Полный текст (1 077 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
كان من بعض أفراد يحبون الفضيلة لنفسها ويكرهون الرذيلة كذلك ويستقبحون الفظائع أنى أتت إلا أنه لا شأن لهؤلاء الأفراد في عمل الحكومات. حافظت تلك الدول على الحياد في وقت كان الظن فيه أن يكون النصر في جانب إيطاليا فلما خاب هذا الظن وفسد هذا الأمل وأظهر العثمانيون من البسالة ما لم يدع مجالاً للريب في فشل إيطاليا أخذ بعض الدول بنقض حياده وتشبث في عاصمة السلطنة لعقد الصلح على مالا يرضى الحق والعثمانيين ويساعد إيطاليا سراً على بعض تعدياتها ويتظاهر بالاستعداد للحرب إلى غير ذلك مما يناقض الحياد على خط مستقيم.
تعهدت إيطاليا للدول العظمى في بدء الحرب بأنها تحصر حركاتها الحربية في طرابلس الغرب ظناً منها بأنها قادرة على تدويخ العثمانيين في تلك البقعة وإرغامهم على الرضوخ لمطالبهم والرضاء بجورها.
فلما أراد الله أن لا يصرع الباطل الحق وأن يجعل نصيب المعتدي الفشل والخيبة أخذت تعتدي على سواحلنا فضربت العقبة وسواحل غزة ثم بيروت ثم قلاع الدردنيل ثم احتلت جزر الأرخبيل والدول صامتة لا تطالبها بشيء. مما تعهدت به لها وما تعهدت هي به للدولة العلية.
علمتنا هذه الحرب أن الحق للقوة وأنه لو كان لنا أسطول توازي قوته نصف قوة أسطول إيطاليا لأذقنا تلك الدولة الظالمة أنواع الهوان لأن شجاعة العثمانيين وبسالتهم وكون الحق في جانبهم قوة عظيمة تسد ذلك النقص أما لما كان أسطولنا دون الحاجة نظراً لاتساع مملكتنا وكثرة ثغورنا اضطر أن يبقى ملازماً مكانه وأن لا تنتفع به في الحرب الحاضرة بشيء وأن تبقى ثغورنا خالية من وسائل الدفاع الكافية. ألا يكون في ذلك عبرة لنا يحرك منا الهمم لمد يد المساعدة لإعانة الأسطول فقد تألفت هذه الجمعية منذ أعلن الدستور بسائق الحاجة التامة لإنشاء أسطول ضخم تحمي به تلك المملكة الواسعة الأطراف والثغور العظيمة من هجمات الأعداء وأطماع المستعمرين فلم تصادف من الإقبال على مؤازرتها ما تستحقه.
فكانت هذه الكارثة موقظة لشعورهم محركة لعواطفهم فلا يبعدان يهبوا من هذا السبات ويعلموا أن خير المال ما انفق في هذا السيل وينهضوا لهذا العمل نهضة من يعلم أنه
стр. 632
يساعد على عمل يكون فيه حفظ شرفه واستقلاله ودينه لا من يساعد مشروعاً خيرياً عادياً ولو كان لنا اليوم أسطول تحمي به جزر الأرخبيل لما تجاسرت إيطاليا الباغية على احتلالها بل ولما حدثت نفسها بذلك ولكانت حصرت بطرابلس الغرب كما تعهدت وهي فيه أحقر من أن تظفر بشيء من النصر.
علمتنا هذه الحرب أن العثمانيين على اختلاف عناصرهم ولغاتهم سواء في حب العثمانية والتفاني في الذود عن حياضها وساء فأل أرباب المقاصد السافلة ودعاة الفساد الذين كانوا يصورون العنصرين الكريمين التركي والعربي بصورة العدوين الألدين ولا يفتئون يتحينون الفرص لإلقاء بذور التفرقة فجاءت هذه الحرب مخيبة ظنونهم قاضية على مآربهم فقد رأينا فيها العرب والترك في ساحة الحرب كأنهم عضو واحد يدافعون يداً واحدة عن حكومتهم وبلادهم وشرفهم بلا تفرقة.
فالضباط الأتراك في طرابلس الغرب يعاملون العرب المجاهدين معاملة الأب الرحيم والمجاهدون يحترمون ضباطهم وأمراءهم احترام الابن البار للأب الشفيق وبهذا الاتحاد والاتفاق غلبوا عدوهم وحفظوا شرف دولتهم ودينهم وبرهنوا للعالم أجمع أن ليس بين هذين العنصرين شيء مما يرجف به المرجفون ويتخرص به المفسدون وأن هذين العنصرين للعثمانية كالهيولى والصورة للجسم لا يتصور وجوده إلا بهما.
علمتنا هذه الحرب ما يجب علينا من إحكام الرابطة الجامعة الإسلامية وشد أواصرها بظل صاحب الخلافة العظمى أيده الله فقد رأينا من فوائدها أن قامت مسلمو الهند تطلب من حكومة إنكلترا كف يد إيطاليا عن اعتدائها وقام مجتهدوا إيران وأفتوا بوجوب الجهاد وقام مسلمو تونس نحو حكومة فرنسا بمثل ما قامت به مسلمو الهند نحو إنكلترا وهكذا دوى ذكر هذا الاعتداء الفظيع في جميع أقطار الأرض من أقصاها إلى أقصاها وتجلت عاطفة الدين بأجلى مظاهرها مما اضطر دول أوروبا أن تحجم عن مساعدة الطليانيين حتى وصل الحال إلى أن صرح ناظر خارجية إنكلترا في مجلس نوابها بأنه يجب على إنكلترا مساعدة العثمانيين لما لإنكلترا من المصلحة مع المسلمين ولولا ظهور هذا الارتباط بهذا المظهر الواضح وتأثر المسلمين في جميع الأقطار والأمصار من تعدي الطليان على أملاك خليفتهم لما كان يستبعد أن يتواطأ قسم من دول أوروبا على تضحية هذا القسم العظيم من بلادنا في
стр. 633
سبيل مطامع دولة إيطاليا.
وما زالت دول أوروبا توجس خيفة من الجامعة الإسلامية وتعمل في السر والعلن على كل ما تراه صاداً عنها أو مبعداً عن الوصول إليها بينما كان المسلمون غافلين عن إحكام روابطها وتوثيق عراها فجاءت هذه الكارثة أعظم مذكر لهم بما يجب عليهم من الالتفاف حول عرش الخلافة العظمى وحفظ مركزه وتشييد دعائمه ولا غرو فمن الشدائد تتولد الفوائد فإن تكن هذه الحرب أفقدتنا بعضاً من الرجال في سبيل الدفاع عن الدين والوطن فقد أفادتنا ما يستصغر معه فقد الأموال وضياع الأرواح.
ومن نتائج هذه الحرب وفوائدها أنها خاتمة للمصائب الخارجية على دولة الخلافة إن شاء الله تعالى فقد استضعفتها دول أوروبا خصوصاً على أثر تساهلها بمسألة البوسنة والهرسك والبلغار ذلك التساهل الذي كانت مدفوعة إليه بحكم الضرورة لأنها في مبدأ انقلاب لم تتوطد أركانه ولم تكن قد أخذت أهبتها واستعدادها لطوارئ الحدثان فظنت أوروبا أن هذا التساهل طبيعي في هذه المملكة وأنها لا يكلف نفسها عناء كبيراً في احتلال أي جزء من أجزائها أو يكفيها أن تعلن ضم هذا الجزء إلى أملاكها لذلك أعلنت إيطاليا ضم طرابلس الغرب إليها قبل أن تضع قدماً في سواحلها أو تملك شبر من أرضها.
بمعونة الله على صد غارة أعدائهم وحفظ استقلالهم وشرفهم ويكفيهم أن ولاية واحدة بعيدة عن مركز السلطنة ومقر الخلافة وعن الاتصال بباقي الولايات العثمانية حاربت على غير أهبة واستعداد دولة تعد في مصاف الدول الكبرى ثمانية أشهر وهي تزداد كل يوم قوة ونشاطاً ومراناً على الطعن والضرب والذود عن بيضة الدين وحمى الخلافة. أخذ الله بيد المسلمين ووفقهم إلى الاجتماع والاتحاد وإحكام الروابط المتينة في ظل صاحب الخلافة أيده الله.
стр. 634
المصاب الأليم
أو
حريق دمشق الهائل
له مّلّك ينادي كل يوم ... لدوا لليوم وأبنوا للخراب
تفنن الإنسان وبرع في العلوم والمعارف واتسعت دائرة فكره في الاكتشاف والاختراع، ووصل إلى حالة لولا الغلو لقلنا هذا منتهى الأمر، وهذه نهاية والإبداع، ذلل كما قال السيد المنفلوطي (كل عقبة في هذا العالم فاتخذ نفقاً في الأرض وصعد بسلم إلى السماء وعقد ما بين المشرق والمغرب بأسباب من حديد وخيوط من نحاس. انتقل بعقله إلى العالم العلوي فعاش في كواكبه وعرف أغوارها وأنجادها وسهولها وبطاحها وعامرها وغامرها ورطبها ويابسها. وضع المقاييس لمعرفة أبعاد النجوم ومسافات الأشعة والموازين لوزن كرة الأرض مجموعة ومتفرقة. غاص في البحار وفحص تربتها وأزعج سكانها ونبش دفائنها وسلبها كنوزها وغلبها على لآلئها وجواهرها. نفذ من بين الأحجار والآكام إلى القرون الخالية فرأى أصحابها وعرف كيف يعيشون وأين يسكنون وماذا يأكلون ويشربون. تسرب من منافذ الحواس الظاهرة إلى الحواس الباطنة فعرف النفوس وطبائعها والعقول ومذاهبها والمدارك ومراكزها حتى كاد يسمع حديث النفس ودبيب المنى اخترق بذكائه: كل حجاب وفتح كل باب) كل هذا فعله الإنسان ولكنه وقف بين يدي القضاء والقدر وقفة العبد الضعيف بين يدي القادر القاهر. ضؤلت قوته أما هذه القوة العظيمة وخمدت نار بطشه، وخانته أفكاره وتدابيره وأصبح ذليلاً خاشعاً، حزيناً كئيباً. يجهد نفسه في ابتناء الأبنية وزخرفتها ويعنى بتحصينها فيوسع نطاقها ويعلي شرفاتها، ويعظم أعمدتها حتى كأنه يود أن يجعلها في مأمن من الحوادث وأمان الكوارث ماهي إلا لمحة البصر حتى يأتيك أمر ربك فيجعل عاليها سافلها ويدمر ما ضخم من بنائها، ويذهب بعظيم سلطانها، ويجعلها كامس الدابر.
في مساء ليلة السبت الموافق لعشرة خلت من جمادى الأولى في الساعة الخامسة ليلاً بينما الناس ساهون لاهون. لا يدرون ما خبأته لهم يد القضاء والقدر إذ شاع في الحاضرة خبر شبوب النار (في سوق الحميدية) فارتاع القوم لذلك وهرعوا إلى مطلع النار وأجفى
стр. 635
القلوب، باكي العيون فما كنت ترى إلا عويلاً شديداً، وصراخاً متتابعاً، وأشباحاً متفرقة تتراكض، ودخاناً متصاعداً يكاد يعلو قمة السحاب، والناس بين باك وحزين، ومستغيث ومغيث، ومرجع ومحوقل وراكض ومهرول ثم اندلع لسان النار وزاد لهيبها. وكان قد حضر دولة ملاذ الولاية، وقائد الفيلق الثامن وكثير من الأمراء والجنود النظامية ورجال البلدية والشرطة وآخرون معهم المطافئ العديدة، وبالرغم عن كل ذلك امتدت النار امتداداً عظيماً وساعد على ذلك كون الهواء زعزعاً. وعبثاً كان محاولة حصر الحريق دون أن يتجاوز محله. دام الحريق كل الليل وهو في امتداد وازدياد والناس حيارى باكين شاكين. وماذا يغني البكاء؟ وما عسى تنفع الشكوى؟ والقضاء حتم (والله غالب على أمره) ما طلع صبح يوم السبت إلا وقد التهمت النار معظم الأماكن والمحال.
ومجمل ما ذهب سوق الحميدية وسوق العصرونية بتمامهما وقسم من سوق باب القلعة وباب البريد وسوق الجديد ونحو ثلاثين داراً من زقاق البوس وكانت شظايا النار تعلو في الجو على أجنحة الهواء ثم تقع فتصيب بعض البيوت حتى خيف على الجامع الأموي الشريف فأجريت الاحتياطات اللازمة وهدم لهذه الغاية سقف سوق المسكية الذي ينتهي إلى الجامع المذكور.
مساكين أصحاب الحوانيت، مساكين أصحاب الأرزاق، مساكين شيوخهم وشبانهم حاضروهم ومسافروهم نائموهم ومستيقظوهم، أطفالهم ونساؤهم أحبابهم وأصحابهم. مساكين أهل الحمية والغيرة، مساكين رجال الحكومة مساكين أهل الحل والعقد فيها عملوا ولكن ماذا يفيد العمل؟ والقدر لا يغني عنه الحذر (والله يحكم لا معقب لحكمه) سوق الحميدية عروس دمشق وأجل أسواقها وسوق العصرونية سوق عظيم والدور التي حرقت من أعظم دور البلدة وأكبرها والمطابع التي انقرضت من أمهات مطابع البلدة والمدارس التي هدمت يعز على كل عاقل تهدمها. وقد قدر العارفون الخسارة بما يقارب مليون ليرة. والوطأة شديدة حتى على الأغنياء. سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد ولك الشكر قضاؤك حكم وقدرك حتم لاراد لما قضيت ولا ينفع ذا الجد منك الجد ولا حول ولا قوة إلا بك. مئات من الحوانيت وعشرات من المخازن الكبيرة وقريب منها من البيوت العظيمة كانت مساء يوم الجمعة كعروس ترفل في ثيابها زينتها فما أصبح عليها صباح يوم السبت إلا
стр. 636
وهي في خبر كان. عفت آثارها وتهدمت شرفاتها وتعطلت طرقها وأصبحت عبرة للمعتبر. وعظة للمتعظ تفرقت أهلوها شذر مذر وأمسى أكثرهم لا مورد له للارتزاق بل أصبح غنيهم فقيراً وفقيرهم لا مأوى له.
من لنا بعيون تسح دمعاً وقلوب تسبل دماً. وصدور تزفر زفير الشكلى تبكي معنا هؤلاء الأغنياء الفقراء الأقوياء الضعفاء التجار الصعاليك تبكي تلك البيوت الفخيمة والمنازل العظيمة التي كانت آهلة بأهلها. عامرة بسكانها فقد أصبحت أثراً بعد عين وخبراً بعد حقيقة. أيها المصابون لا تحزنوا فالصبر أولى بكم والتأسي أجمل بقدركم أنتم بالشهامة معروفون فاصبروا وتجملوا فالله مع الصابرين. الدنيا دار محن وبلاء دار مصائب وعناء دار اختبار وابتلاء كرروا قول الله تعالى (ولنبلونّكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون. أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) وتأملوا حديث عمر بن أبي سلمة عند ابن ماجة عن أم سلمة أن أبا سلمة حدثها أنه سمع رسول الله ﷺ يقول ما من مسلم يصاب بمصيبة فيفزع إلى ما أمر الله به من قوله إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم عنك احتسبت مصيبتي فأجرني فيها وعوضني خيراً منها إلا آجره الله عليها وعاضه خيراً منها فلما توفي أبو سلمة ذكرت الذي حدثني عن رسول الله ﷺ فقلت إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم عندك احتسبت مصيبتي هذه فأجرني عليها فإذا أردت أن أقول وعضني خيراً منها قلت في نفسي أعاض خيراً من أبي سلمة ثم قلتها فعاضني الله (محمداً) ﷺ وآجرني في مصيبتي. أيها المصابون تصبروا واصبروا فالصبر خير كله (وما أعطي أحد عطاء خيراً وأوسع من الصبر) كما صح ذلك عن رسول الله ﷺ . وصح عنه ﵊ أنه قال ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا سقم ولا حزن حتى الهم يهمه إلا كُفرّ به من سيئاته. وعن بريدة الأسلمي ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول ما أصاب رجلاً من المسلمين نكبة فما فوقها حتى ذكر الشوكة إلا لإحدى خصلتين إما ليغفر الله له من الذنوب ذنباً لم يكن ليغفره له إلا بمثل ذلك لو يبلغ به من الكرامة لم يكن ليبلغها إلا بمثل ذلك. وعن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال يا رسول الله كيف الصلاح بعد
стр. 637
هذه الآية (ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوأ يجزيه) الآية وكل شيء عملناه جزينا به فقال غفر الله يا أبا بكر ألست تحزن؟ ألست يصيبك اللأواه قلت بلى قال هو ما تجزون به. وعن أبي عباس ﵄ قال قال رسول الله ﷺ من أصيب بمصيبة بماله أو نفسه فكتمها ولم يشكها إلى الناس كان حقاً على الله أن يغفر له. إلى غير ذلك من الأحاديث الشريفة الدالة على فضيلة الصبر وما لصاحبه من المثوبة والأجر.
هذا ونرى من الواجب تنبيه عقلاء دمشق على وجوب مطالبة الحكومة مطالبة مشروعة باستجلاب (بلوك) إطفائية يتألف من رجال غيورين هذبتهم التجارب. وثقفهم التعليم. ولا يخفى ما في ذلك من الفوائد العامة لمستقبل البلاد. وفي عقيدتنا أن الحكومة بإجابتها هذا الطلب تحسن إلى البلدة إحساناً عظيماً وإذا أضافت إليه مسألة الماء فانتفعت من ماء عين الفيجة بوضع منافذ في جهات البلدة تسد فلا تفتح إلا عند حدوث حريق (لا قدر الله) في تلك الجهة كما هو الحال في البلاد المصرية تزيد الإحسان إحساناً وتستحق الشكر الأبدي والثناء السرمدي. ونختم كلمتنا هذه بشكران الحكومة المحلية راجين منها أن تحل اقتراحنا المار محله وأن تعنى عناية خصوصية بتعجيل الأذن في عمارة ما هدم من الحوانيت رحمة بأولئك المنكوبين الذين أضحوا لا مأوى لهم ولا مورد ولا شك أن هذا أعظم إعانة يرضى الله تعالى بها ونحن بكل ارتياح نشكر كل من قام ويقوم بمساعدة هؤلاء المساكين وجمع الإعانات بالطرق المشروعة لهم سائلين الله تعالى أن يقيلنا وإياهم نوائب الدهر ويحفظنا جميعاً من غوائل الأيام.
стр. 638
درر الدمع الهامل
على مصاب حريق دمشق الهائل
أأبكي على رزء الرجال أم المال ... دماً أم على مبكى نساء وأطفال
أأبكي على فقد الشعور لفرط ما ... عرا القوم طراً من عجائب أهوال
إلى م التأسي والحوادث جمة ... وحتام يأتي الدهر في كل بلبال
تفاجئنا الأيام في كل حادث ... يكاد يذيب الصخر من شاهق عال
ونحن نجاريها بكل تجلد ... لديه عوادي الدهر تذهب كالآل
رويدك فينا يا زمان فهل ترى ... بأنا خلقنا من حديد وجبال
مصاب عظيم عم أهل دمشق بل ... جميع النواحي من غريب ومن آل
وبينا نرى سوق السعادة جنة ... إذا هو نار بين أرسم أطلال
ترى مشهداً يحكي لهيب جهنم ... وقود لظاها من نفائس أموال
ترى أوجهاً تدمي الفؤاد بصفرة ... معفرة بالترب من طلل بال
ترى أعينا تحكي العقيق بأدمع ... تسيل كغيث دائم السكب هطال
ترانا حيارى بين بك ونائح ... على نفسه أو عمه أو على الخال
فوا أسفي كم من بيوت تهدمت ... على أهلها لهفي على الأهل والمال
وما للشجي إلا الدموع وسائل ... على أن در الدمع أغلى من الغالي
فما شممت ناراً كلما اجتهد الورى ... لإطفائها تزداد شدة إشعال
ترى الريح من كل الجهات تشبها ... شبوب لظى حرب ذكت بين أبطال
نكافحها بالماء من كل وجهة ... فتجتهد الأرياح في رد أفعال
فلا الماء يجدينا لإطفاء جمرها ... ولا السعي في هدم بصورة زلزال
فيالك ناراً حين شب لهيبها ... تلاشى لديها كل حيلة محتال
نحاول إطفاء اللهيب تهجماً ... ولكننا نلوي بخيبة آمال
ومازالت الأرياح توقدها دجى ... وتذكي لظاها في
غدو وآصال
وتذهب بالأموال حتى أتت على ... أساس البناء الصلد في حال أمحال
стр. 639
حريق عظيم لم تر الشام مثله ... يغادرها بالشكل كالطلل البالي
بعه أغنياء القوم أمسوا بنعمة ... وقد أصبحوا أعرى من المغزل الخالي
فلا تيأسوا ياقوم من متفضل ... رحيم كريم الجود والرفد مفضال
فهل جئيتموا والمال حشواها أهابكم ... ألم تولدوا يا قوم من غير سربال
فألبسكم ثوب الغنى مانح الغنى ... فصرتم بفضل الله أرباب أموال
لئن أكلتها النار سوف ترون ما ... سيخلفه الرزاق أمثال أمثال
ألا يا بني الإنسان في كل بلدة ... ويامن تحلوا في فضائل أعمال
ويامن لهم في المكرمات شمائل ... تجل عن الإحصاء في كل أحوال
ويامن يغيثون الصريخ بنجدة ... بها ينعش المعثور من أوحل الحال
فهذا أوان الفضل أين رجاله ... وذا وقت إقدام لتخفيف أثقال
أجيبوا نداء المستغيث بكم إلى ... إغاثة ملهوف بكم حسن الفال
فتى كان أغنى القوم بالأمس راتعاً ... بأرغد عيش ناعم الحال والبال
ولكنه اليوم استحال نعيمه ... لبؤس شديد سيء الضر مغتال
فهل من مغيث جابر كسر بائس ... يئن بصوت خافت خوف إذلال
فلو شمتموا ما حل فيه لها لكم ... لهيب رهيب ذو ارتعاش وأهوال
خذوا (لن تنالوا البر حتى) فإنها ... جزاء على الإنفاق من أجود المال
أجيبوا فقيراً كان بالأمس ذا غنى ... يرى قاصدوه منه أجمل إقبال
وهاهو محتاج لقوت نهاره ... فيبكي ويستبكي المحب مع الغالي
فجدوا لفعل الخير فاليوم يومكم ... ولبوا أسيفاً ذا عيال وأطفال
وربكم الديان يجزل أجركم ... ويجزيكم عن فعلكم عشر أمثال
دمشق
عبد الرحمن القصار
стр. 640
قطرات الدمع الحميم
في رثاء الصديق الحميم
إِيه يا مُقلتيَّ بالدم سيلا ... واجعلاَ صفحتي خدودي مسيلا
فلو أن الأمطارَ وهيَ غِزارٌ ... بعضُ دمعي لم تُغن عني فَتيلا
أذرفاه عسى يخفف وجداً ... أوسع القلب لوعة وغليلا
فلقد نَابني مُصابٌ براني ... وأرانيَ يوماً عصبياً طويلا
نابني فاجع أمضَّ فؤَادي ... مسعراً فيه داءُ حزنٍ دخيلا
إذْ فقدتُ الفتى (أبا الخيرَ مولا ... ي الكريم (الطباع) ذاك النبيلا
لمَ يصل نعيهُ المسامِعَ حتى ... مَلاَء الشام حسرةً وعويلا
فعليهِ القلوب ظَلَّت تقاسي ... نعيه المرَّ أو حساماً صقيلا
لهف نفسي عليه من لوذعِيّ ... فَقدُه لمَ يدَعْ لصبري سبيلا
لهف نفسي عليه خِلاًّ وَفيَّاً ... كنت أَلْقاهُ ذلك المستحيلا
لهفَ نفسي عليه بَرَّاً تقياً ... عالماً عاملاً هماماً مَثيلا
لم أصادف له لكي أَتَعزَّى ... بين أقرانهِ الكرامَ مثيلا
شَبُ يضني في طاعة الله جسماً ... مثل صبري عليهِ نِضواً هزيلا
وكذاك الشهم السمين المعالي ... يفتدي جسمهُ نحيفاً نحيلا
ظَل بالعلم مُغرماً مع خلق ... كنسيم الصبا عليلاً بَليلا
وحوى العلم ناشئاً فتصدَّى ... لمقام التدريس شيخاً جليلا
ولِسرٍّ استأْثر الله ... بهِ فاغتدى لديه نزيلا
يا أَبا الخير لَست أنسى حياتي ... خلتي ما بكى الحمام الهديلا
يا صديقي الحميم هذا فؤّادي ... بحميم الأسى عليك غسيلا
لم تزلْ بيننا وعهدك حياً ... خالداً بالثناء جيلاً فجيلا
مثلما قد حييت في دار خلد ... حيث تسقى التنسيم والسلسبيلا
يا أَبا الخير لا عدتك الغوادي ... رائحاتٍ حيث اتخذت مقيلا
وحبتك التجليات حلاها ... حيث تلقي عليك ظلاً ظليلا
стр. 641
وسقت روض مستقرك سحاً ... رحمة الله بكرة وأصيلا
عبد القادر بن محمد المبارك الحسني الجزائري
стр. 642
إجابة طلب المؤيد
٢
يامصطفى قبل العوالم كلها) ... يا خير مبعوث بأشرف دين
يا من بره الله نوراً للورى ... والكونلم يبرز من التكوين)
أيروم مخلوق مديحك بعدما) ... في الله نلت نهاية التمكين
ورأيت ربك ليلة الإسرا وقد ... أثنى عليك الله في التبيين
بيروت
محمد سعيد إياس
يا مصطفى قبل العوالم كلها) ... روحي فداك وحب شرعك ديني
حزت الرسالة والسيادة والعلى ... والكون لم يبرز من التكوين)
أيروم مخلوق مديحك بعدما) ... مدح الإله علاك في يسين
أنت الغني عن الثناء لأنهُ ... أثنى عليك الله في التبيين)
رشيد عليوان
مدرس العربية في شعبة المكتب السلطاني
في بيروت
وله أيضاً حفظه الله
قلبي بحبك يا رسول لقد لها ... لا الغانيات الناعمات ولا المها
للخير أنت المبتدا والمنتهى ... يامصطفى قبل العوالم كلها)
والكون لم يبرز من التكوين
والأرض هذي والملائك والسما ... لولاك ما خلقت ولا كشف العمى
وعليك صلى ذو الجلال وسلما ... أيروم مخلوق مديحك بعدما)
أثنى عليك الله في التبيين)
يامصطفى قبل العوالم كلها) ... ياشافعاً للناس يوم الدين
سطعت أشعة نور ذاتك بالفضا ... والكون لم يبرز من التكوين)
أيروم مخلوق مديحك بعدما) ... أصبحت أفضل مرسل وأمين
стр. 643
من يستطيع الوصف أو يثني كما ... أثنى عليك الله في التبيين)
إبراهيم خليل مردم بك
стр. 644
رابطة الخلافة
ورابطة الدين
أطلعنا في بعض المجلات العربية على كتابين الأول بإمضاء الجنرال الطلياني بريكولا قومندان الفرقة الثانية أرسل به إلى العرب المجاهدين في طرابلس وبني غازي وملحقاتها يدعوهم فيه إلى ترك الحرب ونبذ التابعية العثمانية والإخلاد لطاعة الطليان والثاني بإمضاء إسلام عربان إفريقية الإسلامية سكان البوادي والبلدان وهو رد لمفتريات ذلك القومندان وتسفيه لرأي عامة الطليان ووصف لحال المجاهدين مع أعدائهم وتوضيح لشأنهم وقد نشرنا هذين الكتابين بنصهما ليقف القراء على بعض ما جبل عليه الطليان من الكذب والخديعة والغش والغدر وسخافة الرأي مما يفصح بأوضح عبارة عن سوء منقلبهم في هذه الحرب وما آل معهم الأمر بها من الفشل والتقهقر والخسارة ونتن الأحدوثة الأمر الذي لا ينساه الدهر والعار الذي لا يمحيه كر الأيام وليعلموا بل ليعلم الناس أجمع بعض ما فطر عليه أولئك العرب الكرام المجاهدون من الصبر والثبات والحمية والشجاعة والأنفة والشمم والإباء وقوة الرابطة الدينية وشدة التعلق بعرش الخلافة الإسلامية وبيع النفس والنفيس في سبيل المحاماة عن الوطن والإعراض عن لذة هذه الحياة وعدم الاغترار بتلك الوعود الكاذبة التي جاءت في كتاب الطليان مما سيبقى لهم مسطراً بأسطر ذهبية ما بقي الدهر وعاش النسر بل لا يفنى بفناء الأيام ولا ينقضي بانقضاء الأعوام وسيكون لهم برهاناً على صدق نياتهم يوم يقفون أمام الله تعالى ويعرضون عليه مع الصديقين والشهداء والصالحين (وحسن أولئك ريقاً) ذلك لأن مقصدهم إعلاء كلمة الله تعالى وحماية دينهم والذَب عن حريمهم وبلادهم من جور أولئك الكفرة اللئام. والالتفاف حول عرش الخلافة الإسلامية التي هي جماع المسلمين في مشرق الأرض ومغربها وبعبارة ثانية التي ليس بعدها للمسلمين حول ولا طول.
نعم من يقرأ كتاب هؤلاء المجاهدين ويتأمل معانيهُ يتجلى له شأن رابطة الدين وعظم قوتها. وعجيب منعتها وفائدتها من يتأمل هذا الكتاب يتحقق لديه أن أقواماً يحاربون قصد إرضاء إله واحد. ينادون جميعهم باسمه. ويجأرون بالدعاء له. لا فرق بينهم في العقيدة. ولاخلاف بينهم في الدين. نبيهم واحد وشريعتهم واحدة. وصلاتهم واحدة. وغايتهم واحدة
стр. 645
وباعثهم واحد من يتأمل هذا كله يتحقق لديه أنهم لا يُغلبون ولن يغلبوا تصديقاً لقوله عز اسمه (يا أيها الذين آمنوا إن تنصُروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم) من يفكر في الطليان وانتظامهم وعددهم وعُددهم وبوارجهم ومدافعهم وما لديهم من القوى الهائلة ثم يتأمل في أولئك العرب المجاهدين وتفرقهم وعدم انتظامهم وحاجاتهم إلى الأدوات الحربية و. و. و. يحكم في بادئ الأمر بأنهم سيكونون هدفاً لسهام الطليان. ومرمى لقذائفهم وأن الحال سيضطرهم إلى أن يعلنوا السمع والطاعة ويقبلوا بالتابعية الطليانية وهم صاغرون. ولو دقق المتأمل النظر لعلم أنه خبط خبط عشواء لما أنه قد غاب عنه أن الباعث لهؤلاء العرب على الحرب أمر ديني وشعور إيماني لم يثره إلا الذب عن العرض والوطن وأن تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى بخلاف الطليان فإنهم وإن كانوا ذوو قوة بالنسبة إلى أهل طرابلس كما سبق ولكن يستحيل أن تقاوم قوتهم الظاهرية تلك القوة المعنوية التي من ألذ لذاتها الموت والتي تجعل الأرض على سعتها ضيقة في وجه صاحبها فيرى أن لا منقذ له من هذا المضيق إلا المقاومة ما استطاع هذا مع ظهور أن الباعث للطليان على هذا الحرب إنما هو الجشع والطمع والتعدي. الرابطة الدينية هي بنفسها رابطة الخلافة والعرب في حربهم مع الطليان مرتبطون بهذه الرابطة فدفاعهم عن الخلافة الإسلامية هو دفاع عن الدين لا محالة. فإلى أولئك المتفرنجين اليوم نقدم كلمتنا هذه عساها تكون مفيدة لهم في تعظيم أمر الدين ورابطته ولعلهم يرون أن العدد الظاهرية على ضخامتها وشدة بأسها لاتقاوم تلك العدد المعنوية على لطافتها وقلة مؤنتها. وإليك نص الكتابين:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
اصغوا ياعربان بلا بنغازي وملحقاتها
حالة الحرب التي نحن موجودون بها الآن قد ألزمتنا أن نقطع أي علاقات كانت فيما بين البلدة والبر فلهذا صوتنا لم يمكنه أن يصل إليكم وأنتم صرتم ضحية للأكاذيب التي يحدثونكم بها الأتراك. نحن نرغب أن نقول أيضاً لكم الحق مرة واحدة لأجل صالحكم ولفائدتكم حتى يتوفر عنكم فظاعة الحرب الذي هو بتمامه ضرر عليكم والذي يطفئ باطلاً حياة أناس التي هي عزيزة عند الله تعالى. فلهذا نأمر الطيارات بالهواء أن ترتفع ومن
стр. 646
أعلى الجو أن تسقط عليكم جوابنا هذا الذي به يجلب لكم كلمتنا التي هي الحق والعدل. نحن قلنا لكم سابقاً والآن نكرره أيضاً بأن حكومة جلالة ملك إيطاليا العظيم القوي حفظه الله تعالى ما أتت لمحاربة العربان بل هي حضرة لهذه البلاد بإرادة الله حتى تطرد من هذه الديار حكومة الأتراك القاحلة وعديمة الكفاية التي هي قد أقحلت أراضيكم وتركتها مهملة لجملة سنين وأحرمتها من فضائل التمدن والترقي. نحن سبق وقلنا لكم ونقسم لكم أيضاً بسم الله العظيم إله جميعنا الذي هو حامينا ومنور عقولنا بأننا سنحترم قطعياً ديانتكم وعوايدكم ونظاماتكم ونساءكم وأملاككم ولا نلمكم لخدمة القرعة العسكرية ولا نضع عليكم ضرائب بغير الحق وأيضاً سننظر إذا أمكن الحال أن نجعل تلك الضرائب التي كنتم تدفعونها لحكومة الأتراك أن تكون أكثر تخفيفاً عن قبل وعلى سائر الأحوال كافة الدراهم التي تدخل من هذه الديار على خزاين دولتنا سيصير صرفها لمنفعة تمدن هذه البلاد بفتح طرقات وسكك حديدية وإصلاح المراسي لإدخال عدد كثير من الوابورات الكبيرة الذي ستأتي شاحنة البضائع وعمار مدن التي سيكون بها أسواق عظيمة حتى يتسهل للجميع مشترى لوازم المعيشة بسعر متهاود على قدر الإمكان نحن سنحترم الزوايا (تعلقكم) وسنبقي لهن كافة الامتيازات التي هي متمتعة بها وسننظر أيضاً إذا كان يمكنا الحال أن نزيد تلك الامتيازات وسنساعدها عند اللزوم حيث هذه الزوايا يمكن أن يصبر إقبالهن ونجاحهن أكثر من قبل حتى وأنهن يكن أعظم مساعدة لفقراء البلدة والبر. نحن سنعطي لمشايخ القبائل المهمين كافة السلطة التي تلزم أن تكون لهم وسنعطي أيضاً مكافأة لهم معاشات شهرية متساوية للمساعدة التي يقدرونها لحكومتنا الإيطالية بحفظ النظام والتهذيب في البر. إن شاء الله تعالى في مدة قليلة بلادكم هذه مع وجود الأمن والراحة تزداد بعونه تعالى بالإقبال والثروة وهكذا الجميع يمكنهم بواسطة شغل الحقول والمرعى والطرق والسكك الحديدية والمدن والتجارة والصناعة الحصول على لوازم معيشة كل واحد مع عائلته بحسب لياقة الرجال الأفاضل والأحرار وهذا بموجب الشرائع المرسومة لنا بحكمة وعظمة الله تعالى الدائمة فلهذا أنتم لا يجب عليكم محاربتنا أنتم لا يلزم عليكم أن تصدقوا الأتراك لأن المذكورين قد هربوا دائماً وما تجاسروا أبداً أن يحاربوا البلد بل أرسلوكم أنتم ضد مدافعنا الهائلة حتى يصير قتلكم.
стр. 647
الأتراك ما عندهم قوة حتى يحاربونا هم دائماً يقولون لكم بأن الإيطاليان هم أعداؤكم وهذا كله لأجل صوالح الأتراك الخصوصية بحيث أنهم منتظرون أن يحصل الصلح وثم يتركونكم بمفردكم ضدنا ومدافعنا ماذا فعلوا لكم الأتراك من الخير أثناء حكمهم في هذه البلاد مدة ثمانين عاماً المذكورين قد أضعفوكم دائماً وهم اليوم مستخدمين ذاتكم ودمكم بدلاً من أن يحاربوا برجالهم ومدافعهم ترفعوا عن محاربتنا ونحن لا نحاربكم. حكومة جلالة ملم إيطاليا العظيم الله تعالى يحفظه عندها كلمة واحدة فقط وليس اثنين. اتركوا الأتراك وهم يصيرون مغلوبين لطلب الصلح فحينئذ نفتح لكم أبواب الذهب التي هي أبواب البحر ونبتدي في أعمالنا بالعدل والمحبة الذي يجعل أراضيكم بعظمة وإقبال تحت سلطة جلالة ملك إيطاليا العظيم أدام الله جلالته ويخفق فوقها العلم المثلث اللون الأبيض والأحمر والأصفر تمهيداً للإيمان والرجاء والمحبة اذكروا بأن الله قد قال في الكتاب الكريم (لاينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين) واذكروا أيضاً بأنه قد كتب في الكتاب الكريم (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله).
بنغازي في ١٢ فبراير سنة ١٩١٢
قومندان الفرقة الثانية
الجنرال بريكولا
الجواب
نعوذ بالله من الشيطان الرجيم
لجنرال بريكولا النصراني قومندان الفرقة الطليانية. السلام على من اتبع الهدى أما بعد فقد اطلعنا على كتابك المرسل لنا على أجنحة الطيارات الهوائية الملقى من الجو خوف الفضيحة والرزية المؤرخ في ٢٤ صفر سنة ١٣٣٠ هجرية الموافق ١٢ فبراير سنة ١٩١٢ أفرنكيه فرأيناه قد اشتمل على أنواع الغش والخديعة والزور والمفتريات الشنيعة خصوصاً ما تضمن من الطعن في الحكومة السنية العثمانية أدامها الله رب البرية والحط من شأن المجاهدين من إخواننا العثمانيين الذين شهدت لهم الأعداء قبل الأصدقاء بالنجدة والشجاعة والغيرة والبراعة والصبر والطاعة والثبات والقناعة الذين فتحوا البلاد ودوخوا
стр. 648
العباد وقمعوا أهل الشرك والبغي والفساد الممتازين بأسنى المزايا الفاضلة وأسمى السجايا الكاملة الذين تجمعنا بهم الأخوة الإسلامية في سلسلة نورانية تبهر من أشعتها الأبصار وتستنير بنور عدلها الأفاق والأمصار بالصورة التي تسيء الحساد وتغيظ الكفار وقد تناهت هذه السلسلة المباركة التي هي عروة وثقى لا انفصام لها عامة الإسلام لطفاً واستمكنت قوة ووصفاً ولقد ساءنا وأيم الله جرأتك على الإدعاء بأن إيطاليا ما تجشمت الخسائر ولا تكبدت المشقات إلا شفقة منها علينا وسعياً في انتشالنا من ظلم الأتراك على زعمكم وأنه متى أعلنت السيادة (والعياذ بالله تعالى) لدولتكم وتركنا الحرب والطعان ونفضنا الأكف من طاعة دولة بني عثمان (لا سمح الله تعالى) نصبح في جنات ونعيم ومقام كريم إلى غير ذلك من الهذيان والله يعلم والناس يشهدون وأنت في مقدمتهم أنكم لكاذبون. وأنا لا نلومك أيها الجنرال على ما ألقى الشيطان في أمنيتك من الأماني الكاذبة والوساوس الخائبة إن هي إلا أضغاث أحلام وخيالات وأوهام وأما الحقيقة الواضحة الظاهرة للعيان بالدليل والبرهان فهي أنكم أعدى الأعداء وألد الخصام وأهل البغي والعدوان وقد منعنا القرآن عن موالاتكم بقوله جل وعلا (ولا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يتولهم منكم ف، هـ منهم) (إن الله بريء من المشركين) فاعلم أيها الجنرال أننا لنا بحمد الله ديناً لا نبتغي عنه بدلاً ولا نحيد عنه حولاً وإيماناً ويقيناً بما جاءت به شريعتنا الغراء فعلى صاحب اليقين أن لا يرضى بالذل والمسكنة والطاعة للكافرين وكيف نرضى بالطاعة لمن لا يذهب مذهبنا ولا يرد مشربنا ولا يدين بديننا ولا يحترم شريعتنا ولا يراعي حرمتنا ولا يرى فينا إلاَّ ولا ذمة كما شهد بذلك القرآن الكريم بقوله خطاباً لنبيه المرسل (ولن ترضى عنك اليهود والنصارى حتى تتبع ملتهم) صدق الله العلي العظيم فكيف نصدق ما أتيت به من الأكاذيب ونخدع بما افتريت من الأساليب ونحن نعلم علم اليقين أكبر همكم وغاية أمانيكم سحق ديننا والتغلب على أوطاننا واسترقاق أرقابنا والقضاء على كياننا في عالم الوجود حسب ما يشهد بذلك التاريخ والأعمال فجدير بنا تلقاء ما نعلم من اعتدائكم أن نلبي داعي الله تعالى ونبذل الأموال والأرواح في الذود عن الوطن ونجاهد في سبيل الله فالحق داع والله حاكم والضرورة قاضية فأين المفر؟ ولتعلم أيها الجنرال أن وراء اعتداء إيطاليا على أوطاننا أهوال ترتعش
стр. 649
منها الأبدان وتشيب من هولها الولدان وأن ما تتبجح به من الاستشهاد في مرسومك بآيات الله تعالى لم يكن قصدك منه إلا التغرير والخديعة والمكيدة والوقيعة كما يشهد بذلك القرآن في قوله جل علاه في أمثالكم (يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون) فكيف يحترم الطليان ما لا يعتقدونه من الكتب المقدسة أليست الطليان هي التي ارتكبت دنأة القرصان وشناعة اللص الجبان باعتدائها على أملاك دولة الخلافة الإسلامية؟ أليس هي التي غررت رجال الحكومة العثمانية بزخرف القول ودعاوي الصداقة الكاذبة حتى أخلت الديار ومنعت ورود الجيوش والمهمات ليخلو لها الجو وكانت كما قال الشاعر:
وإذا ما خلا الجبان بأرض ... طلب الطعن وحده والنزالا)
فالدولة التي لم تحترم العقود ولا المعاهدات هل تحترم الدين والآيات فمهلاً مهلاً معاشر الطليان فإننا لم نكن أقل حمية وشجاعة من أولئك الحبش الذين ساموكم سوء العذاب ورجعتم من بلادهم بخفي حنين راضين من الغنيمة بالآيات نحن نفتخر دائماً بأننا أولاد ولاية الدولة العلية قد جدعوا أنوف المعتدين وسحقوا رؤوسهم تحت سنابك الخيل وقضوا على دولتكم الخاسرة بعد أن عصروها عصراً وأروها النجوم ظهراً فأصبحت خزائنها المالية أنقى من هامة الأصلع وبواخرها الحربية والتجارية تجاري في سرعتها الضفدع، فهي عبارة عن مجموعة أخشاب قد رتع السوس فباض وفرخ واعتراها الدمار وكتب وأرخ، وقد أفلست معاهدها التجارية، وتلاشت تجارتها العمومية وغدا شعبها في أشد حالات الفقر المفضي إلى حدوث ثورة مدهشة ستمتد في جميع أرجاء إيطاليا فأين ذلك مما نحن عليه من القوة والسطوة والثبات والنخوة وتوفر أسباب المعيشة فضلاً عن المؤن المخزونة وكنوز القناعة المكنونة سيما وقد أخذت الأرض زخرفها وازينت وأنبتت من كل زوج بهيج ولدينا بحمد الله من المهمات والمعدات ما تكفينا عشرات السنين مع أن العرب لا تهتم بمسائل المأكل والمشرب ولا تتأنق في الملبس ولن يروقنا إلا ما نشأنا عليه من التقشف والبداوة بخلافكم معاشر السنانير فإنه يعز عليكم أن يجرح النسيم أيديكم الناعمة ويأكل الثرى ملابسكم الزاهية وتستعيضوا عن البالونات والتياترات بهذه الصواعق المزعجات ثم أليس من الحماقة أن توهمنا أيها الجنرال بعدل إيطاليا بعد الذي تناقلته صحف الكائنات عن فظائعها الوحشية في جميع القارة الإفريقية خصوصاً ما وقع منكم في
стр. 650
طرابلس الغرب فضلاً عما يقع منكم كل يوم ببني غازي من قتل الأنفس وهتك الأعراض واتخاذ المساجد حانات أو مواخير للموبقات فهل هذا العمل يعد من العدل والرأفة بالمسلمين أم من جملة احترامكم للدين الذي تستشهدون بآياته أم هو عمل الظالمين المعتدين ثم أردتم بزعمكم الفاسد أن تموهوا على سخفاء العقول بما أوردتم من النصوص والنقول ومنها جرأتكم على ذكر الآيات الكريمة وهي قوله (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم) الآية فيا أيها الجنرال إن هذه الآيات هي دلائل وبنيان وبراهين ومعجزات على وجوب قتالكم على آخر رمق من الحياة فكيف تستدل علينا بها وأنتم الذين اعتديتم علينا وزحفتم بخيلكم ورجلكم وأساطيلكم تقاتلونا لتخرجونا من ديارنا فقتلتم أبناءنا واستحببتم نساءنا ألستم أنتم الذين استوليتم على بلادنا ظلماً وعدواناً وقتلتم منا ألوفاً من النفوس البريئة والنساء المخدرات والأطفال المعصومات حتى ملأتم بجثثهم مساجد طرابلس وجوامعها وهاهي خمسة أشهر وأنتم تصوبون سهامكم وبنادقكم ومدافعكم لحربنا وقتالنا وإفناء أرواحنا فمن الذي يلزم أن نقاتلهم غيركم ومن الذي اعتدى علينا سواكم فهل نحن زحفنا على بلادكم واعتدينا عليكم أم أنتم الظالمون المفترون ثم لا يخفى على علمك أن الدولة العلية أيدها رب البرية هي دولة الخلافة الإسلامية هي تلك الدولة التي وقفت بين عشرين دولة مسيحية وقابلت الحروب الصليبية مدة تزيد عن ستمائة عام وهي التي حاربت أعظم الدول نحواً من سبع وأربعين مرة ولم تنكسر لها راية وهي المحافظة على الحرمين الشريفين وهي التي لم تستعن في جميع حروبها إلا بسواعد أبطالها وعزماتهم المعقودة الأطراف وهي التي زلزلت صروح الكرة بشدة بأسها وهي هي التي لم تزل حافظة لكيانها رغم أنفك أيها الجنرال وإن النفوس مهما تدحرجت في دركات الإدراك فإنها تشعر باحترام هذه الدولة العلية سواك ولا نستغرب إنكارك لهذه الحقائق التاريخية بما أسدله الحقد والحسد على بصرك من الحجب المغشية كما قيل:
قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد ... وينكر الفم كعم الماء من سقم)
فهلا يندهش الناس وتفيض صدورهم بالغيظ وتتساقط من أفواههم اللعنات على أم ناصيتك حينما تقع الأعين على قولك أيها الجنرال عن أبطال الأتراك بأنهم هربوا من القتال
стр. 651
وهاهي جيوشهم المنصورة على قلة عددهم وعددهم لكم بالمرصاد وأمام عيونكم متهيئين لقتالكم بقلوب تزول من ثباتها الجبال وتزلزل من هيبتها أفئدة الأبطال. وهاهم أناة الليل وأطراف النهار في انتظار ظهوركم من وراء الحصون والجدران فإن كنتم رجالاً أكفاء لقتالهم فهموا إلى النزال حتى ترى أيها الجنرال (إذا انجلى الغبار أفرس تحتك أم حمار) (ويعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) وإن كنتم قادرين على حرب أبطال الجيوش العثمانية حسبما زعمت فهذه بحمد الله جنودها وجيوشها المظفرة وقد أحاطت بقارة أوروبا إحاطة السوار بالمعصم ومنها دولتكم الضئيلة الكئيبة ومن لم يستطع مكافحة شرذمة من جنودها وهي على مقربة ساعة منه كيف يتجارى على حروب الملايين من تلك الأسود الضارية التي شهدت بنجدتها الآفاق وملأت شهرتها السبع الطباق وإن كنتم عالمين بعجزكم وعدم قدرتكم فارجعوا بخفي حنين واقنعوا من الغنيمة بالإياب وصفوة القول أننا نعلم أن لكم بلاداً واسعة وشعوباً جائعة وكلاهما في حاجة إلى التهذيب والإصلاح وسد الرمق بالشرور والسفاح فالواجب عليكم أن تصرفوا همتكم في إصلاح قومكم واستثمار أراضيكم وافتحوا لهم أبواب خزائن الذهب الذي توعدوننا بفتحها من البحران ذلك أولى بكم من تعديكم على حقوق الغير وإن كنتم لم تصلحوا قومكم وهم من جنسكم ودينكم فكيف يتأتى لكم إصلاح قوم لا تجمعكم بهم صفة من الصفات ولا جامعة من الجامعات وهب أن الطلياني خلق من الذهب ونحن خلقنا من التراب وأنه يمشي على رأسه في السماء ونحن نمشي على أرجلنا في الأرض فماذا يريد منا إذا رفضنا معاملته وقمنا بطرده كما نطرد الهوام ولم لم يصرف مواهبه في بلاده ويجعل براكينها تقذف ذهباً وأرضها تنبت تبراً وسماءها تمطر درّاً بدلاً من أن يجوب القفار ويجوس خلال الديار الأبلغ ملك إيطاليا بأن الزوايا السنوسية هي أكبر معضد للدولة العلية لارتباطها بمقام الخلافة الإسلامية وأن مشايخها هم قادة الجيوش وهم القائمون بنصرة الدين وجمع أفئدة المجاهدين وأنهم ليسوا في حاجة إلى معاونتكم وما العشائر والقبائل إلا مهتدية بهديهم ومستنيرة بنورهم ومرتبطة بهم فالزوايا هي مهبط التجليات الإلهية ومحط رحال وفود الأمة الإسلامية ومدارس مكارم الأخلاق الدينية والآداب الفطرية ومجمع الشعوب البدوية فهم يغشونها بالعشي والبكور كما تغشى ملائكة الله البيت المعمور فليخسأ علم الطليان المثلث الألوان الذي هو علامة الشرك
стр. 652
والكفر والطغيان ولتسقط إيطاليا دولة اللصوص والقرصان ولتحي الدولة العلية مدى الزمان دولة آل عثمان.
تحريراً في يوم الجمعة ١٢ ربيع الأول سنة ١٣٣٠ هجرية الموافق ١٢ مارت سنة ١٩١٢ إفرنكيه.
عموم عربان إفريقية الإسلامية
سكان البوادي والبلدان
стр. 653
الخطب الجلل
(إنا لله وإنا إليه راجعون)
فاجئتنا الحوادث في هذه الآونة بخطب أليم وبلاء عظيم، وبلية سالت منها الدموع، وخفقت لها القلوب. فاجئتنا بموت إمام العلماء، ورأس الأتقياء رجل العلم والعمل، والأدب والفضل، والورع والزاهد والنبل، الأستاذ الجليل الشيخ محمد المبارك الحسني الجزائري كما فاجئتنا لموت سليل العلم والفضل من اشتهر شرف نسبه اشتهار الشمس في رابعة النهار وسار فضل عشيرته مسير الأمثال، حتى وافتهم الوفود للأخذ عنهم من كل أوب وصوب الشيخ سليم أفندي الكزبري تغمدهما الله تعالى برحمته وعمهما بفضله وأحسن عزاء لهما؛ وعوض المسلمين عنهما خيراً.
اعتذار
لدينا كتب وجرائد ومجلات أرسل بها أربابها إلينا فتأخر الكلام عليها فمعذرة من أصحابها وسلفاً نقدم لهم الشكر وموعدنا بإيفائها حقها من تقريظ أو انتقاد في الأعداد الآتية إن شاء الله تعالى.
جمعية التعاون الخيري
بلغنا أن ستصدر هذه الجمعية برنامج سنتها الثانية موضحة فيه جميع ما قامت به من الأعمال الجليلة من خدمة الفقراء وتسفير الغرباء وتعيين رواتب للعجزة والمقعدين وإحياء العلم بوضع أولادٍ محاويج في المدارس على نفقتها مع بيان أسماء جماعة من أهل الغيرة والحمية ممن عرفوا بالشهامة والإحسان عملوا معها في هذا الخير ومقدار أسهمهم الشهرية فنستدر أيدي أهل البر والحنان لمؤازرتها ونشكر حضرة أعضائها المحترمين وكلّ من طابت نفسه فعمل على صد هجمات الشقاء عن أولئك المساكين الفقراء.
стр. 654
العدد ٢٢ - بتاريخ: ١٧ - ٥ - ١٩١٢
стр. 655
الدين الإسلامي والتوحيد
١٦
معجزات سيدنا محمد ﷺ
ومن معجزاته ﷺ ما رواه البخاري بسنده إلى يزيد بن عبيد الله قال رأَيت أثر ضربة بساق سلمة قلت يا أبا مسلم ما هذه الضربة قال هذه ضربة أصابتها يوم خيبر فقال الناس أصيب سلمة فأتيت النبي ﷺ فنفث فيه ثلاث نفثات فما اشتكيتها حتى الساعة.
ومن معجزاته ﷺ ما رواه الإمام أحمد بإسناد جيد والحاكم والترمذي وصححاه عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال عدا الذئب على شاة فأخذها فطلبه الراعي فانتزعها منه فأقعى الذئب على ذنبه وقال ألا تتقي الله تنزع مني رزقاً ساقه الله إلي فقال الراعي (ياعجباً ذئب مقع على ذنبه يكلمني بكلام الأنس) فقال الذئب (ألا أخبرك بأعجب من ذلك (محمد) بيثرب يخبر الناس بأنباء ما قد سبق) قال فأقبل الراعي يسوق غنمه حتى دخل المدينة فزواها إلى زاوية من زواياها ثم أتى رسول الله ﷺ فأخبره فأمر ﵊ فنودي بالصلاة جامعة ثم خرج فقال للأعرابي أخبرهم فأخبرهم ومن معجزاته ﷺ تكثير الطعام القليل والماء ببركته ودعائه ﷺ فمن ذلك ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث جابر الأنصاري ﵁ في غزوة الخندق قال انكفأت إلى امرأتي فقلت هل عندك شيء فإني رأيت بالنبي ﷺ خمصاً (جوعاً) شديداً فأخرجت جراباً فيه صاع من شعير ولنا بهيمة داجن (سمينة) فذبحتها وطحنت الشعير حتى جعلنا اللحم في البرمة (القِدْر) ثم جئت النبي ﵊ فساررته فقلت يارسول الله ذبحنا بهيمة لنا وطنا صاعاً من شعير فتعال أنت ونفر معك فصاح ﵊ يا أهل الخندق إن جابراً صنع سؤراً (طعاماً) فحيهلا بكم (هلموا مسرعين) فقال ﵊ لا تُنزلن برمتكم ولا يخبزن عجينكم حتى أجيء ثم جاء ﷺ فأخرجت له عجيناً فبصق فيه وبارك ثم عمد إلى برمتنا فبصق وبارك ثم قال (أي لامرأة جابر) ادعي خابزة فلتخبز معك واقدحي (اغرفي) من برمتكم ولا تنزلوها وهم ألف فأقسم جابر رضي
стр. 656
الله عنه لقد أكلوا حتى تركوه وانحرفوا وإن برمتنا لتِغطّ (تغلي) وإن عجيننا ليخبز.
وأخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال لما كان غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة فقال عمر ﵁ يا رسول الله ادعهم بفضل أزوادهم ثم أدعو الله تعالى لهم عليها بالبركة فقال نعم فدعا بنطع (بساط) فبسط ثم دعا بفضل أزوادهم فجعل الرجل يجيءُ بكف ذرة ويجيءُ الآخر بكسرة حتى اجتمع على النطع شيءٌ يسير فدعا رسول الله ﷺ بالبركة ثم قال خذوا خذوا في أوعيتكم فأخذوا غي أوعيتهم حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملؤه قال فأكلوا حتى شبعوا وفضلت فضلة فقال ﷺ أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاكٍ فيحجز عن الجنة.
ومن معجزاته ﷺ ما أخرجه البخاري في غزوة الحديبة من حديث المسور بن مخرمة أنهم نزلوا بأقصى الحديبية على ثمد (الماء القليل يتبرضه الناس تبرضاً أي يأخذونه قليلاً قليلاً) فلم يلبثه الناس حتى نزحوه وشكي إلى الرسول ﷺ العطش فانتزع سهماً من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه فوالله مازال يجيش (يفور ماؤه ويرتفع) لهم بالري حتى صدروا عنه.
وأخرج البهقي عن عبد الله بن عباس ﵄ أنه قيل لعمر بن الخطاب حدثنا عن ساعة العسرة قال عمر ﵁ خرجنا إلى تبوك في قيظ (حر شديد) فنزلنا منزلاً أصابنا عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع حتى إن كان الرجل ليذهب يلتمس الرجل فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع حتى إن كل رجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده فقال أبو بكر ﵁ يا رسول الله إن الله تعالى قد دعوك في الدعاء خيراً فادع الله لنا قال أتحبون ذلك قال نعم فرفع يديه فلم يرجعهما حتى قالت السماءُ (أي أقبلت السحاب) فانسكبت فلمؤا ما معهم من آنية ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها تجاوز العسكر.
ومن معجزاته ﷺ انقياد الحيوانات المستعصية إليه فقد أخرج الإمام أحمد والنسائي بإسناد جيد ورجاله ثقات كما قال المنذري عن أنس بن مالك ﵁ قال كان أهل بيت من الأنصار لهم جمل يسنون عليه أي (يسقون عليه) وأنه اُستصعب عليهم
стр. 657
فمنعهم ظهره وأن الأنصار جاؤا إلى رسول الله ﷺ فقالوا أنهُ كان لنا جمل نسني عليهِ وأنهُ استصعب علينا ومنعنا ظهره وقد عطش النخل فقال ﵊ لأصحابه قوموا فقاموا ودخل الحائط (البستان) والجمل في ناحية فمشى ﷺ نحوه فقالت الأنصار يا رسول الله قد صار مثل الكلب الَلِب وإنا نخاف عليك صولته فقال ﵊ ليس علي منهُ بأس فلما نزر الجمل إلى رسول الله ﷺ أقبل نحوه حتى خر ساجداً بين يديه فأخذ ﵊ بناصيته أذل ماكان قط حتى أدخله في العمل فقال له أصحابه يارسول الله هذه بهيمة لا تعقل تسجد لك ونحن نعقل فنحن أحق أن نسجد لك فقال ﷺ لا يصلح بشر أن يسجد لبشر لو صلح بشر أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها.
وروى الدرامي عن ابن عباس ﵄ والإمام أحمد والبيهقي كما في شرح الشفاء للخفاجي أن امرأة جاءت بابن لها إلى رسول الله ﷺ فقالت يا رسول الله إن ابني به جنون وإنه ليأخذه عن غدائنا وعشائنا فمسح رسول الله ﷺ صدره فثع ثعة وخرج من جوفه مثل الجرو الأسود يسعى وكذلك روى مسلم عن إياس بن سلمة عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال أين علي ابن أبي طالب فقالوا إنه يا رسول الله يشتكي عينيه قال فأرسلني النبي فجئت به أقوده أرمد فبصق في عينيه فبرأَ وعند الطبراني عن علي ﵁ ف فما اشتكيتها حتى الساعة قال ودعا لي رسول الله ﷺ اللهم أذهب عنه الحر والقر قال فما اشتكيتهما حتى يومي إلى غير ذلك مما أظهره على يده ﷺ من المعجزات الباهرات والآيات البينات الدالة على صدق نبوته وتحقيق رسالته مما لو بالغ الإنسان في إحصائه لعجز عن استقصائه أو أجهد نفسهُ في حصره لفني المدى في ذكره ومن تصفح الأخبار وتتبع الآثار وجد من ذلك العجب العجاب ويرحم الله البوصيري حيث قال:
وكل آي أتى الرسل الكرام بها ... فإنما اتصلت من نوره بهم
فإنهُ شمس فضل هم كواكبها ... يظهرن أنوارها للناس في الظلم
والمعنى أن كل معجزة أتى بها كل واحد من الرسل عليهم الصلاة والسلام فإنما اتصلت بهِ من نور سيدنا محمد ﷺ إذ هو إمام المرسلين وسيد الخلق أجمعين
стр. 658
والرحمة العظمى للعالمين ﷺ إلى يوم الدين.
يتبع
стр. 659
باب المراسلة
ننشر في هذا الباب ما يرد إلينا من أفاضل العلماء والكتاب من الأبحاث العلمية والأدبية مما يتفق مع مبدأ المجلة تاركين العهدة فيه على أصحابه وربما انتقدناه بعد نشره كما أنا نقبل الانتقاد عليه لغيرنا.
الحجاب الشرعي
سأل بعض علماء بيروت حضرة الأستاذ العالم العلامة مفتي الديار البيروتية عن الحجاب الشرعي في الإسلام وصفته بسؤال هذا نصه:
السؤال. ما هو الحجاب الشرعي وصفته أفتونا مأجورين.
الجواب. الحمد لله وحده
الحجاب الشرعي ستر الوجه والبدن كله وملازمة المرأة خدرها إلا لضرورة توجب الخروج وصفة هذا الحجاب أن تغطي الرأس والوجه بجزء من الجلباب مع إرخاء الباقي على بقية البدن قال الله تعالى يا آيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن وقال تعالى يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولاً معروفاً وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية قال البيضاوي (يدنين عليهن من جلابيهن) يغطين وجوههن وأبدانهن بملاحفهن إذا برزن لحاجة. ومن للتبعيض فإن المرأة ترخي بعض جلبابها على وجهها وتلتحف ببعض وقال الخازن قال ابن عباس أمر نساءَ المؤمنين أن يغطين رؤوسهن ووجهوهن بالجلاليب ليعلم أنهن حرائر والجلباب مل ما تستر به المرأة من ملاءة وكساء وغيره والخطاب في قوله تعالى وقرن في بيوتكن لأمهات المؤمنين ونساء الأمة تابعات لهن فيه. وقال الألوسي في تفسيره روح المعاني والمراد أمرهن ﵅ بملازمة البيوت وهو أمر مطلوب من سائر النساء والتبرج هو إظهار الزينة وإبراز المحاسن للرجال والتبختر في المشي والمعنى ولا تبرجن تبرجاً مثل تبرج النساء في الجاهلية وهن نساء المشركين قبل الإسلام أي إذا خرجتن من بيوتكن لا تمشين مشية هؤلاء المبتذلات ولا تفعلن فعلهن والحاصل أن حقيقة الحجاب الشرعي أن تلتحف المرأة برداء يسترها من رأسها إلى قدميها بدون أن يصف شيئاً من أعضائها وأما الحجاب المستعمل الآن فمنهُ ما
стр. 660
هو موافق للشرع الشريف ومنه ما هو مخالف له فالموافق هو التستر بالجلابيب الواسعة ولم لم يشبه الحجاب الذي كان في صدر الإسلام من كل وجه لأن مقصد الشارع ستر الوجه والجسم لدرء المفاسد لا تعيين رداء مخصوص أو هيئة معلومة. وأجدرها بالاعتبار الجلالبيب السود لأن فيها تشبهاً بنساء الأنصار الكرام فقد أخرج عبد الرزاق وجماعة عن أم سلمة ﵂ قالت لما نزلت هذه الآية يدنين عليهن من جلابيبهن خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من السكينة وعليهن أكسية سود. والمخالف للشرع ما كان منها ضيقاً يصف الجسم ويمثل حجم الأعضاء وكذا المناديل الرقيقة التي توضع على الوجه ومنها الفيشة القصيرة التي لا تستر العنق ولا تغطي جميع الوجه وكل ذلك من التبرج الذي عظمت مفسدتُه وتحققت مضرته ولذا نهى الله عنه حتى نهى المرأة أن تضرب الأرض برجلها ليعلم الرجال ما تخفي من زينتها فقال ﷻ ليعلم ما يخفين من زينتهن وكانت المرأة في الجاهلية تفعل ذلك إذا مشت ليسمع صوت خلخالها أو يتبين للرجال الأجانب.
ومثل ذلك ما لو تحركت بحركة لتظهر لهم الأساور التي بيدها كما يقع في هذا الزمان من ربات البلورينات الضيقة أو لبست بلوريناً قصير الأكمام لتبدي يديها أي ذراعيها فإنه داخل تحت هذا النهي أيضاً وهو لا يليق بالحرة العاقلة العفيفة. وبالجملة فإن المرأة لا يجوز لها أن تظهر ما خفي من زينتها كالسوار في المعصم والقرط في الأذن والقلادة في العنق والصدر ولا يجوز النظر إلى هذه المواضع ونحوها إلا للمحارم لقوله تعالى ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن الآية وقد قال العلامة الألوسي ثم أعلم أن عندي مما يلحق بالزينة المنهي عن إبدائها ما يلبسه أكثر مترفات النساء في زماننا فوق ثيابهن ويتسترن بهِ إذا خرجن من بيوتهن وهو غطاء أي كساء منسوج من حرير ذي عدة ألوان وفيه من النقوش الذهبية والفضية ما يبهر العقول. وأرى أن تمكين أزواجهن لهن من الخروج بذلك ومشيهن بين الأجانب من قلة الغيرة وقد عمت البلوى بذلك. وفي كتاب الزواجر لابن حجر قال الذهبي ومن الأفعال التي تلعن المرأة عليها إظهار زينته كذهب أو لؤلؤ من تحت نقابها وتطيبها بطيب كمسك أو عطر إذا خرجت وكذا لبسها عند خروجها كل ما يؤدي إلى التبرج الذي يمقت الله تعالى عليه فاعله في الدنيا والآخرة. أهـ ولقد أحسن
стр. 661
مولانا شيخ الإسلام زاد الله في إحسانه بنشر بلاغِه الكريم الذي حض بهِ النساء على رعاية الحجاب وعلمهن آداب الدين ومكارم الأخلاق فعليهن أن يحفظن وصاياه الشريفة ويحافظن على ما يرضي الله تعالى ليفزن بسعادة الدارين وعلى أزواجهن وأوليائهن أن يعظوهن ويعتنوا بنصحهن ولا يوافقوهن على ما نهى الله عنهُ لأنهم مسؤولون عنهن بحكم قول رسول الله ﷺ كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته وأهل المرء من جملة رعيتهِ فهو مسؤول عنهم لأن الله تعالى أمره أن يحرص على وقايتهم من النار بقولهِ تعالى قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وهو سبحانه الموافق فنسألهُ التوفيق والهداية إلى طريق الصواب في ظل الدولة العلية أيدها اللهُ بنصره آمين.
مصطفى نجا
مفتي بيروت
стр. 662
تحقيق الكلام في وجوب القيام
وجاءنا من العلامة الأوحد الأستاذ صاحب الإمضاء هذه
الرسالة ننشرها بحروفها لما فيها من
الفائدة قال حفظه الله تعالى
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه وتابعيه ومن أحبه وبعد فيقول أضعف الخلق على الإطلاق محمد ابن العلامة المرحوم الشيخ قاسم الحلاق الدمشقي الشهير بالقاسمي قد التمس مني بعض الأحبة، الصادق في المحبة، أن أحرر رسالة صغيرة الحجم؛ قريبة إلى الفهم، أكشف فيها اللثام، عما توهمه عبارة العلامة ابن حجر من بدعة القيام عند ذكر ولادته ﵊ فأجبته لمطلوبه، وحررتها طبق مرغوبه مع قلة البضاعة، وعدم كوني من فرسان هذه الصناعة، وسميتها تحقيق الكلام في وجوب القيام أثناء تلاوة قصة مولده حين وضعه ﵊ (ثم إني) اطلعت في هذه الأيام على مقالة في الجزء السادس من المجلد الثاني من مجلة (الحقائق) الغراء عنوانها (استحباب القيام عند ذكر ولادته ﵊ لصديقنا الفاضل ووطنينا العالم الكامل الشيخ محمود العطار فألفيته قد أجاد بكتابه وأفاد، وحصل بها غاية المراد بيد أنه قد شطح قلمه فحكم على عبارة العلامة ابن حجر بأنها هفوة منه ولم يدقق النظر في مرماها وقد قالوا أن لعبارات العلماء في كتبهم غوامض لا يكشفها إلا التلقي من أفواه الشيوخ أو إمعان النظر في مسلكها فإن من سننهم ذكر لفظ مطلقاً في محل ومقيّداً في آخر ومجملاً في محل ومبيناً في آخر تأسيّاً بالكتاب العزيز واعتماداً على القيود المخصصة فربما يسهو القارئ عن تلك فيأخذ الحكم من المطلق غافلاً عن قيده وكذلك المجمل فيأخذه بإجماله ساهياً عن بيانه وهناك الخطأ ومنه يؤتى. ولذا ورد عن بعض السلف (الفهم الفهم فيما أدلى إليك الخ فقصدت أن أزيد شيئاً نزراً في المقام وأحذف بعضاً بقدر الإمكان ليتبين الحال والشأن وبحوله تعالى وقوته المستعان وعليه التكلان آمين (أقول) حاصل ما ذكره العلامة في فتاواه الحديثية أنه سئل فيها عما صورته (روي في التفسير أنه لما نزل أتى أمر الله وثب النبي ﷺ فهل لنا إذا قرأناه أن نقوم أولاً الخ (فأجاب) بما
стр. 663
حاصله أنه ﷺ لم يثب إلا فزعاً من سماع قول أتى أمر الله وأنه لم يثب تشريعاً لأمته ليفعلوا مثل ما فعله وإن ذلك السبب زال بنزول فلا تستعجلوه وإن الوقوف بعد قراءَتها غير سنة إلى أن قال ففعل ذلك الآن بدعة لا ينبغي فعلها أو ارتكابها لإيهام العامة ندبها ونظير ذلك فعل كثير عند ذكر ولادته ومولده ﷺ ووضع أمه له من القيام وهو أيضاً بدعة لم يرد فيها شيء على أن الناس إنما يفعلون ذلك تعظيماً له ﷺ فالعوام معذورون لذلك بخلاف الخواص والله تعالى أعلم بالصواب) أهـ المراد منه.
والكلام في ذلك في فصول الفصل الأول في بيان البدعة وبيان المراد منها هنا على سبيل الاختصار ليزيل الوهم والإبهام حيث أنه قد ظهر قوم ممن لا خلاق لهم يكرهون القيام عند ذكر الوضع المتقدم ويتمسكون بظاهر ما ذكره العلامة المذكور من بدعة القيام فقلت لا يغتر بذلك الظاهر لأن لفظ البدعة لفظ مجمل وهو لغة المبهم واصطلاحاً له حدود منها قولهم ما دل دلالة لا يتعين المراد منها إلا بمعين ومنها قولهم ما ازدحمت فيه المعاني واشتبه المراد اشتباهاً لا يدرك بنفس العبارة بل بالرجوع إلى الاستفسار الخ ومنها قولهم مالم تتضح دلالته وكلها لا تخلو عن إيراد عليها وأولاها أولها وحكم التوقف فيه فلا يعمل به ولا يستفاد منه حكم مالم يأت البيان وهو لغة الإيضاح ورفع الاشتباه واصطلاحاً إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي وقد رفع الاشتباه ﵀ ببيانه وإن تأخر لأن تأخير البيان إلى وقت الحاجة أو إلى وقت الفعل جائز واقع عند الجمهور كما في الجوامع فلا لوم على العلامة المذكور في ذكر الإجمال هنا لنقله إياه أي البيان بعد ورقات من فتاواه المذكورة عن العز ابن عبد السلام رحمهما الله تعالى قال هناك ما حاصله بدعة فعل مالم يعهد في عهد النبي ﷺ وتنقسم إلى خمسة أحكام يعني الوجوب والندب الخ أي والحرام والمكروه والمباح قال وطريق معرفة ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشرع الشريف فأي حكم دخلت فيه فهي منه فمن البدع الواجبة تعلم النحو الذي يفهم به القرآن والسنة وذكر هناك بقية الأمثلة فليراجعها من أراد إلى أن قال وفي الحديث كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وهو محمول على المحرمة لا غير أهـ وفي شرح القاموس تحت مادة بدع مالفظه وقال ابن السكيت البدعة كل محدثة وفي حديث قيام
стр. 664
رمضان نعمت البدعة هذه وقال ابن الأثير البدعة بدعتان بدعة هدى وبدعة ضلال فما كان في خلاف ما أمر الله بهِ ورسوله فهو في حيز الذم والإنكار وما كان واقعاً تحت عموم ما ندب الله إليه وحض عليه أو رسوله فهو في حيز المدح وما لم يكن له مثال موجود كنوع من الجود والسخاء وفعل المعروف فهو من الأمثال المحمودة ولا يجوز أن يكون ذلك في خلاف ما ورد الشرع به لأن النبي ﷺ قد جعل له في ذلك ثواباً فقال من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها وقال في ضده ومن سن سنة سيئة كان عليهِ وزرها ووزر من عمل بها وذلك إذا كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله قال ومن هذا النوع قول عمر ﵁ نعمت البدعة هذه ولما كانت من أفعال الخير وداخلة في حيز المدح سماها بدعة ومدحها لأن النبي ﷺ لم يسنها لهم وإنما صلاها ليالي ثم تركها ولم يحافظ عليها ولا جمع الناس لها ولا كانت في زمن أبي بكر ﵁ وإنما عمر جمع الناس عليها وندبهم إليها فبهذا سماها بدعة وهي على الحقيقة سنة لقوله ﷺ عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي وقوله ﷺ اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر وعلي هذا التأويل يحمل الحديث الآخر كل محدثة بدعة إنما يريد ما خالف أصل الشريعة ولم يوافق السنة وأكثر ما يستعمل المبتدع عرفاً في الذم أهـ فتبين من الحديث المذكور أن لفظ سنة حسنة فيه عام يتناول الواجب والمستحب كما أن لفظ سنة سيئة كذلك يتناول الحرام والمكروه كل ذلك ما لم تقم قرينة على التخصيص كما هو معلوم إذا عرف هذا فالبدعة المبحوث عنها لا تخلو إما أن تكون حسنة أو سيئة أما الثانية فلا سبيل إليها هنا بل لا تكاد تخطر في مخيلة أحد ممن قلبه مثقال حبة من خردل من محبته ﷺ وأما الأولى فهي وإن كان لفظها عاماً كما تقدم فقد قامت قرينة معينة دالة على الوجوب وهي العلة التي هي التعظيم الذي هو مناط الحكم فيتأمل. ولا يذهب عليك قولهم بدعة حسنة أو مستحسنة أو بدعة هدى أو نحو ذلك أنه خاص بالمستحب كما قد توهم بل يشمله والواجب أيضاً لأن كلاً منهما متصف بالاستحسان كما أن قولهم بدعة سيئة أو غير مستحسنة يشمل الحرام والمكروه لأن كلا منهما لا استحسان فيه البتة فلينتبه له. وبه تعلم أن الاستحسان الواقع في كلام الشيخ البرزنجي في مولده الشهير (هذا وقد استحسن القيام) الخ خاص بالوجوب لتعينه بالقرينة
стр. 665
التي ذكرها فيه من التعظيم وهي العلة المتقدمة بعينها فليتأمل. وإذا ركب دليل مما تقدم من الشكل الأول ينتج المدعى ونظمه أن يقال إن القيام عند ذكر وضعه الشريف مشعر بتعظيمه ومحبته وحفظ الأدب معه وكل ما كان كذلك فهو واجب فالقيام حينئذ واجب وهو المطلوب لأنه يلزم من صحة الملزوم صحة اللازم هذا وقد وافقنا صديقنا المذكور في صغرى الشكل المتقدم وفي كبراه أي في أن القيام للتعظيم وأن التعظيم واجب بل قال أنه فرض في مواضع من مقالته منها عند قوله تعالى (لتؤمنن به الآية) فقال ما لفظه فقد فرض علينا تعظيمه الخ ومنها بعد كلمات ومن أراد بسط الكلام على وجوب تعظيمه) الخ وفي أواخرها مثل ذلك. ومنها أثناء كلام لهُ ما نصهُ (على أنا نجعلهُ أي القيام فرداً من أفراد التعظيم الذي كلفنا به عموماً فحينئذ يدخل تحت الأمر فيكون من باب دلالة (النص) الخ قلت أو يقال أن الأخذ بالعلة المنصوصة من الأخذ بالنص فليتأمل. فتبين من قوله كلفنا الخ أن التكليف لا يكون إلا بالواجبات ومن قوله من باب دلالة النص الخ أن العام يوجب الحكم فيما يتناوله قطعاً عند السادة الحنفية وظناً عند السادة الشافعية لاحتمال التخصيص فليتأمل وخالفنا في النتيجة حيث أثبت هناك استحباب القيام كما مر وأنت تعلم أن من جزم بأن القيام للتعظيم وأنه واجب لزمه القول بوجوب القيام من حيث لا يدري لأنهم أجمعوا على أنه متى سلمت الصغرى والكبرى عند الخصم سلمت النتيجة لزوماً شاء أو أبى وحينئذ ينتج الوجوب لا غير كما لا يخفى على من له أدنى تدرب في فني النظر والمناظرة.
(فصل في الإيرادات التي وردت على هذا الشكل من بعض أهل العلم حفظهم الله تعالى)
الأول ما لفظه فإن قيل لا نسلم الصغرى فإن القيم ليس من شعائر التعظيم في الشرع ولذا لم يثبت عن الصحابة أنهم كانوا يقومون لمجيئه ﷺ ولو سلم أنه من شعائر التعظيم فلا نسلم أنه عند الوضع فقط بل عند ذكر اسمه الشريف وعند قراءَة حديثه وعند سيرته وهلم جرا فيلزم القيام في سائر هذه الأحوال واللازم باطل أهـ والجواب إن القيام في المولد بالقيود الآتية قد صار في هذه الأزمان من شعار التعظيم بكفر من لم يقم عند قيام الناس كما سيأتي وكذلك صديقنا نقل في مقالته عن الدر وغيره بأنه يجب إلحاق الاستهزاء والاستخفاف به (أي الشتم) أي في كون كل منهما يوجب الكفر والقتل حداً
стр. 666
فلينظر. لا سيما وقد اعتاد الناس فيها أي في هذه الأزمان قيام بعضهم لبعض تعظيماً لهم واحتراماً لشأنهم فإذا تركوا القيام له ﷺ حينئذ وهو أحق بالقيام حيث يجب من احترامه وتعظيمه ملا يجب لغيره فليتأمل. بخلاف القيام عند ذكر اسمه الشريف وعند ذكر حديثه وسيرته وهلم جرا فلا يجب ولا يستحب فعل ذلك لأنه لم يستحسن عند الناس ولا اعتادوه لا في هذه الأزمان ولا في الأزمان السابقة كما هو معلوم فلم يصر من شعار التعظيم إلى الآن ولو فرضنا أنه صار من الشعار المذكور كما في المولد الذي نحن بصدده لأوجبناه أيضاً حيث أن الحكم يدور مع علته كما لا يخفى على من له أدنى إحاطة من العلم في مدارك الأحكام المشروعة إذا تقرر هذا لديك علمت أن القيام في المولد مع كونه صار من شعار التعظيم كما سلف قد صار من الأفعال المشروعة المحمودة المستحسنة أيضاً بل هو من أحمدها وأحسنها وحينئذ فلا يجوز أن يكون خلاف ما ورد الشرع به وإن لم يثبت عن الصحابة بل وإن لم يوجد في القرون الفاضلة لأن النبي ﷺ قد جعل له في ذلك ثواباً في الحديث المار حيث أنهُ من السنة الحسنة كما تقدم وبالجملة فمن تأمل هذا الخبر بلب صحيح ووجدان صادق وجده بعمومه وافياً بكل حادثة تحدث وقائماً ببيان كل نازلة تنزل إن حسنة فحسنة وإن سيئة فسيئة فهو أذن من جوامع الكلم التي أُوتيها ﷺ أي الكلمات الجامعة للمعاني الكثيرة في المباني اليسيرة فلم يشذ عن شرعه الشريف ولفظه المنيف شيٌ مما كان وسيكون مصداقهُ قوله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم) ولا معنى للإكمال كما في حصول المأمول إلا وفاء نصوص الكتاب بما يحتاج إليه الشرع أما بالنص على كل فرد فرد أو باندراج ما يحتاج إليه تحت العمومات الشاملة من الكتاب والسنة يؤيد ذلك قوله تعالى (مافرطنا في الكتاب من شيء) وقله تعالى (ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) عرفذلك من عرفه وجهله من جهله.
(فائدة)
الاستدلال بالعمومات جائز ومحتج بها عن الأكثر قبل التخصيص وبعده عن الأكثروني وفي جمع الجوامع وشرحه والعام المخصص قال الأكثر حجة مطلقاً لاستدلال الصحابة به من غير نكير أهـ.
وفي حصول المأمول ما لفظه ونحن نعلم بالضرورة أن نسبة اللفظ إلى كل الأقسام على
стр. 667
السوية وإخراج البعض منها بمخصص لا يقتضي إهمال دلالة اللفظ على ما بقي ولا يرفع التعبد به وقد ثبت عن سلف هذه الأمة ومن بعدهم الاستدلال بالعمومات المخصوصة وشاع ذلك وذاع وقد قيل أنه ما من عموم إلا وقد خص وأنه لايوجد عام غير مخصص فلو قلنا أنه غير حجة في مابقي للزم إبطال كل عموم ونحن نعلم أن غالب هذه الشريعة المطهرة إنما تثبت بعمومات أهـ ولنرجع إلى ما نحن بصدده فنقول ويمكن أن يستأنس له بحديث قوموا لسيدكم أو إلى سيدكم فإن فيه الأمر للمخاطبين بأن يقوموا إلى سيدهم فسيد الكل سيد ولد آدم ولا فخر أولى وأحق من هذا. فإن قيل لم استأنست به ولم تجعله دليلاً لمدعاك قلت أنه لم يصلح للاستدلال به بسبب ما طرقه من الاحتمال فلم ينهض حجة لذلك يعلم ذلك من له أدنى إلمام في هذا الشأن.
(الإيراد الثاني) ما مؤداه أن الكبرى غير مسلمة لأن القيام المذكور وإن سلم أنه فيها مشعر بالتعظيم كما تقدم لكن لا نسلم أن كل ما أشعر بالتعظيم يكون فعله واجباً لم لا يجوز أن يكون مستحباً (وجوابه) أن الوجوب هنا مبني على شيئين كما تقدم كونه مشعراً بالتعظيم وكون تركه الآن يعد تهاوناً واستخفافاً به لا بمجرد الإشعار بالتعظيم كما توهم فليتأمل ووجوب القيام هنا مقيد بما إذ تلي المولد على الوجه المعتاد في جميع القرى والبلاد واجتمع الخاص والعام وقاموا لقدومه ﷺ بذكر ولادته وإظهاراً لتعظيمه فحينئذٍ يجب على كل من حضر القيام لا مطلقاً فلينتبه له وفهم من قوله بالوجوب لذلك أن من تخلف وقتئذٍ فهو آثم بل نقل في مواكب ربيع في مولد النبي الشفيع كفره قال هناك ما لفظه ولعمري إذا لم يقم لقدومه ﷺ وله التخيل بذكر ولادته فلمن يقام فينبغي تأكده بل أفتى المولى أبو السعود العمادي الحنفي بكفر من يتركه حين يقوم الناس لأشعاره بضد ذلك أهـ أي ضد إظهار التعظيم والفرح به والسرور ثم قال بعد ورقات من كلامه جرت العادة بالعناية بأمر المولد ليلته أو يومه بحيث يقع الاجتماع وإظهار الفرح وإطعام الطعام والإحسان للفقراء وقراءة القرآن والذكر وإنشاد القصائد النبوية والصلاة والسلام عليه ﷺ وقراءة قصة المولد وما اشتمل عليه من كرامته ومعجزاته وذلك وإن لم يفعله أحد من السلف في القرون الثلاثة من أحسن ما ابتدع كما قاله الإمام أبو شامه والسيوطي والسخاوي وابنا حجر وكثيرون وأول من أحدثه الملك المظفر
стр. 668
صاحب إربل (بكسر الهمزة والموحدة وسكون الراء بينهما) قلعة على مرحلتين من الموصل المتوفى سنة ثلاثين وستمائة فأقره عليه أفاضل العلماء وعامة الصلحاء وكان يطلق عليهم فيه العطايا والخلع السنية ويبالغ فيما يفعله فيه من الخيرات إلى أن قال وأما خبر إياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة فالمراد بها فيه ما أحدث وخالف كتاباً أو سنة أو إجماعاً أو أثراً لا ما أحدث من الخير ولم يخالف شيئاً من ذلك كما قاله الشافعي ﵁ ولا مرية أن هذا من الخير الذي لم يخالف ذلك فإنه مع ما فيه من الإحسان للفقراء وتعاهد الجيران والأخوان وأنواع الذكر مشعر بمحبته ﷺ وتعظيمه وشكر الله على ما من به من إيجاده رحمة للعالمين وقد سئل الإمام أبو زرعة عن فعل المولد أمستحب أو مكروه وهل ورد فيه شيء أو فعله من يقتدى به فقال إطعام الطعام مستحب في كل وقت فكيف إن انضم لذلك السرور بظهور نور النبوة في هذا الشهر الشريف ولا نعلم ذلك عن السلف ولا يلزم من كونه بدعة كونه مكروهاً فكم من بدعة مستحبة بل واجبة أهـ فتبين من قوله فأقره عليه الخ إلى أن ذلك إجماع منهم قال في حصول المأمول (الإجماع المعتبر في فنون العلم إنما هو إجماع أهل ذلك الفن العارفين به دون من عداهم فالمعتبر في الإجماع في المسائل الفقهية قول جميع الفقهاء وفي المسائل الأصولية قول جميع الأصوليين وفي المسائل النحوية قول جميع النحويين ونحو ذلك ومن عدا أهل ذلك الفن هو في حكم العوام فمن اعتبرهم في الإجماع اعتبر غير أهل الفن ومن لا فلا أهـ وتبين أيضاً أن فعل ذلك صار من اتباع سبيل المؤمنين الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر المعصومين من اجتماعهم على ضلالة المفروض اتباعهم المحرم مخالفتهم. هذا ومقتضى الاعتبار هو دلالة السنة عليه كما (الإيراد الثالث) ما نصه أن استنباط الأحكام الشرعية من وجوب وغيره لا يصدر إلا عن مجتهد وقد علم مما ذكره المحققون أن الاجتهاد قد انقطع من أعصر لعدم توفر شروطه على أحد فمن أين هذا الوجوب (الجواب) إن المراد به الوجوب البدعي وإن كان شرعياً من طريق آخر كما ستراه لما تقدم أنها أي البدعة تعتريها الأحكام الخمسة فكما أن تعلم النحو وإن لم يرد واجب على كلام العز المتقدم لفهم الكتاب والسنة به كذلك القيام هنا واجب وإن لم يرد لإشعاره بما تقدم من التعظيم والمحبة له ﵊ وكلاهما بدعة كما علمت
стр. 669
وكونه بدعة لا ينافي كونه شرعياً لانفكاك الجهة فإنه من حيث كونه لم يعهد في عصره ﵊ ولاعصر الصحابة ﵃ يسمى بدعة ومن حيث دخوله تحت الأمر كما تقدم عن صديقنا أو من حيث دلالة الخبر السابق عليه وتخصيصه بواسطة القرينة له المارة كما قاله هذا العاجز يقال له شرعي فاندفع الإيراد ببيان المراد وثبت المدعى.
(الفصل الثاني)
في توجيه عبارة العلامة المذكور وأخذ الحكم منها بحسب فحواها لأنها بظاهرها توهم أن القيام في المولد مثل القيام في الآية من جميع الوجوه والواقع بخلافه كما سيوافيك فقوله (ونظير ذلك) أي قيام المولد نظير قيام الآية في تسمية كل منهما بدعة فقط بدليل قوله وهو أيضاً بدعة الخ فالجامع بينهما مجرد التسمية المذكورة لا إنه نظيره من كل وجه كما ظن بدليل أنه رحمه الله تعالى منع القيام في الآية بتاتاً بقوله (ففعل ذلك الآن بدعة لا ينبغي) الخ وقال في قيام المولد بعد تسميته بدعة (على أن الناس) الخ فاستدرك بهذه العلاوة الدالة على إضراب وإبطال ماقد يتوهم مما سبق من تسمية هذا القيام بدعة أنه محظور أو مكروه فدفعه بها حذراً من ذلك فلينتبه له أي والتحقيق جار على أن فعلهم المذكور ليس إلا للتعظيم ولو لم يكن بين القيامين من الفرق إلا قوله تعظيماً لكفى وقد تقدم أنه واجب فيكون فعلهم واجباً كما علمت ولا أخال أحداً يأباه لأن الحكم في العلة أشد إسترابة إذ يثبت حيثما ثبتت ويوجد أينما وجدت فهي الوصف المؤثر في الحكم كما هو ظاهر فيجب تعليق الحكم به وإليك مثالاً يوضح جميع ما تقدم وذلك كالإسكار في الخمر فإن وجوده فيها علة دالة على تحريمها فإذا زالت بحيث صارت خلاً زال التحريم وحرم تناوله إجماعاً وكذلك ما نحن فيه من التعظيم فإنه علة دالة على وجوب القيام حينئذٍ فتبين بهذا أن العلامة المذكور قائل بالوجوب البتة كصديقنا لا سيما وقد أتى بإنما المفيدة لتقوية الحكم والحصر كما أفاد ذلك في شرحه على الأربعين النووية تحت حديث (إنما الأعمال الخ) فقال هناك ما نصه (إنما) هي لتقوية الحكم الذي في حيزها اتفاقاً ومن ثم وجب أن يكون معلوماً للمخاطب أو منزلاً منزلته ولإفادة الحصر وضعاً على الأصح فيها أهـ وفي حاشية المدابغي عليه ما لفظه (قوله لتقوية الحكم الذي في حيزها) أي لتأكيد الحكم الواقع بعدها وهو هنا حصر
стр. 670
الأعمال الشرعية بالنيات وكمالها أهـ قلت والحكم فيما نحن فيه هنا وجوب الفعل وتأكيده تعظيماً كما مر غير مرة ولما كان هذا الواجب مما يخفى على العوام عذروا فيه لعدم علمهم به لاسيما وهم لم يتفقهوا في الدين أدنى تفقه بل هم يجهلون كثيراً من أصناف الواجبات كبعض شروط الصلاة وأركانها مع كونهم مواظبين على فعلها كثيراً وكذلك غيرها من الشرائع فجهلهم بما هو أخفى من ذلك وأدق أولى وأحرى بل قد خفي على بعض أهل الفضل فضلاً عن المذكورين فمن أين يكون معلوماً لأولئك بخلاف الخواص فلا يقبل عذرهم بعدم علمهم به لأن شأنه مما لا يخفى عليهم حيث يعلمون أن الحكم حاصل عند ثبوت العلة لأجلها إذا تبين هذا علمت أن قوله بل الخواص أحق بتعظيمه الخ غلط على ابن حجر فإن منطوق عبارته يدل على أن التعظيم قد حصل من الجميع بسبب قيامهم وذلك لأن لفظ الناس فيها عام بتناول العوام والخواص معافهم فيه سواء لا إنه حصل من العوام فقط حتى يقال بل الخواص أحق الخ فليتأمل (فائدة) الواجب إذا كان معلوماً بالضرورة أنه من الإسلام لا يقبل عذر العوام بجهله فضلاً عن الخواص إلا إذا كانوا قريبي عهد بالدين أو نشئوا بمحل بعيد عن أهله أما إذا عدم العلم بالشيء عدمه في نفس الأمر كالمدلول إذ لا يلزم من عدم الدليل عدمه للقطع بأن الله تعالى لو لم يخلق العالم الدال على وجوده لم ينتف وجوده وإنما ينتفي العلم به والألزم أن يكون كل ماهو مجهول لنا من الأمور الموجودة في الخارج معدوماً فيه وهو باطل والله تعالى أعلم هذا وقد أوجب الله علينا تعظيمه ﷺ في غير ما آية قال تعالى (إن الله وملائكته يصلون على النبي) في البيضاوي ما لفظه يصلون على النبي يعتنون بإظهار شرفه وتعظيم شأنه) (يا آيها الذين آمنوا صلوا عليه) اعتنوا أنتم أيضاً فإنكم أولى بذلك وقولوا اللهم صل على محمد أهـ وفي حاشية الخفاجي عليه ما نصه ومعنى الاعتناء بما ذكر أعلاه وإبقاء شريعته وإشاعة جلالته في الدنيا والآخرة وقال الفخر الرازي تحت هذه الآية أيضاً إثناء كلام له ما لفظه (المسألة الرابعة) إذا صلى الله وملائكته عليه فأي حاجة إلى صلاتنا (نقول) الصلاة عليه ليس لحاجته إليها وإلا فلا حاجة إلى صلاة الله عليه وإنما هو لإظهار تعظيمه منا شفقة علينا ليثيبنا على ذلك أهـ وهذه قطرة من بحر وإلا فلا سبيل لنا أن نستوعب الآيات الدالة على ذلك فليتصفح الشفاء ونحوه. ومما يستدل به على وجوب محبته صلى الله عليه
следующие страницы →