← Джавами‘

Джавами‘ · id 29676

مجلة الحقائق

عبد القادر الإسكندراني

Полный текст (1 077 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

السنوسيون كنا كتبنا في هذا الصدد نبذة عن طرابلس الغرب وبرقة وقد رأينا الآن في المقتطف الأغر شيئاً عن السنوسيين أحببنا أن نثبته في مجلتنا لما سيكون لهم من الشأن في الحرب القائمة الآن بين الدولة العلية وإيطاليا. قال ينسب السنوسيون إلى زعيمهم الأول السيد محمد بن علي بن السنوسي الخطَّابي الحسني الإدريسي المهاجري وهو من قبيلة ولد سيدي عبد الله ويتصل نسبه بالحسن ابن الإمام علي بن أبي طالب. ولد سنة ١٢٠٥ للهجرة وقيل ١٢١٧ في مستفانم من أعمال الجزائر ونشأ بها وطلب العلم بمدينة فاس ولما بلغ الثلاثين من عمره ارتحل عنها وأخذ يجول في الصحراء إلى الجنوب من الجزائر يعظ الناس ويحثهم على الصلاح والتقوى. ثم سار إلى تونس وطرابلس وبرقة ومصر وانتقل من مصر إلى مكة فلقي بها السيد محمد بن إدريس الفاسي المشهور بالعلم والصلاح وأخذ عنه الطريقة الصوفية فبرع فيها وأذن له أستاذه بإعطاء العهود وتلقين الذكر فبنى زاوية بجبل أبي قبيس قرب مكة وأقام فيها زمناً. ولقي في مكة محمد شريف من أمراء ودّاي وكان قد قدمها حاجاً فتمكنت عرى الصداقة بين الاثنين وصار محمد شريف من أشد أنصاره فيما بعد. وسافر من مكة إلى نجد ولقي بها علماء الوهابيين فارتاب فيه علماء مكة بسبب ذلك وخاصموه. فلما رأى أن أعداءَه قد كثروا في مكة رحل إلى برقة سنة ١٢٥٥ وأقام في الجبل الأخضر وبنى فيه زاوية قرب درنة سماها الزاوية البيضاء وهي أو زاوية أنشأها في إفريقية وبقي في الجبل الأخضر سبع سنوات مشتغلاً بإقراء الحديث والفقه فطار صيته وهرع الناس إليه للأخذ عنه ثم سار إلى مكة وأقام فيها زمناً وعاد إلى الجبل الأخضر بطريق القاهرة. وكان محمد شريف قد صار سلطاناً على ودّاي والمكاتبة متواصلة بين الاثنين. أما الحكومة العثمانية فلم يرق لها النفوذ الذي وصل إليه السنوسي فأحس السنوسي بذلك وانتقل إلى واحة جغبوب على ثلاثين ميلاً من واحة سيوه وبقيت فيها إلى أن توفي في ٩ صفر سنة ١٢٧٦ ودفن هناك. وخلفه ابنه الأصغر السيد محمد المهدي السنوسي وكان عمره أربع عشرة سنة فقام بنشر طريقته ومعه أخوه الأكبر السيد محمد شريف وعمره خمسة عشرة سنة وحولهما جماعة من المريدين يتولون أمرهما. ونال السيد محمد المهدي شهرة أبيه في الصلاح والتقوى فكثر مريدوه لاسيما في برقة وطرابلس وودّاي. وتوفى محمد شريف سلطان وداي سنة

стр. 457

١٨٥٨ م فخلفه السلطان علي ثم السلطان يوسف وكان الثلاثة أشد أنصار السنوسية. وقويت السنوسية كثيراً في أيام السيد محمد المهدي فكانت زواياها منتشرة من الغرب الأقصى إلى الهند ومن وداي إلى الأستانة لكنها لم تتمكن من مزاحمة الطرق الأخرى في الهند والممالك العثمانية. وهذه الزوايا كثيرة جداً في الصحراء الكبرى وشمال أفريقية وفي كل زاوية خليفة يدير شؤونها ويبايع الناس فيها ويعلم أولادهم القرآن ومبادئ العلوم ويقتني الماشية ويشتغل بالزراعة بمساعدة المريدين فينفق على الزاوية وما فضل يرسله إلى شيخه السنوسي فصار محمد المهدي كأنه ملك يجبى إليه الخراج. ولما قام محمد أحمد المهدي بدعوته في السودان أوفد إليه السنوسي رسولاً بطريق ودّاي يستعلم منه عن دعوته فوصل الرسول بعد استيلاء المهديين على الأبيض ورأى من القتل والسلب ما اشمأزت منه نفسه وما لا ينطبق على مبادئ السنوسيين فعاد وأخبر بما رأى فعزم السنوسي على أن لا يكون له أقل تعلق بمهدي السودان وكتب إلى سلاطين وداي وبونو وغيرهما يحذرهم من الانتصار له. وكتب إليه المهدي كتابين طلب منه في أحدهما أن يكون أحد خلفائه الأربعة وفي الآخر أن ينصره على الحكومة فلم يرد عليه جواباً. ومازال السنوسي يزداد نفوذاً حتى خاف السلطان عبد الحميد عاقبة الأمر وبث عليه العيون والأرصاد فأحسّ السنوسي بذلك وارتحل سنة ١٨٩٤ م إلى واحد الكفرة في الصحراء الكبرى بعيداً عن الحكومة ثم انتقل سنة ١٩٠٠ إلى قروفي دار قوراني من أعمال ودّاي فلقيه أهاليها بكل ترحاب وبنى زاوية هناك في مكان حصين على رأس أكمة وأقام فيها. وكان الفرنسويون قد تقدموا في البلاد ففتحوا برنو سنة ١٩٠٠ وقتلوا سلطانها رابح الزبير ثم فتحوا باقرمى فحاول السنوسي أن يمنعهم من الاستيلاء على بلاد كانم وهي في الصحراء إلى الشمال الشرقي من بحيرة تشاد وكان له فيها زاوية في مكان حصين فزحف عليها الفرنسويون سنة ١٩٠٣ م وفتحوها عنوة فاغتمَّ لذلك كثيراً ومات في ٣٠ مايو من السنة نفسها فوضعت جثته في تابوت صنع لها في قرو ونقلت إلى زاوية التاج وهي الآن في خيمة هناك. وخلفه ابن أخيه واسمه أحمد شريف ويقيم الآن في واحة الكفرة بعيداً عن الفرنسو يين. ولا يعرف عدد السنوسيين تماماً لكن أكثر أهالي طرابلس وبرقة والجانب الشرقي من

стр. 458

الصحراء الكبرى وودّاي سنوسيون ومنهم عدد ليس بقليل في تونس والجزائر وبرنو ودارفور والجانب الغربي من الصحراء. فهم قوة كبيرة لا يستخف بها.

стр. 459

مقالة خيالية في المفاضلة بين الشريف الرضي وأبي الطيب المتنبي للعالم الفاضل صاحب الإمضاء وإذا قال في الرثاء أربي على الخنساء واستدر ماء السماء من الصخرة الصماء فمن ذلك ما رثى به جده سيد الشهداء ونعى أفول شمسه بمغرب كربلاء: كربلا لا زلت كرباً وبلا ... مالقي عندك آل المصطفى كم على تربك لما صرعوا ... من دم سال ومن دمع جرى من قصيدة جمعت بين الطول والطول وسلبت بخمرة رقتها الألباب والعقول وإذا قام رائع نظمه مبرزاً مساوي خصمه حسبت أن كل نقيصة إلى خصمه تعزى فمن ذلك مالو نزل بيلملم لانهار صلد هضابه وتهدم أَأَنقل بيتي في البلاد مجاورا ... بيوت المخازي قد ضللت أذن جدا خياماً قصيرات العماد تخالها ... كلاباً على الأذناب مقعية ربدا إذا عزّ ماء بينهم وردوا القذى ... وإن قل زاد عندهم مضغوا القدا ترى الوفد عن أعطانهم وقبابهم ... من اللؤم أنأى من نعامهم طردا أّأترك امطاء السوابق ضلة ... واستحمل الحاجات أحمرة قعدا وإذا جاء عائباً فوق سهماً صائباً. يلذع بحمئه فؤاد صديقه. ويكاد من الخجل يغص بريقه. فأصخ لما يتلى من آيات كتابه. وانتشق ما يتضوع عليك من نشر ملابه. لأتاني وممطول من النأْي بيننا ... قوارص تنبو بالجفون عن الغمض ومولى ورى قلبي بلذعة ميسم ... من الكلم العوراء مضاً على مض فعذرا لأعدائي إذا كان أقربي ... يشذب من عودي ويعرق من غضى إذا ما رمى عرضي القريب بسهمه ... عذرت بعيد القوم أما رمى عرضي واستضيء بمشكاة التحقيق وشمس المعرفة. إن سلافة إطرائه ممزوجة بماء الأنفة. ترى مياه مدائحه في رياض العظماء سائلة. ويد عفته تأنف أن تكون مما سوى الله سائلة. فإن شئت أن تملأ فكرك من سلسال إطرائه. فإليك قوله وهو قطرة من هامر أنوائه: ولولا ابن موسى لم يكن في زماننا ... معاذ لجان أو محل لطارق

стр. 460

إذا هم لم يبعد به زجر زاجر ... وإن ثار لم يعطف به نعق ناعق وإن رام أملاك البلاد بفتكه ... مشى الذل في تيجانها والمناطق له العز والمجد التليد وراثة ... وأخذاً من البيض الظبا والسوابق ولو جر عليك نسيم نسيبه ذيول لطافته. لحكمت بعزل عنر بن ربيعة أمير الغزل من خلافته. وإن أحببت أن تجني من بنفسج عذاره. أو تتمتع ولك الحظ الأوفر من شميم عراره. فارتع في رياض مقاله. وتفيَّ في نعيم ظلاله. قال: وبات بارق ذاك الثغر يوضح لي ... مواقع اللثم في داج من الظلم وأمست الريح كالغيرى تجاذبنا ... على الكثيب فضول الربط واللمم واكتم الصبح عنا وهي غافلة ... حتى تكلم عصفور على علم وأَلثمني ثغرا ما عدلت به ... أري الجني ببنات الوابل الرذم فهذه شذرة من نفثات سحره. ونبذة من فنون شعره. فأنعم النظر في وجوه مخدراتها. وتأمل آيات محاسنها. ومحاسن آياتها. يظهر لك أن نظمه في أنوار الأدب النرجس والورد. وتحكم بأن له رآسة القريض من قبل ومن بعد. إليك فقد أبرزت خود قريضه ... فقل لي هداك الله هل أنت قانع قريض يفوق الشمس في رونق الضحى ... بهاء ولكن نوره الدهر ساطع بلابل نظم في رياض معارف ... على فنن الآداب هن سواجع أولئك آبائي فجئني بمثلهم ... إذا جمعتنا يا جرير المجامع قلت: لقد سرحت طرف الطرف في مخضل حدائقه. وأجلست عرائس الفكر على منصة رقائقه. فما جال في حلبة خلدي إلا ما ركنت قبل إليه. ولا مال قلب اعتقادي إلا إلى ما عولت عليه. وسأورد من سلساله ما يبطل تيمم الخاصر بصعيد الرضي الطيب. وأبرز من شموس بدائعه ما يوجب الشهادة أن الشاعر أبو الطيب. فقرطق أذنك بشنون نظمه تعلم أن أحمد شعر شعر أحمد. وأرشف بفم السمع رضاب ظلمه وسوف تقول العود أحمد. أما الفخر فهو باري قومه. والمطلع من أفق الخدر عروس شمسه وليس لغيره عنده بدان ولو سجد له الفرقدان وإليك فشم بارقة قوله واهتد بنجوم طوله:

стр. 461

سيعلم الجمع ممن ضم مجلسنا ... بأنني خير من تسعى به قدم أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ... وأسمعت كلماتي من به صمم كم تطلبون لنا عيباً فيعجزكم ... ويكره الله ما تأتون والكرم ما أبعد العيب والنقصان من شرفي ... أنا الثريا وذاك الشيب والهرم وإذا جرد على أحد عضب لسانه. وفوق من قياس فكرته نبال بيانه زلزل قواعد جسمه بصواعق ألفاظه المحرقة. وقلقل دعائم جرمه بسطوات معانيه المرعدة المبرقة. فيتخيل لك أن المثالب هيولى والمهجو لها صورة. وتتوهم أنه محمول الخزي والقضية محصورة. إني نزلت بكذابين ضيعهم ... عن القرى وعن الترحال محدود جود الرجال من الأيدي وجودهم ... من اللسان فلا كانوا ولا الجود ما يقبض الموت نفساً من نفوسهم ... إلاَّ وفي يده من نتنها عود وإذا خلع على شخص إزار عتابه. وأذاقه لباس اللوم والتعنيف من صاب خطابه. عثر في ذيلي الحياء والخجل. وشجى بما يسيغ من هبيد الحنظل. فألق السمع لتشهد قوله. يعاتب في بعض أغراضه سيف الدولة: يا أعدل الناس إلاَّ في معاملتي ... فيك الخصام وأنت الخصم والحكم أعيذها نظرات منك صادقة ... أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم وما انتفاع أخي الدنيا بناظره ... إذا استوت عنده الأنوار والظلم ولو لمحت بارقة المديح من ساطع أنواره. ورشفت جرعة الإطراء وإناء أفكاره. أبيت الاستضاءة بنور ذكاء. وأنفت أن تستمد من ضوء الكهرباء. ولن ترفع يد العفة من جانب الإطراء. إذا لم يكن له على معراج الفضل إسراء. وهو على ما فيه من الحوار. أمر خارج عن مفاضلة الأشعار. كما أن الشرف والنسب. ومكارم الأخلاق والحسب. لاتفيد في رفعة القول أو خفضه ولا تجدي نفعاً في تفضيل بعض الشعر على بعضه (كقوله): ملك سنان قناته وبنانه ... يتباريان دماً وعرفاً ساكبا كالبحر يقذف للقريب جواهراً ... جوداً ويبعث للبعيد سحائبا وقوله: ليس التعجب من مواهب ماله ... بل من سلامتها إلى أوقاتها

стр. 462

أعيى زوالك عن محل نلته ... لاتخرج الأقمار من هالاتها ذكر الأنام لنا فكان قصيدة ... أنت البديع الفرد من أبياتها وقوله: أرى كل ذي ملك إليك مصيره ... كأنك بحر والملوك جداول إذا أمطرت منهم ومنك سحابة ... فوابلهم طل وطلك وابل وقوله: فجائت به إنسان عين زمانه ... وخلت بياضاً خلفها ومأقيا قال الثعالبي وهذا أحسن ما يمدح به ملك أسود ولا منتهى لحسنه وشرف معناه وجودة تشبيهه وتمثيله. آه ولو هصرت خصور الغزل من غضون أساليبه. وأرشفت رضاب النسيب من مبسم أعريبه لبادرت باللوم والتأنيب على من قال تشبيب جميل جميل التشبيب ولعلمت أنه يسبح وحده وكثير عزة من بعض جنده وإليك ماسجع به غريد حمائمه وهب على قامات الأفنان لطيف تسآئمه. سفرت وبرقعها الحياء بصفرة ... سترت محاسنها ولم تك برقعا وكأنها والدمع يقطر فوقها ... ذهب يسمطي لؤلؤ قد رصعا كشفت ثلاث زوائب من شعرها ... في ليلة فارت ليالي أربعا واستقبلت قمر السماء بوجهها ... فأرتني القمرين في وقت معا وها أنا قد صدءت بمهند الحق امتثالاً لآية (فذكر) فيالك لوقفت موقف الإنصاف ونظرت بعين المتفكر فترى سحب وابله تزرى بسحبان وائل ونسيم شمائله يسحب ذيل الاختيال على الأواخر والأوائل وهذه نغبة طائر من تيار معارفه ولمعة بارق من أنوار طرائفه فكن حول كعبة لطائفه طائفاً واستظل بظل عارفه وارفاً. أيا من بتفضيل القريض ينازع ... تأمل فبدر الحق للعين ساطع لأحمد نظم لويشير بطرفه ... إلى الشمس أغضى نورها وهو خاشع وإن ضاع نشر من ملاب قريضه ... فدع كل طيب فهو لاشك ضائع سيدري من المغبون منا ومنكم ... إذا اقترفت عما تقول المجامع) قال:

стр. 463

أراك ذكرت المحاسن وأعرضت عن المثالب كأنك لم تر ما أشار إليه ابن العميد وصدح به الصاحب ويالهما من شهيدين ملكاً في شرع الأدب نصاب العدالة ويالهما من فاضلين من شرق الفضل قرن الغزالة. قلت: لقد علمت ماغريا به من مذمة أقواله. ووجداه مر الطعم من عذوبة سلساله. ولاسيما ماقاواه به الصاحب وطاوله. وباراه من إظهار مساويه وحاشا أن يشاكله. وقد نشأ ذلك عن أسباب نقلت إلينا بصحيح الأخبار. وصرح بها جهابذة الأئمة متواترة الآثار. وكان الأجدر به الشكر لما أسدى إليه من الاستعانة بمعانيه. والحري به أن يبرز خرائد المحاسن من خدور مبانيه فقد ذكر الثعالبي نبذة من استعانة الصاحب بفرائده. وشذرة تحلى بها جيدة من دراري قلائده. ولولا الإطالة لأوردت منها ما حلال وطاب. وشهد على الصاحب أنه بها عد واحد الكتاب. ووما عابه عليه وأزرى قبح المطالع مع أنها بالحس أحرى قوله: كفى بك داء أن ترى الموت شافياً ... وحسب المنايا أن تكن أمانيا ولم يدر أن ذلك كان لامور. كما يظهر لك بإيراد مدائح كافور. ولقد حمل التحامل ابن العميد على أن قال وأغرب في المقال في قوله: فترى الفضيلة لاترد فضيلة ... الشمس تشرق والسحاب كنهوراً بعد أن أطرق ملياً يفكر فيه. ويتأمل فحوى ألفاظه ومعانيه. هذا يعطلنا عن المهم المعقول وما كان الرجل يدري ما يقول. فانظروا حياكم الله وبياكم. وأسعد الأنام بطلعة محياكم. هل هذا إلاَّ قصور عن فهم كلام البلغاء. إن لم نقل سلوك طرق التعصب في ليلة الضغائن الليلاء. إذ مثل هذا البيت لا يخفى على من هو في مرتبة الأدب أدنى فضلاً عمن حاز الدرجة القصوى. فكان قاب قوسين أو أدنى وإني تحدثاً بنعمة علام الغيوب. مستمد للأجوبة عن كثر ما نعياه عليه من العيوب. وبلم يبق إلاَّ النزر القليل وهو مما لا يخلو عن أمثاله إن فتشت نبيل. ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها ... كفى المرء نبلاً أن تعدّ معائبه قال: ما هذا الانتصار الحامل على غمص حق الأفاضل. والاعتذار الذي هو عن مناهج القبول

стр. 464

بمراحل. والأزراء على من له في الأدب القدم الراسخ. والحط من رتبه من نار فضله في رأس علم شامخ. وما ذكرت وإن كان بعضه يزري بفرائد الترائب. ولكن لايمس بجانب ابن العميد ولابفضل الصاحب. ولولا ضياع الوقت بما لا يفيد. لا وردت مما نقما عليه جملة ما كنت منها تحيد. لكن أخال أن جواد تسليك جموح القياد. ودون الاستيلاء على عاصمة فكرك خرط القناد. على أني سأفرغ لك أيها الصديق ثانياً. وأخلد على صفحات الدهر من مساويه ذكراً باقياً. قلت: لم أكن لأجيبك بعد هذا إلا بالإحكام إلى ركين. فيرى أهل التمييز إذن (أنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين) لكن من رفض التحكيم بعد وصوله إلى دائرة الاستئناف قضي عليه بأنه من الخوارج بإجماع ذوي الإنصاف. ولم يكن لنا حكم نركن إليه. ونعول بإبراز حقيقة دعوانا عليه. سوى رئيسنا العلامة النحرير. وأستاذنا النقاد البصير. فيصل أهل العلم وفرقانها وحاتم ذوي الأدب وديانها. هو التكلامة الحبر الذي شهدت ... بأنه الفرد بدو الخلق والحضرا حبر به ربحنا بحر لمغترف ... رحب الخلائق غيث يمطر الدررا تنوير البصائر والأبصار وملتقى أبحر الفضائل وجوهر درها المختار هو الإمام الذي لولاه ما سطعت ... شمس العلوم ولا بدر العلا ازدهرا ولا رأيت لسان العرب لاح لنا ... وقد نضا عن محيا فجره الخمرا فذهبنا إليه، ورضي كلانا بحكمه والتعويل عليه، فقال حفظه الله: سأقضي قضاءً يشهد العقل أنني ... به لم أكن عن مذهب الحق عادلا قضاء عليم لايجابي بحكمه ... ولم يخش في كشف الحقيقة عاذلا هما ما هما في الشعر لكن أحمدا ... له قصبات السبق إن كان صائلا وإن يهج أو يمدح تجد كل ناظم ... وإن كان ذا عقد من الفضل عاطلا تفرد بالأمثال والسهل سبكها ... ولكنها تعيي أرسطو الحكيم الحلا حلا فلو كان في عصر الفلاسفة الأولى ... رأيت ابن سينا خلفه متضائلا حوت حكماً كالدر لكن ضوءها ... إذا ما بدا شمت الدراري أوافلا

стр. 465

أضاءت على الدنيا عموماً ولاترى ... بها الظل في نفي الإضاءة عاملا دع الدر عقداً للعذارى فهذه ... أعز وأسنى إذ تحلي الأفضلا لها نفثة الألفاظ من سحر بابل ... ولطف معانيها يريك الشمائلا وأن يخترع خرت أولو اللب سجدا ... وإن يتبع في النظم فاق الأوائلا ولاتنس أفضال الشريف على الورى ... ومنيجتري أن ينكر البدر كاملا إذا ما جرى في حلبة الفخر لم يدع ... بكرته سحبان وائل وائلا فمن رام نيل الدر غاص ببحره ... وخلى ثماداً خلفه وجداولا معان إذا ماست بإبراد سنها ... تحرت سويداء القلوب منازلا بقالب ألفاظ ترى كل قالب ... لما قبله حسناً وسبكاً مساجلا كأن قد خلا مما يعاب وغيره ... له من رديء الشعر ماقد هوى إلى فرد كل وادٍ من أيادي قريضه ... تر الحسن من تلك المسائل سائلا فهذا قضائي في الشريف وأحمد ... تراه إذا ما تبتغي الحق فاصلا فما الصلتاني الذي قد علمتم ... يساميه لما قام بالحكم قائلا جرير مسود للفرزدق نسبة ... كما أنه يسمو الفرزدق صائلا وما أنا كالأعشى لدى قام حاكماً ... وكان بهذا الحكم والله جاهلا لقد قدم المفضول في الناس رتبة ... وآخر من قد كان في الناس فاضلا دمشق محمد أبو الخير الطباع

стр. 466

التاريخ تابع ترجمة أبي بكر ﵁ ٩ فتوح الشام جهز أبو بكر ﵁ أربعة جيوش لفتح الشام وذلك بعد رجوعه من الحج سنة ثلاث عشرة على أحدهما عمرو بن العاص ووجهه إلى فلسطين وعلى ثانيهما شرحبيل بن حسنة ووجهه إلى الأردن وعلى الثالث سزيد ابن أبي سفيان ووجهه إلى البلقاء وأتبعه بأخيه معاوية وعلى الرابع أمين هذه لأمة أبو عبيدة بن الجراح ووجهه إلى حمص فسارت الأمراء على بركة الله وكان أبو بكر يودعهم ماشياً ويوصيهم بما فيه صلاح دنياهم وأخراهم وكان مما قاله ليزيد أني قد وليتك لأبلوك وأجربك فإن أحسنت رددتك إلى عملك وزدتك وإن أسأت عزلتك فعليك بتقوى الله فإنه يرى من باطنك مثل الذي يرى من ظاهرك وإذا قدمت على جندك فأحسن صحبتهم وابدأهم بالخير وعدهم إياه وإذا وعظت فأوجز فإنَّ كثير الكلام ينسي بعضه بعضاً وأصلح نفسك يصلح لك الناس وصل الصلاة لأوقاتها بإتمام ركوعها وسجودها والتخشع فيها وإذا قدم عليك رسل عدوك فأكرمهم وأقلل لبثهم حتى يخرجوا من عسكرك وهو جاهلون وأنزل في ثورة عسكرك وامنع من قبلك من محادثتهم وكن أنت المتولى لكلامهم وإذا استشرت ماصدق الحديث فصدق المشورة ولا تخزن عن المشير خبرك فتؤتى من قبلك واسمر الليل في أصحابك تأتك الأخبار وتنكشف عندك الأخبار وتنكشف عندك الأستار وأكثر حرسك وبددهم في عسكرك وأكثر مفاجأتهم في محارسهم بغير علم منهم بك فمن وجدته غفل عن محرسه فأحسن أدبه وعاقبه في غير إفراط ولا تخف من عقوبة المستحق ولا تلجنَّ فيها ولا تسرع إليها ولا تغفل عن أهل عسكرك فتفسده ولا تجسس عليهم فتفضحهم ولا تكشف الناس عن أسرارهم واكتف بعلانيتهم ولا تجالس العباثين وجالس أهل الصدق والوفاء ولا تجبن فيجبن الناس واجتنب الغلول فإنه يقرب الفقر ويدفع النصر وستجدون أقواماً حبسوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له. فلما وصل الأمراء إلى الشام نزل أبو عبيدة الجابية ويزيد البلقاء وشرحبيل الأردن وعمرو

стр. 467

بن العاص العربة من أرض فلسطين فبلغ الروم ذلك فكتبوا إلى ملكهم هرقل وكان بالقدس فقال أرى أن تصالحوا المسلمين فوالله لأن تصالحوهم على نصف ما يحصل من الشام ويبقى لكم نصفه مع بلاد الروم أحب إليكم من أن يغلبوكم على بلاد الشام ونصف بلاد الروم فعصوا أمره فسار حتى نزل حمص وأعدَّ الجيوش والعسكر وسير لكل أمير جيشاً يفوق جيشه عدة فهابهم المسلمون فشاوروا عمرو بن العاص فأشار عليهم بالاجتماع لكثرة عدوهم فكاتبوا أبا بكر بذلك فأشار عليهم بمثل رأي عمرو وقال أن مثلكم لا يؤتى من قلة وإنما تؤتون من كثرة الذنوب فاحترسوا منها كلمة قالها خليفة رسول الله ﷺ سبحانه تكون النصرة له مهما كثف جيش العدو وتضاعف. والعاقبة للمتقين. وقعة اليرموك فاجتمع الأمراء باليرموك والروم أمامهم وبين الفريقين خندق فكان الروم يقاتلون ويحتجزون بالخندق فأقاموا كذلك ثلاثة أشهر حتى طلع عليهم خالد بن الوليد في ربيع الآخر بجيشه الذي جاء به من العراق وهو تسعة آلاف وكان جيش الأمراء سبعة وعشرين ألفاً فصاروا ستة وثلاثين ألفاً وصادف وصول ماهان أحد قواد الروم بجيش عظيم مدداً للروم فكان جيش الروم مأتين وأربعين ألف مقاتل منهم ثمانون ألفاً مقيد وأربعون ألفاً مسلسل للموت وأربعون ألفاً مربوطون بالعمائم لئلا يفروا وكان المسلمون يقاتلون متساندين أي كل أمير على أصحابه فجمعهم خالد وخطبهم وبين لهم الخطأ في قتال كل أمير على حدة وأشار عليهم أن يتأمر كل يوم واحد منهم على الجيش كله وأنه يكون الأمير عليهم أول يوم فأطاعوه وأمروه فخرجت الروم في تعبية لم ير الراؤون مثلها وخرج خالد في تعبية لم تعبها العرب قبل ذلك فإنه جعل الجيش كراديس (أي كتائب) كل كردوس ألف رجل وقال أن العدو كثير وليس تعبية أكثر في نظر العين من الكراديس فقال له رجل ما أكثر الروم وأقل المسلمين فقال له خالد ما أكثر المسلمين وأقل الروم إنما تكثر الجنود بالنصر وتقل بالخذلان والله لوددت أن الأشقر (يعني فرسه) براء من توجيه وأنهم أضعفوا في العدد وكان قد حفي في سيره من العراق إلى الشام ثم أنشب خالد القتال فاقتتل الناس والتحم الفريقان وأظهر خالد في ذلك اليوم من الشجاعة الإسلامية ما يعجب منه ثم إن الروم حملوا حملة أزالوا بها المسلمين عن مراكزهم فنادى عكرمة من يبايع على الموت

стр. 468

فبايعه أربعماية من وجوه المسلمين وقاتلوا قتلاً شديداً وخاض خالد بالقلب حتى حال بين خيل المشركين ورجلهم فانهزم الفرسان ففتح لهم المسلمون طريقاً للمرور ليبعدوهم عن الرجالة وهجموا على الرجالة فهزموهم وقتلوا منهم خلقاً كثيراً وكانت هذه الموقعة من أشد المواقع اشترك فيها نساء المسلمين فقاتلوا قتال الأبطال وانتهى الأمر بهزيمة المشركين وفي أثناء القتال حضر بريد المدينة فأخذته الخيول وسألوه الخبر فأخبرهم بسلامة وإمداد والحال أنه جاء بموت أبي بكر ﵁ وتولية عمر بن الخطاب الخلافة وعزل خالد بن الوليد وتولية عبيدة ﵁ رئاسة الجيوش فأصلوه إلى خالد فأخبره الخبر سراً وبين له ما أخبر به الجند فقال أحسنت وأخذ الكتاب فخبأه ولم يبلغ الخبر إلى الجيش إلاَّ بعد أن انتهت الموقعة. وفاة أبي بكر واستخلافه عمر ﵄ حم أبو بكر ﵁ لثمان ليال بقين من جمادى الآخرة ليلة الثلاثاء سنة ثلاثة عشرة فمكث خمسة عشر يوماً لا يخرج إلى صلاة فلما ثقل عليه المرض استشار الصحابة في استخلافه عمر فدعا عبد الرحمن بن عوف فقال أخبرني عن عمر فقال أنه أفضل من رأيك إلاَّ أنه فيه غلظة فقال أبو بكر ذلك لأنه يراني رقيقاً ولو أفضي الأمر أليه لترك كثيراً مما هو عليه وقد رمقته فكنت إذا غضبت على الرجل أراني الرضا عنه وإذا لنت له أراني الشدة عليه ودعا عثمان بن عفان وقال له أخبرني عن عمر فقال سريرته خير من علانيته وليس فينا مثله فقال أبو بكر لا تذكرا مما قلت لكما شيئاً ولو تركته ما عدوت عثمان والخيرة له أن لايلي من أموركم شيئاً ولوددت أني كنت من أموركم خلوا ودخل طلحة بن عبيد الله على أبي بكر فقال استخلفت على الناس عمر وقد رأيت ما يلقى الناس منه وأنت معه فكيف به إذا خلا بهم وأنت لاق ربك فسائلك عن رعيتك فقال أبو بكر أجلسوني فأجلسوه فقال أبا لله تخوفني خاب من استزاد من أمركم بظلم إذا لقيت ربي فسألني قلت اللهم إني استخلفت عليهم خير أهلك أبلغ عني ما قلت لك من وراءك ثم أحضر عثمان وأملى عليه: (بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عهد أبو بكر خليفة محمد ﷺ عند آخر عهده بالدنيا وأول عهده بالآخرة التي يؤمن فيها الكافر، ويوقن فيها الفاجر أني استخلفت

стр. 469

عليكم عمر بن الخطاب ولم آلكم خيراً فإن صبر وعدل فذلك علمي به وإن جار وبدل فلا علم لي بالغيب والخير أردت، ولكل إمرء ما اكتسب، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) ثم ختمه بخاتم الرسول ﷺ وأمر به فقرء على المسلمين وقد أطل عليهم فقال لهم أترضون من أستخلف عليكم فإني والله ما ألوت من جهد الرأي ولا وليت ذا قرابة فاسمعوا وأطيعوا قالوا سمعنا وأطعنا ثم دعا عمر وأوصاه ولما خرج من عنده رفع أبو بكر يديه وقال اللهم أني لم أرد إلا صلاحهم وخفت عليهم الفتنة فعملت فيهم بما أنت أعلم به واجتهدت لهم رأياً فوليت عليهم خيرهم وأقواهم عليهم وأحرصهم على ما أرشدهم وقد حضر لي من أمرك ما حضر فاخلفني فيهم فهم عبادك ونواصيهم بيدك أصلح اللهم ولاتهم واجعله من خلفائك الراشدين وأصلح له رعيته. ثم أوصى عائشة أن يدفن إلى جنب رسول الله ﷺ وأن تغسله زوجته أسماء وابنه عبد الرحمن وكتب وصيته بخمس ماله ثم ترك الدنيا غير آسف عليها وكان آخر كلامه (رب توفني مسلماً وألحقني بالصالحين) وكانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر. هذا ما أردنا ذكره من ترجمة أبي بكر ﵁ وقد اعتمدنا فيها صحيح الكتب التاريخية كتاريخ الملوك والأمم لابن جرير الطبري وتاريخ الكامل لابن الأثير وتاريخ المبتدأ والخبر لابن خلدون والرياض النضرة في مناقب العشرة للمحب الطبري وإتمام الوفاء للعلامة الخضري وغيرها ولم نأل جهداً في اختصار ما يلزم اختصاره وانتقاء ما يسهل فهمه مع حذف ما تكرر وتوضيح ما أشكل وجمع ما تفرق وكثيراً ما بينا وجوه العبر واستنهضنا همم المسلمين للاقتداء بسلفهم الصالح وشرحنا المواضع التي يجب أن نعتبر بها ونسير عليها. والاستمداد من كتب التاريخ معروف غير منكور لمؤرخي هذا العصر وغيرهم وماذا يفعل من يكتب تاريخاً مضى عليه ثلاثة عشر قرناً هل يمكنه أن يستغني عن الاستمداد من غيره؟ هذا ابن الأثير من متقدمي المؤرخين العظام قد نقل عن ابن جرير وغيره كثيراً من الحوادث بالحرف ولم ير بأساً في ذلك وهذا أشهر المشاهير قد غلب عليه اعتماد ابن الأثير حتى أنه قد ينقل منه صحائف متوالية ولم يعب عليه أحد ذلك. هذا وقصدنا من نشرنا تاريخ أبي بكر ﵁ أن يطلع الناس على سيرة سلفهم الصالح ليقتدوا بهم لعلّ الله أن يهب المسلمين روحاً جديدة فيعملوا على مقاومة هذه

стр. 470

الكوارث التي كادت أن تكون آية الاضمحلال ولا يكون ذلك إلاّ برجوعهم إلى الدين والاطلاع على تاريخ أمثال هؤلاء المصلحين.

стр. 471

جاءنا من العالم الفاضل الغيور صاحب الإمضاء ما يأتي: وفاء وعد وأداءُ جائزة صباح هذا اليوم قمت في مقامي تجاه الضريح الأعطر وبعد الصلاة والتسليم قلت: يا سيدي يا رسولا الله تعلم أني اقترحت على محبيك تشطير البيتين المقولين في مديحك ووعدتهم بأن تكون جائزة كل منهم إنشاد ما يقول في أعتابك الطاهرة فأتى كل منهم بما استطاع وها أنا موفٍ لهم بوعدي فأتوسل إليك بصاحبيك هذين وبسائر أصحابك وآل بيتك أن تجيز كلا منهم ليس بقدر ما يليق به ويستحق بل بقدر ما يليق بجودك ويناسب مقامك القدسي عند ربك. فابتديت من الشيخ محمد المبارك إلى آخرهم على الترتيب. فمن عرفت اسمه ذكرته باسمه ومن أخفى اسمه قلت عنه (قال من لا أعرف اسمه) فأرجوكم تبليغ ذلك بواسطة مجلتكم الحقائق. ولكم ولهم مني السلام. المدينة المنورة السبت في ١١ ذي الحجة سنة ١٣٢٩ مختار المؤيد

стр. 472

التمثيل التياترو بالمعنى المعروف لنا الآن كان معروفاً عند قدماء اليونايين والرومانيين ثم جاء حكم الكهان في أوربا حرمت الكنيسة فن التمثيل فلبث هذا الفن خمسة عشر قرناً في غيابة العدم ثم حيي في فرنسا في عهد لويز الثالث عشر (١٦١٠ ١٦٤٣) م وعمّ جميع أوربا في زمن قصير ولم يزل يترقى فيها حتى وصل إلى حالته العصرية المعهودة. من المشهور الآن على السنة الخاصة والعامة أن التمثيل فن جميل يرقي العواطف ويربي الملكات ويحيي عوامل الشعور في الذات ويأخذ بزمام الأمم إلى الكمالات الخ الخ وهو في هذه الجمل إنما يرددون نغمة أوروبية وغفلوا عن أن اختلاف البلدين في العادات والاعتقادات والأميال يجعل بين عوامل رقيهم وعوامل رقينا خلافاً جوهرياً ذريعاً أولئك أقوام عندهم تكشف النساء عادة متبعة والغرام باعث من بواعث الترقي وخطبة الرجال للنساء على مراسح التمثيل أو في بهرة التياترو طريقة الأكثرين من شبانهم وقد أدتهم مدنيتهم المادية وعلومهم الإلحادية ولا سيما في مقدمة القرن الماضي إلى اعتقاد أن لا موجود إلا المادة وأن ليس للإنسان إلا ما ينتهبه انتهاباً من سرور في هذا العالم القصير الأمد. ونحن أمة نعتقد أن لنا دينا وأنه ناموس السعادتين وأن لنا حياة أخرى لنا فيها ثواب على الحسنة وعقاب على السيئة وأن الواحد منا إن لم يتزود من هذا العالم بكمال يعرج به إلى عالم التقديس هبط به قذره إلى عوالم التدنيس ومداحض إبليس وأن كمال أحدنا في أن يملك هواه ويحكم على عواطفه لا انقطاعاً عن اللذة وهرباً من التنعم ولكن طالباً لنعيم الروح في عالم الكمال الأعلى واغتناماً للذة القلب في مجال الجمال الأجلى. أما ما تطالبه به حواسه من نظر للحسان ومغازلة للغزلان وافتضاض لأبكار الدنان فيجزيء أحدنا منها أن تكون من حلال دون حرام وبمباح دون احترام. إذا أجدت بين مرامينا ومراميهم وعقائدنا في الحياة وعقائدهم فهل تظن أن ما ينفعهم أو أن ما يكونهم لا يعدو على كياننا. إن تقل كيف تختلف نواميس الترقي بين أمتين قلنا ما قاله تعالى (ولكل وجهة هو موليها) فإنَّ هنالك نواميس اجتماعية عالية ونواميس سافلة ولا ينكر علينا أحد أن النواميس التي رقت العرب الأولين إلى الأوج الأعلى وبلغت بهم من الرفعة المكان الأسمى كانت أرقى من النواميس التي رقت الرومانيين واليونايين بما لا يقدر وإنما مدار الأمر على وجود

стр. 473

السبب المرقي وهو ما نعبر عنه بالحياة فمتى وجدت الأمة حياة وهي هبة يهبها الله لمن يشاء من الأمم بدون دخل لإرادة أحد فيها حييت الأمة وتقدمت. ولا ينكر علينا أحد أن هنالك حياتين عالية كاملة وحياة ساقطة سافلة وربما كان بينهما حياة ثالثة متذبذبة بين هذين الطرفين (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) فمن اعتقد أن للإنسان حياة بعد هذه الحياة وأن أمامه كمالاً لا يبلغ التصور مداه وأن سبيل ذلك الكمال امتلاك أزمة الأهواء والتسلط على مهاب الأميال والوقوف بالنفس موقف الاعتدال ذم معنا ابتذال النساء فوق المراسح وتمثيل أدوار العشق على مرأى ومسمع الناس أجمعين وعد ذلك الضرب من اللهو من آخر ما منيت به هذه الأمة من أنواع التقليد ومن كان لا يعتقد بالدار الآخرة ولا يظن أن هنالك كمالاً روحانياً إلا ما يهديه الجسد للمشاعر المحسوسة من لثم ثغر أو رشف كأس فليعتقد أن التشخيص فن يرقي العواطف ويكمل الملكات ولكن ليعلم أنها عواطف قومه وملكات ذويه وعشيرته. هنا لعلي أسمع قائلاً هذا تعصب للقديم. هذه معارضة لنواميس الترقي. ذلك جمود يقف بالأمة حيث هي الخ الخ فإنْ قال قائل ذلك أجبته كيف لا نتعصب للقديم كنا قديماً أهل الخلافة في الأرض لا تنازعنا فيها أمة ولاترد لنا على العالمين كلمة فأنْ لم نتعصب لمثل هذا فلأي شيء بعدها نتعصب. أما قوله معارضة لنواميس الترقي فتلك كلمات أصبح يرددها من لايعرف مدلولها وليته كان موجوداً حين كانت الأمة العربية تسعى في سبيل التقدم طائرة بلا تياترو ولا تمثيل فأبدى لها هذه النصيحة بل ليته اعتدل في اللهجة فسألها كيف ترقت بلا تياترات وبأي ناموس كانت مقودة لباحات السعادات. أما قوله جمود يقف بالأمة فليرانا ماذا أكسب الأمة بلينه ومرونته وهل أقفلت على يديه خمارة أو خرب بمسعاه ماخور غاية مانعلمه ونقوله عن هذا القائل أنه انفرط من الجماعة فليلتحق بأي الأمم شاء فإن قبلته عضواً من أعضائها وعدته جزأً مركباً لهيئتها الاجتماعية فليعد ذلك شرفاً له إن شاء. نعم إنَّ في غضون بعض وقائع الأقاصيص عظات ولكنها ضائعة بين تلك الملهيات التي توقظ نائم الأهواء وتحرك ساكن الشهوات. ليعلم معارضونا أن رقي الأمم وحياتها لايتوقف على أمثال هذه الملاهي فإن الحياة حادث

стр. 474

دلل تهب على الأمة تابعة لقوانين عليا وضعها واضعها القادر جل وعزّ على مقتضى علمه وحكمته لا نسبة بينها وبين التياترات والأوبرات مطلقاً وأن في الزمن الذي كان يهدم العرب فيه أساس الدولة الرومانية وتحاصر جيوشهم عواصمها كانت روما آهلة بالتياترات على النحو الذي وصفناه آنفاً فلم تغن عنهم شيئاً وضاقت عليهم الأرض بما رحبت ثم لا يستطيع أحد أن يبرهن لنا بشبهة دليل على أن لتياترات اليابان علاقة بحياة تلك الأمة وهاهي التياترات في فرنسا أتقن منها في إنكلترة ولا يستطيع أحد أن يثبت لنا أن الأولى أسبق من الثانية في شأن من الشؤُون الحيوية.

стр. 475

أقوال العلماء في التمثيل ٣ تحت هذا العنوان ننشر ما يرد إلينا من أقوال علماء الإسلام وفتاويهم في سائر الأقطار ليظهر حكم الله تعالى في هذه المسألة الخطيرة الجواب الثامن للعالم العلامة الفقيه صاحب الإمضاء بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أما بعد فلما طالعت الجزء الثامن من مجلة الحقائق صادفت فيها سؤالأً عن حكم التمثيل في الشرع هل هو محظور أم لا ثم رأيت في الجزء الثالث منها جوابين عن هذا السؤال أحدهما بالتفضيل والآخر بالإجمال واستصوبت ما فيهما جزى الله صاحبيهما خير الجزاء وأنا أقول بقولهما وأعيد كلامها اتباعاً لقول القائل: أعد ذكر نعمان لنا إن ذكره ... هو المسك ما كررته يتضوع أعلم أن من الناس من يحسن التمثيل المذكور ويقول أنه حكاية وقعة تاريخية تشويقاً إلى اقتحام مثلها أو تنفيراً عن اتيان ما يماثلها ويعد من محاسنه الاتعاظ والاعتبار وإيقاظ العقول والأفكار. فأقول مستعيناً بالله تعالى أن هذا الملعب الذي يجرونه في أكثر المواضع خال عن المنافع بل هو داعٍ إلى المعاصي والمنكرات يقضي أهل الفساد به الشهوات. ولو سلمنا أن فيه بعضاً من المنافع فمضراته شتى ومفاسده لا تحصى والعبرة في مثل هذا شرعاً بالأغلب والأكثر نفعاً أو فساداً فإن الخمر والميسر يشتملان على بعض المنافع الدنيوية كما أشير إلى ذلك بقوله تعالى (وإثمهما أكبر من نفعهما) فمن منافع الخمر تشجيع الجبان وتقوية الطبيعة والجنان وتسلية الأحزان وتسخية البخلاء ومن منافع الميسر كسب المال من غير كد وتعب ولا معاناة هم ونصب ومع هذا حرمهما الله تعالى على عباده لكثرة مفاسدهما الدينية والدنيوية فإذا كان الذي نفعه منصوص عليه في القرآن الكريم حراماً لغلبة مفاسده فلأن يكون التمثيل الذي نفعه موهوم لكثرة فجوره أولى. فمن مفاسد التمثيل أنه عبارة عن لعب محدث بصورة مخصوصة وكل لعب حرام قال ﵊ كل شيء يلهو به الرجل باطل إلاَّ ثلاثاً رميه بقوسه وتأديب فرسه

стр. 476

وملاعبته مع أهله فإنهن من الحق. ومنها أنه يشتمل على الملاهي المحرمة والغناء الحرام. واستماع الملاهي معصية والجلوس عليها فسق. قال في التاتارخانية التغني واستماع الغناء حراماً خصوصاً إذا كان مقروناً بألحان الفساق أو بالآلات المحرمة. عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: ما رفع أحد عقيرته إلا بعث الله له شيطانين على منكبيه يضربان بأعقابهما على صدره حتى يمسك. ومنها ظهور الغلمان المرد على مسارح التمثيل بصورة تستميل قلوب الفساق إليهم. ولا ريب أن النظر إلى الأمر بالشهوة حرام قال في التاتارخانية لا يحل للرجل النظر إليه عن شهوة وأما لا بها فلا بأس به ولهذا لا يؤمر بالنقاب. ومنها أنه يكون في الأكثر بعد العشاء الذي يكره بعده الحديث الخالي عن ذكر الله أخرج البخاري من حديث أبي برزة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها أي المحادثة بعد العشاء خوف السهر وغلبة النوم بعده فيفوت قيام الليل أو الذكر أو الصبح نعم لا كراهة فيما فيه مصلحة للدين. أهـ قسطلاني. فعلى العلماء أن يبينوا للناس تحريمه وعلى الآباء أن يمنعوا أبنائهم عن مثل هذه الأحوال الضارة. نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا والله الهادي إلى سبيل الصواب وإليه المرجع والمآب. عبد الله أديب المعروف مدرس قضاء عينتاب ببيرام زاده الجواب التاسع للعالم المفضال صاحب الإمضاء إنَّ السؤال المدرج في العدد الثاني من مجلتكم الجليلة سبقني إلى الجواب عنه جمع من أهل الفضل والنبل وبما أجاب به العالمان الفاضلان العلامة الشيخ عارف أفندي المنير والفهامة الشيخ محمد أفندي القاسمي أجيب طالباً من الله العون والظفر القريب وأن يلهمنا في كل الأحوال إلى كل قول مصيب والسلام ختام أيها السادات الأعلام.

стр. 477

عينتاب خوجه زاده فخر الدين العينتابي الجواب العاشر للعالم الجليل صاحب الإمضاء سلام الله عليكم وبركاته. اطلعت في الجزء ٤ من ج ٢ على ما أجاب به السادة العلماء عن بدعة التمثيل. وكان بنفسي أن أتطفل على هذه المائدة لكني توقفت من الشرط الذي شرطه (رائد الحقيقة) وصرح به وهو طلب الحكم من (العلماء المتنورين) وما أنا منهم. لأن (الرائد) يعني بالعلماء المتنورين ليس من نقلتم عنهم بل الذين ساحوا في مصر وأوربا فتنورت عقولهم بأكل الميتة والمخنوقة ولحم الخنزير. وحضور محافل الرقص والتمثيل وما أشبه ذلك. فهؤلاء الذين يرضى (الرائد) بحكمهم ليس من قضوا حياتهم في العلوم الدينية ووقفوا عند ما أحلّ الله وحرم وما ذاقوا من المدنية الأوروبية طعماً. فعبثاً تحاولون إقناع من لا يرى الحق حقاً والباطل باطلاً (ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور). المدينة المنورة مختار المؤَيد

стр. 478

الأمير علي باشا الحسني الجزائري مقابلته لجلالة الخليفة الأعظم، سفره لطرابلس الغرب للجهاد في سبيل الله، كتابه لأولاده، لحوق ولده الأمير عبد القادر به، وصوله لسيدي براني تشرف الأمير علي باشا الحسني بالمثول لدى جلالة الخليفة الأعظم فكان موضع التفاته واحترامه ثم قرر مجلسا الوكلاء والأعيان ذهاب حضرة الأمير إلى طرابلس الغرب فتوجه إلى (المابين) لوداع جلالة السلطان وطلب بواسطة رئيس كتاب الحضرة العلية مقابلة جلالته فأذن له الخليفة بذلك ولما دخل على جلالته كان السلطان نصره الله واقفاً وعلى وجهه دلائل الارتياح وعلائم السرور فتقرب الأمير منه بكل احترام وهم بتقبيل يده الشريفة لكن الخليفة الأعظم لم يدعه يفعل ذلك قائلاً أستغفر الله أستغفر الله. فكان جواب الأمير لجلالته إنني أتشرف بقبيل يد أمير المؤمنين وخليفة رسول رب العالمين أدام الله شوكتكم وأيدكم بملائكته فتكرم جلالة السلطان وأذن للأمير بالجلوس بقربه فجلس الأمير وخرج رئيس كتاب المابين وبعد أن مكث فقال جلالة الأمير في الحضرة السلطانية نصف ساعة طلب الإذن بالذهاب فقال جلالة السلطان للأمير اجلس اجلس وهو يتبسم ثم ابتدره بالسؤال الممزوج باللطف الملوكاني والحنان الأبوي كم لك من الأنجال؟ فأجاب الأمير ثلاثة ذكور محمد سعيد وعبد القادر وأحمد وأربع بنات وهم عبيد لجلالتك ووديعتي عندكم فأجابه أيده الله كن مطمئن البال إنهم أولادي ومرهم إذا لزمهم شيء أن يخبروني به ثم استأذن بالانصراف فأذن له وودعه إليه فانثنى داعياً له بطول العمر، وسعة الملك ولدى خروجه قدم إليه رئيس الكتاب ساعة مرصعة بالأحجار الثمينة قائلاً له من جلالة السلطان يهديك هذه الساعة لتعرف بها أوقات الصلاة فتذكره وتدعو له فشكره وخرج من المابين وقبل مغادرة الأمير العاصمة قابل النطار فودعوه بكل إجلال واحترام داعين له بالظفر في جهاده وقد أرسل حضرة الأمير كتاباً لأنجاله يقول فيه ما خلاصته بعد وصيته عائلته وأمرهم بوفاء ما عليه من الديون والعناية بمن يلوذ به من الأقارب والأخوان. إن مجلس الوكلاء والأعيان قررا عليّ الذهاب إلى طرابلس الغرب لأجل الذب عن حياض الوطن والمحافظة على البلاد التي يريد العدو اغتيالها بالطرق المخالفة للشعائر الإنسانية والمغايرة للعهود الدولية فلم يسعني إلاَّ الإجابة والقيام بهذا الواجب الديني الوطني فاسئل الله أن يكون لنا خير معين وينصرنا على القوم الظالمين وكونوا مطمئني البال مسلمي

стр. 479

الأمر لله سبحانه فإن القضاء محتم والقدر مبرم وإن شاء الله تعالى لا أتأخر عن إبلاغكم الأخبار السارة بالطرق التي أستطيع مخابرتكم بها وقد استصحبت معي حضرة العلامة المرشد الشيخ السيد صالح أفندي الشريف التونسي وعشرة ضباط (أركان حرب) وعدداً وافراً من متطوعي المغاربة وغاية الأمل منكم أن تكونوا روحاً واحدة في جسد واحد كبيركم يرحم صغيركم وصغيركم يوقر كبيركم أهـ. وبعد سفر الأمير المشار إليه رغب كل من ولديه الأميرين محمد سعيد وعبد القادر على اللحاق به وحسماً للخلاف اقترعا على الذهاب فأصابت القرعة الأمير عبد القادر فخف لمساعدة والده وقد وردت برقية من حضرة الأمير علي باشا بوصوله وولده سالمين (لسيدي براني) ونص البرقية (صحتنا بخير ولدنا وصل لطرفنا الأحوال جيدة). وهنا يحسن بنا أن نحمد سياسة الحكومة في بعثة هذا البطل الكبير يصحبه فئة من المفكرين الخبيرين لتنظيم المجاهدين في طرابلس، وحثهم على المثابرة على الدفاع عن حوزة الدين والوطن وسنرى بحوله تعالى وقوته من أعماله الخطيرة الجليلة في تلك الأصقاع ما يرفع من شأن هذه الأمة ويخلد له بالذكر الجميل مدى الدهر ولا غرو فالأمير من سادة عرفوا بالشجاعة وحسن السياسة ويكفيه أنه شبل ذلك الأسد الذي قام يجاهد الفرنسيس مدة عشرين سنة في زمن نابليونها الثالث أخذ الله بيده ووفقه لما يكبت العدو ويفرح الصديق آمين.

стр. 480

صدى التمثيل رد افتراء بقلم العلامة الكبير صاحب الإمضاء بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد فقد اطلعت على ما جاءَ في المفيد عدد (٨٤١) رداً على ما نشر في (الحقائق) عن حكم التمثيل لكاتب تدلس برمزه وتستر بإخفاء اسمه تحت عنوان دحض باطل فرأيت أن أبين مالها وما عليها وما ترمى إليه فاستخرت الله في ذلك وسألته الإعانة على ما هنالك أنه على ما يشاء قدير. فكتبت ما شاء الله أن أكتب فلم يتم الكلام عليها حتى أطلعني بعض الأخوان على مقالتين في المفيد في الموضوع ذاته فرأيت وجوب الكلام على الجميع فأقول وبالله التوفيق. الكلام على ذلك في بحثين الأول في العبارة وما ترمي إليه. من رمى بنظره إلى عجر العبارة وبجرها يحكم لأول وهلة أن الكاتب جهول مكابر وحسود متظاهر لم يقصد بكتابته المذاكرة ولم يجر على سنن آداب البحث والمناظرة بل ركب فيها متن عمياء وخبط عشواء ولو دخل البيوت في أسئلته من أبوابها لتطفلت مع العجز برد جوابها أجوبة يستحسنها مع أدلتها أولو الألباب ولا يكاد يظفر بها هو وأمثاله في كتاب ولكن أبى الله أن يجعله مظهراً لاستفادة العلوم وأهلاً لفهم المنطوق منها والمفهوم فهو جاهل لم يدر الدقائق ولم يقدر قدر (الحقائق) ولو كان جهله بسيطاً لأمكن له دواء ولكن الجهل المركب لا دواء له ولا شفاء ألم يعلم هذا الجاهل أن الحجة قامت على تحريم التمثيل من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه حتى تواردت فتاوى علماء المسلمين في منعه وتحريمه ولكن أبى أن يذعن للحق وينقاد لأوامر الشرع حتى ظن أن خلافه يهتك حريم الإجماع ويثلم سنن الأتباع. أيها الكاتب ما الذي حملك على خلاف الأئمة ومصادمة الأدلة وتسميتها بجهلك ألعوبة. كبرت كلمة جرى بها لسانك وحررها بنانك أتخال أن تعدد الكتابات وتلونك تلون الحرباء في الإمضاءات يخفى على الأطفال والبنات أم زيف كلامك يروج بالتمويهات أما تعلم أن (للحقائق) علماء وللدقائق فضلاء هم للدين حماة يذبون عن حرمه

стр. 481

ذب الغيور ويحمون ساحته حماية الليث الهصور تصديقاً لقول الصادق الأمين لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين (البحث الثاني) في بيان المهم من كلماته وما يترتب عليه بسببها فنقول قال في العدد المار ما لفظه (قرأت في المفيد الأغر سؤالاً يطلب صاحبه بيان الحقيقة عما جاء في مجلة (الحقائق) جواباً على حكم التمثيل من حيث هو وما كنت لأجهد النفس عن البحث عن البديهيات ولكن يعزّ عليَّ أن أرى الدين أصبح ألعوبة تتقاذفها الأهواء وأظل ساكناً) الخ قدمنا أن جميع ما حرره في مقالته خارج عن دائرة أدب الشريعة وكان اللائق عدم الجواب عنه إلاَّ أننا نخشى من ظنه وظن أمثاله أن أهل العلم عاجزون عن جوابه وعن تزييف كلامه فلنتكلم على المهم منه فنقول: إن كان مراده بألعوبة أن الأدلة التي قامت على تحريم التمثيل من الكتاب والسنة هي الألعوبة فإن كان جاهلاً فيعرف بما أجمع العلماء على تحريمه من ذلك فإن أنكره استتيب فإن تاب فبها ونعمت وإلا فعلى الحاكم مجازاته بما يستحق لأنه معاند ومتبع لنفسه وهواها ثم قال (فإن جاز وجود مجتهد يقول بحرمة التمثيل جاز أن يكون القائل بإباحته مثل ذلك). قلت معاذ الله أن يحل العلماء ما وضح تحريمه بالدليل القاطع والبرهان الساطع فإن من حرم حلالاً مجمعاً عليه أو أحل حراماً كذلك أو أباحه فقد خرج من ذمة المسلمين ولو كان مباحاً عند أحد منهم كما ادعى هذا الأخرق لبينوه أحسن بيان ولعضدوه بأقوى برهان إذ ليسوا عاجزين عن الجواب ولا يفتقرون إلى أحد في كتاب لأنهم أفصح لساناً وأوضح حجة وبياناً ولما لم نر أقلامهم ولا سمعنا كلامهم تبين افتراؤه عليهم على أن التمثيل لو خلا عن جميع المحرمات على سبيل الفرض فهو من اللهو الباطل لقوله ﷺ كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل إلاَّ رميه بقوسه أو تأديبه فرسه أو ملاعبته امرأته فإنهن من الحق. ثم قال (أنه حدث في الأزمنة الأخيرة الخ) قلت هذا من جملة جهله وتمويهه فكيف يدعي حدوثه وهو قديم وموجود قبل الإسلام بل قبل ميلا المسيح عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام بأربعة أو خمسة قرون واسمه عندهم التياترو واشتقاقه من التياتروم أو التياترون كما قاله الفاضل فريد وجدي وتياترو كلمة إفرنسية معناه الملهى والملعب فتسميته بالتمثيل الأخلاقي أو الأدبي تمويه يُراد به ترويج هذه البدعة المضلة في نفوس الجاهلين والأحرى

стр. 482

به أن يُدعى التدليس الاختلاقي ثم قال (أنه لا نص عليه بذاته في كتاب أو سنة ولا يؤثر عن صحابي) الخ قلت ومما يقضي بالعجب اعترافه بأنه لا نص عليه مع حكمه عليه بأنه من الاعتبار المأمور به في القرآن ومن مكارم الأخلاق التي بعث الرسول ﷺ لإتمامها. ومن المعلوم أنه لا نزاع في عدم النص على التمثيل وإنما النزاع في تحريمه وشمول النصوص له واندراجه فيها لأن غالب نصوص الشارع عامة تشمل أفراداً كثيرة قال في (حصول المأمول) أثناء عبارة له ما لفظه قال ﷺ (تركتم على الواضحة ليلها كنهارها) وجاءت نصوص الكتاب العزيز بإكمال الدين وبما يفيد هذا المعنى ويصحح دلالته ويؤيد براهينه كقوله سبحانه (اليوم أكملت لكم دينكم) ولا معنى للإكمال إلا وفاء النصوص بما يحتاج إليه الشرع أما بالنص على كل فرد فرد أو باندراج ما يحتاج إليه تحت العمومات الشاملة ومما يؤيد ذلك قوله تعالى (مافرطنا في الكتاب من شيء) أهـ وقد استوفينا الكلام على ذلك في رسالتنا تحقيق الكلام في وجوب القيام عند تلاوة قصة المولد ووضع أمه له ﵊ هذا وقال العلامة ابن تيمية رحمه الله تعالى أثناء كلام له ما لفظه (بل الصواب الذي عليه جمهور أئمة المسلمين أن النصوص وافية بجمهور أحكام أفعال العباد ومنهم من يقول أنها وافية بجميع ذلك وإنما أنكر ذلك من أنكره لأنه لم يفهم النصوص العامة التي هي أقوال الله ورسوله وشمولها لأحكام أفعال العباد وذلك أن الله بعث محمداً ﷺ بجوامع الكلم فيتكلم بالكلمة الجامعة العامة التي هي قضية كلية وقاعدة عامة تتناول أنواعاً كثيرة وتلك الأنواع تتناول أعياناً لا تحصى فبهذا الوجه تكون النصوص محيطة بأحكام أفعال العباد) أه وفي (حصول المأمول) أيضاً ما نصه ثم لا يخفى على كل ذي لب صحيح وفهيم صالح أن في عمومات الكتاب والسنة ومطلقاتهما وخصوص نصوصهما مايفي بكل حادثة تحدث ويقوم بكل نازلة تنزل عرف ذلك من عرفه وجهله من جهله أه فتبين من هذا أنه لا حادثة وجدت أو ستوجد إلا وفيها حكم منصوص عليه في الكتاب أو السنة أو مندرج تحت العمومات المتقدمة وتبين لك أيضاً جهل هذا الكاتب وخبطه وتمويهه وأن دخوله في الحجاج عداء وكلامه على أهل العلم والفضل مجرد افتراء والعلماء ورثة الأنبياء بشهادة النبي ﷺ ومعلوم أنه لا رتبة فوق رتبة النبوة ولا شرف فوق شرف الوراثة لتلك الرتبة

стр. 483

فيا ويل مَنِ العلماء خصماؤه يوم القيامة فما أفلح قوم آذوا علماءهم ولا نجح قوم حكموا أهواءهم. ثم أسهب الكاتب الكلام في الحط على الأجلاء أصحاب الحقائق وما علمنا ذنبهم معه هل أحدثوا بدعة حظرها الدين؟ هل استخفوا بعلمائهم وأشرافهم أئمة المسلمين؟ أم بثوا دسائسهم في الجرائد؟ أم جمعوا جموعاً لفعل المنكرات في المعابد؟ أم. . نعم ذنبهم أنهم وقفوا مجلتهم لخدمة الدين ونشروا في تحريم التمثيل نصوص علماء المسلمين فإن كان هذا ذنبهم فيا سعادتهم في دنياهم ويا نضارة وجوههم عند لقائهم مولاهم. وأنا بقية كلامه في ما سبق فتعرف أجوبته وبيان خلطه وخبطه مما قدمناه لك فتذكر فما في العهد من قدم ولا حاجة بنا إلى الإعادة خشية من سآمة التالين وهذا ما حضرني وفوق كل ذي علم عليم. دمشق محمد القاسمي الحلاق

стр. 484

بيان حقيقة بقلم العالم الفاضل صاحب الإمضاء قرأت في المفيد عدد (٨٤١) مقالة بعنوان دحض باطل يرد صاحبها على ما ورد في الحقائق من بيان حرمة التمثيل بأدلة واهية وقياسات عقيمة ومغالطات وسفطسة نسبها هو لغيره فأحببت له أن أبين خطأه وأبين أن حرمة ذلك من البديهيات التي لا تحتاج إلى الكتابة والرد ولكن لما قام بعض المتهورين وقال أن التمثيل من الفروض التي جاء بها القرآن وأنه من مكارم الأخلاق اضطر أهل العلم للرد عليه كي يبينوا للأمة حرمة ذلك حتى لا يغتروا بقول المتفرنجين المتجرئين على كتاب الله وسنة رسوله وإني تأسياً بأهل العلم واقتفاءً لأثرهم أقول أولاً قوله (القول بحرمة التمثيل إما أن يصدر عن مجتهد أو مقلد) الخ مجرد مغالطة لأن المعلوم عند أهل العلم أن الحوادث التي تحدث إنما تنطبق وتفرع على أصول تلك المذاهب ولا يلزم من ذلك أن يكون المفتي بها مجتهداً. ثانياً قوله (إذا لم يرد في الشيء بخصوصه نص تقررت الأصول) الخ يفهم من هذا أنه لا حاجة إلى باب القياس ومسالك العلة لأنه على هذا أن لم يوجد نص في الحادث فهو على الإباحة ولا قائل بذلك ثالثاً قوله (الأصل في الأشياء الإباحة كما هو مختار الجمهور من الحنفية والشافعية) ليس كذلك قال إمام الحرمين في الورقات فمن الناس (أي العلماء) من يقول أن الأشياء على الحرمة إلا ما أباحته الشريعة فإن لم يوجد في الشريعة ما يدل على الإباحة فيستمسك بالأصل وهو الحظر ومن الناس من يقول بضده وهو أن الأصل في الأشياء الإباحة إلاَّ ما حظره الشرع قال الشارح والصحيح التفصيل وهو أن المضار على التحريم، والمنافع على الحل والقول بالحظر أسلم لقوله ﵊ (الحلال بين والحرام بين وبينهما أو مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام) فإذا لم نقل أن التمثيل من الحرام البين ينبغي لنا أن نتقيه لأنه من الأمور المشتبهات ويفهم من كلام الأصوليين (فإن لم يوجد في الشريعة ما يدل على الإباحة فيستمسك بالأصل وهو الحظر) إنه ليس كل مسألة منصوصاً عليها بعينها بل ما هو منصوص عليه بعينه وما هو مدلول عليه وما هو مقاس على غيره كما هو معلوم عند أهل العلم.

стр. 485

وبعد كتابة ما تقدم اطلعت على مقالة أخرى في المفيد عدد (٨٤٧) ركب صاحبها متن عمياء ونظراً لتلبيسه وجه الحقيقة أردت أن أبين لأهل الإنصاف حقيقة ما شاهدته وإن كره المفترون المتفرنجون فقد وجد في الرواية تخنث الغلمان المرد كاشفي الرؤوس مسرحي الشعور وقد لبس بعضهم القبعة (البرنيطة) وقد وقع الكاتب فيما فر منه أولاً لاعترافه بأن الشهابي حسن التمثيل بقوله فعلينا أن نعتنق تلك المكرمات التي بعث لتتميها خير البشر ﷺ الخ وقوله لو لم يكن في النظر إلى أخبار الغابرين عبر جليلة لما قص علينا أخبار الأمم السالفة وأمر بالاعتبار بها الخ أليس هذا استدلال منه على التمثيل بالحديث والقرآن الكريم وجعله من أفراد مكارم الأخلاق وأفراد الاعتبار. سلمنا أن الشهابي لم يقل بفرضية التمثيل صراحةً لكنه قال ذلك ضمناً لأنه لما حسن التمثيل ومن جملته ما أنشده الغلمان على قولكم (إنَّ الماضي فرض جاء في القرآن) وهذا التمثيل من ذكر الماضي فهو مما جاء في القرآن فثبت المدعى وإلاَّ فأي مناسبة لذكر الشهابي في خطابه حديث مكارم الأخلاق وأية الاعتبار وإنشاد المنشدين إنَّ ذكر الماضي فرض جاء في القرآن فثبت أن الشهابي يعد التمثيل من مكارم الأخلاق وأنه من فروض القرآن لأن من حسن قولاً أو فعلاً واستشهد عليه فهو قائل به فيكون مدعياً كما هو منصوص عليه في آداب المناظرة والعجب من بعض الكتاب أنهم يريدون الانتصار لأحبابهم فيوقعونهم فيما فروا منه نظراً لجهلهم بالعلوم الدينية والعلوم العربية إلاَّ طرفاً من الكتابة والإنشاد فتراهم يحسنون الإنشاء ولكن لا يفقهون ماذا يكتبون ولذلك يقولون لم ينشد إنما التمثيل فرض جاء في القرآن بل أنشد أن ذكر الماضي فرض جاء في القرآن ولم يعلموا أن مفهوم (إنَّ ذكر الماضي الخ) في معرض التمثيل والحث على فعله هو عين منطوق (إنما التمثيل فرض الخ) أما ما جعله الكاتب دليلاً على حل التمثيل وهو عدم إنكار من حضر من أهل العلم فليس بشيء لأنا نرى كثيراً من المنكرات شائعاً بين الناس كالغيبة والكذب ولا ينكره أحد حتى الخاصة فهل نعد هذا السكوت دليلاً على الحل؟ نرى كثيراً من المساجد والمدارس والأوقاف قد اتخذت بيوتاً وملكاً ولم ينكر عليهم فهل نعد ذلك من المباح؟ اللهم بصرنا بعيوننا وأرشدنا لما فيه صلاحنا ووفق الأمة لخير العمل والنجاح في العاجل

стр. 486

والآجل. حلب صلاح الدين.

стр. 487

تقاريظ فرائد الفوائد الجلية في شرح العقيدة الإسلاميّة رسالة مفيدة تأليف العالم الفاضل الشيخ محمد أفندي خرما البيروتي شرح بها العقيدة المنسوبة للعلامة الجليل مفتي دمشق الشام السيد محمود أفندي حمزة تصفحنا أكثرها فوجدناه مشتملاً على أهم المسائل التوحيدية مما هو مطابق لمذهب أهل السنة والجماعة مؤيد بصحيح الأدلة فنحث أهل الفضل وخصوصاً تلامذة المدارس على اقتنائها فإنها من أجل ما يعتمد عليه. التنبيه الواجب، سل الحسام رسالتان أهدانا إياهما صديقنا العالم الغيور الفاضل الشيخ محمد سعيد إياس الدمشقي البيروتي في الرد على ما جاء في مجلة المعارف التي تصدر في بيروت أبان في الأولى مفاسد مقالة نشرت في المجلة المذكورة تحت عنوان (الدين يؤاخي الطب) لأحد الكتاب وأبان في الثانية (إن سياحة هذه الأمة المذكورة في القرآن العظيم هي بعض الصيام) فجزاه الله وكل غيور على دينه أفضل الجزاء. نيل الأرب في معرفة الأدب أهدى إلينا صديقنا العلامة الفاضل الشيخ محمود أفندي المرعشي الدمشقي هذا الكتاب النفيس من تأليفه وهو من الكتب المفيدة في الأخلاق والآداب بين فيه حفظه الله الأدب مع الخالق ﷻ ومع الأنبياء عليم الصلاة والسلام ومع الأئمة والعلماء والوالدين والأقارب والأصدقاء والأصحاب وحضّ فيه على الصدقة وإكرام اليتيم وتعهد الفقراء والإكثار من فعل الطاعات والابتعاد عن المنهيات خصوصاً الربا وأكل الحرام وبالجملة فالكتاب أخلاقي يطبع النفس على أدب الدين ويذهب بها إلى الكمال فنحض أهل الدين ومحبي الأخلاق على اقتنائه والاستفادة منه ونسأل الله أن يجزي مؤلفه خير الجزاء. اعتذار لدينا لبعض العلماء الأفاضل أجوبة في تحريم التمثيل ضاق نطاق هذا الجزء عنها كما ضاق أيضاً عن ترجمة المرحوم العالم الفاضل صديقنا الشيخ أبي الخير أفندي الطباع التي وعدنا بها في هذا الجزء وستنشر في الجزء الثاني إنْ شاء الله تعالى.

стр. 488

العدد ١٧ - بتاريخ: ٢١ - ١٢ - ١٩١١

стр. 489

استحباب القيام عند ذكر ولادته ﵊ الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف خلقه أجمعين وبعد فقد اطلعت على سؤال ورد من المدينة المنورة بإمضاء السيد أحمد علي الهندي الرامضوري وهذا نصه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ماقول علماء المسلمين أيد الله بهم الدين وقواهم على إزاحة شبه الملحدين في قول رجل سئل عن القيام عند ذكر الولادة الشريفة النبوية فأجاب (وهذا نص كلامه) وأما توجيه القيام بقدوم روحه الشريفة ﷺ من عالم الأرواح إلى عالم الشهادة فيقومون تعظيماً له فهذا أيضاً من حماقاتهم لأن هذا الوجه يقتضي القيام عند تحقق نفس الولادة الشريفة ومتى تكرر الولادة في هذه الأيام فهذه الإعادة للولادة الشريفة مماثلة بفعل مجوس الهند حيث يأتون بعين حكاية ولادة معبودهم (منهيا) أو مماثلة للروافض الذين ينقلون شهادة أهل البيت ﵃ كل سنة (أي فعله وعمله) فمعاذ الله فصار هذا حكاية للولادة المنيفة الحقيقية وهذه الحركة بلا شك وشبهة حرية باللوم والحرمة والفسق بل فعلهم هذا يزيد على فعل أولئك فإنهم يفعلونه في كل عام مرة واحدة وهؤلاء يفعلون هذه المزخرفات الفرضية متى شاؤُا وليس لهذا نظير في الشرع بأن يفرض أمر ويعامل معه معاملة الحقيقة بل هو محرم شرعاً انتهى كلامه فهل هذا الجواب صحيح أم لا أفيدونا مأجورين. وأقول جواباً عن ذلك مستعيناً بالله. إنَّ هذا الجواب غير صحيح من وجوه وبسط الكلام في هذا المقام يحتاج لبيان حكم القيام لأهل الشرف إكراماً وتعظيماً لهم ومنه يعلم استحباب القيام عند ذكر مولده الشريف ﷺ بالأولى إذ الفرض أنه إنما يفعل إكراماً وتعظيماً ومحبةً لأشرف الرسل ﷺ فنقول القيام للعلماء تعظيماً للعلم مسنون دليله ما رواه أبو داود في سننه عن أبي سعيد الخدري بإسناد صحيح أن النبي ﷺ قال (قوموا إلى سيدكم) يعني سعد بن معاذ القادم عليكم لما له من الشرف المقتضي للتعظيم قال الإمام النووي يستحب القيام للقادم من أهل الفضل وقد جاءت به أحاديث ولم يصح في النهي عنه شيء صريح أهـ وقال شراح الجامع الصغير يؤخذ من الحديث أي المتقدم سن القيام لنحو

стр. 490

العلماء تعظيماً للعلم لا عجباً ورياء أما القيام للأمراء فيطلب للمداراة وقد ثبت أنه ﷺ قام لبعض الصحابة كعكرمة وعدي ﵄ وأقر حسان بن ثابت عندما قام له وحمل الحديث على أن الأمر بالقيام لسعد كان للتعظيم أولى من حمله على القيام لأجل تنزيله عن الدابة لمرض به أهـ لأنه لو كان كذلك لأمر البعض لا الكل ولا ينافي استحباب القيام مارواه الإمام أحمد وغيره عن معاوية بإسناد صحيح أن النبي ﷺ قال (من أحبَّ أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوء مقعده من النار) لقول شراح الحديث كالإمام الطبري غيره هذا الخبر إنما نهي من يقام له إذا أحبه تكبراً لا من يقام له إكراماً ورجحه الإمام النووي قائلاً الأصح والأولى بل الذي لا حاجة إلى ما سواه أن معناه زجر المكلف أن يحب القيام له فهو المنهي عنه فلو لم يخطر بباله فقاموا له فلا لوم عليه أهـ وأما ما روي أن الصحابة كانوا إذا دخل عليهم رسول الله ﷺ لا يقومون له لما يرون من كراهته له فهو من تواضعه وشفقته ﷺ بأمته زاده الله شرفاً إذ هو سيد المتواضعين حتى أنه كان يعفو عمن انتقصه كما هو معلوم من سيرته لا إنَّ القيام منهي عنه وإلاَّ لما أمر به وفعله لغيره وكذا ما ورد عنه ﵇ (لاتقوموا كما الأعاجم يعظم بعضهم بعضا) فهو محمول على محبة القيام تعاظماً وتكبراً بدليل كما تقوم الأعاجم فإذا ثبت أن القيام مطلوب للتعظيم والإكرام لأهل الشرف فكيف يمنع منه عند ذكر مولده ﷺ تعظيماً له بل إنه أولى وأحق من القيام لأحد أمته وقد نص غير واحد من الفقهاء الأئمة الأربعة ومن المحدثين وأهل السير على استحبابه فالذي ينبغي أن يُعول عليه ولا يلتفت لغيره استحبابه وتأكده لعموم المسلمين ولا يغتر بقول ابن حجر الهيتمي في فتلواه من أن الناس إنما يفعلونه تعظيماً فالعوام معذورون بخلاف الخواص أهـ. فهذا هفوة منه بل الخواص أحق بتعظيمه ﷺ وقد فعله العالم الشهير تقي الدين السبكي وغيره ممن لا يحصى واستمر عليه العمل إلى يومنا هذا ويستمر إن شاء الله إلى يوم القيامة ولا ينكره ويحرمه إلا متبدع غالٍ فإن تخيل له أنه بدعة مذمومة بل البدعة تعتريها الأحكام الخمسة كما هو معلوم فكم من بدعة هي فرض أو واجب كتدوين العلوم الدينية ورد الشبه على الفرق الضلالية الذين هذا المانع منهم فليت شعري ماذا يقول هذا

стр. 491

المانع في قيام بعضنا لبعض وفي القيام عند ذكر مولده الشريف هل فيه تعظيم أم لا فإن منع التعظيم فهو مكابر معاند للحس والمشاهدة فلا يليق أن يخاطب وإن سلم أنه يفيد التعظيم وعد تعظيمه ﷺ حماقة فيكون تنقيصاً وإهانة لجنابه الشريف ﷺ ومن أهانه يحكم بكفره وردته وهدر دمه لأن الفقهاء قاطبة ذكروا في باب الردة أن منها الاستهزاء بالعلم أو العلماء وإهانتهم فإذا كان إهانة أحد علماء أمته ﵇ موجباً للكفر والردة فكيف بأفضل المخلوقات عليه أفضل الصلوات والتسليمات قال ملا خسرو في شرح الدرر نقلاً عن فتاوي البزازية أن من انتقصه ﵇ أو شتمه ولو في حال سكره يقتل حداً وهو مذهب أبي بكر الصديق ﵁ والإمام الأعظم أبي حنيفة والثوري وأهل الكوفة والمشهور من مذهب مالك وأصحابه وقال الخطابي لا أعلم أحداً من المسلمين اختلف في وجوب قتله وقال ابن سحنون المالكي أجمع العلماء على أن شاتمه ﷺ كافر وحكمه القتل إلى آخر ما قال. قال في الدر المختار ويجب إلحاق الاستهزاء والاستخفاف به (أي الشتم) ونقل الإمام الشعراني في كتابه كشف الغمة عن هذه الأمة في كتاب الردة عن ابن عباس ﵁ قال كتن أعمى له امرأة تشتم النبي ﷺ وتقع فيه فينهاها فلا تنتهي ويزجرها فلا تنزجر فلما كانت ذات ليلة جعلت تقع في النبي ﵊ فأخذ المعول فوضعه في بطنها واتكأ عليه فقتلها فلما أصبح ذكر ذلك للنبي ﷺ فجمع الناس فقال أنشد الله رجلاً فعل مافعل ألا قام فقام الأعمى يتخطى الناس حتى قعد بين يديه ﷺ فقال يا رسول الله أنا صاحبها كانت تشتمك وتقع فيك فأنهاها فلا تنتهي ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين وكانت بي رفيقة فلما كان البارحة جعلت تقع فيك فأخذت المعول فوضعته في بطنها واتكأت عليها حتى قتلتها فقال ﵇ (ألا اشهدوا أن دمها هدر) ومعلوم أن عدم القيام لأحد كبراء الناس يشعر بإهانته وعدم المبلاة به ولذا يورث الحقد والضغائن كما هو العرف الآن والعرف أحد مدارات الشرع الشريف تبنى عليه الأحكام قال العلامة ابن عابدين في رسالته آداب المفتي: والعرف في الشرع له اعتبار ... لذا عليه الحكم قد يدار فكم من مسألة لا نص فيها وقد تعارف الناس عليها وحكم الفقهاء بها وتداولوها في كتبهم

стр. 492

فكيف يقول المانع أن فاعل القيام بلا شك حري باللوم والحرمة والفسق وهو شبيه بفعل المجوس الخ فهذا افتراء وتهور عظيم لا يصدر مثله من مسلم فضلاً عن عالم فالمسلم الموحد إذا قام عند ذكر مولده الشريف لا يريد إلاَّ التعظيم والاحترام لمنصب الرسالة الذي بذل الأرواح دونه قليل فرحاً بإيجاد هذا الرسول الذي هو رحمة للعالمين لما فيه من عظم منة الله على خلقه أجمعين كما سن السجود لله تعالى شكراً عند تجدد نعمة وأي نعمة أعظم من نعمة ظهور أشرف الرسل حتى أن عمه أبا لهب لما بشر بولادته ﷺ أعتق جاريته فرحاً به ﵊ فجازاه الله بسبب ذلك بأن خفف عنه العذاب في كل ليلة اثنين مع أنه كافر معاند فكيف حال المسلم المحب والمقصود التعظيم بكل ما يفيده ومنه القيام كما هو العرف العام وربما يشعر كلام المانع بأن هذا القيام إذا طلب بطلب للساعة التي برز فيها ﵊ من بطن أمه إذ هو أعظم نعمة كما تقدم وأما تكرار ذلك كلما قريء المولد فلا فيشبه فعل المجوس الخ فنقول له هذا تحكم بحت لأنه متى كان القصد بالقيام التعظيم فلا يمنع من تكرره وله نظائر في الشرع كثيرة لا كما قال المانع لا نظير له فمنت نظيره وجوب الصلاة عليه ﷺ كما ذكر حتى قال كثير من الأئمة لو ذكر في المجلس الواحد ألف مرة يصلى عليه ألف مرة لوجود سببه وهو ذكر اسمه الشريف كما ذكر علماء الأصول من أن الأمر يتكرر بتكرر سببه وكذا تعظيم الأيام الفاضلة والليالي بصومها وإحيائها يتكرر كلما تكررت كذلك هنا لما وجد السبب وهو قراءة سيرته ﵊ الشريفة والاطلاع على أحواله المنيفة التي هي مناط كل كمال وعلى المؤمن أن يجعلها نصب عينيه في كل حال فحين مايصل القارئ إلى ذكر بروزه ﷺ من بطن أمه يتذكر هذه النعمة العظمى فيقوم تعظيماً له وشكراً لله تعالى عليها فهل هذا يلام عليه المرء ويقال بأنه شبيه بفعل المجوس الكفرة الذين يحكون ولادة معبودهم وفعل الرافضة الذين يمثلون ما فعل بأهل البيت كل سنة فإن ما يفعله المجوس منكر من أصله يجعلون معبوداً حادثاً متولداً فهو كفر صراح فكلما كرروا ذلك فقد زاودا ضلالاً على ضلال وكذا تمثيل ما فعل بأهل البيت مشتمل على عدة مفاسد محرمات لا تخفى فكيف يشبه هذا المانع حال المسلمين الموحدين الجالسين في محل معظم فيه رائحة طيبة يتلون كتاب الله وينشرون قصة اشرف خلقه بكل آداب مطلوبة ويصلون

стр. 493

عليه كلما ذكر ويقومون لذكر ولادته تعظيماً له وفرحاً بوجوده بحال هؤلاء حتى حمله الغلو فجعله أزيد من فعل المجوس والروافض سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم ونظير هذا القيام تعظيماً له ﵊ الأمر بغض الصوت بحضرته ﵇ في حياته وعند قراءة حديثه وسيرته بعد وفاته وكذا مناداته باسم يشعر بتعظيمه كيا رسول الله قال تعالى (يا آيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم) وقال أيضاً: (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً) فهل هذا النهي من الله تعالى وتحريم رفع الصوت على صوته الشريف وتحريم ندائه باسمه إلاَّ لمزيد تعظيمه ﵇ ونظيره أيضاً ماورد في الصحيحين أنه ﷺ لما قدم المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم عن حكمة ذلك فقالوا هذا يوم أغرق الله فيه فرعون ونجى موسى فصامه فنحن نصومه فقال ﷺ أنا أحق بموسى منكم فصامه وأمر بصيامه أي شكر الله تعالى فهذا صريح في أن تجديد إظهار الشكر على النعمة السابقة في الوقت الموافق لوقت حدوثها مطلوب بل هو مطلوب في كل وقت تذكر فيه ومن نظيره أيضاً كما يظهر لي عمل الأضحية في أيام النحر المأمور به أمر إيجاب أو ندب لمن قدر عليه إظهاراً للشكر بنجاة الذبيح عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم في مثل هذا اليوم من ذبح أبيه له بإنزال الفداء وهو كبش من الجنة فاختبر الله خليله بتكليفه ذبح مهجة قلبه ثم فداه بعد ماسعى في رضاه بذبح عظيم بقصد التكريم إيثاراً لبقائه عن إمضاء قضائه إذ جعله أباً للعرب عموماً ولحبيبه الأعظم خصوصاً وإذا كان الحق أمر الخلق باتخاذ هذا اليوم الذي نجى فيه والد نبيه وحبيبه عيداً أكبر وأمرهم فيه بالنحر مشاكلة للفداء الذي وقع منه تعالى لقصد إظهار الشكر وفي كل عام يتكرر فاتخاذ يوم ظهور جسم حبيبه الأعظم رحمة لعموم عامة العالم عيداً أكبر أحق وأجدر فانظر بعين الانصاف إلى محموع هذه النظائر المنصوص عليها المقصود منها تعظيمه ﵊ أليس هذا القيام مثلها في التعظيم فيكون مأموراً به ليس بدعة منكرة على أنا نجعله فرداً من أفراد التعظيم الذي كلفنا به عموماً فحينئذٍ يدخل تحت الأمر فيكون من باب دلالة النص لا من باب القياس كما

стр. 494

حرره علماء الأصول في مثل قوله تعالى: (ولا تأكلوا مال اليتيم) فالمنصوص عليه حرمة الأكل وأهل اللغة فهموا من النص حرمة مطلق التناول من مال اليتيم فيشمل النص الشرب من مائه ولبس ثوب من ثيابه وسكنى داره وهكذا ومثله قوله تعالى: (ولا تقل لهما أف) المراد مطلق الأذى فكل فرد يدل على الأذى يدخل في النص فيدخل الضرب والشتم بالأولى وهكذا هنا لما كان القيام خصوصاً في زمننا هذا من جملة التعظيم للنبي ﷺ دخل في النص الدال على تعظيمه وهو كثير في القرآن والسنة فمنه قوله تعالى: (إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه) وقال تعالى: (لتؤمنن به ولتنصرنه) فقد فرض الله تعالى تعظيمه وجعله مثل الإيمان به وكم في القرآن العظيم من آية دالة على تعظيمه ﵊ ومن أراد بسط الكلام على وجوب تعظيمه وفرضيته على كل مكلف مبرهناً عليه بالأدلة القاطعة فليرجع لكتب السير كالشفا لقاضي عياض والمواهب اللدنية للإمام القسطلاني وزاد المعاد لابن القيم وغيرها فيجد فيها ما يشفي الغليل فحينئذٍ لا يكون هذا القيام بدعة بل منصوصاً عليه بدلالة النص فمن يدعي إنكاره وتحريمه فهو مبتدع ضال وعند قصد الإهانة والتنقيص لمنصبه الشريف يكون كفراً وردة كما سلف وقد أفتى العلامة مفتي الثقلين الإمام أبو السعود بكفر من يتركه حين يقوم الناس إهانة واستنكاراً كما نقله العلامة السمنودي. هذا وربما كان في ترك القيام إثارة فتنة عند عموم الناس ونسبة من لا يقوم عند قيام الناس تعظيماً له ﷺ إلى مذهب الوهابية الذين تجاوزا الحد في الغلو بتكفير أهل التوحيد حيث يقولون بالتوسل بالأنبياء والأولياء وزيارتهم والتبرك بهم وطلب الحاجات من الله تعالى بواسطتهم فلا سبيل لتكفير المسلمين الموحدين الناطقين بالتوحيد كل يوم مرات متعددة بل كل ساعة ولحظة إذا سألوا الله تعالى حاجة وطلبوا منه تعالى بجاه أحبابه عنده قضاءها بل من يكفرهم إلى الكفر أقرب حتى لو سمعنا المؤمن الموحد يقول يا رسول الله أقضي لي حاجتي أو يا عبد القادر أطلب منك كذا لا تكفره بل تنهاه عن اعتقاد ظاهره ونحمل كلامه على المجاز في الإسناد وهو المجاز العقلي كما بينه علماء المعاني وهو كثير في القرآن كقوله تعالى (ياهامان ابن لي صرحاً) فإن البناء فعل العملة وهامان سبب آمر حتى أننا لو قلنا للعامي كيف تطلب من العبد قضاء حاجتك فيقول أنا مرادي أن الله يقضي

стр. 495

حاجتي بسبب ذلك العبد وجاهه عنده تعالى فمتى وجدنا قرينة دالة على أن المتكلم موحد نحمل كلامه الذي ظاهره إسناده الأفعال لغيره تعالى على المجاز كما حملوا قول الشاعر: أشاب الصغير وأفنى الكبي ... ر كر الغداة ومر العشي على المجاز بدليل قوله بعد: فملتنا إننا مسلمو ... ن على دين صديقنا والنبي فإنه دلّ على أنه موحد وكذا العامي الذي ينطلق بالتوحيد دائماً يلزمنا أن نحمل كلامه الذي لا يراد ظاهره على المجاز. هذا ولنرجع لما نحن فيه من استحباب القيام عند ذكر مولده الشريف ﷺ مطلوب ومؤكد ظاهراً وباطناً وقد كنت مرة في مجلس وكان فيه أحد المعاصرين وكان ممن لا يرى القيام عند ذكر الولادة الشريفة فقلت أليس فيه تعظيمه ﷺ فقال إنَّ التعظيم بالقلب وباتباع سنته ﵊ لا بهذا القيام الذي هو بدعة فقلت لا بأس به بل هو عنوان على التعظيم بالقلب دال عليه ومعاملة الشرع الشريف ظاهرية حتى حكم على من أقر بلسانه أن لا إله إلا الله بالإسلام مع عدم اطلاعنا على قلبه ومن أين يعلم ما في القلب إذا لم يدل الظاهر عليه وقد صار م ألفناه في نفوسنا من القيام لبعضنا بعضاً وأعمال الجوارح من اليد واللسان من أسباب التعظيم والإكرام أهـ وقد قالوا في تعريف الحمد العرفي بأنه فعل يشعر بتعظيم المنعم سواء كان ذلك الفعل باللسان أو بالأركان أو بالقلب كما قال بعضهم: أفادتكم النعماء مني ثلاثة ... يدي ولساني والضمير المحجبا وقد عرفت أنه ليس ببدعة بل هو مثل القيام لذاته الشريفة تعظيماً له ﷺ ولله در سيدنا حسان حيث قام حين مرّ عليه سيد الأكوان وقال: قيامي للعزيز عليَّ فرض ... وترك الفرض ماهو مستقيم عجبت لمن له عقل وفهم ... يرى هذا الجمال ولا يقوم ويروى قيامي للنبي بدل للعزيز. نشدتك الله أيها المنكر للقيام لو أقبلت على مجلس وقام لك أكثر من فيه وتخلف البعض أما يقع في نفسك وفي نفس غيرك أن الذي ما قام لك حقرك بخلاف من قام لك واحترمك فما أسمجك وأجهلك فوالله أني لأخاف على منكر القيام
следующие страницы →