Полный текст (1 077 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
فلينظر. لا سيما وقد اعتاد الناس فيها أي في هذه الأزمان قيام بعضهم لبعض تعظيماً لهم واحتراماً لشأنهم فإذا تركوا القيام له ﷺ حينئذ وهو أحق بالقيام حيث يجب من احترامه وتعظيمه ملا يجب لغيره فليتأمل. بخلاف القيام عند ذكر اسمه الشريف وعند ذكر حديثه وسيرته وهلم جرا فلا يجب ولا يستحب فعل ذلك لأنه لم يستحسن عند الناس ولا اعتادوه لا في هذه الأزمان ولا في الأزمان السابقة كما هو معلوم فلم يصر من شعار التعظيم إلى الآن ولو فرضنا أنه صار من الشعار المذكور كما في المولد الذي نحن بصدده لأوجبناه أيضاً حيث أن الحكم يدور مع علته كما لا يخفى على من له أدنى إحاطة من العلم في مدارك الأحكام المشروعة إذا تقرر هذا لديك علمت أن القيام في المولد مع كونه صار من شعار التعظيم كما سلف قد صار من الأفعال المشروعة المحمودة المستحسنة أيضاً بل هو من أحمدها وأحسنها وحينئذ فلا يجوز أن يكون خلاف ما ورد الشرع به وإن لم يثبت عن الصحابة بل وإن لم يوجد في القرون الفاضلة لأن النبي ﷺ قد جعل له في ذلك ثواباً في الحديث المار حيث أنهُ من السنة الحسنة كما تقدم وبالجملة فمن تأمل هذا الخبر بلب صحيح ووجدان صادق وجده بعمومه وافياً بكل حادثة تحدث وقائماً ببيان كل نازلة تنزل إن حسنة فحسنة وإن سيئة فسيئة فهو أذن من جوامع الكلم التي أُوتيها ﷺ أي الكلمات الجامعة للمعاني الكثيرة في المباني اليسيرة فلم يشذ عن شرعه الشريف ولفظه المنيف شيٌ مما كان وسيكون مصداقهُ قوله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم) ولا معنى للإكمال كما في حصول المأمول إلا وفاء نصوص الكتاب بما يحتاج إليه الشرع أما بالنص على كل فرد فرد أو باندراج ما يحتاج إليه تحت العمومات الشاملة من الكتاب والسنة يؤيد ذلك قوله تعالى (مافرطنا في الكتاب من شيء) وقله تعالى (ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) عرفذلك من عرفه وجهله من جهله.
(فائدة)
الاستدلال بالعمومات جائز ومحتج بها عن الأكثر قبل التخصيص وبعده عن الأكثروني وفي جمع الجوامع وشرحه والعام المخصص قال الأكثر حجة مطلقاً لاستدلال الصحابة به من غير نكير أهـ.
وفي حصول المأمول ما لفظه ونحن نعلم بالضرورة أن نسبة اللفظ إلى كل الأقسام على
стр. 667
السوية وإخراج البعض منها بمخصص لا يقتضي إهمال دلالة اللفظ على ما بقي ولا يرفع التعبد به وقد ثبت عن سلف هذه الأمة ومن بعدهم الاستدلال بالعمومات المخصوصة وشاع ذلك وذاع وقد قيل أنه ما من عموم إلا وقد خص وأنه لايوجد عام غير مخصص فلو قلنا أنه غير حجة في مابقي للزم إبطال كل عموم ونحن نعلم أن غالب هذه الشريعة المطهرة إنما تثبت بعمومات أهـ ولنرجع إلى ما نحن بصدده فنقول ويمكن أن يستأنس له بحديث قوموا لسيدكم أو إلى سيدكم فإن فيه الأمر للمخاطبين بأن يقوموا إلى سيدهم فسيد الكل سيد ولد آدم ولا فخر أولى وأحق من هذا. فإن قيل لم استأنست به ولم تجعله دليلاً لمدعاك قلت أنه لم يصلح للاستدلال به بسبب ما طرقه من الاحتمال فلم ينهض حجة لذلك يعلم ذلك من له أدنى إلمام في هذا الشأن.
(الإيراد الثاني) ما مؤداه أن الكبرى غير مسلمة لأن القيام المذكور وإن سلم أنه فيها مشعر بالتعظيم كما تقدم لكن لا نسلم أن كل ما أشعر بالتعظيم يكون فعله واجباً لم لا يجوز أن يكون مستحباً (وجوابه) أن الوجوب هنا مبني على شيئين كما تقدم كونه مشعراً بالتعظيم وكون تركه الآن يعد تهاوناً واستخفافاً به لا بمجرد الإشعار بالتعظيم كما توهم فليتأمل ووجوب القيام هنا مقيد بما إذ تلي المولد على الوجه المعتاد في جميع القرى والبلاد واجتمع الخاص والعام وقاموا لقدومه ﷺ بذكر ولادته وإظهاراً لتعظيمه فحينئذٍ يجب على كل من حضر القيام لا مطلقاً فلينتبه له وفهم من قوله بالوجوب لذلك أن من تخلف وقتئذٍ فهو آثم بل نقل في مواكب ربيع في مولد النبي الشفيع كفره قال هناك ما لفظه ولعمري إذا لم يقم لقدومه ﷺ وله التخيل بذكر ولادته فلمن يقام فينبغي تأكده بل أفتى المولى أبو السعود العمادي الحنفي بكفر من يتركه حين يقوم الناس لأشعاره بضد ذلك أهـ أي ضد إظهار التعظيم والفرح به والسرور ثم قال بعد ورقات من كلامه جرت العادة بالعناية بأمر المولد ليلته أو يومه بحيث يقع الاجتماع وإظهار الفرح وإطعام الطعام والإحسان للفقراء وقراءة القرآن والذكر وإنشاد القصائد النبوية والصلاة والسلام عليه ﷺ وقراءة قصة المولد وما اشتمل عليه من كرامته ومعجزاته وذلك وإن لم يفعله أحد من السلف في القرون الثلاثة من أحسن ما ابتدع كما قاله الإمام أبو شامه والسيوطي والسخاوي وابنا حجر وكثيرون وأول من أحدثه الملك المظفر
стр. 668
صاحب إربل (بكسر الهمزة والموحدة وسكون الراء بينهما) قلعة على مرحلتين من الموصل المتوفى سنة ثلاثين وستمائة فأقره عليه أفاضل العلماء وعامة الصلحاء وكان يطلق عليهم فيه العطايا والخلع السنية ويبالغ فيما يفعله فيه من الخيرات إلى أن قال وأما خبر إياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة فالمراد بها فيه ما أحدث وخالف كتاباً أو سنة أو إجماعاً أو أثراً لا ما أحدث من الخير ولم يخالف شيئاً من ذلك كما قاله الشافعي ﵁ ولا مرية أن هذا من الخير الذي لم يخالف ذلك فإنه مع ما فيه من الإحسان للفقراء وتعاهد الجيران والأخوان وأنواع الذكر مشعر بمحبته ﷺ وتعظيمه وشكر الله على ما من به من إيجاده رحمة للعالمين وقد سئل الإمام أبو زرعة عن فعل المولد أمستحب أو مكروه وهل ورد فيه شيء أو فعله من يقتدى به فقال إطعام الطعام مستحب في كل وقت فكيف إن انضم لذلك السرور بظهور نور النبوة في هذا الشهر الشريف ولا نعلم ذلك عن السلف ولا يلزم من كونه بدعة كونه مكروهاً فكم من بدعة مستحبة بل واجبة أهـ فتبين من قوله فأقره عليه الخ إلى أن ذلك إجماع منهم قال في حصول المأمول (الإجماع المعتبر في فنون العلم إنما هو إجماع أهل ذلك الفن العارفين به دون من عداهم فالمعتبر في الإجماع في المسائل الفقهية قول جميع الفقهاء وفي المسائل الأصولية قول جميع الأصوليين وفي المسائل النحوية قول جميع النحويين ونحو ذلك ومن عدا أهل ذلك الفن هو في حكم العوام فمن اعتبرهم في الإجماع اعتبر غير أهل الفن ومن لا فلا أهـ وتبين أيضاً أن فعل ذلك صار من اتباع سبيل المؤمنين الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر المعصومين من اجتماعهم على ضلالة المفروض اتباعهم المحرم مخالفتهم. هذا ومقتضى الاعتبار هو دلالة السنة عليه كما (الإيراد الثالث) ما نصه أن استنباط الأحكام الشرعية من وجوب وغيره لا يصدر إلا عن مجتهد وقد علم مما ذكره المحققون أن الاجتهاد قد انقطع من أعصر لعدم توفر شروطه على أحد فمن أين هذا الوجوب (الجواب) إن المراد به الوجوب البدعي وإن كان شرعياً من طريق آخر كما ستراه لما تقدم أنها أي البدعة تعتريها الأحكام الخمسة فكما أن تعلم النحو وإن لم يرد واجب على كلام العز المتقدم لفهم الكتاب والسنة به كذلك القيام هنا واجب وإن لم يرد لإشعاره بما تقدم من التعظيم والمحبة له ﵊ وكلاهما بدعة كما علمت
стр. 669
وكونه بدعة لا ينافي كونه شرعياً لانفكاك الجهة فإنه من حيث كونه لم يعهد في عصره ﵊ ولاعصر الصحابة ﵃ يسمى بدعة ومن حيث دخوله تحت الأمر كما تقدم عن صديقنا أو من حيث دلالة الخبر السابق عليه وتخصيصه بواسطة القرينة له المارة كما قاله هذا العاجز يقال له شرعي فاندفع الإيراد ببيان المراد وثبت المدعى.
(الفصل الثاني)
في توجيه عبارة العلامة المذكور وأخذ الحكم منها بحسب فحواها لأنها بظاهرها توهم أن القيام في المولد مثل القيام في الآية من جميع الوجوه والواقع بخلافه كما سيوافيك فقوله (ونظير ذلك) أي قيام المولد نظير قيام الآية في تسمية كل منهما بدعة فقط بدليل قوله وهو أيضاً بدعة الخ فالجامع بينهما مجرد التسمية المذكورة لا إنه نظيره من كل وجه كما ظن بدليل أنه رحمه الله تعالى منع القيام في الآية بتاتاً بقوله (ففعل ذلك الآن بدعة لا ينبغي) الخ وقال في قيام المولد بعد تسميته بدعة (على أن الناس) الخ فاستدرك بهذه العلاوة الدالة على إضراب وإبطال ماقد يتوهم مما سبق من تسمية هذا القيام بدعة أنه محظور أو مكروه فدفعه بها حذراً من ذلك فلينتبه له أي والتحقيق جار على أن فعلهم المذكور ليس إلا للتعظيم ولو لم يكن بين القيامين من الفرق إلا قوله تعظيماً لكفى وقد تقدم أنه واجب فيكون فعلهم واجباً كما علمت ولا أخال أحداً يأباه لأن الحكم في العلة أشد إسترابة إذ يثبت حيثما ثبتت ويوجد أينما وجدت فهي الوصف المؤثر في الحكم كما هو ظاهر فيجب تعليق الحكم به وإليك مثالاً يوضح جميع ما تقدم وذلك كالإسكار في الخمر فإن وجوده فيها علة دالة على تحريمها فإذا زالت بحيث صارت خلاً زال التحريم وحرم تناوله إجماعاً وكذلك ما نحن فيه من التعظيم فإنه علة دالة على وجوب القيام حينئذٍ فتبين بهذا أن العلامة المذكور قائل بالوجوب البتة كصديقنا لا سيما وقد أتى بإنما المفيدة لتقوية الحكم والحصر كما أفاد ذلك في شرحه على الأربعين النووية تحت حديث (إنما الأعمال الخ) فقال هناك ما نصه (إنما) هي لتقوية الحكم الذي في حيزها اتفاقاً ومن ثم وجب أن يكون معلوماً للمخاطب أو منزلاً منزلته ولإفادة الحصر وضعاً على الأصح فيها أهـ وفي حاشية المدابغي عليه ما لفظه (قوله لتقوية الحكم الذي في حيزها) أي لتأكيد الحكم الواقع بعدها وهو هنا حصر
стр. 670
الأعمال الشرعية بالنيات وكمالها أهـ قلت والحكم فيما نحن فيه هنا وجوب الفعل وتأكيده تعظيماً كما مر غير مرة ولما كان هذا الواجب مما يخفى على العوام عذروا فيه لعدم علمهم به لاسيما وهم لم يتفقهوا في الدين أدنى تفقه بل هم يجهلون كثيراً من أصناف الواجبات كبعض شروط الصلاة وأركانها مع كونهم مواظبين على فعلها كثيراً وكذلك غيرها من الشرائع فجهلهم بما هو أخفى من ذلك وأدق أولى وأحرى بل قد خفي على بعض أهل الفضل فضلاً عن المذكورين فمن أين يكون معلوماً لأولئك بخلاف الخواص فلا يقبل عذرهم بعدم علمهم به لأن شأنه مما لا يخفى عليهم حيث يعلمون أن الحكم حاصل عند ثبوت العلة لأجلها إذا تبين هذا علمت أن قوله بل الخواص أحق بتعظيمه الخ غلط على ابن حجر فإن منطوق عبارته يدل على أن التعظيم قد حصل من الجميع بسبب قيامهم وذلك لأن لفظ الناس فيها عام بتناول العوام والخواص معافهم فيه سواء لا إنه حصل من العوام فقط حتى يقال بل الخواص أحق الخ فليتأمل (فائدة) الواجب إذا كان معلوماً بالضرورة أنه من الإسلام لا يقبل عذر العوام بجهله فضلاً عن الخواص إلا إذا كانوا قريبي عهد بالدين أو نشئوا بمحل بعيد عن أهله أما إذا عدم العلم بالشيء عدمه في نفس الأمر كالمدلول إذ لا يلزم من عدم الدليل عدمه للقطع بأن الله تعالى لو لم يخلق العالم الدال على وجوده لم ينتف وجوده وإنما ينتفي العلم به والألزم أن يكون كل ماهو مجهول لنا من الأمور الموجودة في الخارج معدوماً فيه وهو باطل والله تعالى أعلم هذا وقد أوجب الله علينا تعظيمه ﷺ في غير ما آية قال تعالى (إن الله وملائكته يصلون على النبي) في البيضاوي ما لفظه يصلون على النبي يعتنون بإظهار شرفه وتعظيم شأنه) (يا آيها الذين آمنوا صلوا عليه) اعتنوا أنتم أيضاً فإنكم أولى بذلك وقولوا اللهم صل على محمد أهـ وفي حاشية الخفاجي عليه ما نصه ومعنى الاعتناء بما ذكر أعلاه وإبقاء شريعته وإشاعة جلالته في الدنيا والآخرة وقال الفخر الرازي تحت هذه الآية أيضاً إثناء كلام له ما لفظه (المسألة الرابعة) إذا صلى الله وملائكته عليه فأي حاجة إلى صلاتنا (نقول) الصلاة عليه ليس لحاجته إليها وإلا فلا حاجة إلى صلاة الله عليه وإنما هو لإظهار تعظيمه منا شفقة علينا ليثيبنا على ذلك أهـ وهذه قطرة من بحر وإلا فلا سبيل لنا أن نستوعب الآيات الدالة على ذلك فليتصفح الشفاء ونحوه. ومما يستدل به على وجوب محبته صلى الله عليه
стр. 671
وسلم ما أخرجاه في الصحيحين عن أنس ﵁ قال قال رسول الله أو النبي ﷺ (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين) قال القاضي هنا إثناء كلام له ما لفظه ومثله القسطلاني ولا يصح الإيمان إلا بتحقيق إعلاء قدر النبي ﷺ ومنزلته على كل والد وولد وعشيرة ومن لم يعتقد هذا واعتقد ما سواه فليس بمؤمن فلينتبه له.
(خاتمة نسئل الله أحسنها)
في فضل الصلاة على النبي ﷺ والأمر بها قال الله تعالى (إن الله وملائكته يصلون على النبي) الآية قال النووي في أذكاره والأحاديث في فضلها والأمر بها أكثر من أن تحصى ولكن نشير إلى أحرف من ذلك تنبيهاً على ما سواها وتبركاً بذكرها روينا في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول من صلى عليَّ صلاة الله عليه بها عشراً وروينا في صحيح مسلم أيضاً عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال من صلى عليَّ واحدة صلى الله عليه عشراً وروينا في كتاب الترمذي عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليَّ صلاة قال الترمذي حديث حسن قال وفي الباب عن عيد الرحمن بن عوف وعامر بنم ربيعة وعمار وأبي طلحة وأنس وأبي ابن كعب ﵃ ورورينا في سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه بالأسانيد الصحيحة عن أوس ﵁ قال قال رسول الله ﷺ أم من أفضل أيامكم يوم الجمعة فأكثروا عليَّ من الصلاة فإن صلاتكم معروضة علي فقالوا يارسول الله وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت قال يقول بليت قال إن الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء قلت أرمت بفتح الراء وإسكان الميم وفتح المثناة قال الخطابي أصله أرممت فحذفوا إحدى الميمين وهي لغة بعض العرب كما قالوا أظلت أفعل كذا أي أظللت في نظائره لذلك وقال غيره إنما هو أرمت بفتح الراء والميم المشددة وإسكان التاء أي أرمت العظام وقيل فيه أقوال أخر والله ألم وروينا في سنن أبي داود في آخر كتاب الحج في باب زيارة القبور بالإسناد الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ لا تجعلوا قبري عيداً وصلوا عليَّ فإن
стр. 672
صلاتكم تبلغني حيث كنتم وروينا فيه أيضاً بإسناد صحيح عن أبي هريرة أيضاً أن رسول الله ﷺ قال ما من أحد يسلم عليَّ إلا رد الله عليَّ روحي حتى أرد ﵇ وروينا في كتاب الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل عليَّ قال الترمذي حديث حسن أهـ قلت وفي حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى قال لقيني كعب بن عجرة فقال ألا أهدي لك هدية خرج علينا رسول الله ﷺ فقلنا قد عرفنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك قال قولوا اللهم ثلِ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم بارك وفي لفظ وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد رواه أهل الصحاح والسنن والمسانيد والإمام أحمد في مسنده وغيرهم وفي الصحيحين والسنن الثلاثة عن أبي حميد الساعدي إنهم قالوا يا رسول الله كيف نصلي عليك قال قولوا اللهم صلِ على محمد وعلى أزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم وبارك على محمد وعلى أزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد هذا هو اللفظ المشهور وفي صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري قال قلنا يا رسول الله هذا السلام عليك فكيف الصلاة عليك قال قولوا اللهم صلِ على محمد عبدك ورسولك كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال من أراد أن يكتال بالمكيال إلا وفي إذا صلى علينا أهل البيت فليقل اللهم صلِ على محمد النبي وعلى أزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد رواه الشافعي في مسنده وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين آمين.
دمشق
محمد القاسمي
стр. 673
درس من الشفاء
يا أيها الصب المحب لأحمد ... خير الخلائق صفوة الخلاق
كن حافظاً لصفاته مستحضراً ... لجنابه إن كنت ذا أشولق
وانظر شمائلهُ التي خصت به ... واذكر قديم العهد والميثاق
والزم طريقتهُ وتابع شرعه ... تغنم رضى المولى الكريم الباقي
هو سيد الرسل الكرام المصطفى ... من جاءنا بالدين والأخلاق
وبه لقد جمع الإله جميع ما ... منها تفرق ثم كان الراقي
ودنى دنّواً ليس يقدر قدره ... إلا الذي أسرى به ببراق
ورأى بعينيه العظيم جلاله ... من غير كيف فوق سبع طباق
وبهِ ملائكة السماء تشرفت ... أبداً وقد فازت بخير خلاق
فلنا إلهنا من أمة نلنا به ... شرفاً على التقييد والإطلاق
هو ذخرنا وعرى محبتنا لقد ... شدت بهِ أبداً بجل وثاق
وهو الذي أولى بنا منا وبا ... ب الهنا حاشاه من إغلاق
وهو الوحيد بفضله وبزهده ... وبعدله المنشود في الآفاق
وعلمه وبحلمه وبصبره ... وبشكره فرد وذو إنفاق
ما رد سائلهُ بلابل دائماً ... يغطي ولا يخشى مع الإملاق
فهو الجواد وذو الشجاعة والحيا ... والعفو والإحسان والإرفاق
ذو عفة ومروءة وتواضع ... بالبشر يبدا من يرى ويلاقي
ووقاره وجلالهُ وجمالهُ ... وكمالهً يدريه ذو الأذواق
من شاهدت عيناه أنواراً له ... وسقاه من يده فنعم الساقي
فله أحبوا دأبكم فنحبه ... ينجو بهِ يا أخوتي ورفاقي
وعليه صلوا ثم دوماً سلموا ... يلحظكم عند التفاف الساقي
стр. 674
الانتصار للإمام ابن حجر
جاءنا من حضرة العلامة المدقق المحقق صاحب الإمضاء ما يأتي
في حاشية الفتاوى الحديثية المطبوعة للإمام ابن حجر الهيتمي رحمه الله تعالى في صحيفة ٦٠ (مطلب في أن القيام في أثناء مولده الشريف بدعة لا ينبغي فعلها)
إن الإمام المذكور رحمه الله تعالى ذكر في الفتاوى المذكورة جواباً عن سؤال صورته (روي في التفسير أنه لما نزل (أتى أمر الله) وثب النبي ﷺ وسمعنا من أفواه بعض الناس قام النبي ﷺ فهل يسن لنا إذا قرأناه أن نقوم أو لا فإن قلتم نعم فهل يختص بالقارئ أو يشمل المستمع وإن قلتم لا فهل يمنع من ذلك أو لا فأجاب رحمه الله تعالى عن هذا السؤال جواباً أسهب فيه ثم قال في آخره (فدل على أن فعله ﷺ وأفعالهم إنما كان لسبب وهو فزعه ﷺ من حلول العذاب بقومه وقد زال السبب المذكور وحينئذ فعل ذلك الآن بدعة لا ينبغي ارتكابها لإيهام العامة ندبها أهـ ثم زيل هذا الجواب بقوله (ونظير ذلك فعل كثير عند ذكر مولده ﷺ ووضع أمه له من القيام وهو أيضاً بدعة لم يرد فيه شيء على أن الناس إنما يفعلون ذلك تعظيماً له ﷺ فالعوام معذورون لذلك بخلاف الخواص) أهـ فقوله رحمه الله تعالى على أن الناس استدراك وإضراب إبطالي عما يتوهم من قوله (وهو أيضاً بدعة لم يرد فيه شيء) لأن لفظ على هنا للاستدراك والإضراب الإبطالي ونظيره قولهم (فلا لا يدخل الجنة لسوء صنيعه على أنه لا ييأس من رحمة الله) ولمجيء على لهذا المعنى شواهد كثيرة لا نطيل بذكرها فمعنى كلام الإمام المذكور رحمه الله تعالى لكن الناس إنما يفعلون ذلك تعظيماً له ﷺ وتعظيمه واحترامه وإجلاله ومحبته وإظهار الفرح والسرور به ﷺ لا يشك ذو دين في طلبها والحث عليها وفعلها والقيام بها بأي طريق من طرقها وقوله رحمه الله تعالى (فالعوام معذورون لذلك) أي العوام معذورون في تركهم القيام من حيث أنه بدعة لم يرد فيه شيء بخصوصه وإن كان مطلوباً من جهة أخرى ولخلو أذهانهم عن طلب تعظيمه ﷺ وعن كون نفس القيام فيه تعظيم له ﷺ بمعنى أن تركهم القيام عند ذكر وضع أمه له ﷺ يحمل على ذلك وقولهُ رحمهُ الله تعالى (بخلاف الخواص) أي الخواص غير معذورين في تركهم القيام إذ ذاك لعلمهم بطلب تعظميهِ صلى الله عليه وسلم
стр. 675
طلباً مؤكداً وملاحظتهم التعظيم حال القيام المطلوب بأي طريق من طرقهِ هذا حل ومحمل كلام الإمام ﵀ ومما يؤكد هذا أي كون الإمام ابن حجر قائل بندب القيام ما نقله صاحب السيرة الحلبية عنه في آخر باب تسميته ﷺ محمداً وأحمد حيث قال ما نصهُ وقد قال ابن حجر الهيتمي والحاصل أن البدعة الحسنة متفق على ندبها وعمل المولد واجتماع الناس له كذلك أي بدعة حسنة أهـ ومن ثم قال الإمام أبو شامة شيخ النووي رحمهما الله تعالى ومن أحسن ابتدع في زماننا ما يفعل كل عام في اليوم الموافق ليوم مولده ﷺ من الصدقات والمعروف وإظهار الزينة والسرور فإن ذلك مع ما فيه من الإحسان للفقراء مشعر بمحبته ﷺ وتعظيمه وجلالته في قلب فاعل ذلك وشكر الله تعالى ما من به من إيجاد رسوله الذي أرسله رحمة للعالمين ﷺ هذا كلامه أهـ وعليه يلزم حمل كلامه في فتاواه الحديثية كما بيناه سابقاً فلا ينبغي أن يغتر بالفهرسة الموضوعة للفتاوى وهي قوله (مطلب في أن القيام في أثناء مولده الشريف بدعة لا ينبغي فعلها).
وذلك لأنهُ رحمهُ الله تعالى لم يفهرس فتاواه المذكورة ولا وضع على حاشيتها المطالب وإنما فهرسها ووضع المطالب على حاشيتها من سعى بطبعها وباشر تصحيحها فحينئذ يقال أن المفهرس واضع المطالب لم يمعن النظر في كلام الإمام المذكور فحمله على غير محمله وحله على غير مراده واغتر بعنوانهِ أيضاً من لم يتأمل ويمعن النظر في كلامهِ رحمهُ الله تعالى فنسب هذه الفرية إلى الإمام المذكور وجعلها دليلاً لرأيهِ الفاسد وفعله الزائغ الكاسد وتبعهُ من وجه الاعتراض على الإمام المذكور البريء من ذلك وأمثاله فعلى كل من اطلع على الفتاوى المذكورة المطبوعة أن لا يغتر بذلك العنوان وأن يمعن النظر في التوضيح والبيان نسألهُ تعالى أن يمن علينا بالتوفيق والإحسان آمين.
دمشق
أحمد الجوبري
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الحكيم اللطيف السميع البصير يخلق ما يشاء وهو على كل شيءٍ قدير، والصلاة والسلام على حبيبه البشير النذير، الشافع المشفع السراج المنير، وعلى آله المبشرين
стр. 676
بذهاب الرجس والتطهير وأصحابه العظام الكرام الفائزين بالفوز الكبير أما بعد فهذا فتح من الله الحميد المجيد في حكم خبر ما حدث من سلك الحديد أسأل الله ﵎ فيه القبول الحسن والتوفيق للصواب وأن يحفظني عن الخطأ والاضطراب بجاه حبيبه المصطفى وآله الكرام عليه وعليهم ألف ألف صلاة وسلام.
المبحوث في هذا المقام أن السلك المعلوم هل يفيد خبره علماً أو ظناً وهل يثبت ما يثبت بخبر العدلين أو عدل فهل يجوز الإفطار والصوم في رمضان بناء عليه وهل يجوز لامرأة أخبرت في هذا السلك بموت زوجها أو بطلاقه إياها أن تتزوج بعد مضي العدة * فقال العبد الفقير مستعيناً بالله العليم الخبير ومستفتحاً أبواب فضله وهو الفتاح القدير أن أسباب العلم والظن ثلاثة العقل والحس السليم والخبر الصادق فالأول يفيد إذا كانت مقدمات الدليل قطعية ويفيد الظن إذا كانت ظنية والثاني يفيد العلم إذا كان الإحساس تاماً كاملاً لا اشتباه فيه وإلا فيفيد الظن والثالث إن كان متواتراً فيفيد العلم وإلا فيفيد الظن على حسب مراتب أخبار الآحاد لأن الظن مشكك بتفاوت مراتبه ثم الخبر على قسمين نطقاً وكتابةً ولذا اشتهر أن القلم أحد اللسانين والخبر المتواتر لا يبحث فيه عن عدالة المخبرين وإسلامهم وغيره يقبل من العدول ويرد من غيره ولو كان مستوراً إلا في بعض الأمور كما سيجيء التنبيه عليه إن شاء الله تعالى وما روي عن أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه في قبول خبر المستور مخصوص بزمانه لكونه من خير القرون وكون الغالب فيهم العدالة وانعكس الأمر بعده فهذا اختلاف عصر وزمان كذا أفاده صدر الشريعة في توضيحه * وقال في الهداية وقال أبو حنيفة ﵁ يقتصر الحاكم على ظاهر العدالة ولا يسأل عن الشهود حتى يطعن الخصم إلا في الحدود والقصاص * وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى لا بد أن يسأل عنهم في السر والعلانية في سائر الحقوق وقيل هذا اختلاف عصر وزمان والفتوى على قولهما في هذا الزمان أهـ والخبر بالكتابة على أقسام فإن كانت الكتابة مستبينة مرسومة فهو بمنزلة النطق من الغائب والحاضر فإن كان من غائب فلا بد من العلم أو الظن بأن هذه الكتابة كتابتهُ وهذا لا يكون إلا بشهادة العدول لأن الخط يشبه الخط ذكره في الهداية في مواضع * وقال في باب كتاب القاضي إلى القاضي ولا يقبل الكتاب إلا بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين لأن الكتاب بشبهُ الكتاب فلا يثبت إلا بحجة تامة لأنه
стр. 677
ملزم أي كتاب القاضي ملزم وإن كان من غائب فاسق أو مستور الحال فلا يقبل ولو ثبت الكتاب كتابته فإذا تقرر هذا فينبغي أن ينظر أن السلك المذكور من أي قسم من هذه الأقسام فلا شك أنهُ من قبيل الخبر بالكتابة كأن محرك السلك من المبدأ يكتب بقلم طويل قد غابت يده وطرف الثاني من القلم عند المكتوب إليه ولا يعرفه أيضاً إلا بهذه الكتابة لأنه كتب فيها أنا فلان ابن فلان ولا يعبأ بهذه المعرفة من هذه الكتابة لأن صحة هذه الكتابة موقوفة على استنادها إلى الكاتب العدل وهو بمعرفته فلو توقفت معرفة الكاتب على صحة هذه الكتابة للزم الدور وبطلانه مشهور فيكون خبر السلك من الكتابة التي لا يعلم كاتبها وربما يكون على مبدأ السلك فاسقاً أو نصرانياً أو ملحداً لا يتدين بدين هذا إذا كان المخبر هو الآخذ بنفسه من منتهى السلك والمخبر هو المحرك بنفسه من المبدأ فهذه الكتابة المجهولة لا يثبت بها ما يثبت بخبر العدل أصلاً ومثلها ما كان في الأزمان السابقة من إرسال المكاتيب مربوطة على رجل الحمامة المعلمة لأن الخط يشبه الخط والطير يشبه الطير وأما إذا كان المخبر غير من حرك السلك من المبدأ والمخبر إليه غير من أخذ من المنتهى فزادت الوسائط فيكون إرسال الكتابة على يد مجهول وكاتبه مجهول * فإن قيل قد جربنا في هذا الخبر مطابقة الواقع وتطمئن نفوسنا إليه فلا ظن فوق هذا فيقال لهم قد جربتم المطابقة كثيراً منّا في إخبار الكفار نطقاً من النصارى وغيرهم واطمأنت نفوسكم سيما إذا كان من أهل الحكومة وهم يمتنعون عن الكذب إما لحرمة في دينهم أو لحفظ جاههم فلِمَ لا تجوزون القضاء بشهادتهم على المسلم والحال أن الطمأنينة الحاصلة من القرائن الخارجية لا تكفي لإثبات الحكم الشرعي بل الحكم الشرعي لا يثبت إلا من طريق شرعي عينها الشارع وهو خبر العدل نطقاً أو كتابة فإن قيل قبول خبر العدل نطقاً أو كتابة بعد ثبوت عدالته وكتابته ليس إلا لحصول الظن واطمئنان القلب فإذا كان هذا المعنى موجوداً في خبر السلك فلزم قبوله فالجواب أن هذا توهم من لم يميز بين العلة وحكمتها أو يعلل بالحكمة المحضة من غير وصف عليه مدار الحكم وحكمة العلة غير العلة ولا يجوز التعليل بمحض الحكمة عند المحققين من أهل الأصول فالحكم فيما نحن فيه قبول الخبر والعلة هي العدالة والحكمة التي بها صارت العلة علة هو حصول الظن والاطمئنان فلا يلزم وجود هذا الحكم عند وجود هذه الحكمة ألا ترى أن سيدنا الصديق ﵁ لو شهد وحده في ألأمور التي
стр. 678
تحتاج إلى شهادة عدلين فلا يجوز للقاضي أن يحكم على شهادته إلا أن يكون معهُ عدل آخر ولو شهد عنده عدلان من عوام العدول يجب عليه أن يحكم على شهادتهما والحال أن الظن الحاصل من شهادة الصديق ﵁ يزيد على الظن الحاصل من شهادة جماعة من العدول كما لا يخفى ولو جاز التعليل بالحكمة لجاز هنا وهو خلاف الإجماع وخص من هذا الأمر على خلاف القياس سيدنا خزيمة بن ثابت ﵁ لورود النص في حقه وهو قوله ﷺ من شهد له خزيمة فهو حسبهُ رواه ابن حيان في صحيحه ذكره الشيخ المحلي في شرح جمع الجوامع * ومثال آخر في عدم جواز التعليل بمجرد الحكمة أن الأمة اجتمعت على سقوط الأضحية بأنثى المعز فالحكم سقوط الأضحية وعلته ذبح الأنثى من المعز مثلاً وحكمة هذه العلة كثرة اللحم فيه وغلاء الثمن ونفع الفقراء ليكون متقرباً إلى الله تعالى بأحسن أمواله فلو فرضنا وجود هذه الأوصاف في الجذعة من المعز من كونه أسمن كثير اللحم وأغلى من الأنثى لا تسقط به الأضحية بالإجماع فلو جاز التعليل بمجرد الحكمة لجاز في هذا المحل وقد استثني من هذا الحكم سيدنا بردة بن نيار ﵁ على خلاف القياس لورود النص في حقه وهو ما رواه البخاري في صحيحه عن البراء بن عازب ﵁ خرج النبي ﷺ يوم الأضحى فصلى ركعتين ثم أقبل علينا بوجهه فقال أن أول نسكنا في يومنا هذا أن نبدأ بالصلاة ثم نرجع فننحر فمن فعل ذلك فقد وافق سنتنا ومن ذبح قبل ذلك فإنما هو شيءٌ عجله لأهله ليس من النسك في شيء فقام رجل هو أبو بردة بن نيار ﵁ فقال يا رسول الله إني ذبحت قبل الصلاة وعندي جذعة خير من مسنة فقال اذبحها ولا تفيءُ عن أحد بعدك أهـ فقوله خير من مسنة كأنه إشارة إلى حكم العلة فما قبلها ﷺ في حق كل واحد بل رخص له رخصة مخصوصة فهكذا في هذا الأمر وفيه أمثلة كثيرة وفي المذكور كفاية لمن تأمل. ثم الحقيقة أن هذه الطمأنينة إنما هي بسبب الغفلة والذهول عن الاحتمالات العقلية الصحيحة وسبب الذهول هو التعود على الأخذ بهذا الخبر وإلا فيحتمل أن رجلاً أجنبياً من أعداء زيد ابن عمرو يجيء على مبدأ السلك ويسلم الأجرة المعهودة ويقول أنا زيد ابن عمرو وطلقت زوجتي أو يقول أنا من رفقائه وقد مات زيد بن عمرو ليوحش أهله ويفزعهم فمن الذي يعلم هذا؟ ومن الذي يمنع هذا؟ أو هذا الذي على
стр. 679
رأس السلك يكون كافراً من أعداء المسلمين فيقلب الخبر والذي على منتهى السلك يفعل كذلك ومثل هذه الاحتمالات المتعددة المتكثرة التي لا تندفع ولا تضمحل إلا بثبوت العدالة إذا تفكر فيها العاقل لا تبقي أثراً من الطمأنينة التي ذكرت أو لا سيما الذي رأى مثل هذا واقعاً في بعض المرات بعينه فالأمر الذي يحتاج إلى شهادة عدلين كحقوق العباد التي فيها إلزام محض أو شهادة عدل كالأخبار في الديانات كما إذا أخبر أن هذا الماء طاهراً أو هذا اللحم ميتة أو أخبر امرأة أن زوجها طلقها أو مات عنها ففي القسم الأول لا يعبأ بهذا الخبر أصلاً وفي القسم الثاني يجوز الأخذ به بعد التحري لو وافق التحري وإلاَّ فلا لأنه بمنزلة الخبر المستور كما مرَّ أولاً وإنما يعتبر التحري لو كان المحرك على مبدأ السلك والآخذ على منتهاه مسلماً يقيناً إلا أنه مستور العدالة وإلا فإن كان كافراً أو احتمل فلا تحري في إخباره قال صدر الشريعة في التنقيح وشرحه أن أخبر بالديانات الفاسق والمستور يتحرى فيه إما أخبار الصبي أو المعتوه أو الكافر فلا يقبل في الديانات أصلاً فلا يلتفت إلى قولهم ولا تحري فيه * وقال في الهداية لو أن امرأة أخبرها ثقة أن زوجها الغائب مات عنها أو طلقها ثلاثاً أو كان غير ثقة وأتاها من زوجها بكتاب بالطلاق ولا تدري أنهُ كتابه أم لا إلا أن أكبر رأيها أنهُ حق يعني بعد التحري فلا بأس بأن تعتد ثم تتزوج بزوج * وقال صاحب العناية في الحاشية في هذا المقام فإن كان المخبر ثقة لا يحتاج إلى غيره وإن لم يكن لا بد من انضمام التحري أهـ وأما إذا كان المخبر به مما فيه إلزام من وجه دون وده كقول الوكيل وحجر المأذون وفسخ الشركة فعند محمد وأبي يوسف رحمهما الله تعالى هو كما لا إلزام فيه أصلاً فيقبل فيه خبر كل مميز * وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى إن كان المخبر رسولاً أو وكيلاً من الأصل فنقبل فيه خبر الواحد من غير العدول وإن كان فضولياً فلا بد من العدد أو العدالة على الأصح وقيل لا بد من العدالة ففي القسم الثاني لا يعبأ عند بخبر السلك إلا أن يكون من جهتين مختلفتين فيحصل التعدد فيحتمل القبول وفي القسم الأول وعندهما في القسمين وما لا إلزام فيه أصلاً اتفاقاً كالوكالات والمضاربات والرسالات في الهدية وما أشبه ذلك كالودائع فيحتمل القبول لأنه يعتبر فيه خبر كل مميز ولو كافراً أو صبياً مميزاً كذا في التلويح وإذا كان هذا في خبر السلك فالخبر الحاصل من مكاتيب البوسطة كذلك.
стр. 680
(تنبيه)
الخبر العاجل من الساعة المعروفة للوقت ليس من قبيل الخبر الحاصل بالقرائن التي يمكن التبدل والتغير فيها عادة كما كان ﷺ يقوم لصلاة التهجد إذا سمع الصارخ رواه البخاري وغيره فلا بد أن يضم مع الساعة التحري ويكون صوت الديك هو من آلات التحري ولا يجوز الاعتماد على مجردها لأنها تتبدل وتتغير كما لا يخفى وإذا كانت الساعة صحيحة مجربة وغلب الظن فقد حصل التحري فيعتمد فإن ظهر الخطأ بعده فيعاد الصوم والصلاة ولا إثم على التحري لأنه أتى بما في وسعه كما إذا تحروا في يوم الغيم بلا ساعة بقرائن أخرى فظهر الخطأ فكذلك الحكم وقد وقع مثل هذه في زمنه ﷺ وزمن سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ كما روى البخاري عن معمر عن هشام ابن عروة عن أبيه عن أسماء قالت أفطرنا على عهد رسول الله ﷺ يوم غيم ثم طلعت الشمس قيل لهشام فأمروا بالقضاء قال لا بد من القضاء * وروى الإمام مالك ﵁ في الموطأ أن عمر بن الخطاب ﵁ أفطر في يوم رمضان في يوم غيم ورأى أنه قد أمسى وغابت الشمس فجاءه رجل فقال يا أمير المؤمنين قد طلعت الشمس فقال الخطب يسير إشارة إلى لزوم القضاء بلا كفارة والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب، فهذا آخر ما تيسر في هذا المُطلب الشريف والحمد لله على الإتمام وصلى الله على خير خلقه سيدنا محمد سيد الأنام وعلى آله وصحبه البررة الكرام وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 681
التاريخ
١٠
ننشر في هذا الباب سيرة كبار الرجال في الإسلام وشيئاً من فضائلهم وأخلاقهم وأعمالهم وسياستهم لما في لذلك من تحريك بواعث الهمم للاقتداء بهم في جلائل الأعمال وكرائم الخصال وليكون زاجراً لأولئك الذين يتغاضون عن مآثر رجال المسلمين ويفتخرون بحفظ تاريخ فلاسفة الغربيين.
سيدنا عمر بن الخطاب ﵁
١
هو عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رباح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي (بن كعب بن لؤي) بن غالب بن فهر العدوي القرشي.
ولد ﵁ بعد الفيل بثلاث عشرة سنة وهو من أشراف قريش وعظمائهم تربى على الشهامة والنجدة والحمية. وإليه كانت السفارة في الجاهلية فإذا وقعت قريش في حرب أو نافرهم أو فاخرهم أحد كان هو السفير في أمرهم والمنافر المفاخر عنهم. كنَّاه رسول الله ﷺ لما أسلم أبا حفص ولقبه بالفاروق لأن الله أعز به الإسلام وفرق بهِ بين الحق والباطل. يجتمع نسبه مع رسول الله ﷺ في كعب بن لؤي وهو أفضل الصحابة بعد أبي بكر ﵃. حضر المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ . بويع له بالخلافة صبيحة ليلة وفاة أبي بكر بعهد منه كما تقدم في ترجمة أبي بكر ﵁ وكان ذلك في يوم السابع من شهر رجب سنة ثلاث عشرة للهجرة. ولما تولى ﵁ أمر المؤمنين نظر إلى هذه الكرة الأرضية نظرة رجل وهبه الله من الحكمة والتدبير ما زعزع أركان الجبابرة وهدم صروح الأكاسرة. وأرغم أنوف الطغاة المستبدين، وأباد الفراعنة المسيطرين، ونشر على وجه البسيطة علم الأمن، وأقام للبشر ميزان القسط والعدل، وحقق كلمته في إعلاء كلمة الله ففتح الله على يده من البلاد ما فتح؛ وسرى صلاح نيتهِ في جميه رعيتهِ.
وقد حفظ له التاريخ من الفضائل وعظائم الأمور ما لم يحلم بهِ الزمان ومن المناقب والآثار ما يكاد يتعذر استقصاؤه، ويعز بيانه، روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 682
خمسمائة حديث وتسعة وثلاثون حديثاً وروى عنه أجلاء الصحابة وكبراؤهم كعثمان بن عفان وعلي وطلحة وسعد وابن عباس وكثير غيرهم وهو أول من كتب التاريخ للمسلمين من الهجرة. وأول من حض على جمع القرآن. وأول من عسّ في عمله (أي كان يمشي ليلاً لحفظ الدين والناس ويتفقد شؤون رعيته بنفسهِ) وهو أول من وضع الخراج ومصر الأمصار. وأول من سمي بأمير المؤمنين. وأول من اتخذ بيت المال. وأول من دون الدواوين لحصر أسماء الغزاة. وأول من عاقب على الهجاء. وأول من مسح السواد. وأول من حمل الميرة من مصر إلى المدينة. وأول من استقضى في الأمصار. وأول من جمع الناس على قيام شهر رمضان. وأول من جمع الناس في صلاة الجنازة على أربع تكبيرات. وأول من ألقى الحصى في مسجد رسول الله ﷺ وكان الناس إذا رفعوا رؤوسهم من السجود نفضوا أيديهم فأمر عمر بالحصى فجيء بهِ من العقيق فبسط في مسجد النبي ﷺ . وأول من اتخذ دار المؤن ليعين منها المنقطع. وجعل فيها الدقيق والسويق والثمر والزبيب. ووضع فيما بين مكة والمدينة بالطريق ما يصلح من ذلك. وهو من السابقين إلى الإسلام والمهاجرين الأولين. وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الخلفاء الراشدين؛ وأحد أصهار رسول الله ﷺ توفي رسول الله ﷺ وهو عنهُ راضٍ. ودعاه صاحب رحا دارة العرب، يعيش حميداً؛ ويموت شهيداً.
إسلامهُ ﵁
أخرج أبو نعيم في الحلية والبيهقي في الدلائل عن أسلم ﵁ قال عمر أتحبون أن أعلمكم كيف كان بدء إسلامي قلنا نعم قال كنت من أشد الناس على رسول الله ﷺ فيما أنا في يوم شديد الحر بالهاجرة في بعض الطريق إذ لقيني رجل من قريش فقال أين تذهب يا ابن الخطاب قلت أريد هذا الرجل قال عجباً لك يا ابن الخطاب إنك تزعم أنك كذلك وقد دخل عليك هذا الأمر في بيتك قلت وما ذاك قال أختك قد أسلمت فرجعت مغضباً حتى قرعت الباب وقد كان رسول الله ﷺ إذا أسلم الرجل والرجلان ممن لاشيء له ضمهما رسول الله ﷺ إلى الرجل الذي فيه السعة فنالا من فضل طعامه وقد كان ضم إلى زوج أختي رجلين فلما قرعت الباب قيل من
стр. 683
هذا قلت عمر وقد كانوا يقرأون كتاباً في أيديهم فلما سمعوا صوتي قاموا في مكان وتركوا الكتاب فلما فتحت لي أختي قلت يا عدوة نفسها صبوت؟ ورفعت شيئاً فأضرب به على رأسها فبكت المرأة وقالت لي يا ابن الخطاب اصغ ما كنت صانعاً فقد أسلمت فذهبت فجلست على السرير فإذا بصحيفة وسط البيت فقلت ما هذه الصحيفة فقالت لي دعها عنك يا ابن الخطاب فإنك لا تغتسل من الجنابة أو لا تطهر وهذا لا يمسه إلا المطهرون فما زلت بها حتى أعطتنيها فإذا فيها (بسم الله الرحمن الرحيم) فلما مررت باسم الله ذعرت منه فألقيت الصحيفة ثم رجعت إلى نفسي فتناولتها فإذا فيها (سبح لله ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم) فقرأتها حتى بلغت (آمنوا بالله ورسوله) إلى آخر الآية فقلت أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله فخرج القوم مبادرين فكبروا واستبشروا بذلك وقالوا لي أبشر يا ابن الخطاب فإن رسول الله ﷺ دعا يوم الاثنين فقال اللهم أعز الدين بأحب الرجلين إليك عمر بن الخطاب أو أبي جهل بن هشام وإنا نرجو أن تكون دعوة ؤسول الله ﷺ لك فقلت دلوني على رسول الله ﷺ أين هو فلما عرفوا الصدق دلوني عليه في المنزل الذي هو فيه فخرجت حتى الباب فقال من هذا قلت عمر ابن الخطاب وقد علموا شدتي على رسول الله ﷺ ولم يعلموا بإسلامي فما اجترأ أحد منهم أن يفتح لي حتى قال رسول الله ﷺ افتحوا له فإن يرد الله به خيراً يهده ففتح لي الباب فأخذ رجلين بعضدي حتى دنوت من رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ أرسلوه فأرسلوني فجلست بين يديه فأخذ بمجامع قميصي ثم قال أسلم يا ابن الخطاب (اللهم اهده) فقلت أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله فكبر المسلمون تكبيرة سمعت من طريق مكة وقد كانوا سبعين قبل ذلك فكان الرجل إذا أسلم فعلم به الناس يضربونه ويضربهم فجئت إلى رجل فقرعت عليه الباب فقال من هذا قلت عمر ابن الخطاب فخرج إلي فقلت له أعلمت أني قد صبوت قال أو قد فعلت قلت نعم قال لا تفعل ودخل البيت وأجاف الباب دوني فقلت ما هذا بشيء فإذاً أنا لا أضرب ولا يقال لي شيء قال الرجل أتحب أن يعلم بإسلامك قلت نعم قال إذن اجلس في الحجر فأنت فلاناً فقل لهُ فيما بينك وبينهُ أشعرت أني قد صبوت فإنهُ قلما يكتم الشيء فجئت إليه وقد اجتمع الناس في الحجر فقلت له فيما بيني
стр. 684
وبينه أشعرت أني قد صبوت قال أفعلت قلت نعم فنادى بأعلى صوتهِ ألا إن عمر قد صبا فثار إلي أولئك يضربوني وأضربهم حتى أتى خالي فقيل له أن عمر قد صبا فقام على الحجر فنادى بأعلى صوته ألا إني قد أجرت ابن أختي فلا يمسه أحد فانكشفوا عني فكنت لا أشاء أن أرى أحداً من المسلمين يضرب إلا رأيتهُ فقلت ما هذا بشيء أن الناس يضربون وأنا لا أضرب ولا يقال لي شيء فلما جلس الناس في الحجر جئت إلى خالي فقلت اسمع (جوارك ردعيك) قال لا تفعل فأبيت فما زلت أضرب وأضرب حتى أظهر الله الإسلام.
ثناء النبي ﷺ وأصحابه عليه
أخرج الترمذي وأحمد من حديث ابن عمر قال رسول الله ﷺ أن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه. وقال ﷺ إيه يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكاً فجّاً إلا سلك فجاً غير فجك وقال ﷺ عمر بن الخطاب سراج أهل الجنة وقال ﷺ لما أسلم عمر أتاني جبريل فقال استبشر أهل السماء بإسلام عمر. وقال ﷺ لعمر ﵁ يا أخي أشركنا في صالح دعائك ولا تنسنا. وقال ﷺ بينما أنا نائم رأيت الناس يعرضون علي وعليهم قمص منها ما يبلع الثدي ومنها ما يبلغ أسفل من ذلك وعرض علي عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره قالوا فما أولته يا رسول الله قال الدين. وقال ﷺ لو لم أبعث فيكم لبعث عمر أيد الله عمر بملكين يوفقانه ويسددانه فإذا أخطأ صرفاه حتى يكون صواباً. وقال ﷺ لا يزال باب الفتنة مغلقاً عن أمتي ما عاش لهم عمر بن الخطاب فإذا هلك عمر تتابعت عليهم الفتن.
وأخرج ابن عساكر من حديث سلمان قال رأيت رسول الله ﷺ وهو يحدث عمر ويقول: بطل مؤمن، سخي تقي، حياطة الدين، وملك الإسلام، ونور الهدى، ومنار التقى، فطوبى لمن تبعك، والويل لمن خذلك، وأخرج أيضاً من حديث عمرو بن العاص ﵁ قال أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول ما أقرأكم عمر فاقرؤا وما أمركم فائتمروا.
وأخرج الحاكم في نوادر الأصول والطبراني والضياء عن ابن عباس أتاني جبريل فقال
стр. 685
اقرأ عمر السلام وقل له أن رضاه حكم وأن غضبه عو، وعن موسى ابن عيسى قال أتى عمر بن الخطاب مشربة بني حارثة فوجد محمد بن مسلمة فقال عمر كيف تراني يا محمد قال أراك والله كما أحب وكما يحب من يحب لك الخير، أراك قوياً على جمع المال. عفيفاً عنه. عدلاًَ في قسمه. ولو ملت عدلناك كما يعدل السهم في الثقاب فقال عمر هاه وقال لو ملت عدلناك كما يعدل السهم في الثقاب الحمد لله الذي جعلني في قوم إذا ملت عدلوني وأخرج ابن عساكر عن أبي بردة عن أبيه قال رأى عوف بن مالك أن الناس جمعوا في صعيد واحد فإذا رجل قد علا الناس بثلاثة أذرع قلت من هذا قالوا عمر بن الخطاب قلت بما يعلوهم قالوا إن فيه ثلاث خصال لا يخاف في الله لومة لائم. وإنه شهيد مستشهد وخليفة مستخلف فأتى عوف أبا بكر فحدثه فبعث إلى عمر فبشره فقال أبو بكر قص رؤياك فقصها فلما قال خليفة مستخلف انتهره عمر فلما وُلي قال لعوف اقصص رؤياك فقصها فقال أما لا أخاف في الله لومة لائم فأرجو أن يجعلني الله فيهم وأما خليفة مستخلف فأسأل الله أن يعينني على ما ولاني وأما شهيد مستشهد فأنى لي بالشهادة وأنا بين ظهراني جزيرة لست أغزو والناس حولي ثم قال ويلي ويلي يأتي الله بها إن شاء الله. وقال سلمان ﵁ من حديث طويل أخرجه نعيم بن حماد في الفتن. سلمان يشهد بلحمه ودمه أنك خليفة ولست بملك فقال عمر ﵁ إن تقل فقد كنت تدخل فتجلس مع رسول الله ﷺ ثم قال سلمان وذلك أنك تعدل في الرعية. وتقسم بينهم بالسوية وتشفق عليهم شفقة الرجل على أهله وتقضي بكتاب الله تعالى الخ.
وأخرج ابن عساكر عن مخلد بن قيس العجلي عن أبيه قال لما قدم سيف كسرى ومنطقته وزبرجدته على عمر قال إن أقواماً أدوا هذا لذوو أمانة قال علي إنك عففت فعفت الرعية، وأخرج أيضاً عن ابن عباس قال أكثروا ذكر عمر فإن عمر إذا ذكر ذكر العدل وإذا ذكر العدل ذكر الله وأخرج أيضاً عن عائشة إذا ذكر عمر في المجلس حسن الحديث وعنها أيضاً أخرجه ابن عساكر قالت إذا ذكر الصالحون فحي هلا بعمر وأخرج البهقي أبو نعيم والبغوي وابن منيع وغيرهم عن علي ﵁ قال كنا أصحاب محمد ولا نشك أن السكينة تنطق على لسان عمر وأخرج ابن جرير عن حذيفة ﵁ قال أيسركم أن يكون فيكم خير من عمر قالوا نعم قال لو أن فيكم خيراً من عمر لذهبتم سفالاً وإن الناس لا
стр. 686
يزالون ينمون صعداً ما كان عليهم خيارهم وأخرج ابن عساكر عن ابن مسعود ﵁ قال إن إسلام عمر كان عزاً وإن هجرته كانت فتحاً ونصراً وإمارته كانت رحمة والله مااستطعنا أن نصلي حول البيت ظاهرين حتى أسلم عمر فلما أسلم عمر قاتلهم حتى صلينا وإني لأحسب الشيطان يفرقه وإذا ذكر الصالحون فحيهلاً بعمر. إلى غير ذلك من الآثار الدالة على فضله والأخبار الصريحة بعلو شأنه مع شدة تمسك بسنة رسول الله ﷺ وصاحبه أبي بكر ومتابعة لهما في القول والفعل قال سعيد بن المسيب أصيب بعير من المال من الفيء فنحره عمر وأرسل إلى أزواج النبي ﷺ منه وصنع ما بقي طعاماً فدعا عليه من المسلمين وفيهم يومئذ العباس فقال يا أمير المؤمنين لو صنعت لنا مثل هذا فأكلنا عندك وتحدثنا فقال عمر لا أعود لمثلها إنه مضى صاحبان لي يعني الني ﷺ وأبا بكر عملا عملاً وسلكا طريقاً وإني إن عملت بغير عملهما أسلك في طريق غير طريقهما.
هذا فضلاً عن أخلاقه الطاهرة وشيمه الكريمة وشمائله العظيمة وإليك نبذة من أخلاقه ﵁ ونفعنا به.
شجاعته ﵁
أخرج ابن عساكر عن علي كرم الله وجهه قال ما علمت أحداً هاجر إلا مختفياً إلا عمر بن الخطاب فإنه لما هم بالهجرة تقلد سيفه وتنكب قومه، وانتضى في يده سهماً وأتى الكعبة وأشراف قريش بفنائها قطاف سبعاً ثم صلى ركعتين عند المقام ثم أتى حلقهم واحدة واحدة فقال شاهت الوجوه من أراد أن تثكله أمه، وييتم ولده وترمل زوجته، فليلقني وراء هذا الوادي، فهابوا بطشه ولم يتبعه منهم أحد.
وأخرج أبو نعيم من حديث أسلم قال رأيت عمر بن الخطاب أخذ بأذن الفرس ويأخذه بيده الأخرى أذنه ثم ينزو على متن الفرس. وأخرج ابن سعدة عن أبي وجرة عن أبيه قال كان عمر يحمي النقيع لحيل المسلمين ويحمي الرندة والشرف لا بل الصدفة، ويحمل على ثلاثين ألف بعير في سبيل الله كل سنة، وقد حضر المشاهد ملها مع رسول الله ﷺ من بدر إلى تبوك وكان لا يخشى بأس قريش ولا شدتهم وهو ممن ثبت النبي ﷺ يوم أحد.
стр. 687
عدله وهيبة الناس له
أخرج البخاري ومسلم من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال أستأذن عمر على النبي ﵊ وعنده نسوة من قريش يسألنه ويستكثرنه عالية أصواتهنَّ على صوته فلما أذن له ﵊ تبادرن الحجاب فدخلن ورسول الله ﷺ يضحك فقال بأبي أنت وأمي يا رسول الله أضحك الله سنك ما يضحكك فقال ﵊ عجبت من هؤُلاء اللاتي كن عندي فلما سمعن صوتك تبادرن الحجاب فقال عمر يا رسول الله بأبي وأمي كنت أحق أن يهبنك ثم أقبل عليهم فقال أي عدوات أنفسهن تهبنني ولا تهبن رسول الله ﷺ . قلن نعم أنت أفظ وأغلظ من رسول الله ﷺ فقال ﵊ أيها يا ابن الخطاب فوالذي نفس محمد بيده ما لقيك الشيطان سالكاً فجاً إلا سلك فجاً غير فجك. وعن أبي سعد مولى أبي أسيد قال كان عمر بن الخطاب يعس المسجد بعد العشاء فلا يرى فيه أحداً إلا أخرجه إلا رجلاً قائماً يصلي فمر بنفر من أصحاب رسول الله ﷺ فيهم أبي كعب فقال من هؤلاء فقال أبي نفر من أهلك يا أمير المؤمنين قال ما خلفكم بعد الصلاة قال جلسنا نذكر الله فجلس معهم ثم قال لأدناهم إليه خذ فدعا فاستقراهم رجلاً رجلاً يدعون حتى انتهى إلي وأنا إلى جنبه فقال هات فحصرت (أي ضيق علي فلم أقدر على الكلام) وأخذني من الرعدة حتى جعل يجد مس ذلك مني فقال ولو أن تقول اللهم اغفر لنا اللهم ارحمنا ثم أخذ عمر فما كان في القوم أكثر دمعة ولا أشد بكاء منه. وأخرج ابن عبد الحكم عن أنس أن رجلاً من أهل مصر أتى عمر بن الخطاب فقال يا أمير المؤمنين عائذ بك من الظلم قال عذت معاذاً قال سابقت بن عمرو بن العاص فسبقته فجعل يضربني بالسوط ويقول أنا ابن الأكرمين فكتب عمر إلى عمرو يأمره بالقدوم ويقدم بابنه معه فقد فقال عمر أين المصري خذ السوط فاضرب فجعل يضربه بالسوط ويقول عمر اضرب ابن الألأمين قال أنس فضربه والله لقد ضربه ونحن نحب ضربه فما أقلع عنه حتى تمنينا أن يرفع عنه قال للمصري ضع على صلعة عمرو فقال يا أمير المؤمنين إنما ابنه الذي ضربني وقد استقدت منه فقال عمر لعمرو مذ كم تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً قال يا أمير المؤمنين لم أعلم ولم يأتني.
стр. 688
وأخرج ابن سعد وابن راهوية عن عطاء قال كان عمر بن الخطاب يأمر عماله أن يوافه بالموسم فإذا اجتمعوا قال يا أيها الناس إني لم أبعث عمالي عليكم ليصيبوا من أبشاركم ولا من أموالكم ولا من أعراضكم إنما بعثتهم ليحجزوا بينكم وليقسموا فيئكم بينكم فمن فعل به غير ذلك فليقم أحد إلاَّ رجل قام فقال يا أمير المؤمنين إن عاملك فلاناً ضربني مائة سوط قال فيم ضربته قم فاقنص منه فقام عمرو بن العاص فقال يا أمير المؤمنين إنك إن فعلت هذا يكثر عليك وتكون سنة يأخذ بها من بعدك قال أنا لا أقيد وقد رأيت رسول الله ﷺ يقيد من نفسه قال دعنا لنرضيه قال دونكم فارضوه فافتدى منه عن كل سوط دينارين. وأخرج اللالكائي عن مجاهد قال جاء رجل من بني مخزوم إلى عمر ليستعديه على أبي سفيان قال يا أمير المؤمنين إن أبا سفيان ظلمني حدي بمكة فقال عمر أنا أعلم بذلك الحد ولربما لعبت أنا وأنت عليه ونحن غلمان فإذا قدمت مكة فأتني فلما قدم عمر أتاه المخزومي وجاء بأبي سفيان فانطلق عمر معه إلى ذلك الحد فقال غيرت يا أبا سفيان فخذ هذا الحجر من ههنا فضعه ههنا فقال والله لا أفعل فعلاه بالدررة قال خذه لا أم لك فأخذه أبو سفيان فوضعه في الموضع الذي أمره عمر فدخله فما صنع بأبي سفيان شيء فاستقبل البيت وقال اللهم لك الحمد إذ لم تمتني حتى غلبت أبا سفيان على هواه وذللته بالإسلام فاستقبل أبو سفيان البيت وقال اللهم لك الحمد إذ لم تمتني حتى أدخلت قلبي من الإسلام ما ذللتني لعمر. وأخرج البيهقي وابن أبي شيبة وغيرهما عن ابن عمر قال اشتريت إبلاً وارتجعتها إلى الحمى فلما سمنت قدمت بها فدخل عمر السوق فرأى إبلاً سماناً فقال لمن هذه الإبل فقيل لعبد الله بن عمر فجعل يقول يا عبد الله بن عمر بخ بخ ابن أمير المؤمنين فجئت أسعى فقلت مالك يا أمير المؤمنين قال ماهذه الإبل قلت إبل اشتريتها وبعثت بها إلى الحمى أبتغي ما يبتغي المسلمون فقال ارعوا إبل ابن أمير المؤمنين. اسقوا إبل ابن أمير المؤمنين. يا عبد الله أغد على رأس مالك واجعل الفضل في بيت مال المسلمين.
تواضعه ﵁
أخرج الدينوري عن الحسن قال خرج عمر بن الخطاب في يوم حار واضعاً رداءه على رأسه فمر به غلام على حمار فقال يا غلام احملني معك فوثب الغلام عن الحمار وقال
стр. 689
اركب يا أمير المؤمنين قال لا أركب وأركب أنا خلفك تريد تحملني على المكان الوطيء وتركب أنت على الموضع الخشن فركب خلف الغلام فدخل المدينة وهو خلفه والناس ينظرون إليه وأخرج ابن سعد عن حزام بن هشام عن أبيه قال رأيت عمر بن الخطاب مر على امرأة وهي تعصد عصيدة لها فقال ليس هكذا يعصد ثم أخذ المسوط فقال هكذا فأراها.
ورعه ﵁
أخرج البيهقي عن زيد بن أسلم قال شرب عمر لبناً فأعجبه فسأل الذي سقاه من أين لك هذا اللبن فأخبره أنه ورد على ماء فإذا نَعم من نَعم الصدقة وهم يسقون فحلبوا لنا من ألبانها فجعلته في سقائي هذه فأدخل عمر إصبعه فاستقاءه. وأخرج ابن سعد عن عروة أن عمر ابن الخطاب قال لا يحل لي من هذا المال إلا ما آكل من صلب مالي. وأخرج ابني سعد وعساكر عن إبراهيم أن عمر بن الخطاب كان يتجر وهو خليفة وجهز عيراً إلى الشام فبعث إلى عبد الرحمن بن عوف يستقرضه أربعة آلاف درهم فقال للرسول قل له يأخذها من بيت المال ثم ليردها فلما جاءه الرسول فأخبره بما قال فلقيه عمر فقال أنت أنت القائل ليأخذها من بيت المال فإن مت قبل أن تجيء قلتم أخذها أمير المؤمنين دعوها له وأوخذ بها يوم القيامة لا ولكن أردت أن أخذها من رجل مريض مثلك فإن مت أخذها من ميراثي.
نصفته ﵁ في أهله ومعاملته رعيته
أخرج الإمام أحمد عن الحسن قال جيء إلى عمر بمال فبلغ ذلك حفصة ابنة عمر فجاءت فقالت يا أمير المؤمنين حق أقربائك من هذا المال قد أوصى الله بالأقربين فقال لها يا بنية حق أقربائي في مالي فأما هذا ففيء المسلمين غششت أبك قومي فقامت تجر ذيلها.
وأخرج ابن عساكر والدينوري وابن شاذان عن أسلم أن عمر بن الخطاب طاف ليلة فإذا هو بامرأة في جوف دار لها وحولها صبيان يبكون وإذا قِدر على النار قد ملأتها ماء فدنا عمر من الباب فقال يا أمه ما بكاء هؤلاء الصبيان قالت بكاؤهم من الجوع قال فما هذه القدر التي على النار قالت قد جعلت ماء هو ذا أعللهم به حتى يناموا وأوهمهم أن فيها شيئاً فبكى عمر ثم جاءَ إلى دار الصدقة وأخذ غرارة وجعل فيها شيئاً من دقيق وشحم وسمن
стр. 690
وتمر وثياب ودراهم حتى ملأ الغرارة ثم قال يا أسلم احمل عليَّ فقلت يا أمير المؤمنين أنا أحمله عنك فقال لي لا أم لك يا أسلم أنا أحمله لأني أنا المسؤول عنهم في الآخرة فحمله حتى أتى به منزل المرأة فأخذ القدر فجعل فيها دقيقاً وشيئاً من شحم وتمر وجعل يحركه بيده وينفخ تحت القدر فرأيت الدخان يخرج من خلل لحيته حتى طبخ لهم ثم جعل يفرق بيده ويطعمهم حتى شبعوا ثم خرج وربض بحذائهم كأنه سبع وخفت أن أكلمه فلم يزل كذلك حتى لعب الصبيان وضحكوا ثم قام فقال يا أسلم تدري لم ربضت بحذائهم قلت لا قال رأيتهم يبكون فكرهت أن أذهب وأدعهم حتى أراهم يضحكون فلما ضحكوا طابت نفسي.
وأخرج ابن السني وأبو نعيم والبيهقي عن جراد بن طارق قال أقبلت مع عمر بن الخطاب من صلاة الغداة حتى إذا كان في السوق فسمع صوت صبي مولود يبكي حتى قام عليه فإذا عنده أمه فقال لها شأنك قالت جئت إلى هذا السوق لبعض الحاجة فعرض لي المخاض فولدت غلاماً وهي إلى جانب دار قوم في السوق قال هل شعر أحد بك من أهل هذه الدار أما إني لو علمت أنهم شعروا بك ثم لم ينفعوك فعلت بهم وفعلت بهم ثم دعا لها بشربة سويق ملتوتة بسمن فقال اشربي هذا فإن هذا يقطع الوجع ويقبض الحشا ويعصم الأمعاء ويدر العروق وفي لفظة فإن هذا يشد أحشاءك ويسهل عليك الدم وينزل لك اللبن ثم دخلنا المسجد.
موافقاته ﵁ للقرآن العظيم
أخرج الطبراني وابن حاتم وابن مردويه عن عمر ﵁ قال وافقت ربي في أربع. قلت يا رسول الله لو صلينا خلف المقام فأنزل الله (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) وقلت يا رسول الله لو ضربت على نسائك الحجاب فإنه يدخل عليهن البر والفاجر فأنزل الله (وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب) ونزلت هذه الآية (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين) إلى قوله (ثم أنشأناه خلقاً آخر) فلما نزلت قلت أنا فتبارك الله أحسن الخالقين فنزلت (فتبارك الله أحسن الخالقين) ودخلت على أزواج النبي ﷺ فقلت لهن لتنتهين أو ليبدلنه الله أزواجاً خيراً منكن فنزلت هذه الآية (عسى ربه أن طلقكن إن يبدله أزواجاً خيراً منكن).
وفي الصحيح لما توفي عبد الله بن أبي دعا رسول الله ﷺ للصلاة عليه
стр. 691
فقام إليه عمر (قال عمر) فقمت حتى وقفت في صدره فقلت يا رسول الله أو على عدو الله ابن أبي القائل يوم كذا كذا فوالله ما كان إلا يسيراً حتى نزلت (ولا تصل على أحد منهم مات أبداً) الآية، وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن يهودياً لقي عمر فقال إن جبريل الذي يذكر صاحبكم عدو لنا فقال له عمر من كان عدواً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين فنزلت على لسان عمر أهـ قال السيوطي وقد أوصلها بعضهم إلى أكثر من عشرين.
كراماته ﵁
أخرج ابن الأعرابي في كرامات الأوليات وأبو نعيم والبهيقي معافى الدلائل وغيرهم عن ابن عمر قال وجه عمر جيشاً وأمر عليهم رجلاً يدعى سارية فبينما عمر بن الخطاب يوماً جعل ينادي يا سارية الجبل ثلاثاً ثم قدم رسول الجيش فسأله عمر فقال يا أمير المؤمنين لقينا عدونا فهزمنا فبينا نحن كذلك إذا سمعنا صوتاً ينادي يا سارية الجبل ثلاثاً فأسندنا ظهورنا إلى الجبل فهزمهم الله تعالى فقيل لعمر إنك كنت تصيح بذلك. وعن طارق بن شهاب قال إن كان الرجل ليحدث عمر بالحديث فيكذبه الكذبة فيقول احبس هذه ثم يحدثه بالحديث فيقول احبس هذه فيقول له كل ما حدثتك حق إلا ما أمرتني أن أحبسه. وعن الحسن قال إن كان أحد يعرف الكذب إذا حدث به إنه كذب فهو عمر بن الخطاب وأخرج ابن عبد الحكم في فتوح مصر وأبو الشيخ في العظمة وغيرهما عن قيس بن الحجاج عمن حدثه قال لما فتح عمرو بن العاصر مصر أتى أهلها إليه حين دخل (بؤنه) من أشهر العجم فقالوا له أيها الأمير إن لنيلنا هذا سنة لا يجري إلا بها فقال لهم وما ذاك قالوا إنه إذا كان لاثنتي عشرة ليلة تخلو من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر ببين أبويها وجعلنا عليها شيئاً من الحلي والثياب أفضل ما يكون ثم القيناها في النيل فقال لهم عمرو إن هذا لا يكون في الإسلام فإن الإسلام لا يهدم ما قبله. فقاموا بؤنة، وأبيب، ومسرى، لا يجري قليلاً ولا كثيراً حتى عموا بالجلاء (بالخروج من البلد) فلما رأى ذلك عمرو كتب إلى عمر بن الخطاب بذلك فكتب إليه عمر - قد أصبت إن الإسلام يهدم ما قبله وقد بعثت إليك ببطاقة فألقها في داخل النيل إذا أتاك كتابي فلما قدم الكتاب على عمرو فتح البطاقة فإذا فيها - من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى نيل أهل مصر أما بعد فإن كنت تجري من قبلك فلا تجر وإن كان
стр. 692
الواحد القهار يجريك فنسأل الله الواحد القهار أن يجريك فألقى عمرو البطاقة في النيل قبل يوم الصليب بيوم وقد تهيأ أهل مصر للجلاء وللخروج منها لأنهم لا يقوم بمصلحتهم فيها إلا النيل فأصبحوا.
يوم الصليب وقد أجراه الله ستة عشر ذراعاً وقطع تلك السنة السوء عن أهل مصر. وعن عمرو بن يحيى بن سعيد الأموي عن جده أن سعيد بن العاصر أتى عمر يستزيده في داره التي (بالبلاط) وخطط أعمامه مع رسول الله ﷺ فقال عمر صل معي الغداة (الصبح) وغبش ثم اذكرني حاجتك قال ففعلت حتى إذا هو انصرف قلت يا أمير المؤمنين حاجتي التي أمرتني أن أذكرها لك فوثب معي ثم قال امض نحو دارك حتى انتهيت إليها فزادني وخط لي برجله فقلت يا أمير المؤمنين زدني فإنه ينبت لي نابتة من أهل وولد فقال حسبك واختبئ عندك أن سيلي الأمر بعدي من يصل رحمك ويقضي حاجتك قال فمكثت خلافة عمر بن الخطاب حتى استخلف عثمان فوصلني وأحسن وقضى حاجتي وأشركني في أمانته.
ولما بلغه أن أهل العراق حصبوا أميرهم: قال اللهم قد لبسوا علي فألبس عليهم وعجل بالغلام الثقفي يحكم فيهم حكم الجاهلية لا يقبل من محسنهم، ولا يتجاوز عن مسيئهم. (يعني الحجاج) والحجاج يومئذ لم يولد. وذكر صاحب كتاب علم الدين عن بعض المؤرخين أن عمرو بن العاص خطر بباله حفر برزخ السويس لاتصال البحر الأحمر بالبحر الأبيض فاستأذن عمر بن الخطاب فمنعه لئلا تعبر منه الإفرنج البحر فيكثرون بالمشرق وبلاد المغرب. وأخرج البيهقي عن سالم بن عبد الله أن كعب الأحبار قال لعمر بن الخطاب إنا لنجد (يعني في التوراة) ويل لملك الأرض من ملك السماء فقال عمر إلا من حاسب نفسه فقال كعب والذي نفسه بيده إنها في التوراة لتابعتها فكبر عمر ثم خر ساجداً.
خوفه ﵁
أخرج ابن عساكر من حديث أنس بن مالك قال سمعت عمر بن الخطاب يوماً وخرجت معه حتى دخل حائطاً فسمعته يقول وبيني وبينه جدار وهو في جوف الحائط أمير المؤمنين والله لتتقين الله أو ليعذبنك الله. وأخرج ابن المبارك وابن سعد عن عامر بن ربيعة قال رأيت عمر بن الخطاب أخذ تبنة من الأرض فقال يا ليتني كنت هذه التبنة ليتني لم أخلق
стр. 693
ليتني لم أكن شيئاً ليت أمي لم تلدني ليتني كنت نسياً منسياً. وأخرج أبو نعيم في الحلية عن عمر قال لو نادى منادٍ في السماء يا أيها الناس إنكم داخلون الجنة كلكم إلا رجلاً واحداً لخفت أن أكون أنا هو ولو نادى منادٍ أيها الناس إنكم داخلون النار إلا رجلاً واحداً لرجوت أن أكون أنا هو. وعن زيد بن أسلم قال خرج عمر بن الخطاب ليلة يحرس فرأى مصباحاً في بيت فدنا فإذا عجوز تطرق شعراً لها لتغزله (أي تنقشه بقدح) وهي تقول -
عَلَى محمد صلاة الأبرار ... صلى عليك المصطفون الأخيار
قد كنت قواماً بكي الأسحار ... يا ليت شعري والمنايا أطوار
هل تجمعني وحبيبي الدار
تعني النبي ﷺ . فجلس عمر يبكي فمازال يبكي حتى قرع الباب عليها فقالت من هذا قلت عمر بن الخطاب قالت وما لي ولعمرو ما يأتي بعمر هذه الساعة قال افتحي رحمك الله فلا بأس عليك ففتحت له فدخل فقال ردي علي الكلمات التي قلت آنفاً فردته عليه فلما بلغت آخره قال اسألك بالله أن تدخليني معكما قالت:
وعمر فاغفر له يا غفار
فرضي ورجع. وأخرج ابن عساكر عن أبي بكرة قال وقف أعرابي على عمر فقال:
يا عمر الخير جزيت الجنة ... جهز بنياتي واكسهنه
اقسم بالله لتفعلنه
قال عمر فإن لم أفعل يكون ماذا؟ قال
اقسم بالله لأمضينه
قال فإن مضيت يكون ماذا؟ قال
والله عن حالي لتسألنه ... يوم تكون المسلات ثمه
والواقف المسؤول بينهن ... إما إلى نار وإما جنه
قال فبكى عمر حتى اخضلت لحيته بدموعه وقال لغلامه أعطه قميصي هذا لذلك اليوم لا لشعره والله لا أملك غيره. وأخرج أبو عبيدة في فضائله عن عبد الله بن السائب قال آخر عمر بن الخطاب العشاء الآخرة فصليت ودخل وكان في ظهري فقرأت (والذريات) حتى أتيت على قوله تعالى ﴿وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ فرفع صوته حتى ملأ المسجد فقال
стр. 694
وأنا أشهد. وأخرج أبو عبيد عن الحسن قال قرأ عمر بن الخطاب ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ، مَا لَهُ مِن دَافِعٍ﴾ فربا منها ربوة عيد منها عشرين يوماً. وأخرج أيضاً من حديث عبيد بن عميرة قال صلى بنا عمر بن الخطاب صلاة الفجر فافتتح سورة يوسف فقرأها حتى إذا بلغ ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ بكى حتى انقطع فركع. وأخرج ابن عساكر عن ابن عمر أن عمر لقي أبا موسى الأشعري فقال له يا أبا موسى أيسرك أن عملك الذي كان مع رسول الله ﷺ خلص لك وأنك خرجت من عملك كفافاً لا لك ولا عليك قال لا يا أمير المؤمنين والله قدمت البصر وأن الجفاء فيهم لفاش فعلمتهم القرآن والسنة وغزوت بهم في سبيل الله وإني لأرجو بذلك فضله قال عمر لكن وددت أني خرجت من عملي خيره بشره وشره بخيره كفافاً لا علي ولا لي وخلص لي عملي مع رسول الله صلى الله وسلم المخلص.
زهده ﵁
أخرج أحمد وعبد الرزاق والعسكري عن الحسن قال دخل عمر على ابنه عبد الله فقال ما هذا اللحم قال اشتهيه قال وكلما اشتهيت شيئاً أكلته كفى بالمرء سرفاً أن يأكل كلما اشتهاه. وأخرج ابن المبارك وسعد وهناك عن يسار بن نمير قال ما نخلت لعمر طعاماً قط إلا وأناله عاص. وأخرج ابن سعد عن الأحوص بن حكيم عن أبيه قال إني عمر بلحم فيه سمن فأبى أن يأكلها وقال كل واحد منهما أدام وأخرج عن أبي حازم قال دخل عمر بن الخطاب على حفصة ابنته فقدمت إليه مرقاً بارداً وخبزاً وصبت في المرق زيتاً فقل إدمان في إناء واحد لا أذوقه حتى ألقى الله.
وأخرج ابن المبارك عن ثابت أن عمر استسقى فأتي بإناء من عسل فوضعه على كفه فجعل يقول اشربها فتذهب حلاوتها وتبقى نقمتها لها ثلاثاً ثم دفعه إلى رجل من القوم فشربه.
وأخرج ابن المبارك عن عروة عن عامل لعمر كان على إذرعات فأقدم علينا عمر بن الخطاب وإذا عليه قميص من كرابيس فأعطانيه فقال اغسله وارقعه فغسلته ورقعته ثم قطعت عليه قميصاً قبطياً فأتيته بهما فقلت هذا قميصك وهذا قميص قطعته عليه لتلبسه فمسه فوجده ليناً فقال لا حاجة لنا فيه هذا أنشف للعرق منه. وأخرج أحمد عن الحسن قال
стр. 695
خطب عمر بن الخطاب الناس وهو خليفة وعليه إزار فيه اثنا عشر رقعة. وأخرج ابن المنذر وعبد بن حميد عن ابن عمران عمر رأى في يد جابر بن عبد الله درهماً فقال ما هذا الدرهم قال أريد أن أشتري لأهلي به لحماً قرموا إليه فقال أكلما اشتهيتم شيئاً اشتريتموه؟ أين تذهب عنكم هذه الآية ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا﴾ وأخرج أبو نعيم في الحلية عن عبد الرحمن عن أبي ليلى قال قدم على عمر ناس من العراق فرأى كأنهم يأكلون تقذيراً فقال يا أهل العراق لو شئت يدهمق لي كما يدهمق لكم لفعلت ولكنا نستبقي من دنيانا نجده في آخرتنا أما سمعتم الله يقول لقوم ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ الآية وأخرج ابن أبي الدنيا والدينوري عن سفيان ابن عيينة كتب سعد بن أبي وقاص إلى عمر بن الخطاب وهو على الكوفة يستأذنه في بناء بيت سكنه فوقع في كتابه (ابن ما يسترك من الشمس ويكنك من الغيث فإن الدنيا دار بلغة) وأخرج أبو نعيم في الحلية من حديث أنس بن مالك قال تقرقر بطن عمر وكان يأكل الزيت عام الرمادة وكان حرم عليه السمن فنقر بطنه بإصبعه وقال تقرقر تقرقرك إنه ليس لك عندنا غيره حتى يحي الناس.
شيء من خطبه ورسائله ﵁
صعد المنبر لما ولي فقال. ما كان الله ليراني إن أرى نفسي أهلاً لمجلس أبي بكر فنزل مرقاة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: اقرأوا القرآن تعرفوا به واعملوا به تكونوا من أهله وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا وترتبوا للعرض الأكبر يوم تعرضون على الله لا تخفى منكم خافية. إنه لم يبلغ حق ذي حق أن يطاع في معصية الله إلا وأني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة ولي اليتيم إن استغنيت عففت وإن افتقرت أكلت بالمعروف.
وخطب خطبة فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه
يا أيها الناس إني قد وليت عليكم ولولا رجاء أن أكون خيركم لكم وأقواكم عليكم وأشدكم استضلاعاً بما ينوب عن مهم أموركم ما توليت ذلك منكم ولكفى عمر مهماً محزناً موافقة الحساب بأخذ حقوقكم كيف آخذها ووضعها أين أضعها وبالسير فيكم كيف أسير فربي المستعان فإن عمر أصبح لا يثق بقوة ولا حيلة إن لم يتداركه الله برحمته وعونه وتأييده.
стр. 696
وخطب أيضاً فقال
إنما الدنيا أمل محترم وأجل منتقض وبلاغ إلى دار غيرها وسير إلى الموت ليس فيه تعريج فرحم الله امرأ فكر في أمره ونصح لنفسه وراقب ربه واستقال ذنبه بئس الجار الغني يأخذك بما لا يعطيك من نفسه فإن أبيت لم يغدرك إياكم والبطنة فأنها مكسلة عن الصلاة ومفسدة للجسم ومؤدية إلى السقم وعليكم بالقصد في قوتكم فهوا بعد من السرف وأصح للبدن وأقوى على العبادة وإن العبد لن يهلك حتى يؤثر شهوته على دينه.
وأرسل إلى ابنه ينصحه فقال
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أما بعد فإن من اتقى الله وقاه ومن توكل عليه كفاه ومن شكر له زاده ومن أقرضه جزاه فاجعل التقوى عماد قلبك وجلاء بصرك فأنه لا عمل لمن لا نية له ولا أجر لمن لا حسبة له ولا جديد لمن لا خلق له.
وله من رسالة لأبي موسى الأشعري
يوصيه
قد بلغ أمير المؤمنين أنه فشا لك ولأهل بيتك هيئة في لباسك ومطعمك ومركبك ليس للمسلمين مثلها فإياك يا عبد الله أن تكون بمنزلة البهيمة التي مرت بواد خصب فلم يكن لها همة إلا السمن وإنما حتفها في السمن وأعلم أن للعامل مرداً إلى الله فإذا زاغ العامل زغت رعيته وإن أشقى الناس من شقيت به رعيته والسلام.
وأرسل إلى معاوية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أما بعد فإني لم ألك في كتابي إليك ونفسي خيراً. إياك والاحتجاب وأذن للضعيف وأدنه حتى تبسط لسانه وتجرئ قلبه وتعهد القريب فإنه إذا طال حبسه وضاق أذنه ترك حقه وضعف قلبه وإنما ترك حقه من حبسه واحرص على الصلح بين الناس ما لم يستبن لك القضاء وإذا حضرك الخصمان بالبينة العادلة، والإيمان القاطعة، فامض الحكم. (لها بقية)
стр. 697
الدين الإسلامي والتوحيد
كرامات الأولياء
لا نتخيل أن أحداً من أهل الحق وعصابة السنة ينكر أن لله تعالى من صفوة خلقه رجالاً يختارهم في كل زمان ومكان من عباده المخلصين يصعدهم إلى مقامات سامية من الكمال الروحاني، ويحبوهم بهبات جليلة ومنح جزيلة لا تخطر على بال من لا يكون على شاكلتهم؛ ويفيض عليهم من نفحات قدسه وسبحات تجليات رحمته ما يسمو بهم إلى الاستطلاع على أسرار الملكوت والاستشراف على معالم الجبروت ويحدث على أيديهم أموراً خارقة للعادة من قطع المسافة البعيدة في المدة القليلة؛ وظهور الطعام والشراب واللباس عند الحاجة، والطيران في الهواء، والمشي على الماء، وكلام أن يكون معجزة لنبي جاز أن يكون كرامة لولي بحكم التبع لا بحكم الاستقلال كما سيتضح إن شاء الله تعالى.
وقبل أن نورد البراهين الدالة على إثبات وقوع كرامات الأولياء نأتي على بيان معنى الولي والكرامة تتميماً للفائدة وتوفية لحق الموضوع فنقول الولي في الاصطلاح هو الرجل الصالح الذي أدى أوامر الله واجتنب محارمه وتقرب إليه بالفرائض والنوافل حتى أشرقت عليه أنوار التجليات الإلهية وعبقت عنه فوحات الأخلاق الملكية وأصبح مثالاً يحتذي طريقته من أراد الكمال الصوري والمعنوي وقد ورد في الكتاب الكريم ما يشير إلى هذه المنزلة السامية قال تعالى ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ، الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ، لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾. وجاء في الكلام القديم ما يومي إلى أن من نال هذه المرتبة الرفيعة من القوة النظرية وهي الإيمان ومن القوة العملية وهي التقوى فإن الله يتولى شأنه ويسدده في أموره وينضر حجته قال تعالى ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾، ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ فهذا كان يشعر بأن من تولى الله أي اتخذه ولياً تولاه الله وأفاض عليه من سبحات أنواره وإشراقات أنسه ما يجعله مثالاً للكمال بمعنييه ونموذجاً للفضيلة ينسج الناس عليه. وأما الكرامة فقد فسرها العلماء بأنها أمر خارق للعادة غير مقرون بالتحدي ودعوى النبوة يظهر على يد عبد ظاهر الصلاح ملتزم لمتابعة نبي كلف بشريعته مصحوب بصحيح
стр. 698
الاعتقاد والعمل الصالح وبهذا يظهر لك الفرق بين المعجزة والكرامة فإن المعجزة مقرونة بالتحدي ودعوى الرسالة والتبليغ عن الله تعالى ولابد أن تكتنفها حوادث تميزها عما عداها بخلاف الكرامة فإنها لم تقترن بذلك فلا تكون قادحة في المعجزة التي هي دليل النبي كما يتوهم لأن الولي نفسه يؤمن بمعجزة ذلك النبي ويعترف له بوظيفته ويعتقد أن كرامته من ضمن معجزاته الدالة على صدق شرعه ولا يرد أن السحر أمر خارق للعادة أيضاً لأن السحر يظهر على يد الفساق والزنادقة والكفار الذين هم على غير شريعة ومتابعة فلا يسمى بالكرامة بل استدراجاً.
ولعلماء أهل السنة دلائل عقلية ونقلية على جواز وقوع الكرامات لأولياء الله الذين هم قائمون بأوامره راضخون لأحكامه مستغرقون الفكر في عظمته وجلاله منها أن ظهور الخارق للعادة أمر ممكن في ذاته وكل ما كان كذلك فهو صالح لشمول قدرة الله تعالى لإيجاده إذ لو لم نقل بجواز الوقوع للزم نسبة العجز لقدرة الله تعالى التي تتعلق بجميع الممكنات وللزم ترجيح بعض طرفي الممكن على بعض وكلاهما محال.
ودليل إمكان ذلك الأمر أنه لا يلزم من فرض وقوعه محال عقلاً فإنكار وقوعها مكابرة وعناد على أنه لم يثبت في شيء من كتب المذاهب الأربعة المتواترة أصولاً وفروعاً القول بانقطاع كرامات الأوليات ولو بالموت فلا يلتفت إلى ما يهذي به أرباب الرعونات النفسية والنزغات الشيطانية.
ولنسرد الأدلة النقلية من الكتاب والأخبار والآثار المؤيدة لوقوع الكرامات بالفعل فمن ذلك قصة مريم ﵍ في قوله تعالى ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً﴾ وكلاك كلب أهل الكهف معهم وقصة آصف بن برخيا مع سليمان ﵇ في عرش بلقيس وإتيانه به قبل أن يرتد الطرف وكل هؤلاء ليسوا بأنبياء وأما الأخبار فقد ورد في صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال ﷺ لقد كان فيما قبلكم من الأمم محدثون (ملهمون) يلقى في روعهم الشيء قبل الإعلام به فإن يكن في أمتي أحد فإنه عمر وقال ﷺ أيضاً في الحديث المخرج عند الحاكم عن أبي هريرة رب أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره.
وأما الآثار التي وردت عن السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الكرامات فكثيرة
стр. 699
قد بلغت حد الاستفاضة فمنها ما روي عن عمر ﵁ بعث جيشاً وأمر عليه رجلاً يدعى سارية بن الحصين فتورط مع المشركين وهم بالانهزام فبينما عمر ﵁ يخطب جعل يصيح في خطبته وهو على المنبر: يا سارية الجبل الجبل. وكان بقربه جبل يتحيز إليه قال على كتبت تاريخ هذه الكلمة فلما قدم رسول ذلك الجيش فقال يا أمير المؤمنين عدونا يوم الجمعة في وقت الخطبة فهزمونا فإذا بإنسان يصيح يا سارية الجبل فأسندنا ظهرنا إلى الجبل فهزمت الكفار وظفرنا بالغنائم وكذلك روي إن نيل مصر كان يقف في كل سنة مرة واحدة فكان لا يجري حتى تلقى فيه جارية حسناء فلما جاء الإسلام كتب عمرو بن العاص إلى عم بن الخطاب ﵄ يعلمه بالقصة فكتب عمر على خرقة أيها النيل إن كنت تجري بأمر الله فاجر وإن كنت تجري بأمرك فلا حاجة لنا إليك فألقيت تلك الخرقة في النيل فجرى ولم يقف بعد ذلك وكذلك روي أن عثمان بن عفان ﵁ دخل عليه أنس بن مالك فقال مالي أراكم تدخلون علي وآثار الزنا ظاهرة عليكم وكان أنس قد وقعت عينه على امرأة بينما كان سائراً في الطريق قال أنس فقلت أجاء الوحي بعد رسول الله ﷺ فقال عثمان ﵁ لا ولكن فراسة صادقة.
الذي يحتج المنكرون لكرامات الأولياء بكلامه
وقد ذكر الإمام بن تيمية الحنبلي وهو في كتابه الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ما نصه وكرمات الصحابة والتابعين بعدهم وسائر الصالحين كثيرة جداً مثل ما كان (أسيد بن حضير) يقرأ سورة الكهف فنزل من السماء مثل الظلة فيها أمثال السرج هي الملائكة نزلت لقراءته وكانت الملائكة تسلم على عمران بن حصين وكان (سلمان وأبو الدرداء) يأكلان في صحفة فسبحت الصحفة أو سبح ما فيها (وعياد بن بشر واسيد بن حضير) خرجا من عند رسول الله ﷺ في ليلة مظلمة فأضاء لهم نور مثل طرف السوط فلما افترقا افترق الضوء معهما رواه البخاري وغيره وقصة (الصديق) في الصحيحين لما ذهب بثلاثة أضياف إلى بيته وجعل لا يأكل لقمة من القصعة إلا ربا من أسفلها أكثر منها فشبعوا وصارت أكثر مما هي قبل ذلك إلخ (وخبيب بن عدي) كان أسيراً عند المشركين بمكة وكان يؤتى بعنب يأكله وليس بمكة عنب و (عامر بن فهيرة) قتل
стр. 700
شهيداً فالتمسوا جسده فلم يقدروا عليه وكان لما قتل رفع فرآه عامر بن الطفيل وقد رفع وقال عروة فيرون الملائكة رفعته وحديث (أم أيمن) حين هاجرت وعطشت فرأت دلواً معلقاً في الهواء فشربت منه وما عطشت بقية عمرها و (سفينة) مولى رسول الله ﵊ أخبر الأسد أنه رسول رسول الله فسار معه حتى أوصله إلى مقصده و (البرأ بن مالك) كان إذا أقسم على الله أبر قسمه و (خالد بن الوليد) حاصر حصناً فقالوا لا نسلم لك حتى تشرب السم فشربه فلم يضره و (سعد بن أبي وقاص) كان مجاب الدعوة وهو الذي هزم جنود كسرى وفتح العراق ولما عذبت (الزبيرة) في الإسلام وكف بصرها قال المشركون أصابها اللات والعزى فقالت كلا والله فرد الله بصرها و (العلاء بن الحضرمي) مشى مع الجيش على الماء فلم تبتل قدماه وقد حصل مثله لأبي مسلم الخولاني الذي ألقي في النار فلم تضره إلخ ما قال مما لو أتينا على جميعه لاحتجنا إلى التطويل.
ولنكتف الآن بما قدمنا ليعلم المنكرون لكرامات الأولياء المدعون أن أقل القرون الثلاثة لم يعملوا ولم يعلموا بها وإن الكتاب والسنة والتاريخ ليس فيها شيء من ذلك إن دعواهم لا تروج إلا على قليلي البضاعة وضعفاء العقول الذين لا قابلية لهم في أنوار التوحيد ولا استعداد عندهم للخير فوقع هؤلاء المنكرون في أولياء الله أهل الكرامات يأكلون لحومهم ويمزقون أديمهم جاهلين كون هذا الأمر مبنياً على صفاء العقيدة ونقاء السريرة واقتفاء الطريقة واصطفاء الحقيقة ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾ ولنختم هذا الموضوع بحديث أخرجه البخاري عن أبي هريرة ﵁ مؤيداً لما خص الله أولياءه من المراتب العلية والمقامات السامية والكرامات الباهرة والمواهب الوافية تكريماً لهم وتشريفاً لهم قال ﵊ فيما يرويه عند ربه من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه وما يزل عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي ولئن سألني لأعطيته ولئن استعاذ بي لأعذته فقد دل هذا الحديث على أن للولي عند الله مرتبة عالية ومقاماً سامياً فهل يستبعد أن يكرمه الله بما لا يستحيل وقوعه على يده من خوارق العادات إن هذا لشيء عجاب.
стр. 701
اللغة العربية
أمس واليوم
لقد أجمع فطاحل العلماء وفحول الأدباء، على أن اللغة العربية. أفصح اللغات السامية. وأحكمها استعمالاً. وأوسعها مجالا. ً وقد كرت الأجيال وتنكرت الأحوال. فانطمست آثار واندرست أخبار. وطاحت دول. وبادت ملل. فاستسرت آياتها. وعفت نعاتها. وتلك اللغة تدور مع الأحقاب. في غلائل الآداب. وغلواء الشباب. لا يرهقها هرم. ولا يخلقها قدم. تجول بها أسلات الألسنة وأطراف اليراع. في صدور المحافل وبطون الرقاع. فتنظم فرائدها. وتعقل شواردها. قلا تشذ نادرة. ولا تندر بادرة. فكأنها وهي ابنة القرون الخالية. والأمم الماضية. نشأت في اليوم الحاضر. أو أمس الدابر. فجاءت دفعة واحدة مستوفية أقسام جمالها وصحة أبنية أسمائها وأفعالها لا يذهب كر العشي بطلاوتها ولا يعبث مر الغداة بحلاوتها وكان أبناءها طبعوا على الفصاحة. وفطروا على البلاغة. فلا ترتهنهم لكنة. ولا تتحيفهم عجمة. ولا يعترضهم عي ولا تقف بهم حبسة فالبدوي الذي يحوم في الهضبات كالعقبان ويعسل في الفلوات كالسيدان. ويكمن في الوديان كالغزلان. كذلك الحضري الذي يتقلب بين أعطاف الحضارة والعمران. ويتفيأ ظلال العلوم والعرفان. جزل الحصاة. جم الأدب لا تغض خشونة برديه. من عذوبة أصغريه على أن السر كل السر في ذلك تذوق أمراء العرب طعم الأدب. وإقبال الأفراد عليه. وانضواؤهم إليه. فتعهدوه بدرايتهم وحاطوه بعنايتهم. فأحيوا قرائح ذويه. وأرهفوا أقلام بنيه. والناس على دين ملوكهم. هذا هرم بن سنان حلف إلا يمدحه زهير إلا وصله ولا يسلم عليه إلا أعطاه وليده أو فرساً أو عبداً حتى استحيا زهير وكان إذا رآه في ملأ قال: عموا صباحاً غير هرم وخيركم تركت. وكان النابغة يأكل في آنية الذهب والفضة من عطايا النعمان وجده لا يستعمل غير ذلك. ووفد الحارث على عمرو بن هند الملك أنشده معلقته المشهورة وكان بينه وبينه سبعة حجب فمازال يرفعها واحداً فواحداً لحسن ما يسمع من الشعر حتى لم يبق بينهما حجاب ثم أدناه وقربه. وكان بعض العرب يغتسلون لقصيدة المهلهل المعروفة بالداهية كلما أرادوا إنشادها. وقد كان هذا في زمن الفترة والناس همل فلما أشرق نور الإسلام ومد طاقه وضرب رواقه في مشارق الأرض ومغاربها أقبل الناس من كل صوب
стр. 702
على الدأب. في خدمة الأدب فأجزلوا لأهله العطايا وغمروهم بالهبات وطار القوم زرافات ووحدنا يتلمسون الكتب من ثنايا المكامن وزوايا الخزائن ويتوفرون سواد الليل وبياض النهار على الترجمة والتأليف حتى اكتظت أرجاؤهم بالمكاتب وغصت ديارهم بالمدارس. قال أسامه بن معقل كان السفاح راغباً في الخطب والرسائل يصطنع أهلها ويثيبهم فحفظت ألف رسالة وألف خطبة طلباً للحظوة عنده وكان المنصور يرغب في الأسمار والأخبار فما تركت بيتاً نادراً ولا شعراً فاخراً ولا نسيباً سائراً إلا حفظته وأعانني على ذلك الطلب الهمة في علو الحال عنده ولم أر شيئاً ادعى إلى تعلم الآداب من رغبة الملوك في أهلها وصلاتهم عليها. وقد صدق في قوله وأصاب في رأيه فالفضل في نهضة أمراء البيان يعود إلى أرباب السلطان الذين يذكرهم التاريخ فيشكرهم كلما نبض للعلوم عرق وخفق للمعارف برق. وقد بلغ من شغف الدول الأعجمية وافتتانهم باللغة العربية لعلهم أنها واسطة عقد المسلمين وعروة أنصالهم إن اتخذوها لساناً لهم وطرحوا ما عداها مثل دولة المصامدة (البربر) في المغربين الأقصى والأدنى. ودولة الجراكسة في مصر والشام. ودولة آل سلجوق التركية في العراق والجزيرة ودولة بين بويه الفارسية ودولة آل أيوب الكردية في مصر والشام والحجاز واليمن وغيرها. وكانت البلاد بأسرها تموج بالمترجمين عن اللغات الأجنبية كالفارسية والبهلوية والسنسكريتية والسريانية واليونانية فوسعت اللغة العربية علوم المتقدمين والمتأخرين وكانت مبعث هذه الحضارة ومنبت هذه المدينة ولم تغفل الأمة عن ذلك الواجب بل شاركت أمراءها وملوكها فبذلوا قصاراهم في البذل والسخاء على العلماء والشعراء فأحضر بنو شاكر النقلة والتراجمة وأجروا عليهم الأرزاق وتحداهم في ذلك إبراهيم بن موسى فاستخرج علوم اليونان إلى اللغة العربية وفعل مثله محمد بن عبد الملك الزيات حتى كان عطاؤه للنساخ ألفي دينار. وأقام الفتح بن خاقان خزانة كتب لم يكن أعظم منها وجعل داره مثابة فصحاء الأعراب وعلماء البصرة والكوفة. وأنشأ الحاكم بأمر الله الفاطمي دار الحكمة في مصر وجمع إليها الشعراء والمنجمين وأصحاب النحو واللغة وأباح الدخول إليها لسائر الناس ليقرأوا وينسخوا ما شاءوا وجعل فيها المحابر والدفاتر والأقلام وكانت خزانة الكتب في قصر العزيز بالله في مصر تحتوي على مليون وستمائة ألف مجلد بله أدوات الهندسة والفلك وكانت مكتبة الناصر في قرطبة تشتمل على أربعمائة
стр. 703
ألف مجلد وكان في بيت الحكمة في بغداد مجالس للنسخ والدرس والتأليف وأفاض القضاة من آل عمار على العلماء والأدباء سجال نداهم وبحور جداهم. وكانت دارهم تحتوي على ثلاثة ملايين مجلداً في فنون مختلفة يأوى إليها مائة ناسخ تجري عليهم الأرزاق. وأغرب من هذا أن الحثالة التي بقيت من كتب بغداد بعد الحريق والغريق كانت مكتبة حافلة وقفها هولاكو التتري على نصير الدين الطوسي في مراغة. وقيل أن أبا غالب اللغوي القرطبي لما وضع كتابه في اللغة بعث إليه أبو الجيش مجاهد العامري ملك دانية ألف دينار وركوبة وكساء على أن يزيد في آخر كتابه (هذا ما ألف أبو غالب لأبي الجيش مجاهد) فرد الدنانير وأبى ذلك فلم يكن من مجاهد إلا أن ضاعف له العطاء وقال هو في حل من أن يذكرني فيه.
وأكل معاوية الضرير طعاماً مع الرشيد فلما قام ليغسل يديه تناول الرشيد الإبريق وصب عليهما الماء وقال له أتعلم من يصب الماء علي يديك قال لا قال أنا قال أنت يا أمير المؤمنين قال نعم إجلالاً للعلم.
وقيل إن الفراء مؤدب ولدي المأمون نهض مرة لبعض حوائجه فابتدر الأميران إلى نعله ليقدماها له فتنازعا أيهما يقدمها أولاً ثم اصطلحا على أن يقدم كل واحد منهما واحدة فلما بلغ ذلك المأمون استدعى الفراء وقال له من اعز الناس قال لا أعرف أحداً أعز من أمير المؤمنين فقال المأمون بل من إذا نهض تقاتل على تقديم نعليه وليا عهد المسلمين حتى يرضى كل منهما أن يقدم فرداً.
اللهم غفرانك إن أمة يتفانى أمراؤها وأفرادها في إحياء العلوم وإجلال أهلها إلى هذا الحد لجديرة بأن تذل لها أعراق المجد وتعنو لها نواصي الرغائب وينبت فيها أدباء إذا أحس أحدهم من البيان بوجس دبيبه أو تهادى بين بعيده وقريبه أسمعك من ألفاظه نغمات الأوتار ونفحك من معانيه بنسمات الأسحار وصور لك على الطرس حقيقة النفس. فناجتك بأسرارها. وحدثتك بأخبارها فإذا الشوق تكاد تمسه يداك. وإذا الغيب تكاد تراه عيناك. هذا وشل من بحر وثمد من قطر كتبته تذكرة للعاقل. وتبصرة للغافل. لعلنا نرد على هذه اللغة نضرة شبابها ورونق آدابها وكم هتفت. ليت الشباب يعود.
المؤدي
стр. 704
فؤاد الخطيب
стр. 705
مطالب مسلمي الصين
إن إخواننا المسلمين بمملكة ابن السماء أو دولة الصين أضخم مملكة في العالم قد يعتبرون من أحسن مسلمي العالم مركزاً وحالاً فهم القابضون على زمام التجارة. ومنهم القواد العظام والإداريون الماهرون وحريتهم الدينية موفورة بفضل تسامح الشرقيين الذين مع عظيم رحمتهم وجميل أخلاقهم يعتبرهم الغربي وحوشاً أو حيوانات أحقر من جنس الإنسان ما خلقت إلا لخدمة ذلك الجبار الأوروبي ولقد أبت همة إخواننا المسلمين بتلك البلاد النائية إلا الاستفادة من نعمة الحرية التي أشرقت أنوارها من يوم تأسست الجمهورية التي جاهد المسلمون في سبيل الحصول عليها حتى صرح رئيس الجمهورية بأنهم هم الذين لهبوا الدور المهم في هذا السبيل المشكور نعم أبت همتهم إلا أن يدعموا نظامهم الاجتماعي على قواعد ثابتة ففضلاً عن المجهودات العظيمة التي يبذلونها في تعميم المعارف وتأسيس الشركات المختلفة الأغراض والأنواع مما ربما أتيح لنا أن نأتي على ذكره في حين آخر أخذوا يبحثون عن ترقية شؤونهم الدينية ولهذا قدموا عريضة إلى حكومة جمهورية الصين شخص بها وفد عظيم من الولايات الإسلامية المختلفة إلى بكين وقد أطلعنا على صورة المطالب في رصيفتنا وقت الغراء التي تصدر في أورنبورغ فأحببنا تعريبها للقراء وها هي:
المادة الأولى: يجب على حكومة الصين تأسيس مشيخة للإسلام بعاصمتها لتنظر في شؤون عموم مسلمي الصين الدينية والقيام بحاجاتهم الشرعية ومن الواجب إيجاد مجلس شرعي مخصوص وإدارة أوقاف إسلامية ومعلم للدروس الدينية وأمين فتوى تحت رئاسة شيخ الإسلام ويجب أن يكون تعيين وعزل جميع القضاة والمفتين ومشائخ المساجد والأساتذة ومديري الأوقاف في جميع الجهات الإسلامية بالصين من حقوق شيخ الإسلام الذي يجب أن ينتخب بواسطة الاقتراع العام بين مسلمي الصين ويجب أن يوجد حاكم شرعي في عاصمة كل ولاية إسلامية بالصين.
المادة الثانية: يجب أن تمنح الحرية الدينية بأوسع معانيها لجميع مسلمي الصين وأن يكون لهم حق التصرف المطلق في إدارة شؤونهم الدينية وما يتعلق بها.
المادة الثالثة: يجب معافاة جميع طلبة المعاهد الدينية وموظفي الإدارات الشرعية من الخدمة العسكرية.
следующие страницы →