرجع إلى خدمة جامعة الإسلام التي هي في الحقيقة دار الخلافة متمسكين بديننا طالبين حقوقنا بالأوجه المشروعة آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر بالحكمة ذلك هو طريق النجاح والفلاح لكم وللإسلام قاطبة والسلام الأتم من أخ شفوق متفتت الكبد على الإسلام وما حل به مجرب في نفسه مشاهد بعينه ولله فينا وفيكم علم غيب وهو يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

стр. 289

إجابة طلب المؤيد (تابع ما قبله) تراكمت الأدواء والبرء مبعد ... ومالي من بين البرية مسعد سوى المصطفى الحبيب الممجد ... (وما مصدر الشياء إلا محمد) وناهيك طول المدح فيه قصور) نبي سبى كل الورى بكماله ... ترى عنده من كل صب وواله هو المجتبى يا مستهام فواله ... (بدائرة التكوين نور جماله) (عليه جميع الكائنات تدور) دمشق محمد سليم الحنفي وقال حفظه الله (وما مصدر الأشياء إلا محمد) ... هو المرتجى والعالمين نشور رسول عظيم عظم الله قدره ... (وناهيك طول المدح فيه قصور) (بدائرة التكوين نور جماله) ... تخر له الأقمار وهي بدور هو السيد المختار والمجتبى الذي ... (عليه جميع الكائنات تدور) (وما مصدر الأشياء إلا محمد) ... ولا كائن وإلا إليه فقير ولا أحد يدري سوى الله فضائله ... (وناهيك طول المدح فيه قصور) (بدائرة التكوين نور جماله) ... مضيء يرد الطرف وهو حسير هو المجتبى قطب العزة كلها ... (عليه جميع الكائنات تدور) بيروت محمد سعيد إياس بمدحك يا خير الورى نتعبد ... وننظم دراً في مديحك ينشد فعفواً فمن يوفي بمدحك أحمد ... (وما مصدر الشياء إلا محمد) (وناهيك طول المدح فيه قصور) نبي لقد جلت جميع خصاله ... وعم الورى والله فضل نواله

стр. 290

شمائله الحسنى تدل لحاله ... (بدائرة التكوين نور جماله) (عليه جميع الكائنات تدور) قاسم حرز الله (وما مصدر الأشياء إلا محمد) ... لولاه لم يعرف لكنت ظهور تقاصرت الإفهام عن درك ذاته ... (وناهيك طول المدح فيه قصور) (بدائرة التكوين نور جماله) ... هو الروح في جسم الوجود يدور تفرد هو والكل ذاتاً ومركزاً ... (عليه جميع الكائنات تدور) دمشق سليم قصاب حسن (وما مصدر الأشياء إلا محمد) ... رسول على عبئ البلاغ صبور نبي عليه الله اثنا أبعد ذا ... (وناهيك طول المدح فيه قصور) (بدائرة التكوين نور جماله) ... فغمنه لهذا الطون ثم ظهور وأم بأمرا الأنبياء لأنه ... (عليه جميع الكائنات تدور) دمشق أج

стр. 291

مضار البغاء خلق الله الإنسان في هذه الحياة ليعيش أبي النفس هني البال لا يغضي على أذى ولا يسكت على نقيصة يضم للشرف الغيرة وللشهامة المروءة والعفاف وبين أن صيانة الأعراض هي المنزلة الرفيعة وأن العناية بها أفضل ما يتطلبه الطالبون، وخير ما يسعى إليه الباحثون، ولو قيض الله لرجل أن يجمع أنواع اللذة والهناء وأتيح له أن يملك قناطير الذهب والفضة وأن يستمتع بأقوى أسباب الراحة في هذه الحياة وكان قليل الغيرة نزر المروءة والحمية لكتب في الأذلين الشعور بفظاعة الزنا يكاد يكون عاماً في جميع الطبقات إلا أنه يختلف قوة وضعفاً باختلاف مصدره والباعث عليه فمن كان مصدر آدابه محيطه فأحربه أن لا يثبت على مبدأ ولا يقف عند حد بل يتغير بتغير العادات والأحوال ومن كان مصدر آدابه الدين الذي شرعه الله على لسان رسله فلا شك أنه يدوم ولا يتبدل ما دام هذا الدين ثابتاً لم يحرم الدين الإسلامي شيئاً أعناتاً للناس وجلباً للضرر عليهم ولا لغرض أن يمتنعوا عن استعمال الطيبات وإنما حظر عليهم أن يأتوا ما فيه ضرر لهم، وتعذيب حياتهم ومن أشد ما منع وحرم البغاء (الزنا) لما فيه من الضرر الجلي والمفاسد الكثيرة إن ما تفعله العاهرات من إتيان هذا المنكر (الزنا) وجعله حرفة مخصوصة تسام كما تسام السلع هو من الأمور الفظيعة بمكان بالنسبة لما يترتب عليه من الضرر والفساد وضياع النسب وفقد الثقة بالأصول والإخلال بالصحة والآداب وتقليل النسل وإيقاع الشقاق في البيوت وإماتة الأخلاق وفشو الدياثة والقيادة والوصول إلى حالة تبكي منها الفضيلة ويموت معها الحياء. كتبت مجلة الهلال الأغر مقالة في هذا الموضوع تحت عنوان منافذ جهنم نقتطف منها ما يأتي مع أننا مع احترامنا للتمدن الحديث نعترف بأن كثيراً من عوامله الملائمة لأمم أوروبا لا تلائمنا لاختلاف طبائعنا وسائر أحوالنا عما لأولئك وزد على ذلك أن هذه الرذيلة (الزنا) مكروهة ومحرمة شرعاً وعرفاً عند سائر الأمم قديماً وحديثاً والتاريخ أصدق شاهد على ذلك هذه شريعة حمورابي أقدم الشرائع المعروفة تقول إذا وجدت امرأة مع غير زوجها فالاثنان يوثقان ويطرحان في الماء. وتليها شريعة موسى وهي تحكم على الزاني والزانية بالقتل وكذلك تقضي عليه شريعة ليكورغوس (٨٨٤ ق م) وكان السكسونيون القدماء يحرقون الزانية ويبنون فوق قبرها مشنقة يشنقون بها الزاني وكان كانوت يحكم على الزاني بصلم الأذنين وجدع الأنف سنة

стр. 292

١٠٣٤م وقرر برلمان إنكلترا سنة ١٦٥٠ أن يعاقب الزاني بقطع الرأس وأكثر الشرائع تشدد النكير على الزاني إن لم بالقتل فبما يقرب منه وقلنا والحكم عندنا في الشريعة المحمدية واضح جلي لا خفاء معه وهو أن الزاني إما محصن أو غير محصن فالمحصن سواء أكان رجلاً أو امرأة إذا ثبت لدى الإمام زناه ببينة وإقرار أخرج إلى أرض فضاء ثم رجم بالحجارة حتى يموت وغير المحصن إن كان حراً فحده مائة جلدة وإن كان عبداً خمسون جلدة قال الله تعالى (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين) وقال سبحانة (ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا) وقال عز اسمه (ةوالذين لايدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق آثاماً يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهماناً غلا من تاب) ورجم سيدنا رسول الله ﷺ ماعزاً والغامدية وقال ﵊ فيما أخرجه أحمد والطبراني واللفظ له أن الله يدنو من خلقه أي بلطفه ورحمته فيغفر لمن يستغفر غلا لبغي بفرجها لو عشار والطبراني عنه ﷺ أن الزناة تشعل وجوههم ناراً إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة على قبح هذه الخطيئة وشدة نكرها ويكفي أنها الضربة القاضية على العفاف والشرف والعنوان الصريح على التأخر والانحطاط. قال صاحب الهلال ويدلنا التاريخ على أن الأمة إنما يبقى عمرانها إذا أحاطته بسور من العفاف وإلا فإنه منقوض ولا خلاف في أن الأمة الناهضة لا فائدة من مساعيها إن لم يكن العفاف نبراسها واعتبر ذلك بما مر على الأمم من أدوار التاريخ قديماً وحديثاً فلا ترى دولة قامت وتأيدت إلا وكان العفاف سياجها مع اعتبار طبائعها وسار أحوالها وما من دولة ذهبت إلا كان الانغماس في المنكرات من أكبر أسباب ذهابها انظر إلى دولة الرومان التي امتد رواق سلطانها على الخافقين وحملت إليها الجزية من أربعة أقطار المسكونة فإنها حال فسدت آداب أهلها فسد نظامها ووهنت قواها وما لبثت أن سقطت وكان سقوطها عظيماً ولو تتبعت تاريخ الأمم على اختلاف الزمان والمكان لرأيتها تتشابه من هذه الحيثية وكلها ذهبت فريسة التهتك والابتذال.

стр. 293

ثم قال ما معناه فما أجدر الحكومة أن تقتدي بأقرب الدول مصلحة منها نعني إنكلترا فإن هذه الرذيلة غير مباحة فيها ليس في إنكلترا أماكن عمومية لهذا العرض مطلقاً وربما كان ذلك عندها فيما مضى لكنها أصدرت الأوامر المشددة بمنع هذا المنكر من بلادها. منذ عشرات السنين فهل نعد ذلك انحطاطاً؟ أم هو فضيلة يحق لإنكلترا أن تفاخر بها أمم الأرض؟ أه. تأمل أيها القارئ وناد معنا أين المتفرنجون أينهم الذين يحبون أن نقلد الغربيين هلا كرهوا البغاء كما كرهته إنكلترا وشددوا على البغايا كما شددت هي عليهم هلا طلبوا من الحكومة وهي إسلامية منع أن يكون في البلاد أماكن عامة لهذا الغرض السافل ولو بقصد تقليد الإنكليز كما هي عاداتهم ولكن أبى الله إلا أن يظهر للناس مكنونات سرائرهم وخفايا ضمائرهم وأنهم إنما يدعون لتقليد الغربيين فيما يضر بالأمة ويفسد عليها أخلاقها وإلا فلم لم يقتدوا بالحكومة الإنكليزية ولم يطلب بعضهم من حكومة دمشق (وهي قاعدة البلاد الإسلامية) إرجاعهم إلى محالهم الأولى أو تخصيص محلة مستقلة لهم وأن تعين لهم الحكومة الأطباء والمستشفيات سيقول بعض الناس وماذا عسى تفيد الكتابة أو ينفع الالتجاء إلى الحكومة؟ ومتى كان الخصم الحكم؟ لولا رضا الحكومة لما قامت للمنكرات والفواحش قائمة والدستور أباح كل شيء الخ نقول في الجواب لهم هذه الفكرة بعينها هي فكرة أولئك المتفرنجين أعداء الخلافة الإسلامية والحكومة العثمانية فهم يجتهدون في إذاعتها ويسعون جهدهم بانتشارها لتتحدث في داخلية الحكومة المشاكل وتخلق الحوادث وتكره الحكومة الشعب ويكره الشعب الحكومة ويتخذون من وراء ذلك يداً عند الحكومات الأجنبية وذكراً لديها ألا فليتق الله هؤلاء المتفرنجون وليعلموا أن زخرف أقاويلهم وبهرج أباطيلهم لا يحول قط بين الحكومة والشعب ولا بين الشعب والحكومة فحكومتنا على كل حال إسلامية وإن رغمت أنفوهم دستورية وإن حرجت صدروهم تقوم إن شاء الله بمحافظة الشرع وآداب الدين. فلقد علمنا أنها منعت ما هو أدنى من الزنا وأقل نكراً منه منعت من عاصمتها تبرج النساء واختلاطهن بالرجال في مثل يوم عيد الدستور منعت الصبيان من الحمامات، منعت أهل البصرة من نصب تمثال لمدحت باشا، قرر مجلس وكلائها منع انتشار كتاب تحريم المرأة

стр. 294

إذ طبع مترجماً بالتركية لئلا يكون سبباً لكثرة الخوض في مسألة رفع الحجاب عن النساء منعت الزهاوي من التدريس في المكتب السلطاني البغدادي لما علمت تهوره في الدين الإسلامي، أذاع شيخ الإسلام حفظه الله نشرة أبان فيها حرمة المبارزة بين مسلمين لما بلغه أمر صاحب طنين وخصمه كل ذلك منعته الحكومة عناية بالآداب الإسلامية ومحافظة على العادات الدينية فيقال بعد ذلك أن الحكومة راضية بانتشار الزنا والفواحش وأن قانونها الأساسي أباح كل شيء؟ كلا ثم كلا. . نعم قد يتساهل بعض المأمورين بمنع ما يخل بالأخلاق والآداب الدينية فيظن بعض البسطاء ممن يصغون لأكاذيب المتفرنجين أن هذا التساهل والتغاضي من الحكومة نفسها والحقيقة ما أسلفنا ذكره فعليكم أيها الناس أن تكرروا مطالبة حكوماتكم المحلية المتساهلة لتمنع ما يخالف آدابكم العمومية التي نص القانون على وجوب احترامها. أيها الناس وبالأحرى أيها الدمشقيون إن حادثة الفواحش عندكم استاء منها العقلاء في كل مكان فيجب على أهل العلم والدين والمروءة منكم أن يعيدوا الكرة بمطالبة الحكومة الدمشقية بمنع هذا المنكر من بلدتكم الطاهرة بطريقة قانونية مشروعة خالية من كل ما يخل بالآداب العمومية أيها الدمشقيون لا تتوانوا لا تتوانوا عن مطالبة حكومتكم المحلية بمنع هذا المنكر فإنه علاوة على كونه من الأدواء التي تسري بضروب من العدوى وإفساده الأخلاق وإتلافه للأموال وإحلاله الروابط الزوجية يهتك حرمة الدين الذي كفل القانون الأساسي وحفظه واحترمه بل لم يقبل إلا ببنائه على أساسه واقتباسه من نوره فإن لم تبادر الحكومة المحلية إلى إجابة طلبكم وهذا غير ما نظنه فيها فارفعوا الأمر إلى حكومة العاصمة فهي تلبي طلبكم وما عرف فيه مولانا شيخ الإسلام من الغيرة على الآداب الدينية يؤكد ذلك وإذا كانت الحكومة معنية بتنقية البلدة من الأمراض وتنظيفها من الموبقات فهي مطالبة بالأولى بدفع هذه المحظورات وتطهير البلد من هذه الأرجاس قالت مجلة الهلال وكما تبذل الحكومة الأموال في وقاية رعاياها من الأمراض وتجبرهم غي تلقيح أبنائهم بالجدري وتحملهم قهراً على اتقاء الأوبئة الوافدة فهي مطالبة بوقايتهم من شر هو أشد وطأة من المرض وتنظيف الوطن من تلك الأقذار أولى من تنظيف الشوارع من الغبار ووقاية الشبيبة من مهاوي الفساد وحماية أبدانهم من تلك الأمراض القذرة أولى في اعتبارنا من تطهير منزل حدثت فيه إصابة بالتيفوئيد والدفتريا لأن عدوى هذه الأمراض

стр. 295

وأمثالها تنحصر في بعض الأقربين ولا تتعدى الجيل الواحد من الناس وأما تلك فإنها تنتقل في الأعقاب حتى تؤول إلى فناء الذرية أه. هذا ما أردنا بيانه قياماً بواجب النصيحة الشرعية فعسى من يهمهم أمر الأخلاق وصيانة الأعراض أن يفكروا في هذه القضية من قبل أن يتسع الخرق. . ولله في عباده شؤون.

стр. 296

قصيدة نبوية وردتنا هذه القصيدة النبوية الغراء من حضرة الوجيه الفاضل والأديب الكامل سليم أفندي قصاب حسن نظمها بمناسبة زيارته لحضر سيد الوجود ﷺ . . قال حفظه الله يا سيداً تسمو به العلياء ... قدام بابك مذنب مخطاء ضعيف ضعيف يرتجي منك القرى ... وعلى الأكارم للضيوف قراء حاشا لجودك أن أعود بخيبة ... وسحاب كفك دونه الأنواء ذنبي تأخر بي وجئتك راجياً ... فعسى يقربني إليك رجاء إني المسيء وأنت أكرم شافع ... بجنابه تتوسل الشفعاء إن الذنوب وإن تعاظم جرمها ... في جانب الغفران فهي هباء أطريت في تمداحه متوسلاً ... أنم الكريم يهزه الإطراء يممت مهبط وحيه متمسكاً ... بشذى به تتأرجح الأرجاء من زاره لله نال شفاعة ... قد أوجبتها الشيمة الشيماء ما قدر مثلي أن يؤم رحابه ... لكنما عاداته الإغضاء أيام عمري كلها لهو سوى ... يوم بطيبة طلب فيه ثواء طابت بتربة أحمد ورداً وقد ... رقد الهواء بها وراق الماء تتطوف الأملاك في أرجائها ... جزلاً ومن خدامها الكبراء بلد تبدى الدين منها كاملاً ... للعالمين وتمت النعماء روحي الفداء لروضة القبر الذي ... تهوي على أعتابه العظماء قبر بساكنه تسامى رفعة ... ما العرش ما الكرسي ما العلياء قد ضم خير المرسلين فكيف لا ... تزهو على فلك السما الغبراء هذا النبي وهذه أنواره ... قد عم منها الكائنات ضياء يدر هدى الله الأنام بنوره ... لما تجلى والقلوب سماء قد شرف المولى به سمواته ... لما سرى يا حبذا الإسراء سبحان من أعطاه منزلة لها ... في الرفرف الأعلى سناً وسناء من قاب أو أدنى حباه مكانة ... قد قصرت عن دركها العقلاء

стр. 297

جلت فلم تدرك حقيقتها لذا ... حارت بمدحه ذاته الشعراء بعد المنال من يطيق مديحه ... هيهات أين الأرض والجوزاء عفواً رسول الله إني عاجز ... والعذر تسمح عنده الكرماء لا أستطيع بأن أفيك محامداً ... لكن بقدر الطاقة الإهداء من لي بأن أقضي الحياة بطيبة ... وتضم جسمي بقعة فيحاء فهي السعادة والشهادة والرضا ... والحسن والإحسان والإرضاء ودعت قبر محمد مستمطراً ... دمعي وما يغني المشوق بكاء يا ليتني فارقت روحي عندما ... فارقته إن الفناء بقاء أرجو القبول وذاك أعظم منحة ... من نظرة هي نظرة وهناء صلى عليه الله ﷻ ... أزكى صلاة مالها إحصاء والآل والأصحاب ماهز الصبا ... بان الغصون وغردت ورقاء

стр. 298

متفرقات اعتذار وشكر وردتنا رسالة من حضرة المهذب الغيور أحمد أفندي القصاص ينتصر فيها (للحقائق) ويرد على السائح البعلبكي مزاعمه مما يشهد صراحة بما جبل عليه الكاتب من الحمية الإسلامية والغيرة الدينية وكنا نود أن ننشرها لما حوته من الفوائد ولولا أنا لا نريد إعادة البحث في هذا الموضوع وعلى كل نشكر للكاتب اعتناءه بالدين والحقائق والله يتولى الصالحين. أول قطرة من غيث اسم لوريقات سافلة تأليف محمد فرج ص النجار أطلعنا عليها فوجدناها جعبة أقوال سخيفة اعترض فيها على أئمة الدين بما لا ينطبق على عقل ولا نقل وصرح بأنه عامي يجهل اللغة والمنطق والأصول وانتصر للإباضية (فرقة من الخوارج على سيدنا علي ﵁ وبالجملة فالرسالة تمثل مؤلفها جاهلاً بليداً أشيبه شيء بمن يتعاطون المخدرات فنصون أفكار القراء عن الرد عليه. جمعية التعاون الخيري في العقيبة هي أول جمعية إسلامية تأسست لإعالة الفقراء في دمشق وكان عدد من تنفق عليهم من التلامذة ٢٢ تلميذاً واليوم جعلتهم ٤٠ تلميذاً كلهم من أبناء المحاويج يدرسون في مدرسة واحدة (المدرسة التجارية) ويتأدبون بأدب واحد، وينهجون نهجاً واحداً فنستدر أيدي أهل النعمة والثراء لمساعدتها ونسأل الله لها التقدم والنجاح.

стр. 299

العدد ١١ - بتاريخ: ٢٨ - ٦ - ١٩١١

стр. 300

الإسراء والمعراج سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير. قال جل اسمه: والنجم إذا هوى، ما ضل صاحبكم وما غوى، وما ينطق من الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، علمه شديد القوى، ذو مرة فاستوى، وهو بالأفق الأعلى، ثم دنا فتدنى، فكان قاب قوسين أو أدنى. فأوحى إلى عبده ما أوحى. ما كذب الفؤاد ما رأى، أفتمارونه على ما يرى، ولقد رآه نزلة أخرى، عند سدرة المنتهى، عندها جنة المأوى. إذ يغشى السدرة ما يغشى، ما زاغ البصر وما طغى، لقد رأى من آيات ربه الكبرى. الأنبياء عليهم الصلاة والسلام صادقون مصدقون منزهون عن الدعاوي الكاذبة ثبت ذلك بالبراهين القاطعة والحجج الدامغة. فأخبارهم بصدور أمر خارق للعادة واجب تصديقه والإذعان إليه. إن الله جلت قدرته قد أيدهم بالتأييدات الإلهية وأظهر على أيديهم المعجزات الباهرة الدالة على صدق نبوتهم وحقيقة مدعاهم وخص نبينا ﷺ بأعظم المعجزات وأجلاها وأسماها وأسناها فمن ذلك الإسراء والمعراج وهما من المعجزات التي خص بها نبينا محمد صلى الله عليه وسل وقد جرى فيهما من خوارق العادات وغرائب الحوادث ما يقضي بالعجب العجاب ويؤكد سمو مقام الرسول العظيم صلى الله عليه وسل عند ربه . من عرف مقام النبوة وتحقق أنها لا بد لها من التاييدات الإلهية وتيقن عظيم قدرة الله سبحانه ونه تعالى مطلق الإرادة واسع الأمر بيده ملكوت السموات والأرض يفعل بعباده ما يشاء ويختار لهم ما يريد ونظر إلى الخصوصية التي حازها سيد الخلق على الإطلاق الحبيب المصطفى والرسول المجتبى لا بد وأن يذعن بلا مراء لخبر المعراج والإسراء الدالين على عظيم قدرة الله ورفعه مقام هذا النبي العربي القرشي ﷺ الإسراء والمعراج وقوعهما ثابت لا شك فيه باتفاق جميع المسلمين وقد اتفق العلماء على أنهما في ليلة واحدة وأن فريضة الصلوات كانت في تلك الليلة وقد اختار الحافظ المقدسي أن ذلك في السابع والعشرين من رجب. ثبت الإسراء والمعراج باليات السابقة والأحاديث الصحيحة المشهورة التي قاربت حد

стр. 301

التواتر منها ما رواه مسلم بسنده إلى أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال أتيت بالبراق وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه قال فركبته حتى أتيت بيت المقدس قال فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء قال ثم دخلت المسجد فصليت فيه كرعتين ثم خرجت فجاءني جبريل ﵇ بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن فقال جبريل ﵇ اخترت الفطرة قال ثم عرج بنا إلى السماء فاستفتح جبريل ﵇ فقيل من أنت قال جبريل قيل ومن معك قال محمد ﷺ قيل وقد بعث إليه قال قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بآدم فرحب بي ودعا لي بخير إلى أن قال ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى وإذا ورقها كآذان الفيلة وإذا ثمرها كالقلال قال فلما غشيها من أمر الله ما غشي تغيرت فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها قال فأوحى الله إلي ما أوحى ففرض علي خمسين صلاة كل يوم وليلة فنزلت إلى موسى فال ما فرض ربك على امتك قلت خمسين صلاة قال فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فإن أمتك لا تطيق ذلك فإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم قال فرجعت إلى ربي فقلت يا رب خفف على أمتي فحط عني خمساًُ فرجعت إلى موسى فقلت قد حط عني خمساً قال إن أمتك لا يطيقون ذلك فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف قال فلم أزل أرجع بين ربي ﵎ وبين موسى ﵇ حتى قال يا محمد إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة لكل صلاة عشر فذلك خمسون صلاة ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت سيئة واحدة قال فنزلت حتى انتهيت إلى موسى ﵇ فأخبرته فقال ارجع ربك فاسأله الخفيف فقال رسول الله ﷺ فقلت قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه أه وقد روى البخاري في صحيحه حديث المعراج بأطول من هذا وذكره عند عدة مواضع تركنا إيراده خيفة التطويل وروى البيهقي في الدلائل من طريق صالح بن كيسان عن الزهري عن أبي سلمة قال افتتن ناس يعني عقب الإسراء فجاء ناس إلى أبي بكر ﵁ فذكروا له فقال أشهد أنه صادق فقالوا أوتصدقه أنه أتى الشام في ليلة واحدة ثم رجع إلى مكة قال نعم أصدقه بأبعد من ذلك أصدقه بخبر السماء قال فسمي بذلك الصديق قال القاضي عياض ما ملخصه اختلف هل كان الإسراء بروجه أو بجسده فذهبت طائفة إلى أنه إسراء بالروح ورؤيا في المنام وذهب معظم السلف (وذكر عدداً كبيراً من

стр. 302

الصحابة والتابعين) إلى أنه إسراء بالجسد وفي اليقظة قال وهذا هو الحق وهو قول أكثر المتأخرين من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين والمفسرين وقالت طائفة كان الإسراء بالجسد يقظة إلى بيت المقدس وإلى السماء بالروح قال العلامة القاري وهذا يشبه قول المعتزلة قال القاضي والحق من هذا والصحي أنه إسراء بالجسد والروح في القضية كلها وعليه تدل الآية وصحيح الأخبار والاعتبار ولا يعدل عن الظاهر والحقيقة إلى التأويل إلا عند الاستحالة وليس في افسراء بجسده وحال يقظته استحالة أه. وبيانه أن لفظة اسرى في الآية تدل على اليقظة لا النوم لأن معنى الإسراء لغة السير في الليل ولم يعهد على العرب أنهم أطلقوا على من حلم بشيء أنه أسرى به وادعاء المجازية هنا ضعيف جداً لأنه فضلاً عن كون اعتبار الحقيقة هو الأصل مخالف للظاهر وقوله تعالى (بعبده) الذي هو اسم للروح والجسد يلائم اليقظة أيضاً ولو كان المراد الإسراء بالنوم مجازاً لقال أسرى بروح عبده مما يلاءم النوم ويدل على المجازية. وأيضاً يفهم من التعبير بلفظ (سبحان) أن الإسراء باليقظة والجسد لأن معناه التنزيه وهو متضمن لمعنى التعجب فلو كان الإسراء مناماً لضاعت لكنة التعجب إذ الرؤيا المنامية لا تقضي العجب ولو كان بالروح لخفيت لكنة التنزيه إذ ليس للروح تمييز وليس في الإسراء بها ما يوهم أمراً يوجب التنزيه. وأيضاً بين سبحانه بقوله (لنريه من آياتنا) الغاية والحكمة من الإسراء وهو إراءة الله تعالى هذا النبي الكريم من الآيات المخصوصة به ﷺ التي ما شرف بإراءتها أحداً من الأنبياء غيره ولو كانت منامية لما كان فيها مزية عظيمة ولا حكمة بالغة وقد قال سبحانه لقد (رأى من آيات ربه الكبرى) ومما يؤكد أنه بالجسد واليقظة قوله جل اسمه في الآيات السابقة (ما زاغ البصر وما طغى) إذ ليس للروح بصر حتى ينفي عنه الزيغ والطغيان ولو قيل بالمجازية ففضلاً عن كونه خلاف الأصل بنافيه ظاهر سياق الآية لأنها مسوقة للمدح وتعداد المزايا وأي مزية بل أي مدح في نفي الزيغ والطغيان عن بصر النائم. وأيضاً قوله تعالى (وما جعلنا الرؤيا الني أريناك إلا فتنة) يدل على ذلك ومثل ذلك الأحاديث الصحيحة على أنه حصل للكفار إنكار واستبعاد وتكذيب لهذا الخبر وارتد به

стр. 303

بعض من أسلم من الضعفاء وافتتنوا به وما ذلك غلا لأنهم فهوا أن الإسراء والمعراج كانا بالجسم واليقضة إذ لو كانا بالنوم والروح لما كان في ذلك ما يوجب الاستبعاد والتكذيب والافتتتان لأن مثل هذا في حال النوم لا ينكر على آحاد الناس فضلاً عن سيد الأنبياء ﵊ وذهب بعض المفسرين إلى أن الضمير في قوله تعالى (ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى) يعود لجبريل ﵇ أي أن النبي ﷺ رأى سيدنا جبريل ﵇ مرة أخرى على صورته الصلية عند سدرة المنتهى ومعلوم أن المرة الأولى كانت عند بدء البعثة وكانت على يقظة بإجماع المسلمين فلو حملت هذه على الروحية لما كان في الأخبار بلاغة واستغراب لأن النبي ﷺ كان يرى سيدنا جبريل ﵇ رؤيا روحية في أكثر الأوقات. وأما دلالة الأخبار فإن ما ذكر في الحديث المتقدم من إتيان جبريل ﵇ بالبراق للنبي ﷺ وركوبه ﵊ على البراق وربطه بالحلقة ودخوله المسجد وصلاته فيه بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام ومجيء جبريل ﵇ له بالإنائين وإخباره النبي ﷺ بأنه اختار الفطرة واستفتاح جبريل السماء وسؤال الملك بقوله أو قد بعث إليه يعني النبي ﷺ وسلام النبي ﷺ على الأنبياء وترحيب الأنبياء به وذهاب جبريل ﵇ على سدرة المنتهى ووصفه ﷺ لها وفرض الله تعالى عليه وعلى أمته الصلاة ومراجعة ﷺ لربه جل شأنه بالتخفيف بإشارة سيدنا موسى ﵇ وغير ذلك مما ذكر في حديث مسلم المار وغيره كله ظاهر الدلالة على اليقظة والجسد والحمل على ذلك حمل على الحقيقة وهو الأصل والحمل على حالة النوم خلاف الظاهر والأصل من غير داع إليه وما ذكر في حديث البيهقي من إنكار الذين جاؤوا إلى ابي بكر ﵁ وقالوا له أو تصدقه أنه أتى الشام في ليلة واحدة يدل صراحة على اليقظة والجسد ويمنع احتمال النوم قطعاً وأما دلالة الاعتبار فالمراد به المقايسة يعني إذا ثبت إسراؤه من الحرم إلى الحرم معجزة بدلالة الآية فلم لا يجوز إسراؤه إلى السماء بالمقايسة المقرونة بالأحاديث الثابتة إذ لا فرق بينهما في تعلق الإرادة والقدرة. وأما عدم استحالته أي عقلاً وشرعاً فبيانه أن كفار قريش وبعض ضعفاء المسلمين توهموا

стр. 304

أن قطع مثل هذه المسافة ذهاباً وغياباً في بعض ليلة محال عقلاً لأن مثل هذه المسافة لا تقطع عادة إلا في أيام كثيرة وأن بعض علماء الهيئة قالوا أن الفلاك لا فرجة فيها ولا تقبلالخرق والالتئام والجواب أن الأجسام كلها متماثلة في قبول الإعراض من قطع مسافة وخرق والتئام وغير ذلك وأما سرعة قطع المسافة فقد ثبت في الهندسة أن ما بين طرفي قرص الشمس ضعف ما بين طرفي الكرة الأرضية مائة ونيفاً وستين مرة ثم أن طرفها الأسفل يصل لموضع طرفها الأعلى في أقل من ثانية والطير والريح مشاهد سرعة قطعهما المسافة والله تعالى قادر على كل الممكنات فيقدر على أن يخلق مثل هذه الحركة السريعة في بدن النبي ﷺ ا , فيما حمل عليه وقد دل القرآن على نقل عرش بلقيس من مسافة بعيدة بأقل من طرفة عين. وأما الخرق والالتئام فهو مشاهد في الماء والسماء مماثلة له في الجسمية فما جاز على جسم بقدر الله تعالى يجوز على جسم آخر على أن النصوص الصحيحة قد نطقت بأن السماء لها ابواب تفتح وتغلق فلا عبرة بغيرها فإن قال قائل يلزم من إثبات وقوع المعراج محال لأن فيه ألفاظاً توهم المكان والقرب وغير ذلك مما هو محال نسبته إلى الله تعالى. قلنا الألفاظ التي توهم ذلك هي من المتشابه التي ورد القرآن والأحاديث الصحيحة كثير منها فأما إن تؤل كما هي قاعدة الخلف وإما أن يفوض العلم بها إلى الله كما هي قاعدة السلف وقد حققا ذلك في الجزء الحادي عشر فارجع إليه إن شئت وهنا نلفت أنظار الوعاظ والمدرسين الذين يقرؤون قصة المعراج الشريف على أسماع العامة في المساجد إلى تبيين هذا الجواب بأوسع مما ذكرنا مخافة أن يعلق في أذهان العامة ما يخالف عقيدة المسلمين.

стр. 305

دروس التاريخ الإسلامي صدر القسم الثالث من هذا الكتاب لجامعه الأديب الشيخ محي الدين الخياط وهو يحتوي على نبذ من تاريخ بني أمية وفي أول صحيفة مرسوم فيها خريطة الدول العربية الإسلامية وقد أهدانا مؤلفه الفاضل نسخة منع أصحبها بكتاب شكر فيه للحقائق حسن ظنها قال وربما أبين رأي في انتقادكم قلنا حبذا العمل ونعم الصنيع فمن احتكاك الآراء تسطع أنوار الحق ومن تبادل الأفكار يستبين الصواب وقد أحببنا خدمة العلم وتمحيصاً للحق أن نتابع العمل فنبدي رأينا في القسم (الثلاث) وإنا مع تقديرنا لخدمته الدينية وغيرته الإسلامية قدرهما نواخذه على تسرعه في الحط من قدر سيدنا معاوية ﵁ وهو واحد من اتفقت كلمة الأمة على جلالة قدره ورفعة شأنه وأنه كاتب وحي رسول الله ﷺ وأمينه على أمته. إذ نسب إليه أموراً تشعر بذمه وتحط من مرتبته منها ما هو متقول عليه ومنه ما له عذر صحيح فيه أغضى عنه المؤلف. سند إليه أنه عاهد الإمام الحسن رضي الله تعالى عتهما على أن يمكنه من جميع مات يطلب إن هو نزل عن الخلافة قال ما مؤداه فاشترط عليه شروطاً فقبل بها حتى إذا نزل عن الخلافة لم يقم إلا ببعضها وقال عنه ما نصه (بلغ من حرصه على الملك أن حاول خصره في آله ورهطه فنجح وأول عمل عمله لذلك حمله الناس على مبايعة ابنه يزيد وهو يعلم منه سوء السيرة والتهتك) تأمل وعزا غليه على إحدى الروايتين (أنه عمل على موت الحسن رضي الله تعالى عنه حتى مات مسموماً بإيعازه ونمي إليه أنه أوصى ابنه يزيد إن ظفر بابن الزبير (وهو من أجلاء الصحابة وأكابرهم) أن يقطعه إرباً إرباً وأنه أول من سب الإمام علياً كرم الله وجهه على المنابر. كل ما تقدم رمى به المؤلف هذا الصحابي الجليل والخليفة العظيم ولم يرع عهد الله ولا ذمته ولم يخش فيما جاهر فيه لومة لائم وما ندري لعله اعتمد في نقل هذه الأخبار على بعض مؤرخي الشيعة واعتد بافترأتهم والحق أن معاوية وفى للإمام الحسن رضي الله تعالى عنه بجميع ما عاهده إلا واحدة وهي أن الإمام الحسن طلب منه أن يعهد له بالخلافة من بعده فلم يتمكن معاوية من ذلك لما رأى من شدة قومه ومنعتهم بل اضطره الأمر إلى أن يعهد بالخلافة ليزيد خوفاً على المسلمين من التفرق وشفقة عليهم من الانشقاق. قال المؤرخ الكبير ابن خلدون في مقدمته بعد كلام على ولاية العهد ما نصه (سطرين غير

стр. 306

مفهومين نهاية الصفحة ٤٤٨) حينئذ من بني أمية إذ بنو أمية لا يرضون يومئذ سواهم وهم عصابة قريش وأهل الملة أجمع وأهل الغلب منهم فآثره بذلك دون غيره ممن يظن أنه أولى بها وعدل عن الفاضل إلى المفضول حرصاً على الاتفاق واجتماع الأهواء الذي شأنه أهم عند الشارع ون كان لا يظن بمعاوية غير هذا فعدالته وصحبته مانعة من سوى ذلك وحضور أكابر الصحابة لذلك وسكوتهم عنه دليل على انتفاء الريب فيه فليسوا ممن يأخذهم في الحق هوادة وليس معاوية ممن تأخذه العزة في قبول الحق فإنهم كلهم أجل من ذلك وعدالتهم مانعة منه وفرار عبد الله بن عمر من ذلك إنما هو محمول على تورعه من الدخول في شيء من الأمور مباحاًَ كان أو محظوراً كما هو معروف عنه ولم يبق في المخالفة لهذا العهد الذي اتفق عليه الجمهور إلا ابن الزبير ولدور المخالف معروف ثم أنه وقع مثل ذلك من بعد معاوية من الخلفاء الذين كانوا يتحرون الحق ويعملون به مثل عبد الملك وسليمان من بني أمية والسفاح والمنصور والمهدي والرشيد من بني العباس وأمثالهم ممن عرفت عدالتهم وحسن رأيهم للمسلمين والنظر لهم ولا يعاب عليهم إيثار أبنائهم وأخوانهم وخروجهم عن سنن الخلفاء الأربعة في ذلك فشأنهم غير شأن أولئك الخلفاء فإنهم كانوا على حين لم تحدث طبيعة الملك وكان الوازع دنيا فعند كل أحد وازع من نفسه فعهدوا إلى من يرتضيه الدين فقط وآثروه على غيره ووكلوا كل من يسموا إلى ذلك إلى وازعه وأما من بعدهم من لدن معاوية فكانت العصبية قد أشرفت على غايتها والوازع الديني قد ضعف واحتيج إلى الوازع السلطاني والعصباني فلو عهد إلى غير من ترتضيه العصبية لردت ذلك العهد وانتقض أمره سريعاً وصارت الجماعة إلى الفرقة والاختلاف إلى أن قال. أفلا ترى إلى المأمون لما عهد إلى علي بن موسى بن جعفر الصادق وسماه الرضا كيف أنكرت العباسية ذلك ونقضوا بيعته وبايعوا لعمه إبراهيم بن المهدي وظهر من الهرج والخلاف وانقطاع السبل وتعدد الثوار والخوارج ما كاد أن يصطلم الأمر حتى بادر المأمون من خراسان على بغداد ورد أمرهم لمعاهده فلا بد من اعتبار ذلك في العهد فالعصور تختلف باختلاف ما يحدث فيها من الأمور والقبائل والعصبيات وتختلف باختلاف المصالح ولكل واحد منها حكم يخصه لطفاً من الله بعباده وأما أن يكون القصد بالعهد حفظ

стр. 307

التراث على البناء فليس من المقاصد الدينية إذ هو أمر من الله يخص به من يشاء من عباده ينبغي أن تحسن فيه النية ما أمكن خوفاً من العبث بالمناصب الدينية والملك لله يؤتيه من يشاء. وعرض هنا أمور تدعو الضرورة إلى بيان الحق فيها. فالأول منها ما حدث في يزيد من الفسق أيام خلافته فإياك أن تظن بمعاوية ﵁ أنه علم بذلك من يزيد فإنه أعدل من ذلك وأفضل بل كان يعذله أيام حياته في سماع الغناء وينهاه عنه وهو أقل من ذلك إلى أن قال فمقاصدهم أي الصحابة ﵃ في البر وتحري الحق معروفة وفقنا الله للاقتداء بهم الخ ومنه يعلم الجواب عن التهمتين الأولى والثانية وأما الجواب عما أسند إليه من أن الإمام الحسن رضي الله تعالى عنه مات مسموماً بإيعازه مما لم يصح بل الصحيح ما قاله العلامة الشبراوي في الإتحاف من أن يزيد بن معاوية هو الذي أوعز إلى جعدة بنت الأشعث زوجة الحسن رضي الله تعالى عنه أن تسمه ويتزوجها ففعلت وأرسلت إليه ليفي بالوعد فامتنع. وأما الجواب عما ألصقه به من أنه أوصى ابنه يزيد إن ظفر بابن الزبير أن يقطعه إرباً وأنه أول من سب الإمام علياً كرم الله وجهه على المنابر فهو مما لم نجده في كتب المؤرخين من أهل السنة وليس مما تصح نسبته إلى مثل هذا الخليفة الكبير بل هو من مفتريات الشيعة وأكاذيبهم ولولاهم ما كان له ذكر في صحيفة الوجود فالواجب يقضي على المؤلف أن لا يدنس هذا الكتاب سيما وقد وضعه لناشئة المسلمين وأطفالهم بأمثال هذه الأقاصيص الموضوعة حرصاً على أخلاقهم وآدابهم فلا يحملهم على أن يعتقدوا بأعيان أسلافهم السوء بل الواجب على كل من رام جمع شيء من سير السلف وأخبارهم أن يتئد فلا يثبت إلا ما يوافق السنة ويجانب البدعة فللسلف رضي الله تعالى عنهم ميزة تامة على كافة من عداهم بشهادته ﵊. بقي أن المؤلف ذكر من الوقائع التي صدرت زمن خلافة عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه خروج شوذب الخارجي وعلق عليها تعليقاً حاد فيه عن سنن الشريعة الغراء ونسب إليها ما هي منه براء وخلاصة هذه القصة كما أوردها المؤلف (انه في سنة مائة من الهجرة خرج رجل يشكري اسمه شوذب ويلقب ببسطام في ثمانين رجلاً فكتب عمر إلى عامله بأن يدعهم وشأنهم ما لم يسفكوا دماً أو أفسدوا فإن فعلوا وجه إليهم رجلاً حازماً

стр. 308

في جند) ذكر هذا المؤلف بحروفه وعلق عليه ما نصه (إن هذا كالصريح في أن للإنسان أن يعتقد ما شاء ما لم يؤد اعتقاده إلى سفك دم أو إفساد) وقال عنه أنه حرية الاعتقاد وعجيب من المؤلف كيف تهجم هذا التهجم على الدين الإسلامي وافترى على عمر هذا الافتراء في حين رضي الله تعالى عنه بعد ما كتب إلى عامله ما كتب أرسل إلى شوذب المذكور يسأله عن مخرجه ولم يزل يكاتبه ويناظر صاحبيه حتى مات رضي الله تعالى عنه ويجمل بنا أن نورد قصة شوذب بتمامها وإن كان فيها بعض الطول لما حوته من الدلائل على أن عمر ﵁ بريء مما نسب إليه وأنه ما كان ليقدم على ما ينهى عنه الشرع وتأباه المصلحة على أن هذه القصة تعد من بديع المناظرات وغرر الكلام الذي يليق بنا أن نحلي به جيد (الحقائق) وبها نختم هذا الانتقاد شاكرين للمؤلف صنيعه معترفين بأن كتابه هذا من آثاره التي يحمد عليها. ذكر خروج شوذب الخارجي تحت هذا العنوان قال ابن الأثير في الكامل ما نصه: في هذه السنة خرج شوذب واسمه بسطام بن يشكر من جوخي وكان في ثمانين رجلاً فكتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد عامله بالكوفة أن لا يحركهم حتى يسفكوا دماً ويفسدوا في الأرض فإن فعلوا وجه غليه رجلاً صليباً حازماً في جند فبعث عبد الحميد محمد بن جرير بن عبد الله البجلي في ألفين وأمره بما كاتب وكتب عمر إلى بسطام يسأله عن مخرجه فقدم كتاب عمر عليه وقد قم عليه محمد بن جرير فقام بإزائه لا يتحرك فكان في كتاب عمر_بلغني أنك خرجت غضباً لله ولرسوله ولست أولى بذلك مني فهلم إلي أناظرك فإن كان الحق بأيدينا دخلت فغيما دخل فيه الناس وإن كان في يدك نظرنا في أمرك فكتب بسطام إلى عمر قد أنصفت وقد بعثت إليك رجلين يدارسانك ويناظرانك وأرسل على عمر مولى لبني شيبان حبشياً اسمه عاصم ورجلاً من بني يشكر فقدما على عمر بخناصرة فدخلا إليه فقال لهما ما أخرجكما هذا المخرج وما الذي تقمتم فقال عاصم ما نقمنا سيرتك إنك تتحرى العدل والإحسان فأخبرنا عن قيامك بهذا الأمر أعن رضا الناس ومشورة أم ابتززتم أمرهم فقال عمر ما سألتهم الولاية عليهم ولا غلبتهم عليها وعهد إلي رجل كان قبلي فقمت ولم ينكره أحد علي ولم يكرهه غيركم وأنتم ترون الرضا بكل عدل وأنصف

стр. 309

من كان من الناس فاتركوني ذلك الرجل فإن خالفت الحق ورغبت عنه فلا طاعة لي عليكم فقالا بيننا وبينكم أمر واحد قال ما هو قالوا رأيناك خالفت أعمال أهل بيتك وسميتها مظالم فإن كنت على هدى وهم على ضلال فالعنهم وابرأ منهم فقال عمر قد علمت أنكم لم تخرجوا طلباً للدنيا ولكنكم أردتم الآخرة فأخطأتم طريقها إن الله لم يبعث رسوله ﷺ لعاناً وقال إبراهمي (فمن اتبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم) وقال الله (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده) وقد سميت أعمالهم ظلماً وكفى بذلك ذماً ونقصاً وليس لعن أهل الذنوب فريضة لا بد منها فإن قلتم أنها فريضة فأخبرني متى لعنت فرعون قال ماذا كرمتى لعنته قال أفيسعك أن لا تلعن فرعون وهو أخبث الخلق واشرهم ولا يسعني أن لا ألعن أهل بيتي وهم مصلون صائمون قال أما هم كفار بظلمهم قال لا لأن رسول الله ﷺ دعا الناس إلى افيمان فكان من أقر به وبشرائعه قبل منه فإن أحدث حدثاً أقيم عليه الحد فقال الخارجي إن رسول الله ﷺ دعا الناس إلى توحيد الله والإقرار بما نزل من عنده قال عمر فليس أحد منهم يقول لا أعمل بسنة رسول الله ولكن القوم أسرفوا على أنفسهم على علم منهم أنه محرم عليهم ولكن غلب عليهم الشقاء قال عاصم فابرأ مما خالف عملك ورد أحكامهم قال عمر أخبرني عن أبي بكر وعمر أليسا على حق قالا بلى قال أتعلمان أن أبا بكر حين قاتل أهل الردة سفك دماءهم وسبى الذرارى وأخذ الأموال قالا بلى قال أتعلمون أن عمر رد السبايا بعده إلى عشائرهم بفدية قالا نعم قال فهل برئ عمر من أبي بكر قالا لا قال أفتبرؤون أنتم من واحد منهما قالا لا قال فأخبراني عن أهل النهروان وهم أسلافكم هل تعلمان أن أهل الكوفة خرجوا فلم يسفكوا دماً ولم يأخذوا مالاً وأن من خرج إليهم من أهل البصرة قتلوا عبد الله بن خباب وجاريته وهي حامل قالا نعم قال هل برئ من لم يقتل ممن قتل واستعرض قالا لا قال أفتبرأون أنتم من واحد من الطائفتين قالا لا قال أفيسعكم أن تتولوا أبا بكر وعمر وأهل البصرة وأهل الكوفة وقد علمتم اختلاف أعمالهم ولا يسعني إلا البراءة من أهل بيتي والدين واحد فاتقوا الله فإنكم جهال تقبلون من الناس ما رد عليهم رسول الله ﷺ وتردون عليهم ما قبل ويأمن عندكم من خاف عنده ويخاف عندكم من أمن عنده فإنكم يخاف عندكم من يشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله وكان من

стр. 310

فعل ذلك عند رسول الله آمناً وحقن دمه وماله وأنتم تقتلونه ويأمن عندكم سائر أهل الأديان فتحرمون دماءهم وأموالهم فقال اليشكري أرايت رجلاً ولي قوماً وأموالهم فعدل فيها ثم صيرها بعده إلى رجل غير مأموم أتره أدى الحق الذي يلزمه لله وتراه قد سلم قال عمر لا قال أفتسلم هذا الأمر إلى يزيد من بعدك وأنت تعرف أنه لا يقوم فيه بالحق قال إنما ولاه غيري والمسلمون أعلم بما يكون منهم فيه بعدي قال فترى ذلك من صنع من ولاه حقاً فبكى عمر وقال انظراني ثلاثاً فخرجا من عنده ثم عادا إليه فقال عاصم أشهد أنك على حق فقال عمر لليشكري ما تقول أنت قال ما أحسن ما وصفت ولكني لا أفتات على المسلمين بأمر أعر عليهم ما قلت وأعلم ما حجتهم فأما عاصم فأقام عند عمر فأمر له عمر بالعطاء فتوفي بعد خمسة عشر يوماً فكان عمر بن عبد العزيز يقول أهلكني أمر يزيد وخصمت فيه فاستغفر الله فخاف بنو أمية أن يخرج ما بأيديهم من الأموال وأن يخلع يزيد من ولاية العهد فوضعوا على عمر من سقاه سماً فلم يلبث بعد ذلك إلا ثلاثاً حتى مرض ومات ومحمد بن جرير مقابل الخوارج لا يتعرض إليهم ولا يتعرضون إليه كل منهم ينتظر عود الرسل من عند عمر بن عبد العزيز فتوفي والأمر على ذلك.

стр. 311

رأينا في إصلاح المدارس مدارسنا والتربية الدينية الخالصة طالما تشوفت النفوس لأن تكون التربية في مدارسنا تربية دينية محضة لا تشوبها شوائب التفرنج ولا تخالطها منكرات البدع والأهواء مدارسنا الأميرية والأهلية والدينية والصناعية لا تعنى بالتربية الدينية العناية التامة وبعبارة ثانية لا تدقق النظر في تطبيق حركات المتعلم على الشريعة الغراء. فعلى من بيده أمر شيء من هذه المدارس أن يتدارك هذا الأمر ويصلح هذا الخلل الطارئ من قبل أن يجل الخطب ويسود فساد الأخلاق. الخوض في مثل هذا المبحث العظيم قد لا يرضى عنه بعض الناس لأنهم يتعامون عن فوائد الدين ويعدون الدعوة إليه تفريقاً لا تجميعاً وإفساداً لا إصلاحاً ولا غرو فإن من كان مصاحباً لدهري أو تلميذاً لطبيعي يضطر أن لا يذعن لدين ولا يخنع لسلطة ولو عقل ما هو الدين وعلم أن التربية إذا كانت على وفق مع ما أبانته الشريعة الطاهرة تبعث في الإنسان الغيرة والحمية وتجعله محباً لوطنه ودولته ولغته وأمته لتاب من ذنبه ولرجع إلى ربه. أنبث أفراد هذه الشرذمة من الناس وعم بلاؤهم وجهلوا أن تربية الطفل تربية دينية تبعث في قلبه الخوف من عذاب الله الدائم وتحيي فيه ذلك الصوت الطاهر (الضمير) فتحسن معاملته وتصفو مودته ويدع النفاق والرياء ويحب الخير لمواطنيه ويكون مصلحاً كبيراً. أشرف ما يسعى إليه العقلاء هو تهذيب الإنسان تهذيباً حقيقياً يعرف به ما يجب له وما يجب عليه. ولا يتأتى هذا إلا من قبل الدين وجهة الاعتقاد بهذه الوجهة الدينية يتمكن المسلم أن يعامل مخلوقات الله جميعاً بالحسنى ويعطي كل ذي حق حقه فيحفظ عرض الذمي وماله ويمتنع من سبه وغشه وغدره والحقد عليه. ويعامل جميع الناس معاملة مرتبطة بتلك الرابطة العظيمة رابطة (لهم مالنا وعليهم ما علينا) إذا فالتربية على هذه الشاكلة هي الدواء الناجع لهذه الأمة والصراط المستقيم الذي إن زحزحت عنه إلى غيره سقطت لا قدر الله إلى حيث لا يتسنى لها منه الخلاص. قال حكيم شرقي ما مؤداه: باعث الدين أقوى البواعث وعامله أقوى العوامل، ومن حسب أن هناك ما يعادله من تلك الكلمات الحديثة مثل وطن وجدان. . وازع أدبي. . مصالح عامة. . فقد ضل الطريق القويم.

стр. 312

إنا أذ استقرينا أحوال المسلمين للبحث عن أسباب هذا الخذلان لا نجد له إلا سبباً واحداً وهو الثور في التعليم الديني وها نحن بعد تشخيص الداء نشرع في بيان الدواء ونقصر كلامنا على المدارس لأن البحث بحث إصلاحها والله أعلم بالنيات. المدارس الأميرية والمدارس الأهلية ل مرية عندنا في أن ما أحدث حديثاً من المدارس الأهلية على قلته أشد عناية في الأمور الدينية من المدارس الأميرية وبيان السبب في ذلك مما لا يكلفنا به القراء على ما نعتقد شاهدنا فئة كثيرة من متخرجي المكاتب الأميرية ورصدناها في أمر الصلاة التي هي عماد الدين الإسلامي فإذا هي عن هذا الفكر بمعزل ومثل الصلاة وغيرها من الأمور الدينية. يدخل الزائر أكبر هذه المكاتب فلا يكاد يشاهد من أكثر تلامذتها ما يشعر بتعظيم الدين والاهتمام بأوامره بل لو دقق النظر لرأى كثيراً من منكرات الشرع ومنافيات الآداب ما يجعله يعتقد بفساد الزمن الذي تكون تلك الناشئة رجاله. كل هذا يجري مع أن الحكومة السنية قد عينت في كل مدرسة من مدارسها معلمين للقرآن الكريم والتوحيد والفقه الشريف وأئمة للصلاة وأوجبت على التلاميذ التخلق بالأخلاق الفاضلة وحظرت عليهم أتيان الفواحش والمنكرات وعينت لهم أستاذ للإرشاد والنصح وآخر ليؤمهم إذا حان وقت الصلاة فلم يبق إلا أن يلاحظ حضرة مدير المعارف النزيه تطبيق هذه المقررات بالعمل ومن أهم ما نلفت نضره غليه انتقاء المعلمين الأكفاء أصحاب الأخلاق الفاضلة الذين يؤثرون على التلامذة بأخلاقهم وعاداتهم وميولهم إذ لا يخفى ما لأعمال الأساتذة من التأثير العظيم في أفكار التلامذة علمنا كثيراُ من هؤلاء العمال المنبثين بين الأطفال برتب متنوعة ووظائف مختلفة ورقبناهم أمام الواجبات الإسلامية أمام الأخلاق أمام الصدق والعفاف أمام طهارة القلب أمام براءة الذمة أمام الجامعة العثمانية أمام الوطن والوطنية الخ رقبناهم أما ذلك كله فإذا هم وإياه ضدان أو نقيضان بل يحاول بعضهم أن يتعلم التلامذة من أعماله ويتخلقوا بأخلاقه لتمحى من قلوبهم تلك الشعائر الفاضلة والمآثر الطاهرة ويصيح التلميذ عدواً للصلاة والمصلين خصماً للصدق والصادقين لا وطنية يذب عنها ولا جامعة يلتف حولها يصبح وقد رضي عن نفسه بمسائل علمية تلقفها من أولئك الأساتذة المتفرنجين فأضحى يقول بقولهم ويدعو بدعائهم وفي اعتقادنا أن الأساتذة لو

стр. 313

يهتمون بإقامة الشعائر الإسلامية والفرائض الملية فيتوضئون جميعاً للصلاة قبل دخولها وقتها، ويصطفون وراء الإمام الذي عينته لهم الحكومة خاضعين خاشعين يركعون ركوعاً واحداً ويسجدون سجوداً واحداً الخ لرأينا التلامذة عموماً صغيرهم يسبق كبيرهم وكبيرهم يسبق صغيرهم إلى أداء هذه الصلاة التي هي من أعظم ما فرض الله تعالى على أتم حالة من الحضور والأدب مع الله تعالى مطبقين دروس الفقه التي علمهم إياها أستاذ الفقه تطبيقاً عملياً فتكون الصلاة مع ما فيها من الفوائد الدينية الدنيوية (أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) درساً عملياً محكماً لا يشذ عن ذهن الطالب منه مسألة البتة. وكم يروج سوق الصدق يوم يعاقب الأساتذة التلميذ على الكذبة يكذبها ويكافئونه على مسألة يصدق بها. وهكذا سائر الآداب والأخلاق وبديهي أن التلميذ إذا نشأ هذا النشء الإسلامي وترى هذه التربية الدينية مع ما يتعلمه في المدرسة من العلوم النافعة والفنون الراقية يخرج عضواً نافعاً لوطنه ودولته وأمته. طريقة التربية الدينية يجب علينا أن نعنى بمسألتي التعليم والأخلاق فيلزم المعلم أن يجتهد في تربية نفوس الأطفال التي ينبغي السير عليها لتوجد فيها الملكات والصفات الفاضلة ويروضها على التباعد عن الرذائل حتى يكون المتحلي بمحاسن الصفات ناشئاً على ما يوافق الاجتماع البشري لا سبيل للمعلم إلى ذلك إلا من قبل الدين وآياته. فيجب عليه أن يملأ قلب هذا الطفل الساذج من خشية الله تعالى وتعظيمه وإجلاله وتوقيره بحيث يجل مقام الألوهية السامي فإذا ذكر اسم الله أمامه ارتعدت فرائصه خشية له سبحانه وهذا يكون إذا حمل المعلم الصبي على ملاحظة أن الله هو الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأنبت لنا به ما كان سبب حياتنا وأنه يبدأ الخلق ثم يعيده وأنه جعل الأرض قراراً وجعل خلالها أنهاراً وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزاً وهكذا يذكر له من حكم الله تعالى في مخلوقاته ما يضطره إلى الإذعان لسيطرة هذا الإله الكبير والاعتراف بكبريائه وعظيم سلطانه فيمتلئ حينئذ قلبه خشية وصدره رهبة ويمثل الأوامر ويقف عند الحدود. أهمل معلمو مدارسنا التربية على هذه الطريقة الدينية والسير على هذه الخطة الشرعية فهم يأمرون الأولاد بالنظافة مثلاً ولكن لا يعلمونهم أن الشرع الشريف حث عليها يحرضونهم

стр. 314

على تقليم الأظفاؤ وتحسين الثياب ولا يذكرون لهم ما في ذلك من المنافع الدينية يأمرونهم بالصلاة ولا يعلمونهم ما للمصلين عند الله يحاسبونهم على الصغيرة والكبيرة ولكن لما يتعلق بشؤونهم الخاصة وقانون مدارسهم الداخلي ويوم يجني الطفل على الأخلاق والآداب فيؤذي أولياءه أو رفقاءه بكذباته أو نميماته لا يحاسب ولا يعاقب ولأن حوسب فللضرر الذي أحدثته جريمته لا لنفس الكذب والخطيئة باعتبار قبحهما وذم الشارع لهما ما أتعس هذا لطريق وأوعر هذا المسلك ماذا نأمل من ولد هذه تربيته وتلك خطته ونشأته ولا يؤنب على الكذب ولا يعنف على الخيانة ولا يلام وإن أحاطت به الخطيئات. فيا رؤساء المدارس ربوا للدين وهذبوا للدين واجعلوا أعمالكم لما يرضى به الدين أفهموا الصغير بعض ما يقرأه من القرىن العظيم علموه إجمالاً معنى قول الله سبحانه ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وقوله ثم نبتهل فنجعل لعنى الله على الكاذبين وقوله شسبحانه والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق آثاماً يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيها مهاناً إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيماً ومن تاب وعمل صالحاً فإنه تيوب إلى الله متاباً والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراماً وقوله تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما وقوله سبحانه لا تقف ما ليس لك به عليم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً ولا تمش في الأرض مرحاً إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا كل ذلك كان سيئة عند ربك مكروهاً وقوله سبحانه يل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين. وقوله تعالى: ويل لكل همزة لمزة الذي جمع مالاً وعدده يحسب ان ماله خلده كلا لينبذن في الحطمة وما أدراك ما الحطمة نار الله الموقدة التي طلع على الأفئدة إنها عليهم موصدة في عمد ممددة وقوله سبحانه أرأيت الذي يكذب في الدين فذلك الذي يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراؤن ويمنعون الماعون وغير ذلك من الأوامر والنواهي التي أنزلها الله في هذا الكتاب المجيد لانتظام حياة

стр. 315

البشر ثم ارصدوه أمام ثمرات هذه الآيات العظيمة وناقشوه الحساب إن تباطأ أو تكاسل وحينئذ تخرجون أطفالاً آمنت ظواهرهم وبواطنهم وملأت خشبة الله قلوبهم يفرون من الكذب والغدر والغش والتدليس يخدمون أمتهم ودولتهم بصدق وأمانة ووفاء. أمثال هؤلاء هم الذين تطمئن غليهم نفوسنا هم الذين نعهد إليهم بتربية أولادنا وإصلاح تجارتنا وزراعتنا هم الذين نختارهم هم الذين ننتخبهم هم الذين نجعلهم وكلائنا ونرضى أن يصلحوا أوطاننا نسلمهم مقاليد أمورنا قرب الله أياماً تسير فيها مدارسنا هذا لسير المبارك فتجمع أمورها على ما يوافق الدين الذي هو روح حياة البشر جميعاً. لها بقية

стр. 316

رأي الغزالي في تربية الأطفال (بيان الطريق في رياضة الصبيان في أول مشوهم ووجه تأديبهم وتحسين أخلاقهم) اعلم أن الطريق في رياضة الصبيان من أهم الأمور وأوكدها والصبي أمانة عند والديه وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة خالية عن كل نقش وصورة وهو قابل لكل ما نقش ومائل إلى كل ما يمال به إليه فإن عود الخير وعلمه نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة وشاركه في ثوابه أبواه وكل معلم له ومؤدب وإن عود الشر وأهمل إهمال البهائم شقي وهلك وكان الوزر في رقبة القيم عليه والوالي له وقد قال الله يا أيها الذين آمنو قوا أنفسكم وأهليكم ناراً ومهما كان الأب يصونه عن نار الدنيا فبأن يصونه عن نار الآخرة أولى وصيانته بأن يؤدبه ويهذبه ويعلمه محاسن الأخلاق ويحفظه من القرناء السوء ولا يعوده التنعم ولا يحبب إليه الزينة وأسباب الرفاخية فيضيع عمره في طلبها إذا كبر فيهلك هلاك الأبد بل ينبغي أن يراقبه من أول أمره فلا يستعمل في حضانته وإرضاعه إلا امرأة صالحة متدينة تأكل الحلال فإن اللبن الحاصل من الحرام لا بركة فيه فإذا وقع عليه نشو الصبي انعجنت طينته من الخبث فيميل طبعه إلى ما يناسب الخبائث ومهما رأى فيه مخايل التمييز فينبغي أن يحسن مراقبته وأول ذلك ظهور أوائل الحياة فإنه إذا كان يحتشم ويستحي ويترك بعض الأفعال فليس ذلك إلا لإشراق نور العقل عليه حتى يرى بعض الأشياء قبيحاً ومخالفاً للبعض فصار يستحي من شيء دون شيء وهذه هدية من الله تعالى إليه وبشارة تدل على اعتدال الأخلاق وصفاء القلب وهو مبشر بكمال العقل عند البلوغ فالصبي المستحي لا ينبغي أن يهم بل يستعان على تأد \ يبه بحيائه وتمييزه وأول ما يغلب عليه من الصفات شره الطعام فينبغي أن يؤدب فيه مثل أن يأخد الطعام بيمينه وأن يقول عليه بسم الله عند أخذه وأن يأكل مما يليه وأن لا يبادر إلى طعام قبل غيره وأن لا يحدق النظر إليه ولا إلى من يأكل وأن لا يسرع في الأكل وأن يجيد المضغ وأن لايوالي بين اللقم ولا يلطخ يده ولا ثوبه وأن يعود الخبز القفاز في بعض الأوقات حتى لا يصير بحيث لا يرى الأدم حتماً وتقبح عنده كثرة الأكل بأن يشبه كل من يكثر الأكل بالبهائم وبأن يذم بين يديه الصبي الذي يكثر الأكل ويمدح عنده الصبي المتأدب قليل الأكل وأن يجب إليه الإيثار بالطعام وقلة المبالاة به والقناعة بالطعام الخشن أي طعام كان وأن تحبب إليه من الثياب البيض دون الملون والأبريسم ويقرر عنده إن ذلك شأن النساء والمخنثين وأن

стр. 317

الرجال يستنكفون منه ويكرر عليه ذلك ومهما رأى من صبي ثوباً من أبريسم أو ملون فينبغي أن يستنكره ويذمه ويحفظ الصبي عن الصبيان الذين عودوا التنعم والرفاهية ولبس الثياب الفاخرة وعن مخالطة كل من يسمعه ما يرغبه فيه فإن الصبي مهما أهمل في ابتداء نشوه خرج على الأغلب ردئ الأخلاق كذاباً حسوداً سروقاً نماماً لحوحاً ذو فضول وضحك وكياد ومجانة وإنما يحفظ عن ذلك بحسن التأديب ثم يشغل في المكتب فيتعلم القرآن وأحاديث الأخبار وحكايات الأبرار وأحوالهم لينغرس في نفسه حب الصالحين ويحفظ الأشعار التي ذكر فيها العشق وأهل ويحفظ من مخالطة الأدباء الذين يزعمون أن ذلك من الظرف ورقة الطبع فإن ذلك يغرس في قلوب الصبيان بذر الفساد ثم مهما ظهر من الصبي خلق جميل وفعل محمود فينبغي أن يكرم عليه ويجازى عليه بما يفرح به ويمدح بين أظهر الناس. فإن خالف ذلك في بعض الأحوال مرة واحدة فينبغي أن يتغافل عنه ولا يهتك ستره ولا يكاشفه ولا يظهر له أنه يتصور أن يتجاسر أحد على مثله ولا سيما إذا ستره الصبي واجتهد في إخفائه فإن إظهار ذلك عليه ربما يفيده جسارة حتى لا يبالي بالمكاشفة فعند ذلك إن عاد ثانياً فينبغي أن يعاتب سراً ويعظم الأمر فيه ويقال له إياك أن تعود بعد ذلك لمثل هذا وأن يطلع عليك في مثل هذا فتفتضح بين الناس ولا تكثر القول عليه بالعتاب في كل حين فإنه يهون عليه سماع الملامة وركوب القبائح ويسقط وقع الكلام من قلبه وليكن الأب حافظاً هيبة الكلام معه فلا يوبخه إلا أحياناً والأم تخوفه بالأب وتزجره عن القبائح وينبغي أن يمنع من النوم نهاراً فإنه يورث الكسل ولا يمنع منه ليلاً ولكن يمنع الفرش الوطيئة حتى تتصلب أعضاؤه ولا يسمن بدنه فلا يصبر على التنعم بل يعود الخشونة في المفرش والملبس والمطعم وينبغي أن يمنع من كل ما يفعله في خفية فإنه لا يخفيه إلا وهو يعتقد أنه قبيح فإذا ترك تعود فعل القبيح ويعود في بعض النهار المشي والحركة والرياضة حتى لا يغلب عليه الكسل ويعود أن لا يكشف أطرافه ولا يسرع المشي ولا يرخي يديه بل يضمهما إلى صدره ويمنع أن يفتخر على أقرانه بشيء مما يملكه والده أو بشيء من مطعمه وملابسه أو لوحه وأدواته بل يعود التواضع والإكرام لكل من عاشره والتلطف في الكلام معهم ويمنع من أن يأخذ من الصبيان شيئاً بدا له حشمة إن كان من أولاد المحتشمين بل يعلم أن الرفعة في الإعطاء لا في الأخذ وأن الأخذ لؤم وخسة ودناءة وإن كان من أولاد

стр. 318

الفقراء فيعلم أن الطمع والأخذ مهانة وذلة وإن ذلك من دأب الكلب فإنه يبصبص في انتظار لقمة والطمع فيها وبالجملة يقبح في الصبيان حب الذهب والفضة والطمع فيهما ويحذر منهما أكثر مما يحذر من الحيات والعقارب فإن آفة حب الذهب والفضة والطمع فيهما أضر من آفة السموم على الصبيان بل على الأكابر أيضاً وينبغي أيعود أن لا يبصق في مجلسه ولا يمتخط ولا يتثاءب بحضرة غيره ولا يستدبر غيره ولا يضع رجلاً على رجل ولا يضع كفه تحت ذقنه ولا يعمد رأسه بساعده فإن ذلك دليل كسل ويعلم كيفية الجلوس ويمنع كثرة الكلام ويبين له أن ذلك يدل على الوقاحة وإنه فعل أبناء اللئام ويمنع اليمين رأساً صادقاً كان أو كاذباً حتى لا يعتاد ذلك في الصغر ويمنع أن يبتدئ الكلام ويعود أن لا يتكلم جواباً إلا وبقدر السؤال وأن يحسن الاستماع مهما تكلم غيره ممن هو أكبر منه سناً وأن يقوم لمن فوقه ويوسع له المكان ويجلس بين يده ويمنع من لغو الكلام وفحشه ومن اللعن والسب ومن مخالطة من يجري على لسانه شيء من ذلك فإن ذلك يسري لا محالة من القرناء السوء وأصل تأديب الصبيان الحفظ من قرناء السوء إلى أن قال وينبغي أتن يؤذن له بعد الانصراف من الكتاب أن يلعب لعباً جميلاً يستريح إليه من تعب المكتب بحيث لا يتعب في اللعب فإن منع الصبي من اللعب وإرهاقه إلى التعب دائماً يميت قلبه ويبطل ذكاؤه وينغص عليه العيش حتى يطلب الحيلة في الخلاص منه رأساً وينبغي أن يعلم طاعة والديه ومعلمه ومؤدبه وكل من هو أكبر منه سناً من قريب أو أجنبي وأن ينظر إليهم بعين الجلالة والتعظيم وأن يترك اللعب بين أيديهم ومهما بلغ من التمييز فينبغي أن لا يسامح في ترك الطهارة والصلاة ويؤمر بالصوم في بعض أيام رمضان ويجنب لبس الديباج والحرير والذهب ويعلم كل ما يحتاج إليه من حدود الشرع ويخوف من السرقة وأكل الحرام ومن الخيانة والكذب والفحش وكل ما يغلب على الصبيان فإذا وقع نشؤه كلك في الصبا فمهما قارب البلوغ أمكن أن يعرف أسرار هذه الأمور فيذكر له أن الأطعمة أدوية وإنما المقصود منها أن يقوى الإنسان بها على طاعة الله وأن الدنيا كلها لا أصل لها إذ لا بقاء لها وأن الموت يقطع نعيمها وأنها دار ممر لا دار مقر وأن الآخرة دار مقر لا دار ممر وأن الموت منتظر في كل ساعة وأن الكيس العاقل من تزود من الدنيا للآخرة حتى تعظم درجته عند الله تعالى ويتسع نعيمه في الجنان فإن كان النشو صالحاً كان

стр. 319

هذا الكلام عند البلوغ وقعاً مؤثراً ناجعاً يثبت في قلبه كما يثبت النقش في الحجر وإن وقع النشو بخلاف ذلك حتى الف الصبي اللعب والفحش والوقاحة وشره الطعام واللباس التزين والتفاخر نبا قلبه عن قبول الحق نبوة الحائط عن التراب اليابس فأوائل الأمور هي التي ينبغي أن تراعى فإن الصبي بجوهره خلق قابلاً للخير والشر جميعاً وإنما أبواه يميلان به إلى أحد الجانبين قال ﷺ كل مولود يولد على الفطرة وإنما أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه.

стр. 320

المقتبس والمومسات كتب بعض المتفرنجين الذين طبع الله على قلوبهم، يطلب من حكومة دمشق إرجاع المومسات إلى محالهن أو إنشاء بيوت لهن تباع فيها الفروج بيع السلعات وتنتهك فيها حرمات الله جهازاً في بلاد المسلمين فكتبت الحقائق مقالة مسهبة بينت فيها ضرر الزنا بالأخلاق والآداب والعمران وأن الإسلام وجميع الشرائع حرمته وزادت في عقوبات مرتكبيه وحثت الدمشقيين على مطالبة الحكومة بالقضاء على هذه الفاحشة بما يخولها إياه القانون وتراه مناسباً وكرت على المتفرنجين الذين لا يقنعون بالأدلة الدينية مخاطبة لهم بما معناه أنكم تدعون إلى تقليد الغربيين في جميع مناحيهم فهلا دعوتم إلى تقليد إنكلترا في منع محلات الفحش بدلاً من أن تطلبوا من الحكومة وهي إسلامية بنص القانون الأساسي بإرجاع المومسات إلى محالهن أو إنشاء بيوت خاصة لهن ونقلت عن مجلة الهلال لصاحبها الشهير جرجي زيدان أن انكلترا ليس عندها محال عامة رسمية للبغاء إلى آخر ما كتبت الحقائق فراجعه فإنه ينبغي لكل مسلم الاطلاع عليه. صدرت الحقائق فكان للمقالة وقع حسن عند جميع المتدينين وقدروها حق قدرها وشكروا عناية أصحاب المجلة بهذه المسألة الخطيرة كما أن صاحب المقتبس استاء منها شأنه في الأمور التي يدعو إليها لدين فكتب مقالة في المقتبس عدد ٧٢٢ حشر فيها لطعن والبذاءة ما ننزه قلمنا عن الرد عليه ظاناً أنه يؤثر بذلك على عزائمنا وفاته أننا قوم نرى الموت في سبيل الدين والرقي حياة وها نحن نعود إلى بيان ضرر هذا المحل (المرقص) والنفع الذي حصل من إبطاله فنقول: فوائد إبطال المرقص لو لم يكن من إبطال هذا المحل فائدة إلا ما حدث من توبة كثير من المومسات من هذه الخطيئة الشنيعة التي تستوجب غضب الله ورسوله ﷺ لكفى ذلك فضلاً فهنيئاً لك أيها الوالي الصالح وهنيئاً لكم ايها الساعون بإخراجهن فقد نلتم رضا الله ورضاء عموم أهل الدين والعرض قال ﵊ لأن يهدي الله بك رجلاًَ واحداً خير لك من حمر النعم لو لم يكن من إبطال هذا المحل فائدة إلا انقطاع تجدد المومسات وخروج بعض النساء على أهلهن ودخولهن إلى هذا المحل لتقهر المرأة زوجها وأخيها وعمها
следующие страницы →