Полный текст (1 077 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
رأي الغزالي في تربية الأطفال
(بيان الطريق في رياضة الصبيان في أول مشوهم ووجه تأديبهم وتحسين أخلاقهم)
اعلم أن الطريق في رياضة الصبيان من أهم الأمور وأوكدها والصبي أمانة عند والديه وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة خالية عن كل نقش وصورة وهو قابل لكل ما نقش ومائل إلى كل ما يمال به إليه فإن عود الخير وعلمه نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة وشاركه في ثوابه أبواه وكل معلم له ومؤدب وإن عود الشر وأهمل إهمال البهائم شقي وهلك وكان الوزر في رقبة القيم عليه والوالي له وقد قال الله يا أيها الذين آمنو قوا أنفسكم وأهليكم ناراً ومهما كان الأب يصونه عن نار الدنيا فبأن يصونه عن نار الآخرة أولى وصيانته بأن يؤدبه ويهذبه ويعلمه محاسن الأخلاق ويحفظه من القرناء السوء ولا يعوده التنعم ولا يحبب إليه الزينة وأسباب الرفاخية فيضيع عمره في طلبها إذا كبر فيهلك هلاك الأبد بل ينبغي أن يراقبه من أول أمره فلا يستعمل في حضانته وإرضاعه إلا امرأة صالحة متدينة تأكل الحلال فإن اللبن الحاصل من الحرام لا بركة فيه فإذا وقع عليه نشو الصبي انعجنت طينته من الخبث فيميل طبعه إلى ما يناسب الخبائث ومهما رأى فيه مخايل التمييز فينبغي أن يحسن مراقبته وأول ذلك ظهور أوائل الحياة فإنه إذا كان يحتشم ويستحي ويترك بعض الأفعال فليس ذلك إلا لإشراق نور العقل عليه حتى يرى بعض الأشياء قبيحاً ومخالفاً للبعض فصار يستحي من شيء دون شيء وهذه هدية من الله تعالى إليه وبشارة تدل على اعتدال الأخلاق وصفاء القلب وهو مبشر بكمال العقل عند البلوغ فالصبي المستحي لا ينبغي أن يهم بل يستعان على تأد \ يبه بحيائه وتمييزه وأول ما يغلب عليه من الصفات شره الطعام فينبغي أن يؤدب فيه مثل أن يأخد الطعام بيمينه وأن يقول عليه بسم الله عند أخذه وأن يأكل مما يليه وأن لا يبادر إلى طعام قبل غيره وأن لا يحدق النظر إليه ولا إلى من يأكل وأن لا يسرع في الأكل وأن يجيد المضغ وأن لايوالي بين اللقم ولا يلطخ يده ولا ثوبه وأن يعود الخبز القفاز في بعض الأوقات حتى لا يصير بحيث لا يرى الأدم حتماً وتقبح عنده كثرة الأكل بأن يشبه كل من يكثر الأكل بالبهائم وبأن يذم بين يديه الصبي الذي يكثر الأكل ويمدح عنده الصبي المتأدب قليل الأكل وأن يجب إليه الإيثار بالطعام وقلة المبالاة به والقناعة بالطعام الخشن أي طعام كان وأن تحبب إليه من الثياب البيض دون الملون والأبريسم ويقرر عنده إن ذلك شأن النساء والمخنثين وأن
стр. 317
الرجال يستنكفون منه ويكرر عليه ذلك ومهما رأى من صبي ثوباً من أبريسم أو ملون فينبغي أن يستنكره ويذمه ويحفظ الصبي عن الصبيان الذين عودوا التنعم والرفاهية ولبس الثياب الفاخرة وعن مخالطة كل من يسمعه ما يرغبه فيه فإن الصبي مهما أهمل في ابتداء نشوه خرج على الأغلب ردئ الأخلاق كذاباً حسوداً سروقاً نماماً لحوحاً ذو فضول وضحك وكياد ومجانة وإنما يحفظ عن ذلك بحسن التأديب ثم يشغل في المكتب فيتعلم القرآن وأحاديث الأخبار وحكايات الأبرار وأحوالهم لينغرس في نفسه حب الصالحين ويحفظ الأشعار التي ذكر فيها العشق وأهل ويحفظ من مخالطة الأدباء الذين يزعمون أن ذلك من الظرف ورقة الطبع فإن ذلك يغرس في قلوب الصبيان بذر الفساد ثم مهما ظهر من الصبي خلق جميل وفعل محمود فينبغي أن يكرم عليه ويجازى عليه بما يفرح به ويمدح بين أظهر الناس. فإن خالف ذلك في بعض الأحوال مرة واحدة فينبغي أن يتغافل عنه ولا يهتك ستره ولا يكاشفه ولا يظهر له أنه يتصور أن يتجاسر أحد على مثله ولا سيما إذا ستره الصبي واجتهد في إخفائه فإن إظهار ذلك عليه ربما يفيده جسارة حتى لا يبالي بالمكاشفة فعند ذلك إن عاد ثانياً فينبغي أن يعاتب سراً ويعظم الأمر فيه ويقال له إياك أن تعود بعد ذلك لمثل هذا وأن يطلع عليك في مثل هذا فتفتضح بين الناس ولا تكثر القول عليه بالعتاب في كل حين فإنه يهون عليه سماع الملامة وركوب القبائح ويسقط وقع الكلام من قلبه وليكن الأب حافظاً هيبة الكلام معه فلا يوبخه إلا أحياناً والأم تخوفه بالأب وتزجره عن القبائح وينبغي أن يمنع من النوم نهاراً فإنه يورث الكسل ولا يمنع منه ليلاً ولكن يمنع الفرش الوطيئة حتى تتصلب أعضاؤه ولا يسمن بدنه فلا يصبر على التنعم بل يعود الخشونة في المفرش والملبس والمطعم وينبغي أن يمنع من كل ما يفعله في خفية فإنه لا يخفيه إلا وهو يعتقد أنه قبيح فإذا ترك تعود فعل القبيح ويعود في بعض النهار المشي والحركة والرياضة حتى لا يغلب عليه الكسل ويعود أن لا يكشف أطرافه ولا يسرع المشي ولا يرخي يديه بل يضمهما إلى صدره ويمنع أن يفتخر على أقرانه بشيء مما يملكه والده أو بشيء من مطعمه وملابسه أو لوحه وأدواته بل يعود التواضع والإكرام لكل من عاشره والتلطف في الكلام معهم ويمنع من أن يأخذ من الصبيان شيئاً بدا له حشمة إن كان من أولاد المحتشمين بل يعلم أن الرفعة في الإعطاء لا في الأخذ وأن الأخذ لؤم وخسة ودناءة وإن كان من أولاد
стр. 318
الفقراء فيعلم أن الطمع والأخذ مهانة وذلة وإن ذلك من دأب الكلب فإنه يبصبص في انتظار لقمة والطمع فيها وبالجملة يقبح في الصبيان حب الذهب والفضة والطمع فيهما ويحذر منهما أكثر مما يحذر من الحيات والعقارب فإن آفة حب الذهب والفضة والطمع فيهما أضر من آفة السموم على الصبيان بل على الأكابر أيضاً وينبغي أيعود أن لا يبصق في مجلسه ولا يمتخط ولا يتثاءب بحضرة غيره ولا يستدبر غيره ولا يضع رجلاً على رجل ولا يضع كفه تحت ذقنه ولا يعمد رأسه بساعده فإن ذلك دليل كسل ويعلم كيفية الجلوس ويمنع كثرة الكلام ويبين له أن ذلك يدل على الوقاحة وإنه فعل أبناء اللئام ويمنع اليمين رأساً صادقاً كان أو كاذباً حتى لا يعتاد ذلك في الصغر ويمنع أن يبتدئ الكلام ويعود أن لا يتكلم جواباً إلا وبقدر السؤال وأن يحسن الاستماع مهما تكلم غيره ممن هو أكبر منه سناً وأن يقوم لمن فوقه ويوسع له المكان ويجلس بين يده ويمنع من لغو الكلام وفحشه ومن اللعن والسب ومن مخالطة من يجري على لسانه شيء من ذلك فإن ذلك يسري لا محالة من القرناء السوء وأصل تأديب الصبيان الحفظ من قرناء السوء إلى أن قال وينبغي أتن يؤذن له بعد الانصراف من الكتاب أن يلعب لعباً جميلاً يستريح إليه من تعب المكتب بحيث لا يتعب في اللعب فإن منع الصبي من اللعب وإرهاقه إلى التعب دائماً يميت قلبه ويبطل ذكاؤه وينغص عليه العيش حتى يطلب الحيلة في الخلاص منه رأساً وينبغي أن يعلم طاعة والديه ومعلمه ومؤدبه وكل من هو أكبر منه سناً من قريب أو أجنبي وأن ينظر إليهم بعين الجلالة والتعظيم وأن يترك اللعب بين أيديهم ومهما بلغ من التمييز فينبغي أن لا يسامح في ترك الطهارة والصلاة ويؤمر بالصوم في بعض أيام رمضان ويجنب لبس الديباج والحرير والذهب ويعلم كل ما يحتاج إليه من حدود الشرع ويخوف من السرقة وأكل الحرام ومن الخيانة والكذب والفحش وكل ما يغلب على الصبيان فإذا وقع نشؤه كلك في الصبا فمهما قارب البلوغ أمكن أن يعرف أسرار هذه الأمور فيذكر له أن الأطعمة أدوية وإنما المقصود منها أن يقوى الإنسان بها على طاعة الله وأن الدنيا كلها لا أصل لها إذ لا بقاء لها وأن الموت يقطع نعيمها وأنها دار ممر لا دار مقر وأن الآخرة دار مقر لا دار ممر وأن الموت منتظر في كل ساعة وأن الكيس العاقل من تزود من الدنيا للآخرة حتى تعظم درجته عند الله تعالى ويتسع نعيمه في الجنان فإن كان النشو صالحاً كان
стр. 319
هذا الكلام عند البلوغ وقعاً مؤثراً ناجعاً يثبت في قلبه كما يثبت النقش في الحجر وإن وقع النشو بخلاف ذلك حتى الف الصبي اللعب والفحش والوقاحة وشره الطعام واللباس التزين والتفاخر نبا قلبه عن قبول الحق نبوة الحائط عن التراب اليابس فأوائل الأمور هي التي ينبغي أن تراعى فإن الصبي بجوهره خلق قابلاً للخير والشر جميعاً وإنما أبواه يميلان به إلى أحد الجانبين قال ﷺ كل مولود يولد على الفطرة وإنما أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه.
стр. 320
المقتبس والمومسات
كتب بعض المتفرنجين الذين طبع الله على قلوبهم، يطلب من حكومة دمشق إرجاع المومسات إلى محالهن أو إنشاء بيوت لهن تباع فيها الفروج بيع السلعات وتنتهك فيها حرمات الله جهازاً في بلاد المسلمين فكتبت الحقائق مقالة مسهبة بينت فيها ضرر الزنا بالأخلاق والآداب والعمران وأن الإسلام وجميع الشرائع حرمته وزادت في عقوبات مرتكبيه وحثت الدمشقيين على مطالبة الحكومة بالقضاء على هذه الفاحشة بما يخولها إياه القانون وتراه مناسباً وكرت على المتفرنجين الذين لا يقنعون بالأدلة الدينية مخاطبة لهم بما معناه أنكم تدعون إلى تقليد الغربيين في جميع مناحيهم فهلا دعوتم إلى تقليد إنكلترا في منع محلات الفحش بدلاً من أن تطلبوا من الحكومة وهي إسلامية بنص القانون الأساسي بإرجاع المومسات إلى محالهن أو إنشاء بيوت خاصة لهن ونقلت عن مجلة الهلال لصاحبها الشهير جرجي زيدان أن انكلترا ليس عندها محال عامة رسمية للبغاء إلى آخر ما كتبت الحقائق فراجعه فإنه ينبغي لكل مسلم الاطلاع عليه.
صدرت الحقائق فكان للمقالة وقع حسن عند جميع المتدينين وقدروها حق قدرها وشكروا عناية أصحاب المجلة بهذه المسألة الخطيرة كما أن صاحب المقتبس استاء منها شأنه في الأمور التي يدعو إليها لدين فكتب مقالة في المقتبس عدد ٧٢٢ حشر فيها لطعن والبذاءة ما ننزه قلمنا عن الرد عليه ظاناً أنه يؤثر بذلك على عزائمنا وفاته أننا قوم نرى الموت في سبيل الدين والرقي حياة وها نحن نعود إلى بيان ضرر هذا المحل (المرقص) والنفع الذي حصل من إبطاله فنقول:
فوائد إبطال المرقص
لو لم يكن من إبطال هذا المحل فائدة إلا ما حدث من توبة كثير من المومسات من هذه الخطيئة الشنيعة التي تستوجب غضب الله ورسوله ﷺ لكفى ذلك فضلاً فهنيئاً لك أيها الوالي الصالح وهنيئاً لكم ايها الساعون بإخراجهن فقد نلتم رضا الله ورضاء عموم أهل الدين والعرض قال ﵊ لأن يهدي الله بك رجلاًَ واحداً خير لك من حمر النعم لو لم يكن من إبطال هذا المحل فائدة إلا انقطاع تجدد المومسات وخروج بعض النساء على أهلهن ودخولهن إلى هذا المحل لتقهر المرأة زوجها وأخيها وعمها
стр. 321
وتتخلص من حكمهم على زعمها وبذلك تصير سبب الشقاء لأهلها وأمتها ونفسها لكفى. وهنا مجال لأن نسأل من يريد إبقاء محال الزنا إذا كان المرقص موجوداً وأراد حرمه الطاهر (لا سمح الله) أن يدخل في سلكه فماذا يعمل؟.
لو لم يكن من إبطال هذا المحل فائدة إلا حفظ أخلاق الشبان ودينهم وتزوج من كان يكتفي بدخوله إلى هذا المحل المشؤوم لكفى وأما مضاره الناشئة عن وجوده فواضحة جلية لمن له قلب.
مضار وجود المرقص
منها فشو الفحشاء وفساد الأخلاق وشبوع الدياثة والقيادة والسكون إلى اللهو والخلاعة وغير ذلك مما أودى بكثير من الدول كما دلنا التاريخ على ذلك ومنها إضراره بالصحة العامة فإن أكثر المومسات مصابات بالداء الزهري فيأتي من شملته التعاسة ليقضي شهوته وينال اللذة على زعمه الفاسد فيخرج وقد حمل الشقاء إلى بنيه وأهله وأمته وحمل لهم داء عضالاً يثنون منه مدى حياتهم وينتقل في أعقابهم وذرياتهم.
ومنها أن بيوت المرقص هي ملك لبعض الخاطئات جعلنها معاشاً فتراهن يستغوين النساء ويرغبنهن بهذا الأمر الشنيع وحدثنا بعض من له علم بحقيقة الأمر أنمه يعلم كثيراً من المومسات قد التحقن بالمرقص (لأمور طفيفة) مثلاً تطلب المرأة من زوجها حلياً أو مصاغاً أو ثياباًَ ثمينة فيمنعه فقره من القيام بما تطلبه فتذهب إلى المرقص فتجد من هذه المالكات المتجرات بالأعراض وجوهاً باسمة وصدوراً رحبة فيعطينها بيتاً ويلبسنها ثياباً وحلياً ويكتبن بذلك سنداً عليها فتصبح شقية تعيسة تكدح بعرضها لتقوم بما كتب عليها فهل بعد هذا يقال أن المرقص سياج الحرائر والحال أنه سبب فسادهن ثم قال المخبر فهؤلاء المتجرات هن اللواتي يعجزن الحكومة اليوم ويطلبن الرجوع إلى محلهن ويدعين أنهن بائسات فقيرات فيجدر بالحكومة أن تحقق عنهن.
هذه أدلة اجتماعية عمرانية تحكم بها المشاهدة فيجب أن يقنع بها المتفرنجون الذين أعماهم جهلهم عن حسنات الدين وكونه نافعاً للبشر ونراها كافية لمن يريد أن يعتبر أما عمي البصائر فلا يقنعهم شيء.
بقي علينا أن نبين للمتدينين ما يلحقهم من التبعات والآثام إزاء دينهم إذا رضوا بإرجاعهن
стр. 322
إلى محالهن أو إسكانهن في محل آخر.
إن الزنا مما علم تحريمه في الدين بالضرورة فإتيانه حرام والرضى به حرام عليه حرام ثبت بالأدلة الواضحة المسندة إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
وأما ادعاء حدوث الضرر من إخراج المومسات من محالهن لأنهن قد اختلطن بالحرائر وكثر فسادهن فهو على فرض تسليمه يجب تلافيه بالطرق المشروعة القانونية لا بإرجاعهن أو باسكانهن في محل آخر على أنا قد كفينا والحمد لله أمر غالبهن فإن كثيراً منهن قد قدمنا وكثيراً منهن قد سافرن إلى بلاد أخرى وطبقات الحكومة قانون المتشردين على بعضهن أما الباقيات فيكفيهن أثل عناية بأمرهن ليخرجن من هذا الشقاء.
هذا ما أردنا أن ننصح به أخواننا الدمشقيين ليكونوا على حذر ممن يريد السوء بهذا البلد الطيب ويكفي في الفرق بيننا وبين المتفرنجين أنهم يدعون إلى الزنا ونصد عنه ويريدون شيوع الفحش بين المسلمين وننفر عنه (ومن يتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا).
стр. 323
الحقائق وأعداؤها
لو أني بليت بهاشمي ... خؤلته بنو عبد المدان
لهان علي ما ألقى ولكن ... (تعالوا فانظروا بمن ابتلاني)
خلق الله الخير وقيض له أهلاً وأنصاراً وقدر الشر وجعل له فئة وأعواناً فطوبى لمن كان من عوامل الخير وأنصاره وويل لمن كان من أهل الشر وأعوانه. منيت هذه الأمة الإسلامية بما منيت به من الضعف لما انحطت فيها رتبة الوازع الديني وقل فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
أهمل أهل الدين والعلم هذه الفريضة فقام زعماء الباطل وأعداء الدين دعاة الفساد ينشرون بين ذويهم ومعارفهم وعلى صفحات الصحف ما يتبرأ منه العقل وتنبذه الأخلاق الفاضلة ويصادم ضروريات الدين ظناً منهم بأن سلطة الدين انتهى أمدها بسكوت رجاله عن الذود عن حياضه.
غرهم هذا السكوت وزمناً فكانوا يسرحون ويمرحون فرحين بما خولهم الدستور من حرية القول معلقين الآمال الطويلة على خفوت صوت العلم وأهله وخلو الجو لهم إلى أن قيض الله تعالى أصحاب مجلة الحقائق الذين يعلم الله وملائكته والناس أجمعين أنهم أنشؤوها لمحض خدمة العلم والدين.
هال هؤلاء السفلة المتفرنجين ظهور الحقائق بهذا المظهر الديني بعدما وهموا بأن السيطرة تمت لهم ولم يرق في أعينهم قيامها في وجه البدع ومحاربتها للمنكرات فطفقوا يناصبونها العداء ظناً منهم أنهم يقطعون عليها سيرها وجهلاً بقوله ﷺ (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرة على الحق لا يضرها من خالفها حتى يأتي أمر الله).
أما والحق إن الحقائق ستقطع ألسنتهم وترد كيدهم إلى نحورهم وتوقفهم عند الحد الذي ينبغي أن يقفوا عنده وهم مهما جدوا في سبيل التفرنج ودعوة الناس إليه فليسوا بقادرين أن يحللوا المنكر من الدين بالضرورة فقد تكفل الله بحفظ شرعه وهو يقبض له في كل زمن من يغار عليه ويذب عنه.
لم يكتف أولئك الجهلة الأغبياء بتعمدهم إيذاء أهل الدين فهم لا يحمدون من الحكام لا من كان موالياً لهم وعلى شاكلتهم وأما الحاكم الذي يعرف مكنونات ضمائرهم وما يبطنون من بغض الدين، وأهله والصلاح ورجاله، فيقصيهم ويبعدهم ويحلهم حيث يستوجب أقدارهم
стр. 324
فهم لا يفتئون يتربصون به الدوائر ويصورون أعماله المنطبقة على الدين والمصلحة بصورة المنكرات التي يجب إزالتها. (ولن يجدوا إلى ذلك سبيلا).
تمسك أولئك المتفرنجون الزعانف بالمثل العامي (الوقاحة بضاعة رابحة) لذلك لا يخجلون أن يقولوا للعامة أن إزالة المنكرات جريمة، وأن تسهيل طرق البغاء أمر لازم يجب على الحكومة القيام به وعلى الأمة المطالبة به.
وأغرب من ذلك أن زعموا أن العقلاء المتدينين قائلون بقولهم إذ ليس معروفاً في معنى المتدين إلا المتمسك بالدين وهذا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ يصرحان بكبيرة الزنا وعقاب مرتكبيه فهل يكون الطالب لتسهيل الطرق لمنكرات الدين والمجاهرة بها متديناً وهل هذا إلا تلاعب بالدين وزواجره واحتقار أهله؟ وأغرب منه في الوقاحة أن زعموا أن الدين نتقص يحتاج أن يكملوه فهم يقولون أن إباحة المنكرات لازمة للمصلحة وأن تسهيل طرق الزنا ارتكاب لأخف الضررين كأن الله تعالى لم يتم شرائعه! ولم ينزل في كتابه العزيز (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً).
стр. 325
المقتبس يطلب من الحكومة محال للزنا
أعيذك بالرحمن من شر كاتب ... له قلم باغ وآخر كاذب
إن الله ورسوله ينهون عن الفحشاء والمنكر والبغي والمقتبس ورهطه يسعون في فساد أخلاق شبان دمشق ويرضون بالفحشاء والمنكر والبغي وإليك أيها القارئ الكريم بيان ذلك.
أولاً يطالبون الحكومة بمحال للزنا لتسهل طرق البغاء لكل امرأة نشزت عن أهلها مغاضبه لهم بسبب تأديبهم لها فتعتصم بتلك الأماكن وتحترف بعرضها وتترك صبية لها يشبون في حجرات المذلة والهوان. وأهلاً ينكسون رؤوسهم بما ألصقته بهم من العار مدة حياتها وحياتهم.
ثانياً /: يقول المقتبس بعدد ٧٢٢ (وما قط انقطعت شأفة الموبقات حتى في أشرف البقاع الطاهرة أيام كان الدين غضاً والأخلاق الفطرية راسخة) فكأن المقتبس يشير بذلك إلى الحرمين الشريفين في عصر الخلفاء الراشدين عصر إقامة الحدود العصر الذي نفى فيه عمر ﵁ الشاب من المدينة لما بلغه تغزل النساء به وأبعده عنها وذلك حفظاً للأخلاق الإسلامية وقطعاً لسريان الفساد فأنت ترى كيف نفى عمر ﵁ هذا الشاب لتوهم وقوع الفساد بين الأمة وكيف يضلل صاحب المقتبس الناس بمثل تلك الأقاويل وهل يطلب من الحكومة إلا إقامة الحدود ودرء المفاسد بالقدر المستطاع ولكن ما الحيلة في مثل هؤلاء الكتاب الذين لا يعلمون من أمور الدين شيئاً.
ثالثاً: نشر المقتبس في العدد المذكور قوله (فكيف بنا نطمع في مثل هذه الأماني البعيدة في زمان وصل فيه فساد الأخلاق حتى رأينا الأخ يسطو على عرض امرأة (أخيه وعلى امرأة أبيه وعلى ابنته وامرأة عمه وكثرت أساليب الفحش) فكل من طلع على المقتبس وكان جاهلاً أحوال الأمة يقول أن الأمة انتهكت لا سمح الله حرماتها وضاعت لا قدر الله أنسابها وارتكبت أعظم المنكرات وأحلت ما حرم الله ورسوله.
انظر يا رعاك الله كيف يصم المقتبس أمته بالمروق من المروءة والعرض والناموس وكيف صورها عارية من الإنسانية والشرف والإخلاص وأنها أدنى حالة من بعض البهائم والوحوش إلى غير ذلك من الصور الفظيعة التي حملت الناس على إساءة الظن به وتخرصهم عليه بأنه إنما يشرح من هم على شاكلته.
رحماك اللهم إنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور لأجل إرضاء
стр. 326
المومسات صاحب المقتبس نص القرآن الكريم وأحاديث الرسول الفخيم ويلصق الفعل القبيح والعار الصريح بالبلد الطاهر وعصر الخلفاء الزاهر سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم.
إن محرري الحقائق نخبة من أهلب العلم والفضل ارهفوا أقلامهم وأرووا محابرهم ووقفوا بالمرصاد لكل مبتدع يدعو الناس إلى ما يخالف الله ورسوله وما عليه أئمة المسلمين ومن جملة المفاسد التي قاموا بردها مفاسد المقتبس التي يرتشفها من كؤوس أقلام دعاة الضلال الذين خذوا يطالبون الحكومة بتشييد محلات للزنا أو رد الزواني إلى محالهن (المرقص) فدحضت الحقائق شبهته وردت أقاويله وبينت تحريم الزنا وعقوبات مرتكبيه في عامة الأديان وجميع النواميس البشرية وأثبتت أن الإنكليز وهم من أرقى أمم الأرض لم يفتحوا مواخر للمومسات بجميع ممالكهم فكان جوابه الطعن والقدح شأن قصار الحجة وضعاف الأحلام. إن ال دمشق مضى عليهم خمسة عشر عاماً وهم يراجعون حكومة الأستانة لتطهير دمشق من أولئك العاهرات الفاجرات الزواني الذين أمرنا الله تعالى بإجراء الحدود عليهن وأن لا تأخذنا بهن رأفة إن كنا نؤمن بالله واليوم الآخر حتى صدر ولله الحمد في هذه الأيام الدستور والمشروطية لأمر من حكومة الأستانة بإخراجهن وطردهن أولاً وثانياً وقد صدق على أخراجهن مجلس الأعيان ومجلس المبعوثان وصدرت الإرادة السنية آمرة بذلك أيضاً وفق الله دولة والينا الدستوري الصالح لتنفيذ هذا الأمر فصدع بذلك وطهر تلك المحلة بل جميع دمشق من هذه الخبائث فجزاه الله وكل محب للدين وأحسن الجزاء هذا ولعل قائلاً يقولم هل ما عليه المومسات اليوم من انتشارهن في ضواحي المدينة وتهتكهن جهاراً بين الناس ينطبق على الآداب ويلائم الشرف والغيرة؟
فنقول في الجواب له: إن ما يشاهده الناس اليوم كانوا يشاهدونه من قبل ولم يكن محظوراً على أولئك الشقيات قبل إخراجهن من محالهن التجول في الشوارع بل كن يغازلن أراذل الجهال في الأسواق على مرأى من الناس ومسمع وفي رأينا أن الحكومة التي وفقت لمنع المفسدة الأولى وهي وجود محال لهن يمكنها أن تتدارك بالحكمة المفسدة الثانية وهي انتشارهن في الشوارع وذلك بأن تؤلف في الحارة جمعية من أهل الدين والغيرة تحت نظر الحكومة المحلية لتنظر في أمر الباقيات منهن فتميز ذوي اليسار لتضرب الحكومة على أيديهن لأنهن المادة الفعالة في هذه المفسدة وترسل بهن المرض الزهري إلى المستشفيات
стр. 327
ومن يبقى منهن يجمع في محل خاص يقف على بابه مراقب من طرف الحكومة لمنعهن من الخروج ويتعهدن بالموعظة الحسنة ويحبب إليهن التزوج ويبين لهن فظائع هذا المنكر وتتكفل هذه الجمعية بالإنفاق عليهن مما تجمعه من أهل اليسار والخير وتحرض أهل النخوة والحمية من الشبان على الاقتران بهن بالنكاح الشرعي بواسطة نائب الشرع الشريف ولا بأس إذا أعدوا لهن صنائع يتعلمنها أثناء النهار فلا يمضي زمن قليل إلا وقدامنا من غوائل هذا المصاب العظيم وتكون الحكومة والجمعية قد خدمتا الأمة والدين أحسن خدمة يرضاها الله ورسوله ﷺ فإلى هذه الجمعية ندعو أرباب الدين وإلى تأليفها ننادي المصلحين والأمر لله وهو ولي المحسنين.
стр. 328
خاتمة السنة الأولى
انتهت السنة الأولى من هذه المجلة وقد كانت كما عرفها القراء حافلة بالمواضيع النافعة، ذابة عن الدين وأهله، مقاومة للبدع والضلالات، داعية إلى أحاسن الأخلاق، وقد لاقت من العقبات والصعوبات ما لا يسلم منه مبتدئ في عمل وداع إلى خير فقد عارضها في بدء ظهورها بعض المتفرنجين بالتنفير منها، ومحاولة عدم انتشارها، ولكن أبى الله إلا أن يتم نوره، والحقيقة لا بد أن تظهر مهما حاول أعداء الإصلاح القضاء عليها. وستصدر إن شاء الله تعالى في السنة الثانية أكبر حجماً وأغزر مادة مع بقاء قيمة الاشتراك بحالها والمحافظة على مبدئها الشريف وهو خدمة الدين والدعوة على التخلق بالأخلاق الإسلامية ومحاربة العادات الضارة والأمل أن لا تحرم من أهل الفضل إقبالاً وهنا نشكر من آزرونا في هذا المشروع الجليل (على قلتهم) بأفكارهم وكتاباتهم ونسأل الله أن يجزيهم حسن الجزاء ويوفقنا وإياهم لخدمة الدين والأمة.
стр. 329
العدد ١٢ - بتاريخ: ٢٨ - ٧ - ١٩١١
стр. 330
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
فاتحة السنة الثانية
يا من مننت علينا بخدمة (الحقائق) أوزعنا شكر نعمائك. ويا من ألهمتنا الرشد أفض علينا من جزيل آلائك. وصل وسلم على نبيك محمد المبعوث بالبيضاء النقية. والسمحاء الحنيفية. وارض عن آله وأصحابه المتبعين هديه. والمقتفين آثاره.
وبعد فقد اجتازت مجلتنا (الحقائق) عامها الأول وهاهي على رأس عامها الثاني تحمد الله على أن جعل الثبات في نصرة الحق رائدها والتفاني في خدمة الدين وجهتها.
أنشئت هذه المجلة لغرض هو كل عصر أسمى ما يتطلبه أصحاب العقول السليمة. خصوصاً في هذا العصر الذي انتشرت فيه البدع وتظاهر أهلها وأخذ أهل الزيغ يفتنون العامة عن دينهم باسم المدينة الغربية، وشبه الفنون العصرية. وإن كان منها ما يضاد مبادئ الأديان ونواميس العمران. ويوهمونهم أن الغربيين وصلوا إلى ما وصلوا إليه بترك الائتمار بأوامر الدين.
دعانا هذا الغرض السامي (خدمة الدين) إلى إنشاء هذه الصحيفة لنقوم بهذا الواجب الكفائي. ولم نتكل في المساعدة الأعلى وعد الله تعالى بنصرة من ينصره. وأنا لنشكر من تفضلوا بآرائهم وكتاباتهم جزاهم الله خيراً.
وأملنا أن يكثر سواد المؤازرين في هذا العام لأن أهل العلم والدين كثيرون ويدهم العليا. وكلمتهم النافذة وكنا حينما نسمع تأففهم من الحالة الحاضرة وقيام أهل البدع بنشر ضلالاتهم على صفحات الصحف وانحياز كثير من أهل الصحف لهذا الفريق نظن أنهم سيكونون عوناً لنا على هذا المشروع الذي أنشئ على ما يحبون من نشر السنة، وقمع البدعة فلم نر من كثير منهم إلا مدحاً للمشروع والقائمين. به وضناً بما يجب من المساعدة الفعلية. ونحن على مثل اليقين من مساعدتهم لهذا العمل المبرور في دوره الثاني حقق الله الآمال.
ولم نتمكن في سنتنا الماضية من التوسع في جميع مباحث المجلة التي نوهنا عنها في الخطبة. وخصوصاً مبحث الأخلاق الذي يجب صرف مزيد العناية إليه ذلك لأنه عرض لنا لزوم الرد على كثير من البدع الحادثة في الدين فضاق نطاق المجلة عن الإسهاب في بقية المواضيع على أننا ما أغفلنا مبحثاً مما نوهنا به فكتبنا في التوحيد. واللغة العربية.
стр. 331
والأخلاق. والأسئلة والأجوبة. والانتقاد. والتاريخ. والأدبيات. سنتوسع إن شاء الله في عامنا الثاني في هذه المباحث سيما الأخلاق ورد البدع الحادثة. لأنه بهذين النوعين يتحقق مبدأ المجلة من خدمة الدين. والمسلمون لا يعوزهم في عروجهم لمعارج الرقي إلا التخلق بأخلاق الدين. ونبذ البدع الحادثة التي يدسها في الدين أعداؤه باسم الإصلاح. وعملاً بسنة الرقي عمدنا عدا عن التوسع في المباحث إلى توسيع حجم المجلة وإتقان طبعها وتصحيحها. وستكون إن شاء الله عاملة على سنن الرقي التدريجي يوماً فيوماً.
ولم نزد في قيمة الاشتراك الزهيدة شيئاً ليسهل تناول (الحقائق) على كل محب للاستفادة. ولأن الربح المادي ليس له حظ من النظر في هذا المشروع. وأصحابه بعيدون عن تجارة الصحف والانتفاع منها.
واعتمدنا في تأييد الحق. وتزييف البطل. على البرهان الساطع. والدليل القاطع. ونرغب إلى من يريد انتقاد المجلة أن يجعل سلاحه البرهان. لا السفه والبهتان.
ونكرر رجاءنا لأهل العلم والفضل أن لا يضنوا علينا بنصائحهم وآرائهم وانتقاد ما يرون في المجلة من مظان الخطأ (ويرحم الله من أهدى إلى عيوبي) وإننا نرتاح إلى الانتقاد العادل أكثر من تحبيذ العمل والإطراء بالمدح.
وفي الختام نطلب من الله تعالى أن تكون (الحقائق) في عامها الجديد أكثر تجويداً للمباحث. وإقداماً في نصرة الحقيقة. وفائدة للقراء وأن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم. ويرد عنه تحامل الجاهلين. وكيد المتفرجين. إنه جزيل العطاء. مجيب الدعاء.
стр. 332
الدين الإسلامي والتوحيد
٩
صفات الأفعال
قد أرشدنا البرهان إلى أن الله تعالى هو الخالق للكون لا عن مادة استمدها والصانع له لا بآلة استعملها والقيوم الذي لا تشغله الشؤون والقدير الذي لا تؤوده المعضلات ولا تعيبه المشكلات خلق فأحسن، وأسس فأتقن وبرأ البرايا صنوفاً وضروباً، وقسمها فرقا وشعوبا، ونظم الكون ورتب مصالحه العظمى إلى أكمل إتقان حسبما خصصت إرادته واقتضت حكمته (خلق كل شيء فقدره تقديراً).
هنا لا نريد أن نسوق البراهين الدالة على وحدانيته تعالى وانفراده بالخلق والإيجاد، وتنزهه عما شاكل مخلوقاته وعلوه عن كل ما يخطر بالبال، إذ الكون بجملته وتفصيله يدل على هاتين العقيدتين دلالة واضحة لا تحتاج لإحالة نظر وإعمال فكر وقد أشبعنا الكلام على ذلك في بحث الوحدانية وإنما الغاية التي نريدها هنا أن نبين مقصدين الأول أن كل ما يشاهد في الكون هو مخلوق لله تعالى وحده وأن ما ينسب إلى العباد من الأفعال والحركات هي نسبة مجازية (الله خالق كل شيء) (والله خلقكم وما تعملون) المقصد الثاني أن أفعال الله تعالى من خلق ورزق وإحياء وإماتة وتنعيم وتعذيب وإعطاء ومنع كلها محكمة ملقنة صادرة عن علم وإرادة واختيار مشتملة على حكم ومصالح لعباده ليست أسبابا باعثة على إقدامه ولا على مقتضية لفاعليته حتى يلزم استكماله بها فليس من أفعاله تعالى ما يكون واجبا عنه لذاته بحيث يصدر عنه بالعلية المحضة والاستلزام الوجودي إذ هو الفاعل المختار المتصرف في ملكه بما يقتضيه كمال ربوبيته وبالغ حكمته وليس من مصالح ما يجب عليه مراعاته وجوب إلزام بحيث لو لم يراعه لتوجه عليه اللوم إذ هو المتفضل بالخلق والإبداع والمتطول بالإيجاد والاختراع والوجوب عليه يستدعى القهر والتكليف (وهو القاهر فوق عباده).
فلا يلتفت إلى قول المتهورين الذين يزعمون أنه يجب على الله تعالى رعاية المصلحة في أفعاله وتحقيق وعيده فيمن تعدى حدوده وأن أفعاله تعلل بالأغراض إلى غير ذلك من شطحات الظنون ونزعات الأهواء التي ينزه مقام الإله عن نسبتها إليه.
стр. 333
أبرز الله تعالى هذا العالم مشحوناً بضروب من الحكم فكل ذرة من الذرات من جوهر وعرض وصفة وموصوف لا تخلو عن حكمة وتلك الحكمة منقسمة إلى جلية وخفية إما الجلية فكالعلم بأن الحكمة في خلق الشمس أن يحصل بها الفرق بين الليل والنهار فيكون النهار معاشاً والليل لباساً فتيسر الحركة عند الأبصار والسكون عند الاستتار وهذا من جملة حكمها الجلية ولها حكم دقيقة لا يعرفها إلا من عرف الحكمة (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً).
وكذا الحكمة في خلق السحاب ونزول الأمطار أن تنشق الأرض بأنواع النبات مطعماً للخلق ومرعى للأنعام وقد انطوى القرآن الكريم على جملة من الحكم الجلية التي تحملها إفهام الخلق تظهر لمن تتبعها دون الدقيق الذي تقصر إفهامهم قال تعالى (إنا صببنا الماء صباً ثم شققنا الأرض شقا فأنبتنا فيها حباً وعنباً وقضبا وزيتوناً ونخلاً وحدائق غلبا وفاكهة وأبا).
وأما الحكمة الخفية فكما في سائر الكواكب السيار منها والثابت بأنه لا يطلع عليها كافة الخلق والقدر الذي يحتمله فهم العامة أنها زينة للسماء وليهتدي بها في ظلمات البر والبحر وقد لا تدرك الحكمة أصلاً كما في إيلام البهائم والأطفال لقصور العقول عن إدراك سرها فيجب التسليم له تعالى فيما يفعله إذ هو تصرف في ما يملك له الحكم والخلق والأمر لا شريك له في إيجاد شيء من المخلوقات ولا في إمداده بالبقاء ولا في إعدامه بالفناء لا يسأل عما يفعل بحكم ربو بيته وكمال علمه وحكمته الباهرة وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً) فحدوث هذه المبدعات المحيرة للعقول وهذه الصنائع البالغة نهاية الدقة على مقتضى الحكمة أمر لا ينكره مكابر مهما بلغت منه الرعونة بل محض النظر لأجهزة الحيوانات ودقة تركب أعضائها على بعضها يدفع الإنسان رغم أنفه لأن يندهش من سعة سلطان هذه الحكمة فما بالك لو صعد بفكره إلى استعراض سائر عوالم الكون مما يعلمه بالحس وما يدركه بالاستدلال.
стр. 334
الإصلاح ومنتحلوه
ودعوة إلى الإصلاح
من ينظر إلى كثرة مدعي الإصلاح اليوم نظرة عارية من التدقيق يتخيل أن الأمة أخذت تتمسك بأهداب الرقي وأنها قد تهيأ لها من رجال الإصلاح ما يكفل سعادتها وينهض بها في قليل من الزمن ولكن المفكرين لا يأبهون لهذه الضجة القائمة بل يعدونها ضغثاً على إبالة وسبباً جديداً من أسباب الانحطاط لم تبل الأمة بشيء بلاءها بهؤلاء الذين ينادون بالإصلاح وهم منه براء، ويدعون إليه وأفئدتهم هواء، يقولون ما لا يفعلون، ويهرفون بما لا يعرفون يقوم قائمهم يدعو الأمة إلى اتباع رأيه، والاهتداء بهديه، ولو فكرت فيه لوجدته أقل من أن يسمع له رأي أو يعمل له بفكر بل لوجدته في الغالب من شذاذ الناس الذين قعد بهم حب البطالة أو قصر الباع عن أن ينفعوا الأمة بشيء من الأعمال فاستلانوا هذا المركب الخشن ظناً منهم أن كل من كتب على صفحات الجرائد يعد كاتباً، وكل من نادى بالإصلاح يعد مصلحاً ولو دفع الأمة إلى الشقاء وأوقعها في أقصى درجات الانحطاط وفاتهم أن الأمة وإن تغاضت عنهم ردحا من الزمن فلا بد من أن تنبه إليهم وتناقشهم الحساب فيذوقوا وبال أمرهم ويلاقوا عاقبة شرهم.
لو تأملنا قليلاً لوجدنا أن أكثر هؤلاء الذين يدعون الإصلاح هم ينبوع الشر وجرثومة الفساد وأن الأمة لا ينساب إليها الضرر إلا بسببهم ولا يحيق بها الخطر إلا من تهورهم فمنهم من غلب عليه حب الشهرة والرغبة في الصيت فتراه يكتب ويخطب وينخرط في سلك الجمعيات السياسية والخيرية ليقال عنه الكاتب المفكر والحر الغيور فإذا زفت له هذه الألقاب الفارغة سكنت ثائرته ولانت شرته وانكفأ يحمد مسعاه ولاهمَ له إلا أن يعرض على من عرف ومن لم يعرف أنه كتب مقالة نشرت في جريدة كذا وقريء شعره في حزب كذا وخطب ارتجالاً في حفلة كذا وأنه أصبح من العالمين ومنهم من يخدم شهوته ويعمل لذاتياته لا للنفع العام فينظم وينثر وينتقد أعمال الحكومة بصورة مفسدة لا مصلحة ويتسلط على الكبير والصغير ويحتقر المأمور والأمير ويتظاهر بحب الوطن ورقيه كل ذلك لينال وظيفة أو يروج جريدة فهو دائماً يميل مع الأهواء ويتقلب مع الأحوال فيذم اليوم من يمدحه بالأمس ويقدس في الغد من ينتقده اليوم حتى إذا ما أتيح له ذلك قال ذلك ما كنت أبغ
стр. 335
فاجعلني اللهم من الشاكرين ومنهم من يتظاهر بالإصلاح الديني فيجعل من الدين ما ليس منه وينكر منه ما هو ثابت فيه ويغرر العامة فتارة يدعوهم للاجتهاد وأخرى يريدهم على أن لا يتوسلوا بالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ومرة يطعن بالصحابة الكرام وعلماء الدين الأعلام وآونة ينقض أسس الدين فينكر الإجماع والقياس ويفسر الكتاب والسنة بما لا يرضاه الله ورسوله فهذا القسم أشد الأقسام ضرراً وأعظمهم خطراً وما الدافع له على ذلك إلا جهله المشين أو خدمة المبادئ الأجنبية لقاء وعد خلب أو مال يتقاضاه أجرة على تفريق المسلمين.
ومنهم من يرى الإصلاح بتقليد الغربيين فيدعو إلى التمثيل والخلاعة واللهو والفحش ويطلب الاقتداء بهم في الأزياء ورفع الحجاب وغير ذلك من الأمور الضارة ويترك ما للغريبين من الصنائع والمعامل والاختراعات والاكتشافات ويظهر للناس إن الأمم الغربية لم ترق هذا الرقي إلا بترك الدين الذي هو العقبة الكؤد في سبيل الترقي والنجاح على زعمه الفاسد ويحملهم على الاستخفاف بعلماء الدين ويلصق بهم التهم ويعرض بهم في الجرائد والمحافل لأنهم يحولون بينه وبين ما يريده من دفع الأمة في تيار الفوضى الأدبية والانغماس في الملذات الجسمية السافلة - ومنهم من ينفخ بالأمة روح العصبية الجسمية والنعرة القومية جاهلاً أو متجاهلاً نهى الرسول ﷺ عن الدعاء للعصبية - إن مسألة الجنسيات اليوم كادت أن تكون مسألة المسائل ولم يطرأ على الأمة شيء أكثر وأعظم ضرراً من هذه الفادحة التي إذا دامت تتزايد على هذه الصورة المزعجة تكون سبباً في تفريق جماعة المسلمين وفصم عرى الوحدة بين العثمانيين وبذلك يكون الداعون إلى هذه المسألة قد مهدوا السبيل للطامعين في البلاد وذللوا لهم الصعاب - إلا فليتق الله أولئك المفرقون وليعتبروا بما آلت إليه حال المسلمين من جراء تفرقهم واختلافهم وكيف وقعوا في شرك العدو فأذل رجالهم وأفقر بلادهم واضطهدهم في دينهم وعاداتهم.
هؤلاء الذين تقدم ذكرهم لا يبالون بالأمة ارتقت أو انحطت تقدمت أو تأخرت. وإنما يجرون حسب أغراضهم وأهوائهم التي سبق تفصيلها حتى إنا رأينا كثيراً منهم وخصوصاً الصحافيين يتقلبون في المسألة الواحدة مرات عديدة حسبما تدور مصلحتهم ويكون نفعهم. ويوهمون البسطاء من الناس أنهم إنما يريدون بهم خيراً وأنهم ساعون في تثقيفهم وتهذيبهم
стр. 336
ويدسون من وراء ذلك من عوامل الشر والفساد ما يفت في ساعد الأمة ويجعلها في أخريات الأمم وقد استعملوا لتنفيذ مآربهم ونشر مفاسدهم سلاح الوقاحة والكذب فيأتون مثلاً إلى من أطبقت الناس على علمه وفضله فيصفونه بالجهل لمخالفته لهم في الرأي ويأتون إلى أجهل الناس وأحقرهم فيسمونه عالماً اجتماعياً أو زعيماً من زعماء الإرشاد ولا ثمن لتلك الألقاب إلا انصياعه لهم وتقديسه لأعمالهم وهم لا يخجلون إذا ظهر كذبهم وافتضح أمرهم لما اعتادوا عليه من الوقاحة وقلة الحياء (إذا لم تستح فافعل ما شئت) وشر كذبهم ما ينشرونه على صفحات الجرائد من غير مبالاة مع أن واجب على الصحافة أن تتحرى الصدق في أخبارها لأنها ستكون يوماً ما مادة للمؤرخ ومرجعاً للباحث نحن نعتقد أنه يوجد من بين هؤلاء الذين ينادون بالإصلاح رجال أخلصوا لأمتهم وأجهدوا أنفسهم لأن يرقوا بها في معارج الكمال ولكن العالمين من هؤلاء المخلصين قليلون لذلك كان عملهم عقيماً إذا لم نقل أن ضرره أكثر من نفعه.
فالإصلاح يحتاج إلى العمل والجد والإخلاص واحتياجه إلى العلم اشد وافتقاره إليه أكد ولا فائدة من مصلح لا علم له كما لا فائدة من حاكم لا سلطة له فالخسران لأمة تقودها العمي ويصلحها الجهال.
أيها العلماء المخلصون إن زمن السكوت قد انقضى بما منحتم من حرية الكلام والمجاهرة بالرأي فلا تتركوا الأمة تقع في مهاوي الدمار بسب هؤلاء المفسدين. أيها العلماء إن الله محاسبكم غداً عن هذه الأمة المسكينة التي تتقاذفها الأهواء منكل جانب فإنا لا نعلم وظيفة جوهرية لكم غير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فخذوا بيد هذه الأمة وأنقذوها مما هي فيه.
واعملوا يداً واحدة على إيقاظ شعور المسلمين. علموهم كيف يرجعون إلى أخلاقهم علموهم كيف يكونون أقوياء في دينهم ودنياهم انشروا الآداب الإسلامية بينهم أصدروا الصحف الدينية لتسير في مشارق الأرض ومغاربها اعملوا على أن تقوموا بوظيفة الإرشاد حق القيام فإنكم منذ أهملتم وظيفتكم أخذ دعاة الفساد يسممون الأفكار ويضللون العامة ويتسلطون على الآداب ويطالبون الحكومة مطالبة حثيثة باسم الأمة أن تسير على أفكارهم وتنصاع لآرائهم وفي ذلك من ضرر مالا يخفى عليكم أيها العلماء. هذه الشريعة المطهرة ما اعتصم
стр. 337
بها أحد إلا نجا وفيها ما يوسرنا عليه لفقنا أمم الأرض وهذه كتب الفقه ملئ بالقوانين والمسائل المطابقة لحالة الزمن ولا ينقصها إلا أن تستخرج بأيديكم ألفوا الجمعيات لهذا الغرض الشريف وغيره من الأمور العامة. فإن الأمة معكم ولا تبخل بما لها عليكم ويد الله مع الجماعة أليس من العار أن نسام الخسف ونحن المسلمون وفينا العلماء والصلحاء والكتاب والمؤلفون والمفكرون مع أنه لا ينقصنا إلا أن نجتمع ونعمل يداً واحدة لنفوز في معترك هذه الحياة التي أصبحت بيد غيرنا بسبب ما أحدثوه من الاستعدادات وعلى كلٍ فأول واجب عليكم أن تكموا أفواه هؤلاء الذين يدعون الإصلاح من المتفرنجين والدساسين والساعين إلى أغراضهم حتى لا نكون عاملين على الخير وغيرنا عامل على الشر وفي ذلك من الخير مالا يقدر. وفق الله علماءنا إلى ما فيه لسعاد المسلمين.
стр. 338
مختارات
من الإيجاز والإعجاز للثعالبي
الحكمة ضالة المؤمن
المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمؤمن من أمنه المؤمنون على أنفسهم وأموالهم والمؤمن لا يكون طعاناً ولا لعاناً
صنائع المعروف تقي مصارع السوء
اتقوا من تبغضه قلوبكم
شقي الولاة من شقيت به رعيته
من لم يعرف الشر يقع فيه
شر الأمير من خافه البري
قيمة كل امرئ ما يحسن
الناس أعداء لمل جهلوا
لا ترجون إلا ربك ولا تخافن إلا ذنبك
الرخصة من الله صدقة فلا تردوا صدقته
خير المال ما وقي به العرض
نعم المحدث الدفتر
كانت درة عمر أهيب من سيف الحجاج
الأيام صفائح الأعمار فخلدوها بأحسن الأعمال
عفو الملك أبقى لملكه
أعفى الملوك أبصرهم بعواقب الأمور
أعظم الخطاء محاربة من يحب الصلح
إن الميت ومن لا دين له سواء ولا أمانة لمن لا دين له
لا سلطان إلا برجال ولا رجال إلا بمال ولا مال إلا بعمارة ولا عمارة إلا بعدل وحسن سياسة
وقل لا تستخفن الرأي الجليل يأتيك به الرجل الحقير فإن الدرة الفائقة لا يستهان بها لهوان
стр. 339
غائصها
المسيء لا يظن بالناس الأشرار لأنه يراهم بعين طبعه
من ودك لأمر بغضك عند انقضائه
العاقل من يصدق بالقضاء ويأخذ بالحزم
إذا شاورت العاقل صار عقله لك
من سل سيف البغي قتل به ومن أوقد نار الفتنة كان وقود لها
ما ذل ذو حق وإن أطبق العالم عليه ولا عز ذو باطل وإن طلع من جيبه القمر خلف الوعد خلق الوغد
من لم يتعرض للنوائب تعرضت هي له
أفقرك الولد أو عاداك
من طلب عزاً بباطل أورثه الله ذلاً بحق
أثقل الناس من شغل مشغولاً
شر المال ما لزمك مكسبه وحرمت الأجر في إنفاقه
الخراج عمود الملك وما استغزر بمثل العدل وما استنذر بمثل الجور
الرفق لقاء الصلاح وجناح النجاح
من افتقر إلى الله استغني به
عجبت لمن يرجو من فوقه كيف يحرم من دونه
قيل للحسن بن سهل وزير المأمون لا خير في السرف فقال لا سرف في الخير فرد اللفظ واستوفى المعنى
المسألة عن الصديق لقاء
عقل الكاتب في قلمه والكلام الحسن مصايد القلوب
عرف عبد الحميد بن يحيى كاتب مروان البلاغة فقال هي ما رضيته الخاصة وفهمته العامة
المتصفح للكتاب أبصر بمواقع الخلل فيه من منشئه
من صنف فقد استهدف - فإن أحسن فقد استطرف وإن أساء فقد استقذف
стр. 340
إذا بقي ما قاتك فلا تأس على ما فاتك
لا تسلم حتى تسلم ولا تأمن حتى تؤمن
стр. 341
تحريم المتعة
٣
تابع لما جاء في المجلد الأول ص٤٠٣
علم مما قدمنا أن مؤلف الرسالة نقل عن صحيح الترمذي أن رجلا من أهل الشام سأل ابن عمر ﵄ عن متعة النساء فقال هي حلال الخ.
والجواب أن ما نقله مؤلف الرسالة لم نجده في باب المتعة من صحيح الترمذي بل رأينا فيه ما يؤيد خلافه وهو حديث ابن عباس المصرح بتحريم المتعة وقد تقدم ص ٤٠٧ من هذه المجلة. فعلى مؤلف الرسالة أن يبين لنل موضعه من ذلك الكتاب لننظر فيه.
وأما ما ادعاه من أن أحاديث التحريم مضطربة متناقضة الخ فنجيب عنه بعد أن نبين فساد ما زعمه من التناقض ليتميز السقيم من الصحيح والحق من الباطل وهاك خلاصة كلامه قال أن أحاديث التحريم مختلفة في تاريخ الإباحة والنسخ فان في بعضها أن النسخ كان في غزوة خيبر وكانت في المحرم سنة سبع من الهجرة. وفي بعضها أنه كان في عمرة القضاء وكانت في ذي الحجة سنة سبع من الهجرة. وفي بعضها أنه كان يوم فتح مكة بعد أن أباحها وكان فتح مكة في رمضان ثمان من الهجرة وفي بعضها أنه كان عام أوطاس بعد أن رخص فيها ثلاثة أيام وكانت غزوة أوطاس في شوال بعد غزوة حنين بقليل وفي بعضها أنه كان في غزوة تبوك وكانت في رجب سنة تسع من الهجرة وفي بعضها أنه كان في حجة الوداع بعد أن أباحها وكانت سنة عشر من الهجرة فعلى هذه الروايات تكون قد أبيحت ونسخت سبع مرات لا مرتين فقط كما حكاه النووي فأي اختلاف وتهافت أعظم من هذا. وبين غزوة حنين وفتح مكة نحواً من شهر فتكون قد أبيحت وحرمت في شهر مرتين وبإضافة أوطاس تكون قد حرمت وأبيحت في نحو من شهر ثلاث مرات وما سمعنا في الشريعة بحكم نسخ ثم أعيد ولو مرة واحدة. فضلاً عن سبع مرات أو مرتين فما هذا إلا تلاعب في الأحكام وما هذا إلا شأن المتقلبين المتلونين تعالى عن ذلك رب العالمين فهذا مع ما سيأتي من وجوه الاختلاف يقضي بأن تلك الأحاديث موضوعة مختلقة قصد بكل واحد منها تصحيح ما حرمه عمر ولم يطلع أحدهم على ما وضعه الآخر فوقع هذا الاختلاف إلى أن قال فالأولى الاعتراف بأن تلك الروايات كغيرها مكذوبة موضوعة ثم
стр. 342
قال فلابد من طرحها جميعها والأخذ بما علم ثبوته بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين ثم زعم مؤلف الرسالة أن الروايات المتقدمة تدل على إباحة المتعة ثم تحريمها مراراً عديدة وأن النهي ظاهر في التأسيس لا التأكيد الخ ما قاله. . . .
ونقول إما اعترافه بأنه لم يسمع في الشريعة بحكم نسخ ثم أعيد ولو مرة واحدة وأن تكرر النسخ تلاعب في الأحكام فهو دليل على عدم اطلاعه.
إذ قد ثبت تكرار النسخ في استقبال القبلة وأكل لحوم الحمر الأهلية كما هو معروف وأما قوله ما هذا إلا شأن المتقلبين إلى قوله قصد كل واحد منها تصحيح ما حرمه عمر إلخ. . ففيه أولاً أن عمر ﵁ ليس هو الذي حرم المتعة بل إنما حرمها رسول الله ﷺ كما علم مما بيناه وثانياً أن أهل السنة إنما يروون ما صح عن رسول الله ﷺ من غير تحزب لرأي ولا انحياد لمذهب ولم يتعودا النفاق كما اعتاده بعض المبتدعة الذين لم يرقبوا في دين الله إلا ولا ذمة. فالقول بأن أهل السنة قصدوا تصحيح كلام عمر ﵁ ما هو إلا افتراء عليهم إذ لو صح غير ذلك لرووه وبينوه. . . . وأما ما زعمه مؤلف الرسالة من أن أحاديث التحريم متعارضة متناقصة وأن النهي ظاهر في التأسيس لا التأكيد وأن الأحاديث تدل على الإباحة مرارا عديدة فهو زعم فاسد وفساده من وجهين الأول أن النهي لايقتضي سبق الإباحة بل قد يكون لرفع الإباحة السابقة وقد يكون لغير ذلك كالتأكيد ونحوه ويدل لذلك ماورد في كتاب الله كقوله تعالى واشكروا لي ولاتكفرون فإن الكفر لم يكن مباحاً البتة ويدل له أيضاً ماأخرجه البخاري وغيره من حديث نفيع ﵁ أن النبي ﷺ قعد على بعيره بمنى يوم النحر في حجة الوداع وأمسك إنسان بخطامه أو بزمامه ثم قال أي يوم هذا فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه قال أليس يوم النحر قلنا بلى قال فأي شهر هذا فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه فقال أليس بذي الحجة قلنا بلى قال فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ليبلغ الشاهد الغائب فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى له منه فبهذا الحديث الشريف يتضمن النهي عن انتهاك الدماء والأموال والأعراض ولاريب في أن ذلك كله كان معلوما تحريمه عند الصحابة ﵃ كما هو واضح فنهي النبي عليه الصلاة والسلام
стр. 343
يومئذ عن انتهاك شيء منها إنما هو لمجرد التأكيد، فكذلك النهي على فرض صحة تكراره أكثر من مرتين إنما كان للتأكيد. وأمثال ذلك لاتحصى.
(والثاني) إن ماذكره من الأحاديث ليس كله بدرجة واحدة بل منها الصحيح وغيره فلا تصح دعوى التعارض إذا التعارض هو تقابل الحجتين على السواء وها نحن نبين رتبة كل حديث منها تأييداً للحق وحفظا للشرع خشية أن يغتر بمثل الرسالة المذكورة جاهل من بسطاء العامة فنقول.
أما حديث النهي يوم خيبر عن المتعة فهو حديث صحيح لامطعن فيه ولايصح لمؤلف الرسالة أن يقول أن حمل رواية حنين على الوهم ليس بأولى من حمل رواية خيبر عليه لأن حديث النهي يوم خيبر ثابت من رواية الثقات الإثبات وقد تعددت طرقه رواه البخاري عن مالك بن اسماعيل عن ابن عبينة عن الزهري عن ابن الحنيفة ورواه مسلم عن يحيى عن مالك عن ابن شهاب عن ابن الحنفية ورواه أيضاً عن عبد الله عن جويرية عن مالك بالإسناد المذكور رواه أيضاً عن ابن أبي شيبة وابن نمير وزهير ابن حرب عن ابن عيينة عن زهير عن سفيان عن عيينة عن الزهري عن ابن الحنفية رواه أيضاً عن محمد عن عبيد الله عن ابن شهاب عن ابن الحنفية ورواه أيضاً أبي الطاهر وحرملة عن ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب عن ابني الحنفية عن أبيهما عن أبيه على ابن أبي طالب ورواه النسائي أيضاً من عدة طرق ورواه ابن ماجة أيضاً في سننه ورواها الإمام مالك أيضاً في الموطأ ومن قال أن النهى عن المتعة يوم خيبر شيء لايعرفه علماء الأثر الخ لايعول على كلامه لأن المثبت مقدم على النافي ومن حفظ حجة على من لم يحفظ كما هو مشهور وتمسك مؤلف الرسالة بذلك بعد اطلاعه على نقضه لا يفيده بل هو مكابرة ومصادمة للحق فاحفظه وتنبه له.
وأما حديث إباحتها في عمرة القضاء فهو حديث مرسل ضعيف كما قاله الإمام الزرقاني في شرح الموطأ.
وأما حديث إباحتها يوم فتح مكة فهو حديث صحيح ولكن قد نسخ ذلك بعد ثلاثة أيام ووقع التحريم المؤبد كما جاء في باب تحريم المتعة من صحيح مسلم من حديث سيرة ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن المتعة وقال إلا أنها حرام من يومكم هذا
стр. 344
إلى يوم القيامة ومن كان أعطى شيئاً فلا يأخذه آه والعجب من مؤلف الرسالة كيف أطلع على مارواه الإمام مسلم في تحريم المتعة ونقل عنه كثيراً من الأحاديث ثم تعامى عن الحديث المذكور فزعم أنه لم يجده فيه.
وأما ذكر النهي يوم حنين فهو وهم تفرد به عبد الوهاب الثقفي كما نبه عليه الإمام القسطلاني واتفق سائر أصحاب الزهري كلهم على لفظ خيبر وأما قول مؤلف الرسالة أن دعوى الوهم غير مسموعة وإلا لما صح الاستدلال بحديث فيرده أن علماء السنة لم يحكموا على تلك الرواية بالوهم إلا بعد استفاضة سائر طرق الحديث المذكور واتفاق الرواة على لفظ خيبر على أنه ليس فيه التعرض للإباحة بل إنما ورد في النهي فقط فعلى تقدير صحته على تأكيد النهي فلا معارضة بينه وبين غيره.
وأما حديث التحريم عام أوطاس بعد أن رخص فيها ثلاثا فهو حديث صحيح والمراد به يوم الفتح لأن غزوة الفتح وغزوة أوطاس في عام واحد وحمل يوم اوطاس على يوم الفتح ظاهر للعالم بلغة العرب فإن المراد باليوم في ذلك مجرد الزمن لاخصوص اليوم الذي حصلت فيه وقعة أوطاس.
وكثيرا ما تستعمل العرب ذلك فيقولون يوم كذا ومرادهم وقت حصوله لاخصوص يوم بعينه على أننا لم نجد في ما اطلعنا عليه من كتب الحديث أنه رخص فيها يوم اوطاس بل الرواية إنما جاءت بلفظ رخص رسول الله ﷺ عام اوطاس في المتعة ثلاثا ثن نهى عنها رواه مسلم فظهر أن المراد بذلك إنما هو الرخصة التي حصلت يوم فتح مكة إذ فتح مكة وغزوة أوطاس كلاهما في عام واحد كما تقدم.
وأما حديث النهي عنها في غزوة تبوك فهو حديث ضعيف كما نص عليه القسطلاني والزرقاني على أنه ليس فيه تعرض للإباحة فعلى تقدير صحته يحمل على التأكيد ويؤيد ذلك أنه ﷺ قرن النهي بالغضب كما في رواية الحازمي من حديث جابر ولو لم يكن ﷺ حرم المتعة قبل ذلك لاقتصر على مجرد النهي كما فعل يوم فتح مكة وأما ذكر الإباحة في حجة الوداع فهو خطأ ولم يرو ذلك أحد من الثقات الإثبات وما رأينا أحداً من المحدثين قال أن ذلك جاء من طريق صحيح بل إنما رواه ابن ماجة في سننه وليست كل أحاديثه صحيحة وعلى تقدير صحة الحديث المذكور لا يصلح
стр. 345
لمعارضة سائر الروايات لأنها صح فيسقط ما يخالفها قال الإمام النووي إذا روى الثقات الإثبات عنه (أي عن سيرة) الإباحة يوم فتح مكة والذي في حجة الوداع إنما هو التحريم فيؤخذ من حديثه مااتفق عليه جمهور الرواة ووافقه عليه غيره من الصحابة ﵃ من النهي عنها يوم الفتح ويكون تحريمها يوم حجة الوداع توكيداً وإشاعة له وقد صرح الزرقاني بنحو ذلك في شرح الموطأ وبما ذكرنا يظهران حكمهم بالخطأ على رواية الإباحة في حجة الوداع ليس رد للرواية بمجرد التشهي كما زعمه مؤلف الرسالة بل لآن سائر الطرق اتفقت على أن الإباحة إنما ثبتت عن الثقات في يوم الفتح ولا يصح لمؤلف الرسالة أن يقول أن ذلك لا يمنع رواية الإباحة في حجة الوداع لا نقول أن حكمهم على الرواية المذكورة بالخطأ ليس لما ذكرناه فقط بل لما صح من التحريم المؤبد يوم الفتح كما نقله الإمام النووي في شرح صحيح مسلم والقسطلاني في شرح صحيح البخاري والزرقاني في شرح الموطأ وابن تيمية في منهاج السنة وكما رواه الإمام مسلم في صحيحه من رواية سيرة الجهني المتقدمة. ومما يؤيد الحكم على تلك الرواية بالخطأ أيضاً أن أكثرهم حجوا بنسائهم في حجة الوداع ولم يكن يومئذ ضرورة تدعو إلى التمتع وقد وسع الله عليهم بالسبي وغيره وإنما أسقط علماء السنة الرواية المذكورة وقبلوا رواية أبي داود التي في النهي_فقط لأن الأولى قد عارضها ما هو أصح منها فسقطت وأما الثانية فلا معارضة بينها وبين غيرها.
فلم يبق حديث صحيح سوى حديث خيبر ويوم الفتح وعام أوطاس وقد بينا أن ما ورد من الرخصة عام أوطاس إنما المراد به ما وقع يوم الفتح فلم يبق بين ما صح من أحاديث التحريم تعارض ولا تناقص بل ثبت صحة ما قاله محققوا علماء السنة وهو الصواب من أن النسخ والإباحة كانا مرتين فكانت المتعة جلالاً قبل خيبر ثم حرمت يوم خيبر ثم أبيحت في عام أوطاس يوم فتح مكة ثم حرمت يومئذ تحريماً مؤبداً إلى يوم القيامة ومن هنا يعلم صحة ما قرره الإمام النووي والقسطلاني وفساد ما قاله مؤلف الرسالة في رد كلامهما وبعد هذا البيان ما نظن أن أحداً من العقلاء يغتر بما قاله من أن الأحاديث المذكورة تقتضي أن المتعة قد أبيحت ونسخت سبم مرات إذ أصبح كلامه كسراب بقيعة أو كزبد دفعه السيل فذهب جفاء ولم يبق له عين ولا أثر.
стр. 346
وأما الروايات التي جاءت عن سيرة ﵁ في تحريم المتعة تحريماً مؤبداً فقد تعددت طرقها وكثر رواتها. ومن العيب الفاضح أن مؤلف الرسالة لم يستحسن تعدد أسانيدها الذي يزيدها قوة بل جعله من جملة الوجوه التي تدعو إلى عدم التعويل عليها كما صرح بذلك في رسالته ص٦٠ حيث قال ومن وجوه اختلاف أخبار تحريم المتعة ما وقع في روايات سيرة خاصة فإنها مختلفة اختلافاً لا يصح معه التعويل عليها ففي بعضها أنها ما حلت قط إلا في عمرة القضاء. وفي بعضها أن الإباحة والنسخ كانا عام الفتح وفي بعضها أنهما كانا في حجة الوداع وفي بعضها الاقتصار على التحريم في حجة الوداع وفي بعضها لم يعين الوقت وهذه التي لم يعين فيها الوقت منها ما اقتصر فيها على مجرد الإباحة والتحريم ومنها على الأذن والتحريم المؤبد ومنها على مجرد النهي ومنها على النهي المؤبد ثم أخبار فتح مكة منها ما اقتصر فيه على مجرد النهي ومنها ما ذكر فيه الإباحة والتحريم ومنها ما ظاهر أن الأذن كان بعد خمسة عشر يوماً من دخول مكة ومنها ما دل على أنه كان حين دخولهم أو منها ما دل على أنه خرج مع رجل من قومه ابن عم له ومنها ما دل على أنه خرج مع رجل من بني سليم ومنها ما دل على أنه تمتع بامرأة من بني عامر ببرد واحد ومنها ما دل على أنه تمتع بامرأة منهم ببرد ين أحمرين فكم مرة تمتع سبرة في يوم فتح مكة إلخ ما ذكره.
ونقول كأن مؤلف الرسالة ظن أن الأمر إذا تعدد ناقلوه وكثر الذين حفظوه يلزم أن يكون مكذوباً وأن يتعدد وقوعه بعدد من ذكره وما نظن عاقلاً يتوهم هذا خيال والروايات المذكورة عن سبرة ليس بينها اختلاف يقتضي عدم تعويل عليها بل فيها الصحيح وغيره والجمع بين ما صح منها ظاهر وذلك أن الرواية عنه بأنها ما حلت إلا في عمرة القضاء إنما جاءت عن الحسن البصري كما نبه عليه القاضي عياض وقد بينا أنه حديث مرسل ضعيف مخالف للروايات الصحيحة فيجب تركه ولا يبقى معارضاً لغيره من الأحاديث الصحيحة.
والرواية التي فيها الإباحة في حجة الوداع خطأ كما وضحناه قريباً وأما باقي الروايات فلا منافاة بينها إذ رواية التحريم في حجة الوداع سواء كان مطلقاً أم مقيداً بالتأييد لايستلزم سبق الإباحة يومئذ بل إنما كان للإشاعة كما قررناه فيما تقدم أيضاً وللروايات التي لم يعين
стр. 347
فيها الوقت إنما يفيد مجموعها أن المتعة كانت حلالا ثم حرمت تحريماً مؤبداً وهذا هو مطلوبنا وأما أخبار فتح مكة فما دل منها على مجرد الإباحة والنهي فواضح أنه لامنافاة بينه وبين غيره إذ لايستفاد منه إلا مااستفيد مما قبله من أن المتعة كانت حلالا ثم حرمت.
وأما الروايتان اللتان زعم مؤلف الرسالة أن ظاهر إحداهما يدل على أن الأذن إنما كان بعد خمسة عشر يوماً من دخول مكة وأن الثانية تدل على أن الأذن قد حصل حين دخولها فليس بينهما اختلاف يدعو إلى عدم التعويل عليها كما زعم إذ الاختلاف الذي يدعو إلى عدم التعويل إنما هو التناقض الذي هو اختلاف القضيتين بالإيجاب والسلب. وما هنا ليس كذلك وقول سيرة فأقمنا بها خمس عشرة ثلاثين بين ليلة ويوم فأذن لنا الخ لا يقتضي أن الأذن لم يحصل إلا بعد دخولهم بخمسة عشر يوماً إذ الفاء كثيراً ما تستعمل لمجرد العطف من غير تعقيب كما هو مقرر في محله وعلى تسليم أن الأمر كذلك لا منافاة بين هذه الرواية والرواية الثانية التي ظاهرها حصول الأذن حين دخول مكة إذ المراد بالحين المذكور في هذه الرواية هو مجرد الزمن سواء كان ساعة الدخول من غير تراخٍ أو كان بعد ذلك ولو بمدة طويلة وهذا الاستعمال شائع معروف حتى في لفظ يوم الذي هو من ظرف الزمان المحدود له وله نهاية ومع ذلك فقط أطلقوه غير مرة على معنى الزمن المطلق كقولهم يوم الفتح ويوم بدر ونحو ذلك يعنون به جميع الوقت الذي حصلت فيه الوقعة فإذا صح هذا في مثل يوم وهو زمان محدود كما تقدم فصحته في مثل لفظ الحين من باب أولى.
وأما الرواية التي أفادت أن سبرة ﵁ خرج مع رجل من قومه ابن عم له فلا منافاة بينها وبين الرواية التي أفادت أنه خرج مع رجل من بني سليم إذ كثيراً ما يكون الإنسان منسوباً إلى قبيلة من القبائل ثم ينسب لقبيلة ثانية أيضاً لأمر يستدعي ذلك ككون إقامته في القبيلة الثانية أو أن ولاءه لها فتارة ينسبونه إلى القبيلة الأولى لأن نسبه فيها وتارة ينسبونه إلى القبيلة الثانية لأن إقامته فيها مثلاً وكذلك قول الراوي خرج مع رجل من قومه ابن عم له وقوله خرج مع رجل من بني سليم فلا مخالفة بين الروايتين المذكورتين وأما الراوية التي أفادت أن سبرة ﵁ تمتع بامرأة من بني عامر ببرد واحد لا منافاة بينها وبين الرواية التي أفادت أنه تمتع بامرأة منهم ببردين أحمرين إذا
стр. 348
لتنصيص على الشيء لا ينفي ماعداه فقول الراوي تمتع بامرأة ببرد لا يستلزم أنه لم يعطها شيئاً آخر وأيضاً لفظ واحد في الرواية الأولى لم يثبت فيما أطلعنا عليه من الأحاديث بل إنما زاده مؤلف الرسالة للتمويه وقد فعل نظير ذلك غير مرة كما علم مما أثبتناه على أنه يمكن أن يحمل ذلك على تعدد الواقعة إذ الرواية الثانية ليست مقيدة بيوم الفتح ولم يذكر فيها شيء من الخصوصيات المذكورة في الرواية الأولى بل غاية ما يستفاد من الرواية الثانية هو أن سبرة ﵁ تمتع على عهد النبي ﷺ بامرأة من بني عامر ببردين أحمرين فلم يبق تعارض ولا اختلاف بينهما.
فاتضح مما بيناه أن روايات سبرة ﵁ لم يكن بين ما صح منها اختلاف يستدعي عدم التعويل عليها بل هي ظاهرة جلية لكل منصف فنسئل الله أن يحفظ قلوبنا من الزيغ والزلل ويطهر أفئدتنا من الحقد إنه ولي المؤمنين.
(للكلام صلة)
стр. 349
التاريخ
تابع ترجمة أبو بكر ﵁
خبر أهل البحرين
ارتد أهل البحرين فيمن ارتد من العرب بعد وفاة النبي ﷺ إلا ما كان من عبد القيس فإنها رجعت إلى الإسلام بهمة الجارود بن المعلى العبدي فأرسل لهم أبو بكر ﵁ حين عقد الألوية لقتال أهل الردة العلاء الحضرمي فسار بمن معه من الجند بقصد البحرين فلما كان (بخيال العمامة) لحق به من بني حنيفة وغيرهم مثل عسكره فسلك بهم (الدهناء) حتى إذا كانوا في بحبوتها نزل وأمر الناس بالنزول فنفرت إبلهم بأحمالها فما بقي عندهم لا جمل ولا ماء ولا زاد ولا بناء فلحقهم من الغم مالا يعلم علمه إلا الله ووصى بعضهم بعضاً فدعاهم العلاء وقال ما هذا الذي دخل عليكم من الغم فقالوا كيف نلام ونحن إن بلغنا غداً لم تحم الشمس حتى نهلك فقال أيها الناس لا تراعوا ألستم مسلمين؟ ألستم في سبيل الله؟ ألستم أنصار الله؟ قالوا بلى قال فابشروا فو الله لا يخذل الله من كان في مثل حالكم فلما صلوا الصبح دعا العلاء ودعوا معه فلمع لهم الماء فمشوا إليه فشربوا واغتسلوا فما تعالى النهار حتى أقبلت الإبل تجمع من كل وجه فأناخت إليهم فسقوها وكان أبو هريرة فيهم فلما ساروا عن ذلك المكان قال المنجاب بن راشد لأبي هريرة كيف علمك بمواضع الماء قال عارف به قال قم معي حتى تقيمني عليه قال فرجعت به إلى ذلك المكان فإذا هو لا غدير به ولا أثر للماء فقلت له والله لولا أني لا أرى الغدير لأخبرتك أن هذا هو المكان بعينه وما رأيت بهذا المكان ماء نافعاً قبل اليوم ثم التفتنا فإذا أداوة مملوءة ماء فعرفنا أنه هو المكان وأن الماء من منّ الله وليس بعين. هذه حال من أخلصوا في المجاهدة في سبيل الله يمدهم الله بأنواع من عنايته يفجر لهم الماء في المكان القفر ويجمع لهم الإبل بعد شرودها وينصرهم على عدوهم وهي منقبة عظيمة للعلاء ومن معه وكرامة ظاهرة لا تحتمل التأويل فاللهم اجعلنا ممن يصدق بكرامات أوليائك ولا تجعلنا ممن يرون آياتك فينكرونها وتتجلى لهم الحقيقة فيصدقون عنها ووافقنا للإخلاص في أعمالنا حتى نكون موضع العناية منك أنك سميع الدعاء.
ثم أرسل العلاء إلى الجارود يأمره أن ينازل الحطم مما يليه وسار هو فيمن معه حتى نزل
стр. 350
مما يلي هجر فاجتمع المشركون إلى الحطم واجتمع المسلمون إلى العلاء وخندق كلّ على نفسه وكانوا يتراوحون القتال ويرجعون إلى خندقهم فكانوا كذلك شهراً حتى إذا كانت ليلة سمع المسلمون فيها ضوضاء شديدة في عسكر المشركين فاستطلعوا الخبر فجاءهم بأنهم سكارى فبيتهم المسلمون شربيات ووضعوا السيف فيهم حيث شاءوا حتى هربوا بين مأسور ومقتول وقتل الحطم ثم ركب منهزمون السفن إلى دارين.
فجمع العلاء الناس وخطبهم وقال إن الله قد جمع لكم أحزاب الشيطان وشرَّد الحرب في هذا البحر وقد أراكم آياته في البر لتعتبروا بها في البحر فانهضوا إلى عدوكم ثم استعرضوا البحر إليهم فإن الله قد جمعهم فقالوا نفعل ولا نهاب والله بعد الدهناء هولاً مابقينا فارتحل وارتحلوا حتى إذا أتى ساحل البحر اقتحموه راكبهم وراجلهم ودعا ودعوا فاجتازوا ذلك الخليج بإذن الله جميعاً يمشون على مثل رملة ميثاء فوقها ماء يغمر إخفاق الإبل وإن ما بين الساحل ودارين مسيرة يوم وليلة لسفن البحر في بعض الحالات فالتقوا بهم واقتتلوا قتالاً شديداً حتى أظفرهم الله بهم فلما فرغوا رجعوا عودهم على بدئهم وفي ذلك يقول عفيف ابن المنذر:
ألم تر أن الله ذلك بحره ... وانزل بالكفار إحدى الجلائل
دعونا الذي شق البحار فجاءنا ... بأعجب من فلق البحار الأوائل
وكتب العلاء إلى أبي بكر أما بعد فإنَّ الله ﵎ فجر لنا الدهناء فيضاً لا ترى غوار به وأرانا آية وعبرة بعد غم وكرب لنحمد الله تعالى ونمجده فادع الله واستغفره لجنوده وأعوان دينه فحمد أبو بكر الله ودعاه وقال أن شأن هذا الفيض من عظيم الآيات وما سمعنا به في أمة قبلها اللهم أخلف محمداً ﷺ فينا وكتب العلاء إلى أبي بكر بالفتح.
ردة عمان ومهرة
ولى رسول الله عليه وسلم على أهل عمان حين أسلموا جيفرا وعياذ ابني الجلندي وكان قد نبغ في عمان لقيط بن مالك الأزدي فلما توفي رسول الله صلى الله عليه ادعى النبوة فتبعه كثير من أهل عمان فخافه ابنا الجلندي فبعثا إلى أبي بكر بذلك فأرسل إليهما حذيفة ابن محصن وعرفجة بن هرثمة وعكرمة بن أبي جهل فالتقوا بلقيط واقتتلوا قتالاً شديداً كاد
стр. 351
ينهزم فيه المسلمون لولا أن من الله عليهم بمدد من بني ناجية فنصر الله المسلمين وخذل المرتدين وقتل منهم خلق كثير ثم أقام حذيفة بعمان يسكن الناس وسار عكرمة إلى مهرة فوجد أهلها قسمين مختلفين فكاتب أحد القسمين فرجع إلى الإسلام وبقي الآخر على ردته فقاتله حتى هزمه وسارعوا إلى اليمن للقاء المهاجرين أبي أمية كما عهد إليهم أبو بكر ﵁.
ردة اليمن ثانية
كان على اليمن أيام الأكاسرة باذان الفارسي فلما فتحها رسول الله صلى الله وسلم أبقاه عليها.
ولما مات قسم ﵊ عمله على نفر من الصحابة وولى ابنه شهر على صنعاء فقبل وفاة رسول الله ﷺ ثار رجل باليمن اسمه عبهلة ولقبه الأسود وادعى النبوة فأجابته قبيلة مذحج وتوجه إلى صنعاء فقتل شهربن باذان واستولى على ما بين صنعاء وحضرموت من الجنوب إلى أعمال الطائف من الشمال إلى البحرين من الشرق واستفحل أمره فبلع ذلك رسول الله ﷺ فأرسل إلى الأبناء (قوم من الفرس أقاموا باليمن) وعماله باليمن أن يقوموا بقتال الأسود وقتله إما غيلة أو مصادمة فقتله فيروز وداذويه من الأبناء بمساعدة زوجته ليلاً وأقام أصحاب الأسود بعده يترددون بين صنعاء وعدن لا يأؤون إلى أحد وتراجع عمال رسول الله ﷺ إلى أعمالهم وبعثوا إلى المدينة بالخبر فوصل البريد وقد توفي رسول الله ﷺ فكانت هذه أول بشارة أتت أبا بكر ﵁.
ولما شاع خبر الوفاة ارتد قيس من عبديغوث وكاتب المنهزمين من جنود الأسود فاجتمعوا إليه فقاتل بهم الأبناء وغدر بداذويه أحد عمال النبي ﷺ وقتله فاستعان الأبناء ببعض القبائل وقاتلوه وفي أثناء قتاله وافاهم المهاجر بن أبي أمية وعكرمة بن أبي جهل بالجنود فساعدوا الأبناء على قتال قيس حتى هزموه وأسروا قيسا وعمرو بن معد كرب الزبيدي وكان قد ارتد وتبع الأسود العنسي وسيروهما إلى أبي بكر فلما قدما عليه قال يا قيس قتلت عباد الله واتخذت المرتدين وليجة من دون المؤمنين فأنكر أن يكون قارف من أمر داذويه شيئاً وكان قتله سراً فتجافى له عن دمه وقال لعمرو إما تستحي أنك
стр. 352
كل يوم مهزوم أو مأسور لو نصرت هذا الدين لرفعك الله فقال لاجرم لأقبلن ولا أعود ثم رجعا إلى عشائرهما وأما المهاجر فتتبع جنود الأسود وقتلهم بكل مكان حتى لم تقم لهم قائمة وكانت مدة الأسود إلى أن هلك قريباً من أربعة أشهر.
إلى هنا انتهت حروب الردة وكان من نتيجتها أن ثاب العرب إلى السكون والتفوا حول الإسلام ووقعت هيبته في قلوبهم وعرفوا أنه الحق لا يقاوم ولا تقف في سبيله العثرات مهما عظمت أدعى رؤساؤهم القوة فأظهر الله عجزهم وادعى مشعوذوهم النبوة فاتضح كذبهم وافتراؤهم أرم ببصرك نحو هذه الجموع العظيمة كيف ناوأت المسلمين وهم قليلو العدد والعدد وكيف كانت الغلبة لهم على هذه الجيوش الكثيرة والعنصر واحد والمحيط واحد مما يدلنا على أن الله ينصر من ينصره ويؤيد من يدعو لدينه مهما كثر الصادون عن سبيله فاللهم وفقنا لخدمة دينك وأجز أبا بكر عن الإسلام ما هو أهله.
стр. 353
التقريظ والانتقاد
الرائية الكبرى للعلامة النبهاني
المؤلفون في هذا الدور من الزمن من أكثرهم يؤلف للتجارة ومعلوم أن التاجر يجلب ما يرى رواجه لاما يتحقق فائدته وغنائه لذلك كثرت بيننا التآليف السخيفة كالروايات والقصص الهزلية وأمثالها مما يضيع الوقت به سدى ولا يأتي بفائدة للقارئ إن لم يعد عليه بضرر كأن يعتقد أمر واقعاً وهو غير واقع ويكون من الأمور التي يترتب عليها حكم شرعي والشعب لقلة علمه ونضوب فهمه لعدم تعهد أهل العلم الحقيقيين له بالمواعظ يروج بينه هذا النوع من المؤلفات وتجار التأليف مازالوا كل يوم يتحفون هذا المجتمع بشيء جديد من هذه السخافات.
وقسم من المؤلفين وهو أقل من الأول يؤلف لينشر بدعة أو ليروج ضلالة وهذا القسم يروج عند فريق قليل من الناس وقد يدعون العامة إليه ليزحزحوهم عن الصراط السوي. وندر جداً من يؤلف ليفيد علماً ويستفيد مثوبة وأجراً من هؤلاء المؤلفين العلامة الأستاذ الفاضل الشيخ يوسف أفندي النبهاني من أجلة علماء بيروت وصالحيها ومصلحيها فهو حفظه الله مازال يؤلف ما يتحقق أن فيه فائدة للمسلمين، وتثبيتاً لإيمانهم وحفظاً لعقائدهم، وتطهيراً لقلوبهم وقد طبع له من المؤلفات ما يشهد بطول باعه وغزارة عمله وحبه للدين وأهله وبغضه للبدع ومنتحليها والضلالات ومروجيها وقد أطلعنا أخيراً على كتاب مطبوع بمصر محتوٍ على ثلاث رسائل الأولى منها الرائية الكبرى وهي تبلغ ما ينوف على السبعمائة بيت كلها غرر وفيها من حسن السبك ورقة المعاني وبلاغة الأسلوب ما يشهد للمؤلف الأستاذ حفظه الله بالتفوق على كثير من الشعراء الذين أفنوا عمرهم بنظم الشعر دون مشاركة فن غيره من الفنون وقد حوت كثيراً مما تمس إليه الحاجة من العقائد الحقة والسيرة النبوية والأخلاق الفاضلة وأحسن ترجمة لها أن ننقل للقارئ قسماً منها فليس الخبر كالخبر وماراء كمن سمعا قال أمده الله بروح منه في مطلعها:
بربك ذكرهم عسى تنفع الذكرى ... فكم نعم أجدى وكم منن أجرى
وأعظمها دين النبي محمد ... هو النعمة العظمى هو المنة الكبرى
* * *
стр. 354
وقال في تنزيهه تعالى:
تقدس عن أن يعلم الخلق كنهه ... وأن يدركوا من علمه غير ما أجرى
ولا العرش يدريه ولا هو حله ... ولكن براه مثلما برأ الذرا
عليه استوى كيف استوى ليس عرشه ... بهذا درى فيه خليفته حيرى
وهل قط مصنوع بصانعه درى ... لقد ضل عبد يدعيه ومابرا
وسل إن تشأ عن ناسج من نسيجه ... وعمن بنى قصراً فسل ذلك القصرا
إذا كان كل حارثاً كصنيعه ... ولم يدره فالله أعظم أن يدرى
وللعقل حد لا يجاوزه كما ... لأبصارنا حد ترى بعده حسرى
* * *
وقال في مدح الرسول الأعظم ﷺ :
جزى الله عنا خير ما كان جازياً ... أبا القاسم المختار خير الورى طرا
فلولاه لم تبرح عقائد ديننا ... ملوثة شركاً ملطخة كفرا
هدانا به والجاهلية قد طغت ... وقد غمر الأقطار طوفانها غمرا
هدانا به والناس في ليل شركهم ... فاطلع دين الله ما بينهم فجرا
هدانا به والناس ما بين عابد ... لشمس ومن دانوا الكواكب والدهرا
هدانا به والسود كالبيض كلهم ... وحوش نعم والصفر قد اشبهوا الحمرا
هدانا به والعرب ما بين شاعر ... ومن عبد الأصنام أو عبد الشعرى
هدانا به والفرس بالنور وقد غووا ... له نسبوا خيراً وللظلمة الشرا
وكم عبدوا كالهند ناراً تأججت ... وكم عبدوا عجلاً وكم عبدوا ثورا
* * *
ومنها في مدح المجاهدين من المهاجرين والأنصار:
ولما اشترى الرحمن منه ومنهم ... بجنته هاتيكم الأنفس الطهرا
غداً ربحهم أعلى وأغلى تجارة ... فأعظم به ربحاً وأكرم بهم تجرا
فكم جاهدوا في نصرة الدين كافراً ... وخاضوا إليه الحرب والحر والقرا
وما نفروا يوم الوغى من عدوهم ... بل في سبيل الله قد نفروا نفرا
стр. 355
وبروا بغزوا البر في كل وجهة ... وبالحرب خاضوا البحر واستغرقوا العمرا
ربيع خريف صيفهم كشتائهم ... فلم يرهبوا بردا ولم يرهبوا حرا
وكم رمضان جاءهم ما تسحروا ... وقد أطعموا أسمر القنا النحر والسحرا
وصاموا وما صاموا عن الطعن في العدا ... ولكن على أرواحهم جعلوا الفطرا
وأصبح فطر الشرك عيداً لفطرهم ... سعيداً ونحر المشركين غدا نحرا
وقد زهدوا في مالهم وجمالهم ... ما عشقوا بيضا ولا عشقوا صفرا
أحب إليهم لثم سيف مورد ... بحمر الدما من لثم وجنتها الحمرا
سل البيض والسمر العوالي عنهم ... وسل عنهم الحمر المذاكي والشقرا
فكم خفضوا بالكسر رأساً لمشرك ... وكم للعد أجروا كتائبهم جرا
وكم رفعوا رمحاً مهنداً ... وكم نصبوا حرباً وكم فتحوا ثغراً
* * *
ومنها في مدح الآل والأصحاب:
وأصحابه لا يبلغ الناس مدهم ... ولا نصفه لو أنفقوا أحداً تبرا
نجوم هدى من شمسه اقتبسوا الضيا ... وقد نشروا في الناس أنواره نشرا
* * *
وقال في وجوب تأييد العقل للدين:
وكيف بلا عقل يكون تدين ... إذن كلفوا المجنون والطفل والعيرا
أليس مدار الدين عقلاً مكملاً ... ليدرك حكم الله والنفي والأمرا
عبارة فوق العقل سجن مضيق ... لقد حصروهم في مضايقه حصرا
* * *
ومنها في ذكر مخترعات الإفرنجة وكونها حقيرة محدودة:
على يدهم أبدى القدير بفضله ... من الخلق من آثار قدرته قدرا
كقطرة بحر من بحر اقتداره ... إلى الناس أجراها فكانوا لها مجرى
لها افتتنوا كالخمر طاشت عقولهم ... بها وبها زادوا على سكرهم سكرا
على أنها في الكون لا في مكون ... . . وصلت للب بل خصت القشرا
следующие страницы →