Полный текст (1 077 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
الصدق والكذب
عود لسانك قول الصدق تحظ به ... إن اللسان لما عودت معتاد
موكل بتقاضي ماسننت له ... في الخير والشر فانظر كيف ترتاد
الصدق فضيلة الفضائل. ومعدن الكمالات. والخلق الذي يرفع المتلبس به إلى معارج الأملاك. ويهبط العاري عنه إلى مصاف العجماوات. ذلك الخلق الذي حث عليه القرآن العظيم. وأمرتن بالمحافظة عليه الأحاديث الشريفة. لا جرم أن الكذب آية من آيات النفاق وهو هو الخلق الذي يبغضه الله ورسوله. ولا يليق بالمؤمن ذي الهمة الشماء أن يكون متصفاً به. قال تعالى (ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون). وقال ﷺ إن العبد ليكذب الكذبة فيتباعد عنه الملك مسيرة ميل من نتن ما جاء به. وقال ﷺ عليكم بالصدق فإنه مع البر وهما في الجنة. وإياكم والكذب فإنه مع الفجور وهما في النار. وقال عمر بن الخطاب ﵁. لأن يضعني الصدق وقلما يفعل أحب إليّ من أن يرفعني الكذب وقلما يفعل. وقال بزر جمهر. الكاذب والميت سواء فإنه إذا لم يوثق بكلامه بطلت حياته. وقال أبو حيان التوحيدي. الكذب شعار خلق وأدب سيء وعادة فاحشة وقل من استرسل معه إلا ألفه ومن ألفه إلا أذله. وقال بعض الشعراء:
وما شيء إذا فكرت فيه ... بأذهب للمروءة والجمال
من الكذب الذي لا خير فيه ... وأبعد بالبهاء من الرجال
كل الناس يعرفون أن الصدق خير من الكذب. وأن الفضيلة خير من الرذيلة ولكن للصدق بواعث وللكذب بواعث فمن غلبت عليه بواعث الصدق كان صادقاً ومن غلبت عليه بواعث الكذب كان من الكاذبين لذلك يجمل بنا أن نورد هذه البواعث ليتخلق الإنسان بالنافع منها ويجاهد نفسه على مجانبة الضار.
بواعث الصدق
منها خوف الله والائتمار بأوامره والحذر من وعيده والرغبة في وعده (ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم). ومنها المروءة فإنها مانعة من الكذب باعثة على الصدق لأنها قد تمنع من فعل ما كان مستكرهاً فأولى من فعل ما كان مستقبحاً.
стр. 562
ومنها العقل لأنه موجب لقبح الكذب لا سيما إذا لم يجلب نفعاً ولم يدفع ضرراً والعقل يدعو إلى فعل ما كان مستحسناً ونبذ ما كان مستنكراً. ومنها حب النجاح في العمل فإن الإنسان إذا صدق في أقواله ركنت إليه الناس وجعلوه موضع ثقتهم وكان عاملاً كبيراً على تقدمه وفلاحه. ومنا حب الثناء والاشتهار بالصدق حتى لا يرد عليه قول ولا يلحقه ذم.
بواعث الكذب
منها أن يقصد الكاذب بالكذب التشفي من عدوه فيسمه بقبائح يخترعها عليه ويصفه بفضائح ينسبها إليه ولذلك ورد الشرع المطهر برد شهادة العدو على عدوه ومنها أن يؤثر أن يكون حديثه مستعذباً وكلامه مستظرفاً فلا يجد صدقاً يعذب ولا حديثاً يستظرف فيستحلي الكذب وهذا النوع أسوء حالاً مما قبله لأنه يصدر عن مهانة في النفس ودناءة في الهمة ومنها استجلاب النفع واستدفاعه فيرى أن الكذب أسلم وأغنم فيرخص لنفسه فيه اغتراراً بالخدع واستشفافاً للطمع وربما كان الكذب أبعد لما يؤمل وأقرب لما يخاف لأن القبيح لا يكون حسناً والشر لا يصير خيراً وليس يجنى من الشوك العنب ولا من الكرم الحنظل ولو فكر الإنسان لوجد أن الصدق خير وأبقى وأنه خير له أن يلاقي الصعاب ويحتمل المشاق وأذى الناس وبلاءهم في سبيل الصدق من أن يوصف بالكذب والفجور. وماذا على الإنسان لو صدق بعمله؟ وماذا يستطيع أن يصنع معه الناس؟ وقد قال ﷺ فيما رواه الترمذي (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك وإن اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك الخ).
ولكن هو الجهل الفادح الذي أنسانا آداب ديننا وأخلاق سلفنا الصالح وأوقعنا بكل ما نئن منه من الأخلاق الفاسدة التي جعلتنا في آخريات الأمم.
لو صدق المتوظفون في أقوالهم لعم الخير وانتظمت أعمال العباد ولما تردد أصحاب الحاجات وأرباب المصالح يقضون الأيام والشهور غادين رائحين يترقبون وفاء وعد المأمور الذي يمهل عمل كل يوم إلى الغد وقد يحول الحول ولا يصدق بقوله.
لو صدق الباعة لأمن الناس الغبن والغرور ولانتفع البائع والمشتري وآب كل منهما بصفقة رابحة وعمل مبرور.
стр. 563
لو صدق المؤرخون لما ضاع كثير من الحقائق التاريخية وأصبحت مشوشة لا يهتدي الباحث إليها بعد جهد النفس لما يعتورها من أكاذيب بعض المؤرخين.
لو صدق الكتاب في أقوالهم وزفوا الحقائق إلى القراء عارية من النفاق والأغراض والدسائس لصدقهم الناس فيما يقولون ولأخذوا أقوالهم وانتفعوا بها وحصل المر الذي وضعت الصحف لأجله ولما وصل المر بكثير من الصحف إلى اعتقاد الناس بأنها جعاب الكذب ومسرح الأغراض.
لو صدق المتظلمون إلى الحكومة في دعاويهم على خصومهم لما غصت المحاكم بهؤلاء المزورين الذين يفترون على الناس الكذب ولما ضاع على الحاكم العادل معرفة الظالم من المظلوم ولكن ما الحيلة والآباء والأمهات يرضعون أولادهم الكذب مع اللبن ويظنون بجهلهم أن ذلك من قبيل اللعب والمداعبة ولم يدروا أنهم بذلك يجعلون الكذب طبيعة من طبائع أولادهم ويغرسونه في جبلتهم ويجنون من وراء ذلك الحنظل والموت الأدبي.
هنا لعلنا نسمع قائلاً يقول قد اعتاد أكثر الناس هذا الخلق الذميم وصار من أخلاقهم التي يصعب استئصالها فماذا عسى تفيد النصائح والمواعظ ومن شي على شيء شاب عليه قلنا أن التذكير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الواجبات التي لا يسوغ تركها لوهم أنها لا تفيد على أن هذا الوهم لا حقيقة له ولا ظل بل إن التذكير قد يفعل في قلب المؤمن ما لا يفعله غيره من المؤثرات قال تعالى (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين) ولنا هنا كلمة نوجهها إلى معلمي المدارس والقائمين بأمورها وهي ملاحظة التلامذة وترغيبهم في الصدق وتنفيرهم من الكذب والدأب على الفحص على من يكذب حتى يصير طبيعة ومجازاته أشد الجزاء وإكرام الصادق وترغيبه في الصدق حتى يصير طبيعة من طبائع التلامذة وبذلك يكونون قد خدموا الأمة أحسن خدمة وقاموا بما يجب عليهم تجاه مركزهم في المجتمع وعملهم هذا يغلب عليه النجاح أكثر من تذكير من اعتاد هذا الأمر وكبر عليه. ذلك لأن الأطفال وعاء نظيف قابلون لزرع الأخلاق الصالحة التي تعود عليهم وعلى أمتهم بالخير. وعلى الآباء أن يساعدوا على ذلك لا أن يعمل الأستاذ عملاً ويعمل الوالد ما يخالفه فيفسد الطفل بذلك وتضيع التربية والاعتناء بأخلاقه وفق الله الأمة لما فيه فلاحها.
стр. 564
السيف العثماني
من الصواعق لا يبقي ولا يذر ... إذا انتضاه لأهل النقمة القدر
يرمي به الله رجماً لا تقوم له ... هام الشياطين إلا ريث ينحدر
في حده من شعاع الموت بارقة ... يموت من هولها في الضربة النظر
ترفضُّ أطرافها يوم الوغى شررا ... يضيء للموت والأرواح تستتر
فلا يباريه إلا لحظ حامله ... ولايجاريه إلا الموت يبتدر
سيف تجرده الدنيا لمن جحدوا ... بأس الأوائل حتى يشهد الأُخر
فكلما بلي التاريخ جدده ... وكلما كاد ينسى أهله اذكروا
سيف الطبيعة تنقض الطبيعة في ... آثاره وبها من غيظها زور
فترجف الأرض من أجبالها انفصلت ... إذا جنود بني عثمان انتشروا
ويعصف الجو من أنفاسه التهبت ... إذا هم لاشتياق الحرب قد زفروا
وتسأل الشهب رب الكون يرسلها ... هدارة كبني عثمان إن هدروا
سيف الطبيعة بل سيف الفجيعة بل ... سيف الشريعة فيه العدل والعبر
في كف كل فتى صبت سواعده ... صب الحديد فلا وهن ولا خور
يمده القلب والأبطال مدبرة ... والموت ينفخ في نار وهم شرر
مستحفز العزم يرمي كل نائبة ... بنفسه وله من نفسه وزر
يرى الجراح هناء كلما كثرت ... وثجَّ من دمه كالغيث ينهمر
فإن أهنأ موت أن يكفنه ... دم كرايته الحمراء ينتشر
من المساعير في الهيجا نهارهم ... حرب وليلهم في حربهم سهر
فلا كلال ولا صد ولا هرب ... ولا ملال ولا خوف ولا حذر
فوق الطبيعة بالإيمان قد خرجوا ... من مصنع الله لا جن ولا بشر
في الماء موج وجمر في اللظى وهم ... صخر الثرى وكما أظهرتم ظهروا
رموا بهم شعب طليان أحالهم ... جنونهم شعب طغيان ليزدجروا
ياأمة مرضت واهتاج هائجها ... فقارفوا كل مكروه وما شعروا
أهلاً بمرضاكم إنا أساتكم ... ستبرأون فلا يأخذكم الضجر
نجس داءكم بالطعن يقرعه ... قرع البنان فإن الداء يختبر
стр. 565
وبعد ننشقكم موتاً يخدركم ... وفي (الجراحة) نعم الراحة الخدر
وبعد نفصدكم فصداً سيبر﴾ كم ... من الغرور فمنه استفحل الخطر
وبعد نكويكم كياً سيحسم من ... داء الحماقة ما أعيى به البطر
رميتمونا بجند لا ثبات لهم ... إلا كما ثبتت للأرجل الأكر
يا رامي الشهب بالأحجار تحسبه ... كالشهب هيهات ينسى طبعه الحجر
وإن سبة هذي الحرب أنهم ... هشيمها المنطفي والحرب تستعر
جاءوا إلينا كالدجى فبدا ... من بيض أسيافنا خلف الدجى السحر
ويل أمها من سيوف في ظهورهم ... قد صيرتها عصياً هذه الحمر
والليث يكرم إن يلوي على جيف ... وربما هان فيها الناب والظفر
جاءوا إلينا كجيش النمل منسرباً ... وفيهم بعض أبطال ولاضرز
يقود كل كمي منهم أمل ... في طيه أجل يقظان ينتظر
خاطوا لأجسامهم من نقعنا كفناً ... فإن أسيافهم في حربنا إبر
أسطولهم أم كلاب البحر تنبحنا ... أم الضفادع قد ضجت بها الغدر
هذا وذاك سوأ في طرابلس ... والكل في مسمعي صحرائها هذر
إن البعوضة في الصحراء أضخم من ... أسطولهم ولها من دونه أثر
يا ويلها حومة كانت وطيس وغى ... فصيروها (سباقاً) حينما انكسروا
ظنوا القيامة فيها قد بدت لهم ... وبرزت لأعادي ربها سقر
فما السيوف تهاوت في جوانبها ... إلا جهات سماء الله تنفطر
وما القنابل تهوي بينهم كسفاً ... ألا النجوم بأمر الله تنكدر
وما الفوارس من ترك ومن عرب ... إلا زبانية لله قد نفروا
تالله لو أنهم جن جماجمهم ... ذرى الجبال يغطي جلدها الشجر
ومن رقابهم في الجو أعمدة ... وفوق كل عمود في السما قمر
وتحت أرجلهم قاع المحيط ومن ... أطراف أيديهم يسترسل المطر
وكان (فيزوف) فوق الماء بارجة ... وخلفه كل بركان سينفجر
وأقبلوا ولهم هذي القلوب لما ... صدوا عدواً ولا فازوا ولا انتصروا
стр. 566
لا بد من ثورة رجافة حنقاً ... هوجاء لا نظر فيها ولا فكر
يمشي بها الموت مجنوناً وكيف خطا ... فليس إلا قبور ثم تحتفر
لابد من غضبة إن ثار ثائرها ... على الشياطين من جن الفلا ذعروا
ثار تلفَّف منه كل منتقم ... على البلاء الذي يمضي به الخبر
ثار تعاظم فيهم إن يقال له ... ذنب مخافة أن الحلم يغتفر
ثار كثأر الأفاعي لا ينفسه ... إلا المغارز فيها الناب يعتصر
ثار العرين إذا جاعت ثعالبه ... فلم ير الشبل فيه الضيغم الهصر
ثأر اليتامى وثأر الثاكلات وثأ ... ر الخدر ينفى وثأر العرض يشتهر
وأهاً لها عذرة تخزى النساء بها ... لوتعذر امرأة يوماً كما عذروا
ياللرجولة من قوم إذا انفردوا ... بالطفل يلعب ردوا الطفل يحتضر
ياللحفيظة من قوم إذا انفردوا ... بالبائسات غدت أكفانها الأزر
ياللشهامة من قوم إذا انفردوا ... بالشيخ يرعش لم يعطفهم الكبر
ياللمروءة من قوم إذا انفردوا ... للمستغيث بهم في موته سخروا
يذبحونهم ثأراً بمن فقدوا ... فالآن قد ربحوا أضعاف ما خسروا
هل يخسرون سوى أشباههم وهم ... معرة الأرض إن قلوا وإن كثروا
هل يخسرون سوى رعديدة فرق ... كأنه رجل في الحرب مختصر
يلقي المهند خوفاً أن يجدّ به ... جد الذهول فعند اليأس ينتحر
وإن تقحم منا الغمرة انقلبت ... عيناه رعباً فما يهدي له بصر
وفرَّ لافزعاً منا ولاجزعاً ... لكن خيال وجبن منه مبتكر
يا أمة النحت والتصوير ويحكم ... حتى جنودكم الأنصاب والصور
الهلال:
مصطفى صادق الرفاعي
стр. 567
تعليم المرأة وضرورة حجابها
الإنسان مقهور لعوامل الطبيعة بلا نزاع فإن كان حكيماً فيكون معها في حروب وقتال والسواد الأعظم في هذا التغالب مغلوب سنة الله في التكوين ولن تجد لسنة الله تبديلاً مهما هذبت النفوس وآويتها في حضانة الأخلاق الفاضلة بما تلقيه إليها من دروس العلم والحكمة فلابد لأن تنازعك يوماً ما بحكم عوامل فطرتها وربما صارعتك وتغلبت عليك باستدراجك إلى حيث تهلك (إن النفس لأمّارة بالسوء) اللهم ألا إذا أتاك برهان ربك فيحول بينك وبين مناها وتصبح من ذوي العزم والاستقامة وهذا لا يكون إلا لمن حزم رأيه وتشبث بأوامر الشرع الحكيم. والمرأة أضعف جانباً من الرجل في كل شيء فإذاً من الظلم أن يسيغ لها الاختلاط المغناطيسي الذي ينشدونه أضداد الحجاب ليتوسعوا في ضروب البهرجة بما بم يكن مشروعاً وبعد ذلك نطالبها بالعفة والشرف صاحب الشريعة ﷺ حليم وليس من صفاته وأخلاقه الجمود بما لم يكن محموداً والتقيد بقيد الحروف والألفاظ. إلا لكل لفظة منطوق ومفهوم وفي الأحكام رخصة وعزيمة هذا هو المعتبر شرعاً في كل زمان انظر كيف أجاز النطق بكلمة الكفر عند الإكراه مادام القلب مطمئناً بالإيمان وكيف حرم نكاح الأخوات بعد أن كان مباحاً في مبدأ العمران ومع هذه الاعتبارات نسير مع الذين ينكرون الحجاب في الإسلام القائلين بأنه افتراء المجتهدين ونوافقهم جدلاً في أن الحجاب ليس مشروعاً ومشروحاً في تصريح العبارة في كتاب الله تعالى ولكن من يستقري أخلاق العالم يعلم أنه واجب لا محالة إنسانية وأدباً. إذا أعرنا الشرع نظرة حقيقية وجدناه ناقماً على القائلين بالسفور وما لنا وهذا الخبط ونحن إذا نظرنا إلى أخلاق معظم المسلمين وما نزل بهم من التأخر في الأخلاق نجد أن ذلك ناشئ من عدم التمسك بأحكام الدين ولذلك أقول يجب أن يكون الحجاب للمرأة متعدداً لا حجاباً واحداً حيث لا يبصرها الرجال إلا ما أحلها له الشارع ﷺ بطريق العقد الشرعي.
قلنا أن الدين بعيد عن الجمود ولو فرضنا أنه لم يشرع الحجاب فإن الزمان الغابر لم تكن الحرمات فيه منتهكة بل كانت السلطة الفردية فيه للعفة النقية والأخلاق الفاضلة وإكبار التشريع الإلهي والانقياد لأحكامه وتعاليمه فإذا كان كذلك بالأمس فلم يكن ثمة ما يسجل عليه الجمود لهذا الحد ولا يكون للخروج إلى ما تمس إليه الحاجة سبيل خصوصاً في زماننا هذا الذي ماتت فيه المروءة واستهين بالشرف والدين ولم يكن التفاخر إلا بالانصياع
стр. 568
للشهوة البهيمية والتقاليد الأوروبية وأكبر دليل على حكمة الشارع ﷺ وتصرفه في الأحكام على نحو ما يوافق العمران أنك تراه يحرم حكماً ويبيحه في الوقت الذي يقتضيه والحكمة في ذلك بقاء عقد الجمعية الإنسانية منظماً على أساس صروح المدنية والحضارة ومصادرة وباء الفساد في الأرض (يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده. والله يعلم وأنتم لا تعلمون).
المؤيد
стр. 569
المدارس الأجنبية
ما اعتصمت أمة بدينها وحافظت على أوامره، وانتهت عن زواجره وتعصبت لأخلاقها الدينية، وآدابها الاجتماعية، وعادتها القومية، إلا كتب الله لها النصر والفلج، والحياة الطيبة، وعزّ الاستقلال، وسعادة المآل. وما تركت أمة سلوك هذا المنهج الأقوم، والصراط الأعدل، فتهاونت بدينها وأمراه ونواهيه، ونبذت أخلاقها وآدابها ظهرياً، إلا استخف بها الأغيار، وطمع بها الأعداء، وكتب الله عليها ذل الاستعباد، وشر الاستبدْاد وفقد الاستقلال وانحلال الروابط، والموت الأدبي الأبدي، وما أبطنت لأمة شراً واردات محو استقلالها وإدماجها تحت سلطتها إلا حببت لها الانسلاخ عن عوائدها ونبذ أخلاقها واتباع الهوى وزينت لها من الأخلاق والعادات ما لا يلتئم مع شرف دينها وآدابه الاجتماعية وأعدت من الزخارف والبهرجة ما تروج به تلك السلعة على السذج وضعاف الأحلام وتستعين على ذلك بمن ترى في طبعه استعداداً لمقاومة الخير ومعاضدة الشر وتسلطه على ناشئة الأمة والسذج منها ليعيث في أخلاقها فساداً، وليحسن لها ما اعتاده من المفاسد باسم المدنية ولا تزال تستفيد منهم أعواناً وتزجهم في مجتمع الأمة لبذر بذور الشقاق والفساد حتى يتسنى لها الغلب والظفر؛ ويصبح صوت الحق ضائعاً في وسط هذا المعترك. هذه القاعدة جرى عليها دول الاستعمار منذ خطر لهم الاستيلاء على دول الشرق وبالأخص الدول الإسلامية منها.
علموا أن الاستيلاء على الشرق ليس بالأمر السهل إذا قصد من وجهة المقاومة وأن سلب الشعوب سلطتها واستقلالها وأخلاقها وثروتها قد لا تفيد فيه القوة مهما عظمت إلا بمئات من السنين وملايين من الليرات وربما حصلت النتيجة على عكس المطلوب فيما إذا كان الاعتماد على القوة بأن تتحد دول الشرق يداً واحدة على دفع هذا الخطر المهاجم فصمموا على الاستيلاء عليه بالطرق السلمية فعمدوا إلى العلم الذي هو ضالة جميع الشعوب على اختلاف منازعها وأميالها فتستروا بإرادته وحب تعميمه في جميع ما يطمح إليه نظرهم وترمي إليه أفكارهم من الاستيلاء على ممالك الشرق وسلبها استقلالها واستنزاف ثروتها فأنشئوا مدارسهم في البلاد الإسلامية بحجة نشر أنوار العلم وتمدين الشعوب الشرقية خدمة للإنسانية وما خدموا في الحقيقة إلا مبادئهم ومطامعهم وجشعهم للاستعمار.
تدعي دول أوروبا أو دول الغرب أن الشرق وصل إلى أقصى حالة في الهمجية والنهم فهم
стр. 570
فيما يقومون به من فتح مدائنه واستعمار أرضه وسلبه استقلاله يعملون عملاً إنسانياً جليلاً لذلك لا يفتئون يتفننون في اختراع الطرق المؤدية إلى هذه النتيجة.
ولذهول الشرقيين عن نوايا الغرب بازائهم وانخداعهم بتلك الزخارف التي يسمونها مدنية وحضارة واستخذائهم لهم لما يرون من رقيهم المادي أصبح بعض السذج منا وبعض من سرى سم الغربيين في نفوسهم يعتقدون أن عمل أوربا إن هو إلا لمحض خير الإنسانية وتمدين الشعوب المتأخرة وتحضيرهم كما يدعون هم أنفسهم.
وكان هذا الاعتقاد مساعداً لأولئك الأعداء على نيل مطامعهم ومن أعظم ما منيت به هذه الأمة الإسلامية حيث استسلمت لعدوها يعيث بكل شيء من آدابها وأخلاقها وهي تظن نفسها أنها مغبوطة على ما نالت من نعمة المدنية والرقي.
أنشئت المدارس الأجنبية في البلاد الإسلامية لأغراض في نفس مؤسسيها تختلف باختلاف لغاتهم وقوميتهم ومذاهبهم ولكن تتفق في وجهة واحدة وهو حل الرابطة الدينية الإسلامية. فالإنكليز والأميركان يقصدون نشر اللغة الإنكليزية والتبشير بالديانة البروستانتية والفرنساويون يعمدون إلى تعميم اللغة الفرنساوية والتبشير بالديانة الكاثوليكية وقسم من الفرنساويين لا دينيون مقصدهم رفع الأديان من الأرض ودعوة الناس لذلك وهكذا كل يسعى لنشر لغته ومذهبه.
ربما يقول بعض البسطاء أن في ذلك مبالغة وأنه إن حصل شيء مما ذكر فبالعرض والمقصد الحقيقي نشر العلم واللغات ومن اطلع على ما ننقله هنا من كتاب (تربية المرأة) تأليف محمد طلعت حرب سهل عليه أن يذعن لما قلناه ويعتقد أنه حقيقة لا مبالغة فيها.
نقل المؤلف عن مجلة العالمين الفرنساوية مقالاً للكاتب الفرنساوي الشهير موسيو أتين لامي قال فيه أن من الواجب على الأمم المسيحية أن تعاكس الإسلام في كل طريق وتحارب أهله بكل سلاح , أن مقاومة الإسلام بالقوة لا يزيده إلا انتشاراً فالواسطة الفعالة لهدم أركان الإسلام وتقويض بنيانه هي تربية بنيه في المدارس المسيحية وإلقاء بذور الشك في نفوسهم من عهد النشأة فتفسد عقائدهم الإسلامية من حيث لا يشعرون وإن لم يتنَصَّر منهم أحد فإنهم يصيرون لا مسلمين ولا مسيحيين مذبذبين بين ذلك. قال وأمثال هؤلاء يكونون بلا ارتياب أضر على الإسلام وبلاده مما إذا اعتنقوا الديانة المسيحية وتظاهروا
стр. 571
بها إلى أن قال إن طريقة تربية أولاد المسلمين في المدارس المسيحية وإن كان لها من التأثير ما بيناه فإن تربية البنات في مدارس الراهبات أدعى لحصولنا على حقيقة القصد ووصولنا إلى نفس الغاية التي وراءها نسعى بل أقول أن تربية البنات بهذه الكيفية هي التربية الوحيدة للقضاء على الإسلام عن يد أهله. وقال في موضع آخر أن التربية المسيحية أو تربية الراهبات لبنات المسلمين توجب للإسلام في داخل حصنه المنيع عدوة الدَّاء لا يمكن الرجل قهرها لأن المسلمة التي تربيها يد مسيحية تعرف ولا شك درجة اعتبار المرأة في المجتمع الإنساني وتكتسب من المعارف ما يبرر أطماعها في الاستقلال ويقوي آمالها في الارتقاء فتعرف كيف تتغلب على الرجل حيث تقوى رغبتها في الاستزادة من المعارف وتطلب علم ما لم تكن تعلم فتكثر من مطالعة الكتب جدها وهزلها حتى تظهر لها وظيفة المرأة ممثلة في مرآة الصور فلا تكتفي بأن تكون هي الزوجة المفضلة بل تحتم أن تكون الزوجة الوحيدة وتصبح وحدة الزوجة بتأثير المرأة من الأمور الاعتبارية في الطبقات العالية كما هي الآن لدى أغلب الأتراك بتأثير الفقر ومتى تغلبت المرأة هكذا تغير نظام العائلة بالمرة وأصبح في قبضة تصرفها وهنا تظهر له تربية الراهبات لأنه سهل على المرأة والحالة هذه أن تؤثر على إحساس زوجها وعقيدته فتبعده عن الإسلام وتربي أولادها على غير دين أبيهم وفي اليوم الذي تغذي الأم فيه أولادها بلبان هذه التربية وتطلعهم على هذه الأفكار تكون المرأة قد تغلبت على الإسلام نفسه.
تلك هي أقرب الطرق وأنجح الوسائط لمحاربة الإسلام بأهله بدون جلبة ولا ضوضاء وهي لا شك أدعى لنوال المآرب وبلوغ المرام فليس لنا إلا اتباعها أما السعي جهاراً في محاجة المسلم وإقناعه بما هو عليه من الضلال فإنه يوقظ عوامل التعصب الكامنة في نفسه الساكنة بين جوانحه فلا يمكن تذليله وهذا ليس من الحزم في شيء أهـ.
فهل بعد نقل ما قاله فيلسوف الغربيين وكاتب من مشاهير كتابهم يرتاب ذو مسكة من الفهم في سوء نواياهم نحو الإسلام والمسلمين.
يتشدق الغربيون بحب التمدن وخدمة الإنسانية وحرية الاعتقاد واحترام الأديان وهو كلام يريدون به ذر الرماد في العيون وتخدير أعصاب المسلمين كيلا تحس بشيء مما يحيط بها من المخاطر والمهالك بسبب تداخلهم في شؤونهم وعملهم على محو سلطتهم واستقلالهم
стр. 572
وأخلاقهم الدينية.
أما وقد ظهر ما تكن ضمائرهم من البغض للإسلام وأهله والعمل على تلاشيه على لسان فلاسفتهم وكتابهم فليس لحسن الظن فيهم وانتحال الأعذار لهم وجه من الحسن.
هذا وقدمني الإسلام بزمرة من المتفرنجين تربوا في مدارس الفرنجة واغتروا بزخرف مدنيتها يحسنون للعامة دخول تلك المدارس وينسبون المتشائمين منها والمنفرين عنها إلى التعصب الديني ويعدونه علة لكل بلاء ومصدراً لكل عناء وسداً منيعاً بين المتصفين به وبين الفوز بالنجاح. تلك فكرة أوربية دسها المبشرون بالمسيحية لقضاء مآربهم لما علموا أن أقوى رابطة للمسلمين إنما هي الرابطة الدينية وأن قوتهم لا تكون إلا بالعصبية الاعتقادية وأنهم ما داموا مستمسكين بدينهم متعصبين لعقائدهم يصعب امتلاكهم وتعسر ملا شاتهم فرأوا بث هذا الفكر الساقط بين السذج من المسلمين على لسان متفرنجيهم لينقضوا بذلك بناء الملة الإسلامية (لا سمح الله) ومن غريب أحوال الغربيين أنهم يرمون التعصب الديني بأشد عبارات التقبيح والازدراء وهم أشد الناس تعصباً لدينهم وأحرصهم على القيام بدواعيه ولا يزالون يلزمون حكوماتهم حماية دعاة الدين والقائمين بنشره وينفقون النفقات الباهظة للمبشرين وأتباعهم ولتغرير عقول بعض البله ليردوهم عن دينهم وإذا تسنى لأحد المبشرين أن فاز ببغيته وتمكن من الاستيلاء على فكر أحد المخالفين له بالعقيدة عدوا ذلك حسنة لذلك المبشر وأعطوه من الألقاب ما يعطونه لقائد الحروب وفاتح الثغور. وقد آن أن نبين مضار دخول المسلمين مدارس الأجانب وتعليمهم فيها. لها بقية
стр. 573
طرابلس الغرب والإعانة
من أعظم ما يجب على الأمة الإسلامية بعد الإيمان بالله تعالى ورسوله الأعظم سيدنا محمد بن عبد الله القرشي ﷺ الجهاد في سبيل الله تعالى لتكون كلمة الله تعالى هي العليا. وما دام هذا الأمر غير تام وهي قادرة على إتمامه لا تزال موصوفة بالقصور، مرتكبة للإثم، مجزية بالهوان والتقهقر.
الجهاد أن تبذل الجهد في نيل القصد وهل يكون قصد يبذل الجهد فيه لينال أشرف وأعلا من قصد إعلاء كلمة الله تعالى.
فإذا أردت الجهاد وأحببته ولم تبذل النفس والمال لا تكون مجاهداً. والمسلم إذا لم تكن نفسه وماله رخيصتين في جانب هذا المقصد لا يكون قائماً بالواجب المأمور فيه بالقرآن العظيم بقوله سبحانه (انفروا خفافاً وثِقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون).
الأمة الإسلامية مقصرة في هذه الأزمنة المتأخرة بهذا الواجب تمام التقصير لذلك تراها عرضة لتسلط الأعداء عليها وجعلها تحت سيطرتهم وتهديدهم وتمكنهم من انتهاب أملاكها حتى وصل الأمر فتجاسرت (إيطاليا) عليها تلك الدولة التي لا تعد شيئاً في جانب القوة الإسلامية وهي المشهورة بحب الخلاعة والسفالة وعدم المبالاة بشرف العرض والنسب.
فأشهرت حرباً على جزء مهم من البلاد الإسلامية وهو (طرابلس الغرب وتوابعها) وأرسلت عليها قوتها البحرية والبرية على حين غفلة من المسلمين والدولة العثمانية صاحبة الخلافة العظمى. لم يشعر المسلمون القاطنون هناك إلا والعدو دخل عليهم ولما أن وصل قام قومة الوحش الضاري والكلب العقور فأخذ يفتك بالأطفال والشيوخ والنساء ويذيقهم أشد العذاب وأمرّ الهوان مع أن جميع الشرائع السماوية والقوانين الوضيعة لا تجوز التعرض لمثل هؤلاء الضعفاء المساكين.
هكذا يا أيتها الأمة الإسلامية أفعال أعدائك اللئام والهمج الطغام إذا تمكنوا من المسلمين يذبحون أبنائكم ويهتكون حرمات نسائهم ويمثلون بشيوخهم (وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم) فأفيقي يا أيتها الأمة المسكينة من هذا السبات العميق وتمسكي بدينك القويم وأدي واجبه العظيم. ارجعي إلى سيرة سلفك الصالح وانظري كيف كان حالهم مع الأعداء وكيف كان عملهم إذا أصيب جزء من المسلمين بضراء. الدين يأمر بالجهاد بالأموال والأنفس. الدين
стр. 574
يأمر بالتعاون والتناصر، الدين يأمر بالشفقة والرحمة.
السلف الصالح قام بأمر الجهاد كما أمر الله تعالى فملك بقليل من الزمن نحواً من ثلث المعمور، السلف الصالح قام بالتعاون والتناصر كما أمر الله فصارت القياصرة العظام لا تجسر على إيذاء فرد واحد من أفراد المسلمين علماً منهم بأن أنصاره وأعوانه المسلمون أجمعون.
السلف الصالح قام بالشفقة والرحمة كما أمر الله فكان الواحد منهم إذا سمع أن أحداً من المسلمين أصابته مصيبة أو نزلت به نازلة فدى إخوانه المسلمين المصابين بنفسه وواساهم بأمواله وآواهم بكنفه شفقة منه وحناناً وهذا التاريخ تعبق صفحاته طيباً عنبرياً من روائح أخبارهم الزكية وسيرتهم الطاهرة الطيبة.
إننا نعلم كلنا أن أولئك السادة (السلف الصالح) لم يكونوا أعظم منا خلقاً، ولا أكبر جثة، ولا أكثر عدداً، ولا أتم عدة، ولا أنظم جيشاً، ولا أوفر مالاً، ولا أرفه عيشاً.
نعم كانوا أطيب منا أخلاقاً، وأكبر نفوساً، وأصدق إيماناً، وأقوى قلوباً، وأعلى همماً، وأرجح أحلاماً، وأشد تمسكاً بدين الله تعالى وسنة نبيه ﷺ وبذلك دانت لهم رقاب الأمم وعلا كعبهم فوق هام الملوك والقياصرة والأكاسرة.
استعوضنا عن الأخلاق الطيبة الزكية بالأخلاق الحيوانية وعن التمسك بالدين التمسك بالعوائد الضارة المهلكة فرجعنا القهقرى وأصبحنا نهبة للطامعين ومضغة للطامعين. كان السلف ﵃ يعملون لإرضاء الله تعالى ورسوله ﷺ ويجاهدون لإعلاء دينه فأصبحنا نعمل لأهواءنا ونجتهد لإرضاء نفوسنا وتحصيل شهواتنا.
أصبحنا نسمح بأموالنا الكثيرة نصرفها بحكم العادة على غير طائل وربما تكون على أمور تخالف الشرع والعقل. أصبحنا وهمنا أكل الطعام اللذيذ ولبس الثوب الناعم وسكنى الدار الفسيحة كل ذلك ونحن نسمع عن إخواننا المسلمين ونسائهم وأطفالهم وشيوخهم ما حل بهم مما يفتت الكبد ويمزق الفؤاد ولا من متأثر ولا من رحيم.
تأتي إلى الأكثر لتذكرهم وتلفت نظرهم نحو هؤلاء البؤساء ليعينوهم بما يستطيعون فتراهم غريقين في لجة أمور دنيئة بالنسبة لما تدعوهم إليه، تشير إليهم فلا يلحظون، تناديهم فلا يسمعون، تذكرهم فلا يفطنون، فإلى متى يا قومنا ونحن في هذه الغفلة نتدهور في هوة
стр. 575
الخمول والعدو دخل دارنا ونزل أرضنا فأهلك الحرث والنسل. نحن في حاجة إلى الجهاد بالأموال والأنفس والألسن والأقلام. نحن في حاجة إلى التناصر والتعاون ونبذ المراء وترك الجدال والخصام. نحن في حاجة إلى لين القلوب والشفقة والحنان. نحن في حاجة إلى الرجوع عن هذه السفاسف والنظر في اتباع ما يأمرنا به الشارع واجتناب ما ينهانا عنه. نحن في حاجة إلى اتباع سنن سلفنا الصالح وتقليدنا إياه في جميع الأعمال لنرد ما فقدناه ونخطو خطوة التقدم إلى الأمام وإن لم نعمل بمقتضى ذلك فعلى مجد الإسلام والمسلمين السلام.
الإعانة على رفع ما حلّ بنا الآن والاستعداد لما عساه يحل من ألزم الأمور شرعاً وعقلاً. جسَّر إيطاليا على عملها بطرابلس الغرب قوتها البحرية وأوقفها في موقفها الحاضر إلى هذا اليوم إزاء قوة المسلمين. قوة المسلمين مساعدة أساطيلها التي لو كان للمسلمين نصفها لما استطاعت تلك الدولة الغاشمة أن تقف أمامنا قليلاً من الزمن.
كل الدول الأجنبية حتى الدول الصغيرة آخذة بالتقدم ناهضة نحو الرقي عاملة على الاستعداد وتعزيز قوتها البحرية والبرية في كل لحظة وآن ونحن ساهون لاهون وعن كل ذلك معرضون.
جاء في مجلة الهلال في العدد الثالث من سنة ٩١١ تحت عنوان (الأخبار العلمية) ما نصه (القوات البحرية الأوروبية).
دول أوروبا تتسابق في تقوية أساطيلها والمناظرة مشتدة الآن بين إنكلترة وألمانيا في هذا السبيل وكل منهما تبني الدوارع في معاملها وقد استخرج بعضهم إحصاء لما سيصير عند هاتين الدولتين من الدوارع الكبرى المعروفة باسم دريدنوط إلى سنة ١٩١٤ وأضاف إليها قوات الدول الأخرى للمقابلة فكانت النتيجة على هذه الصورة:
سنة ١٩١١سنة ١٩١٢سنة ١٩١٣سنة ١٩١٤عند إنكلترا١٢٢٠٢٧٣٢ألمانيا٥٩١٥١٩أميركا٤٦٨١٠فرنسا٠٦٦٨اليابان١٣٤٦روسيا٠٠٠٤إيطاليا٠٠٢٤النمسا٠٠١٣هذا استعدادهم وتسابقهم في القوة البحرية وترى نحوه في القوة البرية فالله عليك هل سمعت لدولتنا ذكراً في هذه المسابقة أو غيرها؟ هنا يقف العثماني المسلم وغيره حزناً آسفاً ينحي باللائمة على الحكومة وقصورها ولا يفكر أن اللوم على الشعب أيضاً إذ الحكومة بالشعب
стр. 576
وتقصيرها من تقصيره (كما تكونوا يولى عليكم) إذا لم ترزق الحكومة شعباً ذا صدق في القول والعمل ذا أخلاق عالية ونفوس تأبى الضيم وأيد سمحى في جانب تعزيز قوته واسترجاع شرفه التالد فلا لوم عليها إذا قصرت في كل شيء.
لو دققت النظر وشرحت أحوال شعبنا لرأيته يرضى بالضيم والصغار ولا يسمح بدريهم في سبيل استعداد القوة. يرضى بالجهل والهوان ولايصرف من عمره سويعات يتعلم فيها الأخلاق الفاضلة أو شيئاً يرقي به أمته وشعبه ولو سئلت كثيراً من أفراده عن سبب تقصيره لقال لك دعنا من هذا الحديث وهيا بنا نذهب لمسرح رقص وجلس لهو لنفرج عن القلب الهموم فإن حكومتنا ضعيفة وشعبنا ليس راقياً هذا جوابه يأتي به وينسى أن ضعف حكومته وعدم ترقي شعبه إنما هو من وجوده ووجود أمثاله. لو كنا شعباً نجيباً وأمة راقية تخشى العواقب وتغار على شرفها وتسعى وراء تعزيز قوتها وتحافظ على آداب دينها لما نظرنا إلى تقصير الحاكم بل إلى نشطنا همته وعملنا على مصلحته التي هي مصلحتنا بالحقيقة وسعينا في تأليف الجمعيات لجمع الإعانات وتوسيع نطاق المعارف واخترنا رجالاً صادقي اللهجة والنية أمناء نزهاء لا شغف لهم بحب الذات والفخفخة الفارغة وأسندنا إليهم أمورنا العامة وعملنا على ترك الشقاق والنفاق والتخاذل والتحزب واعتقدنا أننا جسم واحد كلمتنا واحدة فإن وجدنا كلمة حق سمعناها من أي حزب كان وإن وجدنا كلمة باطل نبذناها وراء ظهورنا ولو كانت من أكبر رجال قومنا. إن عملنا على ذلك لا يمضي زمن قليل إلا ونحن أمام الدول ارتقاء وأعلى الأمم نجابة وهناءً فنسألك اللهم أن توفقنا لما فيه صلاحنا ورضاك وأنت بالإجابة جدير وعلى كل شيء قدير (يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجرحكم من عذاب أليم).
стр. 577
إلى روح الني الكريم
ﷺ
قصيدة غراء تلاها حضرة العالم الفاضل الأديب صاحب الإمضاء في حفلة أقيمت بمدرسة نجاح الدارين بحمص بمناسبة ولادة النبي ﷺ
(بمثل هذا الشهر الميمون)
سلام على روح سمت في الورى قدرا ... وقامت بأعمال فأدهشت الدهرا
محت ظلمة الإشراك واستبدلت بها ... ضياء الهدى بالنصح والرفق والذكرى
أجل إنها روح رقت وتقدست ... وبزَّت بسامي مجدها الأنجم الزهرا
أجل إنها روح النبي (محمد) ... أجلّ الورى قدراً وأعلاهم فخراً
سلام عليها بل وألف تحية ... مدى الدهر لاتنفك تتلى لها تترى
أمولاي قد شيدت أرقى حضارة ... وأطلعت للأكوان من أفقها بدرا
وفي عصرك السامي انجلت مدنية ... فخرت لها روما ودان لها كسرى
وقمت وحيداً في العوالم داعياً ... إلى الله قوماً قد نسوا العقل والفكرا
دعوت ولكن قاوموك فسستهم ... وآذوك فاستعملت في أمرك الصبرا
ثبتّ إلى أن فزت فيما ترومه ... وأطلعت من بعد الظلام لنا الفجرا
أمولاي هل من نظرة كي ترى بها ... أغيلمة قد وسدوا النهي والأمرا
فطاشوا وقاموا يخبطون وما دروا ... بأن عليهم من جنايتهم وزرا
وإن قام يشكو مصلح من فعالهم ... يسومونه خسفاً ويولونه عسرا
على شرعك العالي اعتدوا وتمردوا ... وفي سيء الأفعال قد جهروا جهرا
وما ضرهم أم يصلحوا أو يسددوا ... ولكنما أفواهم ملئت هجرا
أمولاي عطفاً وانظر اليوم حالنا ... فإنا على الضراء لا نحسن الصبرا
لقد هاجمتنا أمة همجية ... وصالت على الأطفال توسعهم ضرا
أغارت علينا اليوم في عقر دارنا ... وقد قتلت من أهلنا أنفساً كثرا
حنانيك أن الذل جاوز حده ... وصرنا نود الموت وهو بنا أحرى
أمولاي إنا أمة أنت ليثها ... وهل تسكت الأسادان عاينت ضيرا؟
стр. 578
أمولاي جدَّ المسلمون بلهوهم ... كأن بهم عن كل صالحة وقرا
تداعت عليهم أمة الغرب وارتأت ... بأن تأخذ البلدان من كفهم قسرا
أترضى بأن نبقى أذلاء بعدما ... بنيت لنا عواً منيعاً علا الزهرا؟
أجل إن هذا بعض ما نستحقه ... ولكنما الأطفال هل تعرف النكرا
فرحماك بالأطفال واشفع بنا عسى ... بجاهك يا مولاي نغتنم النصرا
حمص
سعيد زهور
стр. 579
عود على بدء
كان حضرة العالم الفاضل مختار بك المؤيد أرسل لنا بيتين واقترح على أفاضل الأدباء تشطيرهما أو تخميسهما وجعل الجائزة على ذلك قراءَتهما أما ضريح (سيد الوجود) ﷺ وأعظم بها من جائزة فلبى دعاءه كثير من علماء وأدباء هذه الحاضرة وغيرها وقد وفى بالجائزة وعاد اليوم حفظه الله يطلب تشطير أو تخميس بيتين آخرين واعداً بالجائزة السابقة وهما:
يا مصطفى قبل العوالم كلها ... والكون لم يبرز من التكوين
أيروم مخلوق مديحك بعدما ... أثنى عليك الله في التبيين
فنخص الفضلاء والأدباء على تشطيرهما ولا شك أن محبي (الرسول) ﷺ سيستبقون إلى إجابة طلبه طمعاً في نيل هذه الجائزة العظيمة.
стр. 580
حادثة بيروت
إلى متى ونحن غافلون؟
تحل بنا المصائب، وتنتابنا النوائب، وتتقاذفنا البلايا من كل جانب، تعبث بنا الأيدي الأجنبية، وتتداخل في شؤوننا، وتستعمر أكثر بلادنا، وترمي العداء فيما بيننا، وتجعلنا شيعاً وأحزاباً وتخدعنا بزخرف أقوالها، وكاذب وعودها، حتى تحصل على مبتغاها منا تدفع بعضنا ليسحق البعض الآخر فنقتتل ونتطاحن بالسيوف فتهلك الرجال وتخرب البلاد، تستنزف ثروتنا، وتقبض على زمام تجارتنا، وتزيف صناعتنا، وتفسد أخلاقنا، وتنتهك حرمات آدابنا، وتميت عاطفة أولادنا، ووطنية شبابنا، وتجتهد في إضعاف شوكتنا، والحط من كرامتنا، ومحو تعاليم ديننا تحاربنا بجميع أنواع الحرب، وتقتل شيوخنا وصبياننا، وتقذفنا بقذائفها وترسل علينا من نار بوارجها ونحن غافلون. فإلى متى يدوم هذا الحال؟ هذه إيطاليا على ما يعلمها العالم أجمع من الخسة والدناءة والهمجية ناصبتنا العداء، وأعلنت الحرب علينا لتضم إليها ما بقي بأيدينا من البلاد الإفريقية التي فتحها بأجمعها أسلافنا الكرام فسلبت وقتلت وفعلت ما تسيل الدموع لمجرد وصفه. كل هذا ونحن ساهون نناصب بعضنا العداء، ونسعى في تفريق كلمتنا، وتشتيت شملنا. ما هذا الاختلاف أيها القوم؟ ما هذا التباغض أيها الناس؟ إلى متى ينتهي أمر هذه المناوآت؟ إلى متى ينتهي حبكم لطلب الوظائف والمرتبات؟ ماهذا التنافر والتخاصم؟ ألم يكفكم ما حل بنا؟ ألم يكفكم ما وصلنا إليه؟ ألم يبلغكم أن العدو ليس على أبوابنا بل دخل دورنا وحلَّ بأرضنا؟ ألم تسمع آذانكم ما حل بإخواننا البيروتين؟ ألم تنفطر قلوبكم أسى عليهم؟ قتل بعض شبانهم، وهدمت بعض أبنيتهم، وملأ الرعب قلوبهم وسالت الدموع من آماق أطفالهم ونسائهم. إن حادثة بيروت أكبر مؤدب وأعظم باعث لنا على الاتفاق ونبذ الشقاق. إننا بدموع الآسف نذكر تلك الحادثة المؤلمة (حادثة بيروت) وقلوبنا تنفطر حزناً على ما حل بأهلها. إن أهل دمشق لما بلغهم هذا الخبر المؤلم هلعت قلوبهم، ووجفت نفوسهم، وظهر على وجه كبيرهم وصغيرهم علامة الكآبة والحزن، وفي مساء اليوم الذي وصل به الخبر وما بعده كنت ترى الناس على اختلاف طبقاتهم ألوفاً مؤلفة يؤمون محطة القطار (البرامكة) ينتظرون مجيئه من بيروت ليستطلعوا طلع الخبر. حدث مشاهد للواقعة في بيروت أن الناس أصبحوا صباح
стр. 581
يوم السبت لسبع خلت من شهر ربيع الأول والحال مطمئن والبحر هادئ والناس سائرون في أشغالهم فما شعروا إلا وتغير الحال واضطرب وجه البحر وعصفت عليه عواصف شرور همجية الغرب المتمدن ونظر القوم من وراء الأفق في الساعة الثالثة من صباح هذا اليوم بارجتين تقتربان إلى مرفأ بيروت وعندما وصلتا إلى ما يبعد عن الشاطئ نحو نصف ميل أطلقتا ضرباً نارياً تهديداً وتنبيهاً لمجيئهما قال: ألا إن الناس لم يعرفوا لأول وهلة أي نوع من أنواع البوارج هما ولا القصد من مجيئهما. قال ووقفنا ننظر إليهما بعين الدهشة والاستغراب وخصوصاً عندما عرفنا أنهما بارجتان إيطاليتان ثم حضر زورق من طرف قائد المدفعية العثمانية إلى الأسطول الإيطالي ليستعلم منه عما يريده الأسطول بقدومه فأعلمه على (ماشاع بعد) بأنه يريد المدفعية العثمانية (عون الله) والنسافة (أنقرة) وأنه في الساعة ٩ إفرنجي إن لم يسلما أنفسهما يضطر إلى ضربهما داخل المرفأ وآنئذ تقول الناس الأقاويل فمنهم من قال مرادهم ضرب الثغر ومنهم من قال مرادهم أخذ النسافة والمدفعية ولا يمكنهم ضرب البلد قطعياً ومنهم من قال غير ذلك.
ثم سمعنا صوت المدافع في الفضاء الواحد تلو الآخر وشعرنا أن الأرض تهتز من عظم تلك الطلقات وكانت إحدى البارجتين راسية أمام المرفأ (البور) ترمي القنابل وكان الدخان يتصاعد وأصوات النساء والأولاد من البيوت تتصاعد معه. منظر مؤثر ومشهد رهيب استولى الرعب فيه على القلوب وغلب الروع على الأفئدة. ودامت الطلقات متواصلة على البارجة (عون الله) والطراد (أنقرة) حتى غرقت الأولى واضمحل أمر الثانية وبقيت على وجه الماء وهدمت من تلك القذائف الجهنمية بعض الأبنية وقسماً من المصرف العثماني والجمرك ومصرف سلانيك وقتا نحو مائة رجل خلا الجرحى. قال ثم بعد أن تمت تلك البارجة مقاصدها السيئة رجعت تمخر عباب البحر والمياه تشب أمامها كأنها تطالبها بما أتته من الضرر والفعل الذميم. ولما اقتربت من رفيقتها التي كانت في انتظارها وبعبارة ثانية كانت تحمي ظهرها سارتا معاً وأوغلتا في البحر إلى ما وراء الأفق وهنا ظن الناس الظنون. ظن بعضهم أنهما ذهبتا إلى طرابلس شام والبعض الآخر ظن أنهما قصدتا إسكندرونة لضرب المدفعية العثمانية الراسية هناك لكن مع الآسف لم يطل أمد هذا التخرص إذ عادت البارجتان الطليانيتان واقتربت إحداهما من البور ببطء ودخلته غير
стр. 582
خائفة ولا وجلة وهناك أطلقت عدة قذائف على الطراد الذي بقي بعضه ظاهراً على وجه الماء فأغرقته ورجعتا لا رافقتهما السلامة. وقد وقع الناس حين رجوعهما بأشد الخوف حيث اعتقدوا أنهما سيقذفان شظايا نارهما على البلدة وبالأخص الثكنة العسكرية ودار الحكومة وفي برهة قليلة أخليت الدائرتان المذكورتان ولم يبق فيهما غير الجدران وقد استعدت بعض الدوائر أيضاً لنقل مراكزها إلى خارج البلدة وأقفلت جميع المحلات ولم يبق في الشوارع إلا بعض الأهالي الذين دفعهم الإفراط في الوطنية إلى مهاجمة مستودع أسلحة الحكومة فأخذوا كثيراً من البنادق والأسلحة أما العقلاء من أهل بيروت فكان خوفهم من حصول ما يخل بالأمن يقارب خوفهم من الأسطول الطلياني إذ خطر لبعض الرعاع أن يتجمهروا أمام دار الحكومة ففعلوا وجعلوا يطلبون إخراج المسجونين وبعضهم طمع في اشتغال الحكومة بهذا الحادث فعمد لثأر ماله من الآثار وقسم عد الأمر فوضى فنهب وسلب وهذا ما دعا الحكومة المحلية إلى إعلان الإدارة العرفية ونشر هذا المنشور تحت بيان رسمي الحكم العرفي في بيروت وإليك خلاصته: أعلنت الإدارة العرفية في بيروت وحدودها براً جبل لبنان وبحراً ساحل بيروت وأحيل أمر محافظة الأمن للحكومة العسكرية ومن تجاسر على الإخلال بالأمن داخلاً وخارجاً تجري محاكمته بديوان الحرب مهما كانت صفته والحكومة العسكرية مأذونة بتحري منازل من تريد من الأشخاص ليلاً ونهاراً وبنفي المشتبه بهم وبجمع الأسلحة من الأهلين وبتعطيل الجرائد المشوشة للأذهان وبمنع جميع الجمعيات وبمحاكمة من كانوا السبب في إعلان الإدارة العرفية ولو كانت إقامتهم في غير بيروت والحاصل جميع أحكام قرار الإدارة العرفية والمواد المذيلة به سيجرى تطبيقها حرفياً اعتباراً من تاريخه. وقد أذيع هذا ليحيط الجميع به علماً في ١٢ شباط سنة ١٣٢٧.
ونعم ما فعلته الحكومة فقد استتب الأمن وتوطدت أركان الراحة بهمة والي الولاية ورجال الضبط والجند الشاهاني الذين لم يألوا جهداً في العناية بأمر التدقيق والتطواف وقد أرسلت ولاية سوريا قطارين مشحونين بالعساكر والزاد وأرسلت طرابلس شام أيضاً الأي السواري لمعاضدة حكومة بيروت في توفير أسباب الأمن. وبذلك انتهت الأزمة وعاد القوم إلى أعمالهم.
تبرم بعض الناس من إعلان الإدارة العرفية في بيروت ونقم على الحكومة ونحن مع حبنا
стр. 583
الصميم لراحة أهالي بيروت ورجائنا بضراعة منه سبحانه أن لا يطيل أمد الأحكام العرفية عليهم نقول أن السخط على الحكومة في غير محله وربما أدى إلى التشويش عليها وهو بلا شك جهل محض. إذ باعتقادنا أن ما تعمله الحكومة الآن يتحتم عمله، ولولاه لانقلب لون الأزمة إلى شكل آخر، ولوصل أرباب الأغراض والدسائس الأجنبية إلى غاياتهم، فهل بعد هذه الحادثة المشؤومة أدركت الأمة أن الواجب عليها أن تعمل يداً واحدة على ترك التنابذ والشقاق ومؤازرة الحكومة لصدمات الأعداء وتعلم أنها بتطاعنها تطعن قلبها، وترمي فؤادها. هل علمت أن العقلاء من أعمالها في استياء عظيم يبكون الليل والنهار ويرجون الله لرفع هذه الأحقاد خشية أن يبتلعنا من فغر فاه من الأجانب؟ هل علمت بأن رمي بعضها البعض بخيانة الوطن، وسوء النية هو عين خيانة الوطن والإضرار به؟ هلا لانت قلوب هؤلاء المختلفين فعطفوا على هذه الأمة البائسة؟ هلا لانت قلوبهم فرحموا هذه الأمة المسكينة؟ هلا لنت قلوبهم لما أصاب الدولة والأمة؟ هلا علموا بأنهم محاسبون؟ هلا فقهوا بأنهم مسؤولون؟ هلا دروا بأنهم على ربهم يعرضون؟ فإلى متى وهم غافلون وفي أنفسهم متشاغلون. ما مصيبة الأمة بطرابلس الغرب بأعظم من مصيبتها بتفرقهم واختلافهم. فإلى الوفاق أيها الناس إلى التعاضد أيها القوم. وفي الختام نجأر إلى الله تعالى أن يوفق الأمة إلى ما فيه صلاحها ونجاحها، وأن يصرف عنها كيد الأعداء، إنه سميع الدعاء.
стр. 584
حكم وأخلاق
لمحمد بن أبي شحاذ الضبي
إذا أنت أُعطيت الغنى ثم لم تجدُ ... بفضل الغنى أُلفيت مالك حامد
إذا أنت لم تعرُك بجنبك بعض ما ... يريب من الأدنى رماك الأباعد
إذا الحلم لم يغلب لك الجهل لم تزل ... عليك بروق جمة ورواعد
إذا العزم لم يفرُج لك الشك لم تزل ... جنيباً كما استتلى الجنيبة قائد
وقلَّ غناءً عنك مال جمعته ... إذا صار ميراثاً وواراك لاحد
إذا أنت لم تترك طعاماً تحبه ... ولا مقعداً تدعى إليه الولائد
تجللت عاراً لا يزال يشبه ... سباب الرجال نثرهم والقصائد
وقال رجل من فزازة:
ألا يكن عظمي طويلاً فإنني ... له بالخصال الصالحاتَ وصول
ةلا خير في حسن الجسوم ونبلها ... إذا لم تزن حسنَ الجسوم عقول
إذا كنتُ في القوم الطوال علوتهم ... بعارفة حتى يقال طويل
وكم قد رأينا من فروع كثيرة ... تموت إذا لم تحيهن أصول
ولم أر كالمعروف أما مذاقه ... فحلو وأما وجهه فجميل
стр. 585
العدد ٢٠ - بتاريخ: ١٩ - ٣ - ١٩١٢
стр. 586
الدين الإسلامي والتوحيد
١٤
معجزات سيدنا محمد ﷺ
أثبتنا آنفاً أن الله سبحانه امتن على عباده ببعثة سيد الرسل ﷺ لينقذهم مما كانوا فيه من ظلمات الغي والغواية، والجهل والضلالة ويهديهم إلى صراطه الأعدل، ومنهاجه الأقوم، وأيده بما يدل على صدق نبوته، وتحقيق رسالته من المعجزات الباهرات، والآيات البينات مما تتقاصر العقول دون الإحاطة بمنتاها. فكان ﵊ أكثر الرسل معجزة، وأبهرهم آية، وأظهرهم برهاناً، وأوضحهم محجة وتبياناً.
أعظم معجزاته ﷺ وأظهر آياته معجزة القرآن العظيم المتحدى به أنزله الله عليه في عصر اشتهرت رجاله بالفصاحة، وتوفرت فيهم مادة البلاغة، وأوتوا من ذرابة اللسان، ما لم يؤت إنسان، ومن فصل الخطاب، ما يبهر الألباب، ومن البداهة ما يقضي بالعجب العجاب، فكان منهم البدوي ذو اللفظ الجزل، والقول الفصل، والطبع الجوهري، والمنزع القوي ومنهم الحضري ذو البلاغة البارعة، والكلمات الجامعة، والطبع السهل والتصرف في القول، فما استطاع أحد معارضته، ولا حام حول محاكاة أقصر سورة من سوره بل أخرس بفصاحته فرسان البلاغة، وقادة الخطابة، وسادات القوافي، وملوك البيان، مع حرصهم على معارضته، والتماسهم الوسائل التامة لمتناقضته (قل لئن اجتمعت الأنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً).
كتاب حوى من الإعجاز مارد كل جاحد وصد كل معاند وسجل العجز على كل مكابر من بلاغة ألفاظه واستيفاء معانيه وحسن نظمه العجيب وأسلوبه الغريب المخالف لأسلوب كلام العرب ومناهج نظمها ونثرها انطوى على علوم لا يحيط بكنهها بشر ولا يطمع في إصائها مخلوق واستمل على أخبار القرون الخالية وقصص الأمم السالفة والأخبار بضمائر القلوب التي لا يصل إليها إلا علام الغيوب وهو مع اتساع مجاله في كل فن من أخبار وأحكام ومواعظ وأمثال وأخلاق وآداب وترغيب وترهيب وتحذير من قبائح السجايا ومواقع الدنايا وتدبير السياسات ومراعاة الأوداء ومدافعة الأعداء ومجادلة الأخصام وتبكيت الطغام وإقامة
стр. 587
الحجج والبراهين على وجود الله تعالى وتوحيده وعلى الحشر والنشر ودفع الشبه وإزالة الريب ووصف دار النعيم وأحوال سكانها ودار الجحيم وأهوالها ونعت عالم السموات وما في العالم العلوي من الآيات من كواكب وأمطار وسحائب وغيرها ووصف الأرض وجبالها وسهولها وبحارها وينابيعها وما اشتملت عليه من نباتات وحيوانات ومعادن وأزهار وغيرها حتى يصح أن يقال أنه لم يبق علماً من علوم الأوائل والأواخر إلا صرح به أو أشار إليه على أساليب متنوعة وطرائق بديعة مع هذا كله لم يقع فيه تناقض ولم يتخلله تضارب خال عن جميع العيوب بعيد بحسن نظمه عن مشابهة كل أسلوب ليس له مثال يحتذى عليه ولا إمام يقتدى به فلا هو من نوع القصائد العربية ولا من الأراجيز البدوية ولا يمل مع الترديد ولا يشبع منه لعلماء ولا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة ولا تفنى عجائبه ولا تنقضي غرائبه.
ولو لم يكن من عظيم شأنه وجليل برهانه إلا أن عمّ الأرض نوره وجلل الآفاق ضياؤه ونفذ في العالم حكمه وطمس ظلام الكفر بعد أن كان مضروب الرواق ممدود الأطناب مبسوط الباع مرفوع العماد ليس على الأرض من يعرف الله تعالى حق معرفته أو يعبده حق عبادته أو يدين بعظمته أو يعلم علو جلالته أو يتفكر في بديع حكمته لكان ذلك كافياً في الدلالة على أنه من عند الله (وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري مالكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نور نهدي به من تشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم).
أليس في ظهور هذا الكتاب الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها على لسان أمي لا يكتب ولا يقرأ أعظم معجزة وأكبر دليل وأدل برهان على أنه ليس من صنيع البشر وإنما هو تنزيل من عزيز حكيم.
ومن وجوه إعجازه المعدودة كونه آية باقية ما بقيت الدنيا (إنا نحن أنزلنا الذكر وإنا له لحافظون) (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه) وسائر معجزات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد انقضت بانقضاء أوقاتها ولم يبق إلا خبرها والقرآن الكريم الباهرة آياته مضى عليه ما يزيد على ألف وثلاثمائة سنة وهو على ما هو عليه حجة قاهرة ومعارضته ممتنعة والأعصار كلها طافحة بأهل اوحملة علم اللسان وأئمة البلاغة وجهابذة الكلام والبراعة والملحد فيهم كثير والمعادي للشرع عنيد فما منهم من أتى بشيء يؤثر في
стр. 588
معارضته ولا ألف جملة في مناقضته ولا قدر فيه على مطعن صحيح ولا قدح إلا بزند شحيح بل المأثور عن كل من رام ذلك إلقاؤه في العجز بيديه والنكوص على عقبيه.
فإذا ثبت القرآن الكريم ظهر لك معنى قولهم أن القرآن معجزاي لا تقدر العباد على معارضته إذ المعجز الدال على صدق النبي لا يصح دخوله تحت قدرة العباد وإنما ينفرد به الله تعالى ولا يمكن أن يتهيأ لمن كان لسانه غير العربي كالعجم والترك أن يعرفوا إعجاز القرآن إلا أن يعلموا أن العرب قد عجزوا عن ذلك فإذا عرفوا أن العرب قد تحدوا على أن يأتوا بمثله أو بأقصر سورة منه فعجزوا بعد استفراغ وسعهم وبذل جهدهم حينئذ يتحقق لديهم ويثبت عندهم أنهم هم أعجز وكذلك يقال فيمن كان من أهل اللسان العربي إلا أنه لم يبلغ في الفصاحة شأواً يؤهله إلى معرفة أساليب الكلام ووجوه تصرف اللغة فهو كالأعجمي في أنه لا يمكنه أن يعرف إعجاز القرآن إلا بمثل ما ذكرنا. وأما من قد تناهى في معرفة اللسان العربي ووقف على طرقه ومذاهبه ومارس فنون البلاغة فهو يعرف القدر الذي ينتهي إليه وسع الكلام من الفصاحة ويعرف مايخرج عن الوسع ويتجاوز حدود القدرة فمثل هذا لا يخفى عليه إعجاز القرآن وأسرار دقائقه.
وإليك بعض ما جاء في الأخبار من اعتراف فصحاء العرب بمنتهى فصاحته وإقرارهم بالعجز عن معارضته لاشتماله كما قدمنا على أعلى طبقات البلاغة وأسمى درجات البراعة والبيان. فمن ذلك ما ورد أن الوليد بن المغيرة زعيم قريش في الفصاحة لما سمع من النبي ﷺ قوله تعالى (إن الله يأمر بالعدل والإحسان) إلى آخر الآية قال والله إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق وما يقول هذا بشر.
وقد أخرج البيهقي عن محمد بن كعب قال حدثت أن عتبة بن ربيعة قال ذات يوم وهو جالس في نادي قريش ورسول الله ﷺ وحده في المسجد يا معشر قريش ألا أقوم إلى هذا فأعرض عليه أموراً لعله أن يقبل مني بعضها ويكف عنا قالوا بلى يا أبا الوليد فقام عتبة فجلس إلى سول الله ﷺ فذكر الحديث فيما قاله عتبة وفيما عرض عليه من المال وغير ذلك فلما فرغ قال ﵊ لأفرغت يا أبا الوليد قال نعم قال فاسمع مني قال افعل فقال ﵊ (بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته) فمضى يقرؤها عليه فلما سمعها عتبة أنصت
стр. 589
لها وألقى بيديه خلف ظهره معتمداً عليها يستمع منه حتى انتهى رسول الله ﷺ إلى السجدة فسجد فيها ثم قال سمعت يا أبا الوليد قال سمعت فقام عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به فلما جلس إليهم قالوا ما وراءك يا أبا الوليد قال والله إني سمعت قولاً ما سمعت بمثله قط والله ما هو بالشعر وبالسحر ولا الكهانة. يا معشر قريش أطيعوني خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نباء قال فأجابني بشيء والله ما هو بشعر ولا سحر ولا كهانة قرأ (بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم) حتى بلغ (فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود) فأمسكت فمه وناشدته الرحم أن يكف وقد علمتم أن محمداً إذا قال شيئاً لم يكذب فخفت أن ينزل بكم العذاب.
وقال بعضهم أن هذا القرآن لو وجد مكتوباً في مصحف في فلاة من الأرض ولم يعلم من وضعه هناك لشهدت العقول السليمة أنه منزل من عند الله وأن البشر لا قدرة لهم على تأليف مثله فكيف إذا جاء على يد أصدق الخلق وأبرهم وأنقاهم وقال أنه كلام الله وتحداهم كلهم أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا فكيف يبقى مع هذا شك؟.
وروي أن أعرابياً سجد عند سماع قوله تعالى (فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين) وقال سجدت لفصاحة هذا الكلام وحكي أيضاً أن جارية من فصحاء العرب قالت للأصمعي لما رأته تعجب من فصاحة حديثها أو يعدّ هذا فصاحة بعد قوله تعالى (وأوصينا إلى أم موسى أن أرضعيه الآية) فإنه قد جمع فيها بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين إلى غير ذلك مما هو ثايب في الآثار ومبسوط في كتب الأخبار وفقنا الله لتلاوته ورزقنا فهم معانيه وأسراره.
(يتبع)
стр. 590
خلط الدين بالسياسة
أو
العقد الاجتماعي للمسلمين
كتبنا غير مرة في هذا الموضوع ولا نزال في حاجة لأن نكتب فيه الآن. خلط السياسة بالدين في أوروبا يعد من أكبر الجرائم وأشد الإهانات للنظام، لأن للدين لديهم سقطات لا تغتفر بل هو لديهم الكابوس الذي ألم بمدنية الرومانيين فجمدها وضرب بأيديه وأرجله على جميع الأمم الآخذة به فطمس معالمها خمسة عشر قرناً متوالية ولم تتوصل لرفع كابوسه عنها إلا بجهد جهيد وجهاد شديد.
هذا جرم الدين في أوروبا وفي نظر جميع مقلديهم من الطوائف النصرانية الشرقية المتأدبة بأدبهم ولكن ما ذنب الإسلام في نظرنا حتى يعد خلطه بسياستنا جرماً نستحق عليه التأنيب من النصارى المستعمرين؟
جاء الإسلام وكنا متفرقين فجمعنا، متعادين فآخى بيننا، لا نعرف معنى المدنية فحدد لنا حدودها وبين لنا رسومها، لا نفقه حقيقة النظام فرسم لنا طريقه، وأبان معالمه، لا نحترم العدل ولا الحرية ولا المساواة فنهج لنا سبيلها وخط لنا خططها، أذلاء مسودين فجعلنا أعزَاء سائدين. تمسكنا به سنين معدودة فمد الله سلطاننا على الشرق والغرب وأدان لنا بسببه الأحمر والأبيض، وأصبحت لنا مملكة لا تدانيها مملكة في الأرض اليوم، وجعل الله لنا بسره أوابد المعارف وشوارد المعلومات، فأصبحنا أئمة العالم علماً وحكمة فسرى الناس في أنوار معارفنا، واستنوا بسنتنا، وعرف عنا أننا حفظنا خلافة الله في الأرض قروناً كنا فيها خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتني عن المنكر وتؤمن بالله.
أرني أمة كالمسلمين في أيام عزهم سائدة في غير سعف، غالبة في غير تجبر، متدينة في غير علو، متحمسة في غير تجرم، متمدنة في غير طغيان، فاتحة في غير قهر.
ما الذي أذلنا بعد عز وأضعفنا بعد قوة، وأفقرنا بعد غنى، وجعلنا مسودين بعد أن كنا سادة؟ أليس هو تركنا الدين وتنكبنا عن طريقه القويم؟ الإسلام دين لا كما تعهدون من الأديان، الإسلام تعاليم اجتماعية، وقوانين نظامية، ونواميس حيوية نزل بها الروح الأمين على قلب أخلص بشر من العالمين ليكون به من المصلحين. فما ذنب الإسلام في نظرنا وهو كما
стр. 591
ترى من سمو الأصل، ومتانة القواعد، وعلو المبادئ واستقامة المقاصد.
كما تكلنا قلتم خلطوا الدين بالسياسة ورميتمونا بالشطط عن موضوع البحث والله يشهد أنكم الخالطون الخابطون، الشاذون الشاطون. ما ذنبنا أيها القوم إن كنتم قد نبذتم دينكم فجعلتموه قاصراً على معاهد العبادة لعدم صلاحيته لقيادتكم قيادة جماعية واتخذتم مكانه مبادئ وضعية اصطلحتم على قبولها فيما بينكم ورأينا نحن أن ديننا أرقى مرمى وأعلا مقصداً وأبعد غاية من أي تعليم وضعي فنشدناه كما تنشد الضوال، وطلبناه كما تطلب الآمال. أذنبنا أننا لم نتبعكم في ترك الدين وجعله قاصراً على المعابد، مثله كمثل العاديات من بقايا الأقدمين؟ إن كان الأمر كذلك فذنبكم في نظرنا أنكم لا تتبعونا فيما نحن فيه على ما بيننا من الفرق الشاسع في المذهبين، أنتم تطالبوننا باتباعه تعاليم وضعية حشوها الأحقاد المختمرة، والأكاذيب المزخرفة، ونحن ندعوكم إلى سياسة أفاضها على الناس الوحي، وجلاها لهم الحق، ودلهم على أنها أوضح مناهج الحياة، وأعدل موازين الأعمال وأكرم مقادير النفوس، بما بسط لمتبعيها من نعمة الكمال الصوري والمعنوي، وعزة الوجود السياسي الاجتماعي.
تدعوننا لعدم خلط الدين بالسياسة ونحن ندعوكم لفهم هذا الدين أولاً إن كنتم تريدون بنا خيراً وإلا فإن كانت دعوتكم هذه لتذهلونا عن سبب وجودنا وتحولوا بيننا وبين روح استقلالنا فهي لا تزيدنا إلا تشبثاً به، ولصوقاً فيه. ليت الذي يرموننا بالخلط بين السياسة والدين يعرفون ما الإسلام والمسلمون ليكون كلامهم عن بينة لو كانوا منصفين أما إلقاء الكلام على عواهنه والاكتفاء بتقليد الأوروبيين في لهجتهم بهذا الصدد مما نرده عليهم ليمحصوه ثم ليثبتوه أو ينفوه.
الإسلام (عهد اجتماعي) أخذه الله على طائفة من الناس سماهم المسلمين عاهدهم به على التبري من العقائد الباطلة والتقاليد والأوهام، والاستسلام لله خالي الذهن من كل شائبة خيال ليخلص به ما بين الإنسان وربه وينجو الإنسان من أدران الوارثات الباطلة، والتقاليد الضارة، ويتجلى أمام الله رجلاً كما خلق لا كشكول عوائد وأوهام وتقاليد كما أراد هو أن يجعل نفسه ثم عاهدهم على مكارم الأخلاق ومحامد الصفات والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وهجر الإثم ما ظهر منه وما بطن، والعدل والحرية والمساواة واحترام الحياة
стр. 592
الإنسانية والحيوانية والصدق والمانة والإخلاص الخ ما هنالك من الصفات العالية. وليس الإسلام هو مجرد العبادة كما يريد أن يفهموا مقلدوا الأوروبيين من كتاب الشرق هذا اليوم. هذا العهد هو الإسلام وقد عاهد به النبي ﷺ جميع من دخل في ملته يداً بيد وسماهم المسلمين. فالمسلمون هم طائفة من النوع الإنساني جمعهم (عقد اجتماعي) ظاهر المبادئ والمقاصد لتكون عصابة تحق الحق وتزهق الباطل وتؤيد دولة الله في الأرض، تنشر المعروف والعدل والحرية في جميع أرجاء العالم، شعارها قوله تعالى (يا آيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين) من يذكر من حملة العلوم الاجتماعية أن الفيلسوف وسفرص قال أن أول اجتماع للناس إلى أمة لم يتم إلا بواسطة عقد اجتماعي فرده العلماء لبعده عن العقل يتعجب من أن نظريته هذه قد تحققت في اجتماع المسلمين إلى أمة بواسطة الإسلام وهو عقد اجتماعي تام الشرائط كان النبي ﷺ يدعو الناس لمبايعته يداً بيد كما دل عليه تاريخ الإسلام.
هذا هو الإسلام وهؤلاء هم المسلمون فنحن أيها الكاتبون الخابطون أمة لا رابطة لنا إلا (عقد اجتماعي) هو الإسلام. فالإسلام بهذا الاعتبار يجب أن يسود على جميع أعمالنا السياسية والاجتماعية إذ لا يكون لوجودنا معنى ولا لرابطتنا تأثير إلا بسيرنا على مناهجه وتذكير بعضنا بعضاً بمبادئه وأصوله.
والفرق بيننا وبين الأمم النصرانية أن المسيحية جاءتهم وهم أمم ذات مدنية وشخصية قائمة بذاتها، وتقاليد حكومة قديمة، ونظامات سياسية موروثة، فلا يضرها أن تفصل ما بينها وبينه في شيء. أما نحن فإن فصلنا الإسلام عن وجودنا السياسي والاجتماعي فقد نقصنا هيئة اجتماعية ولا شينا علة وجودنا فأصبحنا على غير شيء لأننا لا نعتبر أمة مسلمة بمحض تأدية العبادات الجسمية فإن تلك العبادات هي أركان الإسلام. أما روح الإسلام فهي تلك التعاليم التي طولبنا أن نتحلى بها في جميع محاولاتنا الاجتماعية والسياسية. وقد اختلط تاريخنا بتلك التعاليم وارتبط بها نظامنا العائلي والشخصي وقم كيان مزاجنا حتى أصبح الفصل بيننا وبين الإسلام من المجادلات البعيدة التحقيق.
ليس أمام المسلمين إلا أحد أمرين لا ثالث لهما، فإما أن يتحققوا بالأدلة المحسوسة أن الإسلام دين باطل وأن أصوله لا توافق العقل ولا الترقي فيتركونه ويتمسكون بأصول
стр. 593
المدنية الجديدة، وأما أن يرجعوا إلى أصوله فيكونوا مسلمين بكل معاني الكلمة كما كان آباؤهم من قبل. ونرى أن بقاء المسلمين بين هذا وذاك من رابع المستحيلات بل هم قد شعروا الآن بأن موقفهم بين هاتين الحالتين مما أفقدهم أو كاد. فإما الاستدلال على أن الإسلام دين باطل فرابع المستحيلات لأن الوجود أصبح اليوم كله ألسنة شاهدة بصحة الإسلام أصولاً وفروعاً وقد أحس المسلمون بذلك فازدادوا ميلاً لدينهم وحباً فيه.
بقي الأمر الثاني وهو رجوعهم إليه وتأدبهم بآدابه وهو الأمر الممكن بل المحقق الحصول عليه فالذين يزعمون أننا نخلط بين الدين والسياسة لا يعرفون من الإسلام إلا أنه دين ويجهلون أو يتجاهلون أنه رابطة أصلية لأمة تبلغ الثلاثمائة (مليون) نسمة منبثة في جميع أرجاء الأرض لو قوي شعورها بحقيقة رابطتها الاجتماعية لكونت دولة من أفخم دول العالم ومدت نفوذها على جميع أرجاء الأرض كما كانت قبل قرون.
يسوء هؤلاء الكتاب المقلدون أن نخلط سياستنا بالدين! فيا ليت شعري ألسنا أمة لنا الحق في أن نضع سياستنا على أي مبدأ شئناه؟ ألسنا أحراراً في أن نلبس محاولاتنا الثوب الذي يلائمها؟ ألسنا أعلم منهم بما يضرنا وينفعنا؟ يقولون نحن نتشائم من خلطكم السياسة بالدين لأننا ننافيكم فيه. نقول لأجلِ أنكم تنافونا فيه نهجر ملتنا ونخرج عن تقاليدنا ونتقمص روحاً لا تلائم روحنا ولا تتفق مع رابطتنا؟
إنكم تظنون أن الإسلام بصفته ديناً يدعو إلى جائرة، وكلنا نؤكد لكم بأنه من هذه الجهة أرقى من أية وطنية في الأرض. الإسلام أمرنا بمسالمة أهل الذمة وبالقسط معهم، والبر بهم وبمساواتهم بنا أمام القضاء، وبحمايتهم والدفاع عنهم، فأرني أية وطنية في الأرض تقف والإسلام في مستوى واحد من هذه الجهة. الإنكليز يكرهون الكاثوليك ولا يولونهم المناصب العالية ولا يأتمنونهم على أمرٍ، هذا بصرف النظر عن المجائر المريعة التي قامت بها هذه الأمة في مدة تاريخها. أرني هندياً أو مورانياً أو كندياً أو بربرياً في البرلمان الإنكليزي؟ أليست هذه الفروق منشؤها أن الوطنية الإنكليزية لا تأمن من إلا الإنكليزي السكسوني ولا تأبه إلا به دون غيره، أرني أية وطنية في الأرض ساوت بين المتشاركين فيها من ذوي الألوان والأديان وأنا آتيك من الإسلام بأعلى مثل وأفحم برهان فلا يزعجنكم أن ندعو أمتنا إلى رابطة الإسلام فو الله لا ندعوها إلا لمنتهى الكمال وغاية الجمال، فلا
стр. 594
تقفوا في وجوهنا صادين السبيل، مثيرين العراقيل، ولا تحدثن أنفسكم بمنع هذا الدوران ينفذ إلى قلوب أهله، فقد صديت الفطر لما فطرت عليه، وهامت الأرواح بما سكنت إليه، ولا بد من رجوع الحق إلى نصابه، وعود الفضل إلى أربابه، هناك ترون مجد الإسلام وقد خفقت أعلامه، وظهرت معالمه والتف حوله أهله يبثون من صروح السؤدد مثل ما بنى أوائلهم، وهنالك يثبت للعالم بالفعل ما نقوله اليوم باللسان من أن الإسلام أقوم المناهج لعادة أهله ومن دخلوا في ذمتهم، ممن هم على غير ملتهم، وأنه أوسع من الوطنية المجردة صدراً وأعم معنى، وأجدر بإيصال الآخذين به إلى غاية الكمال ومنتهى الجلال وسوف تعلمون.
البلاغ
فريد وجدي
стр. 595
المدارس الأجنبية
٢
العقول في سن الصغر ساذجة مستعدة لقبول ما يرد إليها من الأفكار قابلة للتأثر والانفعال بما يطرأ عليها من صور الأعمال والآراء خصوصاً إذا كان ذلك صادراً عمن تكبره النفس وتعظمه كالأستاذ والمؤدب فلا شك أن التلميذ يأخذ جميع ما يراه من أساتذته ومؤدبيه بعين الإعظام والإجلال ويراه غاية الأخلاق ومنتهى الآداب وتنطبع في نفسه صور ما هم عليه حتى يتعمد التخلق بأخلاقهم والعمل بآرائهم ويعد ذلك فضيلة له وآية من آيات النجابة وحسن الاستعداد.
على أن أكثر مدارس الأجانب يشترط في برنامجها تعليم دين النصرانية الذي تنسب تلك المدرسة إليه ودخول جميع التلامذة لمعابدهم الدينية لأداء العبادات ولا يخفى أن هذا كفر صريح قال القاضي عياض في الشفاء عند ذكر المكفرات (وكذا نكفر بكل فعل أجمع المسلمون أنه لا يصدر إلا من كافر وإن كان صاحبه مصرحاً بالإسلام مع فعله ذلك العمل كالسجود للصنم أو الشمس أو القمر أو الصليب أو النار أو السعي إلى الكنائس مع أهلها والتزيي بزيهم فقد أجمع المسلمون على أن هذا لا يوجد إلا من كافر وأن هذه الأفعال علامة على الكفر وإن صرح فاعلها بالإسلام أهـ. وقال شارحه الشهاب الخفاجي وقيده بقوله مع أهلها لأن المراد به أن يذهب معهم في وقت ذهابهم للعبادة على هيأة تدل على موافقته لهم وإلا فمجرد الذهاب للكنيسة والدخول لها ليس بكفر وإنما هو مكروه وإن كان لغير غرض صحيح أهـ باختصار فأنت ترى أن الدخول إلى الكنيسة مع أهلها على هيئة تدل على موافقته لهم كفر فكيف إذاً كان يؤدي العبادة معهم كما هو شرط تلك المدارس. ومما يقضي بالعجب رضاء الأولياء بإدخال أطفالهم إلى هذه المدارس على هذا الشرط فإنه لا يستغرب من الطفل الذي لا يفقه شيئاً أن يوافق والده وأستاذه على كل ما يريدان منه خصوصاً ما يكون مصوغاً بقالب التهذيب والتأديب والتدين وإنما يستغرب من الرجل المسلم أن يرضى لطفله بالكفر مع علمه أن رضاه بكفره كفر أيضاً. ربما يقول قائل هنا أن بعض المدارس لا تشترط في برنامجها هذين الشرطين وأنه إذا دخل هذا القسم من المدارس من عرف من قواعد دينه القويم مبادئها الأولية انتفى المحذور السالف الذكر قلنا
стр. 596
في الجواب أن الكفر لا يتوقف على فعل العبادة الدينية في الكنيسة فقط بل يحصل بجملة أشياء يقصد إدخالها على التلميذ من قبل أساتذته وهو لا يدري من أمرها شيئاً كان يشك في صحة شيء مما هو معلوم من الدين بالضرورة كالبعث والحساب والجنة والنار أو يشك في صحة شيء من القرآن على أنه إذا سلمنا أنه ربما انتفى جميع ما ذكر فلا ينتفي ما هو أقل من الكفر كالتهاون بالدين وأوامره لعدم مرانه عليها. وماذا يرجى ممن أفنى زهرة شبابه بين يدي قوم يدينون بغير دينه ويحاربونه في معتقداته ويتحينون الفرص ليحولوا بينه وبين الهداية؟ نعم لا يرجى منه إلا أن يكون كما قال ذلك الكاتب الغربي (أضر على الإسلام مما لو تنصر) والعيان شاهد عدل. رأينا ممن تخرج في تلك المدارس من يترك الصلاة عمداً بلا عذر بل سمعنا أن هناك من يرى ترك الصلاة تمدناً ورقياً وينعي على آبائه المحافظة عليها ويعد ذلك من الخرافات وضياع العمر ويستهزئ بفاعلها ويحتقره كما يحتقر أحدنا الحيوان الأعجم.
وهكذا سائر العبادات والأعمال الدينية فإنه يكرهها ويكره المتلبس بها ويعد التمسك بالدين والمحافظة على آدابه ضرباً من ضروب العبث بل قد يترقى به الحال إلى أن يعتقد أن الدين عثرة في المدنية والأخلاق الفاضلة كما يعتقد ذلك بعض أعداء الإسلام. هذا بعض مضار المدارس الأجنبية من الجهة الدينية والاعتقادية. أما مضارها في الأخلاق والآداب الاجتماعية فكثيرة يكاد أن لا يحصيها العد.
وجماع القول أن الأيدي التي تدير تلك المدارس تريد أن تربي التلامذة لها لا لأوطانهم ليكونوا أبناءها، ومن أعز أنصارها. فهي تربي التلميذ وتهيئه لما تستقبله من الأيام.
فلا غرو إذا عملت على كل ما يوسع المسافة بينه وبين مقومات قومه وهي كما تعمل على محو شعوره الديني تعمل أيضاً على تنفيره من لغته ووطنه وقومه وتحاول أن تضع مكان ذلك لغتها ووطنها وقومها واللغتان التي يلزم المسلم العثماني العناية بهما وهما اللغة العربية لغة القرآن والدين والعلم واللغة العثمانية لغة الحكومة والخلافة الإسلامية لا شأن لهما في تلك المدارس وإن كانا يذكران في (برنامجها) ويعدان من دروسها تمويهاً وتضليلاً كما تقدم ولذلك ترى كثيراً من ناشئة تلك المدارس يعلمون اللغة الفرنساوية ويتقنون فنونها وإذا سألتهم قراءة آية من القرآن العظيم صعب عليهم أداؤها من غير لحن فضلاً عن أن تسألهم
стр. 597
معرفة مفرداتها ودقائق معانيها وإذا أردتهم على أن يعبروا عن معنى من المعاني المرادة لهم بلغتهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.
ثم تراهم يعرفون من تاريخ نابليون وواشنطون ملا يعرفون من تاريخ الخلفاء الراشدين وملوك الإسلام العادلين. وإذا عرفوا شيئاً من ذلك يأخذونه صورة مشوهة وقضية معكوسة بما عملت به أيدي التحريف والغايات وتراهم إذا ذكر العدل يتلون لك من عدل إنكلترا مثلاً ما يظنونه غاية الغايات ولو سبروا سيرة الخلفاء الراشدين ﵃ وما كانوا عليه من العدل والإنصاف وغير ذلك من الأخلاق العادلة لرأوا بها ما يستصغرون معه ملوك الفرنجة وأخلاقهم وعدلهم.
وكما أولع ذلك التلميذ باللغة الفرنساوية مثلاً يولع بمدنية فرنسا وبباريس عاصمة الفرنساويين فلا يفتأ يذكر معارف فرنسا وعلومها ومدنيتها وأخلاقها وإن كان منها مالا يلتئم مع الشرف ويندى منه وجه الإنسانية خجلاً وربما خال الفاسد من الأخلاق غاية في المدنية والحضارة وذلك لأن حبها وإعظامها ملك عليه مشاعره فلم يبق للفكر معه مجال وعلى العكس ترى محبته لوطنه الذي تربى به هو وأسلافه فإنه بفضل دسائس مؤدبيه ومهذبيه يصبح مبغضاً له كارهاً البقاء فيه طالباً البعد عنه ولو فارق أهله وأقاربه ولو اغتالت وطنه يد أجنبية وقضت على حياة شعبه واستقلاله وثروته لوجدته قرير العين منشرح الصدر.
وفي الختام نسأل الله أن يحفظ المسلمين من غوائل هذه المصيبة الفادحة ويلهم أهل العلم والدين أن لا يدعوا مجالاً لتوسيع نطاقها وأن لا يفتئوا يذكرون مضارها الدينية والأخلاقية علَّ الأمة تنتبه من رقادها فلا تعمل على خراب بيوتها. والسلام على كل عامل بإخلاص.
стр. 598
من كتاب الأدب
لجعفر بن شمس الخلافة. وهو من الكتب المخطوطة
من شاور لم يعدم في الصواب مادحاً وفي الخطأ عاذراً.
المشاور بين إحدى حسنتين صواب يقول بثمرته أو خطأ يشارك في مكروهه.
لا يدرك الصواب بالرأي الفرد فليستعن مكدود بوداع، ومشغول بفارغ.
ثلاثة لا يعدم المرء الرشد فيهن مشاورة ناصح، ومداراة حاسد، والتحبب إلى الناس.
شاور من جرب الأمور فإنه يعطيك من رأيه ما وقع عليه غالباً وأنت تأخذه مجاناً.
اعص هواك وأطع من شئت
ارع حق من عظمك لغير حاجة إليك
أعط من دونك ما تحب أن يعطيك من فوقك
استغن عن الناس يحتاجوا إليك
كن ذنباً في الخير ولا تكن شراً في الشر
اتبع ولا تبتدع
لتئد تصب أو تكد
اشكر لمن أنعم عليك وأنعم على من شكرك
اتق قرناء السوء فإنك متهم بأعمالهم
لا تودع سرك جاهلاً فيخون ولا عاقلاً فيزل
لا تقل ما لا تعلم فتتهم فيما تعلم
لا تكن ممن يلعن إبليس في العلانية ويواليه في السر
لا تكن رطباً فتعصر ولا يابساً فتكسر
لا تقبلن في الاستخدام إلا شفاعة الكفاءة والأمانة
إذا فاتك الأدب فالزم الصمت
إذا بقي ما قاتك فلا تأس على ما فاتك
إذا زل العالم زل بزلته عالم
إذا كنت في إدبار والموت في إقبال فما أسرع الملتقى
стр. 599
إذا وجدت حاجتك في السوق فلا تطلبها من أحد
من تأنى أصاب أو كاد ومن عجل أخطأ أو كاد
من مشى مع ظالم فقد أجرم
من أيقن بالخلف جاد بالعطية
من كثر رضاه عن نفسه كثر الساخطون عليه
من قل صدقه قل صديقه
من سأل فوق قدره استحق الحرمان
من عاب نفسه فقد زكاها
من استغنى بالله افتقر إليه الناس
من لانت كلمته وجبت محبته
من أماله الباطل قوّمه الحق
من طمع في الكل فاته الكل
من لم يتعظ اتُّعِظ بع
لا يزال الأحمق يدور حتى يواجه بما يسؤه
لاترى الجاهل إلا مفرّطاً أو مفرطاً
لا خير في المعروف إذا أحصي
لا ينسب إلى الحلم إلا من قدر على السطوة
لا خلاق لسيئي الأخلاق
ما حلَّى والد ولده بأفضل من أدب حسن
ما هلك امرؤ عرف قدره
ما مات من أحيي علماً
ما صين العلم بمثل بذله لأهله
ما أنصفك من منعك ماله وكلفك إجلاله
ما أعفى عن الذنب من قرّع به
ما كتمته عدوك فلا تخبر به صديقك
стр. 600
ما تسابّ اثنان إلا غلبه الأمهما
ما شاهد على غائب بادل من طرف على قلب
ما جمع مال بتقتير إلا صرف بتبذير
رب ساع فيما يضره
ربما شرق شارب الماء قبل ريه
رب كلمة سلبت نعمة
رب منع أحلا من العطاء
رب صديق يؤتى من جهله لا من نيته
رب كلمة تقول لصاحبها دعني
لو سكت من لا يعلم سقط الخلاف
لو عقل أهل الدنيا كلهم لخربت
لو جاز على أن يعقل لجاز لوم الأعمى على أن يبصر
لو صور الصدق لكان أسداً ولو صور الكذب لكان ثعلباً
من أحسن الظن بالرحمن لم يخب
وأضيق الأمر أدناه إلى الفرج
فبينما العسر إذ دارت مياسير
يد تسح وأخرى منك تأسوني
وينطق بالعوراء من كان معوراً
وجادت بوصل حين لا ينفع الوصل
عند الشدائد تذهب الأحقاد
وما كل عام روضة وغدير
هدايا مقل إلى مكثر
والنمل يعذر في القدر الذي حملا
وصرت بغاثاً بعد ما كنت بازياً
أوسعتهم سباً وراحوا بالإبل
следующие страницы →