Полный текст (1 077 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
العدد ١٥ - بتاريخ: ٢٣ - ١٠ - ١٩١١
стр. 422
الدين الإسلامي والتوحيد
النبويات
١١
لامرية في أن بعثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من متممات البشر ومن أهم حاجاته، وأكمل وسيلة لنظام اجتماعه وأعظم طريق لسعادته الدنيوية والآخروية التصديق ببعثة الرسل ركن من أركان الإيمان، ودعامة من دعائمه، فيتحتم على كل مكلف أن يعتقد أن الله بعث رسلاً من البشر مبشرين بثوابه ومنذرين بعقابه اصطفاهم لرسالته، وفضلهم بخطابه، وفطرهم على معرفته، وجعلهم سفراء بينه وبين خلقه، يعرفونهم بمصالحهم ويسعون لهدايتهم ويرشونهم إلى طريق النجاة ويخرجونهم من الظلمات إلى النور بإذن ربهم.
إن في إرسال الرسل إلى العباد حكمة بالغة، ورحمة للعالم شاملة، ونعمة من نعم واهب الوجود سابقة، إذ يبعثهم تهتدي العقول إلى معرفة الخالق جل وعلا وما يجب له من الصفات المقدسة، وتتكامل النفوس البشرية بحسب استعداداتها في العمليات والعمليات وتعلم الأخلاق الفاضلة والسياسات الكاملة، وتصان الحقوق وتحفظ الأمانات.
ولولا إرسال الرسل ماعرفت الشرائع ولأحكام، ولا تميز الحلال من الحرام، ولا استبان ما يؤهل لرضاء الله، وما يعرض لسخطه، ولا استقامت أحوال، ولا انتظمت مصالح، وذلك لأن الناس لا يدركون مصالحهم بأنفسهم ولا يشعرون بعواقب أمورهم بغرائزهم، ولا ينزجرون مع اختلاف أهوائهم دون أن ترد عليهم آداب المرسلين، وتتلى عليهم آيات رب العالمين، فتكون آداب الله فيهم مستعملة، وحدوده متبعة، وأوامره فيهم ممثلة، ووعده لهم جاذباً ووعيدة زاجراً وقصص من غبر من الأمم وأعظا أليس من حكمة الخلق جل شأنه أن يرسل إلى عباده من يصطفيهم من خلقه ليبينوا لهم ما شرعه تعالى من الأحكام ويعلموهم ما تحتمله عقولهم ولا يبعد عن تناول إفهامهم مما يصلح به معاشهم ومعادهم ثم يؤيدهم بالآيات البينات والمعجزات الباهرات تصديقاً لدعواهم لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.
وقد جرت سنة الله في بعثة الرسل عليهم الصلاة والسلام أن يصطفيهم من أشرف معاصريهم نسباً وأعلاهم حسباً وأذكاهم عقلاً وأكرمهم خلقاً وأكثرهم علماً وأحكمهم سياسة
стр. 423
رأفة بالناس ورحمة بضعفهم ليسهل الرضوخ لهم من الملك في سطوته والشريف في سمو محتدة ومن الشجاع في قوته والفيلسوفي في نفوذ فكرته والسياسي في دقة أساليبه ودلت الآثار على أن الله تعالى منح كل رسول من الصفات أوفى ما كان شائعاً بين قومه ومحلاً لمباراتهم وإعجابهم حتى تتم الصلة بينه وبينهم ثم يكون سموه في كل تلك المفاخر والمحامد وزيادته عليها بما يكرمه به الله من إشراقات النبوة وأنوار الوحي مدعاة إلى الانقياد له والخضوع لما يجيء به من الأوامر الإلهية، والحكم التشريعية.
ومن الدلائل المؤيدة لنبوتهم أن الله تعالى أرسلهم في أمم مختلفة وأزمنة متعاقبة متحدين في الوجهة متوافقين في الغاية يظهر أمرهم أولا ضعيفاً هينا ثم يقوى ويشتد ولا يزال كذلك حتى تصير كل قوة بإزائهم ضعفا وكل مقاومة استسلاماً وهم في زمان قوتهم كما في زمان ضعفهم كبراء الأفئدة لا تستخفهم المموهات الأرضية والملذات الوهمية أحرار لم تأسرهم فواتن الدنيا ولا سواحر الحياة مسمين وجوههم لله لا يخافون بطش جبار ولا سطوة غاشم داعين إلى سبيل الله لا يفترون ولا يملون ولا يضعفون ولا يجبنون. أجسام بشرية وأخلاق ملكية قد وسع الناس حلمهم واتسع للكل صدورهم فقراء ولكن تستخذي الملوك أمامهم، حلماء ولكن ترتعد العتاة بحضرتهم.
هؤلاء القادة العظماء الذين برهنت أفعالهم على صدق أقوالهم وجاءت الحوادث مؤمنة على دعائهم اتحدوا كلهم على القول بأنهم رسل الله إلى خلقه وأمنته على أسرار وحيه وأن بينهم وبين العالم العلوي صلة مستمرة ومددا لا ينقطع وأنهم جاؤوا للأرواح بنورها وللعقول بريحانها وللقلوب بمطلوبها وللصدور بشفائها.
يرشدون الناس إلى أن للكون إلهاً واحدا متصفا بصفات الكمال منزها عن صفات النقصان ويبينون لهم الحد الذي يجب أن يقفوا عنده.
يعرفون من أين تقتاد العقول المستعصية وكيف تستلين القلوب القاسية وبأي وسيلة تلجأ الجباه العالية العاتية إلى السجود والاخبات أمام عظمة الله وجبروته.
وقد اتفق العلماء على أن النبوة خصيصة من الله تعالى لا يبلغ العبد أن يكتسبها ويفسرونها باختصاص العبد بسماع وحي من الله تعالى بحكم شرعي تكليفي سواء أمر بتبليغه أم لا وليست مكتسبة للعبد بمباشرة أسباب خاصة كالرياضيات والتخلي عن الأمور الذميمة
стр. 424
والتخلق بالأخلاق الحميدة كما زعمت الفلاسفة وليس أمر هذا الاختصاص بعجيب فإننا نشاهد أمام أعيننا رجالاً متعهم الله تعالى بقوة عضلية لا يكاد يتصورها إلا من يراهم فإن كان لا يمكن التردد في أن هذه القوة الهائلة موهبة خاصة لا يستطاع كسبها بوجه من الوجوه فأي غرابة في أن أمر النبوة وهي قوة روحانية من المواهب الخصوصية التي يمتع الله بها أفراد من النوع الإنساني ليهدوا الناس إلى أقصد المناهج وليحملوا إليهم أنوار الحقائق وأسرار الشرائع ولا ندري كيف غفل عن مثل هذه المحسوسات أولئك الذين زعموا أن النبوة مكتسبة.
وفي مقدمة ابن خلدون أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام جعل الله لهم الانسلاخ من البشرية في حالة الوحي إلى الملكية فطرة فطرهم عليها وجبلة صورهم فيها ونزههم عن موانع البدن وعوائقه ماداموا ملابسين لها بالبشرية بما ركب في غرائزهم من القصد والاستقامة التي يحاذون بها تلك الوجهة وركز في طبائعهم رغبة في العبادة تكشف بتلك الوجهة فهم يتوجهون إلى الأفق الأعلى بذلك النوع من الانسلاخ متى شاؤوا بتلك الفطرة التي فطروا عليها لا باكتساب ولا صناعة له إذا تقرر هذا فلا مناص من التسليم والاعتراف بأن النبوة محض فضل من الله يختص بها من يشاء من عباده لا تنال باكتساب ولا استعانة بشيء من المدارك ولا من التصورات ولا من الأفعال البدنية ولا بأمر من الأمور بل هي خصيصة وهبها الله بالفطرة لمن يصطفيه من خلقه فيكرمه بالإشراف على ما في الحضرة الروحانية فيرى من أمر الملأ الأعلى ما لا يرى الناس ويأتي لهم من ذلك الطريق بمعلومات يقصر العالم أن يتوهمها فضلاً عن أن يطلع على شيء منها (الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس).
وللأنبياء عليهم الصلاة والسلام صفات كمال يجب الاعتقاد بثبوتها وهي الصدق والأمانة والعصمة والتبليغ والفطانة ويستحيل عليهم أضدادها وهي الكذب والخيانة والكتمان والغباوة ومقارفة ذنب من الصغائر والكبائر كما يجب سلامة أبدانهم من كل منفر طبعا فلا يعتريهم جنون ولا جذام ولا برص ولا عمى ولا غير ذلك مما يؤدي إلى نقص في مراتبهم العلية وما نقل في الإسرائيليات من ابتلاء أيوب بأنواع البلاء المنفرة فهو باطل لا يعبأ به.
стр. 425
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
لنأمرن بالمعروف وتنهن عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم ثم يدعوا خياركم فلا يستجاب لهم حديث شريف بين فيه رسول الله ﷺ درجة الأمر بالمعروف وأنها لأزمة واجبة وأن الناس إذا أهملوها فلم ينكروا منكرا ولم يرشدوا آثما سلط الله عليهم شرارهم فلا يقوون على دفعهم ثم يشتد الضيق والضنك حتى يدعوا خيارهم فلا يستجاب لهم.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمر عظيم الفائدة، كبير التيجة يدل على ثبات في الجأش، وقوة في قول الحق، وصلابة في الدين والعقيدة.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما قال العلماء ﵃ هو القطب الأعظم في الدين، والمهم الذي ابتعث الله له النبيين، والأمر الذي به تحيى الصفات والأخلاق والقربة التي تتضاءل دونها درجات القربات. لو طوي بساطه. وهمل علمه وعمله، لتعطلت النبوة، واضمحلت الديانة، وعمت الفترة، وفشت الضلالة، وشاع الجهل والجهالة، واستشرى الفساد، واتسع الخرق، وخربت البلاد، وهلك العباد. وقد كان الذي خفنا أن يكون فكل ما نشاهده بأم العين اليوم من التهتك والخلاعة والفحش والجهل وفساد الأخلاق وشتم أهل الدين وثلم أعراض المصلحين وشرب الخمور وترك الصلوات والخيانة والإيذاء والرشوة والظلم والدعاء إلى العصبية الجنسية وتفريق الكلمة وإيقاع الشقاق والكذب وتنفير الأمة من حاكمها والنداء بذم الحكومة لتسقط هيبتها وتخفض شوكتها وتسمية السفلة والأوباش بالمصلحين وسكوت أهل العلم عنهم و. و. والخ ناشئ ذلك كله ومتسبب عن عدم إنكار المنكرات والنهي عنها ولو أنا أنكرنا كل شيء نراه في ديننا منكرا لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه من التأخر والانحطاط.
عدم إنكار المنكرات يترتب عليه كما قلنا كل مفسدة وعنه ينشأ كل رذيلة وهو العادة الوخيمة والخصلة الذميمة التي أنهكت قوانا وأذهبت روح آدابنا وجعلتنا عبرة لغيرنا وصيرت كلمة الباطل حقاً وكلمة الحق باطلاً كل من تدين بالدين الإسلامي ودخل قلبه نور هداه يتأكد أن الشريعة الطاهرة ما جاءت إلا لهدي البشر ونفعه وإنقاذ من مهاوي النفس والشيطان فهي أبداً تحث على التناصح وتحض على التواصي بالحق وقد جعلت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من صفات المؤمنين والعمل بضد ذلك من صفات المنافقين
стр. 426
قال تعالى (المنافقون والمنافقات بعضهم يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف) وقال تعالى (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) ولذا قال العلماء ﵃ هنا نعت المؤمنين بأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فالذي هجر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خارج عن هؤلاء المؤمنين المنعوتين في هذه الآية الشريفة هذا وقد انعقد إجماع الأمة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال الله تعالى (لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون) بين أنهم آثمون بتك النهي وقال تعالى (فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا اللذين ظلموا بعذاب بئس بما كانوا يفسقون) بين أنهم استفادوا النجاة بالنهي عن السوء. قال العلماء ﵃ وهو يدل على الوجوب وقال تعالى (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) بين أن ترك نكران المنكر تعاون على الإثم والعدوان. وقال تعالى (ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله أناء الليل وهم يسجدون. يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك من الصالحين) لم يشهد له بالصلاح بمجرد الإيمان بالله واليوم الآخر حتى أضاف إليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقال تعالى (لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بمعروف أو صدقة أو إصلاح بين الناس) ومن تأمل قول الله تعالى (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون علم أن ترك النهي عن المنكر فيه غاية الوعيد، ونهاية التشديد إذ تسبب عنه استحقاقهم اللعنة على لسان داود وعيسى ابن مريم قال ابن جرير عند الكلام على هذه الآية الشريفة بسنده إلى ابن مسعود ﵁ قال رسول الله ﷺ أن الرجل من بني إسرائيل كان إذا رأى أخاه على الذنب نهاه عنه تعذيراً فإذا كان من الغد لم منعه ما رأى منه أن يكون ولعنهم على لسان نبيهم داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ثم قال والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يدي المسيء ولا تواطئونه على الخواطر أو ليضربن الله قلوب بعضكم على بعض وليلعنكم كما لعنهم. وبسنده إلى عبيدة عن عبد الله قال لما فشا المنكر في بني إسرائيل جعل الرجل يلقى الرجل فيقول يا
стр. 427
هذا اتق الله ثم لا يمنعه ذلك أن يؤاكله ويشاربه فلما رأى الله ذلك منهم ضرب بقلوب بعضهم على بعض ثم أنزل فيهم كتابا (لعن اللذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون) وكان رسول الله ﷺ متكئاً فجلس وقال كلا والذي نفسي بيده حتى تأخذوا على يد الظالم فتأطروه على الحق أطرا. وأخرج مسلم وغيره عن أبي مسعود البدري ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان وأخرج أحمد والترمذي واللفظ له وابن حيان في صحيحه عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا ويأمر بالمعروف وينه عن المنكر.
وأخرج أبو داود وابن ماجة وابن حيان في صحيحه وغيرهم ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم المعاصي يقدرون على أن يغيروا عليه ولا يغيروا إلا أصابهم منه بعقاب قبل أن يموتوا وابن ماجة وابن حيان في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت دخلت على النبي ﷺ فعرفت في وجهه أن قد حضره شيء فتوضأ وما كلم أحداً فلصقت بالحجرة استمع ما يقول فقعد على المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال يا أيها الناس إن الله يقول لكم أمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوا فلا استجيب لكم وتسألوني فلا أعطيكم وتستنصروني فلا أنصركم فما زاد عليهن حتى نزل وروى أبو إمامة الباهلي عن النبي ﷺ أنه قال كيف أنتم إذا طغى نساؤكم وفسق شبانكم وتركتم جهادكم قالوا وإن ذلك لكائن يا رسول الله قال نعم والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون قالوا وما أشد منه يا رسول الله قال كيف أنتم إذا لم تأمروا بمعروف ولم تنهوا عن منكر قالوا وكائن ذلك يا رسول الله قال نعم والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون قالوا وما أشد منه قال كيف أنتم إذا رأيتم المعروف منكراً والمنكر معروفا قالوا وكائن ذلك يا رسول الله قال نعم والذي نفسي بيده وأشد منه سيسكون قالوا وما أشد منه يا رسول الله قال كيف أنتم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف قالوا وكائن ذلك يا رسول الله قال نعم والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون يقول الله تعالى بي حلفت لأتيحن لهم فتنة يصير الحليم
стр. 428
فيها حيران إلى غير ذلك من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة التي تؤكد وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل مكلف أعم من أن يكون عالماً وجاهلاً ذكراً أو أنثى لا يختص ذلك بصنف دون صنف ولا بطائفة دون طائفة. وهذا هو شأن الفرض الكفائي فمهما قام به واحد أو جماعة سقط الحرج عن الآخرين واختص الثواب بالقائمين به المباشرين له وإن تقاعس عنه الخلق كلهم عم الحرج كافة القادرين عليه لا محالة. قال النووي ﵁ ما نصه: قال العلماء ﵃ ولا يختص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأصحاب الولايات بل ذلك ثابت لآحاد المسلمين قال إمام الحرمين والدليل عليه إجماع المسلمين فإن غير الولاة في الصدر الأول والعصر الذي يليه كانوا يأمرون الولاة بالمعروف وينهونهم عن المنكر مع تقرير المسلمين إياهم وترك توبيخهم على التشاغل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من غير ولاية والله أعلم ثم أنه يأمر وينهى من كان عالماً بما يأمر به وينهى عنه وذلك يختلف باختلاف الشيء فإن كان من الواجبات الظاهرة والمحرمات المشهورة كالصلاة والصيام والزنا والخمر ونحوها فكل المسلمين علماء بها وأن كان من دقائق الأفعال والأقوال ومما يتعلق بالاجتهاد لم يكن للعوام مدخل فيه ولا لهم إنكاره بل ذلك للعلماء. ثم قال وهو أي باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باب عظيم به قوام الأمر وملاكه وإذا كثر الخبث عم العقاب الصالح والطالح وإذا لم يأخذوا على يد الظالم أوشك أن يعمهم الله تعالى بعقاب فليحذر الذين يخالفون أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم فينبغي لطالب الآخرة والساعي في تحصيل رضاء الله أن يعتني بهذا الباب فإن نفعه عظيم لاسيما وقد ذهب معظمه ويخلص نيته ولا يهاب من ينكر عليه لارتفاع مرتبته فإن الله تعالى قال (ولينصرن الله من نصره) وقال تعالى (ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم) وقال تعالى (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) وقال تعالى (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين) واعلم أن الأجر على قدر النصب ولا يتاركه أيضاً لصداقته ومودته ومداهنته وطلب الوجاهة عنده ودوام المنزلة لديه فإن صداقته ومودته توجب له حرمة وحقاً من حقه أن ينصحه ويهديه إلى مصالح آخرته وينقذه من مضارها وصديق الإنسان ومحبه هو من يسعى في عمارة آخرته وأن
стр. 429
أدى ذلك إلى نقص في دنياه. وعدوه من يسعى في ذهاب أو نقص آخرته وإن حصل بسبب ذلك صورة نفع في دنياه. وإنما كان إبليس عدواً لنا لهذا. وكانت الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين أولياء للمؤمنين لسعيهم في مصالح آخرتهم وهدايتهم إليها انتهى كلام الإمام النووي ﵁ فتأمله فإن فيه الكفاية.
هذا وربما يقول بعض الناس يقول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لايضركم من ضل إذا اهتديتم) وهذا أمر لا يعنينا فنقول لهم هذا جهل محض بدين الله وافتراء على شريعته المطهرة إذ لو ثبت هذا لتعطل جميع ما قدمناه من الآيات والأحاديث ولبطل الوعظ والإرشاد، ولا نهدم أكثر أحكام الشريعة كما تقدم وما تفسير هذه الآية بما تقدم إلا من الجهل الذي غلب على بعض الناس في هذه الأزمنة وهو إرداف لذنب نكران المنكر بذنب تفسير القرآن الكريم بالرأي وهو كما قال العلامة ابن حجر من الكبائر وإنما معنى الآية كما نقله ابن حجر نفسه عن ابن المسيب عليكم أنفسكم بعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أهو يؤيده ما أخرجه أبو داود والترمذي وقال حسن صحيح والنسائي عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قال يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول أن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أن يعمهم الله بعقاب من عنده أهو مما تقدم وضح أن وجوب نكران المنكر على عموم المؤمنين وليس لأحد منهم أن يتبرم من ذلك.
على أن الناس لو ذاقوا حلاوة نكران المنكر وعرفوا ما اشتمل عليه من الفوائد لاستبقوا إليه وفي اعتقادنا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مسبب لكل خير وسلم لكل رقي ومعراج لكل فلاح وبه يعيش الإنسان مرتاح البال في الهيئة الاجتماعية أميناً على نفسه وماله وعرضه. به يقوم داعي الحق ويقوى ويتقهقر الباطل ويمحق. والقائمون به هم بالحقيقة المنفذون لأحكام الدين وأوامره ولذا ورد من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو خليفة الله في أرضه وخليفة رسول الله وخليفة كتابه نعم للأمر بالمعروف شروط وآداب يجدر بأهل العلم بثها وتعليمها للناس كما يلزمهم التعاضد والقيام معاً يداً واحدة لنصرة الدين ونكران منكراته ويا حبذا لو يسمع ندائنا بعض أهل العلم فيقومون بتأليف جمعية يكون
стр. 430
غايتها التعاون والاتفاق على نصرة الدين بصدق وإخلاص ثم على نشر العلم في جميع الأنحاء حتى لا يخلو جهة من مدرس يبين للناس ما يضطرون إلى معرفته الأهم فالأهم مراعياً الوقائع والحوادث وما يطرأ من فساد المفسدين وإضرار المتفرنجين ويحبب للناس دولتهم ويرغبهم بمساعدتها ويعلمهم أن ببقائها بقاء الإسلام كافة في مشارق الأرض ومغاربها ويرشدهم إلى أمر تدبير منزلهم وما لنسائهم عليهم وما عليهم لنسائهم وأولادهم وجيرانهم ومجتمعهم وهكذا ترصد الجمعية بعد هذا كل ما يحدث من المنكرات المغايرة للدين المضرة بالاجتماع البشري فتنكره بالوعظ فإن أفاد فيها وإلا فبغيره من الوسائط التي تمنع وجود هذا المنكر ولو بإعلام الحكومة لتنفذ طلبهم (الموافق للمصلحة) بالقوة فإن مراتب إنكار المنكر كثيرة كما لا يخفى أولها التعريف وثانيها الوعظ وثالثها الإغلاظ في القول ورابعها المنع بالقهر في الحمل على الحق بالضرب والعقوبة من الحكومة. وإن يقدم أعضاء الجمعية بين يدي ذلك كله ترك المنكرات من أنفسهم فإنه أدعى للقدوة والله تعالى يقول (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون أو يقول (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا مالا تفعلون) وأخرج الشيخان عن أسامة ابن يزيد ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه فيدور بها كما يدور الحمار في الرحى فيجتمع إليه أهل النار فيقولون يا فلان مالك ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فيقول بلى كنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهى عن المنكر وآتيه نسأل الله أن يوفقنا لمرضاته ويجنبنا منهياته إنه قريب مجيب.
стр. 431
تحريم المتعة
٤
تابع لما نشر ص ١٤ من المجلد الثاني
قال مؤلف الرسالة (ومنها) أي من وجود اختلاف أخبار التحريم أن رواية ابن ماجة عن ابن عمر تدل على أن عمر بين التحريم في أول ولايته وتوعد بالرجم وهو ينافي ما في رواية الموطأ من قوله لو كنت تقدمت فيها لرجمت الخ.
ونقول لا منافاة بين الروايتين لأن الأولى لا تفيد أن عمر ﵁ بين التحريم في أول وقت من ولايته كما زعمه مؤلف الرسالة بل الذي يستفاد منها أن عمر ﵁ بين التحريم في حال ولايته. وذلك لأن لما لا تقتضي وقوع الخطبة من عمر في أول وقت من خلافته بدليل قول الله تعالى (فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض) إذ من المعلوم أنه مضى حول كامل بين موت سليمان ﵊ ودلالة دابة الأرض على موته كما ذكره المفسرون وتمتع ربيعه إنما كان قبل نهي عمر كما يشهد له ما نقله الزرقاني في شرح الموطأ قال ابن عبد البر الخبر وعن عمر من رواية مالك منقطع ورويناه متصلا ثم أسنده عن يحي ابن سعيد عن نافع عن ابن عمر قال عمر لو تقدمت فيها لرجمت يعني المتعة وهذا القول منه قبل نهيه عنها وهو تغليظ ليرتدع الناس وينزجروا عن سوء مذهبهم وقبيح تأويلاتهم الخ.
قال مؤلف الرسالة (ومنها) أي من وجوه اختلاف أخبار التحريم أن في نصها أن النبي ﷺ أذن فيها ثلاثا فإن أريد ثلاث مرات نافت جميع هذه الروايات لدلالتها على أن الأذن كحان أكثر من ذلك وأن أريد ثلاث ليال دلت على أن الأذن كان مرة واحدة محددة بثلاث ليال فنافت جميع هذه الروايات أيضاً الدالة على أنه كان أكثر من مرة واحدة ونافت رواية ابن عباس الدالة على أن الرجل كان يتزوج بقدر ما يرى أنه مقيم بل ربما دلت رواية سبرة على أن ذلك كان في حجة الوداع يوما وليلة نافت ما رواه البخاري في صحيحه بسنده عن النبي ﷺ أيما رجل وامرأة توافقا فعشرة ما بينهما ثلاث ليال فإن أحبا أن يتزايدا أو يتتاركا تتاركاً الحديث فإنها وإن دلت على أن العقد يكون على ثلاث ليال لكنها دلت على جواز الزيادة بعد انقضاء الثلاث وتلك تدل على عدم جواز
стр. 432
الزيادة بمفهوم العدد.
ونقول لا يصح أن يراد من الحديث ثلاث مرات لأن التحقيق أنها أحلت مرتين فقط بل المراد ثلاث ليال كما هو ظاهر حديث سلمة بن الأكوع الذي رواه مسلم قال رخص رسول الله ﷺ عام لوطاس في المتعة ثلاثا ثم نهى عنها وجاء نحو هذا عن سبرة أيضاً وعليه فلا يرد ما ذكره مؤلف الرسالة من المنافاة لأن حديث ابن ماجة الذي رواه عن ابن عمر لم يبين فيه أن النبي ﷺ لم يأذن في المتعة إلا مرة واحدة بل غاية ما يستفاد منه أنه أذن لهم ثلاثة أيام وذلك لا يمنع ورود الأذن أكثر من مرة كما هو واضح وحديث ابن عباس وكذا حديث البخاري إنما ينافيان حديث ابن ماجة لو سلما أنه يقتضي أن الأذن لم يكن إلا مرة واحدة وقد تبين فساده وقول سبرة فمكثت معها تلك الليلة ثم غدوت إلخ لا يدل على أن الأذن كان يوما وليلة كما ادعاه مؤلف الرسالة بل هو بيان لما وقع مع الراوي. على أن ذكر الإباحة في حجة الوداع التي استفيدت من هذا الحديث خطأ كما اتضح مما بيناه ص (١٩) من المجلد الثاني.
وقال مؤلف الرسالة (ومنها) أن في بعضها عن علي من طريق الزهري إن التحريم كان يوم خيبر وفي بعضها عن علي من طريق الزهري أيضاً أنه كان في غزوة تبوك والنووي في شرح صحيح مسلم التجأ في رفع ذلك إلى حمل رواية تبوك على الغلط وهو غير مسموع.
ونقول أن ذلك يدل على جهل مؤلف الرسالة بمعنى التخالف إذ من البديهي أن رواية التحريم عن الزهري يوم خيبر لا تمنع أن يروى عنه التحريم أيضاً في غزوة تبوك بل لو فرض أن النبي ﷺ كرر بيان التحريم عشرين مرة مثلاً في غزوات مختلفة ثم نقل ذلك العلماء عن صحابي واحد كان حاضراً في جميع تلك الغزوات فهل يكون هذا اختلافاً وتعارضاً. . سبحانك اللهم ما يكون لعاقل أن يتكلم بهذا. . على أن حديث النهي في غزوة تبوك ضعيف كما نقلناه عن القسطلاني والزرقاني سابقاً فاتضح أن كلام الإمام النووي رحمة الله عليه جليٌّ مقبول ومسموع عند العلماء المحققين.
وقال مؤلف الرسالة (ومنها) أن رواية أباحتها وتحريمها في عمرة القضاء لا غير تنافي جميع ما ورد في إباحتها وتحريمها في غيرها الخ ما ذكره مما هو واضح البطلان.
стр. 433
ونقول بينا فيما تقدم أن هذا الحديث مرسل ضعيف فما زعمه مؤلف الرسالة من معارضته لغيره واضح الفساد. إذ من المعلوم أن الضعيف لا يعارض الصحيح وقد استوفينا الكلام على مايتعلق بهذا الوجه ص ١٧ من المجلد الثاني.
وقال مؤلف الرسالة (ومنها) أن ما في رواية الترمذي عن ابن عباس أنها إنما كانت في أول الإسلام ثم نسخت بآية إلا على أزواجهم مناف لما دل عليه غيرها مما تقدم الخ. .
ونقول لا منافاة لا مكان أن يكون المراد من هذا الحديث نسخ الإباحة التي كانت قبل خيبر كما يشهد له استدلال ابن عباس بالآية على التحريم فيكون الحصر إضافياً وهو لا ينافي ما جاء من الرخصة يوم الفتح والله أعلم ونقل مؤلف الرسالة اشتهار الفتوى بالمتعة عن سيدنا ابن عباس ﵄ وزعم أن ما ينسب إليه من رجوعه عن ذلك مكذوب عليه أو خارج مخرج الخوف والتقية إلخ ثم زعم أن الشيعة أعرف بمذهب علي وأن إسناد التحريم إليه اختلاق عليه لأنهم رووا عنه القول بالإباحة ولأن ابن عباس كان يفتي بها وهو تلميذه وعنه أخذ فلم يكن ليخالفه الخ ما ذكره.
ونقول قد صح رجوع ابن عباس ﵄ عن ذلك كما رواه الإمام الترمذي وغيره من المحققين وقد تقدم. ومعاذ الله أن يصدر مثل ذلك عن ابن عباس للخوف والتقية وهو ذلك الرجل الصحابي القرشي الذي لا تأخذه في الله لومة لائم. وعلى فرض أنه لم يرجع عن ذلك بل كان يرى حلها عند الضرورة كما تحل لميتة للمضطر فنجيب عنه من وجهين.
(الوجه الأول) أن ذلك على فرض صحته إنما هو مذهب خاص لسيدنا ابن عباس ﵄ فلا يترك قول جماهير الصحابة لأجله وتمسك الشيعة في هذه المسألة بمذهب ابن عباس ﵄ باطل بمقتضى قواعدهم لأنهم إنما يأخذون بقول علي كرم الله وجهه ويتركون مايخالفه وقد ثبت أن علي ﵁ أفتى بتحريم المتعة مطلقا كما رواه غير واحد من المحدثين وأما مازعمه مؤلف الرسالة من أن الشيعة أعرف بمذهب علي وأن إسناد التحريم إليه اختلاف عليه الخ فهو بديهي البطلان لأن أهل السنة أبعد عن التهمة يأخذون بكل ماصح عن رسول الله ﷺ ولايتعصبون لواحد دون واحد فكلامهم أحق بأن يتبع ورواياتهم أصح ورميهم باختلاق الكذب على أحد من الصحابة مع ما هم عليه من الورع ولتثبت في النقل لا يقدم عليه إلا مجازف أو متبع لحفظ النفس
стр. 434
ومن العجيب أن مؤلف الرسالة عارض الحديث الصحيح الثابت في البخاري الذي رواه علي كرم الله وجهه في النهي عن المتعة بما نقله عن محمد بن جرير الطبري والإمام الرازي في تفسيرهما من قول علي ﵁ لولا أن نهى عمر عن المتعة ما زنى إلا شفي وأعجب من ذلك أن مؤلف الرسالة نقل عن النهاية الأثيرية وعن لسان العرب حديث ابن عباس ﵄ وهو قوله ما كانت المتعة إلا رحمة رحم الله بها أمة محمد ﷺ لولا نهيه عنها ما احتاج إلى الزنى إلا شفى أي قليل من الناس ثم قال مؤلف الرسالة الظاهر رجوع الضمير في نهيه إلى عمر لا إلى النبي ﷺ يدل على ذلك أن الكلام في معرض التأسف والتألم من النهي عنها إلخ ما ذكره مما يدل على جهله أو تدنيسه. وبيان ذلك أن ما نقله عن ابن جرير والإمام الرازي لا يفيده لأنهما ليسا من المحدثين فكلاهما لا يعول عليه إذا خالف ما صح من الأحاديث كما هو مقرر عند أهل العلم على أن ما نقله عنهما إنما يفيد أنه أو لم ينه عمر عن المتعة لما احتاج إلى الزنا أحد إلا قليل من الناس ومعنى هذه الجملة أنه لو لم يحرم رسول الله ﷺ المتعة لكان فيها مندوحة عن الزنا إذ من المعلوم أن عمر ﵁ إنما بين نهي رسول الله ﷺ عنها كما مر ويؤيد ذلك ما جاء من حديث ابن عباس كما في النهاية الأثيرية وغيرها من كتب الحديث وفي لسان العرب مانصه الثابت عندنا أن ابن عباس كان يراها (أي المتعة) حلالا ثم لما وقف على نهي النبي ﷺ فلولا نهيه عنها ما احتاج إلى الزنا أحد إلا شفى إلى أن قال الأزهري وهذا حديث صحيح وهو الذي يبين أن ابن عباس صح له نهي النبي ﷺ عن المتعة الشرطية وأنه رجع عن إحلالها إلى تحريمها أهـ ما ذكره في اللسان وهو نص صريح على رجوع الضمير في قوله (فلولا نهيه) إلى النبي ﷺ كما هو واضح من كلام الأزهري لا إلى عمر كما استظهره مؤلف الرسالة وعلله بأن الكلام في معرض التأسف والتألم من النهي عنها. وما كنا نظن أن مؤلف الرسالة يتهور في مثل ذلك. وكيف يصح لعاقل أن يدعي تأَلم ابن عباس من شيء أتى به رسول الله ﷺ . فتعوذ بالله من زلة القدم ونسئل الله أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
стр. 435
(الوجه الثاني) أن ابن عباس ﵄ عَلَى تقدير بقائه عَلَى القول بالإباحة عند الضرورة كما تحل الميتة للمضطر صيانة لنفسه عن للتلف لا يصح للشيعة الاستدلال بمذهبه لأنهم يقولون بجوازها مطلقاً. وتمسكهم بظاهر ما ورد من الأحاديث لا يصح لأن أحاديث الإباحة منسوخة بما صح عن رسول الله ﷺ من التحريم إلى يوم القيامة.
ثم ما قاله مؤلف الرسالة من أن ابن عباس هو تلميذ الإمام علي كرم الله وجهه وعنه أخذ فلم يكن ليخالفه الخ واضح الفساد لأن أخذ ابن عباس عن علي ﵁ لا يستلزم أن يوافقه في جميع ما يراه كيف والإمام الشافعي كان تلميذاً للإمام مالك والإمام أحمد كان تلميذاً للإمام أبي حنيفة ومع ذلك جميع هؤلاء قد خالفوا من أخذوا عنهم في كثير من المسائل الاجتهاديّة واتبع كل منهم ما ظهر له صحته بحسب اجتهاده. عَلَى أنا لو سلمنا لمؤلف الرسالة كلامه لجاز أن يقال أن مذهب ابن عباس التحريم ضرورة أخذه عن علي كرم الله وجهه.
وقال مؤلف الرسالة (وخامساً) أي من الأجوبة عن أحاديث التحريم أن رواية الموطأ تدل عَلَى بقاء التحليل إلى زمان عمر وإلا لما استمع ربيعة بن أمية الخ.
ونقول أن فعل ربيعة لذلك إنما هو لجهله بالتحريم كما يدل عليه اهتمام عمر ﵁ لما بلغه ذلك حيث خرج فزعاً يجرّ رداءه من شدة العجلة وبيّن للناس أنَّ النبي ﷺ نهى عن المتعة وحرمها تحريماً مؤبداً وهذا ظاهر لمن له قلب.
قال مؤلف الرسالة وسادساً (أي من الأجوبة عن أحاديث التحريم) كان اللازم أن يقول علي لابن عباس لما بلغه أنه لا يرى بالمتعة بأساً أو يلين في أمرها أن النبي ﷺ قد نهى عنها في حجة الوداع لأن المفروض أن ذلك آخر نهي صدر منه ﷺ ولم يتعقبه رخصة أما النهي يوم خيبر فالمفروض أنه منسوخ بالرخصة بعده فلا يحسن الاستدلال به على ابن عباس فله حينئذ أن يقول أن النبي ﵌ رجع عن هذا النهي فيحتاج علي ﵇ إلى أن يقول له أنه بعد أن رجع قد نهى أخيراً نهياً لم يرجع عنه قال مؤلف الرسالة وهذا كالأكل من القفا ثم قال (لا يقال.) لعل علياً بلغه ذلك عن ابن عباس بعد وقعة خيبر وقبل صدور الرخصة يوم وقعة حنين (لأنا
стр. 436
نقول) ظاهر الكلام أن ابن عباس كان لا يرى بها بأساً بعد وفاة النبي ﷺ الخ. ونقول ليس في هذا الكلام ما يظهر منه أن علياً كرم الله وجهه نهى ابن عباس عن ذلك بعد وفاة النبي ﵊ فيمكن أن يكون هذا النهي إنما صدر من علي بعد غزوة خيبر وقبل فتح مكة ويؤيده سكوت ابن عباس وامتثاله لذلك يومئذ فقول مؤلف الرسالة لا يقال ذلك لأنا نقول الخ ممنوع إذ كون ابن عباس كان لا يرى بها بأساً بعد وفاة النبي ﷺ لا ينافي ذلك لأنه يمكن أن يكون بعد ذلك قد أداه اجتهاده إلى إباحتها عند الضرورة. والصحابة ﵃ كان أكثرهم مجتهدين يختلفون في كثير من المسائل كما هو مشهور ومعروف ويصح تقليد كل واحد من المجتهدين الذين توفرت فيهم شروط الاجتهاد إلا إذا خالف سنة صريحة فعلى تقدير عدم رجوع ابن عباس عن ذلك لا يصح تقليده فيه حتى ولا عند الشيعة لأنهم يرجعون إلى مذهب علي عند المخالفة كما قدمناه وقد أثبتنا أن علياً كرم الله وجهه كان يرى تحريم المتعة. وما قاله مؤلف الرسالة من صدور الرخصة عند وقعة حنين لا يصح بل هو افتراء وكيف بلغ التهور بمؤلف الرسالة إلى أن عاب اجتهاد علماء الإسلام في أحكام شريعة النبي ﷺ وجعل كلامهم كالأكل من القفا فليت شعري إذا وقف بين يدي أحكم الحاكمين وسئل عن ذلك فماذا يكون جوابه في ذلك الموقف المخوف الهائل الذي ترتعد فيه الفرائص وترجف منه الأفئدة وتخرس فيه الألسن. . . أما نحن فنمسك هنا عنان القلم عن الرد عليه ونسئل الله تعالى أن يكون خصمه عن أولئك العلماء الأعلام.
ثم نقل مؤلف الرسالة جملة من كلام الفخر الرازي وأجاب عنها بما لا يسمن ولا يغني من جوع إلى أن قال ما حاصله (وأما الاحتجاج) بقول عمر متعتان كانتا عَلَى رسول الله ﷺ أنا أنهى عنهما الخ فأجدر بأن يبكون حجة على الخصم لا له لأن فيه اعترافاً بأنها كانت مشروعة عَلَى عهد رسول الله ﷺ وهو غير معصوم ولا حجية في قول غير المعصوم اتفاقاً وصراحة الكلام في ذلك لوجوه (أولاً) لظهور قوله كانتا عَلَى عهد رسول الله ﷺ (وثانياً) لقوله لنا أنهى عنهما بتقديم المسند إليه المفيد للحصر كما قرر في علم المعاني والبيان (وثالثاً) أنه لو كان النهي صادراتً من النبي ﷺ لكان إسناده إليه أدخل في قبول الناس ثم ذكر مؤَلف الرسالة أن
стр. 437
تحريم المباح لا يستلزم التكفير وأن ترك النكير لا يوجب الكفر ولا يدل على الرضا ونقل إفتاء جماعة من الصحابة والتابعين بالمتعة وزعم أن ما نقله عن الفخر الرازي من قول عمر ﵁ متعتان الخ حديث مشهور في كتب الفريقين مستدلاً عَلَى ذلك بوروده في بعض كتب التفسير ونحوها وبأن قاضي القضاة تكلف للجواب عنه ولم يطعن في سنده ثم قال فاتضح من مجموع ما تقدم أن المشروعية ثابتة في حياة النبي ﷺ وبعد وفاته بغير ناسخ ولا أقل من عدم ثبوت الناسخ وهو كاف أهـ.
ونقول أما مناقشته مع الفخر الرازي فلا حاجة إلى بيان خطأه فيها لأننا قد ذكرنا من الأدلة الصحيحة الثابتة ما فيه البلاغ. وكذلك ما ذكره في أن تحريم المباح لايستلزم التكفير الخ لم يبق داع إلى تفنيده وبيان ما فيه فتركناه اختصاراً.
وأما ما نقله من إفتاء جمع من الصحابة والتابعين بالمتعة فغير مسلم لأنه ثبت أن علياً كرم الله وجهه قائل بتحريم المتعة وعمران ابن حصين إنما صح عنه أنه كان يُنكر عَلَى عمر في منعه من حج التمتع كما قدمناه عن صحيح الإمام مسلم ولم نجد فيما أطلعنا عليه من كتب الحديث أنه جاء من طريق صحيح مسلم عن أحد من الصحابة القول بإباحة المتعة سوى ما نقل عن سيدنا ابن عباس في إحدى الروايتين عنه من القول بالإباحة عند الضرورة الشديدة وقد مر الجواب عنه ولو فرض صحة ذلك عن غيره نجيب عنه بأنه مخالف لما ثبت عن رسول الله ﷺ من التحريم المؤبد والأحاديث الصحيحة الناسخة للإباحة فلا يجوز الأخذ بما يخالفها. . .
وأما ما نقله عن الفخر الرازي من قول عمر ﵁ متعتان كانت عَلَى عهد الخ فإنا لم نجده أيضاً فيما أطلعنا عليه من كتب الحديث ووجوده في بعض كتب التفسير ونحوها لا يقتضي صحته آحاداً فضلاً عن الحكم عليه بأنه مشهور كما أجبنا عنه قبل ذلك وتكلف قاضي القضاة للجواب عنه عَلَى فرض أنه لم يطعن فيه لايستلزم صحته أيضاً كما هو واضح. . فما أوهمه صنيع مؤَلف الرسالة من اشتهاره مع اعترافه بأنه لم يوجد في كتب الحديث التي اطلع عليها لا يعول عليه عَلَى أن هذا الحديث إذا فرضت صحته يكون دليلاً على المنع من المتعة لأن معنى قول عمر كانتا عَلَى عهد رسول الله ﷺ لايستلزم أن ذلك كان في جميع حياته ﵊ بل المراد أن ذلك وجد في
стр. 438
زمنه كما هو المتعارف في مثل ذلك عند علماء العربية. . وتقديم المسند إليه كما يكون للحصر يكون لغيره كتقوية الحكم ونحو ذلك كما هو مقرر في صغار المتون من فن المعاني والبيان. فمراد سيدنا عمر بإسناد النهي إلى نفسه بيان أن ذلك هو الذي ثبتت في دين الله عن رسوله ﷺ كما وقع التصريح بذلك من عمر ﵁ في حديث ابن ماجه الذي أشرنا إليه قبل ذلك فظهر بطلان ما أشار إليه مؤلف الرسالة من أن في عدم إسناد النهي إلى رسول الله ﷺ ما يدل عَلَى أن النهي إنما كان من عمر. . .
وقول مؤلف الرسالة ولا حجية في قول غير المعصوم اتفاقاً غير صحيح لأن الحنفية يعتبرون كلام الصحابي حجة كما تقرر في الأصول.
فاتضح مما حررناه وحققناه أن نكاح المتعة منسوخ وأن تحريمها أمر ثابت وأن ما زعمه مؤلف الرسالة من عدم ثبوت الناسخ لا يعول عليه.
стр. 439
أقول العلماء في التمثيل
٢
تحت هذا العنوان ننشر ما يرد إلينا من أقوال علماء الإسلام وفتاويهم في سائر الأقطار ليظهر حكم الله تعالى في هذه المسألة الخطيرة.
الجواب الثالث للأستاذ العلامة المحقق صاحب الفضيلة الشيخ مصطفى
(أفندي نجا مفتي بيروت حالاً)
وصلني الجزء الثاني من المجلد الثاني من مجلة الحقائق الغراء ولما تلوته واطلعت على السؤَال الذي أدرج فيه بخصوص تمثيل رواية زهير الأندلسي وما فاه به ذلك الخطيب ندبت السلف، وأسفت على الخلف، وأثنيت على فضيلة الأستاذ الكامل الشيخ حسن أفندي الأسطواني الذي أدى النصيحة الواجبة وبين الحق للناس في خطبته الجليلة كما شكرت حمية العلماء الأكارم أصحاب مجلة الحقائق الذين لا تأْخذهم في الله لومة لائم وهذا جوابي على السؤال المذكور.
الحمد لله تعالى
الحق أن التمثيل لايخلو عن المنكرات وحيث كان مشتملاً على شيء منها فلا يجوز النظر إليه خصوصاً عند عدم أمن الفتنة بالنظر إلى المرد الممثلين فيحجب اجتنابه والامتناع من حضوره كما يجب النهي عنه على كل ذي قدرة والظاهر أن تمثيل الروايات الأدبية إذا روعي فيه عدم المحظور ولم يترتب عليه مفسدة لابأس به وإلا فهو ممنوع ولو فرضنا أن فيه مصلحة لأن درأ المفاسد مقدم على جلب المصالح وقد قال العلماء من علم وقوع شيء من الشر ولو في خير يريد فعله تعين عليه أن يجتنب فعل ذلك الخير وإلا فهو عاصٍ آثم.
أما تفسير القرآن بالرأي فهو حرام لقوله ﵊ من قال في القرآن برأيه أو بما لا يعلم فليتبوأ مقعده من النار رواه أبو داوود والترمذي وحسنه وله طرق متعددة وأما ظهور الغلمان المرد على الصورة التي ذكرت في السؤال فليس من مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال وكذلك التخنث والتشبه بالمخنثين والإفرنج في لبس البرنيطة وكل ذلك محظور شرعاً.
والطبع سراق فإن ير صالحاً ... يصلح وإن ألف الفساد تفسدا
стр. 440
ولاشك أن الولد الذي يتربى بمثل هذه التربية يكون بلية على نفسه وعلى الأمة فعلى الآباء أن يجتنبوا هذا الخطر ويصونوا أبنائهم عن الضرر ويحسنوا إليهم بالتربية على ما يرضى الله تعالى إن الله يحب المحسنين. وليعلموا أن الشريعة الإسلاميّة قد جاءَت بأفضل الآداب وأكمل الأخلاق على الإطلاق فآدابها هي الآداب الحقيقية وتهذيبها هو التهذيب الصحيح لمن أراد سعادة الدارين.
وبالجملة فإنَّ الاعتبار هو الاتعاظ أمرنا الله به في قوله تعالى (فاعتبروا يا أولي الأبصار) لنجتنب ما نهى عنه ونبتعد عن المعاصي. والمعنى فاتعظوا بما جرى على بني النضير من الأمور الهائلة فلا تغدروا ولا تعتمدوا على غير الله فهو أمر بالطاعة والتمثيل ليس بطاعة فكيف يكون فرضاً جاء به القرآن وأما تفسير الاعتبار به فهم باطل ومخالف لمذاهب الصحابة الكرام الذين شاهدوا التنزيل والوحي فمن اتبع هواه في تفسير الكتاب العزيز وعدل عن تفسيرهم كان مخطئاً بل مبتدعاً لأنهم كانوا أعلم الناس بتفسير القرآن ومعانيه كما أنهم أعلم بالحق الذي بعث به رسوله ﷺ والله الموفق الهادي إلى سواء السبيل.
محل الختم
مصطفى نجا
الجواب الرابع للعالم العلامة التقي الورع صاحب الإمضاء
الحمد لله العليم الوهاب، الموفق لأتباع الحق وطريق الصواب، والصلاة والسلام على سيدنا محمد أفضل من أوتي الحكمة وفصل الخطاب، وعلى الآل والعترة والأصحاب. أما بعد فقد سئلت عن حكم الرواية المشتملة على الأوصاف المبينة في السؤال المدرج في مجلة (الحقائق) في العدد الثاني من السنة الثانية فأقول في الجواب على مقتضى نص السؤال لأني لم أحضر تلك الرواية أن تلك الرواية مشتملة على مفاسد حرمتها ظاهرة قال رسول الله ﷺ (١).
الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لايعلمها كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأَ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام وهذا الحديث الشريف كاف في الجواب كيف لا وهو أحد الأحاديث الأربعة التي عليها مدار الإسلام ومع ذلك
стр. 441
نزيد الجواب توضيحاً فنقول أن التخنث الذي اشتملت عليه الرواية كما ذكره السائل حرام قطعاً بل عده ابن حجر في الزواجر من الكبائر لما رواه البخاري وأبو داود والترمذي عن ابن عباس رضي الله تعلى عنهما أن رسول الله ﷺ قال لعن الله المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء وأما التزي بزي إفرنجة الإسبانيين بلبس القبعة البرنيطة فقد قال في مجمع الأنهر مانصه ويكفر بوضع قلنسوة المجوسي على رأسه على الصحيح إلا لتخليص الأسير أو لضرورة دفع الحر والبرد عند البعض وقيل أن قصد به التشبيه يكفر ثم أن الرواية هي محاكاة فعل الغير وكل ذي مرؤة وشهامة يكره من غيره محاكاة فعله وتقليده سيما على وجه قبيح شرعاً فقد انطبق عليها حد الغيبة قال في الدر المختار وكما تكون الغيبة باللسان تكون أيضاً بالفعل ومن ذلك المحاكاة كأن يمشي متعارجاً أو كما يمشي فهو غيبة بل أقبح لأنه أعظم في التصوير والتفهيم إذا علم هذا فيتحتم منع هذا التمثيل والحضور فيه سيما وأنه يدعو للميل إلى المرد خصوصاً في هذا الزمان الفاسد، الذي عمت وطمت فيه المفاسد، ومن أجل ذلك كره الفقهاء إمامة الأمرد الصبيح وأما ما ادعاه البعض وأطال فيه من مدح التمثيل وبالغ فيه حتى قال أنه ورد في القرآن العظيم والحديث الشريف الحث عليه واستشهد لذلك بقوله تعالى فاعتبروا يا أولي الأبصار وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق فقد حمل القرآن والحديث على غير محملهما فإنَّ المراد من هذه الآية الشريفة الاعتبار فيما نزل في الكفار وبالسبب الذي استحقوا به ذلك. وقال الأصوليون في الآية دليل على جواز القياس الذي هو إلحاق فرع لم ينص عليه بأصل منصوص عليه لا بالتمثيل المحرم وأما حديث إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق فالمراد منها أخلاقه وخصاله وآدابه التي كان عليها صلى الله تعالى عليه وسلم وعلى آله وسلم رزقنا الله التخلق والتأدب بها آمين.
يحيى القلعي
الجواب الخامس بقلم العلامة المحقق المفضال صاحب الإمضاء
باسمك اللهم وبحمدك، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسولك وعبدك، وعلى آله وأصحابه الفائزين بأسمى قسم من ثوابك ووعدك، أما بعد فلما رأيت البحث عن التمثيل بين أهل العلم جارياً عنَّ لي أن أكتب ما يتيسر لي فيه سائلاً من الله تعالى الإعانة على
стр. 442
الحق وأتباعه إنه خير مسؤول ومعين.
التمثيل (ويسمى رواية وكوميدة) هو لغة مصدر لمثل من باب التفعيل أي شبه الشيء بغيره عبارة اللسان مثل الشيء بالشيء سواه وشبهه به وجعله مثله وعلى مثاله وفي اصطلاح الممثلين اليوم هو تشبيه جمع من الموجودين بجمع من الماضي في أقوالهم وأفعالهم وألبستهم وقيامهم وقعودهم واجتماعهم وتفرقهم والتسمي بأسمائهم وكناهم وألقابهم والاتصاف بأوصافهم وفي مناصبهم من سلطنة ووزارة وغير ذلك لإظهار ما كان عليه المشبه به وإفهامه للحاضرين من اقتدار واستعداد واستقامة وعدمها ومن خداع ومكر واحتيال وخيانة وسوء استعمال وانهماك في اللذات وتماد في المخالفات وعكوف على الشراب وتعشق للكعاب وكيفية التحيل على وصالهن وغير ذلك من المفاسد التي لاتحصى وتبث بذور الفساد في نفوس الحاضرين خصوصاً الأحداث فهذا التمثيل المذكور محرم شرعاً شديد التحريم من وجوده لأن فيه سباً ولعناً ومنابزة وغيبة وتبذيراً أما تحريمه من حيث السب فلقوله ﷺ من حديث رواه البخاري ومسلم. سباب المسلم فسوق. وأما تحريمه من حيث اللعن ﷺ فيما رواه البخاري ومسلم أيضاً. لعن المؤمن كقتله.
وأما تحريمه من حيث السخرية واللمز والمنابزة فلقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكنَّ خيراً منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون) وأما تحريمه من حيث الغيبة فلقوله تعالى (أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً) الآية. وضابط الغيبة كما قاله النووي رحمه الله تعالى. ما أفهمت بع غيرك نقصان مسلم فهو غيبة محرمة ومن ذلك المحاكاة بأن يمشي متعارجاً ومطاطئاً أو على غير ذلك مريداً حكاية هيئة من ينتقضه بذلك فكل ذلك حرام بلا خلاف وأما تحريمه من حيث أنه يحمل على التبذير. فللنهي عنه في الآية الكريمة قال تعالى (ولا تبذر تبذيراً إن المبذرين كانوا أخوان الشياطين) والتبذير الإنفاق في غير طاعة الله وهذا فيما إذا لم يكن فيه تشبه الرجال بالنساء أو النساء بالرجال ولم يكن فيه مرد ذوو جمال بألبسة وهيئات يزيد بها حسنهم وجمالهم ولم يكن فيه آلات لهو وطرب ولم يكن فيه هيئة اجتماع الشربة ولا غير ذلك مما
стр. 443
هو ظاهر التحريم وأما مع واحد من هذه الأشياء فيشتد التحريم والإثم ويعظم الفساد والجرم.
فنسأل الله تعالى أن يسلك بنا سبيل الحق والرشاد ويحفظنا من البدع والزيغ والزلل والعناد آمين.
دمشق
أحمد الجوبري
خطبة ألقاها العلامة الفاضل أحد خطباء الجامع الأموي الشيخ
(حسن أفندي الأسطواني في تحريم التمثيل)
قال بعد فاتحة الخطبة
أيها الناس قد التبست البدعة بالسنة واختلط الأمر وصار القابض على دينه كالقابض على الجمر ومظهر الحق ماله من ظهير ولا ناصر ولم يخش ذو منكر من منكر ولا زاجر والتبس الحرام بالحلال وأصبحت مدارس الدين والعلم مراسح لبث الفساد والضلال مدارس أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال لا لاستعمال التخنث واجتماع العناصر المختلفة الأشكال أما كفاهم هتكوا حرمة المدارس فأخرجوها عن صورة المعاهد والمعابد وأجروا فيها التشخيص والتمثيل والروايات زاعمين أن ذلك أمر جاء في الحديث ووارد في محكم الآيات فيا أيها الموحدون ما هذه البدع الفظيعة ما هذه الفتن الشنيعة نهيء المرد والغلمان والأطفال لتتكسر وتتلوى أمام الشباب والرجال ونعد ذلك من مكارم الأخلاق التي جاء لإتمامها رسول الملك الخلاق فيا أرباب الدين مالكم سكوت لا تتكلمون ويا أمناء الشرع أما عندكم نص يكذب مابه يفترون فالمنكرات في هذا الزمان غير منكره والمحرمات فيه شائعة ظاهرة غير مستنكرة فإنّا لله وإنا إليه راجعون فالحذر الحذر عباد الله من هذه المنكرات الذميمة والابتعاد الابتعاد عن هذه المدارس التي تفسد الأخلاق أولي الفطر السليمة فصونوا أولادكم قبل أن يحاسبكم الله إن فرطتم في أبناؤكم فكلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته وكل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه فيجب على ولاة الأمور أن يردعوا أولئك المبتدعة ضعيفة الإيمان عن إجراء أمثال هذه المنكرات.
стр. 444
الجواب السادس للعلامة المدقق الورع صاحب الإمضاء
الحمد لله ملهم الصواب، والصلاة والسلام على من أوتي الحكمة وفصل الخطاب، وعلى آله وأصحابه الأنجاب، وسلم تسليماً. أما بعد فقد اطلعت في الجزء الثالث من مجلة الحقائق الغراء على النقول المتضمنة تحريم التمثيل (الرواية) للعلامتين المحققين الأستاذ الشيخ عارف أفندي المنير والأستاذ محمد أفندي القاسمي الحلاق فوجدتها وافية بالمراد، دافعة للأيراد، واقعة موقع السداد، كافية لمن تدبر وأراد، شافية لوغر الصدور من الفساد، فأسأله ﵎ أن يجعلني والمسلمين ممن وفقه إلى الرشاد، سبحانه من إله له المبدأ والمعاد.
دمشق
محمد نجيب كيوان
الجواب السابع للعالم العلامة القدوة صاحب الإمضاء
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي أيد هذا الدين بالآيات البينات، وقيض له رجالاً من هذه الأمة في كل زمان لإزالة مايورده الملحدون من الشبهات. حتى ظهر للعالمين ظهور الشمس البهية. وتحقق قوله ﷺ تركتكم على بيضاء نقية. والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبشر به الكتب السماوية. وعلى آله وصحبه ذوي العقول الراجحة والنفوس الزكية. أما بعد فأقول وأنا أحقر الورى وكثير الزلات بينما كنت أطالع الجزء الثاني من مجلة (الحقائق) الغراء إذ وجدت سؤالأً بإمضاء ي. ص عن التمثيل هل هو جائز أو محظور وطلب السائل الجواب من العلماء المحققين وأوضح ما رآه في بعض المدارس من شيخها وتلامذته في هذا الشأن. مما يخالف صريح السنة والقرآن. فقد صرحوا بأن هذه الهذيانات واجبة بنص القرآن العظيم والسنة المطهرة ولما رأيت ذلك أخذني من الأسف والحزن الجسيم. ما الله تعالى به عليم. وعزمت أن أكتب دواباً يدحض شبهتهم. ويزيف أباطيلهم مؤيداً بالآيات الكريمة والأحاديث الصحيحة القويمة. ثم وجدت العالمين الجليلين صاحبي الفضل والفضيلة. الأستاذ العلامة الشهير الشيح عارف أفندي المنير. والأستاذ العلامة
стр. 445
الشيخ محمد أفندي القاسمي قد أجابا عن ذلك في الجزء الثالث من المجلة المذكورة مستدلين بالآيات الصريحة. والأحاديث الصحيحة. وأوضحا وبينا أوضح البيان. فاكتفيت بجوابهما عن الجواب. ووجدت تطفلي بعدهما إنما هو تكرار وإسهاب. على أنه لو لم يكن في هذا التمثيل المسمى بالرواية من المفاسد إلا الغيبة التي هي من الكبائر كما جنح إليه الإمام ابن حجر في الزواجر لكفى في تحريمه. وهذا بقطع النظر عما يحتوي عليه من الفظائع التي يأباها الشرع المحمدي ثم لم يكتف الممثلون بإجراء هذه المحرمات حتى جعلوها من الواجبات. ولم يشعروا بأن استحلال الحرام من المكفرات. فنسأل الله العظيم أن يوقظنا وإياهم من هذه الغفلات. مع الإخلاص في القول والعمل. وينجينا من شهوات أنفسنا والتنافس والزلل لنرى وجه الحق راضياً يبتسم. وطائر الفلاح على غصنه يترنم. ونأوى إلى ربوة ذات قرار ومعين. بها أتباع الكتاب والسنة وعلمائنا الأساطين. ونعتصم بمعصم الشريعة المسور وروضها المخضل المنور. بلغنا الله السعادة. وختم لنا بخاتمة الحسنى وزيادة بجاه سيد الأنام ومن للأنبياء والرسل ختام.
دمشق (محمد راغب السادات)
стр. 446
التاريخ
تابع ترجمة أبي بكر ﵁
٨
فتح ما وراء الحيرة
كان دهاقين ما وراء الحيرة يتربصون بخالد ﵁ ما يصنع بأهل الحيرة فلما صالحهم واستقاموا له جاءُوه من كل ناحية فصالحوه عما يلي الحيرة وبعث خالد أمراءه وأمرهم بالغارة فاجتازوا السواد كله إلى شاطئ دجلة.
ثم أنَّ خالداً بعد أن قضى على دولة المناذرة التي كانت تحكم العراق من قبل الأكاسرة أخذ يتمم فتح العراق فكتب كتابين أحدهما لملوك فارس وهو: بسم الله الرحمن الرحيم. من خالد بن الوليد إلى ملوك فارس (أما بعد فالحمد لله الذي حل نظامكم، ووهن كيدكم، وفرق كلمتكم، ولو لم يفعل ذلك بكم كان شراً لكم فادخلوا في أمرنا ندعكم وأرضكم ونجزكم إلى غيركم وإلاَّ كان ذلك وأنتم كارهون على أيدي قوم يحبون الموت كما تحبون الحياة) والآخر للمرازبة وهو (بسم الله الرحمن الرحيم من خالد بن الوليد إلى مرازبة فارس أما بعد فاسلموا تسلموا وإلا فاعتقدوا مني الذمة وأدوا الجزية وإلا فقد جئتكم بقوم يحبون الموت كما تحبون الخمر) وكان العجم مختلفين بموت ملكهم أزدشير وعدم من يولونه من بيت كسرى فلما وصل كتاب خالد اتفق نساء آل كسرى على تولية أحد أمراء فارس وهون الفرخزاد ابن البنذوان حتى يجدوا من يولونه من بيت كسرى فكانت اختلافاتهم الداخلية مما أضعف عزيمتهم وأعان عليم المسلمين.
فتح الأنبار
ثم خرج خالد من الحيرة قاصداً الأنبار فلما بلغها وجد أهلها قد تحصنوا وأشرفوا من على حصنهم فأنشب القتال وقال للرماة أني أرى أقواماً لا علم لهم بالحرب فارموا عيونهم ولا تقصدوا غيرها فرموا رشقاً واحداً ثم تابعوا الرمي ففقئ ألف عين فسميت ذات العيون وكان على الجند قائد اسمه شيرزاد فلما رأى أن لا قبل له بالحرب طلب الصلح على أمر لم يرضه خالد فرد رسله ثم أنه نحر ضعاف الإبل وجعلها في موضع ضيق من الخندق
стр. 447
حتى ردمه ومر عليها المسلمون فلما رأى شيرزاد ذلك رضي بالصلح على أن يلحقوه بمأمنه ويخلي لهم البلد بما فيها فقبل منه خالد وسيره إلى مأمنه.
فتح عين التمر
لما فرغ خالد من الأنبار استخلف عليها الزبرقان ابن بدر وسار إلى عين التمر وبها مهران ابن بهران جوبين في جمع عظيم من العجم وعقة ابن أبي عقة في جمع عظيم من العرب الذين كانوا يقيمون بتلك الجهات تحت حكم الأكاسرة فقال عقة لمهران دعنا وخالداً فالعرب أعرف بقتال العرب وسار نحو خالد فهجم وهو يرتب صفوفه فاحتضنه وأخذه أسيراً فانهزم جيشه من غير قتال وأسر أكثرهم وبلغ الخبر إلى مهران فهرب وترك الحصن فتحصن به المنهزمون ففتحه خالد وغنم مافي الحصن ووجد في البيعة أربعين غلاماً يتعلمون الإنجيل ففرقهم في الناس. ثم بعث بالفتح والأخماس إلى أبي بكر.
فتح دومة الجندل
لما فرغ خالد من عين التمر وافاه رسول عياض بن غنم يستمده على من بازائه من نصارى العرب بناحية دومة الجندل فعجل خالد إلى عياض بكتابه وهو (من خالد إلى عياض إياك أريد
البث قليلاً تأتك الحلائب ... يحملن آساداً عليها القاشب
كتائب يتبعها كتائب
وسار خالد حتى نزل على دومة الجندل وعياض عليها من الجهة الأخرى فخرج الجودي الذي كان أميراً عليها إلى خالد وأخرج فرقة إلى عياض فانهزموا من الجهتين إلى الحصن فافتتح خالد الحصن عنوة وغنم ما فيه.
وقعة الحصيد والخنافس
قام خالد بدومة الجندل فطمع الأعاجم في الحيرة وحركهم على ذلك عرب الجزيرة ليأخذوا بثأر عقبة فخرج من الفرس جيش عظيم بقيادة روزبة وزمهر وانتهيا إلى الحصيد والخنافس فسمع بالخبر القعقاع بن عمر وهو خليفة خالد على الحيرة فبعث لها بسريتين من الجند فحالا بينهما وبين الريف ثم جاء خالد إلى الحيرة وأرسل القعقاع وأبا ليلى بن
стр. 448
فدكي إلى لقاء جمع الفرس بالحصيد فسارات حتى التقيا بهم فقتل من العجم مقتلة عظيمة وقتل القائدان وانهزموا إلى الخنافس فسار أبو ليلى بمن معه في أثرهم فلما أحسوا بهم هربوا إلى موضع يقال له المضيج وبه بعض عرب الجزيرة جاؤا مدداً لأهل الحصيد فكاتب خالد القعقاع وأبا ليلى وواعدهما المضيخ وسار إليهما فاجتمعوا وأغاروا عليهم من ثلاثة أوجه وهو نائمون فأكثروا فيهم القتل وهزموهم شر هزيمة ثم توجه خالد إلى بجير التغلبي وهو متجمع في جيشه بالثني فقاتله وهزمه ثم سار إلى البشر وقد تجمع به عسكر عربي ضخم فبيتهم خالد بغارة شعواء ولم يفلت منهم أحد ثم سار إلى الفراض وقد اجتمع به جمع عظيم من الفرس والروم والعرب واتفقوا على قتال المسلمين وعبروا نهر الفرات فقاتلهم المسلمون قتالاً شديداً فهزموهم وأكثروا فيهم القتل وأقام خالد على الفراض عشرة أيام وأمر بالرجوع إلى الحيرة وتخلف مظهراً أنه في الساق ثم توجه إلى مكة فحج ورجع ولم يعلم أبو بكر بذلك إلا بعد رجوعه ثم أنه استخلف على العراق المثنى بن حارثة وأبقى له نصف الجيش وسار بالنصف الآخر قاصداً الشام مدداً لجيوش المسلمين هناك بأمر من أبي بكر ﵁ (للبحث صلة).
стр. 449
الإقدام والثبات
ثمرتهما النصر والظفر
أبى الله إلا أن يحالفنا النصر ... وينزل في أعدائنا الكسر والخسر
أبى الله إلا أن تصان بلادنا ... ولم يفد الطليان منها ولاشبر
أبى الله إلا أن تعود خصومنا ... وأيديهمو من كل فائدة صفر
لوى الدهر عن روما فكان نصيبها ... لدى بغيها الخذلان والقتل والأسر
أصاخت لشيطان الغرور ومادرت ... عواقب ما تأتي المظالم والمكر
فيا أمة أضحت مدى الدهر عبرة ... لكل ظلوم ساقه الطيش والغدر
أغركِ من الحلم فازددت خفة ... وطيشاً أثارته الوقاحة والسكر
زعمت غروراً ساحة الحرب (معملاً) ... لتصنع فيه (المعكرونة) والخمر
ولم تدرِ أنَّ الحرب سوق تباع في ... رحاها المنايا حيث أثمانها العمر
زعمتم بني الطليان أن رجالنا ... تهاب الردى هل يرهب الأسد الزعر
خسأتم ورب البيت فالحرب دأْبنا ... ويشهد في إقدامنا السهل والوعر
أما وسيوف جرَّدتها جيوشنا ... لتغمد في أعناقكم إذ بدا النصر
فما ساقكم عزريل إلا لتصبحوا ... ضحايا (لعيد النحر) إذا قرب النحر
فذوقوا بأيدينا وبال عتوكم ... لقد برح التمويه وانكشف الستر
سأَلناكمو حقن الدماء فلم تروا ... سوى سفكها والظلم مصدره الكفر
فأين أساطيل لكم وجيوشكم ... سلوا البحر عنها حيث أدرى بها البحر
أتيتم حمانا بالجيوش لتبلعوا ... طرابلساً والباعث الجوع والفقر
فهل خلتمو تلك الولاية لقمة ... ولم تعلموها أنها لكمو قبر
أردتم بأن تزودوها فكنتمو ... لتربتها زاداً وخانكمو الحزر
وهل أنتمو إلا بقية فرقة ... بها مثل الحبشان دوراً له ذكر
فتلك لئن أبقت عليكم فهذه ... على ملككم تقضي متى قضي الأمر
غدرتم بنا والغدر فيكم سجية ... كما في وفاء العهد يذكرنا الدهر
فكان مصير الغدر شراً عليكمو ... ولكنما عقبى الوفاء لنا خير
стр. 450
جهلتم لقانا فاستهنتم بقومنا ... فهاج عليكم بالبلا البحر والبر
سلوا البيض والسمر العوالي فإنها ... تخبركم عنا الصوارم والسمر
وهاهي في ذا اليوم شاهدة لنا ... بما يجتنيه الطعن والضربة البكر
إذا ركعت أسيافنا سجدت لها ... رؤُوس الأعادي هيبة وانحنى الظهر
فهذا لعمري دأبنا في عدونا ... كذا العرب الشم الغطارفة الغر
ليحيى رشاد الدين دوماً وجنده ... وتحيى لنا الأوطان ماطلع الفجر
دمشق
عبد الرحمن القصار
стр. 451
بيان حقيقة
جاءتنا من الأستاذ العلامة الفاضل الشيخ عارف أفندي المنير مقالة يكذب فيها ما جاء في جريدة المفيد عدد ٨٣٢ بإمضاء رائد حقيقة من أنه من محرري مجلة الحقائق منتقداً على الكاتب إخفاء اسمه وقال فيها ليس من اللائق أن يعتمد الكاتب على الكذب والتحامل بل اللائق أن يقابل الأدلة بمثلها وينقض ما اشتملت عليه كتابته بالأوجه المعقولة ونحن نبين لقرائنا أن ما يكتب في مجلتنا بإمضاء أصحابه الصريحة أو الرمزية فهو فكرهم وعلى عهدتهم أما كتابة أصحاب المجلة فتكون خالية من الإمضاء.
стр. 452
العدد ١٦ - بتاريخ: ٢٢ - ١١ - ١٩١١
стр. 453
الدين الإسلامي والتوحيد
١٢
النبويات
قدمنا أن للأنبياء عليهم الصلاة والسلام صفات كمال يجب الاعتقاد بثبوتها ويحسن بنا أن نورد الدلائل عليها تتميماً للفائدة، وتوفية لحق البحث فنقول:
أما دليل وجوب اتصافهم عليهم الصلاة والسلام بالصدق فللقطع بأنهم صفوة الله من عباده وخيرته من خلقه اصطفاهم لوحيه واجتباهم لتبليغ أمره ونهيه، وبعثهم إلى الأمم مرشدين هادين مؤيدين بالآيات الواضحة والمعجزات الباهرة تصديقاً لمدعاهم وتحقيقاً بأنهم رسل الله فكان إظهار المعجزات النازلة منزلة صدق عبدي فيما يبلغ عني أكبر دليل على صدقهم.
فلو جاز الكذب عليهم لجاز الكذب على الله تعالى لأن تأييد الكاذب تصديق له. وتصديقه كذب. وهو محال عليه تعالى وأيضاً لو جاز الكذب عليهم لضعفت الثقة بهم لعدم اطمئنان القلوب لأخبارهم، وارتياح النفوس لأقوالهم فتذهب الحكمة من بعثتهم.
وقد ضرب العلماء ﵃ مثلاً تتضح به الدلالة على صدق الرسل فقالوا مثال ذلك ما إذا قام رجل في مجلس ملك بمرأى منه ومسمع بحضور جماعة وادعى أنه رسول هذا الملك إليهم فطالبوه بالحجة فقال هي أن يخالف الملك عادته ويفعل كذا ففعل فلا شك أن هذا الفعل من الملك على سبيل الإجابة للرسول تصديق له ونازل منزلة قوله صدق هذا الإنسان في كل ما يبلغ عني. إذا تبين هذا فلا بد من الاعتراف بوجوب الصدق للأنبياء عليهم الصلاة والسلام في القول والفعل والإرادة والعزم وفي تحقيق مقامات الدين كلها كالتوكل والإخلاص وغيرهما.
وأما دليل وجوب الأمانة ويرادفها العصمة فلأنه لو جاز عليهم أن يخونوا الله تعالى بفعل محرم أو مكروه لكانت أممهم مأمورين به لأن الله تعالى أمرهم باتباعهم في أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم وهو تعالى لا يأمر بمحرم ولا لكروه (إنَّ الله لا يأمر بالفحشاء) ومن المتفق عليه عندنا وعند أهل الكتاب أن الأنبياء هم سادات البشر وأشرفهم وأفضلهم أحبهم إلى الله وأعلاهم منزلة لديه وأطهرهم من كل رجس يشينهم ولا شكّ أنه تعالى ما اتخذهم وسائط
стр. 454
بينه وبين خلقه حتى صفى سرائرهم من الكدورات البشرية والرعونات النفسية إلى درجة لأن يتلقوا الوحي عنه بالإلهام وتارة بواسطة الملك النوراني الذي يرسله إليهم فيختلط بأرواحهم وينفث في قلوبهم ما أمره الله به من الأحكام والأخبار فأرواحهم إذا لم تكن في غاية من الطهارة والصفاء كيف يمكنها أن تتلقى الوحي من الله وتستأهل منصب النبوة الذي ليس فوقه منصب.
وأما دليل وجوب التبليغ فلأن وظيفتهم الإرشاد والتعليم والترغيب إلى الفضائل والترهيب عن الدنايا وتبيين الحدود والأحكام التي أمروا بتبليغها عن ربهم فلو كتموا شيئاً مما أمروا بتبليغه لأدى ذلك إلى نقص في وظيفتهم ولكانت جميع أممهم مأمورين بكتمان العلم لأن الله تعالى أمر العباد بالاقتداء بهم في أقوالهم وأفعالهم وحذر من الكتمان بقوله (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون) وكيف يتصور كتمان شيء مما أمروا بتبليغه وقد أنزل الله على إمامهم وخاتمهم ﷺ (يا آيها الرسول ما أنول إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته) أي إن لم تبلغ بعض ما أمرت بتبليغه فحكمك حكم من لم يبلغ شيئاً منها.
وأما دليل وجوب الفطانة فلأن الله تعالى وهبهم من قوة الذكاء وسمو المدارك وأصالة الرأي ووفور العقل وثقوب الفهم ما به يتمكنون من إلزام الخصوم وإقامة الحجج الدامغة لدحض دعاوي أهل العناد فلو كانوا متسمين بالبلاهة والغباوة لما تكنوا من نصب الدلائل الواضحة والبراهين القوية لاحجاج الملحدين، ونسف صروح المتعنتين، ومما يرشدنا إلى أنهم عليهم الصلاة والسلام كانوا على جانب عظيم من الذكاء والفطنة ولهم المكانة العليا والقدم الراسخ لإقامة الحجة وإظهار الحق قوله تعالى (وتلك حجتنا آتينا إبراهيم على قومه) وقوله (يا نوح قد جادلتنا) وقوله (وجادلهم بالتي هي أحسن) إلى غير ذلك من الآيات الدالة على اقتدارهم لمجادلة أهل الكفر والطغيان ومقارعتهم بالحجة والبرهان حتى يفوزوا بالانتصار ويسجلوا على أعدائهم الخذلان والبوار.
وأيضاً فإن الغباوة والبلادة من صفات النقص التي لا يرتضيها أقل الناس لنفسه فضلاً عن الأنبياء الكرام المنزهين عن النقائض المتصفين بأسمى صفات الكمال التي تليق بهم.
ما يجوز للأنبياء عليهم الصلاة والسلام
стр. 455
الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يجوز في حقهم سائر الأعراض البشرية كالأكل والشرب والنوم والجماع وغير ذلك مما لا يؤدي إلى نقص في مراتبهم العلية وذلك لأنهم من البشر فيجوز عليهم من الآفات والتغييرات والآلام والأسقام وتجرع كأس الحمام ما يجوز على البشر وهذا كله ليس بنقيضة فيهم لأن الشيء إنما يسمى ناقصاً بالإضافة إلى ما هو أتم منه وأكمل من نوعه وقد كتب الله على أهل هذه الدار فيها يحيون وفيها يموتون ومنها يخرجون وخلق جميع البشر بمدرجة الغير فقد مرض سيد الرسل ﷺ واشتكى وأصابه الحر والقر وأدركه الجوع والعطش ولحقه الغضب والضجر وناله الإعياء والتعب ومسه الضعف والكبر ثم قضى نحبه وتشرف بروحه الرفيق الأعلى وتخلص من دار الامتحان والبلوى وهذه سمات البشر التي لامحيص عنها وذلك من تمام حكمته ليظهر شرفهم في هذه المقامات ويبين أمرهم ويتم كلمته فيهم وليحقق بامتحانهم بشريتهم ويرتفع الالتباس عن أهل الضعف فيهم لئلا يضلوا بما يظهر من العجائب على أيديهم كما ضل بعض الأمم باعتقادهم بأنبيائهم الألوهية. وليكون ابتلاؤهم تسلية لأممهم ووفوراً في أجورهم عند ربهم.
إنَّ هذه الطوارئ والتغييرات المذكورة إنما تختص بأجسامهم البشرية المقصود بها مقاومة البشر ومعاناة بني آدم لمشاكلة الجنس وأما بواطنهم فمنزهة عن ذلك ومعصومة منه متعلقة بالملأ الأعلى والملائكة لأخذهم عنهم وتلقيهم الوحي منهم. (يتبع)
стр. 456
السنوسيون
كنا كتبنا في هذا الصدد نبذة عن طرابلس الغرب وبرقة وقد رأينا الآن في المقتطف الأغر شيئاً عن السنوسيين أحببنا أن نثبته في مجلتنا لما سيكون لهم من الشأن في الحرب القائمة الآن بين الدولة العلية وإيطاليا. قال ينسب السنوسيون إلى زعيمهم الأول السيد محمد بن علي بن السنوسي الخطَّابي الحسني الإدريسي المهاجري وهو من قبيلة ولد سيدي عبد الله ويتصل نسبه بالحسن ابن الإمام علي بن أبي طالب. ولد سنة ١٢٠٥ للهجرة وقيل ١٢١٧ في مستفانم من أعمال الجزائر ونشأ بها وطلب العلم بمدينة فاس ولما بلغ الثلاثين من عمره ارتحل عنها وأخذ يجول في الصحراء إلى الجنوب من الجزائر يعظ الناس ويحثهم على الصلاح والتقوى. ثم سار إلى تونس وطرابلس وبرقة ومصر وانتقل من مصر إلى مكة فلقي بها السيد محمد بن إدريس الفاسي المشهور بالعلم والصلاح وأخذ عنه الطريقة الصوفية فبرع فيها وأذن له أستاذه بإعطاء العهود وتلقين الذكر فبنى زاوية بجبل أبي قبيس قرب مكة وأقام فيها زمناً. ولقي في مكة محمد شريف من أمراء ودّاي وكان قد قدمها حاجاً فتمكنت عرى الصداقة بين الاثنين وصار محمد شريف من أشد أنصاره فيما بعد. وسافر من مكة إلى نجد ولقي بها علماء الوهابيين فارتاب فيه علماء مكة بسبب ذلك وخاصموه. فلما رأى أن أعداءَه قد كثروا في مكة رحل إلى برقة سنة ١٢٥٥ وأقام في الجبل الأخضر وبنى فيه زاوية قرب درنة سماها الزاوية البيضاء وهي أو زاوية أنشأها في إفريقية وبقي في الجبل الأخضر سبع سنوات مشتغلاً بإقراء الحديث والفقه فطار صيته وهرع الناس إليه للأخذ عنه ثم سار إلى مكة وأقام فيها زمناً وعاد إلى الجبل الأخضر بطريق القاهرة. وكان محمد شريف قد صار سلطاناً على ودّاي والمكاتبة متواصلة بين الاثنين. أما الحكومة العثمانية فلم يرق لها النفوذ الذي وصل إليه السنوسي فأحس السنوسي بذلك وانتقل إلى واحة جغبوب على ثلاثين ميلاً من واحة سيوه وبقيت فيها إلى أن توفي في ٩ صفر سنة ١٢٧٦ ودفن هناك.
وخلفه ابنه الأصغر السيد محمد المهدي السنوسي وكان عمره أربع عشرة سنة فقام بنشر طريقته ومعه أخوه الأكبر السيد محمد شريف وعمره خمسة عشرة سنة وحولهما جماعة من المريدين يتولون أمرهما. ونال السيد محمد المهدي شهرة أبيه في الصلاح والتقوى فكثر مريدوه لاسيما في برقة وطرابلس وودّاي. وتوفى محمد شريف سلطان وداي سنة
стр. 457
١٨٥٨ م فخلفه السلطان علي ثم السلطان يوسف وكان الثلاثة أشد أنصار السنوسية.
وقويت السنوسية كثيراً في أيام السيد محمد المهدي فكانت زواياها منتشرة من الغرب الأقصى إلى الهند ومن وداي إلى الأستانة لكنها لم تتمكن من مزاحمة الطرق الأخرى في الهند والممالك العثمانية. وهذه الزوايا كثيرة جداً في الصحراء الكبرى وشمال أفريقية وفي كل زاوية خليفة يدير شؤونها ويبايع الناس فيها ويعلم أولادهم القرآن ومبادئ العلوم ويقتني الماشية ويشتغل بالزراعة بمساعدة المريدين فينفق على الزاوية وما فضل يرسله إلى شيخه السنوسي فصار محمد المهدي كأنه ملك يجبى إليه الخراج.
ولما قام محمد أحمد المهدي بدعوته في السودان أوفد إليه السنوسي رسولاً بطريق ودّاي يستعلم منه عن دعوته فوصل الرسول بعد استيلاء المهديين على الأبيض ورأى من القتل والسلب ما اشمأزت منه نفسه وما لا ينطبق على مبادئ السنوسيين فعاد وأخبر بما رأى فعزم السنوسي على أن لا يكون له أقل تعلق بمهدي السودان وكتب إلى سلاطين وداي وبونو وغيرهما يحذرهم من الانتصار له. وكتب إليه المهدي كتابين طلب منه في أحدهما أن يكون أحد خلفائه الأربعة وفي الآخر أن ينصره على الحكومة فلم يرد عليه جواباً.
ومازال السنوسي يزداد نفوذاً حتى خاف السلطان عبد الحميد عاقبة الأمر وبث عليه العيون والأرصاد فأحسّ السنوسي بذلك وارتحل سنة ١٨٩٤ م إلى واحد الكفرة في الصحراء الكبرى بعيداً عن الحكومة ثم انتقل سنة ١٩٠٠ إلى قروفي دار قوراني من أعمال ودّاي فلقيه أهاليها بكل ترحاب وبنى زاوية هناك في مكان حصين على رأس أكمة وأقام فيها. وكان الفرنسويون قد تقدموا في البلاد ففتحوا برنو سنة ١٩٠٠ وقتلوا سلطانها رابح الزبير ثم فتحوا باقرمى فحاول السنوسي أن يمنعهم من الاستيلاء على بلاد كانم وهي في الصحراء إلى الشمال الشرقي من بحيرة تشاد وكان له فيها زاوية في مكان حصين فزحف عليها الفرنسويون سنة ١٩٠٣ م وفتحوها عنوة فاغتمَّ لذلك كثيراً ومات في ٣٠ مايو من السنة نفسها فوضعت جثته في تابوت صنع لها في قرو ونقلت إلى زاوية التاج وهي الآن في خيمة هناك. وخلفه ابن أخيه واسمه أحمد شريف ويقيم الآن في واحة الكفرة بعيداً عن الفرنسو يين.
ولا يعرف عدد السنوسيين تماماً لكن أكثر أهالي طرابلس وبرقة والجانب الشرقي من
стр. 458
الصحراء الكبرى وودّاي سنوسيون ومنهم عدد ليس بقليل في تونس والجزائر وبرنو ودارفور والجانب الغربي من الصحراء. فهم قوة كبيرة لا يستخف بها.
стр. 459
مقالة خيالية
في المفاضلة بين الشريف الرضي وأبي الطيب المتنبي
للعالم الفاضل صاحب الإمضاء
وإذا قال في الرثاء أربي على الخنساء واستدر ماء السماء من الصخرة الصماء فمن ذلك ما رثى به جده سيد الشهداء ونعى أفول شمسه بمغرب كربلاء:
كربلا لا زلت كرباً وبلا ... مالقي عندك آل المصطفى
كم على تربك لما صرعوا ... من دم سال ومن دمع جرى
من قصيدة جمعت بين الطول والطول وسلبت بخمرة رقتها الألباب والعقول وإذا قام رائع نظمه مبرزاً مساوي خصمه حسبت أن كل نقيصة إلى خصمه تعزى فمن ذلك مالو نزل بيلملم لانهار صلد هضابه وتهدم
أَأَنقل بيتي في البلاد مجاورا ... بيوت المخازي قد ضللت أذن جدا
خياماً قصيرات العماد تخالها ... كلاباً على الأذناب مقعية ربدا
إذا عزّ ماء بينهم وردوا القذى ... وإن قل زاد عندهم مضغوا القدا
ترى الوفد عن أعطانهم وقبابهم ... من اللؤم أنأى من نعامهم طردا
أّأترك امطاء السوابق ضلة ... واستحمل الحاجات أحمرة قعدا
وإذا جاء عائباً فوق سهماً صائباً. يلذع بحمئه فؤاد صديقه. ويكاد من الخجل يغص بريقه. فأصخ لما يتلى من آيات كتابه. وانتشق ما يتضوع عليك من نشر ملابه.
لأتاني وممطول من النأْي بيننا ... قوارص تنبو بالجفون عن الغمض
ومولى ورى قلبي بلذعة ميسم ... من الكلم العوراء مضاً على مض
فعذرا لأعدائي إذا كان أقربي ... يشذب من عودي ويعرق من غضى
إذا ما رمى عرضي القريب بسهمه ... عذرت بعيد القوم أما رمى عرضي
واستضيء بمشكاة التحقيق وشمس المعرفة. إن سلافة إطرائه ممزوجة بماء الأنفة. ترى مياه مدائحه في رياض العظماء سائلة. ويد عفته تأنف أن تكون مما سوى الله سائلة. فإن شئت أن تملأ فكرك من سلسال إطرائه. فإليك قوله وهو قطرة من هامر أنوائه:
ولولا ابن موسى لم يكن في زماننا ... معاذ لجان أو محل لطارق
стр. 460
إذا هم لم يبعد به زجر زاجر ... وإن ثار لم يعطف به نعق ناعق
وإن رام أملاك البلاد بفتكه ... مشى الذل في تيجانها والمناطق
له العز والمجد التليد وراثة ... وأخذاً من البيض الظبا والسوابق
ولو جر عليك نسيم نسيبه ذيول لطافته. لحكمت بعزل عنر بن ربيعة أمير الغزل من خلافته. وإن أحببت أن تجني من بنفسج عذاره. أو تتمتع ولك الحظ الأوفر من شميم عراره. فارتع في رياض مقاله. وتفيَّ في نعيم ظلاله. قال:
وبات بارق ذاك الثغر يوضح لي ... مواقع اللثم في داج من الظلم
وأمست الريح كالغيرى تجاذبنا ... على الكثيب فضول الربط واللمم
واكتم الصبح عنا وهي غافلة ... حتى تكلم عصفور على علم
وأَلثمني ثغرا ما عدلت به ... أري الجني ببنات الوابل الرذم
فهذه شذرة من نفثات سحره. ونبذة من فنون شعره. فأنعم النظر في وجوه مخدراتها. وتأمل آيات محاسنها. ومحاسن آياتها. يظهر لك أن نظمه في أنوار الأدب النرجس والورد. وتحكم بأن له رآسة القريض من قبل ومن بعد.
إليك فقد أبرزت خود قريضه ... فقل لي هداك الله هل أنت قانع
قريض يفوق الشمس في رونق الضحى ... بهاء ولكن نوره الدهر ساطع
بلابل نظم في رياض معارف ... على فنن الآداب هن سواجع
أولئك آبائي فجئني بمثلهم ... إذا جمعتنا يا جرير المجامع
قلت:
لقد سرحت طرف الطرف في مخضل حدائقه. وأجلست عرائس الفكر على منصة رقائقه. فما جال في حلبة خلدي إلا ما ركنت قبل إليه. ولا مال قلب اعتقادي إلا إلى ما عولت عليه. وسأورد من سلساله ما يبطل تيمم الخاصر بصعيد الرضي الطيب. وأبرز من شموس بدائعه ما يوجب الشهادة أن الشاعر أبو الطيب. فقرطق أذنك بشنون نظمه تعلم أن أحمد شعر شعر أحمد. وأرشف بفم السمع رضاب ظلمه وسوف تقول العود أحمد. أما الفخر فهو باري قومه. والمطلع من أفق الخدر عروس شمسه وليس لغيره عنده بدان ولو سجد له الفرقدان وإليك فشم بارقة قوله واهتد بنجوم طوله:
следующие страницы →