← Джавами‘

Джавами‘ · id 29676

مجلة الحقائق

عبد القادر الإسكندراني

Полный текст (1 077 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

في الجواب أن الكفر لا يتوقف على فعل العبادة الدينية في الكنيسة فقط بل يحصل بجملة أشياء يقصد إدخالها على التلميذ من قبل أساتذته وهو لا يدري من أمرها شيئاً كان يشك في صحة شيء مما هو معلوم من الدين بالضرورة كالبعث والحساب والجنة والنار أو يشك في صحة شيء من القرآن على أنه إذا سلمنا أنه ربما انتفى جميع ما ذكر فلا ينتفي ما هو أقل من الكفر كالتهاون بالدين وأوامره لعدم مرانه عليها. وماذا يرجى ممن أفنى زهرة شبابه بين يدي قوم يدينون بغير دينه ويحاربونه في معتقداته ويتحينون الفرص ليحولوا بينه وبين الهداية؟ نعم لا يرجى منه إلا أن يكون كما قال ذلك الكاتب الغربي (أضر على الإسلام مما لو تنصر) والعيان شاهد عدل. رأينا ممن تخرج في تلك المدارس من يترك الصلاة عمداً بلا عذر بل سمعنا أن هناك من يرى ترك الصلاة تمدناً ورقياً وينعي على آبائه المحافظة عليها ويعد ذلك من الخرافات وضياع العمر ويستهزئ بفاعلها ويحتقره كما يحتقر أحدنا الحيوان الأعجم. وهكذا سائر العبادات والأعمال الدينية فإنه يكرهها ويكره المتلبس بها ويعد التمسك بالدين والمحافظة على آدابه ضرباً من ضروب العبث بل قد يترقى به الحال إلى أن يعتقد أن الدين عثرة في المدنية والأخلاق الفاضلة كما يعتقد ذلك بعض أعداء الإسلام. هذا بعض مضار المدارس الأجنبية من الجهة الدينية والاعتقادية. أما مضارها في الأخلاق والآداب الاجتماعية فكثيرة يكاد أن لا يحصيها العد. وجماع القول أن الأيدي التي تدير تلك المدارس تريد أن تربي التلامذة لها لا لأوطانهم ليكونوا أبناءها، ومن أعز أنصارها. فهي تربي التلميذ وتهيئه لما تستقبله من الأيام. فلا غرو إذا عملت على كل ما يوسع المسافة بينه وبين مقومات قومه وهي كما تعمل على محو شعوره الديني تعمل أيضاً على تنفيره من لغته ووطنه وقومه وتحاول أن تضع مكان ذلك لغتها ووطنها وقومها واللغتان التي يلزم المسلم العثماني العناية بهما وهما اللغة العربية لغة القرآن والدين والعلم واللغة العثمانية لغة الحكومة والخلافة الإسلامية لا شأن لهما في تلك المدارس وإن كانا يذكران في (برنامجها) ويعدان من دروسها تمويهاً وتضليلاً كما تقدم ولذلك ترى كثيراً من ناشئة تلك المدارس يعلمون اللغة الفرنساوية ويتقنون فنونها وإذا سألتهم قراءة آية من القرآن العظيم صعب عليهم أداؤها من غير لحن فضلاً عن أن تسألهم

стр. 597

معرفة مفرداتها ودقائق معانيها وإذا أردتهم على أن يعبروا عن معنى من المعاني المرادة لهم بلغتهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً. ثم تراهم يعرفون من تاريخ نابليون وواشنطون ملا يعرفون من تاريخ الخلفاء الراشدين وملوك الإسلام العادلين. وإذا عرفوا شيئاً من ذلك يأخذونه صورة مشوهة وقضية معكوسة بما عملت به أيدي التحريف والغايات وتراهم إذا ذكر العدل يتلون لك من عدل إنكلترا مثلاً ما يظنونه غاية الغايات ولو سبروا سيرة الخلفاء الراشدين ﵃ وما كانوا عليه من العدل والإنصاف وغير ذلك من الأخلاق العادلة لرأوا بها ما يستصغرون معه ملوك الفرنجة وأخلاقهم وعدلهم. وكما أولع ذلك التلميذ باللغة الفرنساوية مثلاً يولع بمدنية فرنسا وبباريس عاصمة الفرنساويين فلا يفتأ يذكر معارف فرنسا وعلومها ومدنيتها وأخلاقها وإن كان منها مالا يلتئم مع الشرف ويندى منه وجه الإنسانية خجلاً وربما خال الفاسد من الأخلاق غاية في المدنية والحضارة وذلك لأن حبها وإعظامها ملك عليه مشاعره فلم يبق للفكر معه مجال وعلى العكس ترى محبته لوطنه الذي تربى به هو وأسلافه فإنه بفضل دسائس مؤدبيه ومهذبيه يصبح مبغضاً له كارهاً البقاء فيه طالباً البعد عنه ولو فارق أهله وأقاربه ولو اغتالت وطنه يد أجنبية وقضت على حياة شعبه واستقلاله وثروته لوجدته قرير العين منشرح الصدر. وفي الختام نسأل الله أن يحفظ المسلمين من غوائل هذه المصيبة الفادحة ويلهم أهل العلم والدين أن لا يدعوا مجالاً لتوسيع نطاقها وأن لا يفتئوا يذكرون مضارها الدينية والأخلاقية علَّ الأمة تنتبه من رقادها فلا تعمل على خراب بيوتها. والسلام على كل عامل بإخلاص.

стр. 598

من كتاب الأدب لجعفر بن شمس الخلافة. وهو من الكتب المخطوطة من شاور لم يعدم في الصواب مادحاً وفي الخطأ عاذراً. المشاور بين إحدى حسنتين صواب يقول بثمرته أو خطأ يشارك في مكروهه. لا يدرك الصواب بالرأي الفرد فليستعن مكدود بوداع، ومشغول بفارغ. ثلاثة لا يعدم المرء الرشد فيهن مشاورة ناصح، ومداراة حاسد، والتحبب إلى الناس. شاور من جرب الأمور فإنه يعطيك من رأيه ما وقع عليه غالباً وأنت تأخذه مجاناً. اعص هواك وأطع من شئت ارع حق من عظمك لغير حاجة إليك أعط من دونك ما تحب أن يعطيك من فوقك استغن عن الناس يحتاجوا إليك كن ذنباً في الخير ولا تكن شراً في الشر اتبع ولا تبتدع لتئد تصب أو تكد اشكر لمن أنعم عليك وأنعم على من شكرك اتق قرناء السوء فإنك متهم بأعمالهم لا تودع سرك جاهلاً فيخون ولا عاقلاً فيزل لا تقل ما لا تعلم فتتهم فيما تعلم لا تكن ممن يلعن إبليس في العلانية ويواليه في السر لا تكن رطباً فتعصر ولا يابساً فتكسر لا تقبلن في الاستخدام إلا شفاعة الكفاءة والأمانة إذا فاتك الأدب فالزم الصمت إذا بقي ما قاتك فلا تأس على ما فاتك إذا زل العالم زل بزلته عالم إذا كنت في إدبار والموت في إقبال فما أسرع الملتقى

стр. 599

إذا وجدت حاجتك في السوق فلا تطلبها من أحد من تأنى أصاب أو كاد ومن عجل أخطأ أو كاد من مشى مع ظالم فقد أجرم من أيقن بالخلف جاد بالعطية من كثر رضاه عن نفسه كثر الساخطون عليه من قل صدقه قل صديقه من سأل فوق قدره استحق الحرمان من عاب نفسه فقد زكاها من استغنى بالله افتقر إليه الناس من لانت كلمته وجبت محبته من أماله الباطل قوّمه الحق من طمع في الكل فاته الكل من لم يتعظ اتُّعِظ بع لا يزال الأحمق يدور حتى يواجه بما يسؤه لاترى الجاهل إلا مفرّطاً أو مفرطاً لا خير في المعروف إذا أحصي لا ينسب إلى الحلم إلا من قدر على السطوة لا خلاق لسيئي الأخلاق ما حلَّى والد ولده بأفضل من أدب حسن ما هلك امرؤ عرف قدره ما مات من أحيي علماً ما صين العلم بمثل بذله لأهله ما أنصفك من منعك ماله وكلفك إجلاله ما أعفى عن الذنب من قرّع به ما كتمته عدوك فلا تخبر به صديقك

стр. 600

ما تسابّ اثنان إلا غلبه الأمهما ما شاهد على غائب بادل من طرف على قلب ما جمع مال بتقتير إلا صرف بتبذير رب ساع فيما يضره ربما شرق شارب الماء قبل ريه رب كلمة سلبت نعمة رب منع أحلا من العطاء رب صديق يؤتى من جهله لا من نيته رب كلمة تقول لصاحبها دعني لو سكت من لا يعلم سقط الخلاف لو عقل أهل الدنيا كلهم لخربت لو جاز على أن يعقل لجاز لوم الأعمى على أن يبصر لو صور الصدق لكان أسداً ولو صور الكذب لكان ثعلباً من أحسن الظن بالرحمن لم يخب وأضيق الأمر أدناه إلى الفرج فبينما العسر إذ دارت مياسير يد تسح وأخرى منك تأسوني وينطق بالعوراء من كان معوراً وجادت بوصل حين لا ينفع الوصل عند الشدائد تذهب الأحقاد وما كل عام روضة وغدير هدايا مقل إلى مكثر والنمل يعذر في القدر الذي حملا وصرت بغاثاً بعد ما كنت بازياً أوسعتهم سباً وراحوا بالإبل

стр. 601

وكيف يعيب العور من هو أعور أشد عيوب المرء جهل عيوبه على أعراقها تجري الجياد وحسبك من غنى شبع وري شديد على الإنسان مالم يعود قد كنت أحسب أني قد ملأت يدي لا يسلب الحر إلا وهو مقتول يكفيك مما لا ترى ما قد ترى في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل من يحصد الشوك لا يحصد به عنباً والمندل الرطب في أوطانه حطب ولو لم تغب شمس النهار لملت والمشرع العذب كثير الزحام أخنى عليه الذي أخنى على لبد وشر الشدائد ما يضحك ورب مستحسن ما ليس بالحسن والدرهم الزيف لا يضيع إن المعارف في أهل النهي ذمم ومن العجائب أعمش كحال وقد يضحك الموتور وهو حزين وفي عنق الخائن الخجل من لم يكن ذيباً أكل فنفسك ولي اللوم إن كنت لائماً الباقي للآتي

стр. 602

مناعة الدردنيل كتب أحد الضباط الألمان الخبيرين في جريدة (اللوقال إنجايكر) مقالة وصف فيها مناعة الدردنيل وقوة حصونه واستحكاماته وقد نقلتها إحدى الصحف التركية عن الجريدة المذكورة فرأينا أن نعربها للقراء قال الضابط: مازلت إلى الآن أستغرب إمكان عزم إيتاليا على إرسال أسطولها لمهاجمة الدردنيل والعبور منه إلى الأستانة ذلك لأني أعد عمل إيتاليا هذا جنوناً وجهلاً لا يغفرهما لها الفن الحربي الحديث وهاك البرهان على ذلك: الدردنيل هو عبارة عن مضيق خُلق لأن يكون معقلاً حربياً طويل المساحة كثير التعاريج فهو ضيق بكل معنى الضيق بحيث لا تتجاوز مساحته بين الساحل والساحل الآخر أكثر من ٧٠٠ متر (كذا) إلا في بعض المحلات بداخله أي بعد ساعة تقريباً من مدخله فإنه يتسع بعض الاتساع. وكأن الطبيعة قد جهزته لأن يكون معقلاً منيعاً لوجود الهضاب البسيطة في الساحل الشرقي والجبال العالية في الغربي الأمر الذي يساعد على الحركات العسكرية في الجهة وعلى إحكام مواضع الحصون أو المدافع في الجهة الثانية. والدولة العثمانية لم تهمل هذا الموقع الطبيعي بدون أن تحصنه بل اهتمت له كل الاهتمام واستفادت من وضعية ذلك المضيق فائدة عظيمة فوضعت فيه (الطوابي) والقلاع الخفية المنيعة تحت الأرض وفي رؤوس الجبال. وجهزتها بأقوى المدافع وأكبرها وجعلت تحصينها على شكل أنه كلما تعطل معقل أو حصن قام مقامه آخر وتبقى هذه السلسة إلى مسافة ساعة في داخل المضيق. ولا يمكنني أن أقدر عدد (الطوابي) التي وضعتها الدولة العثمانية في هذا المضيق لأن ذلك من أسرارها العسكرية التي لا تبوح بها لأحد إذ من المؤكد أنه يوجد طواب وقلاع خفية لا تدركها الأنظار ولا يعلم موضعها إلا نفس الأركان الحربية العثمانية فقط. إنما الذي يلاحظه كل داخل إلى الأستانة ويمكنه أن يراه بالعين المجردة ما يقارب ٢٢ (طابية) ومعقل وكل طابية وضع فيها ٦ مدافع ضخمة عيار كروب التي مقياس كل مدفع منها ٢٨ أو ٣٠ سنتمتراً هذا عدا عن قلعتي (كليد البحر، وسد البحر) الواقعتين عند مدخل الدردنيل فإن هذين الحصنين يحتويان على مدافع كبيرة هائلة من عيار المدافع التي توضع

стр. 603

اليوم في الدوارع الجديدة المسماة (بالدرينوط) ومقياسها بين ٣٤ و ٣٦ سنتمتراً. وقد بنيت هذه الطوابي على الطراز الحديث بحيث أنها تكاد تلامس الأرض لشدة انخفاضها ومرصوفة بأكداس الرمل والمواد الأخرى المرصوصة والتي لا تؤثر فيها قنابل المدافع. فعلى هذا التعديل الظاهري يظهر لنا أنه يوجد في طوابي الدردنيل ما يقارب المائة وأربعين مدفعاً ضخماً ما عدا التي يجهلها كل إنسان وهي لا تقل عن الظاهرة ولكن لو اكتفينا بوجود العدد السابق معنا من المدافع للزم إيتاليا أن تهجم على هذه الطوابي بأسطول لا يقل عدد دوارعه الضخمة عن ٣٢ قطعة لأن كل دارعة كبيرة تحمل أربع مدافع ضخمة من طراز المدافع الموجودة في الدردنيل فهل يوجد لدى إيتاليا هذا العدد من الدوارع؟ فلو سلمنا بوجودها وهي ليس عندها إلا ١٤ دارعة من هذا النوع فقط ترى كيف تنجو دوارعها من خطر الألغام المبثوثة في مدخل الدردنيل هذا إذا أتيح لها إسكات الطوابي الأمامية؟ وبو سلمنا أيضاً جدلاً بإمكان دخولها فكم دارعة تبقى لها من ال ٣٢ لتصل بها إلى الأستانة وكيف تخلص هذه الدوارع التي سلمت من قنابل مدافع الجيش الممتدة على طول مدخل المضيق؟ تالله إن أسطول أقوى دولة بحرية لا يستطيع اليوم اجتياز مضيق الدردنيل عنوة فضلاً عن أسطول إيطاليا الذي أنهكت قواه الحرب الحاضرة وتثلمت مدافعه وتعطلت معظم آلاته البخارية لأنها في حالة الاشتعال بدون هدوء منذ ستة أشهر والخبير بالفنون البحرية يعلم جيداً أن المراكب الحربية تحتاج إلى التعمير عند معدل كل ثلاث سنوات مرة. ودوارع إيطاليا لم تصلح منذ الحرب ولا دخلت إلى محل تنظيف قعرها على الأقل!!. على هذا التعديل والمفروضات المار ذكرها معنا لا أظن بأن إيطاليا تورط بنفسها إلى اقتحام هذا المضيق الهائل (والبوغاز) المخيف الدردنيل وإذا فعلت ذلك أعد أركان حرب الجيش الإيطالي سواءً كان البري والبحري على جهل تام في الفنون الحربية. ولا يسعني عندئذ إلا أن أكبر على أسطول أبناء رومية وأعزي أهلها فيه أهـ. هذا ما قاله الضابط الألماني الخبير وهو يتكلم بالطبع عن خبرة حربية تامة فلتأمر إيطاليا أسطولها بأن يقوم بهذه النزهة البحرية كما قام جيشها بتلك النزهة البرية في طرابلس

стр. 604

الغرب!!! ودارت فيها الدائرة على رأسه. فلترجع عن غيها وغرورها فإن الحساب الذي عملته قبل الحرب قد أظهر خطأها العظيم ولا مشاحة فعلى الباغي تدور الدوائر. الحقيقة

стр. 605

الربا فشت في الأمة هذه الخصلة الذميمة الربا فشواً هائلاً، وانتشرت بين عامة طبقاتها انتشاراً غريباً، حتى غلبت عقودها في المعاملات العقود الصحيحة، وعد تعاطيها من أنجح الأعمال، لا جرم تعطلت أصول المكاسب، وطمست كنوز الثروة، وافتقرت البلاد، وتوفرت أسباب خرابها. إن موارد الارتزاق محصورة في التجارة والزراعة والصناعة وتربية المواشي ولا من متجر أو صانع أو زارع أو مرب للماشية إلا وقد أضر به الربا وألصق به خسارة جسيمة. بينا ترى التاجر يتأفف من كساد سلعته، وقلة ربحه، وكثرة ديونه وتضييق مداينيه، ترى الصانع يئن من عدم رواج صنعته ويشكو فقره وفاقته، ولا تنتهي إلى الزارع إلا وتجده كالأنعام المسخرة والبهائم المذللة. يجدّ عامه كله في حرث الأرض وقلبها. وبذر البذر وتعهده ولا يحصل من العيش إلا القوت الضروري، ومن الثياب غير الخشن البالي وإذا أمعنا النظر في حال مربي الماشية نجده الرجل الذي كتب عليه الشقاء، وسجل عليه العناء مما يلاقي من أخطار سكنى البادية ومخاوفها، وما يجد من نصب رعي الدواب وتربيتها، وما يعاني في حلب الضرع واستخراج الزبد منه وما يكابد في جز الصوف وقطعه ثم هو بعد ذلك لا يجد من القوت إلا ما يسد الرمق ومن الثياب إلى ما يستر العورة. هذه حال البائسين شغل شاغل، وعناد دائم، وشقاء مستمر، وفائدة قليلة فما السبب في ذلك يا ترى؟ أليس من أقوى الأسباب المفضية إلى ذلك شيوع الربا بين طبقات الأمة وتهاونها بأمره؟ نعم إن تعاطي الربا من أقوى الأسباب على ضعف التجارة والصناعة والزراعة وتربية المواشي، وهو من أكبر العوامل على بلوغها تلك الدرجة من الانحطاط. أضر الربا بالتجارة فأقعد عنها أكثر المثرين الذين هم أهلها. ولا تقوم إلا بهم. صرفهم عن كبير فائدتها بما عللهم من منفعة قليلة من طريق خبيث. وسلط عليها غير أهلها، ومن لا يحسنون القيام بها، فأودى بفراغهم، وذهب بجميع ما يملكون. أضر الربا بالصناعة حيث أفقدها من يعمل على تحسينها وتنميتها وباعد بينها وبين من يضرب آباط الإبل لترويجها في سائر البلاد. أضر الربا بالزراعة وتربية المواشي فأثقل كاهل أهليها بما حملهم من أعباء ظلم المرابين

стр. 606

واضطهادهم وحرمهم ثمرة كدهم وعنائهم. ولو أتيح لهم الخلاص لكانوا سادة الناس وأغنياءهم. يقول ضعفاء الأحلام من المفتونين بآثار الغربيين أن أوروبا التي بلغت تجارتها وصناعتها الدرجة العالية، وفاقت مدنيتها في القرن العشرين مدنية جميع الأمم وصلت إلى ما وصلت إليه والربا عماد حركتها وأصل كبير من أصولها الاقتصادية. نقول أن من العبث بالنواميس الطبيعية أن ندعي أن الحركة منشؤها السكون وأن الأعمال متسببة عن الإهمال. إن أوروبا لم تبلغ هذه الدرجة من الرقي بقعود مثريها عن العمل، واكتفائهم بما يبتزونه من الفقراء باسم الربا (كما يزعم من طمست بصيرته) إنما الذي أوصلها إلى هذه المرتبة هو حركتها التجارية والصناعية المنبعثة عن العلوم العصرية التي لم تعرف منها الشعوب إلا بعض أسمائها ثم لما فتحت لهم كنوز الأرض وقبضوا على زمام الثروة نظرت إليهم الأمم بعين الإجلال والإعظام وأخذوا يفكرون في الطرق التي توصلهم إلى اللحوق بهم، والاقتباس من مشكاة مدنيتهم فلم يكن إلا قليل حتى عرفوا طرق الوصول، وأدركوا سر ذلك التقدم ولكن فقدوا قوام هذه الأعمال العظيمة ألا وهو المال فسارعوا إلى اقتراضه من مثري أوروبا برباً غير قليل فلقوا منهم احتفاء ولينا في المعاملة إذ تيقن أولئك الغربيون أنهم بإقراض تلك الأمم شيئاً من الأموال بجنون فوائد جمة منها ترويج تجارتهم في ممالك هذه الأمم وإثقال كاهلها بالديون بصورة تؤدي إلى اضمحلالها، وفقدها استقلالها في حين أن الغربيين أصبحوا يمكنهم الاستغناء عن هذا النزر اليسير من المال، ولا يؤثر فقده على تقدمهم على أنهم لم يبذلوه إلا بفائدة مالية وفضل لا يستهان بهما. ولو جردت أوروبا من مطامعها الاقتصادية والسياسية في غيرها من الأمم لما رأيناها ترغب هذه الرغبة في الربا وتُعنى به هذه العناية، ولكانت صرفت قوتها المالية في ترقي تجارتها وتنمية صنائعها. وإن تكن بلغت مبلغاً كبيراً إذ الكمال كما يقال لا انتهاء له. وبالجملة فإن وجود الربا مضر بأحوال الأمم الاقتصادية، ومحاولاتها الاجتماعية لذلك جاء الدين الإسلامي الحنيف بتحريم الربا وإعظام عقوبة مرتكبيه. قال الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين. فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تَظلمون ولا تُظلمون)

стр. 607

وقال عز اسمه (وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما أسلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون. يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم). وقال صلى الله تعالى عليه وسلم اجتنبوا السبع الموبقات قالوا يا رسول الله وما هن قال الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة. وعن جابر رضي الله تعالى عنه قال لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله وشاهديه رواه مسلم وغيره. وقال صلى الله تعالى عليه وسلم أربع حق على الله أن لا يدخلهم الجنة ولا يذيقهم نعيمها مدمن الخمر وآكل الربا وآكل مال اليتيم بغير حق والعاق لوالديه رواه الحاكم عن أبي هريرة وصححه. وقال صلى الله تعالى عليه وسلم الدرهم يصيبه الرجل من الربا أعظم عند الله من ثلاثة وثلاثين زنية يزنيها في الإسلام رواه الطبراني في الكبير. وقال صلى الله تعالى عليه وسلم من حديثٍ ما ظهر في قوم الزنا والربا إلا أحلوا بأنفسهم عذاب الله رواه أبو يعلي بإسناد جيد عن ابن مسعود. وعن القاسم بن عبد الواحد الوراق قال رأيت عبد الله ابن أبي أوفى ﵄ في السوق في الصيارفة فقال يا معشر الصيارفة أبشروا قالوا بشركك الله بالجنة بم تبشرنا يا أبا محمد قال قال رسول الله صلى الله عيه وسلم أبشروا بالنار رواه الطبراني بإسناد لا بأس به إلى غير ذلك من الآيات الكريمة، والأحاديث العظيمة. وبعد كتابة ما تقدم رأينا للكاتب الاجتماعي الكبير محمد فريد بك وجدي في كتابه كنز العلوم واللغة تحت عنوان الربا ما يأتي فأثرنا نقله لفائدته الجمة. قال الربا هو ربح المال خاصة في الاصطلاح العصري وهو قاعدة من قواعد الفنون الاقتصادية العصرية. وهو محرم عندنا قليله وكثيره على الآخذ والمعطي وذهب قوم إلى أنه حرام على المعطي دون الآخذ وهو ضعيف فإنه ما دام حرماً فيكون آخذه معيناً على الحرام فيأثم. حجة أهل أوروبا في حليته أنه منظم حركة التعامل في العالم، ومحدث للتكافل بين أصحاب المشروعات. قالوا هب أن جمعية من المهندسين أمامها عمل نافع للعالم ووراءه

стр. 608

فائدة مالية كبيرة ولكن ليس لديها مال تتم به ذلك المشروع الهام فهل عليها من حرج لو استدانت مالاً من أصحاب المال الوفير وأربحتهم في كل مائة خمسة أو أربعة وربحت هي من فضل أموالهم عشرين أو ثلاثين؟ إذا تقاعس أصحاب المشروعات عن إعطاء ربح لأصحاب المال تقاعس هؤلاء عن إقراضهم ومتى لم يجد أصحاب المشروعات مالاً تعطلت مشروعاتهم ووقفت بذلك حركة الصناعات والمشاريع الجسيمة وحرم الناس من فوائدها ووقفت تبعاً لذلك حركة الرقي في الأمة وسبقها غيرها في ميادين المدنية والارتقاء. هذه أكبر الشبه التي يقدمها أنصار الربا ويزيدون عليهم قولهم أن الربا المحرم في الشرائع والقوانين الوضعية معاً هو الربا أضعافاً والمعنيون بقوله تعالى (لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس) هم أولئك العتاة القساة الذين يسكنون القرى والمدن ويقرضون النساء والضعفاء (الجنيه) بخمسة قروش صاغ في كل شهر أو بعشرة فتكسب مأتهم ٦٠ أو مائة ويرتهنون في نظير القرض حلي أولئك النسوة ومساكين أولئك الضعفاء فينتهي الأمر بذهاب الرهن وضياع ثروة أولئك العجزة. قالوا هذا هو الذي حرمه الشرع والوضع والطبع أما بالنسبة للأعمال الجسيمة التي تحتاج للتوازر والتكافل ويعوزها التكاتف والتضامن بين أصحاب المال وأهل العلم فلماذا يحرم ربح المال بهذا المعنى وهو إن أفاد صاحبه ٥ في المائة أفاد المقترض ٢٥ أو زيادة. هذا قول أنصار الربا وأقول أن الربا حرام بتاتاً قليله وكثيره على آخذه ومعطيه لأن الأدلة متوفرة على تحريمه والقرائن متوازرة على ذلك. منها أن الربا حرام في القرآن الكريم بتاتاً ولم يعقب تحريمه بتفصيل أو تفريق بين الربا الفاحش والربا المعتدل أو الداخل في حركة المشروعات الجسيمة. ولو كان في تحريمه هوادة لكان ذكره الله على النحو الذي ذكر به غيره. ومنها أن هذا الشكل من التعامل بالمال محي أثره من الهيئة الاجتماعية الإسلامية في صدر الإسلام ولم يعد أحد يذكره. فإن قلت أن حركة المشروعات المدنية كانت ضعيفة قلنا قد حدثت بعد ذلك حركة نشيطة للدرجة القصوى ولم يكن الربا من مستلزمات التعامل فيها مطلقاً بل ولم يشعر بالحاجة إليه أحد. وفي رأيي أن هذه الحركة المدنية العربية لو بقيت للآن لما شعر بالحاجة إلى الربا أحد.

стр. 609

كل هذا فيما يظهر لنا لأن البواعث لحركة المدنية العربية والعوامل في تقويمها ليست من جنس البواعث لمدنية الغرب وعواملها. السائق لمدنية الغرب كما لا ينكره أحد هو حب الذات وتوفير اللذات الطبيعية الجسمية المعتدلة والذهاب بالإبداع الصناعي غاية ليس وراءها غاية. ومن هذه البواعث نشأت عوامل مناسبة لها وهي المزاحمات والمضاربات واغتناء بيوت لدرجة تكاد تكون خيالية وفقر السواد الأعظم من الأمة فقراً مدقعاً واستحالة سياسة الشؤون العامة بيد البورصات وأصحاب رؤوس المال حتى صار التآزر بين الأمم تابعاً للمصلحة المالية الاقتصادية لا للحق والعدل. والساسة العصريون لا يخجلون من التصريح بذلك حتى قالوا إن السياسة لا دين لها ولا خلق ولكن المدنية العربية لم تستمد روحها من هذه البواعث ولا تشابه ما ذكرناه من العوامل فالباعث الأول لتكوين المسلمين كان لتكوين أمة فاضلة تنصر الحق وتؤيده وتخذل الباطل وتبدده وتدعو إلى كلمة الله وتنصرها وتؤدب الطغاة وتسحقها وتحدث في العالم انقلاباً نتيجته الخير والفلاح قال تعالى (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) وقال تعالى (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيد) من هذا الباعث الكبير نشأت العوامل الاجتماعية لتلك الحركة المدنية العربية. من تلك العوامل الاندفاع لإحقاق الحق وإزهاق الباطل والسعي لإقامة حكومة عادلة تقيم أمر القرآن وتبطل سنة الشيطان. والعمل للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والاجتماع لإقامة الصلوات وبذل الصدقات والتوازر لترقية الروح وإعدادها للكمال الأقدس بنشر الفضيلة وبث الحكمة والتساعد لافتتاح الممالك والبلدان بقصد إمداد الأمة الإسلامية بالمادة لتقوى على نشر ما نيط بها من الدعوة للمعروف والنهي عن المنكر لا لتسهيل سبل التجارة وبز المال من الأمم المفتتحة كما هو الباعث للاستعمار في هذا القرن. على أمثال هذه البواعث والعوامل قامت المدنية العربية فدارت فيها حركة الحياة لا على التزاحم والتنافس والمضاربة بل على التراحم والتساهل والملاينة وهذه كلمة تزاحم وتنافس التي لا يؤاخذ من قالها ولا يلام من عمل بها حتى صارت تكتب فوق الدكاكين لاستجلاب الشارين بل صارت اسماً لألوف مؤلفة من محلات تجارية كانت هذه الكلمة إبان الحركة المدنية العربية من المخازي لا يقولها إلا الساقط العاري عن الفضيلة ولئن قالها فهمساً في أذن مشاكله ولا

стр. 610

يجسر على كتابتها عنواناً لمحل تجارته. نعم لا أنكر أن هذه العوامل في المدنية العربية لم تكن مراعاة كل المراعاة وأعترف أن أكثر الناس كان يلوكها رياءً وسمعة ولكن مما لا يستطاع أن ينكره على أحد أنها كانت عوامل تلك الحركة ولا عوامل لها سواها في المبدأ. ثم أُقر بأن تلك العوامل انقلبت كلها إلى أضدادها وصار التراحم الأول تزاحماً في الحقيقة والتواهب تناهباً في الواقع وآل الأمر بتلك العوامل حتى صارت عين العوامل العصرية ولكن لا ينكر علي أحد أن مبدأ استحالة تلك العوامل إلى أضدادها كان أيضاً مبدأ فتور تلك الحركة وسكونها لأنها غير عواملها وسوى بواعثها الأصلية. من هنا يتضح أن شكل المدنية العربية لا يقتضي وجود الربا فيه ولو كان يقتضيه لنشأ فيه وإن شكل مدنية العصر الحاضر يقتضي الربا ولا يمكن سلامته منه كما يتضح لكل متأمل في حركة آلاتها الحيوية فإن كنا نريد إنسانية بواعثها التزاحم والتواهب والتضامن في الحياة والتكافل في المعائش والوازر بين جميع أفراد الأمة لإيصال أنفسهم إلى كمال مقدس ونيل سعادة روحية تامة وهذا يقتضي عقيدة بالله وباليوم الآخر وبالرسل. إن أردنا هذا الشكل من المدنية ارتفع الربا من بيننا وزال أثره وإن أردنا مجاراة أوروبا في حركتها والاستمداد بفضل حياتها والدخول في حزبها. بل والفناء في جسم شعوبها فليجعل الربا أصلاً من أصول مذاهبنا الاقتصادية. إن قلت وكيف العمل والحركة قد خرجت من أيدينا وصار إيقافها في غير وسعنا نقول: كلا! هذه كلمة عجز في كل أمة من أمم الأرض رجالاً يقال لهم الاشتراكيون لهم في علم الاقتصاد مبادئ عالية يكاد مذهبهم يعد خيالياً ومع ذلك فهم يدافعون عن مبادئهم ويكسبون كل يوم أحزاباً على أن مذاهبهم لم تزل نظرية محضة ولم تطبق على أمة من الأمم قط ولم يعرف للآن أتنجح أم تخيب. أفلا نساويهم نحن في ثباتهم هذا ونضمر في أنفسنا عقيدة راسخة بسمو مبادئنا على مبادئ هذه المدنية ونزيد تلك العقيدة كل يوم قوة بأبحاث جديدة وكتابات سديدة حتى نهيء الرأي العام لقبولها انتظاراً للفرص كما ينتظر اشتراكيو أوروبا الفرص أيضاً؟ وعلى أن الفرق بيننا وبين الاشتراكيين أن مذهبهم لم تؤيده التجربة للآن ومذهبنا قامت به أمة قروناً عديدة كانت فيها مثال الكمال والحياة والأبهة الاجتماعية فما معنى تأويلنا لنصوص كتابنا بعد هذا لتنطبق على أصول مدنية أوروبا في جهاتها السقيمة وما معنى تحليلنا لما حرم في ديننا القويم لينطبق على مبادئ

стр. 611

معوجة لا حياة لها إلا في دور من أدوار الإنسانية دون سواها؟ لعل قائلاً يقول هذا كلام جيد ولكنه إلى الخيال أقرب نقول لا يصح أن نريح أنفسنا من حيث تعب الكرام فإن كنا في دعوتنا إلى دين متين قامت الأدلة على حقيقته وشهد الوجود له بعلو مكانته ننسب إلى الخيال. فبماذا يصف معارضنا اشتراكيي أوروبا وهم يدعون إلى أصول تنافي أصول مدنية أوروبا الاقتصادية بالمرة. على أن تلك الأصول لم تطبق على أمة للآن ومع ذلك فهم دائبون على نشر مذهبهم وإعداد النفوس لقبوله حتى صارت الآن لهم الأغلبية في بعض الممالك هل كانت أصول ديننا أدنى من أصولهم أم أسعفتهم التجربة بما لم تسعفنا؟ ألا يصعب على أنفسنا أن نرتاح من حيث تعب الكرام؟ أهـ.

стр. 612

إجابة طلب المؤيد يا مصطفى قبل العالم كلها) ... بل كاف كن لم تتصل بالنون يا من غدا نوراً يسبح ربه ... والكون لم يبرز من التكوين) أيروم مخلوق مديحك بعدما) ... جاء الكتاب بمدحك الميمون من ذا يقدر ذاتك العظمى وقد ... أثنى عليك الله بالتبيين) صن أمة قضت الشعوب بلها ... في شدة أنت الضمين بحلها هل غير ذاتك نستظل بظلها ... يامصطفى قبل العوالم كلها والكون لم يبرز من التكوين مهما تلا المثني عليه وعظما ... فمقامه أضحى أجلَّ وأعظما يا من به الخلاق حقاً أقسما ... أيروم مخلوق مديحك بعدما أثني عليك الله في التبيين) عبد الرحمن القصار يا مصطفى قبل العوالم كلها) ... يا أول الأسرار في التعيين قد كنت نوراً بالتجلي مشرقاً ... والكون لم يبرز من التكوين) أيروم مخلوق مديحك بعدما) ... أصبحت أعظم مرسل بيقين وأجل مدح فيك أن يثنى بما ... أثنى عليك الله في التبيين) دمشق عبد القادر المبارك يا مصطفى قبل العوالم كلها) ... أبداك نوراً مبدع التمكين وبقيت ما شاء المهيمن مشرقاً ... والكون لم يبرز من التكوين) أيروم مخلوق مديحك بعدما) ... قد سدت كل الأنبيا بيقين وحظيت بالخلق العظيم لذا به ... أثنى عليك الله في التبيين) أحمد الجوبري يا مصطفى قبل العوالم كلها) ... يا خير من يرجى لكل حزين فقد اصطفاك الله ذخراً للورى ... والكون لم يبرز من التكوين)

стр. 613

أيروم مخلوق مديحك بعدما) ... يبدو لديه بأوضح التبيين إن امتداحك لا يحد وطالما ... أثنى عليك الله في التبيين يا خير كل الأنبيا وأجلها ... يا نور مصباح الهداة وفضلها قد عمت البلوى وأنت لحلها ... يامصطفى قبل العوالم كلها والكون لم يبرز من التكوين) أنت الذي حاز المقام الأعظما ... وعلى الخلائق كلها مجداً سما والله في القرآن قدرك فخما ... أيروم مخلوق مديحك بعدما أثنى عليه الله في التبيين دمشق محمد سليم الحنفي يا مصطفى قبل العوالم كلها) ... لتكون أشرف مرسل وأمين قد كان نورك يا محمد ساطعاً ... والكون لم يبرز من التكوين) أيروم مخلوق مديحك بعدما) ... شافهت ربك يا أجل مكين لكننا نبدي استطاعتنا وإن ... أثنى عليك الله في التبيين) قاسم حرز الله النابلسي يا مصطفى قبل العوالم كلها) ... يا مجتبى من أول التعيين سدت الورى بنبوة أوتيتها ... والكون لم يبرز من التكوين) أيروم مخلوق مديحك بعدما) ... شاهدت خالقنا مع التمكين وسموت حتى نلت ما ترجو وقد ... أثنى عليك الله في التبيين) عارف المحماجي يا مصطفى قبل العوالم كلها) ... أنت الملاذ لنا وخير قرين أنت الذي ملأ الفضاء سجوده ... والكون لم يبرز من التكوين) أيروم مخلوق مديحك بعدما) ... أظهرت كل مآثر للدين

стр. 614

كلّ اللسان بمدح ذاتك حينما ... أثنى عليك الله في التبيين) م. م

стр. 615

النساء وتبرجهن قال الله تعالى ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى كانت المرأة في الشرق من أمد بعيد امرأة حقيقية شغلها الشاغل إصلاح إدارتها البيتية، وبغيتها الوحيدة تربية أطفالها وما يلتحق بذلك من حمل ووضع وإرضاع، كانت وغايتها القيام بالوظيفة الزوجية وعمل ما خلقت له. كانت وكان شعارها العفة، ودثارها الحياء ورداؤها التربية والأخلاق. ولم تزل حالها كذلك حتى تسربت إليها تلك الفتنة العظيمة فتنة الاختلاط بالمتفرنجات اللواتي نفثت فيهن المدنية الغربية سمومها فأودت بأخلاقهن وآدابهن. نشأ عن هذا الاختلاط ترك المرأة الشرقية لعاداتها وبغضها لآدابها وميلها إلى هذه الأزياء الجديدة (الموضة) فسقطت في وسط هذه المعممة ضعيفة ثم قويت حتى عدت من أكبر أنصارها. من يجهل منا معاشر الدمشقيين ما كانت عليه المرأة الدمشقية من سنين قليلة من النزاهة والعفة، والأدب والحياء. من يجهل بم كانت تتزين في دارها أما زوجها، ومن كان يخيط لها ثيابها، وكم كانت قيمة ما تلبسه، وبماذا كانت ترتدي إذا عرضت لها حاجة شرعية ألزمتها الخروج إلى السوق. تهتك النساء وتبرجهن في الثياب خصوصاً بعد إعلان الدستور في المملكة العثمانية لظنهن بأن الحرية هي إطلاق العنان لكل إنسان أي أن للشخص أن يعمل ما تشتهيه النفس، ويبعث عليه الهوى، وإن أضر بالأخلاق وهدم صروح الآداب، وأوجب مقت الله تعالى وسخطه. أعان المرأة على ذلك نداء شرذمة من الكتاب المتفرنجين برفع الحجاب ووجوب إزالته، وندبهم حظ المرأة التعيس، وتصويرهم الحجاب لها بأقبح الصور، وإيهامها أنه هو الحائل بينها وبين رقيها، والمانع الأعظم من تقدمها وأن حياة الحجاب حياة الموت، وعيشة الضيق والآلام مع ما تقدم من احتكاكها ببعض المتفرنجات وتقليدها لهن بالزي والملبس وميل النفس للإطلاق وإغضاء الرجل عن كبح جماحها وردها إلى الطريق الأمثل، وعدم تربيتها التربية الشرعية الدينية. من مجموع هذا كله فسد أمر المرأة، وتغير حالها حتى أصبحت كما هي اليوم. ليس منا من يجهل حسن الحجاب للنساء ومنافعه وضرورة وجوبه بعد أن رأينا بأم العين

стр. 616

خلاعة بعض النسوة، وتبرجهن علانية في الأسواق، ومجتمعات الناس على مرأى من الخاصة والعامة من غير استحياء ولا خجل والكثيرون من ساقطي المروءة والشرف، وفاقدي التربية والأدب يطمحون إلى مغازلتهن وعلى الأقل إلى الإشارة لهن والتمتع برؤيتهن. يخرج بعض النساء من دورهن لا لحاجة سوى النزهة والتسلي وربما كان ذلك لموعد ضربنه بينهن وبين أحد صويحباتهن ليس الحامل عليه إلا الاسترسال في التهتك وإرخاء العنان لتأخذ حظها من الغواية. يخرجن متعطرات متزينات لابسات ثياباً خيراً من ثياب زينتهن أمام بعولتهن ليلفتن نظر صواحباتهن إلى جمالهن أو ليستلفتن إليهن نظر بعض الشباب. فيا للمروءة والشرف. ويا للفضيحة والعار! هكذا يصير حال النساء وإلى هذه الدرجة يؤول أمر أخلاقهن. والرجال إزاء هذه الأعمال الفظيعة كلها ساهون لاهون لا يبدون حراكاً كأنما غفلوا عما توجبه المروءة والشهامة، وتدعو إليه الغيرة على العرض!! دمشق مع أنها بلدة الدين، بلدة الأمانة، مهبط وحي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. تنظر إليها الناس من أقطار الأرض كما ينظرون إلى الكواكب اللامعة في السماء، ويحسدونها على ما أوتيته من الفضيلة والفضل غفل أو تغافل أهلها عن تبرج النساء حتى استرسلوا استرسالاً سيعود عليهم (لا قدر الله) بالوبال والخزي إن لم يتداركه عقلاؤهم بالحكمة والاهتمام. أدركت الحكومة السنية مغبة هذا الأمر، ووخيم عاقبته فأصدرت أوامرها بمنع النساء من التبرج ومن كل ما يخالف الآداب الشرعية، ولا يلتئم مع روح التربية والأخلاق. وإليك نص البلاغ الوارد إلى الولاية من المشيخة الإسلامية الجليلة بواسطة نظارة الداخلية: إن أحكام الدين الإسلامي بحق تستر النساء هي جالبة لمنافع متعددة ومانعة لمفاسد شتى وبينما نرى عدداً كثيراً من حكماء أوروبا يقدرون هذا حق قدره يشاهد عندنا بعين الأسف سقوط هذه الوظيفة الدينية وما يبنى عليها من العادات الملية المستحسنة وإن القصد من تستر النساء المسلمات هو من القديم استعمال الإزار ولكن بهذه الأيام يستعملون عكس ذلك يغيرونه أشكالاً وألواناً وحتى أن الشكل الذي اكتسب منذ مدة أتباعاً للزي (الموضة) قد أثر

стр. 617

كثيراً في جميع أصحاب العقول. فيجب على النساء المسلمات اللواتي يحافظن على ناموسهن وعصمتهن وعفتهن أن يتوقين هذه الحالات المستوجبة الشقاء بهذه الدنيا والداعية للسؤال والعذاب الأليم بدار الآخرة. فيجب علينا نحن الرجال الذين نرى مثل هذا الرأي القبيح بنظر أصحاب الناموس أن نمنع الزوجات اللواتي يردن الخروج عن دائرة الآداب ونؤدب أنفسنا عن كل ما يؤول لحركة مخالفة. فالترقي المطلوب للأمة هو قائم بحسن المحافظة على الآداب الدينية والعادات القومية المستحسنة وإن ما نسمعه عن ترقي أمة اليابان الفائق التصور قد تيسر لها بمساعدة هذه العادات بخلال ثلاثين أو أربعين سنة. فإذا أغفلنا هذه الحقائق وملنا مع هوى أنفسنا فبدلاً من الترقي الذي نأمله ونحتاج ىإليه تكون عاقبتنا الخسران كما أن أرباب الأديان المعروفة في الممالك العثمانية هم مكلفون بإجراء ايجابات آداب مذاهبهم كذلك يمنعون عن كل حركة مخالفة وذلك وفقاً للمادة التاسعة والتسعين من الذيل الثالث لقانون الجزاء الذي صار إعلانه بموجب إرادة سنية وقد تأيد هذا النظام لدى الحكومة العثمانية وتقررت معاقبة مرتكبي الجرائم التي لها تعلق بهذه الفقرة لدى المحاكم الجزائية ولكي لا يكون الإنسان معرضاً بنفسه لهذه التعقيبات القانونية ولكي لا يكون سخرية بنظر أقرانه يجب عليه أن يدعو نساءه لرعاية قاعدة التستر حسب الإيجابات الشرعية وأن يوصيهن بتجنب مظان التهمة التي تنشأ عن الحيلة بداعي الأشغال. وعلى رؤوساء العائلة أن يلتزموا الأوامر الدينية والآداب الملية وأن يبذلوا اهتمامهم بذلك ونوصيكم ونحظركم بصورة مخصوصة تفهيم ذلك إلى الأهالي المحترمين. أهـ وقد أبلغت الولاية هذا البلاغ إلى الصحف والأئمة وحثت الناس على الامتثال، وحذرتهم من المخالفة فنشكر عنايتها بحفظ الأخلاق الإسلامية والآداب الدينية، ونسأل الله تعالى تقوية شوكتها وتبكيت أعدائها وتسهيل أسباب التوفيق لجميع عمالها وأن يكثر فيهم من أمثال حضرة صاحب السماحة شيخ الإسلام عبد الرحمن أفندي نسيب الذي عرف بالتقوى والصلاح، وميز بالصدق والاستقامة. ربما يقول قائل إذا كانت الحكومة أيدها الله أصدرت أوامرها بوجوب تستر النساء وأبلغت ذلك للولايات فلم تهاملت الولاية بتنفيذ هذا الأمر؟ وهلا كان من الواجب عليها أن تصدع بما تؤمر خصوصاً وهي تعلم ما وصلت إليه حالة النساء؟ وهل ليس في إمكانها منع هذه

стр. 618

المسألة المميتة للعواطف والأخلاق؟ وهلا تعلم أنها لو ضربت على يد واحدة منهن وأذاقتها طعم العدالة تملأ قلوب جميع النساء رعباً وخوفاً؟ والجواب عن هذا أن يقال أن عادة كعادة تبرج النساء فشت في الأمة بمدة سنوات متعددة وتأصلت في نفوسها تأصلاً مستحكماً لا يمكن إرجاعها عنها بيوم أو بعض يوم. ووالي الولاية مشهود له بالمقدرة والدربة والكفاءة وحسن السياسة ولكن العجلة وحسن السياسة لا يجتمعان. اجتمعنا بأحد أعضاء مجلس إدارة الولاية فشافهنا بهذا الأمر وسألناه عن سبب عدم اهتمام الولاية فيه فأجابنا بأن الولاية مما يسرها أمثال هذه الأوامر وما قط أرادت إهمالها ولكن العجلة لا تأتي بخير. وليس من الإصلاح استعمال القوة إلا بعد التبليغ والنصائح وها قد زوعزت إلى مختاري المحلات ليجروا التنبيهات اللازمة على جميع البيوت. وسترون بحوله تعالى مايسر ويفرح. هذا وليت شعري أما كان الأولى من المعترض أن يوجه سهام اللوم على الأهلين وعلى العلماء لتقصيرهم في امتثال أوامر الحكومة وقد كان من الواجب تأليف جمعية من مقدمي أهل البلدة تأخذ العهد على نفسها بالعمل بمقتضى هذا البلاغ المفيد وأقل ما ينتج عن ذلك مساعدة الحكومة على تنفيذ أوامرها وتشويق بقية الناس إلى ذلك إذ لا يخفى حب الناس للتقليد. وفي الختام نرجو أن تكون كلمتنا هذه كلمة لا يقصد منها النظر إلى حروفها والتسلي بقراءتها بل يقصد منها العمل بمقتضاها. وسلفاً نقدم الشكر لمن يبادر بتأليف جمعية هذه غايتها. وفي اعتقادنا أن هذا خير ما يعمله المرء في هذه الدار.

стр. 619

العدد ٢١ - بتاريخ: ١٧ - ٤ - ١٩١٢

стр. 620

الدين الإسلامي والتوحيد ١٥ معجزات سيدنا محمد ﷺ ومن معجزاته ﵊ (انشقاق القمر) وهو من أمهات معجزاته ولم ينشق لأحد غيره ﵊ وقد أجمع المفسرون وأهل السنة على وقوع ذلك لأجله ﷺ فإن ضعفاء الأحلام من كفار قريش لما كذبوه ولم يصدقوه طلبوا منع آية تدل على صدق دعواه فمنحه الله تعالى هذه الآية العظيمة التي لا قدرة للبشر على إيجادها دالة على صدقه أخرج الترمذي من حديث عبد الله بن عمر في قوله تعالى (اقتربت الساعة وانشق القمر) قال قد كان ذلك على عهد رسول الله ﷺ فانشق القمر فلقتين فلقة دولبن لجل وفلقة خلف الجبل فقال ﵊ (اشهدوا). وفي سنن أبي داود من حديث عبد الله بن مسعود قال انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فقال كفار قريش هذا سحر بن أبي كبشة قال فقالوا انظروا ما يأتيكم به السفار فإن محمداً لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم قال فجاء السفار فأخبرهم بذلك. وفي الصحيحين من حيث أنس رضي الله نه أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر شقين حتى رأوا حراء بينهما. قال الخطابي انشقاق القمر آية عظيمة لا يكاد يعد لها شيء من آيات الأنبياء وذلك أنه ظهر في ملكوت السموات خارجاً عن جملة طباع ما في هذا العالم المركب من الطبائع فليس مما يطمع في الوصول إليه بحيلة فلذلك صار البرهان أظهر أهـ. ولا شك أن ظهور هذه المعجزة على يد أشرف الرسل مما لا يحيلها العقل لأنها من الممكنات العقلية الداخلة تحت تصرف الإله القادر الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء (إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون). ومن معجزاته ﷺ (رد الشمس له) فقد روى الطبراني عن أسماء بنت عميس أن الرسول ﵊ كان يوحى إليه ورأسه في حجر علي ﵁ فلم يصل العصر حتى غربت الشمس فقال ﵊ أصليت يا علي قال لا فقال ﵊ اللهم أنهُ كان في طاعتك وطاعة رسولك فأردد عليه الشمس

стр. 621

قالت أسماء فرأيتها غربت ثم رأيتها طلعت بعدما غربت ووقعت على الجبال والأرض وذلك بالصهباء. وذكر القاضي عياض عن ابن اسحق أنه لما أسري بالنبي ﷺ أخبر قومهُ بالرفقة والعلامة التي في العير قالوا متى تجيء قال يوم الأربعاء فلما كان ذلك اليوم أشرفت قريش ينتظرون وقد ولى النهار ولم تجئ فدعا ﷺ فزيد له في النهار ساعة وحبست عليه الشمس أهـ ونقل ذلك أيضاً النووي وابن حجر وغيرهما وأقروه على ذلك. ومن معجزاته ﷺ (نبع الماء من بين أصابعه) وهو أشرف المياه وقد روى أحاديثه جماعة من الصحابة فمن ذلك ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث جابر ﵁ قال عطش الناس يوم الحديبية وكان رسول الله ﷺ بين يديه ركوة يتوضأ بها وجهش الناس نحوه فقال ما لكم فقالوا يا رسول الله ما عندنا ماء نتوضأ به ولا نشربه إلا ما بين يديك فوضع يده في الركوة فجعل الماء يفور من بين يديه كأمثال العيون فشربنا وتوضأنا قال راويه قلت كم كنتم قال جابر لو كنا مائة ألف لكفانا كنا خمس عشرة مائة. قال القرطبي قصة نبع الماء من بين أصابعه ﷺ قد تكررت منه في عدة مواضع في مشاهد عظيمة ووردت من طرق كثيرة يفيد مجموعها العلم القطعي المستفاد من التواتر المعنوي المعتبر عند المحققين من العقلاء ولم يسمع بمثل هذه المعجزة عن غير نبينا ﷺ حيث نبع الماء من بين عصبه ولحمه ودمه أهـ ولا شبهة في أن هذه المعجزة أبلغ من نبع الماءِ من الحجر حيث ضربه موسى ﵊ بالعصا فتفجرت منه المياه لأن خروج الماء من الحجارة معهود بخلاف خروج الماء من بين اللحم والدم وهذا داخل تحت تصرف قدرته تعالى التي لها السلطان إلا على سائر الكائنات (وربك على كل شيءٍ قدير) له أن يكرم نبيه بما يجريه على يده من خوارق العادات التي يعجز البشر عن إتيان مثلها. ومن معجزاته ﷺ (طاعات الجمادات والحيوانات وتكليمها له بالتسبيح والسلام) ونحو ذلك مما وردت به الأخبار فمن ذلك (تسبيح الحصى) في كفه الشريف ففي حديث أبي ذر المخرج عند الطبراني قال تناول النبي ﷺ سبع حصيات

стр. 622

فسجن في يده حتى سمعت لهن حنيناً ثم وضعهن في يد أبي بكر ﵁ فسجن ثم وضعهن في يد عثمان فسجن فسمع تسبيحهن من في الحلقة ثم رفعهن إلينا فلم يسجن مع أحد منا. ومنها (حنين الجذع) وهي آية كبرى من أكبر الآيات والمعجزات الدالة على نبوته ﷺ قال الأإمام الشافعي ﵁ ما أعطى الله نبياً ما أعطى سيدنا محمداً ﷺ فقيل له أعطى عيسى ﵇ إحياء الموتى قال أعطى محمداً ﵊ حنين الجذع حتى سمع صوته فهي أكبر من ذلك أهـ. قال القاضي عياض حديث حنين الجذع مشهور منتشر والخبر به متواتر أخرجه أهل الصحيح ورواه من الصحابة بضعة عشر منهم أبي كعب وأنس وعبد الله بن عباس وابن عمر وسهل بن سعد وأبو سعيد الخدري وغيرهم من أجلاء الصحابة والقصة واحدة وإن تغايرت بعض ألفاظها. وهي أنه كان ﵊ قبل أن يصنع له المنبر يخطب عند الجذع (ساق النخلة) فلما صنع له المنبر انتقل إليه فسمع له كل من كان في المسجد حنيناً وصوتاً عظيماً حتى كاد أن ينشق أسفاً على فراقه فضمهُ ﷺ فصار يئن أنين الصبي الذي تضمهُ أمهُ إليها وتسكتهُ عن بكائه ثم قال ﵊ إن شئت أردك إلى الحائط (البستان) الذي كنت فيه تبت لك عروقك ويكمل لك خلقك ويتجدد لك خوص وثمر وإن شئت أغرسك في الجنة فيأكل أولياءُ الله من ثمرك ثم أصغى إليه ليسمع ما يقول فقال بصوت يسمعهُ من يليهِ بل تغرسني في الجنة فيأكل مني أولياءُ الله وأكون في مكان لا بلاء فيه فقال قد فعلت ثم قال ﵊ اختار دار البقاء على دار الفناء وكان الحسن ﵁ إذا حدث بهذا الحديث بكى وقال يا عباد الله الخشبة تحن إلى رسول الله فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائهِ. ومنها (كلام الشجر) له أخرج الحاكم عن ابن عمر ﵄ قال كنا مع النبي ﷺ فأقبل إعرابي فلما دنا منهُ قال له رسول الله ﷺ أين تريد قال إلى أهلي قال هل لك إلى خير قال وما هو قال تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله قال هل لك من شاهد على ما تقول قال ﵊ هذه الشجرة فدعاها ﷺ وهي بشاطئ الوادي فأقبلت تخد الأرض خداً (أي تشقها) فقامت بين يديه فاستشهدها ثلاثاً فشهدت ثم رجعت إلى منبتها. وفي الشفاء

стр. 623

من حيث عمر ﵁ أن الرسول ﷺ كان في محفل من أصحابه إذ جاءَ إعرابي من بني سليم قد صاد ضباً (دابة تشبه الحرذون) جعله في كمهِ ليذهب بهِ إلى رحلة فلما رأى الجماعة قال من هذا قالوا نبي الله فأخرج الضب من كمهِ وقال واللات والعزى لا آمنت بك أو يؤمن هذا الضب وطرحه بين يديه ﵊ فقال يا ضب فأجابهُ بلسان فصيح يسمعهُ القوم جميعاً لبيك وسعديك قال من تعبد قال الذي في السماء عرشهُ وفي الأرض سلطانهُ وفي البحر سبيله وفي الجنة رحمتهُ وفي النار عقابهُ قال فمن أنا قال رسول رب العالمين وخاتم النبيين وقد أفلح من صدقك وخاب من كذبك فأسلم الأعرابي. يتبع

стр. 624

كلمة في فساد الأخلاق فساد الأخلاق هو ينبوع كل فتنة، ومورد كل بلية، ما سود التاريخ صحيفة قوم ولا تدهورت أمة في هوة المهالك، ولا تزلزلت عروش، ولا تنكست أعلام إلا لو دققت النظر لوجدت السبب الأعظم في ذلك كلهِ هو فساد الأخلاق لا غير (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون). إن فساد الأخلاق لو أطلقت أعنة الأقلام في ميدانه لضاق عنها نطاق الصحف ولعجزت الكتاب عن إيفائه حق بيانه. وكلما أسرجت جواد الفكر واعتقلت أسمر اليراع وعولت على خوض هذا المضمار يصدني يعد الشقة وطول المشقة لأن فساد الأخلاق أصبح داء عزيز الدواء جداً لكونه نما في سائر أعضاء جسم محيطنا الشرقي ممتزجاً بدمائه غالباً عليه فهيهات هيهات إصلاح ما امتزج به الفساد هذا الامتزاج. ولولا يكون اليأس جبا وخيبة ... يأست من الإصلاح في الشرق سرمدا أعلل نفسي في لعل وفي عسى ... ولم يجديا نفعاً ولم يجليا صدا ولكن أعزيها وإني أعيذها ... من الجبن لا راح الجبان ولا غدا أفكر في فساد أخلاق صغار النشء الجديد الذين هم رجال الوطن في المستقبل وحماة حوزته وأساس صرح مجده إن صلحوا وبهم يكون جرفاً هائراً إن ظلوا على ما أراهم عليه من سوء التربية وضياع الأوقات. في لهو يجرهم تياره إلى عميق بحار الجهالة وما يجري على ألسنتهم من ألفاظ السفالة التي يتلقونها عن أوليائهم ومربيهم فيؤلمني ذلك جداً وأقول اللهم ألهم حكومتنا أن تجعل التعليم إجبارياً ووفق لهذه الجواهر النقية أساتذة مهذبين. ثم أفكر في أخلاق النساء اللواتي هن أول مدرسة لبني الإنسان في زمن الطفولية زمن قابلية دماغ الطفل إلى كل ما يطبع بهِ من خير أو شر فيؤلمني ماهن عليهِ من فساد أخلاق كاد أن يقضي على حياتنا الأدبية أراهن غارقات في بحار الجهل تائهات في ظلمات اللهو لا يفكرن بغير الزينة والتبرج ولبس الثياب الفاخرة وذلك غاية ما تطمح إليه أنظارهن ولا يهمهن ذهبت ثروة رجالهن في هذا السبيل أم لا عدا قرينات السوء والفاجرات وما لا يليق ذكرهن في هذا المقام فأقول اللهم وفقنا لافتتاح مدارس إناثية تعلم بناتنا الأخلاق الدينية والحوائج البيتية وتربية الأبناء الحقيقية. وأما الشبان فهم على ثلاثة أقسام

стр. 625

القسم الأول من الشبان من تعقد الآمال بأحلامهم يفتخرون بدينهم فيحرصون على مبانيه الأساسية كالصوم ويتجنبون مناهيه الأصلية كالميسر والمسكرات لا يقصرون في بناء قصور الفخر ولا يرضون أن يكونوا حلقة ساقطة بين الأسلاف والأخلاف يعلمون أنهم خلقوا أحراراً فيأبون الذل والصغار يودون أن يموتوا كراماً ولا يحيون لئاماً، يجهدون أن يعيشوا عيشة راضية غير أنهم أندر من الكبريت الأحمر الذي نسمع به ولا نراه وإن وجد فرد منهم فهو منبوذ نبذ النواة. والقسم الثاني رعاع أوباش آدابهم التوحش وأخلاقهم الهمجية يفتخرون بقطع الطريق وخيانة الصديق لا ينطبق حالهم على ناموس وليس لهم من أنفسهم وزع وهم أكثر شبان القرى وسكان البادية وأطراف المدن. والثالث هو القسم_التمدن أي المتفرنج أولئك الذين يتسابقون إلى المنكرات تسابق خيل الرهان يقصدونها من بلد إلى أخرى يفتخرون بالتخنث وتقليد النساء في الزينة والملابس الرقيقة والتكسر ولين الكلام إلى غير ذلك مما تأباه المروءة الإسلامية. وما سرى علينا ذلك إلا لتقليدنا أسافل الإفرنجة تقليداً أعمى لا عن تبصر وروية ذلك لنرتقي إلى أوج المدنية التي نهض بهم إليها رجال ما كانوا يأتون هذه الأعمال السافلة ولو أتوها لحالت بينهم وبين الرقي كما حالت بيننا وبينه الآن بل فتحت لنا هوة تنتابنا فيها الأهوال نهوي بها ونحن نظن أنه بعدت خطوتنا في سبيل التقدم (لا بل عن سبيل التقدم). وأما العامة فقلت بينهم الأمانة وكثرت فيهم الخيانة يطففون المكيال ويخسرون الميزان ويخلفون الميعاد وينجزون الايعاد لا يهم أحدهم أن يضر أخاه ضرراً عظيماً في سبيل نفعه الذاتي ولو كان يسيراً وربما ضرَّ نفسهُ ليضر أخاه إذا كان ما يصيب أخاه من الضر أعظم مما يصيبه والحاصل إن كل فرد منهم شاهر حسامه ينتظر فرصة من أخيه ليطيح هامه. مثلهم كمثل أعداء في سفينة كل منهم يجهد نفسه ليرقها فيغرق من فيها من أعدائه فخرقوها فأُغرقوا جميعاً. وأما الخاصة أي الذين ترمقهم أعين الضعفاء من بعد ينتظرون نتيجة أعمالهم فهم ساهون عن المصالح العامة لاهون بمصالحهم الخاصة كل منهم يفكر في تمكين سلطته وقوة نفوذه يسكب الشخصيات في قالب عمومي يموه على الناس بسفسطات خيالية زاعماً أنهم لا يعقلون والأخزى من ذلك أن كل واحد منا قد أحس بهذا العبء الثقيل وهو

стр. 626

يئن متذمراً منه ولا يلقيه عن عاتقه وذلك أن كل إنسان ينظر إلى عيوب غيره متعامياً عن عيوب نفسه التي يمكن أن تكون أقبح من غيرها ويعجبني هنا قول الشاعر: لكل امرئ خرج من العيب ممتلٍ ... على كتفه منه ومن أهل دهره فعين عيوب الناس نصب عيونه ... وعين عيوب الناس من خلف ظهره وهذا من أعظم أسباب انحطاطنا الآن اللهم انصرنا بعيوبنا وألهمنا رشدنا ووفقنا لما فيه نجاحنا في الدارين إنك على كل شيء قدير ولا يحسب القارئ أني ذكرت شيئاً من فساد الأخلاق إنما هذه غطة قلم في بحره سودت هذه الصحيفة. حماه فارس النجار

стр. 627

الرق في الإسلام ومقاصد الأجانب في إلغائه جاء في رسالة الأستاذ الشيخ أحمد أفندي المحمصاني التي نشرها على صفحات الحقيقة بمناسبة المولد النبوي الشريف ما نصه: إن من أهم الأعمال التي ظهرت على يد المدنية الأوروبية تحرير الأرقاء وإلغاء الرق وإنما تم لها هذا بفضل الإسلام ومساعدته على ذلك بل الإسلام هو الذي فتح الباب للأمم الأوروبية فتحررت الأرقاء وفكت رقابهم بالعتق والتدبير والكتابة وناهيك بالحديث الشريف المصرح بذلك وقد أورده الإمام الحافظ ابن حجر في منبهاته السبعيات فيما رواه عن سيدنا جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال (مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه يجعله وارثاً وما زال يوصني بالنساء حتى ظننت أنهُ سيحرم طلاقهن وما زال يوصيني بالمملوكين حتى ظننت أنه يجعل لهم وقناً يعتقون فيه) فانظر أيها العاقل كيف تحقق ما ظنه الرسول ﷺ واتفقت الدول على تحرير الأرقاء الخ. ولما كان الاستدلال بهذا الحديث على إلغاء الأوروبيين للرق واقعاً في غير محله وبعيداً عن مهيع الصواب أتيت بهذه السطور مبيناً بطلان هذا الاستدلال وموضحاً السبب الحقيقي الذي حمل الأوروبيين على إلغاء الرق وتحريره. استدل الأستاذ على إلغاء الرق بالجملة الثالثة من الحديث الشريف مع أنه ليس في منطوق هذه الجملة ولا في مفهومها ما يدل على ذلك ولو كان المقصود بها إلغاء الرق كما ظن للزمه أيضاً أن يقول بتوريث الجار من جاره وتحريم طلاق النساء أيضاً لأن هاتين المسألتين من جملة ما أوصى به جبريل كما رأيت في الحديث وهذا لم يقل به أحد من أئمة المسلمين لا سلفاً ولا خلفاً وإذا قلنا بعدم هذا اللزوم لزم الترجيح بلا مرجح وهذا باطل والذي يتبادر أن المراد بالوقت في الحديث إنما هو وقت معين كأن تكون مدة الاسترقاق عشر سنين مثلاً فإذا انقضت يكون محرراً كالمكاتب إذا دفع آخر نجم عليه فإنه بذلك يتم له التحرير ولو كان مقصود الشارع ﷺ إلغاء الرق في زمن من الأزمان لنبه عليه وصرح به ولايترك ذلك مبهماً غامضاً فقد أتانا بها بيضاء نقية وأكمل لنا الدين

стр. 628

المبين وحاشى النبي الكريم يسكت عن التصريح بأمر عظيم هو من الأهمية في الدرجة القصوى. وكيف يتأتى إلغاء حكم الرق في زمن ما وكثير من الأحكام الشرعية متوقفة عليه ومعلقة به ككفارة الإيمان وكفارة القتل خطأ. وغاية ما يؤخذ من هذا الحديث الشريف هو حث الأمة على مداراة الجار ودفع الأذية عنه والإحسان إليه والحض على معاشرة النساء بالمعروف ولزم الرفق بالمماليك ومعاملتهم بالحسنى كما جاء في أحاديث كثيرة. والأجانب لم يسعوا في تحقيق أمنيتهم في إلغاء الرق رحمة بالإنسانية وخدمة لها كما يدعون. لا. لا. فما ذلك إلا ألفاظ يتشدقون بها توصلاً لمأربهم، وزخارف من الأقوال يرومون بها قضاء لباناتهم فقد علمتنا الحوادث وفي جملتها الحرب الحاضرة أنهم يضمرون غير ما يظهرون ويبطنون غير ما يعلنون والله يعلم أنهم. . . . عول الغربيون على اقتسام الممالك الإسلامية والقضاء على سلطة ملوكها وأمرائها وتمزيق شمل العالم الإسلامي وتبديد جامعته والحيلولة دون انتشار الدين الإسلامي ونفوذ نوره فاتخذوا توصلاً لأمانيهم أسباباً جديدة وطرقاً كثيرة من جملتها السعي في إلغاء الرق وتحرير الأرقاء وذلك لأنهم وجدوا بالعيان أن هؤلاء الأرقاء وهم يقدرون بمائة ألف سنوياً بعد الإتيان بهم إلى الديار الإسلامية يدخلون في الدين الإسلامي ويتخلقون بأخلاق المسلمين ثم لا يمضي عليهم مدة وجيزة إلا ويكون معظمهم قد اعتقوا ووقفوا في صفوف الأحرار وتناكحوا وأخذوا في التناسل فينموا بذلك عدد المسلمين ويكثر سوادهم ويقوى بهم ساعدهم ويشتد عضدهم وربما عاد فئة إلى قومهم وأخذوا في إنذارهم ودعوتهم إلى الدخول في دين الله وهذا بلا ريب مما كان يسيء الأجانب ولا يروق في أعينهم ويتميزون غيظاً منه. إن إلغاء الرق من أعظم الأمور التي أخلت بنظام هيأتنا الاجتماعية وعوجت مستقيم أخلاقنا وأماطت عن الكثيرين لثام الحياء والشرف. كان الفتى منا إذا كان غير قادر على الاقتران بالحرائر لقلة ماله أو لسبب آخر فإنه يتخذ له سرية يتمتع بها ويحصن نفسه ويمنعها عن التطلع إلى مالا يرضاه ذوو المروءة ولا يمشي إلى هذه القاذورات التي قضت على حياة الأمة وحيائها. ولو كان باب الرق مفتوحاً لندر من يرمي بنفسه في هذه المهاوي السحيقة. التسري كان أعظم مساعد على تكثير العالم الإسلامي وتنميته. ذكر المؤرخون أنه

стр. 629

أحصى نسل بني العباس في زمن المأمون فبلغ نحو ثلاثين ألفاً ولو كان هذا من الاقتران بالحرائر فقط لما بلغ في هذه المدة التي هي نحو مائتي عام نصف عشر هذا المقدار. هذا وأي حاجة تدعونا إلى مجاراة الأوربيين والذهاب إلى القول بإلغاء الرق وتكلف الاستدلال على ذلك بالأحاديث النبوية وأي داع يلجئنا إلى تأويل الأحاديث بما يوافق مشارب الأجانب وأهواءهم. فحكم الرق باق ثابت الأركان لا ينسخه تطاول الأزمان وليس في وسعنا أن نذهب إلى إلغاء هذا الحكم بعد أن علمنا علم اليقين ما فيه من الفوائد التي تعود بالمنافع الجلى على العلم الإسلامي. البلاغ حلب محمد راغب

стр. 630

الحرب الحاضرة فوائدها ونتائجها والعبرة بها ليس في العالم من لا يستهجن تعدي دولة إيطاليا الغاشمة على جزء عظيم من أملاكنا بعيد عن عاصمة السلطنة ومركز القوة ووسائل الدفاع المستوفاة أتت تلك الدولة الجائرة لتستولي على هذا الجزء بدون أدنى مسوغ شرعي دولي فهب العثمانيون للدفاع عن حوزتهم وصيانة ممالكهم فقيض الله لهم من النصر والظفر ما يسطره لهم التاريخ بمداد الفخر وسيظلون مدافعين عن حقوقهم حتى يتسنى لهم تمام الظفر ويعود عدوهم صفر اليدين إلا من الخيبة والفشل والفقر وسوء الأحدوثة إن شاء الله تعالى. وليس من غرضنا أن نذكر تفضيل تلك المواقع والانتصارات التي صارت معلومة لدى أكثر القراء إنما نريد أن نذكر شيئاً من فوائد هذه الحرب ونتائجها ومن العظة والاعتبار بها لأن الحوادث العظيمة وإن كانت مؤلمة قد يكون لها من الأثر الحسن ما يهون المصاب بها ومن العظة والاعتبار ما يكون درساً أخلاقياً مفيداً تستصغر معه خسارة الأموال وفقد الأرواح. علمتنا هذه الحرب أنه ينبغي أن لا نعتمد إلا على قواتنا وأن الاعتماد على عهود الدول ومواثيقها ضرب من الأوهام فها هي الدول كلما أرادت اكتساح جزء من أملاكنا تضمن لدولتنا العلية أنها تحافظ على بقية أملاكنا وآخر حادث من هذا القبيل هو تعهد النمسا لما ضمت إليها ولايتي البوسنة والهرسك وما هذه العهود إلا تقييد للضعيف حتى تهدأ ثائرته ويطمئن جانبه أما القوي فمتى رأى الفرصة سانحة ينقض واجباً ولا يمنعه عن اعتدائه وتهوره إلا أسطول أضخم من أسطوله أو جيش أعظم من جيشه وإلا فما بالها بعد ما ضمنت سلامة أملاكنا في مؤتمراتها تسمح لإيطاليا أن تغير على ولاية آمنة مطمئنة تستبيح حماها وتنتهك حرمتها وتطمع أن تحصر أهلها وتقطع عنهم مورد الحياة، وهم في ذلك واقفون وقفة المتفرج كأنه لا يعنيهم وما بالهم وهم زعماء المدنية ومحبوا الإنسانية على زعمهم يسمعون قتل الشيوخ والعجزة والنساء والأطفال مما هو ممنوع في سائر الشرائع السماوية والوضعية ولم تحلم بعمله أعرق الأمم في التوحش في عصور الهمجية الأولى تسمع ذلك فلا ينبض لها عرق ولا تتحرك لها فكرة لمنع هذا العمل الفظيع إلا ما

стр. 631

كان من بعض أفراد يحبون الفضيلة لنفسها ويكرهون الرذيلة كذلك ويستقبحون الفظائع أنى أتت إلا أنه لا شأن لهؤلاء الأفراد في عمل الحكومات. حافظت تلك الدول على الحياد في وقت كان الظن فيه أن يكون النصر في جانب إيطاليا فلما خاب هذا الظن وفسد هذا الأمل وأظهر العثمانيون من البسالة ما لم يدع مجالاً للريب في فشل إيطاليا أخذ بعض الدول بنقض حياده وتشبث في عاصمة السلطنة لعقد الصلح على مالا يرضى الحق والعثمانيين ويساعد إيطاليا سراً على بعض تعدياتها ويتظاهر بالاستعداد للحرب إلى غير ذلك مما يناقض الحياد على خط مستقيم. تعهدت إيطاليا للدول العظمى في بدء الحرب بأنها تحصر حركاتها الحربية في طرابلس الغرب ظناً منها بأنها قادرة على تدويخ العثمانيين في تلك البقعة وإرغامهم على الرضوخ لمطالبهم والرضاء بجورها. فلما أراد الله أن لا يصرع الباطل الحق وأن يجعل نصيب المعتدي الفشل والخيبة أخذت تعتدي على سواحلنا فضربت العقبة وسواحل غزة ثم بيروت ثم قلاع الدردنيل ثم احتلت جزر الأرخبيل والدول صامتة لا تطالبها بشيء. مما تعهدت به لها وما تعهدت هي به للدولة العلية. علمتنا هذه الحرب أن الحق للقوة وأنه لو كان لنا أسطول توازي قوته نصف قوة أسطول إيطاليا لأذقنا تلك الدولة الظالمة أنواع الهوان لأن شجاعة العثمانيين وبسالتهم وكون الحق في جانبهم قوة عظيمة تسد ذلك النقص أما لما كان أسطولنا دون الحاجة نظراً لاتساع مملكتنا وكثرة ثغورنا اضطر أن يبقى ملازماً مكانه وأن لا تنتفع به في الحرب الحاضرة بشيء وأن تبقى ثغورنا خالية من وسائل الدفاع الكافية. ألا يكون في ذلك عبرة لنا يحرك منا الهمم لمد يد المساعدة لإعانة الأسطول فقد تألفت هذه الجمعية منذ أعلن الدستور بسائق الحاجة التامة لإنشاء أسطول ضخم تحمي به تلك المملكة الواسعة الأطراف والثغور العظيمة من هجمات الأعداء وأطماع المستعمرين فلم تصادف من الإقبال على مؤازرتها ما تستحقه. فكانت هذه الكارثة موقظة لشعورهم محركة لعواطفهم فلا يبعدان يهبوا من هذا السبات ويعلموا أن خير المال ما انفق في هذا السيل وينهضوا لهذا العمل نهضة من يعلم أنه

стр. 632

يساعد على عمل يكون فيه حفظ شرفه واستقلاله ودينه لا من يساعد مشروعاً خيرياً عادياً ولو كان لنا اليوم أسطول تحمي به جزر الأرخبيل لما تجاسرت إيطاليا الباغية على احتلالها بل ولما حدثت نفسها بذلك ولكانت حصرت بطرابلس الغرب كما تعهدت وهي فيه أحقر من أن تظفر بشيء من النصر. علمتنا هذه الحرب أن العثمانيين على اختلاف عناصرهم ولغاتهم سواء في حب العثمانية والتفاني في الذود عن حياضها وساء فأل أرباب المقاصد السافلة ودعاة الفساد الذين كانوا يصورون العنصرين الكريمين التركي والعربي بصورة العدوين الألدين ولا يفتئون يتحينون الفرص لإلقاء بذور التفرقة فجاءت هذه الحرب مخيبة ظنونهم قاضية على مآربهم فقد رأينا فيها العرب والترك في ساحة الحرب كأنهم عضو واحد يدافعون يداً واحدة عن حكومتهم وبلادهم وشرفهم بلا تفرقة. فالضباط الأتراك في طرابلس الغرب يعاملون العرب المجاهدين معاملة الأب الرحيم والمجاهدون يحترمون ضباطهم وأمراءهم احترام الابن البار للأب الشفيق وبهذا الاتحاد والاتفاق غلبوا عدوهم وحفظوا شرف دولتهم ودينهم وبرهنوا للعالم أجمع أن ليس بين هذين العنصرين شيء مما يرجف به المرجفون ويتخرص به المفسدون وأن هذين العنصرين للعثمانية كالهيولى والصورة للجسم لا يتصور وجوده إلا بهما. علمتنا هذه الحرب ما يجب علينا من إحكام الرابطة الجامعة الإسلامية وشد أواصرها بظل صاحب الخلافة العظمى أيده الله فقد رأينا من فوائدها أن قامت مسلمو الهند تطلب من حكومة إنكلترا كف يد إيطاليا عن اعتدائها وقام مجتهدوا إيران وأفتوا بوجوب الجهاد وقام مسلمو تونس نحو حكومة فرنسا بمثل ما قامت به مسلمو الهند نحو إنكلترا وهكذا دوى ذكر هذا الاعتداء الفظيع في جميع أقطار الأرض من أقصاها إلى أقصاها وتجلت عاطفة الدين بأجلى مظاهرها مما اضطر دول أوروبا أن تحجم عن مساعدة الطليانيين حتى وصل الحال إلى أن صرح ناظر خارجية إنكلترا في مجلس نوابها بأنه يجب على إنكلترا مساعدة العثمانيين لما لإنكلترا من المصلحة مع المسلمين ولولا ظهور هذا الارتباط بهذا المظهر الواضح وتأثر المسلمين في جميع الأقطار والأمصار من تعدي الطليان على أملاك خليفتهم لما كان يستبعد أن يتواطأ قسم من دول أوروبا على تضحية هذا القسم العظيم من بلادنا في

стр. 633

سبيل مطامع دولة إيطاليا. وما زالت دول أوروبا توجس خيفة من الجامعة الإسلامية وتعمل في السر والعلن على كل ما تراه صاداً عنها أو مبعداً عن الوصول إليها بينما كان المسلمون غافلين عن إحكام روابطها وتوثيق عراها فجاءت هذه الكارثة أعظم مذكر لهم بما يجب عليهم من الالتفاف حول عرش الخلافة العظمى وحفظ مركزه وتشييد دعائمه ولا غرو فمن الشدائد تتولد الفوائد فإن تكن هذه الحرب أفقدتنا بعضاً من الرجال في سبيل الدفاع عن الدين والوطن فقد أفادتنا ما يستصغر معه فقد الأموال وضياع الأرواح. ومن نتائج هذه الحرب وفوائدها أنها خاتمة للمصائب الخارجية على دولة الخلافة إن شاء الله تعالى فقد استضعفتها دول أوروبا خصوصاً على أثر تساهلها بمسألة البوسنة والهرسك والبلغار ذلك التساهل الذي كانت مدفوعة إليه بحكم الضرورة لأنها في مبدأ انقلاب لم تتوطد أركانه ولم تكن قد أخذت أهبتها واستعدادها لطوارئ الحدثان فظنت أوروبا أن هذا التساهل طبيعي في هذه المملكة وأنها لا يكلف نفسها عناء كبيراً في احتلال أي جزء من أجزائها أو يكفيها أن تعلن ضم هذا الجزء إلى أملاكها لذلك أعلنت إيطاليا ضم طرابلس الغرب إليها قبل أن تضع قدماً في سواحلها أو تملك شبر من أرضها. بمعونة الله على صد غارة أعدائهم وحفظ استقلالهم وشرفهم ويكفيهم أن ولاية واحدة بعيدة عن مركز السلطنة ومقر الخلافة وعن الاتصال بباقي الولايات العثمانية حاربت على غير أهبة واستعداد دولة تعد في مصاف الدول الكبرى ثمانية أشهر وهي تزداد كل يوم قوة ونشاطاً ومراناً على الطعن والضرب والذود عن بيضة الدين وحمى الخلافة. أخذ الله بيد المسلمين ووفقهم إلى الاجتماع والاتحاد وإحكام الروابط المتينة في ظل صاحب الخلافة أيده الله.

стр. 634

المصاب الأليم أو حريق دمشق الهائل له مّلّك ينادي كل يوم ... لدوا لليوم وأبنوا للخراب تفنن الإنسان وبرع في العلوم والمعارف واتسعت دائرة فكره في الاكتشاف والاختراع، ووصل إلى حالة لولا الغلو لقلنا هذا منتهى الأمر، وهذه نهاية والإبداع، ذلل كما قال السيد المنفلوطي (كل عقبة في هذا العالم فاتخذ نفقاً في الأرض وصعد بسلم إلى السماء وعقد ما بين المشرق والمغرب بأسباب من حديد وخيوط من نحاس. انتقل بعقله إلى العالم العلوي فعاش في كواكبه وعرف أغوارها وأنجادها وسهولها وبطاحها وعامرها وغامرها ورطبها ويابسها. وضع المقاييس لمعرفة أبعاد النجوم ومسافات الأشعة والموازين لوزن كرة الأرض مجموعة ومتفرقة. غاص في البحار وفحص تربتها وأزعج سكانها ونبش دفائنها وسلبها كنوزها وغلبها على لآلئها وجواهرها. نفذ من بين الأحجار والآكام إلى القرون الخالية فرأى أصحابها وعرف كيف يعيشون وأين يسكنون وماذا يأكلون ويشربون. تسرب من منافذ الحواس الظاهرة إلى الحواس الباطنة فعرف النفوس وطبائعها والعقول ومذاهبها والمدارك ومراكزها حتى كاد يسمع حديث النفس ودبيب المنى اخترق بذكائه: كل حجاب وفتح كل باب) كل هذا فعله الإنسان ولكنه وقف بين يدي القضاء والقدر وقفة العبد الضعيف بين يدي القادر القاهر. ضؤلت قوته أما هذه القوة العظيمة وخمدت نار بطشه، وخانته أفكاره وتدابيره وأصبح ذليلاً خاشعاً، حزيناً كئيباً. يجهد نفسه في ابتناء الأبنية وزخرفتها ويعنى بتحصينها فيوسع نطاقها ويعلي شرفاتها، ويعظم أعمدتها حتى كأنه يود أن يجعلها في مأمن من الحوادث وأمان الكوارث ماهي إلا لمحة البصر حتى يأتيك أمر ربك فيجعل عاليها سافلها ويدمر ما ضخم من بنائها، ويذهب بعظيم سلطانها، ويجعلها كامس الدابر. في مساء ليلة السبت الموافق لعشرة خلت من جمادى الأولى في الساعة الخامسة ليلاً بينما الناس ساهون لاهون. لا يدرون ما خبأته لهم يد القضاء والقدر إذ شاع في الحاضرة خبر شبوب النار (في سوق الحميدية) فارتاع القوم لذلك وهرعوا إلى مطلع النار وأجفى

стр. 635

القلوب، باكي العيون فما كنت ترى إلا عويلاً شديداً، وصراخاً متتابعاً، وأشباحاً متفرقة تتراكض، ودخاناً متصاعداً يكاد يعلو قمة السحاب، والناس بين باك وحزين، ومستغيث ومغيث، ومرجع ومحوقل وراكض ومهرول ثم اندلع لسان النار وزاد لهيبها. وكان قد حضر دولة ملاذ الولاية، وقائد الفيلق الثامن وكثير من الأمراء والجنود النظامية ورجال البلدية والشرطة وآخرون معهم المطافئ العديدة، وبالرغم عن كل ذلك امتدت النار امتداداً عظيماً وساعد على ذلك كون الهواء زعزعاً. وعبثاً كان محاولة حصر الحريق دون أن يتجاوز محله. دام الحريق كل الليل وهو في امتداد وازدياد والناس حيارى باكين شاكين. وماذا يغني البكاء؟ وما عسى تنفع الشكوى؟ والقضاء حتم (والله غالب على أمره) ما طلع صبح يوم السبت إلا وقد التهمت النار معظم الأماكن والمحال. ومجمل ما ذهب سوق الحميدية وسوق العصرونية بتمامهما وقسم من سوق باب القلعة وباب البريد وسوق الجديد ونحو ثلاثين داراً من زقاق البوس وكانت شظايا النار تعلو في الجو على أجنحة الهواء ثم تقع فتصيب بعض البيوت حتى خيف على الجامع الأموي الشريف فأجريت الاحتياطات اللازمة وهدم لهذه الغاية سقف سوق المسكية الذي ينتهي إلى الجامع المذكور. مساكين أصحاب الحوانيت، مساكين أصحاب الأرزاق، مساكين شيوخهم وشبانهم حاضروهم ومسافروهم نائموهم ومستيقظوهم، أطفالهم ونساؤهم أحبابهم وأصحابهم. مساكين أهل الحمية والغيرة، مساكين رجال الحكومة مساكين أهل الحل والعقد فيها عملوا ولكن ماذا يفيد العمل؟ والقدر لا يغني عنه الحذر (والله يحكم لا معقب لحكمه) سوق الحميدية عروس دمشق وأجل أسواقها وسوق العصرونية سوق عظيم والدور التي حرقت من أعظم دور البلدة وأكبرها والمطابع التي انقرضت من أمهات مطابع البلدة والمدارس التي هدمت يعز على كل عاقل تهدمها. وقد قدر العارفون الخسارة بما يقارب مليون ليرة. والوطأة شديدة حتى على الأغنياء. سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد ولك الشكر قضاؤك حكم وقدرك حتم لاراد لما قضيت ولا ينفع ذا الجد منك الجد ولا حول ولا قوة إلا بك. مئات من الحوانيت وعشرات من المخازن الكبيرة وقريب منها من البيوت العظيمة كانت مساء يوم الجمعة كعروس ترفل في ثيابها زينتها فما أصبح عليها صباح يوم السبت إلا
следующие страницы →