← Джавами‘

Джавами‘ · id 29676

مجلة الحقائق

عبد القادر الإسكندراني

Полный текст (1 077 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

المانع في قيام بعضنا لبعض وفي القيام عند ذكر مولده الشريف هل فيه تعظيم أم لا فإن منع التعظيم فهو مكابر معاند للحس والمشاهدة فلا يليق أن يخاطب وإن سلم أنه يفيد التعظيم وعد تعظيمه ﷺ حماقة فيكون تنقيصاً وإهانة لجنابه الشريف ﷺ ومن أهانه يحكم بكفره وردته وهدر دمه لأن الفقهاء قاطبة ذكروا في باب الردة أن منها الاستهزاء بالعلم أو العلماء وإهانتهم فإذا كان إهانة أحد علماء أمته ﵇ موجباً للكفر والردة فكيف بأفضل المخلوقات عليه أفضل الصلوات والتسليمات قال ملا خسرو في شرح الدرر نقلاً عن فتاوي البزازية أن من انتقصه ﵇ أو شتمه ولو في حال سكره يقتل حداً وهو مذهب أبي بكر الصديق ﵁ والإمام الأعظم أبي حنيفة والثوري وأهل الكوفة والمشهور من مذهب مالك وأصحابه وقال الخطابي لا أعلم أحداً من المسلمين اختلف في وجوب قتله وقال ابن سحنون المالكي أجمع العلماء على أن شاتمه ﷺ كافر وحكمه القتل إلى آخر ما قال. قال في الدر المختار ويجب إلحاق الاستهزاء والاستخفاف به (أي الشتم) ونقل الإمام الشعراني في كتابه كشف الغمة عن هذه الأمة في كتاب الردة عن ابن عباس ﵁ قال كتن أعمى له امرأة تشتم النبي ﷺ وتقع فيه فينهاها فلا تنتهي ويزجرها فلا تنزجر فلما كانت ذات ليلة جعلت تقع في النبي ﵊ فأخذ المعول فوضعه في بطنها واتكأ عليه فقتلها فلما أصبح ذكر ذلك للنبي ﷺ فجمع الناس فقال أنشد الله رجلاً فعل مافعل ألا قام فقام الأعمى يتخطى الناس حتى قعد بين يديه ﷺ فقال يا رسول الله أنا صاحبها كانت تشتمك وتقع فيك فأنهاها فلا تنتهي ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين وكانت بي رفيقة فلما كان البارحة جعلت تقع فيك فأخذت المعول فوضعته في بطنها واتكأت عليها حتى قتلتها فقال ﵇ (ألا اشهدوا أن دمها هدر) ومعلوم أن عدم القيام لأحد كبراء الناس يشعر بإهانته وعدم المبلاة به ولذا يورث الحقد والضغائن كما هو العرف الآن والعرف أحد مدارات الشرع الشريف تبنى عليه الأحكام قال العلامة ابن عابدين في رسالته آداب المفتي: والعرف في الشرع له اعتبار ... لذا عليه الحكم قد يدار فكم من مسألة لا نص فيها وقد تعارف الناس عليها وحكم الفقهاء بها وتداولوها في كتبهم

стр. 492

فكيف يقول المانع أن فاعل القيام بلا شك حري باللوم والحرمة والفسق وهو شبيه بفعل المجوس الخ فهذا افتراء وتهور عظيم لا يصدر مثله من مسلم فضلاً عن عالم فالمسلم الموحد إذا قام عند ذكر مولده الشريف لا يريد إلاَّ التعظيم والاحترام لمنصب الرسالة الذي بذل الأرواح دونه قليل فرحاً بإيجاد هذا الرسول الذي هو رحمة للعالمين لما فيه من عظم منة الله على خلقه أجمعين كما سن السجود لله تعالى شكراً عند تجدد نعمة وأي نعمة أعظم من نعمة ظهور أشرف الرسل حتى أن عمه أبا لهب لما بشر بولادته ﷺ أعتق جاريته فرحاً به ﵊ فجازاه الله بسبب ذلك بأن خفف عنه العذاب في كل ليلة اثنين مع أنه كافر معاند فكيف حال المسلم المحب والمقصود التعظيم بكل ما يفيده ومنه القيام كما هو العرف العام وربما يشعر كلام المانع بأن هذا القيام إذا طلب بطلب للساعة التي برز فيها ﵊ من بطن أمه إذ هو أعظم نعمة كما تقدم وأما تكرار ذلك كلما قريء المولد فلا فيشبه فعل المجوس الخ فنقول له هذا تحكم بحت لأنه متى كان القصد بالقيام التعظيم فلا يمنع من تكرره وله نظائر في الشرع كثيرة لا كما قال المانع لا نظير له فمنت نظيره وجوب الصلاة عليه ﷺ كما ذكر حتى قال كثير من الأئمة لو ذكر في المجلس الواحد ألف مرة يصلى عليه ألف مرة لوجود سببه وهو ذكر اسمه الشريف كما ذكر علماء الأصول من أن الأمر يتكرر بتكرر سببه وكذا تعظيم الأيام الفاضلة والليالي بصومها وإحيائها يتكرر كلما تكررت كذلك هنا لما وجد السبب وهو قراءة سيرته ﵊ الشريفة والاطلاع على أحواله المنيفة التي هي مناط كل كمال وعلى المؤمن أن يجعلها نصب عينيه في كل حال فحين مايصل القارئ إلى ذكر بروزه ﷺ من بطن أمه يتذكر هذه النعمة العظمى فيقوم تعظيماً له وشكراً لله تعالى عليها فهل هذا يلام عليه المرء ويقال بأنه شبيه بفعل المجوس الكفرة الذين يحكون ولادة معبودهم وفعل الرافضة الذين يمثلون ما فعل بأهل البيت كل سنة فإن ما يفعله المجوس منكر من أصله يجعلون معبوداً حادثاً متولداً فهو كفر صراح فكلما كرروا ذلك فقد زاودا ضلالاً على ضلال وكذا تمثيل ما فعل بأهل البيت مشتمل على عدة مفاسد محرمات لا تخفى فكيف يشبه هذا المانع حال المسلمين الموحدين الجالسين في محل معظم فيه رائحة طيبة يتلون كتاب الله وينشرون قصة اشرف خلقه بكل آداب مطلوبة ويصلون

стр. 493

عليه كلما ذكر ويقومون لذكر ولادته تعظيماً له وفرحاً بوجوده بحال هؤلاء حتى حمله الغلو فجعله أزيد من فعل المجوس والروافض سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم ونظير هذا القيام تعظيماً له ﵊ الأمر بغض الصوت بحضرته ﵇ في حياته وعند قراءة حديثه وسيرته بعد وفاته وكذا مناداته باسم يشعر بتعظيمه كيا رسول الله قال تعالى (يا آيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم) وقال أيضاً: (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً) فهل هذا النهي من الله تعالى وتحريم رفع الصوت على صوته الشريف وتحريم ندائه باسمه إلاَّ لمزيد تعظيمه ﵇ ونظيره أيضاً ماورد في الصحيحين أنه ﷺ لما قدم المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم عن حكمة ذلك فقالوا هذا يوم أغرق الله فيه فرعون ونجى موسى فصامه فنحن نصومه فقال ﷺ أنا أحق بموسى منكم فصامه وأمر بصيامه أي شكر الله تعالى فهذا صريح في أن تجديد إظهار الشكر على النعمة السابقة في الوقت الموافق لوقت حدوثها مطلوب بل هو مطلوب في كل وقت تذكر فيه ومن نظيره أيضاً كما يظهر لي عمل الأضحية في أيام النحر المأمور به أمر إيجاب أو ندب لمن قدر عليه إظهاراً للشكر بنجاة الذبيح عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم في مثل هذا اليوم من ذبح أبيه له بإنزال الفداء وهو كبش من الجنة فاختبر الله خليله بتكليفه ذبح مهجة قلبه ثم فداه بعد ماسعى في رضاه بذبح عظيم بقصد التكريم إيثاراً لبقائه عن إمضاء قضائه إذ جعله أباً للعرب عموماً ولحبيبه الأعظم خصوصاً وإذا كان الحق أمر الخلق باتخاذ هذا اليوم الذي نجى فيه والد نبيه وحبيبه عيداً أكبر وأمرهم فيه بالنحر مشاكلة للفداء الذي وقع منه تعالى لقصد إظهار الشكر وفي كل عام يتكرر فاتخاذ يوم ظهور جسم حبيبه الأعظم رحمة لعموم عامة العالم عيداً أكبر أحق وأجدر فانظر بعين الانصاف إلى محموع هذه النظائر المنصوص عليها المقصود منها تعظيمه ﵊ أليس هذا القيام مثلها في التعظيم فيكون مأموراً به ليس بدعة منكرة على أنا نجعله فرداً من أفراد التعظيم الذي كلفنا به عموماً فحينئذٍ يدخل تحت الأمر فيكون من باب دلالة النص لا من باب القياس كما

стр. 494

حرره علماء الأصول في مثل قوله تعالى: (ولا تأكلوا مال اليتيم) فالمنصوص عليه حرمة الأكل وأهل اللغة فهموا من النص حرمة مطلق التناول من مال اليتيم فيشمل النص الشرب من مائه ولبس ثوب من ثيابه وسكنى داره وهكذا ومثله قوله تعالى: (ولا تقل لهما أف) المراد مطلق الأذى فكل فرد يدل على الأذى يدخل في النص فيدخل الضرب والشتم بالأولى وهكذا هنا لما كان القيام خصوصاً في زمننا هذا من جملة التعظيم للنبي ﷺ دخل في النص الدال على تعظيمه وهو كثير في القرآن والسنة فمنه قوله تعالى: (إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه) وقال تعالى: (لتؤمنن به ولتنصرنه) فقد فرض الله تعالى تعظيمه وجعله مثل الإيمان به وكم في القرآن العظيم من آية دالة على تعظيمه ﵊ ومن أراد بسط الكلام على وجوب تعظيمه وفرضيته على كل مكلف مبرهناً عليه بالأدلة القاطعة فليرجع لكتب السير كالشفا لقاضي عياض والمواهب اللدنية للإمام القسطلاني وزاد المعاد لابن القيم وغيرها فيجد فيها ما يشفي الغليل فحينئذٍ لا يكون هذا القيام بدعة بل منصوصاً عليه بدلالة النص فمن يدعي إنكاره وتحريمه فهو مبتدع ضال وعند قصد الإهانة والتنقيص لمنصبه الشريف يكون كفراً وردة كما سلف وقد أفتى العلامة مفتي الثقلين الإمام أبو السعود بكفر من يتركه حين يقوم الناس إهانة واستنكاراً كما نقله العلامة السمنودي. هذا وربما كان في ترك القيام إثارة فتنة عند عموم الناس ونسبة من لا يقوم عند قيام الناس تعظيماً له ﷺ إلى مذهب الوهابية الذين تجاوزا الحد في الغلو بتكفير أهل التوحيد حيث يقولون بالتوسل بالأنبياء والأولياء وزيارتهم والتبرك بهم وطلب الحاجات من الله تعالى بواسطتهم فلا سبيل لتكفير المسلمين الموحدين الناطقين بالتوحيد كل يوم مرات متعددة بل كل ساعة ولحظة إذا سألوا الله تعالى حاجة وطلبوا منه تعالى بجاه أحبابه عنده قضاءها بل من يكفرهم إلى الكفر أقرب حتى لو سمعنا المؤمن الموحد يقول يا رسول الله أقضي لي حاجتي أو يا عبد القادر أطلب منك كذا لا تكفره بل تنهاه عن اعتقاد ظاهره ونحمل كلامه على المجاز في الإسناد وهو المجاز العقلي كما بينه علماء المعاني وهو كثير في القرآن كقوله تعالى (ياهامان ابن لي صرحاً) فإن البناء فعل العملة وهامان سبب آمر حتى أننا لو قلنا للعامي كيف تطلب من العبد قضاء حاجتك فيقول أنا مرادي أن الله يقضي

стр. 495

حاجتي بسبب ذلك العبد وجاهه عنده تعالى فمتى وجدنا قرينة دالة على أن المتكلم موحد نحمل كلامه الذي ظاهره إسناده الأفعال لغيره تعالى على المجاز كما حملوا قول الشاعر: أشاب الصغير وأفنى الكبي ... ر كر الغداة ومر العشي على المجاز بدليل قوله بعد: فملتنا إننا مسلمو ... ن على دين صديقنا والنبي فإنه دلّ على أنه موحد وكذا العامي الذي ينطلق بالتوحيد دائماً يلزمنا أن نحمل كلامه الذي لا يراد ظاهره على المجاز. هذا ولنرجع لما نحن فيه من استحباب القيام عند ذكر مولده الشريف ﷺ مطلوب ومؤكد ظاهراً وباطناً وقد كنت مرة في مجلس وكان فيه أحد المعاصرين وكان ممن لا يرى القيام عند ذكر الولادة الشريفة فقلت أليس فيه تعظيمه ﷺ فقال إنَّ التعظيم بالقلب وباتباع سنته ﵊ لا بهذا القيام الذي هو بدعة فقلت لا بأس به بل هو عنوان على التعظيم بالقلب دال عليه ومعاملة الشرع الشريف ظاهرية حتى حكم على من أقر بلسانه أن لا إله إلا الله بالإسلام مع عدم اطلاعنا على قلبه ومن أين يعلم ما في القلب إذا لم يدل الظاهر عليه وقد صار م ألفناه في نفوسنا من القيام لبعضنا بعضاً وأعمال الجوارح من اليد واللسان من أسباب التعظيم والإكرام أهـ وقد قالوا في تعريف الحمد العرفي بأنه فعل يشعر بتعظيم المنعم سواء كان ذلك الفعل باللسان أو بالأركان أو بالقلب كما قال بعضهم: أفادتكم النعماء مني ثلاثة ... يدي ولساني والضمير المحجبا وقد عرفت أنه ليس ببدعة بل هو مثل القيام لذاته الشريفة تعظيماً له ﷺ ولله در سيدنا حسان حيث قام حين مرّ عليه سيد الأكوان وقال: قيامي للعزيز عليَّ فرض ... وترك الفرض ماهو مستقيم عجبت لمن له عقل وفهم ... يرى هذا الجمال ولا يقوم ويروى قيامي للنبي بدل للعزيز. نشدتك الله أيها المنكر للقيام لو أقبلت على مجلس وقام لك أكثر من فيه وتخلف البعض أما يقع في نفسك وفي نفس غيرك أن الذي ما قام لك حقرك بخلاف من قام لك واحترمك فما أسمجك وأجهلك فوالله أني لأخاف على منكر القيام

стр. 496

ومحرمه ومشبه فاعله بالمجوس والرافضة قائلاً بل هو أزيد وهو فعل الحمقى الخ ما قال الكفرَ والردةَ. فتلخص أنه يندب القيام ويتأكد ويستحب عند ذكر ولادته الشريفة تعظيماً له ﷺ وإكراماً وفرحاً بإيجاده الذي هو أجل نعمة على العالم وقد استحسن ذلك المسلمون ورأوه حسناً وقد ورد مرفوعاً إليه ﷺ (ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن) وورد أيضاً (يد الله مع الجماعة ومن شذ شذ في النار) إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على اتباع سبيل المسلمين الناجين فلا عبرة بإنكار هذا المنكر وتحريمه القيام وتفسيقه فاعله فما هو إلاَّ نزعة شيطانية استولت على قلبه أعاذ الله المسلمين منه ومن أمثاله الذين يحطون من منصبه ﵊ ويفسقون ويكفرون أهل الإسلام فوجود مثلهم أعظم بلية على المسلمين لأنهم يدعون الإرشاد ويبثون بين العباد أعظم الفساد من جهة الاعتقاد نسأله تعالى أما أن يوفقهم سبيل الرشاد أو يمحوهم من سائر البلاد ويكثر من كل متبع للسنة والجماعة يحث الناس على وجوب تعظيمه ﷺ حياً وميتاً وتعظيم أصحابه وأئمة الدين الذين خدموا شريعته ودونوها وعمل الناس بها إلى يوم القيامة.

стр. 497

المسلمون والسياسة الدينية أصاب المسلمين في القرون الأخيرة من عوامل الضعف والانحطاط ما حرجت منه صدور الغيورين من محبي الإصلاح فتسلطت الأغيار عليهم وتداخلوا في شؤونهم فخربت البلاد وسادت الفوضى وانقسم الناس شيعاً وأحزاباً ورق الدين حتى صار التظاهر بالمروق أمراً هيناً لا يعبأ به بل ربما يعد عند الجهلة الأغرار تمدناً وتنوراً وكادت تزول من بينهم رابطة الدين وتستبدل بما لا يخرج عن دائرة الوهم ولا يكون له نصيب قوي من التأثير في اجتماع الأمم. كل ذلك أصاب المسلمين بسبب ركونهم إلى أعداء دينهم من الأوروبيين ونظرهم إليهم نظر المعلم الناصح وانخداعهم بما يخدعونهم به من أنهم يخدمون الإنسانية من غير تفريق في المذهب والدين. اغترت الدولة الإسلامية بقوتها يوم كانت سيدة الدول وظنت أن الأوروبيين يسعون لمصلحتها ويعملون لرقيها وسعادتها ليستفيدوا من قوتها فسهلت لم طرق التداخل في البلاد ليعمروها فلا والله لم يجدوا طريقاً للفساد إلاَّ سلكوه. ولا مورداً لتدمير البلاد إلاَّ وردوه. وأشد ما فعلوه تأثيراً هو تداخلهم في أمور التعليم فكانوا أساتذة في المدارس يبثون فيها أفانين الإلحاد وينفثون سموم التفريق بصور مختلفة وأشكال متنوعة ويدعون أنهم يخدمون الإنسانية والمدنية! أما الغاية الحقيقة التي يسيرون وراءها ويسعون للحصول عليها فهي إضعاف تلك الرابطة الدينية الإسلامية فتخرج على أيديهم من المسلمين من كانوا أشد ضرراً على المسلمين من الإفرنجة أنفسهم لأن العدو الداخلي لا يتقى كما يتقى العدو الخارجي فانساب هؤلاء التلامذة المتفرنجون في البلاد آخذين في الغالب مهنة التعليم حرفة لهم فتخرج عليهم أيضاً فريق كبير من المتفرنجين كانوا السبب الحقيقي في ضعف الرابطة الدينية بين العثمانيين وصاروا كلما غمزهم الأوروبيون مغمزاً لانوا له وظنوه أمراً بسيطاً لا يقصد به إضعافهم وحل رابطتهم فطمع فيهم العدو وجرد عليهم سلاحه السياسي الضار الذي لايبقي ولا يذر فعم الشر وطغى الفساد حتى كاد أهل الدين ييأسون من الصلاح والإصلاح لما يشاهدونه من تهور هؤلاء المتفرنجين وانصباغهم بالصبغة اللادينية وانخداعهم بما تخدعهم به أوربا من الأقوال الفارغة وغفلتهم عنما تنويه للمسلمين إلاَّ أن المفكرين من أهل الدين كانوا مدركين لهذا الأمر وهو ينادون ولا مجيب ويجأرون إلى الله

стр. 498

أن ينبه المسلمين من هذه الغفلة التي كادت تضر بالدولة العلية دولة الخلافة التي تجمع عامة المسلمين تحت لوائها فسعادتها سعادتهم وشقاؤها شقاؤهم. ولا ننكر أن بين السياسيين من يعرفون حقيقة الأمر ومبلغ الخطر ولكن يغضون على الأذى لما يتوهمون من ضعف الدولة المادي بصورة لاتقوى على دفع العدو إذا حافظت على مصالحها فكانوا يقبلون مداخلة أوربا تسكيناً لشرتها ويرتجون من وراء ذلك أن يتسع الوقت للدولة العلية فتنهض من سباتها وتأخذ لنفسها الحذر وتستعد للطوارئ إذا هي رفضت مايضر بالسياسة الدينية ولكن مع الأسف كان مايدسه أعداء الإسلام عاملاً كبيراً على إضعافها في حين أنها لم تنتبه فترقع الخرق من جهات أخرى لتكون في مأمن منهم يوم يظهرون مكنونات ضمائرهم فكان هذا الإغضاء عن تداخل أوربا خطأً محضاً لأن الدولة لم تتمكن من لم شعثها كما كانوا يتوهمون بل كان هذا الإغضاء مما سهل لأعدائها سبل المطامع ولو أدركت الدولة الأمر من أوله يوم أخذوا يعقدون المعاهدات لتجزئة بلادها بدعوى المحافظة على السلم والموازنة الدولية وغير ذلك من الأقاويل التي لا يقبلها إلاَّ من يرى الضعف في نفسه فلا يطيق دفاعاً. لو أدركت الدولة ذلك فأخذت نفسها بالسياسة الدينية وقامت تدعو عموم المسلمين للدفاع عن دينهم وشرفهم لوجدت من حماستهم وتفانيهم ما يعلم أوربا أن المسلمين ذوو قوة ومنعة وأن أموالهم وأبناءهم ودماءهم لا تزن عندهم شيئاً في سبيل الدفاع عن دين الله ولكن سلبت الدول بعض أملاكنا وتداخلوا في شؤوننا واستباحوا حمانا وقطّعوا بلادنا كما يتقطع الجسم عضواً بعد عضو ومع هذا كله لم يرتدع أولئك المتفرنجون عن غيهم ولم يزالوا ينادون بأن أوربا هي محبة الإنسانية والمدنية وأنها تعمل على نفع الإنسان فهل نحن بعد ذلك منتبهون؟ بلغ من تهجم أوربا وتجاسرها علينا أن قامت في هذه الآونة إيطاليا تلك الدولة الحقيرة التي غضب الله عليها وعلى بلادها تغتصب بلادنا الطيبة فأعلنت علينا الحرب بصورة تترفع عنها الصعاليك وخرقت العهود الدولية واقتحمت بأسطولها البحر وضربت طرابلس الغرب وأباحت الأعراض وقتلت الصبيان والعجائز والشيوخ وفعلت فيها من الأفعال البربرية ما يخجل وجه الإنسانية كل ذلك بمرأى من الدول التي تتبجح دائماً بحب الإنسانية والمدنية مما يؤكد ما أسلفناه وأن أوربا إنما تتظاهر بهذه الأمور لتقضي على المسلمين سلمياً وأن

стр. 499

القصد هو استئصال شأفة المسلمين لمخالفتهم في الدين وتعلقهم بخليفة المسلمين وإلاَّ فلمَ تغير هذه الدول على الشعوب الإسلامية الآمنة في سربها. الخافضة جناح الرحمة لمواطنيها ومساكنيها من غير ما ذنب سابق ولا عدوان موجب؟ هاج لذلك الشعب الإسلامي في سائر أقطار الأرض وعرف ما تريده هؤلاء الدول الغريبة فأظهروا تعلقهم بعرش الخلافة الأقدس ونهضوا لمساعدة إخوانهم الطرابلسيين لما بينهم من الرابطة الدينية المحكمة التي تجمع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها فقام الشيخ السنوسي ينادي بالجهاد ويدعو الناس للدفاع عن إخوانهم في الدين، وعقد الهنديون الاجتماعات وأقاموا الاحتجاجات وطلبوا من حكوماتهم ردع إيطاليا عن اعتدائها الفظيع وعرض الإمام يحيى على دولة الخلافة مائة ألف مجاهد لإنقاذ إخوانهم من ظلم الأعداء الجائرين وأعلن مجتهدوا الشيعة وجوب الجهاد على كل مسلم ومسلمة لإعلاء كلمة الدين ورد كيد الظالمين. وقام المصريون بما يسطره لهم التاريخ بمداد الذهب فأظهروا عطفهم على الأمة الإسلامية وتعلقهم بالدولة العثمانية فعقدوا الجمعيات وجمعوا الإعانات الطائلة وبذلوا أموالهم وأنفسهم في سبيل الله. فظهرت بهذه الأعمال الرابطة الدينية بأجلى مظاهرها وعرف الناس عامة فضل تلك الرابطة وأنها قائمة بحول الله تعالى على أسس قوية لا تنقصها أحلام المتفرنجين وأنه لا حياة لهم إلا بها فتلفت أنظار المفكرين من علماء الدين إلى اغتنام الفرصة والسعي وراء إيجاد طرق للتعارف بين المسلمين ليستفيدوا من رابطتهم الدينية ويسعوا يداً واحدة لإيقاف هذا السيل الجارف الذي كاد يكتسح عموم الممالك الإسلامية علهم يرجعون إلى سالف عزهم وسامق مجدهم. حقق الله الآمال.

стр. 500

في طرابلس هو النصر معقودُ برايتنا الحمرا ... على أنه في الحرب آيتنا الكبرى حليفان من نصر مبين وراية ... به وبها تعلو على غيرنا قدرا لئن أدبر التليان عند كفاحنا ... فخذ لهم من سيف سطوتنا عذرا فإنا لقوم إن نهضنا لحادث ... من الدهر أفزعنا بنهضتنا الدهرا ندك هضاب الأرض حتى نثيرها ... غباراً على أعدائنا ينثر الذعرا ونأكل هول الموت حتى كأننا ... نلوك به ما بين أضراسنا تمرا فسل جيش (قاناوا) بنا كيف قومت ... شفار مواضينا خدودهم الصعرا وكيف دحرنا فلولواً كأننا ... وإياهم أسد الشرى تطرد الحمرا وكم قد نثرنا بالسيوف جماجماً ... نظمنا بها فوق الثرى للعدى شعرا وما جزعي للحرب يحمي وطيسها ... ولكن لأرواح بها قتلت صبرا لك الله يا قتلى طرابلس التي ... بها حكم التليان أسيافهم غدرا أداموا بها قتل النفوس نكاية ... إلى أن أصاروا كل بيت بها قبرا ولما أحاط المسلمون بجيشهم ... فعاد الفضاء الرحب في عينه شبرا تقهقر يبغي في الديار تحصناً ... فقربها من خشية الموت واستذرى وقد ظل ينكي أهلها من تغيظ ... فيقتلهم صبراً ويرهقهم عسرا فأوسعهم بالسيف ضرباً رقابهم ... وآنافهم جدعاً وأجوافهم بقرا وماضرَّ (قاناوا) اللعين لو أنه ... تقحم في الهيجاء عسكرنا المجرا أيحجم عنا هارباً بعلوجه ... ويبغي بقتل الأبرياء له فخرا وهل حسبوا قتل النساء شجاعة ... وقد تركوا عند الرجال لهم ثأرا لقد شجعوا والموت ليس له يد ... ولم يشجعوا والموت يطعنهم شزرا يعز على أسيافنا اليوم أنها ... تقارع قوماً هم بقرع العصا أحرى ولم تك لولا الحرب تعلو سيوفنا ... رؤوساً نرى ملء القحوف بها عهرا ومن مبكيات الدهر أو مضحكاته ... لدى الناس حر لم يكن خصمه حرا لئن أيها القتلى أريقت دماؤكم ... فما ذهبت عند العدى بعدكم هدرا سنثأر حتى تسأم الحرب ثأرنا ... ونقتل عن كل امريء أنفساً عشرا

стр. 501

وإني ليغشاني إذا ما ذكرتكم ... لواعج هم ترتمي في الحشا جمرا على أن قرص الشمس عند غروبها ... يذكرني تلك الدماء إذا احمرا فأبكي تجاه الغرب والبدر لائح ... من الشرق حتى أبكي الشمس والبدرا ويا أهل هاتيك الديار تحية ... توفيكم الشكر الذي يرأس الشكرا فقد قمتم للحرب دون بلادكم ... تذودون عن أحواضها البغي والنكرا وثرتم أسوداً في الوغى يعربية ... إذا كل سيف في براثنها ظفرا تراها لدى الحرب العوان مشيحة ... تهمهم حتى تنطق الفتكة البكرا ولو أن كفي تستطيع تناوشاً ... فتبلغ في أبعادها الأنجم الزهرا لرتبت منها في السماء قصيدة ... لكم واتخذت البدر في رأسها طغرى وخلدتها آياً لكم سرمدية ... مدائحها تستوعب الكون والدهرا يقولون أن العصر عصر تمدن ... فما باله أمسى عن الحق مزورا إلى الله أشكو في الورى جاهلية ... يعدون فيها من تمدنهم عصرا أتتنا بثوب العلم تمشي تبخترا ... فإن أظهرت حلواً فقد أبطنت مرا لقد ملك الإفرنج أمر مراكش ... وقد ملكوا من قبها تونساً قهرا ففاجأنا التليان من أجل ملكهم ... لكي يسلبونا في طرابلس الأمرا وقالوا ألم تأت الفرنجة تونساً ... وهذي جيوش الإنجليز أتت مصرا فخلوا لنا ما بين هذي وهذه ... وإلا قسرناكم على تركها قسرا فقلنا لهم إنا أحق بملكها ... فقالوا ولكن زند قوتنا أورى أهذا هو العصر الذي يعونه ... فسحقاً ودفراً له دفراً الأستانة معروف الرصافي

стр. 502

أقوال العلماء في التمثيل ٤ تحت هذا العنوان ننشر ما يرد إلينا من أقوال علماء الإسلام وفتاويهم في سائر الأقطار ليظهر حكم الله تعالى في هذه المسألة الخطيرة الجواب الحادي عشر للعالم الفاضل صاحب الإمضاء بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه ومن تبعهم من العلماء العاملين إلى يوم الدين أما بعد فإني كنت أطالع مجلة الحقائق الغراء فرأيت فيها سؤالاً لبعض الفضلاء بعنوان رواية زهير الأندلسي يسأل فيه أهل العلم عن حكم تمثيل هذه الرواية وغيرها وقد أجاب العالمان الفاضلان الشيخ عارف أفندي المنير والشيخ محمد أفندي القاسمي في الجزء الثالث سؤاله وبينا حرمة ذلك وأثبتنا أنه منكر ولقد ساءَني ما رأيته في المفيد تعريضاً بهما لبعض المتفرنجين بلا دليل ولا روية بل حباً بنصرة أمثالهم المتجرئين على الدين بدون علم فأحببت أن أكتب ما خطر ببالي غير مبال بمن لا أخلاق لهم لا يعرفون إلا البذاءة وتنقيص أهل الفضل فأقول وبالله التوفيق أن التمثيل المعروف الآن مشتمل على عدة محرمات منها السمر بعد العشاء إلى نصف الليل في الغيبة واللهو المحظور وقد يكون ذلك سبباً لترك صلاة الفجر ومنها أن الرواية مشتملة على ممثلين غيروا هيئة وجوههم بوضع اللحى والشوارب المستعارة وفي ذلك تغيير لخلق الله المنهي عنه بالأحاديث الصحيحة أخرج البخاري في كتاب اللباس عن علقمة ﵁ قال لعن عبد الله الواشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله فقالت أم يعقوب ما هذا قال عبد الله ومالي لا ألعن من لعن رسول الله وفي كتاب الله قالت والله لقد قرأت مابين اللوحين فما وجدته قال والله لئن قرأتيه لقد وجدتيه (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) وقد لعن النبي ﷺ فاعله فلنلعنه ومن فعل ذلك فهو ظالم وقال تعالى (ألا لعنة الله على الظالمين). وأخرج البخاري أيضاً في كتاب اللباس من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال. قال شارحه القسطلاني رحمه الله تعالى. لإخراج الشيء عن الصفة التي وضعها

стр. 503

أحكم الحاكمين كما ورد ذلك في لعن الواصلات بقوله ﷺ المغيرات خلق الله. وفي الجامع الصغير (لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والتفلجات للحسن المغيرات خلق الله) قال العلامة المناوي وفيه أن ذلك حرام بل عده بعضهم من الكبائر للوعيد عليه باللعن أهـ وقال العلامة الحفني وخص النساء بالذكر في الحديث لكون الأغلب وقوع ذلك منهن فإن فعل ذلك الذكور كان الحكم كذلك فتبين من هذا أن ما يشتمل عليه التمثيل من تغيير وجوه الغلمان بوضع اللحى والشوارب المستعارة حرام وداخل تحت قوله ﵊ المغيرات خلق الله لأن العلة في حرمة ذلك التغيير فينسحب على الرجال كما أشار لذلك العلامة الحفني ومنها كون بعض الممثلين مرداً يخشى من النظر إليهم الفتنة ومعلوم أن النظر إلى المرد بشهوة حرام قال في تنوير الأبصار (وتمنع المرأة الشابة من كشف الوجه بين الرجال لخوف الفتنة ولا يجوز النظر إليه بشهوة كوجه أمرد) قال العلامة ابن عابدين هنا ما ملخصه الأمرد الشاب الذي طر شاربه ولم تنبت لحيته والغلام إذ بلغ مبلغ الرجال ولم يكن صبيحاً فحكمه حكم الرجال وإن كان صبيحاً فحكمه حكم النساء وهو عورة من فرقه إلى قدمه وهذا شامل لمن نبت عذاره بل بعض الفسقة يفضله على الأمرد خالي العذار والمراد من كونه صبيحاً أن يكون جميلاً بحب طبع الناظر ولو كان أسود لأن الحسن يختلف باختلاف الطبائع ويستفاد من تشبيه وجه المرأة بوجه الأمرد أن حرمة النظر غليه بشهوة أعظم إثماً لأن خشية الفتنة به أعظم منها ولأنه لا يحل بحال بخلاف المرأة كما قالوا في الزنا واللواطة ولذا بالغ السلف في التنفير منهم وسموهم الانتان لاستقذارهم شرعاً قال بعضهم قال ابن القحطان أجمعوا على أنه يحرم النظر إلى غير الملتحي بقصد التلذذ بالنظر وتمتع البصر بمحاسنه وأجمعوا على جوازه بغير قصد اللذة والناظر مع ذلك آمن من الفتنة أهـ. ومنها اشتمال التمثيل على التشبه بالإفرنجة بلبس القبعة (البرنيطة) وهو من المحرمات المكفرات والعياذ بالله تعالى قال في الفتاوى الهندية في الجزء الثاني من باب المكفرات يكفر بوضع قلنسوة المجوس على رأسه على الصحيح إلا لضرورة دفع الحر والبرد أهـ. وقال في مجمع الأنهر ويكفر بوضع قلنسوة المجوس على الصحيح إلا لتخليص الأسير أو لدفع الحر والبرد عند البعض وقيل أن قصد به التشبه يكفر أهـ.

стр. 504

وأما قول معلم المدرسة في خطابه قد ورد الأمر فيه بالقرآن بقوله تعالى (فاعتبروا) الآية يفيد ذلك أن النبي ﷺ ترك ذلك الفرض لأنه لم يبينه ﵊ ولا أصحابه ولو بينه لوصل إلينا فيكون المعلم نسب النبي ﷺ إلى الكتمان وحاشاه من ذلك لأنه لم يبلغنا ذلك وقد قال تعالى في كتابه العزيز (يا آيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين) وقد ثبت أن النبي ﷺ بلغ جميع ما أمر بتبليغه عملاً بهذه الآية وحيث أنه بلغ جميع ما أمر بتبليغه ثبت أن التمثيل ليس من الاعتبار الوارد في الآيات بل هو الاعتبار بذكر الأمم الماضية والأنبياء الكرام والأمثال البليغة والتذكر في المخلوقات والاستدلال بالأثر على المؤثر وقوله أن التمثيل من مكارم الأخلاق الواردة في السنة ليس كما زعم وإلا لسبقنا السلف الصالح والأصحاب الكرام لأنهم ﵃ ما تركوا شيئاً من السنة الشريفة والأحاديث المنيفة إلا وعملوا به وما بلغنا أنهم نصبوا مسارح لأجل تشخيص الروايات فعلم أن الذهاب إلى الروايات حرام ولا يجوز التصدق باسمها كيف وهي من الأمور المحدثة والبدع المفسدة للأخلاق وقد قال ﵊ إياكم ومحدثات الأمور الحديث. فبعد هذا هل يشك من له عقل وتمسك بالدين في حرمة فعل الروايات (التمثيل) وحرمة دفع الصدقة باسمها ورحم الله من قال وأجاد في المقال: وإذا أراد الله فتنة معشر ... وأضلهم رأووا القبيح جميلا حلب صلاح الدين الجواب الثاني عشر لحضرة العالم المحقق صاحب الإمضاء الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد فقد اطلعت على السؤال الوارد في حكم التمثيل فسرحت الطرف في فتوى مولانا العلامة فضيلة مفتي بيروت وأجوبة العلماء الأعلام التي يقضي كل منها بتحريمه المحررة جميعها في أجزاء مجلة الحقائق الغراء فجزاهم الله عن الملة الحنيفية أعظم جزءاً فكم استلفتوا أنظاراً، ونبهوا أفكاراً، لأمر كثر ارتكابه، وعمت آثامه حيث أوضحوا المرام، وبينوا

стр. 505

الحلال من الحرام، بأدلة ساطعة، وبراهين قاطعة. كيف لا وهم من الأمة الوارد في شأنها قوله ﷺ (لاتزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله) ولله در السائل لقد اهتدى بهديه ﵊ القائل العلم خزائن ومفتاحها السؤال فسلوا يرحمكم الله فإنه يؤجر فيه أربعة السائل والمعلم والمستمع والمحب لهم. غير أنه لقلة بضاعتي في العلوم خطر لي أوهام خيلت لي قبلاً أن التمثيل ربما يكون من المستثنيات عن حكم الكذب والمحاكاة المحرمين فراجعت أقوال السادة الحنيفة التي هي وسائر المسائل الفقهية ثمرة الكتاب والحديث فلم أرد أبداً من القول بالتحريم وها إني أذكر ما عنَّ لي على صورة الإيراد والجواب مستعيناً بالله ملهم الصواب. لا يقال أن الممثلين (بفتح الثاء) قوم انقرضوا ومضوا فلا وجه لحرمة غيبتهم لأنه لا فرق بين غيبة الحي والميت قال في الدر المختار الغيبة أنه تصف أخاك الخ قال في رد المحتار أي المسلم ولو ميتاً الخ والعقيدة الحقة التي نلقى الله عليها أن الميت يتألم ويتلذذ كالحي. وكذا لا يقال أن هؤلاء الممثلين مجهولون وغيبة المجهول ليست بغيبة لأن جهالة أشخاصهم مع معرفة أسمائهم وأنسابهم وألقابهم وأزمنتهم وأمكنتهم لا تؤثر في سقوط حرمة غيبتهم قال في الدر ولو اغتاب أهل قرية ليس بغيبةٍ لأنه لا يريد كلهم بل بعضهم وهو مجهول قال في رد المحتار مفهومه أنه لو أراد ذلك (أي كلهم) كان غيبة تأمل أهـ وما ذاك إلا لأن الكل معلومون ولو بأنسابهم دون أشخاصهم وما نحن فيه أولى. فإن قيل كانت العلة في تحريم الغيبة هي الإيذاء وهو إنما يوجد حيث أفهمت الغير ما يكرهه المغتاب فلربما لا يكره الممثلون محاكاتهم كما إذا مثلت الأمراء مثلاً على وجه لا يشعر بتنقيصهم بل بعدلهم ليقتدى بهم ومثل معهم من لا تحرم غيبته كالحربيين مثلاً على وجه يشعر بتنقيصهم بسبب ظلمهم لتنفر الناس عن أعمالهم فلم يلزم حينئذ حرمة التمثيل من أصله قلنا لا نسلم أن الممثلين لا يكرهون محاكاتهم حسبما صورته فإنا نجد من أنفسنا كراهة تشخيصنا على أي حال كان ولا شك أن تشخيص الأمراء تنقيص لهم قال في الدر المختار ومن ذلك (أي أنواع) الغيبة المحاكاة كأن يمشي متعارجاً أو كما يمشي مقابلاً لقوله متعارجاً دليل على أن الإنسان يكره محاكاته مطلقاً على أن مناط العلة في التحريم الكراهة ولو في الجملة إذ عدم كراهة شخص لشيء يوصف به والحال أنه يكرهه من سواه إن

стр. 506

وصف به يعد غيبة إن وصف به بدليل حرمة غيبة الصبي والمجنون وإن لم يعقلا الكراهة والإيذاء ولم يكن لهما من يتأذى بذلك من الأقارب كما ذكر ذلك في رد المحتار عن ابن حجر بقي هنا صورة وهي ما إذا كان جميع الممثلين من الذين لا تحرم غيبتهم كالحربيين ولم يوجد محظور من نحو تخنث أو لبس قبعة فالظاهر عدم الحرمة من حيث ذلك وإن كان حراماً من حيث كونه كذباً كما سنبينه. هذا ما يراد من كونه جهة التمثيل غيبة أما ما يراد من جهة كونه كذباً فبيانه موقوف على بيان كونه كذباً وذلك من وجهين أحدهما إدعاء أن الممثلين (بكسر الهاء) هم أؤلئك القوم الغابرون. والثاني عدم خلو القصة التمثيلية عن زيادة أو نقص غير مطابق للواقع بصورة أنه صدق مطابق للواقع فيرد على الأول أنه مما يتيقن كذبه كمقامات الحريري مثلاً فإن الظاهر أن الحكايات عن الحرث بن همام والسروجي لا أصل لها فكيف يحرم كذب التشخيص دون كذب ما في المقامات وعلى الوجه الثاني أن القصة التمثيلية لها أصل معروف محقق فهي ككتب التاريخ وتحريمها دون التاريخ تحكم مع أن كتب التاريخ كثيرة تصنيفاً وقراءة وتعليماً وتعلماً. قلنا هذا إنما يرد أن لو كانت الروايات التمثيلية مجرد قصص خالية عن المحاكاة والتشخيص فحينئذٍ فيها وفي سماعها ما في التاريخ من تفصيل وتقسيم واختلاف مذاهب على اختلاف المقاصد والمآرب وللفقهاء في هذا المقام تحقيق للمرام فليرجع إليه من شاء وأما ما نحن فيه فحيث أن الروايات المنوه عنها بارزة بصورة التمثيل الذي ثبتت لدينا حرمته فلا يغتفر شيء من وجهي الكذب المذكورين. لا يقال إذا كان المقصود من التمثيل رياضة الصبيان ومن الريع إعانة الفقراء والمحتاجين فهلا يكون هذا المقصد مبيحاً لذلك والأمور بمقاصدها لأن المقاصد الحسنة لا تجعل الحرام مباحاً والصبيان في غنى عن هذه الرياضة وفيما جاء في جواب الأستاذ الشيخ محمد القاسمي الحلاق تحت عنوان فصل في رياضة الصبيان وفي ما كتبه الأستاذ الشيخ محمد عارف أفندي المنير تحت عنوان الإعانة بالوسائل المنكرة ما هو كافٍ لكل منصف هذا ما ظهر لفهمي القاصر والله أعلم وأستغفر الله العظيم (حمص) عبد القادر الخوجه. الجواب الثالث عشر للعلامة المفضال الأستاذ المحقق صاحب الإمضاء

стр. 507

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله. والصلاة والسلام على رسول الله. أما بعد فإني قد اطلعت على سؤال في مجلة الحقائق موقعاً برمز ي ص وإني لوددت أن يكون هذا السائل قد صرح باسمه لا برمزه وقد طلب بيان حكم الله تعالى في هذا التمثيل الواقع على هذه الصورة بحضور كثير ممن كان بسمة أهل العلم وغيرهم من العوام الذين لا معرفة لهم بحله وحرمته فنقول جواباً عن ذلك. التمثيل المسؤول عنه حرام بإجماع من يعتد بإجماعه المسلمين لاشتماله على محرمات عديدة منها النظر إلى الغلمان المرد مع مااشتملوا عليه من إسدال الشعور وتسريحها وتلو الأجساد وتمايلها وترقيق الصوت ولين الكلام المعبر عنه بالتخنث أي التشبه بالنساء قال العلامة ابن حجر المخنث هو من يتخلق بخلق النساء حركة وهيئة وعليه حملت الأحاديث الواردة بلعنه أهـ باختصار وقال العلامة البيجوري ونظر الرجل إلى الأمرد الجميل بشهوة أو خوف فتنة فهو حرام بالإجماع ولا يختص ذلك بالأمرد الجميل بل النظر بشهوة حرام لكل ما لا يجوز الاستمتاع به ولو جماداً وضابط الشهوة كما قاله الغزالي أن يتأثر بجمال صورته بحيث يظهر من نفسه الفرق بينه وبين الملتحي ويعرف ذلك بميل النفس إلى القرب والملامسة وكثير من الناس ينظرون إلى الأمرد مع التلذذ بجماله والمحبة له ويظنون أنهم سالمون من الإثم لاقتصارهم على النظر دون إرادة الفاحشة وليسوا سالمين. ويحرم أيضاً استماع صوته إن تلذذ به أو خيف منه الفتنة كما بحثه العلامة الزركشي رحمه الله تعالى وأما الانحناء إلى قرب الركوع فنص الفقهاء على كراهته وأعظم من هذا كله لبس البرنيطة فإنهم عدوه من المكفرات قال الثقة ابن حجر في كتاب الردة عند قوله أو سجود لصنم أو شمس تنبيه وقع في المواقف وتبعه السيد الجرجاني في شرحه الخ ما نقله عنهما وقال ثم قالا ماحاصله أيضاً يلزم على تفسير الكفر بأنه عدم تصديق الرسول في بعض ما جاء به ضرورة تكفير من لبس الغيار مختاراً أي لبس ما كان مختصاً بغير المسلمين لأنه لم يصدق بالكل وذلك لأننا جعلنا اللبس الصادر عنه باختياره علامة على الكفر بناءً هنا على أن ذلك اللبس ردة فحكمنا عليه بأنه كافر لأنه غير مصدق أهـ كلامه وقال في كتاب التعزيز من سعى في إفساد النساء والغلمان ولم ينزجر إلا بحبسه حبس فعلى هذا لا يوجد تمثيل بالمعنى المصطلح عليه الآن إلا وقد اشتمل على محرمات عديدة فقد قام بهذا التمثيل أبو خليل القباني وسماه بالكميدا فقام على

стр. 508

إنكاره علماء زمانه حتى تصدر لإزالته المرحوم الشيخ سعيد أفندي الغبرة واستحصل أمراً سلطانياً بمنعه وأصدرت الحكومة أيضاً أوامر جديدة بمنع التمثيل في المدارس فحينئذٍ منعه واجب للأمر بإطاعة أولي الأمر قال تعالى (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) وقال القسطلاني عند قوله ﷺ لا ترفعن رؤوسكن حتى يستوي الرجال جلوساً ما نصه واستنبط من هذا الحديث النهي عن فعلٍ مستحب وهو متابعة المأموم للإمام في غير تخلفٍ خشية ارتكاب محذور وهو مظنة رؤية شيء من عورة الرجال أهـ بتصرف. فعلى هذا لو فرض أن للتمثيل فوائد فينبغي النهي عنه لاشتماله على كثير من المفاسد وأما قول أحد المعلمين مستدلاً على جواز هذا التمثيل بقوله تعالى (فاعتبروا يا أولي الأبصار) فهو حجة عليه لأن الاعتبار هو الاتعاظ بمن سبق من الأمم كيف حلّ بهم العذاب بارتكابهم المناهي وعدم امتثال الأوامر وأي اتعاظ يكون بهذا التمثيل المشتمل على أنواع من المحرمات كما تقدم لك ببيانه وقوله أيضاً مستدلاً على جواز هذا التمثيل بقوله ﷺ إنما بعثت لأتمم الخ لا يخفى إن إنما للحصر فكأنه قال ما بعثت إلاَّ لأتمم مكارم الأخلاق وهو كذلك لأنه الخاتم لمن سبقه من الأنبياء عليهم وعلى نبينا أشرف الصلاة وأتم التسليم وإنما جاء من قبله بالبعض أو بالمعظم ولا يخفى أيضاً أن قوله مكارم الأخلاق هو من إضافة الصفة للموصوف أي الأخلاق الكريمة وهي الاتباع لسنة الله ورسوله فيكون به شريفاً ديناً صالحاً فأي خلق كريم بهذا التمثيل حتى يكون من جملة ما بعث لإتمامه ﵊ وقد احتوى على محرمات وخرافات عديدة كما نقدم لك بيانه فإن قال ذلك المعلم أنه قد فعله النبي ﷺ نقول هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين بل تقوله الذين لا يعلمون وإن قال أنه لم يفعله لكنه من مكارم الأخلاق نقول هذا طعن بالرسالة فإنه يقتضي أنه لم يتمم وقد قال ﷺ مستشهداً للصحابة إلا هل بلغن ثلاث مرات ليت شعري هل يجوز لنا أن نطلق اللسان ونقول هذا التمثيل من مكارم الأخلاق التي بعث النبي لإتمامها كلا والله قال ﷺ وهل يكب الناس على مناخرهم أو على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم وقول الممثلين إنما التمثيل فرض جاء في القرآن يستدل به على حصر هذا التمثيل بالفرضية ويستدل على الفرض أنه جاء به القرآن لأن

стр. 509

إنما للحصر فكأنه قال ما التمثيل إلا فرض بدليل أنه جاء به القرآن أقول لا يخفى على من له أدنى إلمام بفن من الفنون أو بفن الوضع فقط أن أل الداخلة على الأسماء وضعت لأن تدل إما على الاستغراق وهي التي يصلح في موضعها ما يدل على العموم كلفظة كل أو على الجنس وهي التي يشار بها إلى الماهية المتحققة في ضمن فرد من الأفراد أو على العهد الذكري وهي ما تدل على المذكور سابقاً على مدخولها أو على العهد الذهني أو الخارجي فالأول ما يشار بها إلى حصة معلومة في الذهن والثاني ما يشار بها إلى حصة معينة في الخارج فكأنه قال كل تمثيل أو ماهيته المتحققة في ضمن فرد أو المعهود ذهناً أو خارجاً فرض جاء به القرآن وأما العهد الذكري فلا سبيل إليه هنا إلا أن يقال أنه مذكور بالقوة فكأن السائل يقول ما حكم هذا التمثيل فقال إنما التمثيل فرض الخ فيتركب من هذا قياس منطقي فيقال هذا الدال على قول وفعل الأندلسيين تمثيل وكل تمثيل أو ماهيته أو المعهود ذهناً أو خارجاً أو ذكراً على ما سبق فرض جاء به القرآن فهذا الدال على فعل وقول الأندلسيين فرض جاء به القرآن وأنت خبير بفساد النتيجة لفساد المقدمة الكبرى فيسقط الاستدلال به على فرضية هذا التمثيل. فانظر يا أخي بعين الإنصاف هل من قائل بهذا؟ إن هذا لشيء عجاب ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا ألا اختلاق وهل مراده بالفرض المؤكد كما هو أحد معانيه أو الفرض العيني أو الكفائي وعلى كل لا قائل به لما يلزم عليه تأْثيم الكل إن قلنا أنه فرض عيني أو البعض على القول بأنه كفائي أو اللوم على القول بأن المراد به المؤكد كما سبق وهل المراد بالقرآن كل ما يقرأ كما هو أحد معانيه أيضاً والمراد به المنزل على سيدنا محمد المتعبد بتلاوته المتحدي بأقصى سورة منه وعلى كلٍ فهو غير مسلم لأنه على الأول ليس كل ما يقرأ يكون حجة على الفرضية وعلى الثاني لم يسمع بآية تدل على فرضية تمثيل فعل الأندلسيين هذا ما يسره الله تعالى في هذا المعنى. ثم رأيت في جريدة المفيد في عدد ٨٤٧ مقالة بإمضاء مشاهد يدعي أن الممثلين لم يقولوا إنما التمثيل فرض جاء في القرآن وإنما قالوا إن ذكر الماضي فرض جاء في القرآن يظن صاحب المقالة أنه قد خلص الممثلين مما وقعوا فيه وليس كذلك من وجوه منها أن إنكاره للبيت الأول واعترافه بالبيت الثاني واعتراف بخطأ البيت الأول ومنها أن جميع ما قيل في البيت الأول يقال في البيت الثاني عيناً بعين كما لا يخفى على المتأمل ومنها قوله

стр. 510

إن ذكر الماضي الخ يرد عليه أن الممثلين فعلوا وما اقتصروا على الذكر فالدليل غير المدعى كما هو ظاهر وأما استهزاؤه بمن كتب في التمثيل من جلة العلماء الأعلام فالجواب عنه ما أجاب الله تعالى من استهزأ بمن آمن بالله ورسوله (الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون). وفي الختام نقدم النصيحة لآباء الأولاد أن يحفظوا عليهم آدابهم وأخلاقهم فلا يرموا بهم في المدارس التي تفسد تربيتهم وتضيع أوقاتهم فإن للأبناء حقوقاً على الآباء منها تحسين الأسماء وتعليمهم ما يلزم من أحكام الشريعة المطهرة وتأديبهم بآداب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وتمرينهم على سلوك طريقته وفقنا الله لاتباعه وأماتنا على سنته. دمشق عبد الوهاب الشركة الجواب الرابع عشر لأحد علماء بيروت الأفاضل قيل لي ألا تكتب في مسألة تمثيل الروايات من حيث حلها أو حرمتها فقلت لقد كتب جملة من الأفاضل العلماء وكشفوا القناع عن حقيقة المسألة فهل بعد قول أولئك الأفاضل اعتراض لمعترض ولكني مع هذا أتطفل فأقول: إن التمثيل بالنسبة إلى الإفرنجة يجوز عده من الفضائل إن جاز نسبته الفضيلة إليهم وذلك لأنه يظهر لهم قبائح الوقائع الماضية ومحاسنها عياناً فينهجون على ما يظهر لهم حسنه ويجتنبون قبيحه كأحوال الملوك الظلمة وغيرها وأما بالنسبة إلينا نحن المسلمين فلا يعد فضيلة لأن لنا شريعة كاملة تكفلت لنا ببيان كل حسن وقبيح في دنيانا وديننا وعلمتنا الجزئيات والكليات من سياسة الممالك إلى كيفية دخول الخلاء ولكن لما تركنا العمل بها أخذنا نقلد الإفرنجة فيما يلهون به دون جدياتهم نرجو بذلك الاهتداء لإصلاح أمر دنيانا معرضين عن أمر ديننا وهيهات فما دمنا على هذه الحالة لا نزداد إلاَّ انحطاطاً. التمثيل إن خلا عن منكر وهيهات فهو أقرب إلى اللعب منه إلى الجد ولو كان فيه كما يقولون اعتبار لمثل الشارع ﷺ لأصحابه ما كرر الله تعالى ذكره في كتابه العزيز من إهلاك الأقوام السالفة وغيره والعاقل يتعظ بالإشارة على أن في مسرح الوجود وفي الوقائع الحاضرة من العبر ما يغني عن مسارح التمثيل التي هي في الحقيقة ملاهي ومراقص.

стр. 511

التمثيل كان معروفاً عند الرومان ومسارحهم باقية إلى اليوم في بعض البلدان فلماذا لم يدخله إلينا الخلفاء السالفون كالمأمون وإضرابه وقد أدخلوا علومهم من العقليات والرياضيات والفلكيات ألم يكن لأولئك الرجال من التمييز بين الغث والسمين مالشباننا المتفرنجين؟. ثم إن حضور بعض من تزيا بزي العلماء تلك المسارح لا يكون حجة على إباحة التمثيل ولقد كنا نرى البعض يحضرون مسارح (القباني) ورواياته في دمشق وفيها ما لا يخفى من التهتك ثم لو فرضنا حصول الاعتبار بشهود الرواية الخالية من المنكر إن فرض خلوها من قبيل فرض المحال فهل يوازي ذلك الاعتبار تضييع صلوة الفجر عند من يصلي من أنصار التمثيل أو يعتقد مشروعية الصلاة. وهؤلاء نأمل من الله أن يكونوا قد اقتنعوا بما كتبه علماء الدين في الحقائق. أما التاركون للصلاة الجاحدون لها فلا كلام لنا معهم وإنما نبين ما صح عن الشارع ﷺ فيهم ليكون الناس على بينة في اجتنابهم ولتقوم الحجة على المؤثرين لأتباعهم. روى البخاري ومسلم في صحيحها وغيرهما من أصحاب السنن عن علي ﵁ أنه قال إذا حدثتكم عن رسول الله ﷺ فلأن أخرُّ من السماء فتخطفني الطير أحب إليَّ من أن أكذب عليه سمعته يقول سيخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من خير قول البرية يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم إلى آخر الحديث وقد أخرجه البخاري في الجزء الرابع من صحيحه في كتاب الفتن فليراجع.؟ وقد تكلم الشراح على هذا الحديث فقال البعض أن علياً ﵁ أراد بهؤلاء الخوارج الذين قاتلهم وأولوا آخر الزمان بآخر زمان الخلفاء الراشدين. وقال بعض الشراح لا يمتنع تكرر الخروج فكما خرج هؤلاء في آخر زمن خلافة النبوة فيجوز أن يخرج أيضاً في آخر الزمان قوم على تلك الصفة سيما ولفظ الحديث يساعد ذلك لإطلاق آخر الزمان أهـ وعندي أن هؤلاء اليوم هم بعض المتفرنجين النابذين للدين ظهرياً ولأجل تأييد ذلك فلنطابق بين ألفاظ الحديث وبين حالهم قوله ﷺ (أحداث

стр. 512

الأسنان) وهو كذلك يسمون أنفسهم بالشبان المتنورين حتى إن من تقدم منهم في السن نوعاً يتزيا بزي الشبان في الملبس والتزيين وحلق اللحية والتخنث في الكلام حتى وفي الكتابة أيضاً وقوله ﵊ سفهاء الأحلام ينطبق عليهم. من سفه أحلامهم تضليلهم السلف وطعنهم في مذاهب الأئمة ونظرهم لكتب الفقه بالاستخفاف مع أن كتب أصول الفقه تقرأ اليوم باللغة العربية في بعض كليات أوربا لأجل التضلع في علم الحقوق وهم يزعمون أن أوربا هي منشأ العلوم فهلا اقتدوا بأهل أوربا في تعلم الفقه الإسلامي؟ ومن ذلك تدرك مقدار سفه أحلامهم. وقولاه ﷺ يقولون من خير قول البرية أي أنهم خطباء كتبة شعراء (وإن يقولوا تسمع لقولهم). تقدم أن بعض شراح الحديث قالوا في هؤلاء الخوارج المرادين بقوله ﷺ سيخرج في آخر الزمان الحديث أنه لا مانع من تكرر خروجهم فمنهم من خرج في آخر زمن الخلافة ومنهم من يخرج في آخر الزمان وعلى كلٍ فإن بين الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه وبين الموجودين اليوم بين ظهرانينا شبه ظاهر لا ينكر على بعد العهد وتقادم الزمن وسآتيك على ذلك بالبرهان الساطع فأقول: اطلعت منذ عامين على مقالة في إحدى جرائد بيروت لبعضهم ذكر فيها الخوارج الذين تآمروا على قتل علي ﵁ وكرم وجهه وعلى قتل معاوية وعمرو ﵄ والشروط التي وضعوها لإقامة جمهورية لو تمَّ لهم قتل الثلاثة. يريد الكاتب أن هؤلاء الخوارج من قتلهم الإمام علياً ﵁ وتصديهم لقتل معاوية وعمرو بن العاص ﵄ من أجل تأسيس الجمهورية هو أمر إسلامي مشروع وكنت وقتئذٍ عرضت المقالة على ناظم باشا أيام ولايته في بيروت فحال دون تتبعها مانع. فهذه المقالة التي استحسن فيها صاحبها فعل الخوارج الذين اغتالوا الإمام علياً ﵁ وأرادوا اغتيال معاوية وعمرو بن العاص ﵄ اللذين يقول فيهما مؤرخوا الإفرنجة (لولا معاوية بالشام وعمرو بمصر لما ثبت الإسلام في هذين القطرين) هي دليل قاطع على أن بين هؤلاء الموجودين اليوم بين ظهرانينا وبين الخوارج الذين قاتلهم علي ﵁ صلة ظاهرة. فقد ظهر لك معدن هؤلاء فماذا عسى أن يكون تمثيل الروايات بازاء هذه الآراء

стр. 513

والمعتقدات (وما تخفي صدورهم أكبر) نسأل الله أن يلهمنا رشدنا ويتولى هدانا أجمعين.

стр. 514

الإصلاح ومنتحلوه عود على بدء يأسف العاقل حين يرى هذا القلب الفخيم، والنعت الكريم، (الإصلاح) وقد أصبح ينتحله حثالة الناس وطغمتهم، وشرار الناس وفسقهم، فمن جاهل عنده ولا علم، ولا عقل له ولا فهم، ولا عدة له إلا ما تعوذه من أفانين البذاءة وأنواع الشتائم وثلب أعراض الناس بالباطل، ومن عالم قد خلف الشيطان في تضليله، وناب عنه في تلبيس الباطل بصورة الحق والتلاعب بأحكام الدين، ساعد على ظهور هؤلاء السفلة بمظهر المصلحين جهل الأمة وسكوت العلماء عنهم برهة من الزمن موهوا في خلالها على عقول بسطاء الناس وانخدع بهم بعض الجهلة الأغرار فزادوا غياً على غيهم وضلالاً على ضلالهم. دعوى الإصلاح وحب الرقي والتقدم كثيرة ولكن الدعوى الفارغة لا تقلب الباطل حقاً ولا تجعل الكذب صدقاً فإنا رأينا هؤلاء المتفرنجين الذين يسمون أنفسهم المصلحين يتلاعبون بدين الله ويفسرون كتاب الله وحديث رسوله ﷺ بمقتضى أهوائهم وينشرون البدع والأضاليل بين العامة ويقعدون عن تعظيم النبي ﷺ حين يعظمه المسلمون ويكفرون أهل القبلة لأنهم يتوسلون إلى الله في حاجاتهم. رأيناهم يدعون إلى الفواحش والتياترو والتمثيل والللهو والفسق على صفحات جرائدهم ويحترفون بالسمسرة إلى المدارس الأجنبية ويرغبون الناس في الدخول إليها. رأيناهم يفرقون بين العناصر والملل ويسقطون من هيبة الحكومة بمفترياتهم ويطلبون خروج النساء المسلمات مكشوفات الرؤوس متبذلات أمام الفساق. رأيناهم تساق عليهم الدلائل الواضحة والحجج الناصعة والبراهين التي لا ينكرها إلا مكابر ولا يرفضها إلا جاهل أو متجاهل فينكرون ويستكبرون ويموهون ويدلسون وإذا ذُكروا لا يذكرون. رأيناهم ولا همَّ لهم إلا مقاومة العلماء وشتم الصلحاء وإيذاء كل من ينتمي للدين ويتمسك بشريعة سيد المرسلين وهو من الذين آمنوا يضحكون، وإذا مرّوا بهم يتغامزون وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون. رأيناهم والعجب ملء قلوبهم والغرور مستولٍ على أفئدتهم والتفرنج آخذ بنواصيهم يسوقهم إلى الضار من هذه المدنية الغربية حتى أن تعلقهم بما لا ينطبق على الشرع منع أشد وحرصهم عليه أكيد. رأيناهم إذا ذكر لهم قول عالم من علماء أوربا أكبروه

стр. 515

وأخذوه قضية مسلمة لا ريب فيها وإذا قيل لهم قال الله ورسوله طفقوا يؤولونه على حسب أغراضهم مما لا يرضاه الله ورسوله. رأيناهم إذا ولي عليهم رجل يحب الدين وينصره ويهجر الفسق ويقاومه سلقوه بألسنة حداد وآذوه بكل أنواع الإيذاء ولقبوه بالمتدين الصالح سخرية واستهزاء. كل ذلك وأضعاف أضعافه يجنيه أولئك الذين يسمون أنفسهم (المصلحين) ثم إذا زجرهم علماء الدين الذين انقطعوا للعلم والتعليم ووقفوا أنفسهم لخدمة الدين قاموا عليهم يشتمونهم ويموهون على العامة بأنهم يتكلمون بذلك لحاجة في نفسهم أو عداء للإصلاح ورفضاً لكل جديد مع أن أولئك العلماء لم يقاوموهم بالحجة ولم يطلبوا منهم إلا أن يرجعوا إلى الحق ويعترفوا به ولكن ما دام أولئك المغرورون يعتقدون بنفسهم الإصلاح ويتبجحون بالباطل من قادتها أن يضعوا حداً لذاك الأمر الذي إذا دام على هذا النسق كان سبباً لفساد الأمور وضياع الحقيقة. من لنا بأن يعرف هؤلاء السفلة أقدارهم ويقفوا عند حدودهم ويرجعوا عن تضليل العامة والتسلط على الخاصة فإنهم لا تقنعهم الحجة ولا يردعهم البرهان. لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل. فاللهم ألهم العلماء أن يصرفوا أوقاتهم إلى تحذير العامة من غوايتهم وأضاليلهم وأنزل على أوليائك روحاً من عندك وهبهم ثباتاً على إظهار دينك والانتصار لشرعك. ونصيحتنا لهؤلاء الذين يغررون بالأمة في أقوالهم وأفعالهم أن يذكروا يوماً يرجعون فيه إلى الله يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون ويرجعوا عن تضليل العامة وتسفيه الخاصة والتلاعب بدين الله وأن يعلموا على ما يرقي الأمة إن استطاعوا فإن تولوا فما علينا إلا البلاغ.

стр. 516

البقاء لله لموت قبيلة أيسر من موت عالم حديث شريف رزأت دمشق بفقد نخبة من خيرة علمائها، وصفوة أتقيائها وفضلائها، فجلّ بذلك الخطب، وعظمَ المصاب، وحلت عرى الجلد، وهدمت دعائم الصبر، ولكن ما الحيلة وقد كتب الله الموت على خلقه، وقضى بذلك قضاءً حتماً على عباده، ولا رادّ لقضاء الله فاجئتنا الأيام وداهمتنا الليالي بفادحة عظيمة كورت ثلاث شموس من أفضل علمائنا المبرزين. بكى عليهم العلم والفضل وآسف عليهم الأدب والنبل. وهم الحسيب النسيب، شيخ الشيوخ في دمشق المعمر المدقق البركة الصالح الأستاذ الشيخ عبد الله الركابي الشهير بالسكري والعلامة المفضال سليل بيت العلم والمج، صاحب العفة والاستقامة الشيخ رضا الحلبي مفتي دمشق الشام والعلامة النبيل، آية الأدب والفضل، الورع الصالح، صديقنا الشيخ محمد أبي الخير الطباع مؤسس وصاحب المدرسة الوطنية بدمشق. وقد كان لموتهم رنة أسف عمت القاصي والداني، والقريب والبعيد. مصاب أدمى القلوب، وأجرى الدموع، وأسال الآماق وكأن لسان الحال يقول: ولو كان سهماً واحداً لأتقيه ... ولكنه سهم وثانٍ وثالث فإنا لله وإنا إليه راجعون. وهنا يحسن بنا أن نذكر كلمة عن هؤلاء الأفاضل خدمة للعلم، وقياماً بواجب فضلهم عليهم من الله الرحمة والرضوان. العلامة الشيخ عبد الركابي السكري ولد ﵀ سنة ١٢٣٠ للهجرة بدمشق وتلقى علوم الفقه والكلام والتفسير والأصول والحديث واللغة والنحو والصرف والبيان وغيرها عن إجلاء قادة، وهداة سادة، من أفضلهم العلامة العمدة البركة محدث الديار الشامية الشيخ عبد الرحمن الكزبري والعلامة المحقق المدقق رأس الفقهاء الشيخ سعيد الحلبي والعلامة المحدث المفسر الصالح البركة الشيخ حامد العطار والعلامة المتفنن الورع شافعي عصره الشيخ عبد الرحمن الطيبي فحاز قصبات السبق في المعقول والمنقول وصار مرجع أهل عصره، وانقطع للقراءة والإقراء والتأليف، وعُين مدرساً للبخاري الشريف تحت قبة النسر بين العشائين وخطيباً لجامع

стр. 517

الشيخ الأكبر ورئيساً لمشيخة جامع بني أمية. وقد انفرد بعلو الإسناد حتى نقل عن بعض مشايخه أنه قال (وسندي هذا اليوم أعلا سند على وجه الأرض) وله التآليف العديدة، والتصانيف المفيدة في كثير من العلوم. وقد قال في بعضها (ومع ذلك لي بحمد الله تعالى نيف وعشرون مؤلفاً منها ما تم ومنها ما لم يتم فمن أعظمها كتابي المسمى بنعمة الباري شرح صحيح الإمام البخاري) وله كتاب شرح عقيدة الباجوري. وشرح على السنوسية، ورسالة في الإضافة لياء المتكلم، ورسالة في التهنئة بالأعياد، ورسالة في إغاثة الملهوف. وثبت جمع فيه إجازاته من شيوخه سماه تنبيه الإفهام في بيان صور إجازاتي من مشايخ الإسلام وقد انتفع منه خلق كثيرون منهم العلامة المفضال التقي الورع أوحد الفقهاء شيخنا الشيخ عطا الكسم والعالم التقي الحسيب النسيب السيد عبد الكريم أفندي الحمزاوي والعالم العامل الزاهد المرحوم الشيخ محمد الشاش وأخو الفقيد لأمه العالم الصالح المرحوم الشيخ عبد اللطيف الذهبي وغيرهم. وعمر حتى بلغ من العمر ما يقرب من مائة عام وكانت وفاته في الليلة الثالثة عشر من شوال سنة ١٣٢٩ ودفن في مدفن خاص في تربة باب الصغير تغمده الله رحمته، وأدخله فسيح جنته. العلامة الشيخ رضا الحلبي هو العلامة المفضال الشيخ رضا ابن العلامة المحقق الجليل الشيخ أحمد ابن العالم العلامة الفقيه الورع الطائر الصيت الشيخ عبد الله ابن العلامة شيخ الشيوخ في عصره الحبر البحر الشيخ سعيد الحلبي. ولد ﵀ بدمشق سنة ١٣٧٩ وتلقى مبادئ العلوم في المدرسة الجقمقية وبعد أن تخرج فيها مدة سنتين واستوفى ما تدعو إليه حاجة المبتدي تاقت نفسه إلى الأخذ من العلوم بنصيب وافر فقرأ على والده وعلى العلامة المحدث المفسر الذائع الشهرة علماً وفضلاً الشيخ سليم العطار. وعلى العلامة الأوحد المنفرد بالتحقيق والتدقيق في جميع الفنون الشيخ محمد الطنطاوي وعلى العلامة المجمع على فضله صاحب التآليف العديدة مفتي دمشق الأسبق السيد محمود أفندي الحمزاوي وعلى العلامة الجليل المشهود له بالعلم والفضل الشيخ سعيد الأسطواني وغيرهم وبرع في الطلب حتى عد أوقد أقرانه ذكاءً وفضلاً واستقامة ونبلاً وفي سنة ١٣٠٤ تقرر عليه تدريس البخاري الشريبف ودرس الفقه والوعظ في جامع بني أمية ثم في سنة ١٣١٧ وجهت عليه نيابة محكمة

стр. 518

الميدان فقام بها قيام الرجل الكفؤ قياماً دل على شرف في النفس، واستقامة في الأمر، ونزاهة في العمل، ثم عين سنة ١٣٢٦ نائباً للمحكمة الشرعية الكبرى فكان أيضاً مثال النزاهة والعفة، جمع للقوة الإجرائية الرحمة والرأفة فكم أنقذ مظلوماً، وأغاث يتيماً، وأعان أيما ثم في سنة ١٣٢١٩ انتخب مفتياً لدمشق فزاد لطفاً على لطفه، وتواضعاً على تواضعه، وحسن مودة لمن يعرفه ولمن لا يعرفه، مما أوجب له الثناء من عموم معارفه والمترددين عليه وكان يظن لو امتد به الأجل أن ينفع وطنه، ويرقي شأن العلم والعلماء ولكن عاجله الأجل فانتزع من بين الآلاف من أصحابه وأحبابه، ولبى داعي ربه ليلة الجمعة لثلاث ليال خلون من ذي الحجة سنة ١٣٢٩ وفي صبيحة يوم الجمعة ماجت الأرض بالألوف من الناس على اختلاف طبقاتهم ومراتبهم الأمير والحاكم، والتاجر والعالم والغني والفقير، والصغير والكبير، ودلائل الأسف والحزن بادية على كل وجه، وأكثرهم يردد عبارات الحوقلة والترجيع حتى وصلوا به إلى مدفنه في مقبرة الدحداح حيث واروا جسده الكريم ثم انفضوا راجعين وألسنتهم رطبة بالثناء على عفته ونزاهته، واستقامته وكرائم خصاله. فنسأل الله له الرحمة والإحسان. العلامة الشيخ محمد أبو الخير الطباع ولد ﵀ سنة ١٢٩٨ وتربى يتيماً في حجر والدته العفيفة، تلك الوالدة التي كانت تشغل أكثر أوقاتها لاكتساب ما تنفق عليه. وبعد أن ترعرع وتعلم المبادئ الأولية، دخل المدرسة الرشدية، وكان ﵀ نزوعاً لطلب العلوم الدينية، ميالاً للصلاح والتقوى، واقفاً مع أدب الشريعة الطاهرة، ترغب نفسه الأدب، ومطالعة كتبه فما عتم بعد أن أتم دروس المدرسة وحصل على شهادتها حتى اصطف مع طلاب العلم الشريف، وتحلى بجليتهم فتلقوه على الرحب والسعة، فقرأ على أجلة من الأفاضل، وعدة من الأماثل كالعلامة المحقق المدقق الورع الزاهد صاحب التصانيف الممتعة المفيدة الأستاذ الشيخ عبد الحكيم الأفغان نزيل دمشق. والعلامة العالم العامل محدث الديار الشامية المتفق على ورعه وجلالته الشيخ محمد بدر الدين المغربي حفظه الله وأبقاه والعلامة المتفنن العمدة المرحوم الشيخ سلطان الداغستاني والعلامة المحقق المفضال الشيخ محمود العطار وغيرهم وبعد أن تذوق لذة العلم والتعليم حنت نفسه الطاهرة إلى خدمة بني وطنه فدرس بمدرسة الريحانية

стр. 519

مدة لا تقل عن سنتين انتفع به خلق كثير. ثم شرع في توسيع نطاق الإفادة ونفع أهل الوطن فأسس مدرسته الوحيدة المعروفة (بالمدرسة العلمية الوطنية) وسعى في تحسينها وترقيتها فأقبلت الناس على أبوابها، ونمى عدد طلابها حتى ناف على ٤٠٠ ولم يكن عمله هذا ليقطعه عن القراءة والإقراء فكنت ترى صباح مساء عدداً وفيراً من طلبة العلم يفدون داره للقراءة عليه، والأخذ عنه. وكان له عدة تآليف منها رسالة في الانتصار للكمال بن الهمام وأرجوزة في النحو وأخرى في الصرف وديوان كبير ضمنه بديع الشعر ورقيقه ورسالة في انتقاد شرح شعر أبي تمام ومقامة خيالية سبق نشرها في (الحقائق) وكتابات على كثير من كتب العلم والأدب. وما زال هذا دأبه وتلك عادته ينتفع منه صغير القوم وكبيرهم حتى لبى دعاء ربه وأجاب نداء خالقه في شوال سنة ١٣٢٩ فأسف عليه كل من عرف أدبه وأخلاقه. وبكاه الناس وإنما بكوا الأدب والفضل، والغيرة والصلاح والنبل وكثير منهم يردد قول القائل: الموت نقاد على كفه ... جواهر يختار منها الجيا فرحمه الله وأنزل على جدثه شأبيب العفو والغفران.

стр. 520

العدد ١٨ - بتاريخ: ٢٠ - ١ - ١٩١٢

стр. 521

بم ينهض المسلمون إنَّ القلب لينفطر وإنَّ الأحشاء لتتمزق أسفاً وحزناً على المسلمين، حيث أمسوا في حال تنتابهم فيه المصائب من كل جانب، وتحدق بهم الأخطار من كل وجهة وهم الذين سادوا فيما غبر على جميع الأمم ودانت لهم كافة الشعوب، وامتد رواق نفوذهم في عامة أنحاء البسيطة. نعم إن التأثر ليبلغ منا مبلغه لما نراهم وقد قطعوا من أطرافهم، وصارت بلادهم مستعمرات لأعدائهم، وقد عبث الأجنبي بدينهم وأخلاقهم، وقسمتهم أيدي سياسته شيعاً وأحزاباً وهم أقوم أمم الأرض ديناً، وأوثقهم روابط، وأحسنهم أخلاقاً وآداباً. ليس من مفكر لا يهوله أمر أمة يربو عدد نفوسها على الثلاثماية مليون ضاربين في عامة أقطار الأرض تربطهم روابط قوية دينية وسياسية يراهم والعدو آخذ بخطامهم يجرهم إلى حيث يشأ، ويستعملهم فيما يريد وهم مستسلمون له، ومنقادون إليه وقد سامهم أنواع الخسف وأذاقهم آلام الهوان، استولى على ممالكهم، واستنزف ثروتهم وسلبهم أخلاقهم وآدابهم، وصير أحرارهم عبيداً تباع كما تباع الأنعام. عجيب من أمة دينها أسمح الأديان، وآدابها أحسن الآداب، وماضيها يفوق ماضي الأمم حضارة ومدنية، وقد أتيح لها من أسباب التقدم ملا تحلم به أمة فضلاً عن أن تناله. عجيب منها أن لا تكون هي القابضة على شؤون الأمم. وبيدها مقاليد أمورهم وأعجب منه أن تكون مقهورة لأعدائها. يلوح لنا بعد إجهاد الفكر، والاسترسال في البحث أن لا مخلص لهذه الأمة مما وقعت فيه إلا بقيام أفرادها في مشارق الأرض ومغاربها يعلمون على استرجاع حقوقهم المغصوبة ويسعون وراء ما يرقي شؤونهم ويرد إليهم ما أفقدوه من قوة ومنعة. وأول شيء يتحتم عليهم أمام نهضتها هذه أن يعملوا على ضم الدول والإمارات الإسلامية التي لا سلطة لأجنبي عليها إلى دولة الخلافة العظمى وإدخالها حمى حصنها المنيع على أن يُحفظ لتلك الدول والإمارات استقلالها الإداري وتطلق أيديها في عامة شؤونها الداخلية، وأن يمهدوا الطرق للتعارف مع إخوانهم في أنحاء الكرة الأرضية ويجتهدوا في تحسين الصلات فيما بينهم فإذا تمَّ لهم هذان الأمران (ضم الدول والإمارات إلى دولة الخلافة والتعارف مع عموم المسلمين) فليستبشروا بأنهم خطوا خطوة كبرى في سبيل التقدم. وأثروا أثراً تهتز له أعصاب مضطديهم إذ بذلك يجتمع تحت لواء واحد ما يقرب من مائة

стр. 522

مليون من نفوسهم، ويكونون يداً واحدة مع من تعارفوا معهم من بقية إخوانهم إذا دعاهم خطب، أو ألمت بهم ملمة. إن الأمر الأول من هذين ليس ببعيد الحصول على ساسة العثمانيين والمحنكين منهم بعد ما علم العالم أجمع ما صار إليه أمر دولة المغرب الأقصى من الاضمحلال، وما لاقاه ويلاقيه المصريون من وطأة الاحتلال، وما تهدد به الآن دولة إيران من الأخطار مما هو ناشئ عن ضعف هؤلاء الأمم الثلاثة لقلتهم بالنسبة إلى عدوهم فإذا أحسن العثمانيون سياستهم مع من انشق عنهم من الدول والإمارات وبينوا لهم الأخطار التي تهددهم كل آن وكل لحظة. وأعلموهم أن ليس المراد من ضمهم إلى دولة الخلافة إلا أن يستفيدوا من قوتها وتستفيد من قوتهم وأنهم يريدونهم على أن يكون استقلالهم الإداري لا يشاركهم فيه غيرهم أمكنهم أن يتوصلوا إلى بغيتهم ألا وهي جمعهم على دولة الخلافة، أكبر دولة إسلامية في الأرض. والأمر الثاني (وهو التعارف مع عموم المسلمين) اقرب منالاً من الأول ولا يحتاج الحصول عليه إلى زائد مشقة فهو يتحقق فيما نرى بعدة أمور منها ما أشارت به بعض الصحف الإسلامية، وطلبت من عموم المسلمين تحقيقه وهو إنشاء جامعة إسلامية كبرى تؤلف من كبار مفكري المسلمين، وخاصة عقلائهم تسعى وراء تعارفهم، وتوثيق عرى الروابط فيما بينهم يراعى في تلك الجامعة كونها في مكة المكرمة (بيت الله الحرام) ويعين لاجتماع أعضائها أشهر الحج من كل عام على أن لا تتداخل بشؤون دول الإسلام وإماراتهم الخاصة ولا تخوض عباب السياسة الأجنبية بل تقتصر على أداء مهمتها وهي النظر في تعارف المسلمين وجمع شتاتهم، وتنظيم شؤونهم ومنها أن يتبادل ملوك الإسلام وأمراؤهم الزيارة فيما بينهم وليبدأ بذلك صغيرهم كبيرهم وليبدأوا جميعاً بزيارة جلالة الخليفة الأكبر وهو أدامه الله يعطف عليهم ويرد إليهم زيارتهم. ومنها أن ترسل كل دولة وإمارة من دول المسلمين وإماراتهم وفداً من فضلائهم ليتشرفوا بمقابلة أمير المؤمنين ويعرضوا شؤون أممهم على حضرته وذلك يتحتم أن يكون في كل عام لما يحدث لهم من الأمور ويطرأ عليهم من الأخطار. ومنها أن تنشئ كل دولة من دول الإسلام على نفقتها صحفاً يقوم بتحريرها عدد من الفضلاء تصدر في عواصم تلك الدول بأمهات اللغات الإسلامية تهدى جميعها بلا مقابل

стр. 523

إلى نبلاء المسلمين وأذكيائهم في عامة الأقطار على أن يكون مبدأ تلك الصحف تنبيه المسلمين إلى ما حاق بهم مما كاد أن يصطلم أمرهم ويذهب بمقوماتهم ومشخصاتهم ودعوتهم إلى توثيق عرى الاتحاد والتآلف بينهم وبين عامة إخوانهم في الكرة الأرضية وحثهم على التمسك بدينهم وأخلاقهم فلا يدعون العدو يعبث بشيء منها وحضهم على تقوية رابطتهم السياسية (الخلافة العظمى) فهي من خير جوامعهم ودعوتهم إلى تغميم التعليم الابتدائي بجعله إجبارياً على كل مسلم في صغره مهما كان حاله ففي ذلك فوائد جلية للمجتمع الإسلامي وحثهم على جمع الإعانات من عامة أفراد المسلمين في سائر الأنحاء لتصرف على بناء الأساطيل وتشييد المعاقل والحصون وإعداد المعدات الحربية التي تستطيع أن تقف أمام الأعداء وترد هجماتهم وذلك يمكن بإنشاء جمعية من غيوري المسلمين وأولي الحمية منهم يكون مركزها العام الأستانة. ولها فروع في عامة المدن الإسلامية فإن المسلمين على وفرة عددهم إذا دفعوا على نسبة كل فرد منهم عشرة قروش في كل سنة تصبح قوتهم في قليل من الزمن أعظم القوى ويغدو أسطولهم أضخم الأساطيل وتحمى حماهم فلا تستبيحه أمة مهما عظمت قوتها وزادت سيطرتها. هذا ما خطر لنا الآن من أسباب تعارف المسلمين الذي هو أحد سببي رقيهم واسترجاعهم مجدهم السالف وإنا لنطلب من علماء المسلمين وعقلائهم ممن له معرفة بأسباب الرقي والانحطاط والاطلاع على العلل والأمراض الاجتماعية أن يفكروا في الأسباب التي تنقذ المسلمين من غفلتهم. وتخليصهم مما هم واقعون فيه ونرغب إلى أولئك السادة أن ينشروا آراءهم على صفحات الصحف ليطلع عليه المسلمون في أقطار الأرض. ويأتمروا به. هذه كلمتنا الآن في هذا الموضوع وربما عدنا إليه بأوسع منها والله المستعان.

стр. 524

العلماء والوظائف إسناد الوظائف العلمية إلى غير أهلها، وتمكين الجهلة من التربع في مناصب العلماء مما أثر على المسلمين، وساعد على عدم انتظام شؤونهم لما في ذلك من القضاء على العلم الذي هو أس المدنية وأساس العمران، وتمهيد السبيل لتفشي الجهل الذي هو منبع الرذائل، وأصل كل شر. لسنا الآن بحاجة إلى إطراء العلم وما ينتج عنه، وذم الجهل وما يترتب عليه فقد أصبح العقلاء كافة يشعرون بفضل العلم، ويحسون بألم الجهل إنما كلامنا الآن في الأسباب التي نشأ عنها هذا الخلل، وبيان ما على الأمة إزاءه. إن ما نتصوره من أسباب هذا الخلل أمور ثلاثة، تغاضي ولاة الأمور فيم أكثر البلاد عن التعرف بالعلماء العاملين. وركونهم إلى أدعياء العلم من الجهلة، تقاعد العلماء الحقيقيين عن الأخذ بالوسائط لنيل المناصب التي هي خالص حقهم، ونفرتهم من الحكام نفرة الشاة من الذئب، قيام مدعيي العلم متمثلين بزي العلماء يسعون بما فيهم من قوة للحصول على الوظائف العلمية ويستعملون الأسباب المنكرة للاستيلاء عليها. هذه الأسباب التي نجم عنها حرمان العلماء المخلصين من وظائفهم، وتقليدها من لبس لباسهم من جهلة الناس وأغبيائهم ممن إذا سئلوا أفتوا بغير علم، وإذا قضوا حكموا بغير ما أنزل الله، وإذا وعظوا أحلوا الحرام وحرموا الحلال، وإذا أموا الناس في صلاتهم أخلوا بشروط الإمامة والصلاة، وإذا خطبوا لم يكن لكلامهم تأثير، فهم قوم ألفوا المنكرات واستغرقوا في الشهوات. قوم قعدوا بالمسلمين عن اللحوق بسلفهم الصالح، وحالوا بينهم وبين الاقتداء بهم في كرائم الخصال، قوم خفضوا من قدر علماء الإسلام، وحطوا من منزلتهم حيث لبسوا ظلماً لباسهم وهم خلو من الصفات الفاضلة، براء من الشمائل التي يجب أن يكون عليها العلماء. إن ما نراه متحتماً على الأمة لهذا الخلل ومنعاً لسريانه أمران: الأول أن يعمل الحكام على التعرف بالعلماء الحقيقيين، ويقوموا لهم بواجباتهم، يقصرون عليهم الوظائف الدينية من إفتاء وقضاء وتدريس وإمامة وخطبة وغيرها، ويسعون لنزع مناصبهم من أيدي من اغتصبها منهم، ويحظرون على العامة أن تتزيا بأزيائهم، ويساعدونهم المساعدة الكافية لبث روح العلم في عامة طبقات الأمة.

стр. 525

وأول شيء يلزمهم تقديمه بين يدي عملهم هذا إبعاد من التف حولهم من الجهلة عن مجلسهم، وعدم الأخذ بشيء من آرائهم ووساوسهم وبذلك يكونون ممن أدى الأمانة إلى أهلها وقام بما يجب عليه للدين والعلم. الأمر الثاني أن يقصر العلماء المتقون عن التباعد من المناصب، ويكفوا عن مجافاة الحكام فإن هذا الزمن غير الأزمنة التي تطلب فيها العزلة، وتحمد فيها المجانبة حيث توفر في تلك الأزمنة العلماء المصلحون، ونما فيها عددهم، وقد انقرضوا في هذا الزمن ولم يبق منهم إلا بقية هي في عداد المخربين كالشعرة البيضاء في الشاة السوداء فالدين يحتم عليهم في هذه الآونة مراقبة سير الحكام ومداخلتهم في شؤونهم بل يجب عليهم أن يستعملوا الوسائط ويبذلوا الجهد لأن يكونوا هم الحكام وأهل الوظائف فهم قادة الناس إلى كل خير، وزعماؤهم في كل صلاح وأعظم مهمة لديهم أمام نهضتهم هذه أن يحتفظوا بأزيائهم ومميزاتهم، ويعملوا على عدم تمكن أحد من التلبس بها إلاَّ بالاستعداد لها وذلك بأن يحصل على ملكة تامة في فهم علوم الدين تؤهله للتربع على كراسي الإرشاد، وتخوله مزاحمة العلماء في جميع ماعهد إليهم وبذلك يحفظون العلم من أن يدعيه الجهلة الأغرار، ويحفظون العامة من الركون إليهم في أقوالهم وأفعالهم. إذا توفر هذان السببان (قيام الحكام بما يجب للعلماء وقيام العلماء بواجباتهم للأمة عموماً) فلا يلبث دعاة الفساد ممن زجوا أنفسهم في غمار العلماء أن يتلاشى أمرهم، ويفقدوا سلطتهم، ولا يمضي زمن يسير على المسلمين حتى تنتظم شؤونهم ويعم العلم كافة أفرادهم، ويسير العدل في عامة أنحائهم، ويرد إليهم ما فقدوه من سنن الإسلام وآدابه.

стр. 526

تحريم متعة النساء (٥) تابع لما نشر ص ١٣٥ من المجلد الثاني قال مؤلف الرسالة ما مؤداه أن زفر يحكم بصحة النكاح على التأييد إذا وقع بصيغة المتعة ويلغي شروط المتعة وأن أبا حنيفة لو قال أتزوجك متعة ينعقد بعه النكاح ويلغو قوله متعة وأن الإمام مالكاً يقول بجواز نكاح المتعة كما نقله في حاشية شرح ملتقى الأبحر إلى أن قال فما صح في بعض الكتب من اتفاق الفقهاء الأربعة على التحريم غير صحيح لأن مالكاً أفتى بالإباحة أهـ. ونقول: أما ما نقله عن أبي حنيفة وزفر فليس مما نحن فيه لأن ذلك من الشروط الفاسدة التي تسقط ويبقى النكاح صحيحاً دائماً غير مؤقت فذكره في معرض الاستدلال على حل المتعة ما هو إلا تشويش وافتراء فلا يلتفت إليه. وأما ما نقله عن حاشية شرح ملتقى الأبحر فالجواب عنه أن نسبة الإباحة للإمام مالك غلط كما نبه على ذلك العلامة ابن عابدين في حاشيته على الدر ومن العجيب أن مؤلف الرسالة قد بلغ به حب التشويش إلى أن صار يأخذ أحكام مذهب الإمام مالك من غير مصادرها المعروفة وكيف خفي عليه أن أحكام كل مذهب إنما تؤخذ من كتبه المختصة به كما هو مقرر مشهور. ومذهب الإمام مالك تحريم المتعة كما نقله العلامة الزرقاني في شرح الموطأ وإليك نص عبارته. . أجمعوا على أنه (أي نكاح المتعة) متى وقع الآن فسخ قبل الدخول وبعده إلا زفر فقال بصحته لأنه من باب الشروط الفاسدة إذا قارنت النكاح بطلت ومضى النكاح على التأييد أهـ وقد بين العلامة الزرقاني أيضاً أن خلاف الصحابة إنما كان في الصدر الأول إلى آخر خلافة عمر ﵁ وأما بعد ذلك فقد وقع الإجماع على تحريم المتعة حتى ابن عباس في إحدى الروايتين عنه وبما بيناه ظهر افتراء مؤلف الرسالة على زفر وأبي حنيفة ومالك ﵃ ثم لم يكتف مؤلف الرسالة بالتدليس والتشويش الذي صنعه في بحث متعة النساء كما نُبهنا على كثير منه فيما تقدم بل استطرد لبحث حج التمتع واعترض على أهل السنة بأنهم يقولون بجواز العمرة في أشهر الحج وأن الإمام

стр. 527

أحمد يجوز فسخ الحج إلى العمرة مع أن عمر ﵁ قد نهى عن ذلك. وزعم مؤلف الرسالة أن حال المتعتين في الإسلام واحد وأن عمر ﵁ قد نهى عنهما بعبارة واحدة حيث قال متعتان كانتا على عهد رسول الله ﷺ إنا أنهى عنهما الخ قال فكيف أخذ أهل السنة ينهيه عن متعة النساء ولم يأخذوا بنهيه عن حج التمتع الخ ما ذكره. ونقول أما بحث متعة النساء فلا تعلق له بمتعة الحج كما هو واضح إذ كل منهما بحث مستقل لا ارتباط له بالآخر فالقول بأن حال المتعتين في الإسلام واحد ما هو إلا افتراء وتشويش. وأما ما زعمه من أن عمر ﵁ قد نهى بعبارة واحدة في قوله متعتان الخ فقد قلنا فيما تقدم أنا لم نجد ذلك فيما أطلعنا عليه من كتب الحديث الصحيحة على أن أهل السنة لم يأخذوا تحريم متعة النساء ولا جواز العمرة في أشهر الحج من قول عمر ﵁ متعتان كانتا على عهد رسول الله ﷺ من الأحاديث الصحيحة كما استوفينا الكلام على ذلك فيما تقدم. واستدلوا أيضاً على جواز العمرة في أشهر الحج بما أصبح عن سيدنا رسول الله ﷺ . وكذلك الإمام أحمد قد قال بجواز فسخ الحج إلى العمرة مستدلاً على ذلك بظاهر ما ثبت عنده من الأحاديث الصحيحة وأما الأئمة الثلاثة فقد أجابوا بأن ذلك منسوخ. . وأدلة كل منهم مبسوطة في محلها ولسنا بصدد بيان ذلك إذ لا علاقة له في البحث. ومن أراد التحقيق في بحث حج التمتع وفسخ الحج إلى العمرة فليطلع على ما كتبه العلامة الإمام النووي وغيره من العلماء الراسخين في العلم الذين يبحثون في أحكام الدين بحث من يطلب الحق ولا يتعصب لغيره. وفي الختام ننصح لمؤلف الرسالة أن يلزم الأدب مع كافة أصحاب رسول الله ﷺ ومع جميع علماء المسلمين وأن لا يشتغل بأمثال هذه التشويشات التي فرغ العلماء من تحقيقها بل الواجب عليه وعلى جميع المسلمين أن يسعوا جميعاً إلى جمع الكلمة والتحابب والتآلف وترك ما يخل بذلك ولا سيما في هذه الأزمنة التي يرصدنا بها الأعداء ويسعون في إضعافنا بكل ما يمكنهم من الوسائل. . ولولا الخوف من التباس الأمر على العامة ووجوب البيان على العلماء إذا سئلوا عن حكم من أحكام الشريعة لما كتبنا في مثل

стр. 528

هذه الأبحاث المفروغ منها هذا ونسئل الله تعالى أن يوفقنا جميعاً لتأييد الحق والتمسك بالسنة وأن يصرف عنا كيد الشيطان ويحفظنا من إتباع الهوى ويجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

стр. 529

المولد النبوي الشريف بمناسبة قرب اليوم الموافق لميلاد الرسول الأعظم ﷺ أحببنا أن نبين أن عمل المولد الشريف من السنة المستحسنة الداخلة تحت عموم قوله ﷺ من سن في الإسلام سنة حسنة الحديث خدمة لمقامه الشريف وتنشيطاً لمحبيه ﷺ على هذا العمل المبرور. إنَّ عمل المولد الشريف هو تلاوة طرف من سيرته وأخلاقه ومعجزاته ﷺ ولا مانع من أن يعم الله تعالى الحاضرين ببركة من عنده نظراً لمحبتهم لنبيه ﷺ وذكرهم أخلاقه وشمائله وطرفاً من معجزاته ليزدادوا إيماناً وقد قال الله تعالى (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم) فيجوز أن يشمل الله بلطفه وعنايته التالين لقصة نبيه المؤمنين به كما رفع العذاب عن قوم بسبب وجوده فيهم والعجب من بعض الناس كيف ينكرون على من عمل المولد الشريف وهم عاكفون على قراءة الروايات وأقاصيص اللهو والغرام ويترجمون كتب مشاهير الفرنجة ويعكفون عليها ويزعمون أنها تنور العقل وتوسع دائرة الفكر ولو عقلوا الأمور وتدبروها لعلموا أن في مدنيتهم الغابرة مدنية زمن الرسول والأصحاب ما يغني عن تلك الأضاليل والخزعبلات إذ أن فيها جميع ما تحتاج إليه الأمم في الأزمنة من الفضائل والأخلاق الشريفة بل كل مدنية في العالم هي مأخوذة من شريعته ﷺ . وإليك طرفاً من أقوال أئمة الدين الأعلام في استحسان عمل المولد الجليل: قال الإمام جلال الدين السيوطي في فتاويه في باب الوليمة وقد سئل عن عمل المولد النبوي في شهر ربيع الأول ما حكمه من حيث الشرع وهل هو محمود أو مذموم وهل يثاب فاعله أم لا الجواب عندي أن أصل عمل المولد الذي هو اجتماع الناس وقراءة ما تيسر من القرآن ورواية الأخبار الواردة في مبدأ أمر النبي ﷺ وما وقع في مولده من الآيات ثم يمد لهم سماط يأكلون منه وينصرفون من غير زيادة على ذلك من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها لما فيه من تعظيم قدر النبي ﷺ وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف أهـ. قال الإمام أبو شامة شيخ الإمام النووي ﵄ ومن أحسن ما ابتدع في زماننا ما يفعل كل عام في اليوم الموافق ليوم مولده ﷺ من الصدقات والمعروف

стр. 530

وإظهار الزينة والسرور فإن ذلك مع مافيه من الإحسان للفقراء مشعر بمحبة للنبي ﷺ وتعظيم في قلب فاعل ذلك وشكر لله على ما منّ به من إيجاد رسوله ﷺ الذي أرسله رحمة للعالمين. قال الإمام السخاوي أن عمل المولد حدث بعد القرون الثلاثة ثم لا زال أهل الإسلام من سائر الأقطار والمدن الكبار يعملون المولد ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات ويعتنون بقراءة مولده الكريم ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم أهـ. قال الإمام ابن الجوزي من خواصه أنه (أي عمل المولد) أمان في ذلك العام وبشرى عاجلة بنيل البغية والمرام أهـ باختصار. قال حافظ الشام شمس الدين محمد بن ناصر وقد جوزي أبو لهب بتخفيف العذاب عنه يوم الاثنين بسبب إعتاقه ثويبة لما بشرته بولادته ﷺ وأنشد في ذلك وأجاد: إذا كان هذا كافر جاء ذمه ... وتبت يداه في الجحيم مخلدا أتى أنه في يوم الاثنين دائماً ... يخفف عنه للسرور بأحمدا فما الظن بالعبد الذي كان عمره ... بأحمد مسروراً ومات موحدا قال الجنيد البغدادي إمام الطائفتين رحمه الله تعالى من حضر مولد الرسول الأعظم وعظم قدره فقد فاز بالإيمان أهـ. وقد نقلنا في المجلد الأول صحيفة (٢٧٩) عن ابن حجر أنه خرَّج عمل المولد على أصل صحيح ثابت في السنة فليراجع. ويعلم مما ذكره أن قراءة قصة المولد الشريف أمر مشروع لم تزل الناس تعمل به منذ بضعة قرون إلى الآن والعلماء تقرهم على ذلك وتحثهم عليه هذا ما أردنا ذكره في عمل المولد الشريف ليرغب محبوه ﷺ للقيام بهذا العمل المبرور وينبغي بل يتأكد على الإنسان أن يحسن في هذا اليوم إلى الفقراء ويواسيهم ويظهر الفرح والسرور ويتجمل بالثياب الحسنة ويكثر من الصلاة على النبي ﷺ محبة به وشكراً لله على ما أنعم به ومنَّ وتفضل على هذا الوجود بظهور هذا النبي الكريم والرسول السند العظيم نبي الرحمة وأنقذنا بواسطته من الضلال إلى الصراط المستقيم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين. (تنبيه) ينبغي أن يقتصر في عمل المولد على ما يفهم الشكر لله تعالى من نحو ما تقدم ذكره
следующие страницы →