← Джавами‘

Джавами‘ · id 29676

مجلة الحقائق

عبد القادر الإسكندراني

Полный текст (1 077 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

تحريم متعة النساء (٥) تابع لما نشر ص ١٣٥ من المجلد الثاني قال مؤلف الرسالة ما مؤداه أن زفر يحكم بصحة النكاح على التأييد إذا وقع بصيغة المتعة ويلغي شروط المتعة وأن أبا حنيفة لو قال أتزوجك متعة ينعقد بعه النكاح ويلغو قوله متعة وأن الإمام مالكاً يقول بجواز نكاح المتعة كما نقله في حاشية شرح ملتقى الأبحر إلى أن قال فما صح في بعض الكتب من اتفاق الفقهاء الأربعة على التحريم غير صحيح لأن مالكاً أفتى بالإباحة أهـ. ونقول: أما ما نقله عن أبي حنيفة وزفر فليس مما نحن فيه لأن ذلك من الشروط الفاسدة التي تسقط ويبقى النكاح صحيحاً دائماً غير مؤقت فذكره في معرض الاستدلال على حل المتعة ما هو إلا تشويش وافتراء فلا يلتفت إليه. وأما ما نقله عن حاشية شرح ملتقى الأبحر فالجواب عنه أن نسبة الإباحة للإمام مالك غلط كما نبه على ذلك العلامة ابن عابدين في حاشيته على الدر ومن العجيب أن مؤلف الرسالة قد بلغ به حب التشويش إلى أن صار يأخذ أحكام مذهب الإمام مالك من غير مصادرها المعروفة وكيف خفي عليه أن أحكام كل مذهب إنما تؤخذ من كتبه المختصة به كما هو مقرر مشهور. ومذهب الإمام مالك تحريم المتعة كما نقله العلامة الزرقاني في شرح الموطأ وإليك نص عبارته. . أجمعوا على أنه (أي نكاح المتعة) متى وقع الآن فسخ قبل الدخول وبعده إلا زفر فقال بصحته لأنه من باب الشروط الفاسدة إذا قارنت النكاح بطلت ومضى النكاح على التأييد أهـ وقد بين العلامة الزرقاني أيضاً أن خلاف الصحابة إنما كان في الصدر الأول إلى آخر خلافة عمر ﵁ وأما بعد ذلك فقد وقع الإجماع على تحريم المتعة حتى ابن عباس في إحدى الروايتين عنه وبما بيناه ظهر افتراء مؤلف الرسالة على زفر وأبي حنيفة ومالك ﵃ ثم لم يكتف مؤلف الرسالة بالتدليس والتشويش الذي صنعه في بحث متعة النساء كما نُبهنا على كثير منه فيما تقدم بل استطرد لبحث حج التمتع واعترض على أهل السنة بأنهم يقولون بجواز العمرة في أشهر الحج وأن الإمام

стр. 527

أحمد يجوز فسخ الحج إلى العمرة مع أن عمر ﵁ قد نهى عن ذلك. وزعم مؤلف الرسالة أن حال المتعتين في الإسلام واحد وأن عمر ﵁ قد نهى عنهما بعبارة واحدة حيث قال متعتان كانتا على عهد رسول الله ﷺ إنا أنهى عنهما الخ قال فكيف أخذ أهل السنة ينهيه عن متعة النساء ولم يأخذوا بنهيه عن حج التمتع الخ ما ذكره. ونقول أما بحث متعة النساء فلا تعلق له بمتعة الحج كما هو واضح إذ كل منهما بحث مستقل لا ارتباط له بالآخر فالقول بأن حال المتعتين في الإسلام واحد ما هو إلا افتراء وتشويش. وأما ما زعمه من أن عمر ﵁ قد نهى بعبارة واحدة في قوله متعتان الخ فقد قلنا فيما تقدم أنا لم نجد ذلك فيما أطلعنا عليه من كتب الحديث الصحيحة على أن أهل السنة لم يأخذوا تحريم متعة النساء ولا جواز العمرة في أشهر الحج من قول عمر ﵁ متعتان كانتا على عهد رسول الله ﷺ من الأحاديث الصحيحة كما استوفينا الكلام على ذلك فيما تقدم. واستدلوا أيضاً على جواز العمرة في أشهر الحج بما أصبح عن سيدنا رسول الله ﷺ . وكذلك الإمام أحمد قد قال بجواز فسخ الحج إلى العمرة مستدلاً على ذلك بظاهر ما ثبت عنده من الأحاديث الصحيحة وأما الأئمة الثلاثة فقد أجابوا بأن ذلك منسوخ. . وأدلة كل منهم مبسوطة في محلها ولسنا بصدد بيان ذلك إذ لا علاقة له في البحث. ومن أراد التحقيق في بحث حج التمتع وفسخ الحج إلى العمرة فليطلع على ما كتبه العلامة الإمام النووي وغيره من العلماء الراسخين في العلم الذين يبحثون في أحكام الدين بحث من يطلب الحق ولا يتعصب لغيره. وفي الختام ننصح لمؤلف الرسالة أن يلزم الأدب مع كافة أصحاب رسول الله ﷺ ومع جميع علماء المسلمين وأن لا يشتغل بأمثال هذه التشويشات التي فرغ العلماء من تحقيقها بل الواجب عليه وعلى جميع المسلمين أن يسعوا جميعاً إلى جمع الكلمة والتحابب والتآلف وترك ما يخل بذلك ولا سيما في هذه الأزمنة التي يرصدنا بها الأعداء ويسعون في إضعافنا بكل ما يمكنهم من الوسائل. . ولولا الخوف من التباس الأمر على العامة ووجوب البيان على العلماء إذا سئلوا عن حكم من أحكام الشريعة لما كتبنا في مثل

стр. 528

هذه الأبحاث المفروغ منها هذا ونسئل الله تعالى أن يوفقنا جميعاً لتأييد الحق والتمسك بالسنة وأن يصرف عنا كيد الشيطان ويحفظنا من إتباع الهوى ويجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

стр. 529

المولد النبوي الشريف بمناسبة قرب اليوم الموافق لميلاد الرسول الأعظم ﷺ أحببنا أن نبين أن عمل المولد الشريف من السنة المستحسنة الداخلة تحت عموم قوله ﷺ من سن في الإسلام سنة حسنة الحديث خدمة لمقامه الشريف وتنشيطاً لمحبيه ﷺ على هذا العمل المبرور. إنَّ عمل المولد الشريف هو تلاوة طرف من سيرته وأخلاقه ومعجزاته ﷺ ولا مانع من أن يعم الله تعالى الحاضرين ببركة من عنده نظراً لمحبتهم لنبيه ﷺ وذكرهم أخلاقه وشمائله وطرفاً من معجزاته ليزدادوا إيماناً وقد قال الله تعالى (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم) فيجوز أن يشمل الله بلطفه وعنايته التالين لقصة نبيه المؤمنين به كما رفع العذاب عن قوم بسبب وجوده فيهم والعجب من بعض الناس كيف ينكرون على من عمل المولد الشريف وهم عاكفون على قراءة الروايات وأقاصيص اللهو والغرام ويترجمون كتب مشاهير الفرنجة ويعكفون عليها ويزعمون أنها تنور العقل وتوسع دائرة الفكر ولو عقلوا الأمور وتدبروها لعلموا أن في مدنيتهم الغابرة مدنية زمن الرسول والأصحاب ما يغني عن تلك الأضاليل والخزعبلات إذ أن فيها جميع ما تحتاج إليه الأمم في الأزمنة من الفضائل والأخلاق الشريفة بل كل مدنية في العالم هي مأخوذة من شريعته ﷺ . وإليك طرفاً من أقوال أئمة الدين الأعلام في استحسان عمل المولد الجليل: قال الإمام جلال الدين السيوطي في فتاويه في باب الوليمة وقد سئل عن عمل المولد النبوي في شهر ربيع الأول ما حكمه من حيث الشرع وهل هو محمود أو مذموم وهل يثاب فاعله أم لا الجواب عندي أن أصل عمل المولد الذي هو اجتماع الناس وقراءة ما تيسر من القرآن ورواية الأخبار الواردة في مبدأ أمر النبي ﷺ وما وقع في مولده من الآيات ثم يمد لهم سماط يأكلون منه وينصرفون من غير زيادة على ذلك من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها لما فيه من تعظيم قدر النبي ﷺ وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف أهـ. قال الإمام أبو شامة شيخ الإمام النووي ﵄ ومن أحسن ما ابتدع في زماننا ما يفعل كل عام في اليوم الموافق ليوم مولده ﷺ من الصدقات والمعروف

стр. 530

وإظهار الزينة والسرور فإن ذلك مع مافيه من الإحسان للفقراء مشعر بمحبة للنبي ﷺ وتعظيم في قلب فاعل ذلك وشكر لله على ما منّ به من إيجاد رسوله ﷺ الذي أرسله رحمة للعالمين. قال الإمام السخاوي أن عمل المولد حدث بعد القرون الثلاثة ثم لا زال أهل الإسلام من سائر الأقطار والمدن الكبار يعملون المولد ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات ويعتنون بقراءة مولده الكريم ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم أهـ. قال الإمام ابن الجوزي من خواصه أنه (أي عمل المولد) أمان في ذلك العام وبشرى عاجلة بنيل البغية والمرام أهـ باختصار. قال حافظ الشام شمس الدين محمد بن ناصر وقد جوزي أبو لهب بتخفيف العذاب عنه يوم الاثنين بسبب إعتاقه ثويبة لما بشرته بولادته ﷺ وأنشد في ذلك وأجاد: إذا كان هذا كافر جاء ذمه ... وتبت يداه في الجحيم مخلدا أتى أنه في يوم الاثنين دائماً ... يخفف عنه للسرور بأحمدا فما الظن بالعبد الذي كان عمره ... بأحمد مسروراً ومات موحدا قال الجنيد البغدادي إمام الطائفتين رحمه الله تعالى من حضر مولد الرسول الأعظم وعظم قدره فقد فاز بالإيمان أهـ. وقد نقلنا في المجلد الأول صحيفة (٢٧٩) عن ابن حجر أنه خرَّج عمل المولد على أصل صحيح ثابت في السنة فليراجع. ويعلم مما ذكره أن قراءة قصة المولد الشريف أمر مشروع لم تزل الناس تعمل به منذ بضعة قرون إلى الآن والعلماء تقرهم على ذلك وتحثهم عليه هذا ما أردنا ذكره في عمل المولد الشريف ليرغب محبوه ﷺ للقيام بهذا العمل المبرور وينبغي بل يتأكد على الإنسان أن يحسن في هذا اليوم إلى الفقراء ويواسيهم ويظهر الفرح والسرور ويتجمل بالثياب الحسنة ويكثر من الصلاة على النبي ﷺ محبة به وشكراً لله على ما أنعم به ومنَّ وتفضل على هذا الوجود بظهور هذا النبي الكريم والرسول السند العظيم نبي الرحمة وأنقذنا بواسطته من الضلال إلى الصراط المستقيم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين. (تنبيه) ينبغي أن يقتصر في عمل المولد على ما يفهم الشكر لله تعالى من نحو ما تقدم ذكره

стр. 531

من التلاوة والإطعام والصدقة وإنشاد شيء من المدائح النبوية والزهدية المحركة للقلوب إلى فعل الخير والعمل للآخرة وأما ما يتبع ذلك من السماع واللهو وغير ذلك فينبغي أن يقال ما كان من ذلك مباحاً بحيث يتعين للسرور بذلك اليوم لا بأس بإلحاقه به ومهما كان حراماً أو مكروهاً فيمنع وكذا ما كان خلاف الأولى أهـ سيوطي.

стр. 532

المسلمون والأخلاق خلق الله الإنسان ذا فكر وتمييز ومنحه من القوى والملكات ما يهيئه للتدرج في مدارج الكمال ويسوقه للتربع على منصات السعادة. فهو أبداً يحب من الأمور أفضلها، ومن المراتب أشرفها، إن لم يعدل عن التمييز في اختياره، ولم يغلبه هواه في اتباع شهواته. أولى ما اختاره الإنسان لنفسه، السعي وراء كماله وسعادته ولا يتأتى له ذلك إلا أن يكون مرتاضاً بالأخلاق الفاضلة متجافياً عن السفاسف الساقطة آخذاً في جميع أحواله بأسباب الفضائل عادلاً في كل أعماله عن طرق الرذائل ولا شبهة في أن الإنسان لا يعدم في سائر أحواله خاصة التمييز بين الفضيلة والرذيلة ولا يفقد صفة الانجذاب إلى الكمال حيث يراه، والنفوس وإن كانت تتفاوت مراتبها في هذه الخاصية وتتفاضل احساساتها في تلك الصفة إلا أن الكمال في ذاته قوة جذابة تؤثر في الفؤاد الإنساني تأثيراً يدفعه إلى اكتساب كل شيمة وفضيلة واجتناب كل خصلة رذيلة حتى يبلغ بتهذيب أخلاقه ودماثة شمائله شأواً سامياً يجعل له في سجل الكمال أثراً عظيماً، وفي حديقة المعالي صرحاً مشيداً. نعم قد يوجد في بعض أفراد الناس من لا يقبل طبعه الأخلاق الفاضلة والشمائل السامية لسوء تربيته وعدم تهذيبه وتغلب الصفات البهيمية والشهوات الوحشية عليه فلا تهمه الفضائل ولا يبالي بما صدر عنه من ضروب الدناءة وأصناف الرذائل فتراه متسماً بالأخلاق المذمومة كالكذب والغش والخداع واللؤم والنفاق والغدر والاحتيال والخيانة والظلم وغير ذلك مما يطفئ نور الإنسانية ويشوش نظام الاجتماع البشري فمثل هذا يقضي حياته في تعاسة وشقاء وخسر وخذلان فهو ككتلة مادية ذات صورة إنسانية فلندعه وشأنه فإنه يصعب نجاحه ويعسر إصلاحه. ولنوجه كلامنا إلى من يحس بمكارم الأخلاق ويتلهف للوصول إلى غايتها ويشعر بمحاسن الآداب فإنك تراه يدرك أن الفضائل عماد طيب حياته، ورغد عيشه وإن الرذائل أسباب شقائه وسوء حاله فهو مدفوع إلى قانون أخلاقي يميز به الرذيلة من الفضيلة ليتجلى عن الأولى ويتحلى بالثانية. إن الأخلاق الفاضلة مناط سعادة الإنسان وهي أقوى عامل على تهذيب النفوس وتطهيرها من دنس الرذائل وأكبر دافع إلى التسابق لغايات المجد ومستوى الشرف، ثمراتها إعراض

стр. 533

عن اللغو، عفة في النفس، أداء للأمانة، رعاية للعهد، نطق بحكمة، صمت عن فضول، اصطبار على مكروه، رفق بالضعيف، حلم عند الغضب. هذه صفحات التاريخ تشهد أن ما من أمة تدرجت في مدارج المدنية وترقت في أوج السعادة فنشرت جناح سلطانها على الأرض واستخضعت لمنافعها قوى الطبيعة إلا بالأخلاق الفاضلة كالعدل والصدق والأمانة والشجاعة وغيرها كما تشهد أن ما من أمة انحدرت من شاهق مجدها وانحلت عروة مجتمعها إلا بتطرق الفساد إلى أخلاقها وفشو الرذائل بين طبقاتها كالظلم والخيانة واللؤم والنفاق إلى غير ذلك من الأخلاق السافلة. هذه قاعدة أصبحت بحكم القواعد الطبيعية في هذا الوجود البشري فكلما ترقت أمة فإنما تترقى بترقي الأخلاق وكلما تدنت أمة فإنها تتدنى بتدني الأخلاق كما ثبت ذلك باستقراء علماء العمران وإليه يشير القرآن العظيم بقوله تعالى (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فحق عليها القول فدمرناها تدميراً). انظر إلى دولة الرومان كيف بلغت ما بلغت من العظمة والرفعة أيام كانت الأخلاق الفاضلة منتشرة فيها، عزيزة عليها، محبوبة لديها، فلما منيت ببعض الفجرة من فلاسفتها الذين أخذوا يهدمون أركان الأخلاق الفاضلة ويدكون صروح الآداب السامية لم يمر عليها (وهي دولة العلم والمجد في زمانها) بضع عشرات من السنين حتى انهدم بناؤها وتداعى عمرانها وتغلغل في أحشائها أقوام كانوا السبب في تلاشيها واستيلاء الأغيار عليها. وانظر إلى الدولة الإسلامية كيف كانت في إبان ظهورها لما اتخذت الأخلاق الفاضلة مرجعاً لفخارها وأصلاً لمجدها وسؤددها ودرأ لأدوائها ووزنت الأمور بقسطاس دينهم (وهو قسطاس العدل المستقيم) استقامت على الصراط الأعدل والمنهاج الأقوم. ثم لم يلبث المسلمون ثمانين سنة (وهم على هذا السير المستقيم) حتى صاروا خلفاء الله في أرضه، كلمتهم العليا، وصراطهم الأبلج، ترتعد الملوك عند ذكر سلطانهم، وتهتز العروش خوفاً من نفوذهم، يقيمون حدود الله تعالى، قد ملئت بأنوار الحق قلوبهم، وتشبعت من روح الفضائل جوانحهم، ولم يلفتهم عن خطتهم ما عاينوه من المظاهر الفاتنة والأخلاق الفاسدة في مدينتي الفرس والرومان بل ترفعوا عما فيها من الجراثيم المفسدة للفضائل، القاتلة للعواطف وقابلوها بأفئدة ملئت ديناً وحكمة، وعرفت معنى الحياة الصالحة، واطمأنت إلى

стр. 534

ما وعدها الله به في كتابه العزيز من السعادة الحقة والكمال الخالص حيث قالب (وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ليستخلفهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم) الآية ثم لم يزل المسلمون في ترق وصعود كما دلت على ذلك آثارهم العظيمة، وأعمالهم الجليلة، حتى احتك الغربيون بالشرقيين فحدثت أمور أفضت بالمسلمين إلى ما هم عليه من الانحطاط والتأخر. تسرب داء التفرنج الذي حمل إلينا من أوربا باسم المدنية الغربية وأخذ يعشش في قلوب الشبيبة الإسلامية ويتلون لأعين العوام بما يؤثر عليها ألا ترى إلى كثير من العامة اليوم بعد أن كانوا يلتفون في حلقات الذكر ويصطفون في مجالس العلم ويهرعون إلى المساجد زمراً زمراً لأداء الصلوات وإقامة شعائر الدين صاروا يتحلقون في الحانات حول الصهباء ويحتفون في المنتديات بالراقصات ومسارح الخلاعة أكثر الليل ويتسارعون لاستماع آلات اللهو والطرب وحضور مواطن الفسق. أليس هذا من آثار ذاك الداء الفتاك الذي سرى إلى كثير من شبيبتنا الإسلامية ودار على محاور عقولها وجرى على مخالج أفكارها فتلوثت بأقذاره وتسممت بسمومه فاستبدلت الرذائل بالفضائل والوقاحة بالحياء والدناءة بالشهامة والذل بالعز والشقاوة بالسعادة. ومن عظيم ما أثر على الأمة الإسلامية أنها بليت بكتَّاب فقدوا رشدهم من سحر هذه المدنية الغربية وزاغت قلوبهم من مموهات زخارفها فنفثوا في روع الأمة اليأس والقنوط من استرجاع عزها واسترداد مجدها وقتلوا كل عاطفة شريفة وفضيلة كريمة. تالله أن كتاباً هذا شأنهم وذلك دأبهم لا يتصور أن يجدوا في أنفسهم حرجاً مما حلّ بأمتهم ولا ضيقاً مما ينتابها لبعدهم عن أخلاق دينهم وانسلاخهم عم وطنيتهم. فيا عقلاء الأمة اصرفوا عنان همتكم وواصلوا الدأب والجد والاجتهاد في إنقاذ أمتكم من هذه الأوضار وبينوا لها الأسباب التي أوصلتها إلى هذه الحالة التعيسة ومهدوا لها سبل الارتقاء عن دركات الانحطاط إلى ذرى السعادة الأبدية واسعوا في تهذيب أخلاقها وتثقيف عقولها وارتفاع مجدها بنشر الفضائل والكمالات فإن أمتكم هي الأمة التي قامت بمدنية العالم بأسره وامتدت سطوتها وسلطتها إلى ما شاء الله من أنحاء المعمور فإن الله تعالى يقول (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله مع المحسنين).

стр. 535

من كلام علي بن أبي طالب ﵁ لكميل بن زياد النخعي قال كميل بن زياد أخذ بيدي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فأخرجني إلى الجبان فلما اصحر تنفس الصعداء ثم قال يا كميل إن هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها احفظ مني ما أقول لك: الناس ثلاثة، عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤا إلى ركن وثيق، يا كميل العلم خير من المال، العلم يحرسك، وأنت تحرس المال، المال تنقصه النفقة، والعلم يزكو على الإنفاق، وصنيع المال يزول بزواله. يا كميل العلم دين يدان به، به يكسب الإنسان الطاعة في حياته وجميل الأحدوثة بعد وفاته، والعلم حاكم والمال محكوم عليه، يا كميل هلك خزان الأموال وهم أحياء والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة، ها إن ها هنا لعلماً جماً (وأشار إلى صدره) لو أصبت له حملة بلى أصبت لقنا غير مأمون عليه مستعملاً آلة الدين للدنيا ومستظهراً بنعم الله على عباده وبحججه على أوليائه أو منقاداً لحملة الحق لا بصيرة له في أحنائه ينقدح الشك في قلبه لأول عارض من شبهة إلا لا ذا ولا ذاك أو منهوماً باللذة سلس القياد للشهوة، أو مغرماً بالجمع والادخار، ليسا من رعاة الدين في شيء شبهاً بهما الأنعام السائمة، كذلك يموت العلم بموت حامليه اللهم بلى لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة إما ظاهراً مشهوراً أو خائفاً مغموراً لئلا تبطل حجج الله وبيناته وكم ذا وأين أولئك، أولئك والله الأقلون عدداً، الأعظمون قدراً، يحفظ الله بهم حججه وبيناته حتى يودعوها نظراءهم ويزرعوها في قلوب أشباههم، هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة، وباشروا روح اليقين، واستلانوا ما استوعره المترفون، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى، أولئك خلفاء الله في أرضه، ولدعاة إلى دينه. آه آه شوقاً إلى رؤيتهم. انصرف إذا شئت.

стр. 536

الصلاة عماد الدين جعل الله سبحانه أمة حبيبه محمد ﷺ خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات، وحثهم سبحانه على إقامة الصلاة والمحافظة عليها وأودعها من الأسرار والآداب ما يحير الألباب ويأخذ بالعقول وجعلها عماداً للدين وهي أول ما يسئل عنه العبد يوم يقوم الناس لرب العلمين، وليست الصلاة مما اختصت بها الأمة المحمدية بل هي مما دعت إليها الشرائع السماوية وجاءت الرسل عليهم الصلاة والسلام بالأمر بها والاعتناء بشأنها وأوصوا أممهم بالمحافظة على أدائها والاهتمام بأمرها لأنها من أعظم أركان الدين، وللدين تأثير عظيم في انتظام شؤون هذه الحياة. وهذا مما لا نريد إلى سوق الأدلة عليه لأنه صار في حكم البديهيات عند جمهور العقلاء وإنما نريد أن نذكر من يتهاونون بالصلاة عملاً بقوله تعالى (وذكّر فإن الذكرى تنفع المؤمنين). يا أمة محمد، حافظوا على صلاتكم فهي عماد دينكم وبها انتظام دنياكم وعليها مدار رقيكم وفيها قوام حياتكم وهي الرابطة لسلك اجتماعكم وإصلاح أحوالكم، فاعتبروا بما أصابكم من المصائب وارجعوا إلى الله وتداركوا الأمر بالاستغفار وذكروا إخوانكم الذين يتركون الصلاة أو يؤخرونها عن أوقاتها وخوفوهم بما ورد من الوعيد الشديد لتارك الصلاة. قال رسول اله ﷺ لا سهم في الإسلام لمن لا صلاة له ولا صلاة لمن لا وضوء له وقال ﷺ بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة وعن ثوبان ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول بين العبد وبين الكفر والإيمان الصلاة فإذا تركها فقد أشرك. والأحاديث التي وردت في مثل ذلك كثيرة وليست على ظاهرها بل هي محمولة على من ترك الصلاة مستحلاً لتركها وأما تركها تهاوناً وكسلاً فهو من الكبائر ويخشى على المتكاسلين عنها أن يعاقبهم الله بعذاب شديد ويتجلى عليهم بالغضب والسخط وكيف لا وهي عماد الدين ونور اليقين قال رسول الله ﷺ الصلاة عماد الإيمان وقال ﷺ الصلاة عماد الدين وعن أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله الصلاة فإن صلحت فقد أفلح وأنجح وإن فسدت فقد خاب وخسر.

стр. 537

ولسنا بحاجة إلى أنه نكثر من الأحاديث الشريفة الواردة في الحث على شدة الاعتناء بشأن الصلاة والمحافظة على أدائها وإنما نرغب في تنبيه بعض المؤمنين الذين يتهاونون بذلك لعلهم يعتبرون. أيها المتهاونون بالصلاة، تهيئوا للعرض على الله وتزودوا لهذا السفر الطويل الذي أنتم إليه صائرون وقوا أنفسكم ناراً وقودها الناس والحجارة وحافظوا على آداب دينكم وتبصروا في أسرار شرعكم فإنما جاءكم به رسول عظيم أرسله الله رحمة للعالمين ولم يأمر ﷺ بشيء عبث (وما ينطق عن الهوى) بل إنما جاء ﵊ بشرع محكم تستحسنه الألباب وتقبله العقول. إنَّ الصلاة من أعظم شعائر الإسلام وهي الروح لآداب هذه الحياة والينبوع الذي تنفجر منه صفات الكمال والأساس المتين لانتظام شؤون العمران ويترتب عليها كثير من المنافع الدنيوية والأخروية ولا سيما إذا أديت مع الجماعة في المساجد حيث يتعرف المسلم بإخوانه، ويطلع على أحوالهم فيسعف ضعيفهم ويأخذ بيد فقيرهم ويتعاون هو وإياهم على البر والتقوى. وإن المسلم إذا كان محافظاً على صلاته لا ريب أنه يكون ممتثلاً لأوامر الله مجتنباً لمناهيه، واقفاً عند حدوده، طامعاً في ثوابه، وجلا من سخطه مراقباً له في حركته وسكونه. وما أجدر من يكون متصفاً بهذه الصفات أن يصرف معارفه في رقي بلاده ويبذل غاية جهده في إصلاحها ويعمل لنفع إخوانه وينصح لهم ويحسن إليهم. وإذا كان الإنسان متهاوناً بأمور الصلاة التي هي أساس دينه مضيعاً لهذه الأمانة التي أمره الله برعايتها فلا يرجى خيره ولا يؤمن شره وإن نال نصيباً وافراً من المعارف والفنون. ربما يقول قائل إننا نرى بعض المحافظين على الصلاة يخونون في بعض المسائل ويضرون إخوانهم، فنقول له إن هؤلاء على قلتهم لا بد من أن تنهاهم صلاتهم عن ذلك فيتركوا جميع الأمور الضارة ويتزينوا بحلية التقوى قال الله (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) وقال رسول الله ﷺ من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدا. على أنا لو دققنا النظر فيمن يتعمدون الخيانة والضرر لوجدناهم غير محافظين على الصلاة لأن الصلاة لها روح وشروط وأركان

стр. 538

وواجبات وآداب. ونحن نرى الكثير يخلون بذلك بسبب ما استولى على قلوبهم من الغفلة والانهماك في سفاسف الأمور التي لم يخلقوا لأجلها. إننا نرى أناساً يقومون في الصلاة بأجسامهم وقلوبهم متفرقة لا يلاحظون عظمة الله ولا يتذكرون أنه سبحانه ناظر إلى أفئدتهم عالم بما يختلج في صدورهم مطلع على ما تكنه ضمائرهم فهم الغافلون عن ذكر الله المخالفون لأمره سبحانه قال تعالى (وأقم الصلاة لذكري) وقال تعالى (ولا تكن من الغافلين) وقال تعالى (ولا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون)، وقال رسول الله ﷺ للذي أوصاه (وإذا صليت فصل صلاة مودع) قال صاحب القوت أي مودع لنفسه مودع لهواه مودع لعمره صائر إلى مولاه . فكيف حالة المصلي إذا كان غير خاشع في صلاته ولا مستحضراً في قلبه عظمة الله تعالى الذي هو المقصود الأعظم والمبتغى المطلوب الأهم وما قيمة ذكره إذا كان من الغافلين وماذا يكون حظه من الصلاة إذا كان في عداد الساهين. إننا نرى أناساً يصلون ولا يتمون الركوع والسجود ولا يعقلون ما يقولون وهم يحسبون أنهم محافظون على الصلاة مع أن صلاتهم باطلة مردودة عليهم قال رسول الله ﷺ لا تجزي صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود وعن أبي عبد الله الأشعري أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً لا يتم ركوعه وينقر في سجوده وهو يصلي فقال رسول الله ﷺ لو مات هذا على حالته هذه مات على غير ملة محمد ﷺ ثم قال رسول الله ﷺ مثل الذي لايتم ركوعه وينقر في سجوده مثل الجائع يأكل التمرة والتمرتين لا يغنيان عنه شيئاً. وهنا نستلفت أنظار عامة المؤمنين لينصحوا إخوانهم ويعلموا الجاهلين منهم فإن الصلاة ليست مجرد قيام وقعود بل هي روح لحياة القلوب يقف العبد فيها لمناجاة خالقه ويقبل على مولاه بقلبه وفكره وسائر جوارحه مستحضراً لعظمة من يسبح الرعد بحمده، والملائكة من خيفته، متأملاً فيما جاء عن سيدنا رسول الله ﷺ لما قيل له ما الإحسان قال أن تعبد الله كأنك تراه ثم يتمم العبد الصلاة خاشعاً مطمئناً في ركوعه واعتداله وسجوده فالصلاة إنما هي وصلة بين العبد وبين ربه تعالى يستنزل بها الرحمات، ويستدر بها

стр. 539

الفيوضات، وإليك بعض ما كتبه في هذا الموضوع العالم الاجتماعي محمد فريد بك وجدي قال: لما كانت الروح مستمدة وجودها من النور الإلهي مباشرة فلا يجوز لصاحبها أن يجعل جسمه الكثيف حجاباً غليظاً بينها وبين محتد حياتها بل يجب عليه أن يعرضها آناً فآناً لفيوضات ذلك النور الأقدس حتى تكتسب نشاطاً جديداً وتقوى على مصارعات مقتضيات الجسد فلا يكون له عليها سلطان كما هو شأنه عند كثير من الناس حتى صاروا إلى الحيوانية النازلة منهم أقرب إلى الإنسانية الكاملة. ولذلك جاءت الديانة الإسلامية آمرة بالصلاة وهي ليست شيئاً سوى تخلية الفكر من الشواغل المترددة عليه والتوجه بالقلب إلى الله تعالى مباشرة توجهاً صحيحاً بتعطش تام لتتمكن الروح من قبول الإمداد القدسي مباشرة فتكتسب حياة جديدة طيبة تستطيع بها أن تكبح جماح شهوات البدن فترده إلى نقطة الاعتدال وتذوده عن موارد الضلال وإلى هذا يشير الله تعالى بقوله (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) وبناءً على هذا فالصلاة بالنسبة للروح يمكن تشبيهها بالغذاء بالنسبة للجسم. ولما كان لا يجوز للإنسان بوجه من الوجوه أن يحرم جسمه من الغذاء حتى يموت جوعاً كذلك بل بالأولى لا يجوز أن يهمل روحه من غذائها الروحاني حتى تتغلب عليه صفات الحيوانية ويضارع الوحوش في صفاتها البهيمية فلا ينفعه بنطلونه المزركش ولا قميصه الملمع أهـ. هذا ما نكتبه الآن للعاقل المؤمن فلعل المقصر يتدارك الأمر بالتوبة ويتهيأ ليوم المعاد وفي ذلك بلاغ لقوم يسمعون.

стр. 540

جوابنا عن التمثيل كنا نود أن لا نزيد على ما نشرناه من قبل في الأجزاء ٣ و ٤ و ٥ و ٦ بأقلام علماء الدين، وأفاضل المحققين لولا أن سبق منا في الجزء ٢ ص ٧٠ وعد اضطرنا الوفاء به إلى كتابة ما يأتي، ونحن على علم بأن جميع ما كتب في هذا الموضوع على نضجه ومتانة أدلته، وتوافق علماء الشريعة عليه قد لا يجدي بعض المتعنتين من عشاق التمثيل الذين يظهر لهم الحق بأجلى مظاهره فيعرضون عنه. ويلوون رؤوسهم دون اتباعه ذلك لما نشئوا عليه من حب التفرنج والجهل بالدين، والميل إلى كل جديد، وإن أضر بالأدب وقضى على الشرف والأخلاق، ولولا هذه البدعة المنكرة التمثيل بين العامة وميلهم إليها بعد أن كانوا ينفرون منها ويبتذلونها أيام كانت خاصة في أمكنة الفسوق، ومحال اللهو والخلاعة لكان الأجدر بنا إرتاج باب هذا الموضوع وعدم الخوض فيه. ولكن دعت الحاجة إلى الكتابة فيه لما انتقل إلى بيوت العلم المدارس وأخذ أنصاره يغررون بالعامة ويوهمونهم أنه من مثقفات العقول، ومهذبات الأخلاق. التمثيل المبحوث عنه هو عبارة عن تشبيه أشخاص بآخرين بالحركات والهيئات والأقوال والأفعال والألبسة والأزياء والكنى والأسماء والرتب والوظائف والأوصاف فيشمل ذلك المسلم والكافر والذكر والأنثى بالصدق والكذب، والقصد الحسن والسيء. التمثيل إذا اشتمل على لعن أو سباب أو منابزة أو سخرية أو تبختر أو عتو أو تكسر أو تلو أو تخنث بالحركة أو الصوت أو إسراف في الأموال أو تضييع لبعض الصلوات أو هيئة الشربة أو الظلمة أو مرد لا يؤمن من النظر إليهم أو نساء مطلقاً أو تشبه بهن أو آلات طرب محرمة أو لبس لزنار أو قبعة الكفرة أو ركوع أو سجود أو إشهار سيف على مسلم أو تهديده به أو لبس نحو حرير أو إضرار بأحد معين. فلا خلاف حتى عند القائلين بجواز الأدبي منه في منعه والقول بوجوب إزالته على كل قادر لوجود المنكرات المتقدمة كلها أو بعضها فيه مما هو ظاهر المخالفة للشرع وتعاليمه. نعم إنما الخلاف بين علماء الدين وبين مخالفيهم من أنصار التمثيل فيما إذا تجرد من جميع ذلك وهو ما يسمونه التمثيل الأدبي بزعمهم وليت شعري هل يتصور عاقل خلو التمثيل عن المنكرات وهو هو الأمر البدعي الذي لا يحكم بجودته إلا إذا امتلأ غيبة وكذباً ومنكرات ومفاسد وبولغ فيه بمدح أو قدح من لا يعرف من أمره غير ما يتقوله عليه مخترعوا الروايات وبعض المؤرخين.

стр. 541

إن البراهين التي تؤيد بها الباحثون أبحاثهم ويثبت بها العلماء حججهم كثيرة جداً وأعلاها وأقومها بالاتفاق المشاهدة. فهل شوهد أن تمثيلاً خلال عن منكرات حظرها الشرع، وحكم بفسادها العقل السليم؟ سؤال نطلب الجواب عليه من أنصار التمثيل وحماته، بل من كل من شاهد تمثيلاً في حياته، يكفينا أيها الناس ماحل بنا من التقاليد الأوروبية ألم يقنعكم أن تفرنج الناس في الألبسة والأطعمة والكلام والقيام والمسكن والمنزل والتجارة والتربية والأخلاق والعادات واللغات حتى جئتم اليوم تحببون إليهم هذه البدعة المنكرة التمثيل لتقضوا بذلك على ما بقي بأيديهم من النذر اليسير من الأخلاق والعادات. إن كان قصدكم بهذا إصلاح الأمة فاعلموا أن الأمة لا تصلح بتقليد الإفرنجة واتباع عاداتهم إذ فرق بين إلحادي وديني ومتشرع ودهري. ولا صلاح لمن يعتقد أن وراء هذه الحياة حياة أبدية باقية إلا باتباع دينه والوقوف أمام حدوده وليس للغربيين أخلاق وعادات يجب أن نحسدهم عليها ونوافقهم على الأخذ بها. وفيما جاء به الشرع والدين هداية وكفاية للمستبصرين. على أنا لو سلمنا بخلو التمثيل عما تقدم من المنكرات السالفة هل يتصور خلوه عن الغيبة والكذب وتغيير الخلق؟. يقول أنصار التمثيل نعم فيما إذا كان أدبياً محضاً لا يقصد منه غير تهذيب الأخلاق وتنمية العقول وما يحصل فيه من الكذب والغيبة مغتفر للحاجة ونحن نقول في الجواب أن هذا قول من لم يضرب بالعلم بسهم ولم يأخذ منه بنصيب. ويشبه أن يكون قول متعنت غلب عليه حب البدعة، وخامر عقله الانتصار للشهوة. ذلك لأن الغيبة والكذب من الكبائر الحرمة التي جاء نص الكتاب المجيد بتحريمها أبدياً، وتوافق على ذلك المسلمون خلفاً عن سلف فلا يباحان لمطلق أمر، ولا يحلان لشبهة حاجة، ولذا قال العلماء ﵃ المرخص في ذكر مساوئ الغير لا بد وأن يكون غرضاً صحيحاً في الشرع لا يمكن التوصل إليه إلا به. فهل لا يمكن التوصل لما يقصده أنصار التمثيل من (الإصلاح) إلا به؟ سؤال يجب على كل ذي نصفة تدبيره وتأمله ثم الجواب عنه بما يوحيه إليه الحق وصفاء القلب الخالي عن شوائب التعنت والإغراض: اللهم إنك تشهد أن زمن الجاهلية زمن المؤُودة زمن السلب والنهب كان مجمع الشر والفساد وأن رسولك محمداً ﷺ تمكن من هداية الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور وجعلهم أرقى أمم

стр. 542

الأرض حضارة ومدنية وأدباً وأخلاقاً وتقدماً ورقياً بغير تمثيل رواية ولا تشخيص كوميدة (تياترو) وتشهد أن خليفته الأول سيدنا أبا بكر ﵁ سار بالناس سيرة حسنة وشيد لهذا الدين صرحاً لا تزعزعه الأيام من غير أن يشخص ﵁ رواية أو ينزل في مسرح من مسارحها وأن خليفته عمر ومن بعده من الصحابة ﵃ نهجوا هذا المنهج السديد واقتفوا هذا الأثر الحميد من غير تشخيص روايات ولا تمثيل حكايات وأن من بعدهم من أمراء المؤمنين والملوك العادلين والعلماء العارفين عمروا الأرض وفتحوا البلاد ولم ينصبوا مسرحاً ولم يمثلوا رواية مع أنه كان موجوداً مخترعاً حتى قبل زمنهم بكذا كذا مئات السنين. وإذا ثبت أنه يمكن التوصل إلى إصلاح الأمة بغير التمثيل فيجب منعه ويتحتم القول بتركه وما يقال كما سبق من أنه يمكن أن يوجد تمثيل بلا غيبة ولا كذب مردود بأن الغيبة هي ذكرك أخاك بما يكرهه لو بلغه سواء في نسبه أو بدنه أو خلقه أو فعله أو قوله أو دينه أو دنياه وسواء التصريح بذلك باللسان أو التعريض به بالإشارة أو الإيماء أو الغمز أو اللمز أو الكتابة أو الحركة أو كل ما يفهم المقصود. وسواء غيبة الميت والحي والواحد والجماعة المذكورين بأوصافهم وأسمائهم وأزمنتهم وأمكنتهم وعلى هذا لا يخلو الممثل من أن يكون حياً أو ميتاً واحداً معلوماً أو جماعة موصوفين بما تقدم وغيبة الكل محرمة يجب اجتنابها فالتمثيل المؤدي إليها يجب اجتنابه. ودعوى أن ذلك يعد غيبة حيث ذكر الممثلون بما فيهم الغير نقصانهم بخلاف ما إذا ذكروا على وجه يفصح عن مدحهم ليقتدي بهم غيرهم وذكر طائفة من الحريين بما لهم من القبائح السيئة والأعمال الفادحة لتجتنب فلا يعد ذلك غيبة مردودة بأن الأحكام الشرعية عامة وليست إلى ذاته تطلب أن يكون ذلك عاماً وحكم به على جميع الناس. إن كراهة الإنسان تمثيل هيئته وحركته ولباسه وكلامه وأمره ونهيه وعمله كله أمر ظاهر ما نظن أن له منكراً اللهم إلا إذا كان من أنصار التمثيل وأشياعه. بقى ما إذا كان الممثلون غربيين فقط فيمتنع التمثيل والتشبه بهم أيضاً من حيث الكذب إذ أن الممثل يدعي أن اسمه نلسن أو بلوشر وأنه قام قومته، وفعل فعلته، و. و. و. الخ وذلك كله كما لا يخفى كذب صراح، والكذب كما يكون بالقول يكون أيضاً بالفعل، وليس هذا من الكذب المباح فقد نص العلماء ﵃ على أن الكذب لا يباح إلا لضرورة داعية بحيث لو صدق لتولد عنه محذور وينبغي حينئذ

стр. 543

أن يقابل أحدهما بالآخر ويزن بالميزان القسط فإذا علم أن المحذور الذي يحصل بالصدق أشد وقعاً في الشرع من الكذب فله الكذب. وإن كان ذلك المقصود هو مقصود الصدق فيجب الصدق قالوا ﵃. وقد يتقابل الأمران بحيث يتردد فيهما وعند ذلك الميل إلى الصدق أولى لأن الكذب يباح لضرورة دعت أو حاجة مهمة آلمت فإن شك في كون الحاجة مهمة فالأصل التحريم فيرجع إليه. قالوا ولأجل غموض إدراك مراتب المقاصد ينبغي أن يحترز الإنسان من الكذب ما أمكنه ويتطرق إلى ذلك غرور كبير فإنه قد يكون الباعث له حظه وغرضه الذي هو مستغن عنه وإنما يتعلل ظاهراً بالإصلاح فلهذا يكتب عليه. وكل من أتى بكذبة فقد وقع في خطر الاجتهاد ليعلم أن المقصود الذي كذب لأجله هل هو أهم في الشرع من الصدق أم لا وذلك غامض جداً والحزم تركه إلا أن يصير واجباً بحيث لا يجوز تركه كما إذا كان الصدق يؤدي إلى سفك دم أو ارتكاب معصية كبيرة يتسبب منها الانحلال عن ربقة الدين. والحاصل أن كل مقصود محمود يمكن التوصل إليه بالصدق والكذب جميعاً فالكذب فيه حرام وإن أمكن التوصل إليه بالكذب دون الصدق فالكذب فيه مباح. فهل التمثيل من هذا القبيل؟ وهل لا يمكن التوصل إلى تهذيب الأخلاق إلا به؟ اللهم علمنا ما ينفعنا، وباعد بيننا وبين شهواتنا. ربما يقول بعضهم ما هو الفرق بين كذب مقامات الحريري وبين الكذب في التمثيل وبين الغيبة فيه والغيبة في كتب التاريخ ولم حرمتم ذلك في التمثيل دون المقامات وكتب التاريخ. والجواب عن ذلك أن قياس التمثيل على مقامات الحريري قياس مع الفارق إذ أن كذب ما في المقامات على خلاف فيه بين العلماء كذب قولي مجرد بخلاف كذب التمثيل فإنه اقترن فيه تشبيه وأعمال وهيئات وحركات وأيضاً كذب ما في المقامات مضى عليه أكثر من ٧٠٠ سنة ولم ينشأ عنه مفسدة أو مضرة لا في الدين ولا في الآداب بخلاف كذب التمثيل فإنه نشأ عنه مفاسد ومضار أودت بخراب كثير من بيوتات الشرف والمجد. ويكفي أن الشاب والشابة في بعض البلدان إذا أرادا الاقتران لا يجدان مجمعاً غير مسارح التمثيل. وأيضاً ما في المقامات أقره كثير من علماء الدين وأنى لنا بأمثالهم اليوم وقد وردت فتاوي العلماء من كل صوب وحدب في منع التمثيل. وكون الغيبة التي جاء نص الكتاب العزيز بتحريمها وأجمع على ذلك المسلمون حلالاً المؤرخين مما لم يسمع نظيره ولا يصح. وما الموجب لاستثناء

стр. 544

المؤرخين من حرمة الغيبة وأي ضرورة تدعو إلى ذلك؟ نعم أباح العلماء ﵃ ذلك للمحدثين لمعرفة صحيح الأحاديث وفاسدها المتوقف عليهما أمر الدين وماذا يتوقف على عدم الغيبة في كتب التاريخ؟ والذي نعتقده أن المؤرخ إذا لم تدعو لذكره بعض الناس بسوء ضرورة مبيحة فكلامه داخل في الغيبة كما قال ذلك حجة الإسلام الغزالي ونص عبارته وكذلك الغيبة بالكتابة فإن القلم أحد اللسانين. وذكر المصنف شخصاً معيناً وتهجين كلامه في الكتاب غيبة إلا أن يقترن به شيء من الأعذار المحوجة إلى ذكره أهـ. فثبت بهذا التمثيل إذا فرض خلوه عن جميع ما قدمناه من المنكرات لا يتصور خلوه عن الكذب والغيبة وهما محظوران فالتمثيل محظور على أنه لو لم يظهر وجه لحظر التمثيل لا يمكن أن يظهر وجه لحله فيجب أن يرجع بالأمر إلى التوقف ومعلوم حال المتوقف فيه شرعاً. هذا ولو لم يكن في التمثيل إلا أنه خوض في الباطل لكفى ذلك في وجوب منعه قال في الإحياء (الآفة الثالثة الخوض في الباطل) وهو الكلام في المعاصي كحكاية أحوال النساء ومجالس الخمر ومقامات الفساق وتنعم الأغنياء وتجبر الملوك ومراسمهم المذمومة وأحوالهم المكروهة فإن كل ذلك مما لا يحل الخوض فيه وهو حرام أهـ كلام حجة الإسلام الغزالي وهو كما يرى المنصف منطبق تمام الانطباق على التمثيل والروايات فهل يرضى به ويعده حجة المعارضون وهل بعد هذا تردد لمتردد أو ريبة لمرتاب؟ نسأل الله أن يجنبنا الغرور، ويبعدنا من الشرور، وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. والحمد لله وكفى. وصلى الله وسلم على كل عبد مصطفى.

стр. 545

عيد المولد النبوي الأنور أو تذكار أعظم يوم في تاريخ البشر يعلم كل مطلع على تاريخ الأمم والأجيال ومتتبع سير مشاهير العالم وأعظم الرجال، إن سيدنا ومولانا محمد ﷺ قد هز ظهوره الدولتين الفارسية والرومانية، وبز الخافقين الشرق والغرب وعز العالمين العرب والعجم، ونسخ الشرعين شرع موسى وعيسى (عليهم الصلاة والسلام) وجاءنا بالثقلين الكتاب والسنة فأغنانا عن المدنيتين مدنية روما وأثينا، وأسسي لنا بالمرهفين القلم والسيف مدنية ثابتة مدى الدهر وباقية عصراً تلو عصر. نعم إنَّ سيدنا محمداً ﷺ قد قلب شرعه وجه الأرض وأنقذ العالم من ظلمات بعضها فوق بعض. وكان أساساً ثابتاً لكل حضارة ومدنية كما كان أتباعه العظام حلقة اتصال بين مدنيته العظيمة ومدنية الأمم قبله. نعم إن سيدنا محمداً ﷺ ذلك النبي الأمي هو الذي نشر العلم العملي، بل هو الذي وضع أسس على الأخلاق ودعائم فن الاجتماع وإن في شهادة أكابر رجال أوروبا ومتشرعيها الدارسين أقدم شرائع العالم من شريعة حمورابي فما قبله وما بعده بأن شرعه أحسن شرع وجد في هذا العالم لعبرة كبرى وعظة بالغة، بل معجزة باهرة وحجة ظاهرة على أنه لا ينطق عن الهوى، وإن نطقه وحي يوحى. إذا كان ذلك كذلك وكانت الأمم الحية تحتفل في كل عام بولادة من لا يبلغ مداحد أتباعه ولا نصيفه من أعاظم رجالها ومتشرعيها فكسف لا يجب على الأمة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها وشماليها وجنوبيها أن تحتفل في كل عام بولادة من يوجد في أتباعه أمثال الصديق والفاروق وذي النورين والوصي وابن أبي سفيان وسيف الله والوليد وعبد الملك وصقر قريش والمنصور والرشيد والمأمون ونور الدين وصلاح الدين وعثمان والفاتح وسليمان وأضراب هؤلاء الأساطين من جميع الخلفاء والسلاطين. إن هذا وذاك هو الذي دعا جمعيتنا أن تسعى سعيها باستنفار الأمم الإسلامية في جميع أرجاء الأرض للقيام بهذا الواجب العظيم وأن تتذرع بالوسائل بجعله عيداً رسمياً شريفاً

стр. 546

تقفل لأجله كل الدوائر الرسمية والبيوت التجارية والمخازن والحوانيت فلذلك تدعو في هذا المنشور أن يقوم المسلمون في يوم عيد المولد النبوي الأنور. بجميع أنواع الاحتفال وعمل المبرات والخيرات ويشاركوننا بالاحتفال في هذا اليوم المقدس حسبما تقضي به الغيرة الإسلامية والحمية الدينية والسلام عليكم ورحمة الله. جمعية عيد المولد النبوي الأنور

стр. 547

العدو الباطني كيف ينفث السموم لا يزال فريق من دعاة الإلحاد ينفث في روع العامة حب الجنس والعصبية وترك الدين والإسلامية. ويساعد هذا الفريق الملحد في بث هذه المبادئ المضرة زعنفة من دعاة الأغيار، الذين شرهت نفوسهم بحب الدرهم والدينار، فتسممت من تأثير ذلك الأفكار، وتفرقت القلوب وانقسمت الأمة أقساماً شتى، ودارت في خلد الكثيرين، خيالات وأوهام، وتصورات وأحلام، واعتقد غير واحد من العقلاء أن الساعة التي ينفجر فيها البركان وتتحطم الأوطان آتية لا ريب فيها!. ويلٌ لهؤلاء الأغرار الألى ينفثون هذه السموم، ويبثون هذه الأفكار! إنّ يوماً يتلاشى به الدين. ويقوم مقامه الجنس بين المسلمين لهو يوم غشمشم عصيب ينذر بالمصائب الفادحة، والنوائب الفاضحة، بل هو اليوم الأخير الذي تنقصم به عروة هذه الأمة الكبيرة، التي لم تصل إلى ما وصلت إليه من المجد والعظمة وكثرة العدد والعُدد إلا يوم قال لها نبيها العظيم ﷺ ليس منا من دعى إلى عصبية، لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى لا جنسية في الإسلام أهـ. ويوم قرعها الله بباهر آياته إذ قال: (وجعلناكم قبائل وشعوبا لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) إلى غيرها من الحكم السياسية الباهرة، التي ضمت تحت كنفها ذلك الجمع العظيم. فهل بعد ذلك يسعى هؤلاء الأغرار في بث روح تنافي روح الله في كتابع الجليل، وهل بعد ذلك تنشرح صدور الأمة لسماع أمثال تلك الأقوال؟. ألا إن الأمة الإسلامية ولا سيما العربية يجب عليها أن تنتبه إلى ما يدس بين ظهرانيها من السموم التي تنفثها الأغيار للاستيلاء على الديار. ألا لينتبه المسلمون إلى ما أصاب إخوانهم ممن وقعوا تحت عبء الاستعمار الأوربي، فيدفعون عنهم شراً وبيلاً وداء مستفحلاً فإن إخوانهم لم يقعوا في حبال ذلك الشرك الهائل إلا يوم بث فيما بينهم روح البغض للدين، وحب الجنس والعصبية ذلك اليوم الذي توصل به الأغيار إلى إلقاء نار الفتنة بين العناصر الإسلامية فتطاحنت وتشاحنت وكاد الأمر

стр. 548

ينقضي بسقوط الجميع. فانتبهوا، وعوا وتيقظوا أيها المسلمون فما كل ناعق يجب أن يُتبع، وما كل صارخ يقضى له بالإصغاء، وما كل من دعا يجاب والله من وراء القصد وهو بالعاقبة عليم. البلاغ

стр. 549

داء الأمة ودواؤها لا تجد إنساناً تمتع بمواهب الإدراك في مجال حياته، وتحلى بخصائص الشعور في ميدان وجوده إلا وقد أحس بما طرأ على المسلمين من الحوادث الكبرى والكوارث المجتاحة التي انقضت عليهم من أفق المحن وعالم الرزايا فأحاطت بهم إحاطة السوار بالمعصم، والربقة بالعنق، وأخذت تطوح بهم في متاهات التقهقر ومهامه الانحطاط وترشقهم بسهام الشدائد وقذائف الأهوال. تدك صروح مجدهم التي شيدها أسلافهم وتهدم عروش عزهم التي أقامها آباؤهم وتقوض دعائم سؤددهم التي أسسها رجال دينهم حتى أصبحوا وقد تبدلت شجاعتهم جبناً وصلابتهم خوراً وقوتهم ضعفاً وشوكتهم مهانة وجرأتهم خوفاً فكأنهم خلق جديد لا قبل لهم بالذود عن حياضهم ولا الدفع عن حوزتهم ولا يستطيعون مكافحة ما يكنفهم من مكايد العدو ودسائسه ولا يقدرون على مصادمة ما يعتورهم من عوامل التأخر ومهلكاته. طرأ عليهم داء أوقفهم عن سيرهم الطبيعي وأقعدهم عما تندفع إليه الرغبة من السعي وراء تقدمهم باستعمال الوسائل في إعزاز كلمتهم وتوسيع نطاق سلطنتهم والهيمنة على كل من قام يجاريهم في معترك هذه الحياة. داء طالما كانت عقلاء الأمة ونصحاؤها تحذر من وقوعه وتنبه الأمة للتيقظ من مباغتته على حين غفلة من الأخذ بأسباب مدافعته حتى ألمَّ بها وهي في مراقد سباتها (ولا ينفع حذر من قدر). شعرت النفوس كلها على اختلاف إحساسها بهذا الداء الذي سرى إلى سائر طبقاتها سرياناً عجيباً فأحدث فيها أموراً عديدة ضعفاً في قوتها الحيوية، وهناً في هيئتها الاجتماعية، خوراً في عزائمها الأدبية، ارتخاءً في روابطها الدينية، انحلالاً في عرى وحدتها المالية، إلى غير ذلك مما يدمي العيون أسىً ويمزق الأفئدة أسفاً واليوم خرجت من دور الغفوة إلى دور اليقظة فجعلت تتألم ولم تعرف من أين تسرب إليها الداء وتئن ولم تهتد إلى الدواء وتشكو ولكن إلى غير طبيب وتسير ولكن على غير هدى وتتحرك ولكن بغير نظام. نعم كل ذلك كائن وليس من الصعب وصف عوارض العلة والإشارة لجهات الألم ومراكز السقم وإنما الصعب البحث عن تعيين العلة التي نشأ عنها هذا الألم وعن أسبابها وتحديد عواملها فإذا تعينت العلة وتحددت العوامل أمكن مكافحتها بأسلحة العلاج وحصر نفوذها في دوائرها وأخذ المسارب عليها من كل جهة حتى لا تتعدى حدودها وتبلغ نهاية استشرائها.

стр. 550

يظهر للباحث الخبير بأحوال الأمم في صعودها وهبوطها أن داءنا العام الشامل لجميع أفراد الأمة هو الجهل بأحكام الدين والتساهل في نشر تعاليمه وسببه ما نحن فيه الآن من الافتتان بمدنية أوروبا وعلومها وإلحادها وليس بهذا الافتتان معنى إلا ما حل بنا من تحلل عناصرنا وتفرق كلمتنا وتخاذلنا وتخالفنا عمّا يأمرنا به الدين. أثرت عوامل المدنية على العواطف فحولتها وعلى المشاعر فثلمتها وعلى المدارك فضللتها حتى إلتاثت أكثر العقول بأقذارها وتسممت بسمومها فلذلك ترى غوائلها آخذذة كل يوم في الانتشار ضاربة أطنابها باسطة قبابها والناس يموجون في دياجيرها ويسبحون في زخارفها. ساورتنا هذه الفتنة من كل مكان من جهة العقائد ببث الشبه المستعصية والإشكالات الواهية التي تبعث سفهاء الأحلام على نبذ المعتقدات ظهرياً وجعلها نسياً منسياً. ساورتنا من جهة الدين فنفثت في روع الشبيبة أن الدين باعثه الجهل ومادته العماية عن حقائق الكون وأن الأمم الأوروبية قامت وحدتها بمنابذة الدين وأشياعه وتشتيت شمل أتباعه حتى دخل في فكر بعضهم أن الأديان الموجودة هي عبارة عن حوادث تاريخية استلزمتها أدوار خاصة وقد أدت وظيفتها وأخذت في الانحلال. ساورتنا من جهة العلم فأكسبت عقول الشبان ما حال بينهم وبين أنوار الحق من العلوم الإلحادية التي كانت نتيجتها الجري وراء مناصبة الدين وأهله العداء ومصاولة علماء المسلمين والحط من كرامتهم (وكفى بأمة خزياً أن يكون دينها وعلماؤها عرضة لطعن الطاعنين وهدفاً لسهام الملحدين). ساورتنا من جهة الأخلاق والعادات فنشرت بين الأمة أخلاقها السافلة وعاداتها السيئة بصورة روجتها على بعض الأذهان وطلتها على خفاف الأفئدة فانخدعوا بها وهاموا بتقليدها ومحاكاتها وغالوا في التحكك والالتصاق بما تهواه الأنفس من البذخ والترف والهرع إلى معاهد اللهو والطرب ومجامع الرقص والخلاعة تمتعاً بقانون الحرية وتمسكاً بالعادات الأوروبية. ساورتنا من جهة الزي بمموهات زينتها وزخارف مخترعاتها بما يأخذ بالألباب من تلوين الأواني وتزويق الألبسة والتفنن في صنوف الزينة.

стр. 551

ساورتنا من جهة اللغات بفتح المدارس الأجنبية في بلادنا وتكبد النفقات الطائلة عليها وما ذلك إلا لنشر اللغات والعادات الأجنبية بيننا تسهيلاً لتحليل عناصرنا وروماً لتغيير آدابنا الإسلامية وخصائصنا القومية لما تقرر أن اللغة تؤثر في الآداب والأخلاق والعادات وهي العامل القوي في استمالة القلوب وجذب النفوس. من هنا يرى المفكر البصير أن جميع ما اعترى المسلمين من الأدواء مثاره مداهمة الفتنة الغربية المنصبة علينا من سائر الجهات وهذه الأدواء كلها ليست في الحقيقة إلا إعراضاً تترآى للناظر في صورة الأمراض والعلل وهي ناتجة من داء واحد متأصل وهو داء جهل بإحكام دينها وأصول العقائد الحقة وعدم تمسكها بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ واقتفاء أثر سلفها الصالح وما دامت الأمة متلبسة بالجهل متساهلة عما يأمر به الدين الإسلامي فلا ينجع في معالجتها طب طبيب ولا يفيد في انتشالها من هاوية التأخر ترغيب ولا ترهيب فلا دواء لها إلا جمعها على العقائد الصحيحة وردها إلى الكتاب والسنة الذين في اتباعهما قوام حياتها وانتظام شؤونها وشفاء أسقامها ودواء أدرائها وجمع كلمتها المتفرقة ولم شتاتها. روى الحاكم عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك فيما تحتقرون من أعمالكم إني قد تركت فيكم ما أن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً كتاب الله وسنة نبيه. في هذا الحديث دلالة ظاهرة على أننا ما دمنا متمسكين بالكتاب والسنة فلن يتطرق إلينا ما يهوي بنا إلى حضيض الخيبة والخسران ويدهورنا في متاهات التقهقر والخذلان. وصفوة القول أننا أمة قامت بالدين واعتزت بالإيمان واليقين وفازت بما وعدها الله تعالى في كتابه من الاستخلاف في الأرض والعز والنصر والسعادة والنجاح. ومهما نبتغي العز والنهوض والفلاح بغير الوجهة التي أرشدنا الله إليها والطريقة التي أمرنا الله ورسوله باتباعها فيكون مجهودنا ضائعاً سدى وذاهباً عبثاً. وكل طبيب أراد أن يعالجنا من غير الوجهة الدينية التي هي رابطتنا الأصلية فلا يصادف دواؤه المرض الحقيقي ولا أعراضه الحقيقية فردنا إلى كتاب الله وسنة نبيه ﷺ أعظم دواء لاستئصال جراثيم

стр. 552

دائنا وأكبر علاج لاجتثاث شأفة علتنا.

стр. 553

العدد ١٩ - بتاريخ: ١٨ - ٢ - ١٩١٢

стр. 554

الدين الإسلامي والتوحيد ١٢ بعثة محمد ﵊ (هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين). دلت الآيات وشهدت الآثار أن الأمة العربية كانت قبل بعثة سيدنا محمد ﷺ من أمر الدين والعلم وطرق الوصول إليهما في جاهلية جهلاء، وغواية عمياء، لا دين يهذب طباعهم، ولا رابطة تجمع كلمتهم دأبهم الحروب وشن الغارات، وديدنهم التعدي والبغي وسفك الدماء، إن شارفتهم مكن جهة الاجتماع رأيتهم على غاية من الهمجية لا عهد لهم بنظام ولا استعداد لهم لؤآم وإن لحظتهم من وجهة العلم وجدتهم على نهاية من الجهالة والضلالة، وقد انقسموا إلى قبائل شتى، وشعوب عديدة، كلها متوارثة الأحقاد متأصلة الضغائن، والسبب في ذلك أنه لما طال بهم الأمد وبعدوا عن زمن النبوة خيم عليهم الجهل، وعصفت عليهم عواصف الغواية وأعاصير الأهواء وجروا على شهوات أنفسهم، واتبعوا كل ناعق، وفسدت أخلاقهم حتى كانوا يقتلون بناتهم تخلصاً من وصمة العار أو خشية الإملاق. ومنهم من بلغ به الحمق وسخافة العقل فصنع صنماً من الحلوى ثم عبده فلما اشتد به الجوع أكله. وبالجملة كان جو العالم الأرضي متلبداً بسحب الاضطرابات والأباطيل فكان من رحمة الله وكمال لطفه بأولئك الأقوام أن بعث فيهم رسولاً من أنفسهم أزكاهم محتداً وأرجحهم عقلاً وأوفرهم علماً وأقواهم يقيناً وعزماً وأشدهم رأفة ورحمة. اصطفاه لحمل أمانته والقيام بتبليغ أمره ونهيه يردهم عن غوايتهم ويوقظهم من غفلتهم ويبين لهم ما اختلفت عليه عقولهم. يجمع شتاتهم ويرأب صدعهم، يصلح خللهم ويقيميهم على الصراط الأعدل والمنهج الأقوم. أرسل الله خاتم أنبيائه إلى الناس كافة في الحين الذي بلغ فيه جوهر الإنساني نموه وتبينت أشخاص الفضائل والكمالات وذلك عند ما بلغ من العمر أربعين سنة يوم الاثنين لسبع عشرة خلت من رمضان ولم يكن في عصره من قاربه في فضله، ولا من داناه في كماله

стр. 555

خلقاً وخُلقاً وقولاً وفعلاً وكرماً وشرفاً وحسباً ونسباً بل كان ﵊ المثال الكامل الجامع لأشتات الفضائل والسجايا، الشامل لمتفرقات المواهب والمزايا. قال العالم الاجتماعي فريد بك وجدي إن تخيلت الملوك في عروشها والقياصر في أبهتها رأيت أنه ﵊ أعلاهم في السيادة كعباً وأعطفهم على رعيته وأشدهم على أعدائه صولة وأقواهم عليهم شوكة وإن تخيلت القواد وسط كتائبها وغطاريف الحرب بين صفوفها رأيته ﷺ أشدهم لها مراساً وأقواهم في هيجائها بأساً وأسرعهم في إدارة رحاها يداً وأرحمهم في إصلاء لظاها أسلوباً وإن تخيلت الفرسان في ثبات جأشها والشجعان في جلد أفئدتها رأيته ﷺ أصبرهم في غمراتها وأجلدهم في هياجها وأطعنهم بالرمح في صفوفها وأضربهم بالسيف في نحور فرسانها وإن تخيلت الفلاسفة في حكمتها والمتشرعين في دقة نظرها في أدواء الأمم وعلاجها رأيته صلة الله عليه وسلم أحكم العالم قولاً وعملاً وأنفذ في علل الأمم وطبها نظراتً وإن تخيلت الشعراء في سعة خيالها وسبحها في بحار الابتكار وغوصها رأيته ﷺ أبعد منهم في مجال وصف الحقائق مرمى وأكثر منهم لشوارد المعاني المبتكرة إصابة وإن تخيلت الخطباء في منابرها وهي تخلب الأفئدة بسحرها وتأسر الألباب ببيانها رأيته ﷺ أحسنهم بضروب الكلام علماً وأكثرهم لأفئدة سامعيه أسراً وإن تخيلت الزهاد في صوامعها والعباد في محاريبها رأيته ﷺ في الزهد صاحب العلم الأرفع والمقام الأول والعبادة النموذج الأكمل والمثال الأجمل. من أي جهة نظرت إلى سيد العالمين رأيته فيها نسيج وحده ووحيد عالمه فاق كل فائق في صفته وبز كل سابق في خاصيته وفات كل ذي كمال في كماله الخ ما قاله ذلك الكاتب الكبير وهو قليل من كثير مما منحه الله تعالى لهذا الرسول الأعظم ﷺ فقد أوتي من الحكم البالغة والعلوم الباهرة والسياسة العادلة ما بهر العقول وأخذ بالألباب وهو مع هذا أمي لا يقرأ كتاباً ولا يخطه بيمينه وقد نشأ في قوم أميين في بلد ليس فيها عالم يعرف أخبار الماضيين وسير الأوليين. ما هذا إلا موهبة إلهية ووحي سماوي (وأنزل عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً). كم فتح الله ببعثته أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً ونجى به نفوساً هلكى وأرواحاً غرقى

стр. 556

وهدى به بعد الضلالة وعلم به بعد الجهالة ورفع به بعد الخمول وألف به بين قلوب مختلفة وأمم مفترقة. قام ﷺ وحيداً في أمته فريداً في أسرته لا مرشد له ولا نصير ولا عضد ولا ظهير حاملاً إلى الناس تعاليم ربه (قرآناً عربياً غير ذي عوج) داعياً إلى دين الله الأقوم وناموسه الأعظم آمراً بما يتكفل بنجاحهم في الدارين ويأخذ بهم إلى مصاعد السعادة ومعارج العز والرفعة ناهياً لهم عما يسوقهم إلى الخيبة والخسران ويقودهم إلى الذل والهوان ملزماً لهم بالاعتراف بمعبود واحد والاستكانة لسلطانه والرضوخ لأحكامه. عز على عبدة الأوثان وضعاف الأحلام ما يدعوهم إليه من عبادة الله تعالى ونبذ المعتقدات الفاسدة والعادات السيئة وكبر عليهم تسفيه أحلامهم وتضليل آرائهم فنابذوه وجادلوه وحاربوه وكافحوه ولم يتركوا أسلوباً من أساليب المقاومة إلاَّ أتوا به لإحباط سعيه وإبطال دعوته كما هو مبين في كتب التواريخ والسيرة النبوية فقال له ربه سبحانه وهو أعلم به (قل يا آيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين). ثم جرهم منهج المجادلة إلى طلب الحجة والبرهان على صدق دعواه فكان ﵊ ينصب لهم الدلائل ويجيب في المقترحات كل سائل ويقيم الحجج والبراهين ويأتي بالمعجزات الباهرة الدالة على صدق دعواه كما وصل إلينا ذلك بطريق التواتر. ومن أعظم المعجزات التي استند إليها في إثبات دعواه القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه كتاب أحكمت آياته، وفصلت كلماته، وبهرت بلاغته العقول وظهرت فصاحته على كل مقول فلم يستطع أحد معارضته ولم يهتدوا إلى مثله في جزلته ومتانة ألفاظه وحسن نظمه وإيجازه مع جهدهم واستنفاذ ما عندهم في إخفاء ظهوره وإطفاء نوره (قل لئن اجتمعت الأنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً). فما كان في وسع عظمائهم وفصحائهم إلا أن انقادوا إليه واجتمعوا عليه وهجروا لأجله بلادهم وأوطانهم وجفوا في محبته قومهم وعشائرهم وبذلوا في نصرته مهجهم وأرواحهم

стр. 557

ونصبوا وجوههم لوقع السيوف في إعزاز كلمته بلا دنيا بسطها لهم ولا أموال أفاضها عليهم ولا غرض في العاجل أطمعهم في نيله يرجونه فهل تتم هذه الأمور لغير نبي؟ أو تتصور لمن ليس له عون رباني ومدد إلهي؟. كيف يعلل الملحد هذا التأثير الهائل الذي لم يسبق مثله ولم يحفظ نظيره والتاريخ أكبر شاهد وحوادث الكون أعدل ناطق. ألا يخجل المكذب برسالته ﷺ من أن يتهم نواميس الحكمة الوجودية وقوانين الحياة الإنسانية بهذه التهمة الباطلة. هل عهد الناس أن الحكمة الإلهية تؤيد المبطلين وتقر المتقولين وتعلو برؤوسهم فوق الرؤوس أجمعين؟. هل عهد الناس أم العدالة الإلهية تنصر المدعين للرسالة وترفعه من شأنهم حتى يسود دينهم على سائر الأديان ويبقى حجة قائمة إلى الآن؟. الله أكبر إذا تشكك الإنسان في رسالة محمد ﷺ فبأي رسالة بعدها يصدق؟ وبأي رسول غيره يؤمن؟ رسول أيدته الحوادث وشهدت له الوقائع وأقام الوجود له من دلائل الشهود مالا يسع العقل إنكاره ولا يسوغ للبصيرة جحوده فبأي حيلة يجحده الجاحد؟ وبأي جسارة يكذبه المكابر؟ من ينكر أنه ﵊ أقرب الأنبياء إلينا عهداً؟ وأقواله وأفعاله وأحواله وسيرته محفوظة في الصدور والسطور تناقلتها الأمم عن الأمم من عهد مبعثه إلى اليوم ومن شاء التفضيل فليراجع كتب الشمائل والسيرة. وفي الأحياء للغزالي بعد ذكر من شمائله وأخلاقه الكريمة ﷺ فأعظم بغباوة من ينظر في أحواله ﷺ ثم في أقواله ثم في أفعاله ثم في أخلاقه ثم في معجزاته ثم في استمرار شرعه إلى الآن ثم في انتشاره في أقطار العالم ثم في إذعان ملوك الأرض له في عصره وبعد عصره مع ضعفه ويتمه ثم يتمارى بعد ذلك في صدقه وما أعظم توفيق من آمن به وصدقه واتبعه في كل ما ورد وصدر أهـ فنسأل الله تعالى أن يوفقنا للاقتداء به بمنه وسعة جوده. يتبع

стр. 558

دمشق وزعماؤها أو نظرة فيما تحتاج إليه لا تئن دمشق من شيء أنينها من بعض خاصتها وزعمائها من أغفلوا شؤونها. واشتغلوا عنها بذاتياتهم وشهواتهم فلا ترى منهم إلا الانكباب على جمع المال، والسعي الحثيث للاستئثار به، ولا تنظر إلا المسابقة لنيل الرتب والأوسمة والمفاخرة بالبذخ والترف، ولا تشهد إلا الرغبة في تولي المناصب، والحصول على الرواتب تراهم ذلك شأنهم. وتلك سنتهم رقي الوطن أو انحط. حسنت الأحوال أو ساءت. عزّ الدين أو ذل. قويت الحكومة أو ضعفت. راجت التجارة أو بارت. تأخرت الزراعة أو تقدمت. نمت الصناعات أو انقرضت. عمرت معاهد العلم أو درست. عاش الفقير أو مات. أكرم الغريب أو أهين. أمر بالمعروف أو لم يؤمر. نهي عن المنكر أو لم ينه. إن دمشق قاعدة البلاد السورية. مدينة الدين والعلم. مدينة الفضل والنبل. مدينة التجارة والصناعة لم تبلغ ما بلغته من الجهل الفادح. والفقر المدقع إلا بفضل إهمال خاصتها وزعمائها. وفترتهم عن القيام بما يجب لها عليهم. عهدت دمشق من زمن غير بعيد أن ترى من خاصتها وزعمائها السعي وراء المصلحة العامة. والتفاني في خدمة الوطن ولم تعهد منهم هذا الفتور والإغضاء. ولم يمر بخيالها لأن الأمر يصل بها إلى ما وصل بعد ما سجل لها التاريخ جلائل الأعمال وروى عنها كرائم الخصال. إن دمشق بحالتها الحاضرة. ومركزها من دولة الخلافة العظمى تحتاج إلى إصلاحات جمة وتنظيمات عدة ليس لها من يقوم بها إلا الخاصة والزعماء ذلك لأن البعض من تلك الإصلاحات والتنظيمات ليس للحكومة مداخلتهم فيه كانتخاب أكفاء للمجلس النيابي وغيره من المجالس الوطنية والبعض الآخر هو بهم ألصق منه بالحكومة كجمع الإعانات للنوازل والفقراء. تحتاج دمشق إلى تنظيم معاهد العلم فيها سواء الأميرية والأهلية. وتجديد مدارس تفي بما تحتاجه من العلوم سيما الشرعية منها فهي أس النجاح. وعليها مدار التقدم وقد قلت العناية بها في المدارس الأهلية. كما أنها أضحت كأن لم تكن شيئاً في المدارس الأميرية.

стр. 559

تحتاج دمشق إلى أناس من أعاظمها ونزهائها يسعون لترشيح الأكفاء من رجالها للنيابة عن الدمشقيين في مجلس الأمة والمجالس الأهلية. ويعملون على إنالتهم ثقة من الأهلين تمكنهم من تولي تلك المناصب حتى لاتفقد دمشق في مجلس الأمة نواباً يمثلون عظمتها. ويخدمونها خدمة صالحة، وحتى تأمن في مجالسها ضياع الحقوق. وإهمال المصالح. تحتاج إلى جمع من أذكياء تجارها وفطنتهم يعملون على ترقي تجارتها. وتنظيم شؤونها يؤسسون فيها الشركات الكبيرة. ويجلبون إليها من الغرب ما يساعد على رقي صناعتها من الآلات الحديثة. ويضيقون على الأجانب فيها فلا يدعونهم يستنزفون ثروتها. ويفكرون في الطرق التي توصلهم إلى رواج تجارتهم في الممالك الأجنبية ولو الصغيرة منها. تحتاج إلى طائفة من كبار مزارعيها ونبلائهم يعملون على تحسين الزراعة ويسعون لترقيتها يجلبون إليها الآلات الحديثة. ويسيرون في حرث الأرض وقلبها على الطرق الجديدة فالزراعة هي الأمر الوحيد الذي يمكن الشرق من أن يكر على الغرب. ويسترجع منه ما سلبه من حضارة ومدنية. تحتاج إلى فئة من نبهائها ومفكريها يسعون في إصلاح صناعاتها ويبذلون جهدهم في تنميتها يعملون على متانتها ورفع الغش منها. ويستفرغون الوسع في أن تكون مبهرجة مزركشة عساها توقف تيار المصنوعات الأوروبية الذي وصل إلينا وتقف سداً منيعاً في وجهه فقد جرف ثروتنا وأبطل مدنيتنا وأفسد أخلاقنا وآدابنا وغادرنا في الأخسرين. تحتاج إلى عمدة من عقلائها ودهاتها يبحثون عن أعمال الأجانب فيها. ويراقبونهم في عامة حركاتهم. ليبينوا للأمة مكرهم ودسائسهم وغشهم. ويطلعوها على مطامعهم السياسية والاقتصادية في بلادها فقد استفحل في هذه الأزمنة أمرهم. وعظم خطرهم وكادوا يقضون على أخلاق الأمة. ويفقدونها استقلالها بعد ما أرهقوها في أمرها العسر. وأذاقوها آلام الهوان. تحتاج إلى جمع من سراتها وأولي الحمية فيها يجمعون الذكوات والصدقات من أغنيائها وموسريها. ويردونها إلى فقرائها ومعوزيها لترحم بها الأرامل والأيتام. وتساعد بها العجزة والمرضى. ويسهل بها على المهاجرين والغرباء وتنال منها عامة أصناف المحاويج والبؤساء على أن يخصص من تلك الأموال مقدار كافٍ يبعث به إلى جمعية الأسطول

стр. 560

العثماني في الأستانة لتستعين به مع ما يرد إليها على إنشاء المدرعات. وسفن المواصلات لتضاهي بقوتها الأمم الراقية. وتأمن من شر الأعداء. تحتاج إلى عدد من أفاضلها ومقتدريها يسعون في إصلاح أوقافها. وتنظيم مساجدها ومدارسها يردون ما اغتصب منها إلى أهله. وينزعون ما ضيعت حقوقه منها من أيدي من استحوذ عليه. ويساعدون نظار المساجد والتكايا على إعمارها. ويطالبونهم بإنفاق ما يرد إليهم من غلاتها في مصارفه. تحتاج إلى زمرة من العلماء والوعاظ يرشدون الأمة إلى التمسك بدينها ويربأون بها عن مخالفة أوامره ونواهيه يجيبون إليها الطاعات من صلاة وصيام وزكاة وحج وصلة رحم وحسن معاشرة مع الأهل والأقارب والجيران. وينفرونها عن الموبقات كالزنا واللواطة وشرب الخمر والربا والحسد والحقد والكبر والظلم والغش والمداهنة. ويغرسون في نفوسها أن لا نجاح لها في دنياها ولا سعادة في آخرتها إلا بتقوى الله سبحانه. ومراقبته في جميع الأحوال. هذا بعض ما تشير إليه حاجة دمشق من الإصلاحات والتنظيمات وهو منوط بخاصة الدمشقيين وزعمائهم فلا يتعداهم إلى غيرهم وقد مر هذا مفصلاً لكنا نحتاج هنا إلى بيان المنهج الذي يحسن بهؤلاء السادة سلوكه والوسائط التي يجدر بهم أن يتذرعوا بها ليتمكنوا من أداء هذا الواجب ويسهل عليهم القيام به. أقرب طريق للوصول إلى هذا الغرض السامي هو أن يؤسس في هذه المدنية حزب كبير يضم إليه أعاظم العلماء وأعيان الوجهاء ونخبة التجار. وكبار المزارعين من عرف منهم بالغيرة والحمية. وميز بالصدق والاستقامة يجتمعون ليكونوا يداً واحدة تعمل على منفعة هذه المدينة. وسيفاً مسلولاً في وجه من يريد إيقاع الضر بها على أن يخصص كل فرع من فروع الإصلاح المارة وغيرها بفئة منهم تحسن القيام به. ولا تنوء بحمله فإذا تمت لدمشق هذه الأمنية فقد خطت خطوة كبرى في التقدم. وأثرت أثراً عظيماً في الإصلاح يرجع به أيها سالف مجدها. وسامق عزها والله الموفق.

стр. 561

الصدق والكذب عود لسانك قول الصدق تحظ به ... إن اللسان لما عودت معتاد موكل بتقاضي ماسننت له ... في الخير والشر فانظر كيف ترتاد الصدق فضيلة الفضائل. ومعدن الكمالات. والخلق الذي يرفع المتلبس به إلى معارج الأملاك. ويهبط العاري عنه إلى مصاف العجماوات. ذلك الخلق الذي حث عليه القرآن العظيم. وأمرتن بالمحافظة عليه الأحاديث الشريفة. لا جرم أن الكذب آية من آيات النفاق وهو هو الخلق الذي يبغضه الله ورسوله. ولا يليق بالمؤمن ذي الهمة الشماء أن يكون متصفاً به. قال تعالى (ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون). وقال ﷺ إن العبد ليكذب الكذبة فيتباعد عنه الملك مسيرة ميل من نتن ما جاء به. وقال ﷺ عليكم بالصدق فإنه مع البر وهما في الجنة. وإياكم والكذب فإنه مع الفجور وهما في النار. وقال عمر بن الخطاب ﵁. لأن يضعني الصدق وقلما يفعل أحب إليّ من أن يرفعني الكذب وقلما يفعل. وقال بزر جمهر. الكاذب والميت سواء فإنه إذا لم يوثق بكلامه بطلت حياته. وقال أبو حيان التوحيدي. الكذب شعار خلق وأدب سيء وعادة فاحشة وقل من استرسل معه إلا ألفه ومن ألفه إلا أذله. وقال بعض الشعراء: وما شيء إذا فكرت فيه ... بأذهب للمروءة والجمال من الكذب الذي لا خير فيه ... وأبعد بالبهاء من الرجال كل الناس يعرفون أن الصدق خير من الكذب. وأن الفضيلة خير من الرذيلة ولكن للصدق بواعث وللكذب بواعث فمن غلبت عليه بواعث الصدق كان صادقاً ومن غلبت عليه بواعث الكذب كان من الكاذبين لذلك يجمل بنا أن نورد هذه البواعث ليتخلق الإنسان بالنافع منها ويجاهد نفسه على مجانبة الضار. بواعث الصدق منها خوف الله والائتمار بأوامره والحذر من وعيده والرغبة في وعده (ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم). ومنها المروءة فإنها مانعة من الكذب باعثة على الصدق لأنها قد تمنع من فعل ما كان مستكرهاً فأولى من فعل ما كان مستقبحاً.

стр. 562

ومنها العقل لأنه موجب لقبح الكذب لا سيما إذا لم يجلب نفعاً ولم يدفع ضرراً والعقل يدعو إلى فعل ما كان مستحسناً ونبذ ما كان مستنكراً. ومنها حب النجاح في العمل فإن الإنسان إذا صدق في أقواله ركنت إليه الناس وجعلوه موضع ثقتهم وكان عاملاً كبيراً على تقدمه وفلاحه. ومنا حب الثناء والاشتهار بالصدق حتى لا يرد عليه قول ولا يلحقه ذم. بواعث الكذب منها أن يقصد الكاذب بالكذب التشفي من عدوه فيسمه بقبائح يخترعها عليه ويصفه بفضائح ينسبها إليه ولذلك ورد الشرع المطهر برد شهادة العدو على عدوه ومنها أن يؤثر أن يكون حديثه مستعذباً وكلامه مستظرفاً فلا يجد صدقاً يعذب ولا حديثاً يستظرف فيستحلي الكذب وهذا النوع أسوء حالاً مما قبله لأنه يصدر عن مهانة في النفس ودناءة في الهمة ومنها استجلاب النفع واستدفاعه فيرى أن الكذب أسلم وأغنم فيرخص لنفسه فيه اغتراراً بالخدع واستشفافاً للطمع وربما كان الكذب أبعد لما يؤمل وأقرب لما يخاف لأن القبيح لا يكون حسناً والشر لا يصير خيراً وليس يجنى من الشوك العنب ولا من الكرم الحنظل ولو فكر الإنسان لوجد أن الصدق خير وأبقى وأنه خير له أن يلاقي الصعاب ويحتمل المشاق وأذى الناس وبلاءهم في سبيل الصدق من أن يوصف بالكذب والفجور. وماذا على الإنسان لو صدق بعمله؟ وماذا يستطيع أن يصنع معه الناس؟ وقد قال ﷺ فيما رواه الترمذي (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك وإن اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك الخ). ولكن هو الجهل الفادح الذي أنسانا آداب ديننا وأخلاق سلفنا الصالح وأوقعنا بكل ما نئن منه من الأخلاق الفاسدة التي جعلتنا في آخريات الأمم. لو صدق المتوظفون في أقوالهم لعم الخير وانتظمت أعمال العباد ولما تردد أصحاب الحاجات وأرباب المصالح يقضون الأيام والشهور غادين رائحين يترقبون وفاء وعد المأمور الذي يمهل عمل كل يوم إلى الغد وقد يحول الحول ولا يصدق بقوله. لو صدق الباعة لأمن الناس الغبن والغرور ولانتفع البائع والمشتري وآب كل منهما بصفقة رابحة وعمل مبرور.

стр. 563

لو صدق المؤرخون لما ضاع كثير من الحقائق التاريخية وأصبحت مشوشة لا يهتدي الباحث إليها بعد جهد النفس لما يعتورها من أكاذيب بعض المؤرخين. لو صدق الكتاب في أقوالهم وزفوا الحقائق إلى القراء عارية من النفاق والأغراض والدسائس لصدقهم الناس فيما يقولون ولأخذوا أقوالهم وانتفعوا بها وحصل المر الذي وضعت الصحف لأجله ولما وصل المر بكثير من الصحف إلى اعتقاد الناس بأنها جعاب الكذب ومسرح الأغراض. لو صدق المتظلمون إلى الحكومة في دعاويهم على خصومهم لما غصت المحاكم بهؤلاء المزورين الذين يفترون على الناس الكذب ولما ضاع على الحاكم العادل معرفة الظالم من المظلوم ولكن ما الحيلة والآباء والأمهات يرضعون أولادهم الكذب مع اللبن ويظنون بجهلهم أن ذلك من قبيل اللعب والمداعبة ولم يدروا أنهم بذلك يجعلون الكذب طبيعة من طبائع أولادهم ويغرسونه في جبلتهم ويجنون من وراء ذلك الحنظل والموت الأدبي. هنا لعلنا نسمع قائلاً يقول قد اعتاد أكثر الناس هذا الخلق الذميم وصار من أخلاقهم التي يصعب استئصالها فماذا عسى تفيد النصائح والمواعظ ومن شي على شيء شاب عليه قلنا أن التذكير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الواجبات التي لا يسوغ تركها لوهم أنها لا تفيد على أن هذا الوهم لا حقيقة له ولا ظل بل إن التذكير قد يفعل في قلب المؤمن ما لا يفعله غيره من المؤثرات قال تعالى (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين) ولنا هنا كلمة نوجهها إلى معلمي المدارس والقائمين بأمورها وهي ملاحظة التلامذة وترغيبهم في الصدق وتنفيرهم من الكذب والدأب على الفحص على من يكذب حتى يصير طبيعة ومجازاته أشد الجزاء وإكرام الصادق وترغيبه في الصدق حتى يصير طبيعة من طبائع التلامذة وبذلك يكونون قد خدموا الأمة أحسن خدمة وقاموا بما يجب عليهم تجاه مركزهم في المجتمع وعملهم هذا يغلب عليه النجاح أكثر من تذكير من اعتاد هذا الأمر وكبر عليه. ذلك لأن الأطفال وعاء نظيف قابلون لزرع الأخلاق الصالحة التي تعود عليهم وعلى أمتهم بالخير. وعلى الآباء أن يساعدوا على ذلك لا أن يعمل الأستاذ عملاً ويعمل الوالد ما يخالفه فيفسد الطفل بذلك وتضيع التربية والاعتناء بأخلاقه وفق الله الأمة لما فيه فلاحها.

стр. 564

السيف العثماني من الصواعق لا يبقي ولا يذر ... إذا انتضاه لأهل النقمة القدر يرمي به الله رجماً لا تقوم له ... هام الشياطين إلا ريث ينحدر في حده من شعاع الموت بارقة ... يموت من هولها في الضربة النظر ترفضُّ أطرافها يوم الوغى شررا ... يضيء للموت والأرواح تستتر فلا يباريه إلا لحظ حامله ... ولايجاريه إلا الموت يبتدر سيف تجرده الدنيا لمن جحدوا ... بأس الأوائل حتى يشهد الأُخر فكلما بلي التاريخ جدده ... وكلما كاد ينسى أهله اذكروا سيف الطبيعة تنقض الطبيعة في ... آثاره وبها من غيظها زور فترجف الأرض من أجبالها انفصلت ... إذا جنود بني عثمان انتشروا ويعصف الجو من أنفاسه التهبت ... إذا هم لاشتياق الحرب قد زفروا وتسأل الشهب رب الكون يرسلها ... هدارة كبني عثمان إن هدروا سيف الطبيعة بل سيف الفجيعة بل ... سيف الشريعة فيه العدل والعبر في كف كل فتى صبت سواعده ... صب الحديد فلا وهن ولا خور يمده القلب والأبطال مدبرة ... والموت ينفخ في نار وهم شرر مستحفز العزم يرمي كل نائبة ... بنفسه وله من نفسه وزر يرى الجراح هناء كلما كثرت ... وثجَّ من دمه كالغيث ينهمر فإن أهنأ موت أن يكفنه ... دم كرايته الحمراء ينتشر من المساعير في الهيجا نهارهم ... حرب وليلهم في حربهم سهر فلا كلال ولا صد ولا هرب ... ولا ملال ولا خوف ولا حذر فوق الطبيعة بالإيمان قد خرجوا ... من مصنع الله لا جن ولا بشر في الماء موج وجمر في اللظى وهم ... صخر الثرى وكما أظهرتم ظهروا رموا بهم شعب طليان أحالهم ... جنونهم شعب طغيان ليزدجروا ياأمة مرضت واهتاج هائجها ... فقارفوا كل مكروه وما شعروا أهلاً بمرضاكم إنا أساتكم ... ستبرأون فلا يأخذكم الضجر نجس داءكم بالطعن يقرعه ... قرع البنان فإن الداء يختبر

стр. 565

وبعد ننشقكم موتاً يخدركم ... وفي (الجراحة) نعم الراحة الخدر وبعد نفصدكم فصداً سيبر﴾ كم ... من الغرور فمنه استفحل الخطر وبعد نكويكم كياً سيحسم من ... داء الحماقة ما أعيى به البطر رميتمونا بجند لا ثبات لهم ... إلا كما ثبتت للأرجل الأكر يا رامي الشهب بالأحجار تحسبه ... كالشهب هيهات ينسى طبعه الحجر وإن سبة هذي الحرب أنهم ... هشيمها المنطفي والحرب تستعر جاءوا إلينا كالدجى فبدا ... من بيض أسيافنا خلف الدجى السحر ويل أمها من سيوف في ظهورهم ... قد صيرتها عصياً هذه الحمر والليث يكرم إن يلوي على جيف ... وربما هان فيها الناب والظفر جاءوا إلينا كجيش النمل منسرباً ... وفيهم بعض أبطال ولاضرز يقود كل كمي منهم أمل ... في طيه أجل يقظان ينتظر خاطوا لأجسامهم من نقعنا كفناً ... فإن أسيافهم في حربنا إبر أسطولهم أم كلاب البحر تنبحنا ... أم الضفادع قد ضجت بها الغدر هذا وذاك سوأ في طرابلس ... والكل في مسمعي صحرائها هذر إن البعوضة في الصحراء أضخم من ... أسطولهم ولها من دونه أثر يا ويلها حومة كانت وطيس وغى ... فصيروها (سباقاً) حينما انكسروا ظنوا القيامة فيها قد بدت لهم ... وبرزت لأعادي ربها سقر فما السيوف تهاوت في جوانبها ... إلا جهات سماء الله تنفطر وما القنابل تهوي بينهم كسفاً ... ألا النجوم بأمر الله تنكدر وما الفوارس من ترك ومن عرب ... إلا زبانية لله قد نفروا تالله لو أنهم جن جماجمهم ... ذرى الجبال يغطي جلدها الشجر ومن رقابهم في الجو أعمدة ... وفوق كل عمود في السما قمر وتحت أرجلهم قاع المحيط ومن ... أطراف أيديهم يسترسل المطر وكان (فيزوف) فوق الماء بارجة ... وخلفه كل بركان سينفجر وأقبلوا ولهم هذي القلوب لما ... صدوا عدواً ولا فازوا ولا انتصروا
следующие страницы →