← Джавами‘

Джавами‘ · id 29676

مجلة الحقائق

عبد القادر الإسكندراني

Полный текст (1 077 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

الأمير عبد القادر والجمعية الماسونية في سنة ست وثمانين دعي الأمير (عبد القادر) مع من دعي من ملوك أوربا ليحضر احتفال فتح ترعة السويس وبينما كان عائداً لسوريا عن طريق الإسكندرية اغتنمت الجمعية الماسونية فرصة وجوده في ذلك القطر فأوقت إليه هيئة من أعضائها لتعرض عليه المبادئ الماسونية وعندما ذكر الوفد المشار إليه فضائل الماسون وخدمتها في الإنسانية شكرها الأمير على عملها الذي ادعته شن كل رجل يدعي له شخص أنه يخدم الإنسانية ويسعى في سبيل خير البشر فيستحسن أعماله ويشكر مقاصده. اتخذ بعض المنتمين للجمعية ذلك الاجتماع ذريعة حسنة لنسبة دخول الأمير في جمعيتهم وبدأوا يترجمون سيرته ويشكرون عظيم خدماته في الإنسانية بيد أن هذا الاجتماع وتلك الدعوى لا تثبت ولا تحقق دخول الأمير في الجمعية الماسونية لأن هذه الحجة ضعيفة تحتاج إلى أدلة مؤدية. ومن المعلوم أن لجمعية الماسون نظاما كما لسائر باقي الجمعيات تطبق أعمالها بموجبه ومن جملة مواد نظام جمعية الماسون أنه لابد لكل شخص يريد الدخول على هذه الجمعية أن يطلب الانخراط بموجب استدعاء يلتمس منها قبوله فإذا تم له ذلك واستحسنت الجمعية إدخاله تكلفه بوضع إمضائه في سجل أعمالها وعليه أن يكتب أنه دخل بإرادته واختياره هذا مايدعيه أيضاً بعض أفراد الجمعية الذين ينسبون دخول الأمير في هذه الجمعية بمجرد القول وحيث أن وجود مثل هذه المواثيق المادية هي أعظم دليل وأقوى برهان بيد كل من يريدان يثبت حجته فإنني أطالب كل من يدعي من أفراد هذه الجمعية النظام الأمير بها بإبراز هذه الوثائق الراهنة مطبوعة نسخها على الحجر وما من أحد يجهل خط الأمير وإمضائه هذا ما نطالب به من يفترون على الأمير والجمعية معاً الكذب والبهتان. وأما نحن فإننا نقول أن الأمير (عبد القادر الذي اشتهر بالتقى وبصلابة الدين سيما وأنه كان يقيم الحدود الشرعية في هذه البلاد السورية كما أقامها في وطنه لا يخالف الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ويدخل في جمعية سرية لا يعلم حقيقتها إلا من انخرط بين جماعتها وإننا بصرف النظر عن كون مبادئ هذه الجمعية حسنة أم سيئة فالشرع لا يسمح للمسلم أن يدخل بها قبل معرفته حقائقها وقد قال الله تعالى (يا ايها الذين منوا ألا تتخذوا بطانة من دونكم) الآية وقوله جل شنه (لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله

стр. 387

ورسول ولو كانوا آباءهم الآية). وقال رسول ﵊: (ليس منا من عمل بسنة غيرنا رواه ابن عباس) وقال: (ليس منا من تشبه بغيرنا) رواه بن عمرو ﵁ وأمثال هذه الآيات الكريمة والأحاديث النبوية كثيرة سما وأن الجمعية الماسونية وأصلها (فران ماسون) أي البنائين مأخوذة عن الأمم الغربية والملل الأجنبية ولا جرم أن جمعية مبدؤها خدمة الإنسانية وخطتها تعميم الأخوة والمساواة والحرية لا ترضى بأن يفتري بعض أفرادها عليها الكذب قصد إغراء بعض الناس بنسبة دخول زيد وعمرو بها وخلاصة القول أن الجمعية التي هي على يقين من طهارة وجدانها لا تحتاج لترغيب لأنها ترتقي بسنة الطبيعة وعليه فأنا نحذر كل من يتشدقون بنسبة انتظام الأمير بسلك الجمعية الماسونية أن يرجعوا عن غيهم أو يأتوا لنا ببرهان من البراهين الآنفة (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين). دمشق ابن الأمير محمد سعيد

стр. 388

الحقائق المؤلمة لحضرة الشاعر المجيد عبد الرحيم أفندي قليلات بلادي وهل يجدي لديك التذمر ... وما فيك إلا الجاهل المتكبر هجرتك أعواماً وكلي عواطف ... ولكن دار الذل تهجي وتهجر وراقبت عن بعد الطلول وقربها ... مصارعة الدورين والكون ينظر فلم ير من هذا سوى الضر والأذى ... ولم يبدِ من ذا بعد إلا التحير أجل إن قومي يدهش الدهر غيهم ... ويعي الليالي جهلهم والتجبر يقولون ذا الحر الغيور وكلهم ... أرقاء حب الذات لم يتحررا يقولون دين الله يفضي بذا وذا ... وجلهم عن منهج الدين مدير يقولون لا نبغي اليهود وأن رأوا ... سنا صفرة الدينار حالاً تخيبروا ففي الفولة التعساء حينا تفآلوا ... وسرعان ما زيح الغطا فتطيروا وفي معضلات الغور غاروا وغيروا ... واغروا وغروا غيرهم وتغيروا وعن فكرة الأرض المدورة انثنوا ... ولما بدا الدينار داروا ودوروا على رسلكم يا قوم فالكل أصفر ... وصاحب ذا المشروع ما عاش أصفر ولكن جل الصحف فيكم تلونت ... وما من صحا في كذا يتطور فمن قبل مصفر وبالأمس زرق ... وذا اليوم مخضر ومن بعد أحمر وأعرب من ذا خوضهم في مسائل ... وما ينهم في كنهها متنور فكل بأبواب القضا متشرع ... وكل بحل المشكلات مفكر وكل بآداب الكتابة مبدع ... وكل من بنت الخيال مسيطر وكل على صرح الخطابة مصقع ... وكل على صرح السياسة منبهر وفي الفقه كلٌ عالم متنطع ... وفي النحو كل بارع متقعر وكل قريب بالعيوب ملوث ... وكل غريب طاهر ومطهر وكل غني بيننا ذو زعامة ... وكل فقير مجرم متقهقر يطبل هذا قصد تنفيذ مآرب ... فنرقص تشجيعاً له ونرمز مطاليب أترك وعرب وأرمن ... وحال لها قلب النهى يتفطر

стр. 389

وتشكيل أحزاب وتفريق وحدة ... فما هذه الفوضى وماذا التهور غدونا بأفواه الأجانب مضغه ... وكلهم يشكوا ولا نحن نشكر ألا قل لذي الإصلاح قد بلغ الزبي ... سيول الشقا في القوم فليتدبروا عن الرأي العام

стр. 390

العدد ١٤ - بتاريخ: ٢٤ - ٩ - ١٩١١

стр. 391

الدين الإسلامي والتوحيد القضاء والقدر ١٠ القضاء إرادة الله تعالى الأزلية المتعلقة بالأشياء على ما هي عليه فيما لا يزال والقدر إيجاده تعالى الأشياء على وفق علمه وإرادته فكل حادث في الكون بقضاء الله وقدره وللعباد اختيارات جزئية قابلة للتعلق بالضدين الطاعات والمعاصي تسمى بالكسب وهي مناط الثواب والعقاب ومدار التكليف الشرعي وقد جعلها الله تعالى شرطاً عادياً لخلقه أفعال العباد بمنزلة الأسباب العادية كالسكين للقطع والنار للإحراق وكون أفعال العباد بعلم الله تعالى وإرادته لا ستلزم كون صدورها منهم بالجبر كما زعمت (الجبرية) القائلون بأنه لا فعل للهبد أصلاً وأن حركاته بمنزلة حركات الجمادات لا قدرة للعبد عليها ولا قصد ولا اختيار وهو مذهب باطل لانا نفرق بالضرورة بين حركة البطش وحركة الارتعاش ونعلم أن الأول باختيار دون الثاني ولأنه أو لم يكن للعبد فعل أصلاً لما صح تكليفه ولما ترتب استحقاق الثواب والعقاب على أفعاله ولما ورد الأمر بالعمل في الكتاب العزيز والسنة الصحيحة قال تعالى (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون) وقال تعالى (ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون) وقال رسول ﷺ : اعملوا فكل مسير لما خلق له على غير ذلك من الآيات والأحاديث ويؤيد ذلك أيضاً ما روي أن عمر ﵁ آتي بسارق فقال له ما حملك على السرقة فقال قضاء الله وقدره فقطع يده فحسمت ثم آتي به فجلده فقال له عمر قطعت يدك لسرقتك وجلدتك لكذبك على الله تعالى. وما روي أن شيخاً من أهل الشام حضر صفين مع علي ﵁ فقال له أخبرنا يا أمير المؤمنين عن مسيرنا إلى الشام أكان بقضاء الله وقدره فقال له نعم يا أخا أهل الشام والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما وطئنا موطئاً ولا هبطنا وادياً ولا علونا تلعة إلا بقضاء من الله وقدرة فقال الشامي فعند ذلك احتسب عنائي يا أمير المؤمنين وما أظن أن لي أجراً في سعيي إذا كان الله تعالى قضاه عليّ وقدره فقال له علي أن الله تعالى قد أعظم الأجر على مسيركم وأنتم سائرون وعلي مقامكم وأنتم مقيمون ولم تكونوا في شيء من حالاتكم

стр. 392

مكرهين ولا إليها مضطرين ولا عليها مجبورين فقال الشامي وكيف ذلك والقضاء والقدر ساقانا وعنهما كان مسيرنا وانصرافنا فقال على ويحك يا أخا الشام لعلك ظننت قضاء حتماً لازماً وقدرا حاتماً جازماً لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب وسقط الوعد والوعيد والأمر من الله والنهي وما كان المحسن أولى بثواب الإحسان من المسيء ولا المسيء بعقوبة الذنب من المحسن تلك مقالة عبدة الأوثان وحزب الشيطان وخصماً الرحمن وشهداً الزرر وقدرية هذه الأمة ومجوسها أن الله تعالى أمر عباده تخييراً ونهاهم تحذيراً وكلف يسيرا ولم يكلف عسيرا ولم يرسل الأنبياء لعبا ولم ينزل الكتاب عبثاً ولا خلق السموات والأرض باطلاً ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار فقال الشامي وما القضاء والقدر اللذان ساقانا وكان مسيرنا بهما وعنهما فقال علي الأمر من الله بذلك ثم تلا قوله تعالى (وكان أمر الله قدراً مقدوراً) فقام الشامي فرحاً مسروراً لما سمع من المقال وقال فرجت عني فرج الله عنك. إذا تبين هذا عرفت فساد ما يتقوله المتفرجون على الدين الإسلامي من أن الاعتقاد بالقضاء والقدر يقعد عن العمل، ويورث الفتور في العزائم وأنه السبب الوحيد في انحطاطو المسلمين والعقبة الكؤد في سبيل رقيهم. تالله أنهم أعظموا الفرية وتجاوزوا واحد الاعتدال بتقولهم على الإسلام والمسلمين ما هم منه براء. إلا فليقصر هؤلاء المتحرضون على الدين الإسلامي ولينظروا على ما فعله المسلمون في زمن قصير ومدة يسيرة مع قلة عددهم وعددهم وكيف نهضوا نهضة لم يسبق لها مثيل في التاريخ حتى دخلوا الدول وقهروا الأمم وفتحوا البلاد وإذا والأكاسر وأرغموا القياصرة وكانت عقيدة القضاء والقدر من أكبر الأسباب الباعثة على أقدامهم واقتحامهم تلك المشاق العظيمة عقيدة القضاء والقدر أصل من أصول العقائد الإسلامية وركن من أركان الإيمان وهي من المسائل العظمى التي تستدعي إقامة الإنسان على منهاج الفطرة بالاستسلام إلى خالقه والرضوخ لأحكامه والرضا بتدبيره ولا يستقيم إيمان المرء حتى يعتقد من صميم قلبه اعتقاداً جازماً لا يعتريه شك ولا يشوبه تردد بأن الله تعالى قدر الخير والشر وأن جميع الكائنات بقضاء الله وقدره وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه عقيدة القضاء والقدر تطبع النفوس على الثبات والسكينة وتؤثر في القلوب

стр. 393

الراحة والطمأنينة وتزحزح عن الأفئدة غيوم القلق والاضطراب وتسهل على الخلق صعوبات الحياة ومرارة العيش كما أنهم تبعثهم على احتمال المكاره ومقارعة الشدائد وتهون عليهم مصادمة الأهوال واقتحام المهالك وتأخذ بهم إلى مصاعد الكرامة ومعارج العز والسعادة وهي نعم المسلي عند حلول المصائب واشتداد النوائب وأقوى باعث للإنسان على ملازمة الصبر عند تفاقم الأحزان وتراكم النوازل وأكرم مرشد على الاعتصام بالخالق في المخاوف والالتجاء إليه في المعاطب من فقدها فقد طيب الجياة وعاش في الدنيا مهينا قال صاحب العروة الوثقى ما نصه أنه ما وجد فاتح عظيم ولا محارب شهير ثبت في أواسط الطبقات ثم رقى بهمته أعلا الدرجات فذللت له الصعاب، وخضعت له الرقاب، وبلغ من بسطه ما يدعو إلى العجب ويبعث الفكر على طلب السبب إلا كان معتقداً بأن الأمور تجري بقضاء وقدر وهذا أمر يعترف به طلاب الحقائق فضلاً عن الواصلين وأن بعض حلماء الإفرنج وعلماء سياستها التجأوا إلى الخضوع لسلطة القضاء والقدر وأطالوا البيان في إثباتهما ولسنا في حاجة إلى الاستشهاد بآرائهم. أهـ

стр. 394

أجوبة العلماء عن التمثيل ننشرها على حسب ورودها الجواب الأول للعلامة الكبير الأستاذ الفاضل صاحب الإمضاء بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله تعالى ملهم الصواب، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى جميع الآل والأصحاب. ومن به آمن وله وإليه في كل أموره آب. أما بعد فقد رأيت في الجزء الثاني من مجلد السنة الثانية من مجلتكم الغراء سؤالاً بإمضاء ي. ص يسأل فيه صاحبه عن حكم التمثيل المسمى (بالرواية) هل هو محظور أو جائز شرعاً ويطلب الجواب عنه من أهل العلم بالدين وفي الحديث الشريف من كتم علماً عن أهله ألجمه لله تعالى يوم القيامة بلجام من نار وأني وإن كنت لست من رجال هذا الميدان ولم يتعين علي الجواب لو كنت منهم وفيهم ولله الحمد كثرة أحببت أن أذكر ما رأيته في هذا الباب تاركاً الحكم فيه لأولي البصائر والألباب فأقول: إنَّ السؤال ورد في تمثيل مخصوص وقع في جمعية مخصوصة وبما أن الحكم على الشيء فرع من تصوره ولم أكن حاضراً فأتصوره أذكر حكم الفقهاء على أصل التمثيل وأترك الجواب عن سائره لمن كان من العلماء حاضراً قال العلامة ابن حجر المكي في كتابه الزواجر عن اقتراف الكبائر في قسم الكلام على الغيبة بعد الاستدلال على تحريمها وبيان أقسامها وحدها بأنها ذكرك أخاك بما يكره قد يتوهم من حدهم السابق للغيبة أنها تختص باللسان وليس كذلك لأن علة تحريمها الإيذاء بتفهيم الغير نقصان المغتاب وهذا موجود حيث أفهمت الغير ما يكرهه المغتاب ولو بالتعريض أو الفعل أو الإشارة أو الإيماء أو الغمز أو الرمز أو الكتابة قال النووي بلا خلاف وكذا سائر ما يتوصل به فهم المقصود كأن يمشي مشيته فهو غيبة بل هو أعظم من الغيبة كما قال الغزالي لأنه أبلغ في التصوير أو التفهيم وأنكى للقلب وقال ومنها أي من التنبيهات التي ذكرها البواعث على الغيبة كثيرة أما تشفي الغيظ بذكر مساوي من أغضبك ثم قال وأما اللعب والهزل فيذكر عن غيره ما يضحك الناس به وأما السخرية والاستهزاء به في غيبته كهو في حضرته تحقيراً له. وروى أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح والبيهقي عن عائشة رضي الله عنها

стр. 395

قالت قلت للنبي ﷺ حسبك من صفية كذا وكذا قال بعض الرواة تعني قصيرة فقال لقد قلتِ كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته أي لا تنته وغيرت رائحته قالت وحكيت له إنساناً فقال ما أحب إني حكيت إنساناً وأن لي كذا وكذا انتهى. وهذا بالنسبة لتمثيل المسلم أما تمثيل الكافر فإن ذمياً فقال ابن حجر في الزواجر أيضاً الوجه بل الصواب تحريم غيبة الذمي كما تقرر أو لا وروى ابن حيان في صحيحه أن النبي ﷺ قال من سمع يهودياً أو نصرانياً فله النار وقال ومعنى سمعه اسمعه بما يؤذيه ولا كلام بعد هذا أي لظهور دلالته على الحرمة وقال الغزالي وأما المبتدع فإن كفر أي ببدعته فكا الحربي وإلا فكا لمسلم وأما ذكره ببدعته فليس مكروهاً انتهى ومن هذا يعلم أن التمثيل وهو حكاية حال الغير سواء كان مسلماً أو ذمياً أو مبتدعاً لا يكفر ببدعته حرام غلا ذكر بدعته فليس حراماً ولا مكروهاً. وأما الجواب عن سائر ما وقع في الجمعية التمثيلية بما أشار له السائل وطلب الجواب عنه فإنه منوط كما قدمنا بمن شاهده من علماء الدين مثل أصحاب الفضيلة الشيخ عبد الرزاق أفندي البيطار والشيخ جمال أفندي القاسمي الحلاق والشيخ رشيد أفندي سنان وعبد الرزاق أفندي الدردري ومحمد أفندي الحكيم وأبي السعود أفندي مراد الذين حضروها وشاهدوا الأعمال التي حوتها (فماء راء كمن سمعا) والله تعالى أعلم. دمشق محمد عارف المنير الحسيني الجواب الثاني للعلامة المحقق الأستاذ الفاضل صاحب الإمضاء بينما كنت أراجع الجزء الثاني من مجلة (الحقائق) الغراء من السنة الثانية عثرت على سؤال تحت عنوان رواية زهير الأندلسي لصاحب الإمضاء ي. ص سأل فيها أصحاب المجلة المذكورة وفضلاء العلماء عن التمثيل هل هو جائز وارد في الشرع أو محظور فهي عنه وتفصيل السؤال هناك وخلاصته أن السائل المذكور شهد تمثيل غلمان المدرسة العثمانية لهذه الرواية فقام أحد أساتذتها ومدح التمثيل بغلو حتى جعله من الاعتبار الوارد في قوله تعالى (فاعتبروا) الآية ومن مكارم الأخلاق الواردة في السنة (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) ثم ظهر غلمان متزينون ينشدون أدواراً منها (إنما التمثيل فرض جاء في

стр. 396

القرآن) وبعده ظهر بعض الممثلين لابساً البرنيطة كل ذلك بحضور بعض أهل العلم من غير إنكار أحد منهم على ذلك ثم أن السائل حضر خطبة الجمعة في الأموي فسمع خطيبه العلامة المفضال يذم التمثيل المذكور ويحظره بتاتاً فوقع السائل المذكور في حيرة عظيمة فالتمس الجواب. (الجواب) إن الكلام على ذلك من وجهين (الأول) في التمثيل وهو في اللغة التصوير في الصحاح ومثل له كذا تمثيلاً إذا صور له مثاله بالكتابة أو غيرها وأما المثل فجمعه أمثال في الصحاح أيضاً والمثل ما يضرب به من الأمثال وهو قول سائر لتشبيه شيء بشيء آخر وبهذا تبين أن التمثيل الذي نحن بصدده ليس من التمثيل لا من الأمثال بل الأليق والأحرى به أن يدعى تلبيساً أو تدليساً وكذباً الخ وإذا لقب أثناء الحجاج بالتمثيل فلقصد الحكاية فقط فليتنبه له. والتمثيل المذكور عبارة عن تمويه وجوه الصبيان المرد بما للرجال من شارب ولحية وكلاهما عارية من شعر أو صوف أو غير ذلك وتبديل ثيابهم ولبستهم بزي تخيلوه بفكرهم يحكي زي الملوك الماضيين والأمم السالفين حتى أن كل شخص منهم يسمى باسم ملك أو وزير أو جليل أو حقير هذا هو التمثيل الذي نوهبه ذلك الجاهل فليتأمل. وهو محرم بالكتاب والسنة والإجماع لوجوه (الأول) كونه كذباً قولاً وفعلاً كما سمعت وهو أيضاً من الافتراء على أولئك الرفات قال تعالى (إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله) الآية إذ كل قول أو فعل ما لم يعلم أخذن من كتاب أو سنة ولم يقل به أمام من أئمة الدين فهو رد لما في الصحيحين عن عائشة ﵂ من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد وهو أيضاً من البدع السيئة المنهي عنها كما في آخر حديث طويل إياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة رواه أبو داود والترمذي وفي مسلم في شق حديث ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء ولا عبرة في الأقوال والأفعال بمجرد عمل العوام بها وأن غلوا في مدحها لأنهم ليسوا من أهل النظر في الشرعيات ولا يفهمون الحجة ولا يعقلون البرهان وأعظم من هذا افتراء وأشد معصية تفسيره القرآن برأيه لحديث من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار قال في الأحياء، هنا أثناء كلام له ما لفظه وأما النهي فإنه ينزل على أحد أمرين أحدهما أن يكون له في الشيء رأي وإليه ميل من طبعه وهواه

стр. 397

فيتأول القرآن على وفق رأيه وهواه ليحتج على تصحيح غرضه ولو لم يكن له ذلك الرأي والهوى لكان لا يلوح له من القرآن ذلك المعنى. أه هـ وعليه فمن قال أن التمثيل ورد في القرآن والحديث الحث عليه أو مما أمر الله به أو من الاعتبار أو فرض جاء في القرآن أو تكلم في الدين بلا علم أو أعان من تكلم فيه بلا علم أو أدخل في الدين ما ليس منه أو حرف القرآن عن موضعه أو غير ذلك مما لا مستند له سوى مجرد عقله وهواه فإن كان جاهلاً فيعرف ويستتاب فإن تاب وإلا فن قامت عليه الحجة وجب على أولياء الأمور أن يعاملوه بما يقضي عليه الشرع لأنه ممن قال على الله بغير علم وهو مضاة لقول المشركين (الذين إذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل أن الله لا يأمر بالفحشاء القولون على الله مالا تعلمون) وفاحشة أولئك إنما كانت طوافهم بالبيت عراة وكانوا يقولون. . لا نطوف في الثياب التي عصينا الله فيها فهؤلاء إنما كانوا يطوفون عراة على وجه اجتناب ثياب المعصية وقد ذكر فكيف بمن يجعل شيئاً من المحرمات التي يعلم تحريمها من دين الإسلام من الاعتبار المأمور به في الآية ولو كان التمثيل مما أمر الله به أو من المكارم لبينه ﵊ ومثله لهم أو أمر أصحابه أن يمثلوه ولو بقصة واحدة مما في القرآن المنطوي على الأخبار عن حوادث الأمم التي قبلنا وما فعلوا وما فعل بهم وما صاروا إليه كقصة أهل الكهف وذي القرنين وبني إسرائيل مع أنبيائهم وقصة يوسف عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام وما جرى له مع أخوته أو غير ذلك لقوله تعالى (لتبين للناس ما نزل إليهم) لأنه ﷺ أعلم الخلق بطرق البيان لمحتاج إليه وأنصح الخلق لعباد الله تعالى ولما تيقنا أنه ﷺ ما فعل التمثيل ولا مر به ولا أقر عليه أحداً ولا دعا الناس إليه ولا تكلم فيه الصحابة ولا فعله أحد من أئمة الدين علمنا أنه قول مفتعل ومختلق وكذب على الله وكتابه وعلى رسوله وسنته وأن هذا الفعل محض تقليد للإفرنجة قال تعالى (ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة) فهذا جزاء الكذب على الله تعالى وأما الكذب عليه ﷺ فجزاؤه ما في الصحيحين وغيرهما (من كذب علي معتمداً فليتبوأ مقعده من النار) ولهذا الحديث طرق كثيرة صحيحة ويلزم على كون التمثيل من مكارم الأخلاق عدم وتتميم مكارم الأخلاق في زمنه ﷺ وزمن الصحابة الكرام لأنه صلى الله

стр. 398

عليه وسلم انتقل إلى أعلى عليين ولم يفعله ولا أصحابه كما تقدم حتى انبعث من أشقاه الله وعليه ما يستحق من الله تعالى وجعل هذا التمثيل منها وتممها فمزيد المقت منه تعالى يلجئ الشخص على أن يقول مالا يعقله ولا يفهمه نعوذ بالله من الجهل (الوجه الثاني) اشتماله على نشيد إنما التمثيل فرض الخ. فقد اشتمل على محرم بل على محرمات منها كونه كذباً أيضاً وافتراء محضاً على القرآن بإجماع سلف هذه الأمة وخلفها عالمها وجاهلها خاصها وعامها من غير نزاع ومنها أن فيه تضليل جميع الأئمة سلفاً وخلفاً حيث أنه فرض ولم يظهروه ولم يفعلوه كما مر وقد جمع الناس على أنه ليس لأحد أن يعمل في الدين إلا ما شرعه الله ورسوله دون ما يشتهيه ويهواه قال تعالى (ولا تتبعوا هواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً وضلوا عن وساء السبيل) ومنها تغرير العوام السامعين المصفقين له بكل انشراح ونشاط حيث اعتقدوا أنه من فروض الدين لاسيما بحضور من شأنه الإنكار ولم ينكر ولم يغير هذا المنكر وقتئذٍ لا نطقاً ولا إشارة. (الوجه الثالث) اشتماله على الغيبة والسخرية والاستهزاء وكلها حرام من الكبائر أما الغيبة فلقوله تعالى (أيحب حدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه) وفي الصحيحين في خطبته ﷺ في حجة الوداع أن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا وبلدكم هذا الأهل بلغت وفي مسلم كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله وفي هذا الباب أحاديث كثيرة لا يسعها هذا الجواب ومعلوم أن الغيبة بالقول والفعل كالمحاكاة كما هو معلوم وأما السخرية والاستهزاء فهما محرمان كما قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى ن يكونوا خيراً منهم) الآية ومعنى السخرية الاستهانة والتحقير والتنبيه على العيوب والنقائص على وجه يضحك منه وقد يكون ذلك بالمحاكاة في الفعل والقول وقد يكون بالإشارة والإيماء (الوجه الرابع) ما فيه من مجالسة المرد والنظر إليهم مع تخنثهم وتلويهم وإنشادهم الشعر ملحناً بأصواتهم المطربة وهذا مخالف لما بعث الله به رسوله ﷺ من عبادته وطاعته وطاعة رسوله ومرتكبه غير متبع للدين بل متبع لهواه وكما يحرم ما ذكر تحرم الإعانة عليه وبالجملة فكل ما اشتمل على سخف أو مدح معصية أو محرم فحضوره والرضا به حرام وقد رفع على عمر ابن عبد العزيز ﵁ قوم يشربون الخمر فأمر بضربهم فقيل له ن فيهم صائماً فقال ابدأوا به ثم

стр. 399

قال أما سمعت قوله تعالى (وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره أنكم إذاً مثلهم) فاستدل عمر بالآية لأن الله تعالى جعل حاضر المنكر مثل فاعله بل إذا كان من دعا إلى دعوة مباحة كدعوة العرس لا تجاب دعوته إذا اشتملت على منكر حتى يدعه مع أن إجابة الدعوة حق فكيف بمشاهدة المنكر من غير حق (فصل في رياضة الصبيان) قال في الأحياء أعلم أن الطريق في رياضة الصبيان من أهم الأمور وأوكدها والصبي أمانة عند والده وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة خالية من كل نقش وصورة وهو قابل لكل ما نقش ومائل إلى كل ما يمال إليه فإن عود الخير وعلمه نشأ وسعد في الدنيا والآخرة وشاركه في ثوابه أبواه وكل معلم له ومؤدب وأن عود الشر وأهمل إهمال البهائم شقي وهلك وكان الوزر في رقبة القيم عليه والوالي له وقد قال الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً) ومهما كان الأب يصونه عن نار الدنيا فبأن يصونه عن نار الآخرة أولى وصيانته بأن يؤدبه ويهذبه ويعلمه محاسن الأخلاق ويحفظه من قرنا، السوء إلى أن قال ويمنع من لغو الكلام وفحشه ومن اللعن والسب ومن مخالطة من يجري على لسانه شيء من ذلك فإن ذلك يسرى لا محالة من قرناء السوء وأصل تأديب الصبيان الحفظ من قرناء السوء فإذ كان الصبي يصان عما نحن بصدده وهو التمثيل أولى وأحرى لاشتماله على محرمات وفواحش أعظم مما ذكر كما تقدم فاعتقاد هؤلاء الجهلاء أن التمثيل من الاعتبار وأنه ينبه الأفكار وغير ذلك مما موهوا به خطأ وكذب وضرر على الأمة وأولادهم فهو بضد ماموهوا به إذ هو يثبط الأفكار ويبطئ الإفهام لأن الاعتبار والاتعاظ لهذه الأمة إنما هو بالمعاني كالأمثال المضروبة في القرآن لا بالمحسوسات كالتمثيل المخصص بغيرهم من الأمم وذلك أن التمثيل المذكور هو من الأعيان المحسوسة المشاهدة بحاسة البصر كما هو معلوم فإن كان الاعتبار والاتعاظ بمثل هذا على زعمهم وارتاضت الصبيان عليه صار حكمهم حكم بعض الأمم الماضية في البلادة حيث أن البليد لا يدرك ولا يعقل إلا ما شاهد بعيني رأسه وإذا كان كذلك فقد غيروا سنة الله في هذه الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس المشهورين بالفصاحة والبلاغة حيث أنهم يتعظون ويعتبرون بمجرد ضرب الأمثال وقصص الأحوال التي تضمنها القرآن الكريم بأوجز عبارة وألطف إشارة قال تعالى (وتبين لكم كيف فعلنا

стр. 400

بهم وضربنا لكم الأمثال) وقال عز اسمه (ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون) قال بعض المفسرين يعني أن ضرب الأمثال زيادة في الإفهام وتصويراً للمعاني وتذكيراً ومواعظ لمن تذكر واتعظوا افترك هؤلاء المعطلون للسنن الإلهية ما أمر الله تعالى به من التدبر والتفكير فيما في القرآن من المواعظ ونسوا حظاً مما ذكروا به وجاؤوا بهذا التمثيل المنوط بذي البلادة كما تقدم التي تأباها أذواق هذه الأمة وذكاؤها يروضون الصبيان السذج عليه ليعتادوا من أول نشوهم عليها وعلى الكذب والحيل والافتراء والسخرية والغيبة وغير ذلك مما تقدم من الأوصاف التي ينيو عنها العقل والطبع وبهذه المناسبة تنقل عن العلامة الماوردي ما نصه (والثاني) أن المعجزة في كل قوم بحسب إفهامهم وعلى قدر عقولهم وأذهانهم وكان في بني إسرائيل من قوم موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام بلادة وغباوة لأنه لم ينقل عنهم ما تدون من كلام مستحسن أو يستفاد من معنى مبتكر وقالوا لنبيهم حين مروا بقوم يعكفون على أصنام لهم أجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة فخصوا من الإعجاز بما يصلون إليه ببداية حواسهم وهذه الأمة أصح الناس إفهاماً وأحدهم أذهاناً قد ابتكروا من الفصاحة أبلغها ومن المعاني أغربها ومن الآداب أحسنها فخصوا من معجز القرآن بما تجول فيه إفهامها وتصل إليه أذهانهم فيدركوه بالفطنة دون البديهة وبالروية دون المبادرة لتكون كل أمة مخصوصة بما يشاكل طبعها ويوافق فهمها بتصرف (الوجه الخامس) حدوث هذه المحرمات في محل أنشئ للطاعة لأن المدارس إنما أنشئت لتعليم العلوم الشرعية وللعبادة والطاعة فهي من البيوت التي إذن الله أن ترفع وبذكر فيها اسمه لا للملاهي والخلاعة فوجود مثل هذا المحرم في مثل هذا المحل جهل على جهل وظلمات بعضها فوق بعض هذا وإني أوجه خطابي إليك أيها المدير الكامل لأن حبي القديم محقق لديك ونصحي الخالص أقدمه إليك أن تخدم وطنك أحسن خدمة وتعنى بتربية تلامذتك تربية دينية وتخلقهم بالأخلاق الإسلامية كي تصلح الأحوال وتنجح الآمال (الفصل الثاني في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) ويدل على ذلك كما قال في الأحياء بعد إجماع الأمة عليه وأشارت العقول السليمة إليه الآيات والأخبار والآثار أما الآيات فقوله تعالى (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف ينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) ففي الآية بيان الإيجاب فإن قوله تعالى ولتكن أمر وظاهر الأمر الإيجاب وفيها

стр. 401

بيان أن الفلاح منوط به إذ حصر وقال أولئك هم المفلحون وفيها بيان أنه فرض كفاية لا فرض عين وانه إذا قامت به أمة سقط الفرض عن الآخرين إذ لم يقل كونوا كلكم آمرين بالمعروف بل قال ولتكن منكم أمة فإن ذلك مهما قام به واحد وجماعة سقط الحرج عن الآخرين واختص الفلاح بالقائمين به المباشرين وإن تقاعد عنه الخلق أجمعون عم الحرج كافة القادرين عليه لا محالة وقال تعالى (ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله إناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين) فلم يشهد لهم بالصلاح بمجرد الإيمان بالله واليوم الآخر حتى أضاف إليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقال تعالى (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة) فقد نعت المؤمنين بأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فالذي هجر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خارج عن هؤلاء المؤمنين المنعوتين بهذه الآية إلى أن قال وقال (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر) وهذا يدل على فضيلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذ بين أنهم كانوا خير أمة أخرجت للناس وقال تعالى (فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بيئس بما كانوا يفسقون) فبين أنهم استفادوا والنجاة بالنهي عن السوء ويدل ذلك على الوجوب أيضاً إلى أن قال وأما الأخبار فمنها ما روي عن أبي بكر الصديق ﵁ في خطبة خطبها أيها الناس أنكم تقرؤون هذه الآية وتؤولونها على خلاف تأويلها يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لايضركم من ضل إذا اهتديتم وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول ما من قوم عملوا بالمعاصي وفيهم من يقدر أن ينكر عليهم فلم يفعل إلا يوشك أن يعمهم الله بعذاب من عنده وقل ﷺ إياكم والجلوس على الطرقات فقالوا مالنا بد إنما هي مجالسنا نتحدث فيها قال فإن أبيتم إلا ذلك فأعطوا الطريق حقها وما حقها قال غض البصر وكف الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. أه قلت وأخرج أبو داوود وابن ماجة وابن حيان في صحيحه ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي يقدرون على أن يغيروا عليه ولا يغيرون إلا أصابهم الله منه بعقاب قبل أن

стр. 402

يموتوا ومسلم في صحيحه من رأى منكم منكر فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان فياللعجب من رجال حاضرة ولهم السنة ناطقة وعيون باصرة وأذان صاغية واعية ترى أفعالاً منكرات وتسمع أقوالاً محرمات وتستطيع أن تغير بالأقوى فضلاً عن الأضعف فلم تفعل كيف وقد أجمعوا على أنه يجب على أئمة الدين وعلماء المسلمين إيضاح المشكلات ورد شبه أهل الضلالات وبيان ما يجب وما يحرم وغير ذلك ليكونوا من جملة المرادين بقوله ﷺ يحمل هذا العلم من كل خلف عدوُ له ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين أو كما قال والله تعالى أعلم. دمشق محمد القاسمي الحلاق

стр. 403

طرابلس الغرب جغرافيتها وتاريخها هي عبارة عن قطعة واسعة من شمالي أفريقيا واقعة بين مصر وتونس يمتد طولها من مصر حتى إيالة تونس وشمل هذه البلاد مطل على البحر المتوسط ومن الجنوب تتصل بالصحراء الإفريقية الكبرى مساحتها نحو ٤٠٠ ألف ميل مربع وبعبارة ثانية بقدر إيطاليا ثلاث مرات أو بقدر ثمانية أضعاف سورية. سكانها ١. ٦٠٠. ٠٠٠ وهم مزيج من البرابرة والإعراب والزنوج وهم مسلمون يتكلمون بالعربية ومن هذا العدد نحو ٤٠ ألفاً في نفس مدينة طرابلس و٣٠٠ ألف في بنغازي وملحقاتها والبقية في ملحقات طرابلس. وقد افتتحها المسلمون عام ٢٣ للهجرة ابتدأ فتحها عمرو بن العاص والزبير بن العوام في خلافة عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنهم. والبقية في ملحقات طرابلس. وقد استولت الدولة العثمانية عليها في المائة العاشرة من الهجرة سنة ٩٥٨ وذلك أن الدولة الحفصية التي قاعدتها تونس لما ضعف أمرها واستبد عليها الولاة في الأطراف كان من جملة من عصى عليها وإلى طرابلس وقد كان تابعاً لها وجار على الأهالي فتهجز إليه السلطان الناصر الحفصي وغلبه وولى على طرابلس أبا محمد عبد الواحد بن حفص فقبل الولاية بعد امتناع طويل على شروط أولها إبقاؤه والياً إلى أن يعيد البلاد إلى أعز ما كانت عليه من الرفاهية والراحة. الثاني أن يستقل بالإدارة مدة ولايته بحيث لا يعارض ولا يرد أمره في شيء. الثالث أن ينتخب مقداراً من العساكر حسب إرادته لإبقائهم في إعانته فأجيز له ذلك فبقي في الولاية إلى أن مات وولي بعده ولده فاستقر العدل والغني في المملكة حتى بلغ النهاية وأخلدت الأهالي إلى الراحة والاطمئنان وتركوا حمل السلاح وكان ذلك سبباً لطمع العدو فيهم وذلك أنه قدمت إلى ثغر طرابلس سفينتان مشحونتان تجارة فاشترى جميع ما فيهما رجل واحد ونقد الثمن حالاً واستدعى من فيهما لوليمة أعدها لهم وقد كانوا من الأسبنيول القائم أمره في ذلك الوقت فعلموا بضعف الأهلين وما هم عليه من الغفلة واللهو فأخبروا دولتهم بما رأوا فطعمت في طرابلس وكان عندها ابن السلطان الحفصي مستنجداً بها على أبيه فحملت بجيش قليل على طرابلس وامتلكتها باسم أحمد الحفصي ابن السلطان المذكور وجار في البلاد أشد الجور هو والأسبينول ولما رأى ذلك النابلطان الذي هو أحد

стр. 404

ممالك إيطاليا تداخل بين الأهالي بالإفساد ووعدهم بالحماية من الظلم وأنهم إذا أطاعوا حماهم من المظالم ولا يتداخل في أمورهم وإنما يستولي على الحصون فقط فكان ما كان وأجرى فيهم الأمر أولاً على نحو ما وعد ثم ابتدأ بالتداخل في أمرهم فامتنع بعض أعيان الأهالي وتحصنوا في (تاجوري) وكانت الحرب بينهم قائمة غير أنهم عملوا بضعفهم عن امتداد المقاومة فأرسلوا وفداً منهم إلى الأستانة مستنجدين بالدولة العثمانية في إنقاذهم ودعوها للاستيلاء على جميع البلاد وكانت أقوى دول الإسلام وقد جمعت رايتها أغلب الممالك الإسلامية ولما وصل الوفد إلى الأستانة تعجب من شكلهم كل من رآهم فأخذوا للقصر السلطاني وكان أحد رجاله عالماً باللغة العربية فكان الواسطة في إبلاغ مطالبهم للدولة فأولته على تلك البلدة وأرسلته معهم مع حامية ضعيفة لأنهم سهلوا الأمر على الدولة لكن لما وصل ذلك الوالي وعلم حقيقة الأمر راسل بتفصيل الأخبار إلى الدولة وكان إذ ذاك أسطولها الموجه إلى الاستيلاء على تونس على أهبة السفر تحت رئاسة سنان باشا فأمر بالتعريج على طرابلس أولاً فافتكها من أيدي النابلطان وبقيت مستقلة بالإدارة وليس للدولة عليها إلا هدايا وإعانات في وقت الحرب إلى أن عصى يوسف باشا القره منلي وحاربته الدولة في أواسط هذا القرن أي سنة ١٢٥١ هـ واستولت استيلاءً باتاً على المملكة وصارت إدارتها مثل إدارة سائر الولايات العثمانية ومركز الولاية طرابلس ولشهرة هذه المدينة سميت الولاية باسمها وكانت قديماً تسمى برقة وتقسيماتها الإدارية هي كما يأتي: طرابلس الغرب ويدخل في هذا اللواء قضاء زاوية. غريان عجيلات، ترهوته، أورفلة. فزان مركزه مرزوق، ويدخل فيه قضاء سوكنة. شاملي، غان. جبل غربيه مركزه غدامس. ويدخل فيه قضاء فساطو نالوت، حوض، بفرين. حمس ويدخل فيه قضاء مصراطة، ظلتين. مسلاطة، سرت. بنغازي ويدخل فيه قضاء درنة، برقه، أوجله. جالوت. ويبلغ طول سواحل هذه البلاد ١٦٠٠ كيلو متر وهي شواطئ نظيفة الداخلية ذات رمال متحركة، وتلال وجبال. وأهم جبالها جبل أطلس فهو يمتد من الشرق إلى الغرب موازياً البحر المتوسط والجبال السوداء الكائنة في صحاري فزان. وأنهار هذه البلاد قليلة ولذا صار ريها بمياه الأمطار المحزونة بمخازن واسعة نعم الأنحاء الشمالية الغربية من بلاد

стр. 405

برقة وبني غازي منبتة وبها عيون ومراع يخرج منها القمح والذرة وغيرها من أنواع الحبوب وسواحلها محصنة بالقلاع المتينة وتمسك أهلها بالعصبة العربية الإسلامية والخلافة العثمانية يحول دون مطامع كل طامع والتعليمات العسكرية منبثة هناك بين سائر العشائر والقبائل وهم في غاية الإقبال على تعلمها والميل إليها والخدمة العسكرية عندهم فرض على كل قادر على حمل السلاح. هذا وقد اضطررنا لكتابة ما تقدم ليعلم من لم يكن عظمة هذه البلاد وغزارتها وما كانت عليه من الجودة والرخاء وكيف أن غفلة أهلها عن مكايد الأعداء واسترسالهم في صحبتهم أدى بهم أولاً وأخراً إلى ما هم عليه الآن. وبعد فليعلم العالم أجمع أن هذه البلاد عثمانية وأن كل شبر منها جزء عظيم من الدولة لايمكن أن ينفصل عنها بقوة الله حتى لا يبقى في العثمانيين دم يجري ولا عرق ينبض. إيطاليا وطرابلس الغرب باغتتنا دولة إيطاليا بأمر غير منتظر ألا وهو رغبتها باحتلال طرابلس الغرب وضمها إلى أملاكها وقد قدمت مذكرة للباب العالي جعلتها مبررة لهذا العمل الفظيع بينتا فيه أن الحكومة تسعى في عرقلة مساعيها الاقتصادية في تلك الولاية وتمنعها بعض امتيازاتها المشروعة إلى غير ذلك من الأباطيل التي تستند عليها لتموه أنها مطالبة بحق. أو مضطرة إلى حماية رعاياها ومصالحها، والحقيقة التي ينبغي أن نعتقدها ونثق بصحتها تام الوثوق هو أن دول أوروبا منذ تداخلت في شؤوننا لم ننتظر منا إلا مضايق الضعف لتوسعها. ومكامن المغانم لتجرها. وكل دولة من دول أوروبا إذا بدن لنا مودة وصداقة فلمطمع وغاية فليس منها من يضمر لنا الخير مجاناً. وأو يحبنا رغبة بنشر مبادئ العدالة والإنسانية الكاملة كما يدعون وسوق الأدلة على ذلك يكاد عبثاً بعد ما صار معلوماً عند أكثر العقلاء بالبداهة. استعادت الأمة العثمانية دستورها بسيوف أبطال جيشها وأركان أحرارها وتأهبت للسير في طريق الإصلاح من جميع وجوهه وأملت بمستقبل زاهر يرفعها إلى مصاف أعظم الدول الراقية لما لها من الاستعداد العقلي لكل رقي ونجاح. فبدأت بإصلاح جيشها وبحريتها وتنظيم ماليتها فشعرت أوروبا بأن الدولة العثمانية إذا سلكت طريق الإصلاح لا تلبث غير قليل حتى تصبح ذات مكانة، تساعدها على حفظ أملاكها. وعلى المطالبة بحقوقها المهضومة.

стр. 406

فعولت على عرقلة مساعيها وخلق المشاكل لها حتى لا تتمكن مما تبتغيه من الإصلاح فلم يمض ثلاثة أشهر على إعلان المشروطية حتى أعلنت دولة بلغارية استقلالها ورفع سيادة الدولة العلية عنها. وما صدقت النمسا إن رأت بلغاريا تفعل هذا الفعل حتى قامت تعبث بحقوق سيادة الدولة العلية على ولايتي البوسنة والهرسك فأعلنت ضم هاتين الولايتين إلى أملاكها. فقامت الدولة العليا تحتج لدى الدول على هذه الأعمال الغير المشروعة والمخالفة لمعاهدة برلين الموقع عليها من جميع الدول العظمى (ومتى كان الخصم قاضياً منصفاً؟) ولم يكن من مصلحة الدولة العلية أن تعلن الحرب على دولتين معاً في وقت تعد فيه كأنها في مبدأ تكوينها وأول نشأتها ولم ترَ من باقي الدول مساعداً لها على الاحتفاظ بحقوقها وإيقاف المعتدين عند حدهم فاضطرت لارتكاب أخف الضررين فمنحت بلغاريا استقلالها. والنمسا الولايتين المذكورتين في مقابلة تعويض مالي وظن العثمانيون إن ما جرى نهاية الحوادث. وخاتمة الكوارث وأخذوا يمهدون طرق الرقي للسير عليها. فلم يرق ذلك في أعين أوروبا لأنها اعتقدت أننا صائرون إلى الإصلاح وأننا إذا بلغنا الوطر منه وأصبحنا دولة منظمة قوية مالاً وجنداً لا يتأتى لها العبث بحقوقنا كلما لاحت بارقة أمل وساعد عليها الطمع الشعبي فما فتئت تخلق لنا المشاكل الداخلية والخارجية. ولا نكاد ننتهي من ضمد جرح حتى نجد أنفسنا أمام غيره. فمشكلة كريد واليونان لا تزال على حالها من يوم أعلن الدستور إلى اليوم ولا تزيد على طول الأيام إلا تعقيداً. ولا نزال من وقت إلى آخر يزداد صداها في الأندية السياسية على غير جدوى. والمسلمون في كريد يضطهدون ويسامون العذاب. ولم تشأ الدول الأربع الحامية لكريد محافظة على حقوقنا أن تحل هذه العقدة وتوعز إلى ملك اليونان بأن يتنازل عن المطالبو بشيء غير مشروع أضف إلى ذلك مشاكلنا الداخلية التي أدمت القلوب وكانت تذهب القوى وأعظمها فتنة الألبان واليمن التي لم يكن منشؤها إلا دسائس أجنبية وما أصعب أن يقتل المرء ولده في ساحة الوغى ولكن؛ إذا لم يكن إلا الأسنة مركبا ... فلا يسع المضطر إلا ركوبها وهل يحتاج ما ذكر إلى دليل في الفتنة الأخيرة. وتؤدي الفار منهم وأخيراً تساعد العصاة الماليسور في الفتنة الأخيرة. وتؤوي الفار منهم وأخيراً لما اتفقوا مع أمهم العثمانية واخلدوا

стр. 407

إلى الطاعة ساء ذلك حكومة الجبل المذكور. وسعت بعقلة المساعي السلمية بكل مافي وسعها فلم تنجح. وهاهي اليوم إيطاليا تحفزت لالتهام ولاية طرابلس الغرب تلك الولاية العظيمة الواسعة المدى المترامية الأطراف فأرسلت إليها أسطولها بقصد احتلالها وإنزال جندها إليها واحتجت لتبرير عملها كما أسلفنا بحجج واهية لم ير أحد حقيقتها حتى أن الدافعين لإيطاليا على هذا العمل والمشوقين لها عليه لم يقدروا على المجاهرة باستحسان هذا العذر المشين وكثير من ساسة الأوروبيين صرحوا بفظاعته ولكن هل يفيد التصريح بالفظاعة شيئاً مع الإقرار على العمل. إن دول أوروبا لا تروق بعينها نهضة العثمانيين لأنهم يعملون أن رقي العثمانيين رقي للعالم الإسلامي بأسره الخاضع للخلافة العمى والإمامة الكبرى فلا عجب إذ لم نر منها تداخلاً حقيقياً في مسألتنا الحاضرة وإيقافاً لإيطاليا عن أن تطال إلى ما ليس من حقها ولا في وسعها الحصول عليه ولكنهم سيتوسطون متى رأوا فشل إيطاليا الذي ظهرت بوادره ولله الحمد فقد بشرت البرقيات بغرق جملة من سفنها الحربية تجاه طرابلس بقنابل معاقلها وحصونها وهمة وغيرة جندها وأهلها وسترى من بأس العثمانيين وشدتهم ما تذم معه غب سراها وتنحي باللائمة على تطوحها والدافعين لها إليه (وعلى الباغي تدور الدوائر) ولن تصل إن شاء الله لامتلاك شبر من طرابلس الغرب مادام العثمانيون يبذلون آخر نقطة من دمهم في سبيل المحافظة عليها. فيا أيها المسلمون حافظوا على إخوانكم وساعدوا دولة الخلافة التي هي عزكم وعليها مدار وجودكم واستقلالكم وحفظ دينكم فأنتم معروفون بالشمم وإباء الضيم وحب المجد وكراهية الذل واخلصوا النية في الأعمال (إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون). طرابلس والإعانة في دمشق كان لنبأ اعتداء إيطاليا وقع سيء في نفوس عموم العثمانيين، تمزقت له الأحشاء، وانفطرت له الأكباد، وبدت علائم الحمية على وجه كل عثماني، وأخذت منهم الحماسة مأخذها. وأصبح أكثرهم يجب أن يكتب في دفتر المتطوعين، نعم أخذوا يشعرون بوجوب

стр. 408

التآخي والتعاضد والقيام يداً واحداً لمعونة جولتنا المحبوبة. وقد كان للدمشقيين من ذلك الحظ الأوفر فقد رأينا الكبير والصغير والغني والفقير والتاجر والزارع والناس جميعاً ينقدون حمية وشهامة وقد ظهرت عليهم علامات التأثر والتألم. رأينا ظهر يوم الخميس الموافق ١٣ شوال الناس يهرعون للاجتماع في جامع بني أمية ومن بينهم العلماء والصلحاء والأمراء ووالي الولاية وبعد أن أدوا صلاة الظهر تحلقوا أمام ضريح النبي الحصور عليه وعلى سائر الأنبياء الصلاة والسلام لختم صحيح الإمام البخاري الجليل المجربة قراءته لدفع البلايا ورفع النوازل فحصل خشوع عم الحاضرين ثم بعد ذلك شاع الخبر في دمشق فتسارع الناس لحضور بركة هذا الختام وكنت ترى طلبة مدارس المسلمين من سائر الأنحاء صفاً صفاً يتسابقون للانتظام في سلك هذا المجتمع وجعل القوم يذكرون الله تعالى باسمه (اللطيف) نحواً من ساعة ثم صاروا يرددون صيغة صلاة على النبي ﷺ نحواً من ذلك ثم ختم هذا المشهد المهيب خطيب المسجد الشريف وبلبل منبره (الشيخ حسن أفندي الأسطواني) بدعاء مؤثر للغاية رجا الله فيه أن ينصر دولتنا ويؤدها بروح من عنده وأن يخذل كلمة الباغين المعتدين. والشيوخ والأطفال والكبار والعلماء والأمراء يؤمنون على دعائه تأميناً خالصاً من قلوب تبكي حناناً ورحمة لأولئك الأقوام البائسين مع انكسار وخضوع لله ورجوع إليه سبحانه اعترافاً بأن بيده مقاليد كل شيء وأن الأمر له كله. وبعد الدعاء انبرى حضرة العالم العلامة المصلح الكبير الأستاذ الشيخ صالح أفندي الشريف فخطب الناس بخطاب وجلت منه القلوب وذرفت منه الدموع وجعل الناس على كثرتهم كأنهم الرجل الواحد يسمع للأمر يهمه وكان مدار خطابه على أمور ثلاثة الأول التأسف على طرابلس وذكر حدودها وأنها لبقية الباقية من أفريقيا. والثاني دعوى الناس إلى رفع الخلاف والشحنأ وأن يتحدوا ويتفقوا ويكونوا يداً واحدة على إنقاذ بلادهم والثالث دعوتهم إلى جمع الإعانات لهذه الحرب وإعلامهم بأن المال في مثل هذه الأوقات الحرجة أعظم معين لصد هجمات هذا العدو المتوحش. وقد ظهر في هذه الخطبة العظيمة لمن لم يعرف الاستاذ حفظه الله مقدار همته، وشدة غيرته، على جمع كلمة العثمانيين، وتفانيه في تأييد هذه الخلافة وجمع القلوب عليها وأن قلبه يتفتت رحمة وحناناً لأولئك الضعفاء

стр. 409

المساكين. ثم تلاه حضرة العالم الفاضل والأديب الكامل الشيخ عبد الجليل أفندي الدرا بخطاب مؤثر للغاية. دعا الناس فيه إلى الجهاد في سبيل الله فيما إذا دعتهم الدولة العلية. وبين لهم لذة الاتفاق والوفاق وأمرهم بالاطمئنان والسكون ثم تلاه الشاعر المجيد الفاضل الشيخ عبد الرحمن أفندي القصار فتلا قصيدة حركت العواطف وبثت في الناس روح الشجاعة والشهامة وسننشرها بعد تتميماً للفائدة ثم ختمت هذه الجلسة المباركة كما بدأت بالصلاة على النبي ﷺ وابتدر الناس يجودون بما في وسعهم من المال كل على حسبه ومقدار وطنيته إعانة لهذه الحرب ومعاضدة لإخوانهم الطرابلسيين والله يعلم بما خامر قلوبنا من الاستبشار بسبب هذه المظاهر الوطنية والاحساسات القومية. ثم انفض القوم وكلهم يبتهل إلى الله تعالى بأن ينصر دولتنا العلية المحبوبة. أما الذين كانوا يقبضون أموال الإعانة من الناس فقد نشطوا لهذا العمل المبرور فهرعوا إلى الأسواق يدعون الناس إلى الإعانة فكنت ترى الإقبال عليهم من كل صوب من المسلمين والمسيحيين والإسرائيليين. وقد كان هذا الاجتماع باعثاً على تأليف جمعية عمومية يرأسها مفتي الشام غايتها جمع الإعانة من أهل الإحسان والمروءة لتنفق في ما نحتاج إليه إبان هذه الحرب وقد جعلت هذه الجمعية مركزها دائرة البلدية لأنها المحل العام للأهلين ودعت بعض سراة الحاضرة ليقوموا معاً في هذا المشروع الخيري وقر قرارها على أن تجتمع في كل أسبوع ثلاث ليال وأن تعين في كل ثمن من أثمان البلدة ستة أشخاص ليستوردوا المال من ساكني محلتهم بموجب وصولات مختومة بختم الرئيس وأميني الصندوق ثم يردون في كل جمعة ما استوردوه إلى الجمعية العمومية وقد بدأ القوم بعملهم هذا واستمطروا كف أهل الخير. وهو عمل كبير يدل على وطنية صادقة ومروءة تامة وتعلق شديد بعرش الخلافة العظمى فنشكرهم شكراً خالصاً. ونخص عامة الدمشقيين مؤملين فيهم كبير المساعدة بالنظر لما اشتهر عنهم من الحمية والغيرة وحب الإحسان والمعاضدة للأعمال الخيرية والمشاريع العمومية ونذكرهم بأن هذا الوقت وقت إظهار الحمية وقت الغيرة والشفقة على اليائسين وقت إبداء المعروف وإغاثة الملهوف. هذا وقد دبت الغيرة في جميع الأنحاء العثمانية فقام والله الحمد أهل كل قطر يجمعون

стр. 410

الإعانة لهذه الغاية والأمل من شهامة كل عثماني بذل الجهد في هذا السبيل والله لا يضيع أجر المحسنين. الجهاد والاستعداد الجهاد والاستعداد للحرب هما قوام الأمم، وحياة الشعوب، بهما يحفظ كيانهم، وتصان معتقداتهم وأخلاقهم، وبهما يرقون مراقي العز. ويتسنمون ذرى المجد، كما أنهم بإهمالهما يتلاشى أمرهم، ويفقدون استقلالهم ويضطرون للخنوع لسلطة العدو، والاستسلام لبأسه وشدته. الجهاد والاستعداد من أجل ما يعنى بأمره المفكرون، وأعظم ما يبحث عن شأنه الباحثون، إذ كان من نتائجهما أنه ما قامت أمه بهما وأحسنت استعمالها إلا وتم لها الحصول على ما تريد، وأرهبت بسطوتها عظماء ملوك الأرض. الجهاد والاستعداد مما تأمر به الأديان السماوية، وتدعو إليه النواميس الطبيعية، لأنهما الحافظان لهذا النوع الإنساني والعاملان الوحيدان على بقائه حيث كان حب التفوق على الأفران، والاستئثار بمرافق الحياة غريزة من غرائز النوع البشري، وخاصة من خواصه، يتطلبهما ما وجد غليهما سبيلاً، ولا يصده عنهما إلا ما يرهبه من القوي، ويهوله من المعدات الجهاد والاستعداد يتشكلان بأشكال مختلفة، ولهما مظاهر متنوعة، يتبعان في ذلك اختلاف الزمان والمكان، وتغير الأقوام والشعوب، فشكلهما اليوم غيره بالأمس. وستكون صورتهما غداً غيرها اليوم. كان مجموعهما بالأمس مقصوراً على المدافعة والهجوم وعلى السيف والرمح وما مثلهما وكان ذلك كافياً للتغلب على العدو ونيل الوطر منه أما هما اليوم فالاستعداد إنشاء المدرعات الضخمة ذات المدافع الهائلة وعمل المدافع الرشاشة والموز وغيرهما من آلات الرماية وتشييد المعاقل التي لا تتأثر بقذائف المدرعات واستحضار الآلات التي تمكن كل لحظة من معرفة حال العدد ما هو عليه في عامة شؤونه إلى غير ذلك من الاختراعات التي تحير الأفكار وتدهش الألباب. والجهاد أربعة أقسام مقاومة وسياسة ونشر للمبادئ واستنزاف للثروة. فجهاد المقاومة ظاهرة وهو القيام بوجه العدو بالآلات الحربية للتمكن منه والاستيلاء عليه.

стр. 411

وجهاد السياسة هو أن تبذر الأمة المجاهدة بذور الشقاق بين عناصر الشعب الذي تحاربه. وتنفخ فيهم روح التعصب لأجناسهم ومذاهبهم وتعمل على حل عرى جامعتهم من دين أو وطن. وتسعى بما فيها من قوة لتنفيرهم من ساستهم وعلمائهم فلا يلبثون إلا قليلاً حي تثور ثائرتهم. وتضرم نيران الحرب فيما بينهم وعند ذلك تتمكن من الدخول فيهم فلا تخرج إلا وقد استولت عليهم وأصبحوا من المحكومين لها والخاضعين لسلطانها. وجهاد نشر المبادئ هو أن تنشئ الأمة المحاربة المدارس في مدن أعدائها وتبث المبشرين بدينها في عامة قراهم لتسلبهم دينهم وأخلاقهم وتعوضهم عنها بدينها وأخلاقها وبذلك يتأتى لها أخذهم بدون مقاومة وتستفيد منهم مالاً تستفيده ممن استولت عليهم بالتغلب. وجهاد استنزاف الثروة هو أن تعمد الأمة القوية إلى تجارة الشعب الذي تريد ابتلاعه فتسعى لإضعافها، وتأتي إلى ما بيده من الحرف والصناعات فتعمل على انتزاعها. وذلك بأن تبعث إليه ما بيده من الحرف والصناعات فتعمل على انتزاعها. وذلك بأن تبعث غليه بالعارفين بفنون التجارة من شعبها. فيقبضون على زمام تجارته وتتحفه بمصنوعاتها المزخرفة فتقضي بها على حرفة وصنائعه. ولا تزال به حتى تستأصل ثروته وتسلبه جميع ما يملك وتذهله عن كل استعداد وتضعفه عن كل مقاومة وبذلك تجد فرصة لابتلاعه. ومساغاً لالتقامه. هذا الجهاد بأنواعه الأربعة المارة، وذلك الاستعداد بشكله المتقدم هما اللذان رفعا من مقام دول أوروبا ومكناها من العالم بأسره كما أن فقد هما هو الذي حط من قدر من دونها، وأوصلها إلى ما هي عليه من الضعف. ومن تأمل في قول الله تعالى (وجاهدوا في الله حق جهاده) وقوله عز من قائل (واعدوا لهم ما استطعتم من قوة) يرى أن الله جلت عظمته أوجب على هذه الأمة المحمدية أن يكون جهادها في كل وقت بحسبه إذ هو حق الجهاد (وهو شامل للجهاد بالأنواع الأربعة المارة كما هو ظاهر) وأن يكون استعدادها كذلك لأنه مما تستطيعه. يدخل في وسعها. نعم من الواجب عليها أن يكون جهادها اليوم كجهاد الدول الكبرى واستعدادها كاستعدادهم ولكنها تركت ما افترض عليها وتمادت في غفلتها فأصابها ما نشاهده من الضعف وما نبصره من الانحطاط حتى تمكن أعداؤها من محاربتها بجميع أنواع الحرب. وقدروا أن

стр. 412

يسلبوها كل حق ومنفعة فما أحراها والحالة هذه أن تهب من سباتها وتبتصر في أمرها فتجمع كلمتها وتوحد غايتها وتعد لأعدائها فوق ما أعدوه لها وتجاهد فيهم مثل جهادهم فيها وبذلك تحفظ كيانها وتصون شرفها وأخلاقها وتسترجع مجد أسلافها وما حصلوا عليه من العز والمهابة هذا ما نذكر به أولي الأمر ومن بيدهم الحل والعقد إذ هم الأمة بهم تذل وتعز وبهم تشقى وتسعد هذا وليعملوا أن كل فرد من العثمانيين رهن إشارتهم ماعدلوا. وطوع أمرهم ما استقاموا وأهون شيء عليه أن يبذل نفسه وماله في سبيل تأييد هذا الوطن وإعزازه. دعوة إلى الإعانة من خطبة للعلامة الفاضل صاحب الإمضاء أيها المؤمنون سارعوا إلى فعل الخير قبل أن ينزل بكم المنون (سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين) اعلموا إخواني أن ارتفاع شأن الملة الحنفية بارتفاع شأن الخلافة العثمانية وذلك بإعداد المعدات البحرية والبرية وتجنيد الجيوش واتخاذ الأساطيل المدرعة السليمة القوية وحفظ الثغور والقلاع بجيوش تردون بها غارات من يرومونكم قال تعالى (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء يوف إليكم وأنتم لا تظلمون) إخواني رحمكم الله وهداكم هذه الأعداء أحاطت بنا إحاطة السوار بالمعصم وأخذوا من بلادنا المعظم فيجب علينا أن نتوسل بكل الذراع لنحفظ كياننا وأموالنا ونساءنا وناموسنا وعرضنا وبلادنا ولا أظنكم ترضون بالدمار وخراب الديار وانتساف الآثار وتلبسون ثوب الذل والعار فلهذا تنبهت الأفكار وقامت الملة على قدم وساق لتدفع هذا الأمر المدلهم الذي هو حميم وغساق وأسسوا جمعيات خيرية وصناديق للإعانة البحرية وبرز الموحدون إلى ميدان السباق ولم يبخلوا بالبذل والإنفاق فلو نظرتم إلى أقدام أهالي مركز الخلافة والأناطول والروم إيلي وسائر البلاد العثمانية لاستصغرتم أنفسكم عندهم في بذل الإعانة فمنهم من تعهد بشراء سفينة مدرعة ومنهم من بذل جل ما معه وملئوا الصناديق وذلك المهم أن هذا المال لا يضيع منه درهم بل يصرف في سبيل الله لكشف

стр. 413

هذا الأمر المدلهم فيا طوبى لهم قد شروا الدار الآخرة بالعرض الأدنى وعلموا أن الله مخلفة فهو الذي أعطى وأغنى وأنتم أيها الإخوان تعلمون أن هذا المال ظل زائل ولا فائدة في كنزه ولا طائل ولا سمح الله إذا استولى عليكم العدو يلحقكم الذل والصغار ويسومكم أنواع الخسف والاحتقار ويبتز أموالكم بما فيه الهلاك والدمار فليكن كل منا لأمر الله سميعاً مطيعاً واعتصموا بحبل الله جميعاً واسمعوا ما أتلوه عليكم من الكتاب والسنة قال تعالى وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين وروى البخاري بسنده إلى سهل رضي الله تعالى عنه أنه قال سمعت النبي ﷺ يقول موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها ولغدوة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها فرحم الله عبداً سمع النصيحة ووعاها وبادر إلى العمل بمقتضاها. مفتي الاى ٧٦ محمد رضا

стр. 414

النجدة النجدة يا حماة الوطن السيف يفعل مالا يفعل القلم ... فهو الذي في الوغى دانت له الأمم إن اليراع رسول للحسام فإن ... لم يجد نفعاً فحد الصارم الحكم يا دولة الدين والدنيا بأجمعها ... ويا مليكاً فدته العرب والعجم أضحى يناديكمو الإسلام ملتجأ ... والدين والكعبة الغراء والحرم يا جيش ملك بني عثمان من شهدت ... له الأعادي وموج الموت يلتطم هذا أوانك فالهيجا قد استعرت ... ونارها في مواني البحر تضطرم يا أيها العسكر الجرار صن شرفا ... إذ دون إذلاله الأرواح تنعدم يا أمة الدين هذا يوم نجدتكم ... بالروح والمال أين العزم والهمم فليبذل المال من لم يستطع عملا ... ولا يكلف من الوى به العدم فأين من ينقذ الأوطان من خطر ... بها ألم ونار الحرب تحتدم هل من مجيب لأصوات الجهاد بعز ... مٍ دونه قلل الأجبال تنهدم إن الأجانب نحو الملك قد فغرت ... أفواهها وعراً أمعاءها النهم هبوا لنصرة دين الله ليس على ال ... رحمن ينتصر الشيطان والبُهم هبوا فأنتم جنود الله ما برحوا ... يقودهم للنزال النصر والشمم فالغارة الغارة الشعواء يا أسداً ... لحم الأعادي غداها والشراب دم جنات عدنٍ لمن نال الشهادة قد ... تزينت ووجوه الحور تبتسم فالدين والوطن المحبوب يندبكم ... والله فيكم من الأعداء ينتقم هذي الأجانب قد حلت بلادكمو ... هلا اعتراكم على فقدانها ألم صونوا البلاد مع الأعراض واحتفظوا ... بدينكم قبل أن يستفحل الندم واحموا حمى دولة الإسلام بل فثبوا ... وثوب أسد ترامت دونها الغنم فالنار لا العار أسمى للرجال إذا ... حقوقها غصبت والعهد منصرم فهل يطيب لكم عيش إذا ظفرت ... تلك العلوج وسادت فيكم القزم إن المنايا وإن جلت مصائبها ... أحلى من الشهد أن صينت بها الحرم يا أمة الدين شدوا أزر دولتكم ... ببذل مال فعنكم يؤخذ الكرم أما من العار أن نسخو لشهوتنا ... ونلزم الشح فيما فيه نحترم

стр. 415

دمشق عبد الرحمن القصار

стр. 416

الإعانة بالوسائل المنكرة لايشك مسلم اعتقد أن هذا الدين المحمدي حق، وإن القرآن الكريم صدق، وأن سيدنا الله صلى الله تعالى عليه وسلم ما كان ينطق عن الهوى، وقرأ قوله تعالى: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله) الآية وقوله سبحانه: (الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله) وقوله ﷻ : (فأنذرتكم ناراً تلظى لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى وسيجنبها الأتقى الذي يؤتى ماله يتزكى وما لأحد عنده من نعمة تجزي إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى) وقوله عز شأنه: (الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا) وبلغه ماروي عن عائشة ﵂ أنها قالت وقد حكيت له أي لسيدنا رسول الله ﷺ سلم إنساناً فقال ما أحب إني حكيت إنساناً وأن لي كذا وكذا وأنه لا يجوز التوصل بالمحرم إلى الحلال في الصدقة من علم هذا كله لا يشك في أن قسماً من الزكاة الثمانية يجب أن يصرف في سبيل الله وهو الجهاد وأن الجهاد كما يكون بالنفس يكون بالمال وأن المسلم لا يتزكى عند الله ماله إذا آتاه لأحد له عنده نعمة تجزى وأن الصدقة رثاء الناس موصوف بها الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وأن روايات التمثيل التي تحكي الناس حظرنا سيدنا رسول الله ﷺ وأن الصدقة التي تؤتى بواسطة أمر محرم شرعاً لا أجر فيها ولا يقبلها الله تعالى بل تكون مردودة على صاحبها وفيها الإثم والوبال والعذاب والخزي والنكال. إذا صح هذا عند المسلم وتقرر وعرف أنه من الدين المحمدي الحنيفي وأراد أن يعطي إعانة للحرب أو للفقراء أو لمنفعة عامة للمسلمين أو غيرها من الصدقات سواء كانت واجبة وهي الزكاة وما شابهها أو تطوعاً وهي ماعداها لا يدفعها ذلك المسلم بواسطة حضور رواية تمثيل أو اجتماع يشتمل على محرم إذا كان قصده بتلك الصدقة من حيث هي وجه الله تعالى والثواب في الآخرة فإن دفع الصدقة بواسطة من هذه الوسائط أو مثلها خسران الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين وحق لذلك المتصدق أن ينشد له: مربية الأيتام من كد فرجها ... لك الويل لا تزني ولا تتصدقِ فإن فيها الوزر بدل الثواب والأجر وذلك لأن المتصدق بواسطة حضور روايات التمثيل

стр. 417

وأمثالها لو لم يحضر لم يتصدق فكانت منه لأجل حضور الرواية واتباع نفسه سبيل الغواية لا لوجه الله عز علاه ولا للثواب يوم المآب. ولا ريب أن الذين يمثلون الرواية ليسوا ذوي مروءة وشهامة لخروجهم أمام الناس بهيئة تشينهم في دينهم وتثلم عرضهم بين المجتمعين عليهم إذا كان يصدق على أمر دهم قول الشاعر: يرينا صفحتي قمر ... يفوق سناهما القمرا يزيدك وجهه حسنا ... إذا مازدته نظرا ونتأكد أن لا أحد من المواطنين سيما أصحاب المروءة والدين يؤازر هذا العمل الشري المنكور وأن موه بأنه تدعو إليه الوطنية الصحيحة في مثل هذه الأزمات الشديدة إذ كانت إعانة الحملة الطرابلسية يمكن جمعها أضعافاً مضاعفة بدون فحش وثلم عرض وإخلال بالمروءة وارتكاب محرمات جمة لا يرتضيها صاحب دين أو ذمة ونشكر بلسان الدين والمروءة والشهامة أصحاب الوجدان الذين يتركون مؤازرة المشخصين المرد لما علموا أن قصد الواردين إليهم التمتع بجمالهم وما كنا نحتال أن يسترسل في دمشق بعض أبناء العائلات الكرمة في مثل هذه المفاسد المميتة للأخلاق ولم ندرِ كيف سمح ولهم أولياؤهم بالانغماس في سبيل هذه السفاسف الغربية وهم يعلمون أن اقتداءنا بالغربيين بالضار من عاداتهم دون المنافع هو داؤنا العضال وكان الأولى بهؤلاء الشبان أن يجتهدوا في نفع أمتهم بما يرفع شأنهم ويعلى من أقدارهم ولعلهم إلى ذلك صائرون. محمد عارف المنير الحسيني

стр. 418

جنايات المقتبس على الدولة والوطن (شر ملحقاً للعدد الثاني من السنة الثانية) يقوم بيننا دعاة الفساد ينشرون أفكارهم، ويجرون علينا ويلاتهم، يفسدون علينا سياستنا، يغرقون بين عناصرنا، ينفروننا من دولتنا، يساعدون علينا أعداءنا يتسلطون على علماءنا، يحقرون كبرياءنا، يضروننا في ديننا، يسقطون مهابة حكامنا، يسعون في إفساد شباننا، يعملون على إماتة عواطفنا، يعمدون لانتزاع الشجاعة والشهامة منا، كل ذلك يفعله المفسدون ونحن ساهون لاهون. لا ينبض لنا عرق، ولا يتحرك فينا دم، كأننا لسنا من أهل الحياة فإلى متى هذا النوم يا قوم، هذا صاحب المقتلس منذ إعلان الحرب بين دولتنا المحبوبة وبين إيطاليا أخذ ينشر الأخبار المنكوبة التي تجلب اليأس وتضعف القوى. نشر قوات إيطاليا وما عندها من الاستعدادات الحربية ليرهبنا بذلك ويقطع عزائمنا. بين ضعف الدولة وفقرها وثبط العثمانيين عن جمع الإعانات وتحرص بأنهم لا يجمعون من المملكة أكثر من ربع مليون ليرة وأن من الحكمة أن يصرف على أعمار بلادهم. وقال في الرد على من يحث العثمانيين وعموم البلاد الإسلامية على مساعدة الدولة بأموالهم كما فعل الفرنسيون واليابانيون (فأين نحن من يا بأن مملكة الشمس المشرقة وفرنسا ممدنة العالم) كأن العثمانيين ليسوا من بني البشر. وقارب أن يفضل السياسة المدنية على السياسة الشرعية الربانية في مقالة نشرها بإمضاء س. ز. ولما رأى أن مسألة اختلاف العرب والترك قد زالت وأن الأمة أدركت خطأها وتبين لها بفضل الوعظ الديني أن الواجب عليها أن تتضامن وتتكافل وتنسى الأحقاد وتدع الشخصيات ليتسنى لها الخروج من هذا المأزق الحرج الذي وقعت فيه لم يرق له ذلك فقام ينشر ما يدعو إلى النفور ويزعم أن خطباء المسلمين يهيجون الناس لأنهم يأمرونهم بالجهاد في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ويحثونهم على مساعدة دولتهم والدفاع عن إخوانهم بالإعانات والتطوع مموها أن في ذلك ما يثير الخواطر على المسيحيين كذب والله فأله، وطاش سهمه، وخاب ظنه فليس في الحث على الجهاد ما يوجب شيئاً من ذلك. وهل المسلمون والمسيحيون إلا سواء في الوطنية، سواء في العثمانية وهاهم يعملون معاً يداً واحدة على جمع الإعانات لإنقاذ دولتهم وأهل وطنهم

стр. 419

والحماسة سائدة بين الجميع على رغم أنف من يريد التفرقة بينهم فليدع المتخرصون تخرصاتهم فإن الشرع الشريف يعتبر مواطنينا المسيحيين قسمين ذمي ومعاهد فالذمي له ما المسلمين وعليه ما عليهم دمه حرام، وعرضه حرام، وماله حرام ولا يحل لمسلم أن بمثابة فضلاً عن أن يتعرض له بسوء والمعاهد الأجنبي قد دخل البلاد بإذن الخليفة الأعظم فهو محقون الدم مصون العرض محفوظ الحقوق عملاً بالأمان الذي منحته الحكومة إياه ومن أوفى ذمة من المسلمين وليرجع القارئ إلى مقالة صاحب المقتبس (التكهن السياسي المنشورة عدد (٧٩٥) ومقالة ماليتنا والإعانات (المنشورة عدد ٧٩٩ وإلى مقالة الأقاويل والأراجيف الموقعة بإمضاء س. ز المنشورة عدد ٨٠١ ويتصفح جريدته وليقابل بينها وبين غيرها من الجرائد العثمانية التي تتقد حماسة وغيرة وتحمل العثمانيين على أن يفدوا دولتهم العثمانية بأنفسهم وأموالهم وأولادهم وأن يعيشوا شرفاء أو يموتوا أعزاء قال لنا بعض الناس أنني حينما أقرأ جريدة المفيد تأخذ في الحماسة الشديدة وآخذ العهود على نفسي أنني إذا وجدت احتياجاً في دولتي لا مثالي لا فدينها بنفسي ومالي وإذا طالعت جريدة المقتبس يعتورني اليأس والخور وأتصور أن الطليان لابد أن يأخذوا طرابلس الغرب وأن حماستنا وغيرتنا وإعاناتنا وقوتنا لا تقيد شيئاً وقد اجتمعنا بكثير ممن كانوا يعتقدون فيه الوطنية فرأيناهم ساخطين عليه وقد ظهر لهم ما كان يخفيه من العداء للأمة والملة. ومهما تكن عند امرئ من خليقة ... وإن خالها تخفى علي الناس تعلم ذلك بعض ما قام به صاحب المقتبس من المفاسد فلما كان عمل العثمانيين تجاهها هل رهبوا إليه ونصحوه وبينوا له خطورة الأمر هل أقاموا عليه احتجاجاً مشروعاً ليرتدع فما هو عليه من الغي ويرجع إلى الصواب شاء أم أبى هل رفعوا أمره إلى الحكومة لتتلاقى الخطر قبل أن يتسع الخرق؟ هل قاطعوا جريدته ورفضوا الاشتراك ليتضح له خلل رأيه وأن الأمة قد انتبهت له فيعدل خطته أو يعتزل الصحافة فيريح الناس من إفساده وسخافة رأيه حقاً ليس الوقت وقت خصام وشحناء وتضاغن وعداء وتخطئ مخطئ وتفيد مزاعم متحرض وإنما الوقت وقت أن نجتمع بدا واحدة ونعمل على تلاقي هذا الخطر المحدق بنا الذي لا يعلم ما تكون النتيجة فيه (وستكون خيراً أن شاطئه) وليكن من لنا بتقييد تلك اليد الأثيمة عن تفريق وحدتنا والعبث بمصالحنا وزرع اليأس في قلوبنا والتلاعب بديننا. نحن

стр. 420

والله لا نطلب من صاحب المقتبس إصلاحاً لأنه بعيد عن الخير والخير بعيد عنه ولا نعلم أن جريدته بجريدة أجنبية منها بجريدة عثمانية وأنها لا تعمل على نفع العثمانيين وإنما نريد أن يكف عنا شروره ويكفينا وتعزيزه أو يرغم على ترك هذه السياسات السخيفة والآراء الصبيانية الضعيفة ويحزنها في فؤاده فلا يراها أحد من العالمين وخلاصة القول أن الواجب على من عنده غيرة وحمية مقاطعة كل جريدة إفسادية ورفض الاشتراك بها ليرتدع بذلك المفسدون.

стр. 421

العدد ١٥ - بتاريخ: ٢٣ - ١٠ - ١٩١١

стр. 422

الدين الإسلامي والتوحيد النبويات ١١ لامرية في أن بعثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من متممات البشر ومن أهم حاجاته، وأكمل وسيلة لنظام اجتماعه وأعظم طريق لسعادته الدنيوية والآخروية التصديق ببعثة الرسل ركن من أركان الإيمان، ودعامة من دعائمه، فيتحتم على كل مكلف أن يعتقد أن الله بعث رسلاً من البشر مبشرين بثوابه ومنذرين بعقابه اصطفاهم لرسالته، وفضلهم بخطابه، وفطرهم على معرفته، وجعلهم سفراء بينه وبين خلقه، يعرفونهم بمصالحهم ويسعون لهدايتهم ويرشونهم إلى طريق النجاة ويخرجونهم من الظلمات إلى النور بإذن ربهم. إن في إرسال الرسل إلى العباد حكمة بالغة، ورحمة للعالم شاملة، ونعمة من نعم واهب الوجود سابقة، إذ يبعثهم تهتدي العقول إلى معرفة الخالق جل وعلا وما يجب له من الصفات المقدسة، وتتكامل النفوس البشرية بحسب استعداداتها في العمليات والعمليات وتعلم الأخلاق الفاضلة والسياسات الكاملة، وتصان الحقوق وتحفظ الأمانات. ولولا إرسال الرسل ماعرفت الشرائع ولأحكام، ولا تميز الحلال من الحرام، ولا استبان ما يؤهل لرضاء الله، وما يعرض لسخطه، ولا استقامت أحوال، ولا انتظمت مصالح، وذلك لأن الناس لا يدركون مصالحهم بأنفسهم ولا يشعرون بعواقب أمورهم بغرائزهم، ولا ينزجرون مع اختلاف أهوائهم دون أن ترد عليهم آداب المرسلين، وتتلى عليهم آيات رب العالمين، فتكون آداب الله فيهم مستعملة، وحدوده متبعة، وأوامره فيهم ممثلة، ووعده لهم جاذباً ووعيدة زاجراً وقصص من غبر من الأمم وأعظا أليس من حكمة الخلق جل شأنه أن يرسل إلى عباده من يصطفيهم من خلقه ليبينوا لهم ما شرعه تعالى من الأحكام ويعلموهم ما تحتمله عقولهم ولا يبعد عن تناول إفهامهم مما يصلح به معاشهم ومعادهم ثم يؤيدهم بالآيات البينات والمعجزات الباهرات تصديقاً لدعواهم لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل. وقد جرت سنة الله في بعثة الرسل عليهم الصلاة والسلام أن يصطفيهم من أشرف معاصريهم نسباً وأعلاهم حسباً وأذكاهم عقلاً وأكرمهم خلقاً وأكثرهم علماً وأحكمهم سياسة

стр. 423

رأفة بالناس ورحمة بضعفهم ليسهل الرضوخ لهم من الملك في سطوته والشريف في سمو محتدة ومن الشجاع في قوته والفيلسوفي في نفوذ فكرته والسياسي في دقة أساليبه ودلت الآثار على أن الله تعالى منح كل رسول من الصفات أوفى ما كان شائعاً بين قومه ومحلاً لمباراتهم وإعجابهم حتى تتم الصلة بينه وبينهم ثم يكون سموه في كل تلك المفاخر والمحامد وزيادته عليها بما يكرمه به الله من إشراقات النبوة وأنوار الوحي مدعاة إلى الانقياد له والخضوع لما يجيء به من الأوامر الإلهية، والحكم التشريعية. ومن الدلائل المؤيدة لنبوتهم أن الله تعالى أرسلهم في أمم مختلفة وأزمنة متعاقبة متحدين في الوجهة متوافقين في الغاية يظهر أمرهم أولا ضعيفاً هينا ثم يقوى ويشتد ولا يزال كذلك حتى تصير كل قوة بإزائهم ضعفا وكل مقاومة استسلاماً وهم في زمان قوتهم كما في زمان ضعفهم كبراء الأفئدة لا تستخفهم المموهات الأرضية والملذات الوهمية أحرار لم تأسرهم فواتن الدنيا ولا سواحر الحياة مسمين وجوههم لله لا يخافون بطش جبار ولا سطوة غاشم داعين إلى سبيل الله لا يفترون ولا يملون ولا يضعفون ولا يجبنون. أجسام بشرية وأخلاق ملكية قد وسع الناس حلمهم واتسع للكل صدورهم فقراء ولكن تستخذي الملوك أمامهم، حلماء ولكن ترتعد العتاة بحضرتهم. هؤلاء القادة العظماء الذين برهنت أفعالهم على صدق أقوالهم وجاءت الحوادث مؤمنة على دعائهم اتحدوا كلهم على القول بأنهم رسل الله إلى خلقه وأمنته على أسرار وحيه وأن بينهم وبين العالم العلوي صلة مستمرة ومددا لا ينقطع وأنهم جاؤوا للأرواح بنورها وللعقول بريحانها وللقلوب بمطلوبها وللصدور بشفائها. يرشدون الناس إلى أن للكون إلهاً واحدا متصفا بصفات الكمال منزها عن صفات النقصان ويبينون لهم الحد الذي يجب أن يقفوا عنده. يعرفون من أين تقتاد العقول المستعصية وكيف تستلين القلوب القاسية وبأي وسيلة تلجأ الجباه العالية العاتية إلى السجود والاخبات أمام عظمة الله وجبروته. وقد اتفق العلماء على أن النبوة خصيصة من الله تعالى لا يبلغ العبد أن يكتسبها ويفسرونها باختصاص العبد بسماع وحي من الله تعالى بحكم شرعي تكليفي سواء أمر بتبليغه أم لا وليست مكتسبة للعبد بمباشرة أسباب خاصة كالرياضيات والتخلي عن الأمور الذميمة

стр. 424

والتخلق بالأخلاق الحميدة كما زعمت الفلاسفة وليس أمر هذا الاختصاص بعجيب فإننا نشاهد أمام أعيننا رجالاً متعهم الله تعالى بقوة عضلية لا يكاد يتصورها إلا من يراهم فإن كان لا يمكن التردد في أن هذه القوة الهائلة موهبة خاصة لا يستطاع كسبها بوجه من الوجوه فأي غرابة في أن أمر النبوة وهي قوة روحانية من المواهب الخصوصية التي يمتع الله بها أفراد من النوع الإنساني ليهدوا الناس إلى أقصد المناهج وليحملوا إليهم أنوار الحقائق وأسرار الشرائع ولا ندري كيف غفل عن مثل هذه المحسوسات أولئك الذين زعموا أن النبوة مكتسبة. وفي مقدمة ابن خلدون أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام جعل الله لهم الانسلاخ من البشرية في حالة الوحي إلى الملكية فطرة فطرهم عليها وجبلة صورهم فيها ونزههم عن موانع البدن وعوائقه ماداموا ملابسين لها بالبشرية بما ركب في غرائزهم من القصد والاستقامة التي يحاذون بها تلك الوجهة وركز في طبائعهم رغبة في العبادة تكشف بتلك الوجهة فهم يتوجهون إلى الأفق الأعلى بذلك النوع من الانسلاخ متى شاؤوا بتلك الفطرة التي فطروا عليها لا باكتساب ولا صناعة له إذا تقرر هذا فلا مناص من التسليم والاعتراف بأن النبوة محض فضل من الله يختص بها من يشاء من عباده لا تنال باكتساب ولا استعانة بشيء من المدارك ولا من التصورات ولا من الأفعال البدنية ولا بأمر من الأمور بل هي خصيصة وهبها الله بالفطرة لمن يصطفيه من خلقه فيكرمه بالإشراف على ما في الحضرة الروحانية فيرى من أمر الملأ الأعلى ما لا يرى الناس ويأتي لهم من ذلك الطريق بمعلومات يقصر العالم أن يتوهمها فضلاً عن أن يطلع على شيء منها (الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس). وللأنبياء عليهم الصلاة والسلام صفات كمال يجب الاعتقاد بثبوتها وهي الصدق والأمانة والعصمة والتبليغ والفطانة ويستحيل عليهم أضدادها وهي الكذب والخيانة والكتمان والغباوة ومقارفة ذنب من الصغائر والكبائر كما يجب سلامة أبدانهم من كل منفر طبعا فلا يعتريهم جنون ولا جذام ولا برص ولا عمى ولا غير ذلك مما يؤدي إلى نقص في مراتبهم العلية وما نقل في الإسرائيليات من ابتلاء أيوب بأنواع البلاء المنفرة فهو باطل لا يعبأ به.

стр. 425

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لنأمرن بالمعروف وتنهن عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم ثم يدعوا خياركم فلا يستجاب لهم حديث شريف بين فيه رسول الله ﷺ درجة الأمر بالمعروف وأنها لأزمة واجبة وأن الناس إذا أهملوها فلم ينكروا منكرا ولم يرشدوا آثما سلط الله عليهم شرارهم فلا يقوون على دفعهم ثم يشتد الضيق والضنك حتى يدعوا خيارهم فلا يستجاب لهم. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمر عظيم الفائدة، كبير التيجة يدل على ثبات في الجأش، وقوة في قول الحق، وصلابة في الدين والعقيدة. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما قال العلماء ﵃ هو القطب الأعظم في الدين، والمهم الذي ابتعث الله له النبيين، والأمر الذي به تحيى الصفات والأخلاق والقربة التي تتضاءل دونها درجات القربات. لو طوي بساطه. وهمل علمه وعمله، لتعطلت النبوة، واضمحلت الديانة، وعمت الفترة، وفشت الضلالة، وشاع الجهل والجهالة، واستشرى الفساد، واتسع الخرق، وخربت البلاد، وهلك العباد. وقد كان الذي خفنا أن يكون فكل ما نشاهده بأم العين اليوم من التهتك والخلاعة والفحش والجهل وفساد الأخلاق وشتم أهل الدين وثلم أعراض المصلحين وشرب الخمور وترك الصلوات والخيانة والإيذاء والرشوة والظلم والدعاء إلى العصبية الجنسية وتفريق الكلمة وإيقاع الشقاق والكذب وتنفير الأمة من حاكمها والنداء بذم الحكومة لتسقط هيبتها وتخفض شوكتها وتسمية السفلة والأوباش بالمصلحين وسكوت أهل العلم عنهم و. و. والخ ناشئ ذلك كله ومتسبب عن عدم إنكار المنكرات والنهي عنها ولو أنا أنكرنا كل شيء نراه في ديننا منكرا لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه من التأخر والانحطاط. عدم إنكار المنكرات يترتب عليه كما قلنا كل مفسدة وعنه ينشأ كل رذيلة وهو العادة الوخيمة والخصلة الذميمة التي أنهكت قوانا وأذهبت روح آدابنا وجعلتنا عبرة لغيرنا وصيرت كلمة الباطل حقاً وكلمة الحق باطلاً كل من تدين بالدين الإسلامي ودخل قلبه نور هداه يتأكد أن الشريعة الطاهرة ما جاءت إلا لهدي البشر ونفعه وإنقاذ من مهاوي النفس والشيطان فهي أبداً تحث على التناصح وتحض على التواصي بالحق وقد جعلت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من صفات المؤمنين والعمل بضد ذلك من صفات المنافقين
следующие страницы →