← Джавами‘

Джавами‘ · id 29676

مجلة الحقائق

عبد القادر الإسكندراني

Полный текст (1 077 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ينهزم فيه المسلمون لولا أن من الله عليهم بمدد من بني ناجية فنصر الله المسلمين وخذل المرتدين وقتل منهم خلق كثير ثم أقام حذيفة بعمان يسكن الناس وسار عكرمة إلى مهرة فوجد أهلها قسمين مختلفين فكاتب أحد القسمين فرجع إلى الإسلام وبقي الآخر على ردته فقاتله حتى هزمه وسارعوا إلى اليمن للقاء المهاجرين أبي أمية كما عهد إليهم أبو بكر ﵁. ردة اليمن ثانية كان على اليمن أيام الأكاسرة باذان الفارسي فلما فتحها رسول الله صلى الله وسلم أبقاه عليها. ولما مات قسم ﵊ عمله على نفر من الصحابة وولى ابنه شهر على صنعاء فقبل وفاة رسول الله ﷺ ثار رجل باليمن اسمه عبهلة ولقبه الأسود وادعى النبوة فأجابته قبيلة مذحج وتوجه إلى صنعاء فقتل شهربن باذان واستولى على ما بين صنعاء وحضرموت من الجنوب إلى أعمال الطائف من الشمال إلى البحرين من الشرق واستفحل أمره فبلع ذلك رسول الله ﷺ فأرسل إلى الأبناء (قوم من الفرس أقاموا باليمن) وعماله باليمن أن يقوموا بقتال الأسود وقتله إما غيلة أو مصادمة فقتله فيروز وداذويه من الأبناء بمساعدة زوجته ليلاً وأقام أصحاب الأسود بعده يترددون بين صنعاء وعدن لا يأؤون إلى أحد وتراجع عمال رسول الله ﷺ إلى أعمالهم وبعثوا إلى المدينة بالخبر فوصل البريد وقد توفي رسول الله ﷺ فكانت هذه أول بشارة أتت أبا بكر ﵁. ولما شاع خبر الوفاة ارتد قيس من عبديغوث وكاتب المنهزمين من جنود الأسود فاجتمعوا إليه فقاتل بهم الأبناء وغدر بداذويه أحد عمال النبي ﷺ وقتله فاستعان الأبناء ببعض القبائل وقاتلوه وفي أثناء قتاله وافاهم المهاجر بن أبي أمية وعكرمة بن أبي جهل بالجنود فساعدوا الأبناء على قتال قيس حتى هزموه وأسروا قيسا وعمرو بن معد كرب الزبيدي وكان قد ارتد وتبع الأسود العنسي وسيروهما إلى أبي بكر فلما قدما عليه قال يا قيس قتلت عباد الله واتخذت المرتدين وليجة من دون المؤمنين فأنكر أن يكون قارف من أمر داذويه شيئاً وكان قتله سراً فتجافى له عن دمه وقال لعمرو إما تستحي أنك

стр. 352

كل يوم مهزوم أو مأسور لو نصرت هذا الدين لرفعك الله فقال لاجرم لأقبلن ولا أعود ثم رجعا إلى عشائرهما وأما المهاجر فتتبع جنود الأسود وقتلهم بكل مكان حتى لم تقم لهم قائمة وكانت مدة الأسود إلى أن هلك قريباً من أربعة أشهر. إلى هنا انتهت حروب الردة وكان من نتيجتها أن ثاب العرب إلى السكون والتفوا حول الإسلام ووقعت هيبته في قلوبهم وعرفوا أنه الحق لا يقاوم ولا تقف في سبيله العثرات مهما عظمت أدعى رؤساؤهم القوة فأظهر الله عجزهم وادعى مشعوذوهم النبوة فاتضح كذبهم وافتراؤهم أرم ببصرك نحو هذه الجموع العظيمة كيف ناوأت المسلمين وهم قليلو العدد والعدد وكيف كانت الغلبة لهم على هذه الجيوش الكثيرة والعنصر واحد والمحيط واحد مما يدلنا على أن الله ينصر من ينصره ويؤيد من يدعو لدينه مهما كثر الصادون عن سبيله فاللهم وفقنا لخدمة دينك وأجز أبا بكر عن الإسلام ما هو أهله.

стр. 353

التقريظ والانتقاد الرائية الكبرى للعلامة النبهاني المؤلفون في هذا الدور من الزمن من أكثرهم يؤلف للتجارة ومعلوم أن التاجر يجلب ما يرى رواجه لاما يتحقق فائدته وغنائه لذلك كثرت بيننا التآليف السخيفة كالروايات والقصص الهزلية وأمثالها مما يضيع الوقت به سدى ولا يأتي بفائدة للقارئ إن لم يعد عليه بضرر كأن يعتقد أمر واقعاً وهو غير واقع ويكون من الأمور التي يترتب عليها حكم شرعي والشعب لقلة علمه ونضوب فهمه لعدم تعهد أهل العلم الحقيقيين له بالمواعظ يروج بينه هذا النوع من المؤلفات وتجار التأليف مازالوا كل يوم يتحفون هذا المجتمع بشيء جديد من هذه السخافات. وقسم من المؤلفين وهو أقل من الأول يؤلف لينشر بدعة أو ليروج ضلالة وهذا القسم يروج عند فريق قليل من الناس وقد يدعون العامة إليه ليزحزحوهم عن الصراط السوي. وندر جداً من يؤلف ليفيد علماً ويستفيد مثوبة وأجراً من هؤلاء المؤلفين العلامة الأستاذ الفاضل الشيخ يوسف أفندي النبهاني من أجلة علماء بيروت وصالحيها ومصلحيها فهو حفظه الله مازال يؤلف ما يتحقق أن فيه فائدة للمسلمين، وتثبيتاً لإيمانهم وحفظاً لعقائدهم، وتطهيراً لقلوبهم وقد طبع له من المؤلفات ما يشهد بطول باعه وغزارة عمله وحبه للدين وأهله وبغضه للبدع ومنتحليها والضلالات ومروجيها وقد أطلعنا أخيراً على كتاب مطبوع بمصر محتوٍ على ثلاث رسائل الأولى منها الرائية الكبرى وهي تبلغ ما ينوف على السبعمائة بيت كلها غرر وفيها من حسن السبك ورقة المعاني وبلاغة الأسلوب ما يشهد للمؤلف الأستاذ حفظه الله بالتفوق على كثير من الشعراء الذين أفنوا عمرهم بنظم الشعر دون مشاركة فن غيره من الفنون وقد حوت كثيراً مما تمس إليه الحاجة من العقائد الحقة والسيرة النبوية والأخلاق الفاضلة وأحسن ترجمة لها أن ننقل للقارئ قسماً منها فليس الخبر كالخبر وماراء كمن سمعا قال أمده الله بروح منه في مطلعها: بربك ذكرهم عسى تنفع الذكرى ... فكم نعم أجدى وكم منن أجرى وأعظمها دين النبي محمد ... هو النعمة العظمى هو المنة الكبرى * * *

стр. 354

وقال في تنزيهه تعالى: تقدس عن أن يعلم الخلق كنهه ... وأن يدركوا من علمه غير ما أجرى ولا العرش يدريه ولا هو حله ... ولكن براه مثلما برأ الذرا عليه استوى كيف استوى ليس عرشه ... بهذا درى فيه خليفته حيرى وهل قط مصنوع بصانعه درى ... لقد ضل عبد يدعيه ومابرا وسل إن تشأ عن ناسج من نسيجه ... وعمن بنى قصراً فسل ذلك القصرا إذا كان كل حارثاً كصنيعه ... ولم يدره فالله أعظم أن يدرى وللعقل حد لا يجاوزه كما ... لأبصارنا حد ترى بعده حسرى * * * وقال في مدح الرسول الأعظم ﷺ : جزى الله عنا خير ما كان جازياً ... أبا القاسم المختار خير الورى طرا فلولاه لم تبرح عقائد ديننا ... ملوثة شركاً ملطخة كفرا هدانا به والجاهلية قد طغت ... وقد غمر الأقطار طوفانها غمرا هدانا به والناس في ليل شركهم ... فاطلع دين الله ما بينهم فجرا هدانا به والناس ما بين عابد ... لشمس ومن دانوا الكواكب والدهرا هدانا به والسود كالبيض كلهم ... وحوش نعم والصفر قد اشبهوا الحمرا هدانا به والعرب ما بين شاعر ... ومن عبد الأصنام أو عبد الشعرى هدانا به والفرس بالنور وقد غووا ... له نسبوا خيراً وللظلمة الشرا وكم عبدوا كالهند ناراً تأججت ... وكم عبدوا عجلاً وكم عبدوا ثورا * * * ومنها في مدح المجاهدين من المهاجرين والأنصار: ولما اشترى الرحمن منه ومنهم ... بجنته هاتيكم الأنفس الطهرا غداً ربحهم أعلى وأغلى تجارة ... فأعظم به ربحاً وأكرم بهم تجرا فكم جاهدوا في نصرة الدين كافراً ... وخاضوا إليه الحرب والحر والقرا وما نفروا يوم الوغى من عدوهم ... بل في سبيل الله قد نفروا نفرا

стр. 355

وبروا بغزوا البر في كل وجهة ... وبالحرب خاضوا البحر واستغرقوا العمرا ربيع خريف صيفهم كشتائهم ... فلم يرهبوا بردا ولم يرهبوا حرا وكم رمضان جاءهم ما تسحروا ... وقد أطعموا أسمر القنا النحر والسحرا وصاموا وما صاموا عن الطعن في العدا ... ولكن على أرواحهم جعلوا الفطرا وأصبح فطر الشرك عيداً لفطرهم ... سعيداً ونحر المشركين غدا نحرا وقد زهدوا في مالهم وجمالهم ... ما عشقوا بيضا ولا عشقوا صفرا أحب إليهم لثم سيف مورد ... بحمر الدما من لثم وجنتها الحمرا سل البيض والسمر العوالي عنهم ... وسل عنهم الحمر المذاكي والشقرا فكم خفضوا بالكسر رأساً لمشرك ... وكم للعد أجروا كتائبهم جرا وكم رفعوا رمحاً مهنداً ... وكم نصبوا حرباً وكم فتحوا ثغراً * * * ومنها في مدح الآل والأصحاب: وأصحابه لا يبلغ الناس مدهم ... ولا نصفه لو أنفقوا أحداً تبرا نجوم هدى من شمسه اقتبسوا الضيا ... وقد نشروا في الناس أنواره نشرا * * * وقال في وجوب تأييد العقل للدين: وكيف بلا عقل يكون تدين ... إذن كلفوا المجنون والطفل والعيرا أليس مدار الدين عقلاً مكملاً ... ليدرك حكم الله والنفي والأمرا عبارة فوق العقل سجن مضيق ... لقد حصروهم في مضايقه حصرا * * * ومنها في ذكر مخترعات الإفرنجة وكونها حقيرة محدودة: على يدهم أبدى القدير بفضله ... من الخلق من آثار قدرته قدرا كقطرة بحر من بحر اقتداره ... إلى الناس أجراها فكانوا لها مجرى لها افتتنوا كالخمر طاشت عقولهم ... بها وبها زادوا على سكرهم سكرا على أنها في الكون لا في مكون ... . . وصلت للب بل خصت القشرا

стр. 356

بها كشفوا عن بعض ما هو كامن ... من السر سر الله في خلقه سترا وأسراره في كل شيء كثيرة ... وقد تنجلي طوراً ولا تنجلي طورا وإن أنكروا من غيهم خلق ربنا ... جميع الذي فيهم وفي غيرهم أجرى فقولوا لهم فليخلقوا لشعيرة ... ومنهم أصول الخلق أو يخلقوا برا ولن يقدروا لو أفرغوا كل وسعهم ... مدى الدهر في التخليق أن يخلقوا شعرا وكل اختراع جاء منهم فاصله ... من الله مخلوق فما صنعوا غيرا ولكنه أوصافه قد تبدلت ... وخالق أصل خالق كل ما يطرأ ومع كونهم في الطب فاقوا وخيلوا ... بتصوير أمر كونه ذلك الأمرا لو اجتمعوا من أول الدهر جملة ... لما اخترعوا روحاً إذا صوروا ذرا وقد صوروا عيناً لفاقد نورها ... وما صوروا نوراً فما برحت عورا وكم من صحيح مات إذ تم عمره ... وقد حكموا أن لا يرى ميتاً دهرا وكم من سقيم قرروا حتم موته ... فعاش برغم من قواعدهم وعمرا عجائبهم مهما تعاظم شأنها ... أقل شؤون الحق يجعلها صغرى * * * ومنها في نصيحة المسلمين وتحذيرهم من التفرنج: فيا أمة الإسلام في الدين مجدكم ... وقد أدركت أعداؤكم ذلك السرا عقاربهم دبت لكم فتحفظوا ... ولا تحسبوا جمراً أتوكم به تمرا وقد زعموا مع لينهم حب خيركم ... فلا تخدعوا من في الأفاعي رأى خيرا ألا انتبهوا فالقوم دسوا لدينكم ... دسائس كفر قد تغو امرأ غرا وأعظمها شراً مدارس في القرى ... وفي البدو والأمصار قد نشرت نشرا تربي لكم أطفالكم في حجورها ... وقد جعلت درس الضلال لهم درا فصار كثير منهم مثل أهلها ... سوى الزي والأسماء واتحدوا كفرا ألا فانظروا كم أخرجت من بنيكم ... زنادقة جاروا على دينكم جورا وصاروا من الأعداء لا فرق بينهم ... سوى أنهم في الدين أعظمهم ضرا وهم كل يوم بازدياد ودينكم ... يزيد بهم نقصاً وربحكم خسرا

стр. 357

فكيف بمن يأتون بعد عصركم ... إذا دام هذا فالعنو ذلك العصرا وكم نادم من وضع أولاده بها ... وقد سبقت أسيافها العذل والعذرا ألا انتبهوا ما قد مضى غير عائد ... وبالحزم بعد اليوم فاستقبلوا الأمرا ومن يدعي الإسلام وهو مثابر ... على الغي لم يبرح به الشهر والدهرا وليس له أعمال خير فؤاده ... بأنوارها يبيض من بعد ما اغبرا فلا صام لا صلى ولا حج لإله ... زكاة ولا أعمال بر بها برا كمن قد تربى في مدارس شيدت ... لتخريب دين الله عاش بها عمرا فصار يحب الكافرين وشبههم ... يرى لذة في قربهم ويرى فخرا مناسبة قد الفت بين أهلها ... تجر إلى الأشكال أشكالهم جرا ويكره أهل الدين حتى قريبه ... ولاسيما من كان أشعث مغبرا وما ذنبهم إلا تمدنهم وهم ... على فطرة الإسلام قد فطروا فطرا فإسلام هذا مثل ثوب مزور ... رقيق فمن يكساه في حكم من يعرى فذلك عريان وإن كان كاسياً ... وأفضل منة مؤمن من لبس الطمرا وكم هالك في الكافرين عناده ... وإن كان بين المسلمين حوى قبرا نعم علموا أولادكم كل نافع ... من العلم إن العلم أعظم أن يزرى ولاسيما ما فيه تأييد دينكم ... فأعداؤكم بالعلم قد ملكوا الأمرا أعدوا لهم من قوة ما استطعتم ... فلا يقبل المولى لإهمالكم عذرا ومن دون علم كيف تحصل قوة ... نكف بها عنا من المعتدي الضرا فيلزمنا بالمال والحال كسبها ... وبالعلم أن العلم آلتها الكبرى ولكن حفظ الدين شرط محتم ... فللأخير في الدنيا إذا ضاعت الأخرى ولا تيأسوا من رحمة الله أنكم ... متى ما أطلعتم ربكم جبر الكسرا وهذا الذي من سخطة تشهدونه ... جرائدكم ردت فجرت لكم جمرا وكم صالح فيكم ولكن فتنة ... بها كثر الأخباث عممت الشرا وينصركم أن تنصروه بطاعة ... بأن تتبعوا من شرعه النهي والأمرا ألم تعهدوه ناصراً عند نصركم ... له فبترك النصر قد ترك النصرا

стр. 358

فعودوا يعد فهو الكريم وإنه ... إذا اعتذر الجاني له يقبل العذرا والقصيدة كلها غرر. فنثني على الأستاذ الناظم أكثر الله من أمثاله، ونحث كل محب على مطالعتها، واقتباس فوائدها. القراءة العربية في المعلومات المدنية كتاب نشر في بيان التعاليم الاجتماعية. ترجمه من التركية إلى العربية الفاضل السيد عبد القادر أفندي المبارك معلم القسم الديني في المكتب الإعدادي الملكي في هذه الحاضرة وقد تصفحنا أكثره وجدناه حافلاً بالمسائل المفيدة. سهل العبارة حسن الأسلوب فنحض على اقتنائه. ونسدي جامعه شكراً جزيلاً. وفقنا الله جميعنا لخدمة الأمة والعمل بما يعلي شأنها.

стр. 359

العدد ١٣ - بتاريخ: ٢٥ - ٨ - ١٩١١

стр. 360

وظائف العلماء يجب على العلماء نحو الأمة أمور ثلاثة (أولها) العمل بما علموا ليكون ذلك أدعى لقبول ما يأمرون به وإلا حارت الأمة بين أن تقتدي بأعمالهم أو أقوالهم وأحر بالعالم إذا أمر وائتمر ونهى وانتهى أن يقبل قوله ويعمل بإرشاده وإلا فهو (طبيب يداوى الناس وهو سقيم) قال الله تعالى: [أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون] وقال ﵊: أشد الناس عذاباً يوم القيامة عالم لم ينفعه علمه. واستعاذ ﵊ من أربع أولاها من علم لا ينفع. وقال ﷺ : أن أناساً من أهل الجنة ينطلقون إلى أناس من أهل النار فيقولون بم دخلتم النار فوالله ما دخلنا الجنة إلا بما تعلمنا منكم فيقولون أنا كنا نقول ولا نفعل. إلى غير ذلك من الأحاديث الصحيحة التي ظاهرها التغليظ والوعيد الشديد لمن لم يعمل بعلمه على أن ترك العمل بالعلم داعٍ لنفرة الناس وأعراضهم عن الأوامر والنواهي ولله در القائل: يا أيها الرجل المعلم غيره ... هلا لنفسك كان ذا التعليم تصف الدواء لذي السقام وذي الضنى ... كيما يصح به وأنت سقيم فابدأ بنفسك فانهها عن غيها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم لاتنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم (الثاني) الإصلاح بنشر العلم والمعنى أن يكون القصد بالنشر القيام بما يجب عليه من إيصال أمانة العلم إلى مستحقيها من غير التفات إلى حب الشهرة أو أمل بنوال شيء من حطام الدنيا أو رغبة بالعظمة والتعالي إلى غير ذلك من شهوات النفس الأمارة (الثالث) الاجتهاد بإيصال هذه الأمانة (العلم) إلى أهلها. وأهلها كل محتاج إليها وجاهل بها وحائد عن طريقها. فينبغي السعي بكل الطرق الممكنة لتعليم الجاهل والأخذ بيد الحائد ليهدى الطريق الأقوم ولا يظن أن قعود العالم في كسر بيته وأجابته الناس عما يسألونه من أمور دينهم يكفي في أداء هذه الأمانة بل فاعل ذلك مقصر في وظيفته وربما استحق وعيد كاتم العلم لأن نشر العلم يفسر في كل زمان بما يلائمه ففي القرون الأولى حيث كانت البدع نادرة وروح الدين مستولية على الأفكار كانت إجابة السائل كافية في نشر العلم أما في هذا الزمن الذي انتشرت فيه البدع وزاد شيوعها وأخذ مروجوها يبعدون بالعامة عن طريق فلاحهم بما يلفقونه لهم من الشبه التي تقف سداً بينهم وبين الدين وأوامره فيتعين حينئذ على

стр. 361

العلماء أن يبثوا علمهم بأنجح الوسائل الممكنة فيقظونهم في المساجد والمدارس، ويغشونهم في منتدياتهم ومجتمعاتهم، ولا يدعون فرصة تذهب دون استمالتهم نحو الأخلاق الفاضلة، وإجلاء ماطرأ على فطرهم السليمة من الصدأ الذي سببه بعدهم عن أوامر الدين وهدايته ومتى قام العلماء بهذه الوظيفة المقدسة التي حملوا العلم لأجلها وأخلصوا بأدائها وعملوا بما علموا لا تلبث أن تبدو أعمالهم مكللة بالنجاح وتظهر كلمة الحق على الباطل، ولا ييأس أولئك الداعون إلى الخير من نجاح أعمالهم لما يصادفون في طريق دعوتهم من العقبات المانعة من تسلط الأشرار المتفرنجين الذين لا يريدون الدين ولا تدين، ويصدون أمة عن سبيله بكل ما في وسعهم فإن داعي الحق مسموع الكلمة مجاب الدعوة مهما حاول أنصار الباطل التنفير منه وتقبيحه. ومن يتصفح التاريخ ويرى ما لقي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من أممهم من الإعراض عن دعوتهم وتقبيح ما أتوا به من البينات والهدى وتعمد تحقيرهم إلى غير ذلك من ضروب الإيذاء ويرى أنهم عليهم الصلاة والسلام لم يصدهم ذلك عن الدأب على الإرشاد ولم ييأسوا من رد أممهم إلى الصراط السوي بل ظلوا مثابرين على تعهدهم بأنواع العظات وتذكيرهم بالله وآياته وإقامة الحجج على صدق مدعاهم. من ير ذلك كله يحكم بأن العلماء وهم (ورثة الأنبياء) مقصرون بوظائفهم مطالبون من الله تعالى ببث ما آتاهم من العلم محاسبون مسؤولون عن ذلك يوم القيامة. أخرج الترمذي بسند حسن عنه ﷺ لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة حتى يسأل عن خمس. عن عمره فيم أفناه وعن شبابه فيم أبلاه وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وماذا عمل فيما علم وفقنا الله جميعاً لامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، أنه خير مسؤول كريم.

стр. 362

شيء عن الأناضول الشرقي عادات وأخلاق تختلف العادات والأخلاق بين الأمم باختلاف الأقاليم والبلاد فما يستحسنه قوم من العادات يستقبحه آخرون ولو أمعنا النظر في عادات البلاد لوجدنا لكل بلدة عادة تمتاز بها عن الأخرى وبهذه المناسبة يجدر بنا أن نبحث قليلاً عن تأثير التمدن الحالي في أخلاق الأمم وهو بحث طالما تاقت النفس إليه ثم وجمت عنه لصعوبته - فنقول ليس التمدن في قوم إلا حصولهم على أسباب السعادة في الحياتين المادية والمعنوية وكان للمؤرخ ابن خلدون العمراني الشهير بحث في أسباب انحطاط الأمم بعد رقيها وتكلم على انقراض الدول بعد نجاحها فقال ما معناه: متى صارت الدولة غنية وتوفرت لديها وسائط الدعة والراحة مالت بكليتها للسرف والبذخ وانهمكت في الملاذ وفسدت أخلاقها فلا تلبث أن تضمحل وتنقرض هي وحضارتها: هذه القاعدة الاجتماعية كانت تنطبق على أحوال الأمم ودولها في زمن المؤرخ وقبله أما الآن وقد كاد التمدن يعم أقطار الأرض فلا سبيل للانقراض والاضمحلال سيما وأن كل دولة من الدول الحاضرة قد أعدت العدد الكاملة لصيانة حقوقها وحفظ كيانها بين الهيئات الاجتماعية وصار لها حظ وافر من الرقي المادي والمعنوي وقسط عظيم من التمدن والحضارة. (اللهم إلا بعض الدول الشرقية الغارقة في سبات الخمول والكسل ثم يوجد بين الدول المتمدنة روابط اجتماعية وعهود ومواثيق دولية يكفل لكل واحدة منها صيانة حقها في الغالب قلنا في الغالب لأن حقوق الدول لم تبن في الحقيقة إلا على أساس (الحكم لمن غلب) فالقوة إذاً هي التي تصون حق الدولة من أن يعبث به وتحفظ لها كيانها بين الدول ولما كانت قوات الدول الآن تكاد تكون متقاربة إن لم نقل متكافئة امتنع حينئذ تغلب دولة على أخرى وابتلاعها بتاتا كما يجري في القرون الأولى. بقي علينا قضية الانهماك في الملاذ وفساد الأخلاق فهذه القضية لا تزال مسلمة في كل عصر وفي كل أمة فالبلاد التي توفرت فيها أسباب العمران والحضارة وزادت ثروتها وتنوعت موارد الارتزاق والكسب فيها كثرت فيها ترايضاً الملاهي وانهمك سكانها في

стр. 363

الملاذ ومالوا للسرف والبذخ كما قال العلامة في مقدمته_أما الأخلاق الفاسدة فهي عندي على قسمين منها ما يكون له علاقة كبرى بالوسط الذي تعيش فيه المرأة مثل الكذب والافتراء وشهادة الزور والاحتيال والغش والسرقة والخيانة ومنها ما يتعلق بالشخص ويكون له علاقة أيضاً بالمجتمع الإنساني مثل معاقرة الخمر والاشتغال بالميسر والسفاح وغير ذلك من ارتكاب المنكرات. ثم من المعلوم المقرر أن الفضيلة في حد ذاتها فضيلة والرذيلة كذلك بيد أن قبح الشيء وحسنه يتوقفان على الألفة والعادة فالغريبون ألفوا مثلا معاقرة الخمر واعتادوا الاشتغال بالميسر وولعوا بالسفاح والفحش ولذلك لا يرون هذا العمل قبيحاً ولربما كان عندهم حسنا أما الشرق فيعده عملا قبيحا للغاية. وفي الغرب أيضاً يستأجرون الناس للافتراش إلى أمد معلوم بأجرة معلومة ولا يعدونه قبيحاً بل يعدونه من دواعي التمدن والمرأة هناك تزاحم الرجل في الملاهي والمسارح وتكاتفه وتخاصره فوق مسارح الرقص ولا يعيبها ذلك إلى غير هذا من العادات والأخلاق التي يضيق عن وسعها الطرش وتعد في الغرب من دواعي التمدن ونتائج الحضارة والعمران على أنها قبيحة جداً في نظر الشرقيين. ينتج معنا من هذه المقدمات أن التمدن يفسد بعض الأخلاق كما يصلح بعضها ففي البلاد الراقية يقولون أنه يقل الكذب والزور والخيانة والغش والخداع وتكثر أضدادها سيما احترام الشعور والعواطف ومراعاة سنن الاجتماع وحفظ آداب المعاشرة وبالجملة يقوم القانون المدني هناك مقام النواميس الشرعية وتقل العناية بأمر الدين ويندر الالتفات إليه. ثم يكثر هناك الفسق وإدمان الخمر والميسر وتزيد الخلاعة في النساء. يزيد بذخهن وتبرجهن ويكثر التردد على الملاهي والانغماس في الشهوات النفسانية أما البلاد التي قسطها من ذلك التمدن قليل فإنك ترى القضية فيها معكوسة نعم تكثر في هذه البلاد الشرور وتفسد الأخلاق التي لها علاقة كبرى كما قلنا بالمجتمع الإنساني ولكن يقل فيها الانهماك والميل للسرف والبذخ وسببه فقدان الوسائط فقط فمتى توفرت لديهم أسبابه أقدموا عليه لا محالة لأن النفس أمارة بالسوء ومطالبها كثيرة جداً في باب ملذاتها فهي لا تقنع بالقليل وليس لمطامعها في اللهو حد اللهم إلا النفوس التي أنشأت على الفضيلة منذ الصغر وشبت وشابت عليها.

стр. 364

إذا تنقلنا من بيوت الشعر في الصحراء إلى بيوت الحجر في القرى ومنها أتينا المدن الصغيرة ثم زرنا المدن من الشرق إلى الغرب نرى حينئذٍ الفرق الواضح بين عادات البلاد وتأثير التمدن في أخلاق الأمم وها أنا ذا واصف شيئاً من الأخلاق والعادات في الأناضول الشرقي فأقول: هذه البلاد تكاد تكون محرومة من وسائط النقل بل من وسائل التمدن والحضارة فالأخلاق والعادات هناك تغلب عليها السذاجة وهي أقرب إلى الفشيلة منها إلى الرذيلة ويعجبني تمسكهم في تلك البلاد بأهداب الدين تمسكاً حقيقياً لا يشوبه رياء. حتى أن الفقير منهم يخرج زكاة ما ملكته يداه ولهم عناية عظيمة بصلاة الجماعة وتلاوة القرآن الكريم سيما في شهر رمضان المبارك والرجل والمرأة متساويان في العبادة والأخلاق الفاضلة كما أن المسيحي لا يكون أقل تمسكاً بدينه من المسلم. أما الملاهي فيمكننا أن نقول لا أثر لها في تلك البلاد حتى أنها تندر جداً في مراكز الولاية وتقدم بتاتاً في مراكز الأقضية وأما أهل القرى فهم لا يعرفون معنى اللهو والملهى. وقد اتفق في قضاء (ناظمية) أن بعض الضباط هناك كانوا يقصدون القهوة في ليالي رمضان ويلعبون بالورق ترويضاً للنفس وقتلاً للوقت الطويل ولربما كانوا يقامرون مقامرة خفيفة جداً لا يعبأ بها وليست من الأهمية بمكان فاشترك معهم بعض شبان البلدة فثارت لذلك ثورة الغضب من السكان وطلبوا إلى الحكومة تعطيل القهوة ومنع المقامرة وإلا تفاقم الشر وعظم المصاب فلبت الحكومة طلبهم ومنعت المقامرة واللعب بالورق وحدث أيضاً أن مفتي البلدة جمعته الصدفة ببعض الشبان من المأمورين والأهالي خارج البلدة ومعم موسيقي قروي يزمر لهم وهم يصفقون له وينشدون بعض الألحان فتاقت نفس المفتي للسماع فجلس إليهم غير متعمد ولما شاع الخبر أن المفتي يجالس الشبان في الملاهي وأنه يصغي لسماع الألحان المطربة قامت عليه القيامة وسلقوه بألسنة حداد حتى اضطر أن يكفر عن سيئاته ويعدهم بأن لا يعود لمثلها وإن عاد فهو من الظالمين. أما المرأة في الأناضول فهي إذا خرجت من بيتها تكون متحجبة والحجاب هناك حجاب حقيقي يقصد به التستر الحقيقي فلا يكاد يرى من المرأة شيء تحت الحجاب حتى ولا تظهر تحته رشاقة قدها وانتظام هندامها وإذا مشت إلى الرياض ترويحاً للنفس وترويضاً

стр. 365

للبال فهي تمشي محفوفة بالوقار والحياء لا تبختر ولا تبرج في مشيها وهي لا تبدي زينتها للناظرين ولا تسحب ذيلها (الشاحط) أو ترفعه بيدها اليسرى ولتوكأ على الشمسية باليمنى وقناعها ثخين ولا فرق في ذلك بين المسلمة والمسيحية هناك حتى أنك لا تكاد تفرق بين المرأتين إلا باختلاف بعض الأزياء في الملبس. المرأة هناك جاهلة ومن عجيب ما اتفق لحكومة (جارسنجاق) أنها لما رأت الأرمن هناك يعنون بتهذيب بناتهم وتعليمهن وأن لهم مدرستين للبنات إحداهما راقية جداً قصدت أن تفتح مدرسة لبنات المسلمين وبعد عناء كبير تيسر لها ذلك فكان الساخطون عليها أكثر من الراضين عنها بيد أنهم مالبثوا أن عادوا على الهدى لما شاهدوا بناتهم يتدرجن في مدارج التهذيب وصار لهن حظ من الأدب والتربية والنظافة حتى أن أولئك الآبار الذين نقموا على الحكومة بسبب تلك المدرسة فتحوا بعد ذلك اكتتاباً وجمعوا بعض النقود فاشتروا بها ماكينة للخياطة وأخرى للتطريز. قلنا أن المرأة في الأناضول جاهلة ولكن ليس سبب جهلها الحجاب كما يتوهمه البعض بل سببه فقدان العلم ووسائطه وهنا نذكر بالمناسبة (والشيء بالشيء يذكر) ما يعن لنا في مسألة الحجاب فنقول ينبغي أن نعلم المرأة ولكن يجب علينا أن نحتفظ بحجابها وإن كان كلامنا هذا لا يروق بعض الشيء الجديد ورجال المستقبل الذين يودون أن نمزق حجاب المرأة بأظفار من حديد فإنه سيروق العقلاء من الأمة. ومن المضحكات أن يذهب بعضهم إلى أن الحجاب يمنع رقي المرأة وأنه إذا امتنع رقيها امتنع رقي الأمة التي تربيها تلك المرأة فنحن نقول أن الحجاب لا يمنع من رقي المرأة بتاتاً لأنه لا يمنع من تعلمها وتهذيبها بل يصون حقوقها ويحفظ مركزها الأدبي في الهيئة الاجتماعية ولا يخرج بها عن حدودها الطبيعية كما خرجت المرأة في الغرب والحجاب هو الضمانة الوحيدة لصيانة المرأة من التبرج والخلاعة والاسترسال في الملاهي ومزاحمة الرجل في معارك الحياة لأن على المرأة وظائف سامية في الهيئة الاجتماعية لا يجوز أن تشتغل بغيرها وهنا يعترض علينا منكرو الحجاب قائلين أن تحت الحجاب خلاعة وتبرجاً يفوقان الوصف وان الحجاب يساعد على ارتكاب المنكر أكثر من غيره فالمرأة المتحجبة تذهب لقضاء شهوتها وتعود من حيث لا يشعر بها أحد وأما إذا كانت مكشوفة الوجه فلا تجسر على الإتيان بهذا المنكر

стр. 366

لأنها تخشى أن يفضح أمرها وينكشف سترها ونحن نقول نعم قد يقع ذلك. ولكن خطأ صغيراً نادراً مثل هذا لا يقلل أهمية الحجاب وسيئة مثل هذه لا تمحو حسناته الكبيرة على حين أن المرأة التي يجوز لها الاختلاط بالرجال تكون معرضة كل آن لذلك الخطر الذي يتوهمه أصحابنا فإذا لم يكن للمرأة وازع من ضميرها ورادع من شرفها فلا الحجاب ولا عدمه يمنعانها من ارتكاب المنكر وأني لا عجب من قول القائلين بأن التعليم والتهذيب المدرسي يمنعان المرأة من الميل إلى شهواتها والانغماس في الملاهي والاسترسال للبذخ والسرف وأقول أن هذه سفسطة لا تنطبق مع نواميس الطبيعة البشرية ورقة إحساس المرأة وضعف إرادتها أليست المرأة هي المخلوق الضعيف الذي لا يمكن لجلساته الرفيقة أن تقاوم أقل حادثة من حادثات السكون؟ أليست هي التي تترنح لأقل نغمة من نغمات السرور وتحزن وتتألم لأقل طارق فجائي بل تحي وتسعد بالأمل والرجاء وتذبل وتذوي عند اليأس والقنوط فلا صبر لديها ولا جلد تلك طبيعة المرأة التي فطرت عليها وهذا تركيبها الجسماني وهذه حياتها الاجتماعية فليتق الله أولئك الذين يدعون أنهم أنصار المرأة وهم في الحقيقة أعداؤها الألداء ليتقوا الله في حرمانها من وظائفها التي خلقت لأجلها؛ إلى أن قال الكاتب: إن رفع الحجاب عن المرأة يدفعها للاختلاط بالرجل ومزاحمتها إياه في وظائفه ويفسد أخلاقها ويعطل جيد آدابها ويطوح بها في مهاوي الفسق والفجور وبالجملة فإنه يحيد بها عن طريق الهدى، ثم قال: أيها الأنصار هل يليق بكم أن تكلفوا المرأة بوظائف مهمة سامية مثل إدامة النسل وفيها ما فيها من أدوا الحمل والوضع والرضاع تلك الأدوار الهائلة ثم تكلفوها بتربية الأولاد وتسمونها المدرسة الأولى ثم بترتيب البيت وحسن إدارته ثم بخدمة الزوج خدمة حقة ومشاركتها إياه في السراء والضراء من أتعابه وأفراحه المعنوية هل يليق أن تكل بهذه التكاليف ثم ترفعوا عنها حجابها الذي يكفل لها حسن القيام بهذه الوظائف وتقذفوا بها في تيار المصائب الاجتماعية على ضعف جانبها ورقة شعورها؟ أما سمعتم ما قاله ويقوله علماء الغرب وفلاسفته في حق المرأة الغربية فما أحلى ذلك الفيلسوف الإنكليزي الذي قال (ينبغي أن تبقى المرأة امرأة ولا تخرج عن حدودها

стр. 367

الطبيعية، ولا سبيل على العمل بقول هذا الفيلسوف إلا بالحجاب. الحضارة أ. ح

стр. 368

مقالة خيالية في المفاضلة بين الشريف الرضي وأبي الطبيب المتنبي للعالم الفاضل صاحب الإمضاء يا رواة الشعر وناظميه وأئمة النثر وعالميه ونقدة الكلام نقد الصيرف للدرهم والدينار ومآل الأنام في محاسن الخطب وأحاسن الأشعار. لديكم يا شموس الأرض شمنا ... يد الآداب قد ألقت عصاها فإن لتصور الآداب أرضاً ... فأنتم قد حللتم في رباها وما الأشعار إلا ما رويتم ... فأخبار القريض بكم تباهى وما ترووه من خطب ونثر ... يشق على الأنام بأن يضاهى لازالت سماء أنديتكم زاهرة بكواكب العلوم ولا برج طير المسرة والألفة في رياض محافلكم يحوم. إني منذ أعوام غالها غول الانصرام انتظمت في سلك جماعة من آل البراعة واليراعة يتفاوضون في الأدب وفضله ويسعون في نظم ما انتثر من شمله فتعلقت بأهداب فكري أتأمل ألفاظه وفتكت بسويداء قلبي سيوف ألحاظه وأخذت بمجامع لبي جواهر فوائده وسحرت نهاي إذ حسرت اللثام وجوه خرائده فآليت إني لا أزال مردداً تلاوة ذكره دائباً سائر أوقاتي على الاهتمام بنظمه ونثره فوقع مني في النثر الاختيار وأكبر ظني أنه المختار على مقامات من فاز بالقدح المعلى من أسهم البلاغة وحاز المقام لا على من صياغة الإبداع وإبداع الصياغة وهو محمد أبو القاسم بن علي الحريري البصري الذي أعجز الأنام ولو كانت في ضوء مشكاته تسري. فكنت من النظر إليها بين الكوثر والجنان أو محاورة الأدباء ومغازلة الغزلان ثم طفقت أجيل الفكر في ميدان دواوين الشعراء وأستجيد محاسن أشعار الفصحاء فأجابني لسان حال أهل العلم والمعارف وأومأت إلي لواحظ من إليهم تسب اللطائف أن الدواوين ثلاثة من غير شك مريب ديوان أبي الطيب والبحتري وحبيب فعول رأيي منها على ديوان أبي الطيب أحمد فكنت كما ازددت تأملاً فيه الشكر بلاغة ناظمه وأحمد فلازمته لزوم عاشق أباحه الوصل لائمه وعكفت عليه عكوف شحيح ضاع في الترب خاتمه إلى أن جذب بيد التأنيب أطراف توجهي غليه أحد الأفاضل ولفت هوادى عزمي عن أن تطارد في مضمار

стр. 369

فصاحته وتناضل وقال عليك بديوان أبلغ الفصحاء وأفصح البلغاء أشعر الهاشميين الذين هم أفصح العرب العرباء إلا وهو الشريف الموسوي الحسيب النسيب الذي له لدى اقتسام البلاغة أوفر نصيب فإنه البحر الذي ليس لتياره ساحل والعبقري الذي لم يكن لغيره مساجل فركبت جواد الحيرة وجريت في حلبة الأوهام والعبقري الذي لم يكن لغيره مساجل فركبت جواد الحيرة وجريت في حلبة الأوهام وغدوت متردداً بين أقدام وأحجام إلى أن قرع باب مسمعي خبر وجود منتدى جليل تتغذي الألباب بدر معينة والسلسبيل فقصدناه لنتحاكم عند أعضائه أنصار القريض وأساة القول المريض فمذ حللنا رحبة الواسعة وانتظمنا في سلك أنجمه الساطعة قام صاحبي وأنشد: عليك بديوان الشريف فإنه ... إلى نظمه روض البلاغة ينسب ولازم إذا رمت القريض كتابه ... صباح مساء فهو عنقاء مغرب هو الويل إلا أن من كان عالماً ... به روضه بين الخلائق مخصب أو السحر لكن كل سحر محرم ... وذا يا بني الآداب والعلم يندب وليس بمحص فضل ماقد حواه من ... بديع فنون الشعر قس ويعرب فلا يكن لك عنه محيد إذا رمت أن تكون في الأدب وحيد ودع عنك نفاضة الجراب ولا يغرك خلب البرق ولمع السراب فكل الصيد في جوف الفرا وأين الثريا من الثرى. قلت: دع القول زور أو استقم يا مهذب ... فما كل غيث يمطر الأفق صيب لعمرك ما تقديم شعر الشريف أن ... تحققت ياذا الفضل ألا تعصب تمسك إذا ما شئت في النظم رفعة ... على كل ذي نظم يقول فيعجب بأهداب شعر صاغ در عقوده ... همام به لسن البلاغة تخطب أبو الطيب الفرد الذي شمس فضله ... بنسبتها شمس البسيطة كوكب قريض ترى شعر الكميت وجرول ... على قدم الآداب إبان يركب فدع عنك قول الزور وأشهد بأنه ... على غيره ذيل الفصاحة يسحب فاسرح في رياض شعره وخل عنك القيل والقال وكن ممن تفي في ظلال خمائل نظمه وقال: فإن من ثبت نبت ومن راغ رغبت عنه المعارف ونبت.

стр. 370

فلست له مثلا مدي الدهر لاقيا ... ومن ورد البحر استقل السواقيا قال: لقد جاوزت حداً يقصر عنه المجادل ويقف دون مداه كل معاند ومتحامل ماهذه الزخرفة التي لا يرضاها لنفسه إلا تقي ويعاف ورد زعافها من له قلب أو ألقى كأنك خلت أن تنميق كلامك يسري وزعمت أن سراب دعواك في غدير التمويه على البرية يجري. دع عنك زخرفة المقال فإنها ... لم يرض فيها غير غر جاهل واعلم بأنك إن أردت تحاملاً ... ترجع وأنت بصفقة المتحامل فالزور قول ما تحمل عبأه ... إلا امرؤ يأبى مقام الفاضل قلت: إليك فإن الحمق مني ومنك لا ... يفيد سوى الأضغان يا من يناظر ومن كان ذا حمق لدى الخصم تاركاً ... سبيل التأني فهو لاشك خاسر فهلم بنا إلى مورد الأنصاف وخلنا عن رنق الاعتساف ولندع طريق الخصام ونمسك ولنقل الحق لو على نفسي أو نفسك واعلم بأنك لن تجد مخالفاً أو مجتري يفضل شاعراً على أحمد أو حبيب أو البحتري بل الكل متفق على هذه المقالة ولا تتفق أمة الأدب على ضلاله. تمسك بأذيال الذين تقدموا ... عليك فليس البدر منهم بآفل إذا أنهل طل من عيون سمائهم ... فليس سحاب الفضل منك بهاطل فكن تابعاً آراء من قد بنوالنا المعالي ولا تتبع مقالة قائل قال: أيا من يروم علينا احتكام ... بتقليدنا الأقدمين العظام فحسبك إني بصير إذا ... رأيت مقالاً عراه سقام وإن كان قولاً صحيحاً له ... لدى كل شهم أجل احترام زلفت إليه ازدلاف فتى ... بحب المعالي غدا مستهام فعني إليك فلا أقتدي ... وإن جل قدراً مقام الإمام وهذا كلام الشريف فكن ... سميعاً إذا ما تكن ذا اعتيام فتسمع طير العلا صادحاً ... كلام الشريف شريف الكلام

стр. 371

قلت: أيامن تجرأ على الأقدم ... ين بالحط منهم بغير احتشام فما كان ظني بأن امرأ ... يقول بما قلت بين الأنام وهبك فريداً سما فكره ... ألست وحيداً وهذه فئام وحاشا تساوي جميع الورى ... وقد قال طه ﵇ بنفي اجتماع الأنام على ... خلاف صواب والالتئام على أنني طالب أن يبي ... ن فضل المجلي بهذا المقام فأوضح محاسن من قد ترى ... له الفضل تاجاً على كل هام قال: أرعني أذنك وأسمع، وشم برق محاسنه يسطع، أما الفخر فله فيه القدم الأعلى، وطريقته به هي الطريقة المثلى، فهو ذا افتخر سجد له كسرى، وقيصر وإن شئت الارتشاف من عذب بحره، وإن تتقلد بفرائد جوهره ودره، فإليك ما غرديه صادح نظامه، ونثر على عروس الآذان من فرائد المرجان ثغر كلامه، قال من فخرية له: خصيم من الأيام لي وشفيع ... كذا الدهر يعطي مرة ويطيع وبي ظمأ لولا العلى ما بللته ... وفي كل قلب غلة ونزوع وما أنا ممن يطلب الماء للصدى ... ويجمعني والواردين شروع رضاعي من الدنيا الممات فطامهُ ... وما نزح الثدي الغزير رضيع أبينا ولا ضيم أصاب أنوفنا ... وفي الأرض مصطاف لنا وربيع إذا أغدرت نفس الجبان بصبره ... حمتنا ذروع طلقة ودروع (لها بقية محمد أبو الخير الطباع)

стр. 372

صلاح الأمة بالدين اعتاد كثير من أرباب الأقلام الشكوى من فساد الخلاق، وضياع الفضائل والكمالات، وموت العواطف الشريفة وتراهم يبالغون في الأسى والأسف على الحالة التي وصلت إليها الأمة من الوهن والتقهقر والخور والضعف من غيران يبحثوا عن معرفة السبب الذي نزل بالأبصار فغشاها وبالنفوس فدساها وبالأفكار فأوقفها، وبالفضائل فأجلاها، ليهتدوا على جرثومة العلل فيتذرعوا بالوسائل في إزالتها ويمهدوا السبل في استئصال شأفتها. كاد هؤلاء الكتاب يبذرون روح اليأس في القلوب بكثرة ندبهم ونعيهم على الناس سوء حالهم وإنذارهم لهم وبيل منقلبهم، حتى ظل الواحد يتخيل أن دور صلاح الأمة قد انقضى، ونجم مجدها قدافل، بل ربما يقوم في فكرة استحالة النهوض من وهدة الانحطاط فيتأصل فيه فقد الآمال وترك صالح الأعمال والبعد عن الجد والارتياح إلى الكسل والانغماس في حمأة اللهو والعبث. نسمع لهم كل يوم صخباً ولجباً، ليس لها تأثير في تعديل طبع، أو تهذيب نفس، مدعين أنهم دعاة الخير زعماء الإصلاح وهم مع الأسف يستصرخون فلا يلبون ويجأرون فلا يجابون ولم ذلك؟ لأنهم لم يفهموا سبب الانحطاط فيبينو للأمة طرق نجاحها ويسلكوا في تربية عواطفها مسلك الحكيم الناصح العالم بمكان الضعف والقوة ولكنهم بدل ذلك أخذ ينددون بعلماء الأمة وأمرائها وكبرائهم وجعلوا أهم مباحثهم التنقيب عن عوراتهم وكشف الغطاء عن مساويهم وما اجترحوا من المخازي حتى جردوهم عن كل مزية فضيلة فانتزعت الثقة بهم من قلوب العامة والخاصة ووقر في نفوس الناس أنه ليس لهم في أمتهم مرجع يرجعون إليه عند الحيرة ولا موئل يعتصمون به وقت الشدة. لو بحث هؤلاء الكتاب بحثاً دقيقاً عن السبب الوحيد لما يشكونه من فساد الأخلاق وانحلال عرى العزائم وتراخي أواصر الروابط التي أفضت بالأمة إلى تأخرها لوجدوا (وايم الحق) الباعث لذلك هو الأعراض عن الدين وتعاليمه نبذ أحكامه ظهرياً. نعم أن الأمة انحرفت عن الأخذ بالدين وتركت التمسك بآدابه وسننه القويمة ومالت مع الأهواء واسترسلت في الشهوات حل بها من الأحن والبلايل ما أضحت معه في حاجة شديدة إلى العلماء العارفين بأحوال الأمم وارتقائها ليأخذ بيدها نحو تلك الذرة العليا والمنزلة

стр. 373

القصوى وليحيدوا بها عن طريق الغواية ويسلكوا بها منهاج الرشد والسعادة أفلا يجدر بم أيها الكتاب أن تيقظوا الأمة من سباتها وترشدوها إلى معالم دينها وتوقفوها على أحكام شريعة خالقها التي هي مصدر قواها ومنبع سعادتها وإكليل عزها ومجدها إلا تتقون الله في القيام بما ينفع الأمة في دينها ودنياها ويجعلها في أسمى مقام هذا كتاب الله ناطق بالحجة أمام وهدى ونور مبين يشهد لمن أخذ به وتمسك بأحكامه وينعي من حاد عنه وتنكب عن طريقه بسط لنا فيه من وسائل السعادة ومقاصد السيادة وأسباب ارتفاع الأمم وانحطاطها وضرب لنا من الأمثال لأجل العظة والاعتبار ومراعاة السنن الإلهية ما فيه بلاغ وكفاية لأولي الألباب هذه السنة المطهرة بين ظهرانينا ترشدنا إلى معاني الأمور وكرائم الخصال وتحثنا على فضائل العمال وفعل الخيرات وترك المنكرات هذا التاريخ يشهد أن الأمم ما تدرجت في مدارج الحضارة ولا اجتازت عقبات الحياة الوحشية إلا والدين قائدها ومرشدها والتدين مسخرها ومصرفها ألم يأن لكم أيها الكتاب أن تدأبوا في إصلاح شؤون الأمة وتقويم اعوجاج بالحض على اتباع السنة وقمع البدعة واقتفاء أثر السلف الصالح الذين عرفوا واجبات الدين وقيمة نفعه للبشر ولم يكن للأغراض الذاتية والشهوات النفسانية منفذ في نفوسهم ولا في خواطرهم بل كانت بغيتهم التفاني في ارتقاء الأمة وارتفاع مجدها وبقاء سؤددها فهم يتعهدونها بالحكمة والمواعظ الحسنة التي تؤثر في القلوب وتنشط النفوس للدأب في الجد والاجتهاد في الأعمال الصالحة وفقنا الله للقيام بواجب ديننا وأمدنا بروح منه تقيمنا على السبيل الأمثل والطريق المستقيم وفي الختام نقول: يا قوم كونوا يداً في الدين واحدة ... واستنصروا بالهدى فالحق قد ظهرا يا قوم ن تنصروا لله ينصركم ... ويرحم الله من للدين قد نصرا

стр. 374

التاريخ تابع ترجمة أبي بكر ﵁ ٧ فتح العراق لم يكد ينتهي سيدنا أبو بكر ﵁ من حروب الردة وجمع كلمة العرب على الإسلام حتى قام بهمته العلياء بجيش الجيوش وينازل جبابرة الملوك في عقر دارهم وثوقاً بوعد رسول الله ﷺ ستفتح عليكم فارس والروم حاملاً إليهم الدعوة إلى الإسلام دين الحق دين الحرية الحقيقية دين الفطرة دين العدل والمساواة ليخلص تلك الأمم التي كان أمراؤها يسومونها سوء العذاب ويعدون نفوسهم آلهة وأممهم عبيداً لينزع عن تلك الأمم الأغلال التي كانت عليها ويبعدها عن جور الحكام وخسف الظلام فتعيش آمنة مطمئنة لا تعبد إلا الله ولا تخاف إلا إياه ولم تكن الدعوة إلى الإسلام أمراً حتماً حتى تكون بمثابة الإكراه بل كان يخيرها بينه وبين الجزية وهي أن تدفع في كل سنة مالاً قليلاً وتكون حرة في عباداتها وتقاليدها على شروط مقررة في الشرع الشريف وهي في ذمة الله ورسوله لها ما للمسلمين وعليها ما عليهم فإن لم تقبل أحد الأمرين كان السيف هو الحكم الفصل لأنها لم يبقَ لها عذر تعتذر به فانتدب أبو بكر ﵁ البطل المغوار سيف الله خالد بن الوليد المخزومي وأمره أن يسير إلى العراف ويبدأ بالأبله وكتب إلى عياض بن غنم أن يقصد العراق أيضاً ويدخل من أعلاه ويسير حتى يلقى خالداً وكان المثنى بن حارثة الشيباني قدم على أبي بكر ﵁ ورغب إليه أن يستعمله على من أسلم من قومه ليغزو بهم أطراف فارس فكتب له أبو بكر بذلك فكان يغزوهم قبل قدوم خالد وأوصى أبو بكر خالداً وعياضاً ﵃ أن لا يضرا بفلاحي العراق حرصاً على منابع الثروة وأن يستنفرا من قاتل أهل الردة وأن لا يغزون معهما مرتد حتى يرى رأيه لإناء كان يرى أن لا يستعان بمن ارتد على الغزو وكتب أبو بكر على المثنى ومن معه ن يلحقا بخالد بالأبله فسار خالد حتى قارب الأبله والتقى بالمثنى ومن معه وكانوا ثمانية آلاف مقاتل وكان مع خالد عشرة آلاف مقاتل فكان الجيش ثمانية عشر ألفاً فقسمه على ثلاث فرق وسير الفرقتين أمامه وواعدهما الحفير وكان صاحبه عظيماً من عظماء الفرس اسمه

стр. 375

هرمز فلما سمع بخبر خالد كتب إلى أزدشير ملك الفرس بالخبر وتعجل بأصحابه إلى الحفير فمال خالد بلناس على كاظمة فسبقه هرمز إليها وقرن جيشه بالسلاسل كي لا يفروا وقد خالد فنزل في جيشه وخرج هرمز ودعى خالداً إلى البراز واتفق مع أصحابه أن يغدروا به فبرز خالد ومشى نحوه راجلاً ونزل هرمز أيضاً وتضاربا فاحتضنه خالد وهجم الفرس يريدون أن يغدروا به فلم يشغل ذلك خالداً عن قتله وحمل القعقاع بجيش المسلمين مازال الفرس عن خالد وانهزم المشركون وكانت هذه أول موقعة بين المسلمين والفرس وبعث خالد بالأخماس والفتح على أبي بكر. وقعة الثنىّ ولما وصل كتاب هرمز إلى أزدشير بخبر خالد أمده بجيش عظيم يقوده قارن بن قريانس فلقيه المنهزمون في الطريق فاجتمعوا ورجعوا معه ونزلوا بالثنى فسار إليه خالد ولما التقى الجيشان خرج قارن يلب البراز ليدرك ثأر هرمز فبرز إليه فارس من المسلمين فقتله وحمل المسلمون عليهم فقتلوا منهم مقتلة عظيمة تبلغ ثلاثين ألفاً سوى من غرق ومنعت المياه المسلمين من طلبهم ثم أخذ خالد الجزية من الفلاحين وصيرهم ذمة وبعث بالفتح والأخماس إلى أبي بكر. وقعة الولجة لما بلغ أزدشير ملك الفرس انهزام جيشه سير إلى المسلمين جيشاً آخر يقوده رجل يقال له الأندر زعز وفي أثره جيش آخر يقوده بهمن جاوذيه فعسكر الجيشان بمكان يقال له الولجة فسار إليهم خالد ووضع لهم كميناً ثم لقيهم فقاتلهم قتالاً شديداً حتى ظن الفريقان أن الصبر قد فرغ واستبطأ خالد كمينه ثم خرج الكمين وانهزمت الأعاجم وأخذ خالد من بين أيديهم والكمين من خلفهم وقتل منهم خلق كثير وفر الأندرزعز منهزماً فمات عطشاً وأصاب خالد أبناء من بكر بن وائل فقتلهم فغضب لهم قومهم من نصارى بكر وكاتبوا أزدشير ليساعدهم على قتال المسلمين فكتب إلى بهمن جاذويه المنهزم أن ينضم بمن معه إليهم فلما جاءته الرسالة قدم أمامه قائداً اسمه جابان وذهب هو إلى أزدشير ليستشيره فوجده مريضاً فبقي عنده.

стр. 376

وقعة اللبس وأما جابان فاجتمع عليه نصارى بكر بالليس فسار إليهم خالد وكانوا على طعامهم فعاجلهم وهزمهم شر هزيمة. فتح الحيرة ثم سار خالد قاصداً الحيرة فخرج غليه مرز بأنها واسمه الزادية وعسكر بظاهرها وأرسل ابنه فقطع الماء عن سفن المسلمين فبقيت على الأرض فسار خالد على الخيل نحو ابن الأزادية فحاصر خالد قصورها ودعا أمراءها إلى الإسلام وأجلهم يوماً وليلة فأبوا فقاتلهم المسلمون وافتتحوا الديور وأكثروا القتل فنادى القسيسون والرهبان بأهل القصور ما يقتلنا غيركم فصاح أهل القصور قد قبلنا الجزية فصالحهم خالد عليها وقدرت بمائة ألف وتسعين ألفاً واهدوا له هدايا فبعث بالفتح والهدايا إلى أبي بكر فلك يقبلها على أنها هدايا بل عدها لهم من الجزية. فلله ما اسمي هذه النفوس وما أحرصها على العدل تساق لأبي بكر ﵁ التحف العظيمة، والأموال الجسيمة، يهديها إليه هؤلاء الأعاجم عن طيب نفس واختيار من غير مشوق يشوقهم لها، ولا دافع يدفعهم غليها فلا يقبلها ﵁ بل يعدها لهم من الجزية المرتبة عليهم، لئلا يتوهمون أنهم بمثل هذه الهدايا يكونون موضع نظره وأولى برأفته وعدله، فكان بذلك مبيناً لهم أن المسلمين لا تؤثر في نفوسهم أمثال هذه الهدايا ولا يعبأون بها، وأن من دخل تحت حكمهم لابد وأن تشمله العدالة الحقة، والحرية التامة، يحمونه في ماله وعرضه مادام طائعاً لهم، قائماً بشروطهم. هكذا كان المسلمون أيام كانوا متمسكين بدينهم، عاملين بكتابهم وسنة نبيهم ﷺ يتركون كون ما فيه شبهه، ويأخذون ما وضح حله وبذلك خضعت لهم الملوك العظيمة ودانت لهم الأمم التي لم يكن يخطر في خلدانهم أنهم يستولون عليها، فاللهم وفقنا للعمل بأوامر الدين والاقتداء بهؤلاء الأخيار الصادقين.

стр. 377

الأسئلة والأجوبة أصحاب مجلة الحقائق. . السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وبعد فقد كنت راجعت أحد علماء السادة الحنفية في حكم استعمال الماء الذي جلب لهذه الحاضرة من عين الفيجة فكان جوابه الشك والتوقف لاعتقاده أن ممر الماء وما صرف عليه من الأموال مغصوب بغير وجه شرعي وحيث أن أهالي دمشق نبذوا مياه الأنهر القديمة لقذارتها وأخذوا يستعملون هذا الماء (ماء عين الفيجة) في أكثر حاجياتهم وذلك لنظافته وخلوه عن المدنسات جئت بأسطري هذه أستبين من حضراتكم بيان الحكم عند السادة الحنفية في استعمال هذا الماء شرباً وطبخاً وطهارة راجياً درج سؤالي هذا بحروفه والإجابة عنه بما يروي ويشفي. أحمد (الجواب) لم نجد للفقهاء من السادة الحنفية ما يدل على حرمة استعمال هذا الماء شربا وطبخاً وطهارة ولم نر في عباراتهم ما يصلح لأن يكون مثاراً للشك والتوقف فيه بل هم مصرحون بحل استعماله متفقون عليه وإليك نصوص أئمتهم في ذلك قال شيخ الإسلام برهان الدين أبو بكر المرغباني في كتابه شرح بداية المبتدئ وهو من أصحاب الترجيح وكتابة هذا من أجل ما يعتمد عليه من كتب الحنفية: أعلم أن المياه أنواع الأول ماء البحار ولكل واحد من الناس فيه حق الشفة وسقي الأراضي والانتفاع بهذا الماء كالانتفاع بالشمس والقمر والهواء لا يمنع منه أحد على أي وجه شاء الثاني ماء الأودية العظام كسيحون وجيحون ودجلة والفرات وللناس فيه حق الشفة وسقي الأراضي الثالث الماء الذي دخل في المقاسم وحق الشفة ثابت فيه لكل واحد والأصل في ذلك قوله ﵊ (الناس شركاء في ثلاث في الماء والكلام والنار) أهم ملخصاً وفي تنوير الأبصار مع شرحه الدر المختار ولكل واحد حقها (أي الشفة) في كل ما لم يحرز بإناء أو حب (ج) أهم واقره ابن عابدين ومثله في غير هذين الكتابين من الكتب المعتمدة وهو تصريح منهم بثبوت حق الشفة لكل إنسان في كل نوع من أنواع المياه عدا الماء المحرز بالأماني ويدخل في هذا العموم ماء عين الفيجة كما هو ظاهر ولا يؤثر في حل استعماله كونه جرى في أرض مغصوبة وعمر طريقة من مال مغصوب حيث أن حق الشفة ثابت فيه على كل حال هذا

стр. 378

إذا تحقق غصبه على أن هذا الماء لم يجر في مجراه إلا برضا أملاكه ملاكه وقد دفع لهم من الدراهم مقابل مروره في أرضيهم مارضوا به والمال الذي صرف على عمارة هذا الطريق ليس لمال المصادر بعينه بل هو من أموال الخزينة العمومية وهنا نرى من اللازم تنبيه عامة مواطنينا إلى أن ينبذوا تلك المياه القديمة القذرة ويستعملوا هذا الماء النقي الصافي الشرب والطبخ وما ماثلهما نرى ذلك من اللازم اللازب سيما في مثل هذه الأيام التي أخذت تزداد فيها الأمراض وتنتشر دفع الله عن المسلمين المكارة وحفهم بألطافه الخفية.

стр. 379

رواية زهير الأندلسي أصحاب مجلة الحقائق. . قد شهدت رواية زهير الأندلسي التي قام بتمثيلها لفيف من غلمان المدرسة العثمانية الدمشقية فدهشت لبراعة أولئك الطلبة المرد الممثلين الذين حازوا قصب السبق في مضمار التمثيل وقد افتتح الرواية أحد أساتذة المدرسة المذكورة عارف الشهابي بخطاب أطال فيه بمدح التمثيل وبلغ به الغلو حتى قال أنه قد ورد في القرآن العظيم والحديث الشريف الحث عليه واستشهد لذلك بقوله تعالى (فاعتبروا يا أولي الأبصار) وقوله ﵊ (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) وفسر الاعتبار في الآية من عنده) بالتمثيل وزعم أنه من تتميم مكارم الأخلاق. ثم ارتفع الستار الأول عن سائر الغلمان الممثلين حاسري الرؤوس مسرحي الشعور فأنشدوا أدوار منها. إنما التمثيل فرض جاء في القرآن وقد اشتملت الرواية الأدبية (بزعمهم) على تخنث وتلوو انحناء قارب الركوع وتزي بزي إفرنجة الإسبانيين بلبس القبعة (البرنيطة) إلى غير ذلك من الأفعال التي يأباها الدين والمرؤة لذلك استعظمت هذا التهجم من الشهابي على القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف وأنكرت ذلك في نفسي ثم توقفت عن الإنكار لأنه كان من الحاضرين المستمعين طائفة من العلماء الأعلام الذي نقتدي بهم الخواص والعوام ولم ينكر أحد منهم ذلك الأمر على الشهابي فخطأت وقتئذٍ نفسي وقلت لو كان الأمر كما خطر لي لقام أحد هؤلاء العلماء الأفاضل ورد على القائل وبين الحقيقة للعوام المساكين الذين كانوا يصفقون لكل ما يسمعون ولا يعلمون. ثم أني حضرت صلاة الجمعة في الجامع الأموي فقام على منبره خطيبه المشهود له بالفضل، المشهور بالتقى والصلاح الشيخ حسن أفندي الأسطواني فتلا خطبة طويلة وعرض بتمثيل تلك الرواية فيها وقبحها ولام من قاموا بتمثيلها، وحذر الإسلام من قبول تلك الخرافات، ونصحهم بتنزيه أولادهم عن أمثال هذه الخزعبلات، وخطأ من قال أن التمثيل ورد الحث عليه في القرآن والحديث وأنه فرض الخ فلما سمعت من الخطيب

стр. 380

خطبته أخذتني الحيرة ووقعت في دهشة وقلت يا ترى من نصدق ومن نكذب؟ ومن نخطئ ومن نصوب؟ الخطيب ومن يقول بقوله أم الشهابي ومن أقره على كلامه لذلك أتيت بعباراتي هذه أسطرها على صفحات حقائقكم الموقوفة لخدمة الدين راجياً منكم ومن رجال العلم المحافظين على الدين بيان الخطأ من الصواب وتمييز الحق من الباطل والله أفادي إلى سواء السبيل. دمشق ي ص (الحقائق) عهدنا في مدير هذه المدرسة الفاضل المحافظة على الآداب الشرعية، والتخلق بالأخلاق الدينية، ولا نظن أن كل ما ذكر في هذه السؤال جار برضائه ولقد بلغنا عنه أخيراً أنه أدرك خطأ إطلاق اليد هؤلاء المعلمين الذين لا تنطبق مبادئهم على مبادئ المدرسة وعساه يعمل على إبدالهم بمن استجمعوا الصفات اللازمة لتأديب أطفال المسلمين وتربيتهم حسب التعاليم الشرعية. وحيث أن المجلة متعهدة بنشر مايرد عليها من الأسئلة الدينية الشرعية نشرنا هذا السؤال ليطلع عليه علماء الدين ومن يرجع إليهم في مثل هذه المسائل رجين منهم أن يكتبوا ما يظهر لهم في هذا الموضوع الديني وسننشر جوابنا عن ذلك مع سائر ما يرد إلينا من الأجوبة في الإعداد الآتية إن شاء الله تعالى وفقنا الله جميعاً لخدمة دينه وألهمنا العمل بما يرضاه.

стр. 381

فتوى شرعية في أداء زكاة الأموال لإعانة الأسطول العثماني الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أفضل خلق الله وآله وصحبه أجمعين أما بعد فقد سئلت عن إعطاء الزكاة للدونانمه (الأسطول) فأحببت بما يأتي مذهب أمام دار الهجرة أن آية المصرف وهي قوله تعالى (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل) مسوقة للبيان لا للتقسيم وإن الواو بمثابة أو كأنه قيل والله أعلم إنما الصدقات للفقراء أو المساكين الخ ومعنى ذلك أن الزكاة لا يجوز أن تخرج عن الأصناف الثمانية وممكن أن تدفع كلها الصنف وأحد سيما إذا كان أحوج من غيره فإن تخصيصه بها يصير مطلوباً كما أن المراد بقوله تعالى (وفي سبيل الله) الجهاد في سبيل الله من أعداد المعدات والصرف على الغزاة ومن ذلك بناء الأساطيل على التحقيق من المذهب. قال في الكبير ما نصه قال مالك ﵁ اللام في قوله تعالى للفقراء لبيان المصرف لا للملك يعني ولو كانت للملك للزم عموم الأصناف الثمانية لأن الملك يكون لكل صنف منهم ثم قال وفي المجموعة آية الصدقة ليس فيها قسم بل أعلام بأهلها فلذلك لو أعطيت لصنف أجزأ وقيده ابن عبد السلام بما عدا العامل وإلا فلا معنى لدفع جميعها له ونص القطب الدردير في أقرب المسالك وندب إيثار المضطر المحتاج على غيره بأن يخص بالإعطاء أو يزاد له فيه على غيره على حسب ما يقتضيه الحال إذا المقصود سد الخلة لا تعميم الأصناف فلا يندب بل متى عطي لأي شخص موصوف بكونه من أحد الأصناف الثمانية كفى. ونص الدسوقي عند قول الإمام خليل في بيان صرف الزكاة (ومجاهد وآلته ولوغنيا كجاسوس لا سور ومركب) وهذا قول ابن بشير ومقابله لابن عبد الحكم فيجوز عنده عمل الأسوار والمراكب منها ولم ينقل اللخمي غيره واستظهره في التوضيح قال ابن عبد السلام وهو الصحيح ولذا اعترض المواق على المصنف بأنه تبع تشهير ابن بشير وقال أنه لم ير المنع لغير ابن بشير فضلاً عن تشهيره وانتهى من البنانين هذه نصوص السادة المالكية

стр. 382

وبناء الأسطول وإعداد معداته بل إذا نظرنا إلى الاضطرار وشدة الاحتياج نقول لمن وجبت عليه الزكاة يستحب في حقك أن تدفع الزكاة لهذا الجانب لأن الضرورة إليه في هذا الزمان أشد بأضعاف متضاعفة من غيره بل إذا نظرنا لمحيطنا نظر متبصر خالص النية نجد الإسلام قاطبة في حالة هجوم عليه ومفاجأة العدو له ومعلوم أن هاته الحالة توجب وتحتم شرعاً باتفاق المذاهب في سبيل الله ودفع هجمات العدو على أوطان المسلمين ودينهم وحريمهم وذراريهم بالأموال كلها وإلا راح من غير تفرقة بين مال الزكاة وغيره وبين الغني والفقير والكبير والصغير والرجل والمرأة والعبد والحر من دفع زكاته كلها بل دفع ماله كله في الاستعداد للجهاد في هذا الزمن الحرج فقد قام بواجب من أكبر واجبات الإسلام وأعظمها على أنا نعني بالزكاة التي نطالب إخواننا المسلمين بدفعها للأسطول زكوات الدراهم والدنانير الموكولة لأمانتهم وهي بعض قليل من مال الزكاة والقسم الأعظم هو زكاة الحرق والماشية وذلك قائمة بجبايته الدولة فلا كلام لنا فيه وها هي قائمة في الجملة بغالب الأصناف الممكنة بحسب الزمان من تعيين معاشات للفقراء المتعففين عن صناعة التسول ومن إعانة أبناء السبيل ومن نفقة الاستعدادات في سبيل الله والغزاة ومن معاشات العاملين عليها إلى غير ذلك وحيث كان من المقرر المعلوم عند عموم المذاهب إن كل من التزم مذهباً من المذاهب لا ينبغي له أن يخرج عنه لغيره إلا عند الضرورة فيسوغ له ذلك فالعمل بمقتضى هذا الفقه يخاطب به كل أهل المذاهب الأربعة للضرورة التامة الظاهرة التي لا تحتاج إلى إيضاح فلا عذر للمتخلف عن ذلك ورجائي من مقام مشيخة الإسلام أن توافق على هذه الفتوى بعد أن تقف على نصوصها المنقولة في محالها حتى يقنع العموم ويعمل بمقتضاها. ولا يخفى ما في ذلك من الفوائد الكبرى لأسطول الإسلام ومعلوم أيضاً أن مشيخة السلام ليست مشيخة السادات الحنفية بل مشيخة السادات المسلمين قاطبة فكل المذاهب الأربعة لها حظ فيها وفتواها ترجع إليها كما أن خلافة الإسلام أيضاً لا تتقيد بقول دون قول في تدبير صوالح المسلمين بل كل قول في مذهب من المذاهب الأربعة دعت الضرورة إليه إذا طابق الزمان والحال ولو كان ضعيفاً هو مذهبها ونسأل الله ﷻ أن يلهمنا الرشد ويعلمنا التأويل ويفقهنا في الدين.

стр. 383

حرره صالح الشريف التونسي (الحقائق) قرأنا هذه الرسالة وألسنتنا رطبة بالثناء على حضرة منشئها المصلح الكبير وقد نشرناها خدمة للأمة عساها تصادف من أغنيائها آذاناً واعية ونفوساً تتأثر بما فيها من المؤثرات فتهب من سباتها لتأخذ بيد هذا الوطن من عثرته وترد إليه ما فقده من قوة ومنعة، وليطلع القراء على ما لحضرة مؤلفها الفاضل من الأيادي البيضاء على هذه الأمة وما حباه به مولاه من طول الباع وسعة الاطلاع فقد أفاد الملة بهذا الفتوى وأجاد في تعليلها بما يطابق المنقول والمعقول أكثر الله في هذه الأمة أمثاله من المصلحين.

стр. 384

جرائم الكتاب المتطفلون على موائد العلم والمشاريع العلمية كانوا ولا يزالون عقبة في سبيل الإصلاح وعثرة في طريق الترقي والفلاح والنفوس مجبولة على حب التقليد للعلى وادعاء التفوق ولو فيما لا تفهمه فضلاً عن الذي تجيده إلا من وفقه الله للأخذ بنصيب من العلم وقسط من الأخلاق الفاضلة، والآداب الشرعية، فهذا يمنعه دينه وأخلاقه من ادعاء ما ليس فيه، ولا يرضى أن يظهر بمظهر الإصلاح ما لم يكن إهلاله، ويعد له عدته، خشية أن يغش الأمة من حيث يريد نفعها وفائدتها. أعلن الدستور والأمة غير متمرنة على المشاريع الاجتماعية والشعب محروم من وسائلها بسبب الحجر على الأفواه والأقلام في الدور الماضي وكان من حسنات الدستوران أطلقت الألسن من قيودها عملاً بمبدأ الحرية فقام لأنشأ الصحف جماعة فيهم القريب من الكفاءة والمعد لها بعض عدتها وفيهم الغبي الساقط الذي لم يعد من الوسائل لها إلا ما يعرف من عبارات لجرائد المحفوظة عنده، وهو على جهل في كل ما تحتاج إليه تلك المهنة حتى في اللغة التي يكتب فيها صحيفته، ولم تعمل الحكومة على منع إعطاء الأذن لغير الكفؤ لذلك دخل في زمرة الكتاب من ليس في الغير ولا في النفير واحتقرت الأمة الصحف لما يشاهد من أدعيائها من الأخلاق لتي لا تلائم ديناً ولا فضيلة، ولو عنت الحكومة بامتحان من يريد أذناً لمشروع علمي كإنشاء مجلة أو جريدة لكانت أحسنت صنعاً وليس كافياً أن تسأل عن أخلاقه سواءً سطحياً كما يشاهد الآن تطبيقاً للقانون بل ينبغي أن تختبره بالفنون التي يريد أن يبحث بها في صحيفته بمعرفة أفاضل مشهود لهم بالعلم والنزاهة وطهارة الوجدان فإن أجادها تمام الإجادة بحثت عن أخلاقه وآدابه بحثاً مدققاً لا يكتفي فيه بالشهادات المزورة بل يلتزم الإمعان في البحث عن أخلاقه الدينية وآدابه الاجتماعية حتى إذا كان على نهاية الإجادة في كل ما ذكر أذنت له أن ينتشر تلك الصحيفة كيلا يكون عليها مغبة ما يجني على الأمة من إفساد المبادئ وتشويش الأذهان. ولا إذا بقيت الحكومة لا تعنى بهذا الأمر الحيوي يدخل في زمرة الكتاب أصحاب الغايات وأرباب المآرب السافلة ومن لا يحسن أن يمسك قلماً، ومن يريد أن يتسلط على الأمة في أعراضها وأموالها، ومن يود تقسيم الأمة وتخربها وإيقاع البغضاء والشقاق بينها وغير ذلك من المفاسد التي تضر بالقريب وتطمع البعيد ظناً منهم أن الشعب جاهل غافل متهيء

стр. 385

لقبول الوساوس والأباطيل وسخف القول: الصحف في غير هذه البلاد يتولى أمرها جماعة من عليه القوم وأصحاب الرأي فيهم ومن المعروفين بحسن المبادئ ومكارم الخصال، وحبذا لو يكونوا في بلادنا صحف راقية على هذا النحو تحصل عنها الفائدة التي وجدت الصحف لأجلها من تنوير الأذهان وتثقيف العقول وحب الخير للوطن وأهله وإلا فهذه الصحف الخالية من المواضيع الاجتماعية والفوائد العمومية، الحافلة بالسباب، وهجر القول، لا تستفيد منها الخاصة والعامة إلا دبيب الفساد في الأخلاق وإذا فسدت الأخلاق في أمة فقد فسد فيها كل شيء. اللهم الهم رجال الحكومة ملافاة هذا الخلل الطارئ حرصاً على أخلاق الأمة من شريان الفساد إليها أنك مجيب الدعاء.

стр. 386

الأمير عبد القادر والجمعية الماسونية في سنة ست وثمانين دعي الأمير (عبد القادر) مع من دعي من ملوك أوربا ليحضر احتفال فتح ترعة السويس وبينما كان عائداً لسوريا عن طريق الإسكندرية اغتنمت الجمعية الماسونية فرصة وجوده في ذلك القطر فأوقت إليه هيئة من أعضائها لتعرض عليه المبادئ الماسونية وعندما ذكر الوفد المشار إليه فضائل الماسون وخدمتها في الإنسانية شكرها الأمير على عملها الذي ادعته شن كل رجل يدعي له شخص أنه يخدم الإنسانية ويسعى في سبيل خير البشر فيستحسن أعماله ويشكر مقاصده. اتخذ بعض المنتمين للجمعية ذلك الاجتماع ذريعة حسنة لنسبة دخول الأمير في جمعيتهم وبدأوا يترجمون سيرته ويشكرون عظيم خدماته في الإنسانية بيد أن هذا الاجتماع وتلك الدعوى لا تثبت ولا تحقق دخول الأمير في الجمعية الماسونية لأن هذه الحجة ضعيفة تحتاج إلى أدلة مؤدية. ومن المعلوم أن لجمعية الماسون نظاما كما لسائر باقي الجمعيات تطبق أعمالها بموجبه ومن جملة مواد نظام جمعية الماسون أنه لابد لكل شخص يريد الدخول على هذه الجمعية أن يطلب الانخراط بموجب استدعاء يلتمس منها قبوله فإذا تم له ذلك واستحسنت الجمعية إدخاله تكلفه بوضع إمضائه في سجل أعمالها وعليه أن يكتب أنه دخل بإرادته واختياره هذا مايدعيه أيضاً بعض أفراد الجمعية الذين ينسبون دخول الأمير في هذه الجمعية بمجرد القول وحيث أن وجود مثل هذه المواثيق المادية هي أعظم دليل وأقوى برهان بيد كل من يريدان يثبت حجته فإنني أطالب كل من يدعي من أفراد هذه الجمعية النظام الأمير بها بإبراز هذه الوثائق الراهنة مطبوعة نسخها على الحجر وما من أحد يجهل خط الأمير وإمضائه هذا ما نطالب به من يفترون على الأمير والجمعية معاً الكذب والبهتان. وأما نحن فإننا نقول أن الأمير (عبد القادر الذي اشتهر بالتقى وبصلابة الدين سيما وأنه كان يقيم الحدود الشرعية في هذه البلاد السورية كما أقامها في وطنه لا يخالف الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ويدخل في جمعية سرية لا يعلم حقيقتها إلا من انخرط بين جماعتها وإننا بصرف النظر عن كون مبادئ هذه الجمعية حسنة أم سيئة فالشرع لا يسمح للمسلم أن يدخل بها قبل معرفته حقائقها وقد قال الله تعالى (يا ايها الذين منوا ألا تتخذوا بطانة من دونكم) الآية وقوله جل شنه (لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله

стр. 387

ورسول ولو كانوا آباءهم الآية). وقال رسول ﵊: (ليس منا من عمل بسنة غيرنا رواه ابن عباس) وقال: (ليس منا من تشبه بغيرنا) رواه بن عمرو ﵁ وأمثال هذه الآيات الكريمة والأحاديث النبوية كثيرة سما وأن الجمعية الماسونية وأصلها (فران ماسون) أي البنائين مأخوذة عن الأمم الغربية والملل الأجنبية ولا جرم أن جمعية مبدؤها خدمة الإنسانية وخطتها تعميم الأخوة والمساواة والحرية لا ترضى بأن يفتري بعض أفرادها عليها الكذب قصد إغراء بعض الناس بنسبة دخول زيد وعمرو بها وخلاصة القول أن الجمعية التي هي على يقين من طهارة وجدانها لا تحتاج لترغيب لأنها ترتقي بسنة الطبيعة وعليه فأنا نحذر كل من يتشدقون بنسبة انتظام الأمير بسلك الجمعية الماسونية أن يرجعوا عن غيهم أو يأتوا لنا ببرهان من البراهين الآنفة (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين). دمشق ابن الأمير محمد سعيد

стр. 388

الحقائق المؤلمة لحضرة الشاعر المجيد عبد الرحيم أفندي قليلات بلادي وهل يجدي لديك التذمر ... وما فيك إلا الجاهل المتكبر هجرتك أعواماً وكلي عواطف ... ولكن دار الذل تهجي وتهجر وراقبت عن بعد الطلول وقربها ... مصارعة الدورين والكون ينظر فلم ير من هذا سوى الضر والأذى ... ولم يبدِ من ذا بعد إلا التحير أجل إن قومي يدهش الدهر غيهم ... ويعي الليالي جهلهم والتجبر يقولون ذا الحر الغيور وكلهم ... أرقاء حب الذات لم يتحررا يقولون دين الله يفضي بذا وذا ... وجلهم عن منهج الدين مدير يقولون لا نبغي اليهود وأن رأوا ... سنا صفرة الدينار حالاً تخيبروا ففي الفولة التعساء حينا تفآلوا ... وسرعان ما زيح الغطا فتطيروا وفي معضلات الغور غاروا وغيروا ... واغروا وغروا غيرهم وتغيروا وعن فكرة الأرض المدورة انثنوا ... ولما بدا الدينار داروا ودوروا على رسلكم يا قوم فالكل أصفر ... وصاحب ذا المشروع ما عاش أصفر ولكن جل الصحف فيكم تلونت ... وما من صحا في كذا يتطور فمن قبل مصفر وبالأمس زرق ... وذا اليوم مخضر ومن بعد أحمر وأعرب من ذا خوضهم في مسائل ... وما ينهم في كنهها متنور فكل بأبواب القضا متشرع ... وكل بحل المشكلات مفكر وكل بآداب الكتابة مبدع ... وكل من بنت الخيال مسيطر وكل على صرح الخطابة مصقع ... وكل على صرح السياسة منبهر وفي الفقه كلٌ عالم متنطع ... وفي النحو كل بارع متقعر وكل قريب بالعيوب ملوث ... وكل غريب طاهر ومطهر وكل غني بيننا ذو زعامة ... وكل فقير مجرم متقهقر يطبل هذا قصد تنفيذ مآرب ... فنرقص تشجيعاً له ونرمز مطاليب أترك وعرب وأرمن ... وحال لها قلب النهى يتفطر

стр. 389

وتشكيل أحزاب وتفريق وحدة ... فما هذه الفوضى وماذا التهور غدونا بأفواه الأجانب مضغه ... وكلهم يشكوا ولا نحن نشكر ألا قل لذي الإصلاح قد بلغ الزبي ... سيول الشقا في القوم فليتدبروا عن الرأي العام

стр. 390

العدد ١٤ - بتاريخ: ٢٤ - ٩ - ١٩١١
следующие страницы →