← Джавами‘

Джавами‘ · id 29676

مجلة الحقائق

عبد القادر الإسكندراني

Полный текст (1 077 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

اللغة العربية أمس واليوم لقد أجمع فطاحل العلماء وفحول الأدباء، على أن اللغة العربية. أفصح اللغات السامية. وأحكمها استعمالاً. وأوسعها مجالا. ً وقد كرت الأجيال وتنكرت الأحوال. فانطمست آثار واندرست أخبار. وطاحت دول. وبادت ملل. فاستسرت آياتها. وعفت نعاتها. وتلك اللغة تدور مع الأحقاب. في غلائل الآداب. وغلواء الشباب. لا يرهقها هرم. ولا يخلقها قدم. تجول بها أسلات الألسنة وأطراف اليراع. في صدور المحافل وبطون الرقاع. فتنظم فرائدها. وتعقل شواردها. قلا تشذ نادرة. ولا تندر بادرة. فكأنها وهي ابنة القرون الخالية. والأمم الماضية. نشأت في اليوم الحاضر. أو أمس الدابر. فجاءت دفعة واحدة مستوفية أقسام جمالها وصحة أبنية أسمائها وأفعالها لا يذهب كر العشي بطلاوتها ولا يعبث مر الغداة بحلاوتها وكان أبناءها طبعوا على الفصاحة. وفطروا على البلاغة. فلا ترتهنهم لكنة. ولا تتحيفهم عجمة. ولا يعترضهم عي ولا تقف بهم حبسة فالبدوي الذي يحوم في الهضبات كالعقبان ويعسل في الفلوات كالسيدان. ويكمن في الوديان كالغزلان. كذلك الحضري الذي يتقلب بين أعطاف الحضارة والعمران. ويتفيأ ظلال العلوم والعرفان. جزل الحصاة. جم الأدب لا تغض خشونة برديه. من عذوبة أصغريه على أن السر كل السر في ذلك تذوق أمراء العرب طعم الأدب. وإقبال الأفراد عليه. وانضواؤهم إليه. فتعهدوه بدرايتهم وحاطوه بعنايتهم. فأحيوا قرائح ذويه. وأرهفوا أقلام بنيه. والناس على دين ملوكهم. هذا هرم بن سنان حلف إلا يمدحه زهير إلا وصله ولا يسلم عليه إلا أعطاه وليده أو فرساً أو عبداً حتى استحيا زهير وكان إذا رآه في ملأ قال: عموا صباحاً غير هرم وخيركم تركت. وكان النابغة يأكل في آنية الذهب والفضة من عطايا النعمان وجده لا يستعمل غير ذلك. ووفد الحارث على عمرو بن هند الملك أنشده معلقته المشهورة وكان بينه وبينه سبعة حجب فمازال يرفعها واحداً فواحداً لحسن ما يسمع من الشعر حتى لم يبق بينهما حجاب ثم أدناه وقربه. وكان بعض العرب يغتسلون لقصيدة المهلهل المعروفة بالداهية كلما أرادوا إنشادها. وقد كان هذا في زمن الفترة والناس همل فلما أشرق نور الإسلام ومد طاقه وضرب رواقه في مشارق الأرض ومغاربها أقبل الناس من كل صوب

стр. 702

على الدأب. في خدمة الأدب فأجزلوا لأهله العطايا وغمروهم بالهبات وطار القوم زرافات ووحدنا يتلمسون الكتب من ثنايا المكامن وزوايا الخزائن ويتوفرون سواد الليل وبياض النهار على الترجمة والتأليف حتى اكتظت أرجاؤهم بالمكاتب وغصت ديارهم بالمدارس. قال أسامه بن معقل كان السفاح راغباً في الخطب والرسائل يصطنع أهلها ويثيبهم فحفظت ألف رسالة وألف خطبة طلباً للحظوة عنده وكان المنصور يرغب في الأسمار والأخبار فما تركت بيتاً نادراً ولا شعراً فاخراً ولا نسيباً سائراً إلا حفظته وأعانني على ذلك الطلب الهمة في علو الحال عنده ولم أر شيئاً ادعى إلى تعلم الآداب من رغبة الملوك في أهلها وصلاتهم عليها. وقد صدق في قوله وأصاب في رأيه فالفضل في نهضة أمراء البيان يعود إلى أرباب السلطان الذين يذكرهم التاريخ فيشكرهم كلما نبض للعلوم عرق وخفق للمعارف برق. وقد بلغ من شغف الدول الأعجمية وافتتانهم باللغة العربية لعلهم أنها واسطة عقد المسلمين وعروة أنصالهم إن اتخذوها لساناً لهم وطرحوا ما عداها مثل دولة المصامدة (البربر) في المغربين الأقصى والأدنى. ودولة الجراكسة في مصر والشام. ودولة آل سلجوق التركية في العراق والجزيرة ودولة بين بويه الفارسية ودولة آل أيوب الكردية في مصر والشام والحجاز واليمن وغيرها. وكانت البلاد بأسرها تموج بالمترجمين عن اللغات الأجنبية كالفارسية والبهلوية والسنسكريتية والسريانية واليونانية فوسعت اللغة العربية علوم المتقدمين والمتأخرين وكانت مبعث هذه الحضارة ومنبت هذه المدينة ولم تغفل الأمة عن ذلك الواجب بل شاركت أمراءها وملوكها فبذلوا قصاراهم في البذل والسخاء على العلماء والشعراء فأحضر بنو شاكر النقلة والتراجمة وأجروا عليهم الأرزاق وتحداهم في ذلك إبراهيم بن موسى فاستخرج علوم اليونان إلى اللغة العربية وفعل مثله محمد بن عبد الملك الزيات حتى كان عطاؤه للنساخ ألفي دينار. وأقام الفتح بن خاقان خزانة كتب لم يكن أعظم منها وجعل داره مثابة فصحاء الأعراب وعلماء البصرة والكوفة. وأنشأ الحاكم بأمر الله الفاطمي دار الحكمة في مصر وجمع إليها الشعراء والمنجمين وأصحاب النحو واللغة وأباح الدخول إليها لسائر الناس ليقرأوا وينسخوا ما شاءوا وجعل فيها المحابر والدفاتر والأقلام وكانت خزانة الكتب في قصر العزيز بالله في مصر تحتوي على مليون وستمائة ألف مجلد بله أدوات الهندسة والفلك وكانت مكتبة الناصر في قرطبة تشتمل على أربعمائة

стр. 703

ألف مجلد وكان في بيت الحكمة في بغداد مجالس للنسخ والدرس والتأليف وأفاض القضاة من آل عمار على العلماء والأدباء سجال نداهم وبحور جداهم. وكانت دارهم تحتوي على ثلاثة ملايين مجلداً في فنون مختلفة يأوى إليها مائة ناسخ تجري عليهم الأرزاق. وأغرب من هذا أن الحثالة التي بقيت من كتب بغداد بعد الحريق والغريق كانت مكتبة حافلة وقفها هولاكو التتري على نصير الدين الطوسي في مراغة. وقيل أن أبا غالب اللغوي القرطبي لما وضع كتابه في اللغة بعث إليه أبو الجيش مجاهد العامري ملك دانية ألف دينار وركوبة وكساء على أن يزيد في آخر كتابه (هذا ما ألف أبو غالب لأبي الجيش مجاهد) فرد الدنانير وأبى ذلك فلم يكن من مجاهد إلا أن ضاعف له العطاء وقال هو في حل من أن يذكرني فيه. وأكل معاوية الضرير طعاماً مع الرشيد فلما قام ليغسل يديه تناول الرشيد الإبريق وصب عليهما الماء وقال له أتعلم من يصب الماء علي يديك قال لا قال أنا قال أنت يا أمير المؤمنين قال نعم إجلالاً للعلم. وقيل إن الفراء مؤدب ولدي المأمون نهض مرة لبعض حوائجه فابتدر الأميران إلى نعله ليقدماها له فتنازعا أيهما يقدمها أولاً ثم اصطلحا على أن يقدم كل واحد منهما واحدة فلما بلغ ذلك المأمون استدعى الفراء وقال له من اعز الناس قال لا أعرف أحداً أعز من أمير المؤمنين فقال المأمون بل من إذا نهض تقاتل على تقديم نعليه وليا عهد المسلمين حتى يرضى كل منهما أن يقدم فرداً. اللهم غفرانك إن أمة يتفانى أمراؤها وأفرادها في إحياء العلوم وإجلال أهلها إلى هذا الحد لجديرة بأن تذل لها أعراق المجد وتعنو لها نواصي الرغائب وينبت فيها أدباء إذا أحس أحدهم من البيان بوجس دبيبه أو تهادى بين بعيده وقريبه أسمعك من ألفاظه نغمات الأوتار ونفحك من معانيه بنسمات الأسحار وصور لك على الطرس حقيقة النفس. فناجتك بأسرارها. وحدثتك بأخبارها فإذا الشوق تكاد تمسه يداك. وإذا الغيب تكاد تراه عيناك. هذا وشل من بحر وثمد من قطر كتبته تذكرة للعاقل. وتبصرة للغافل. لعلنا نرد على هذه اللغة نضرة شبابها ورونق آدابها وكم هتفت. ليت الشباب يعود. المؤدي

стр. 704

فؤاد الخطيب

стр. 705

مطالب مسلمي الصين إن إخواننا المسلمين بمملكة ابن السماء أو دولة الصين أضخم مملكة في العالم قد يعتبرون من أحسن مسلمي العالم مركزاً وحالاً فهم القابضون على زمام التجارة. ومنهم القواد العظام والإداريون الماهرون وحريتهم الدينية موفورة بفضل تسامح الشرقيين الذين مع عظيم رحمتهم وجميل أخلاقهم يعتبرهم الغربي وحوشاً أو حيوانات أحقر من جنس الإنسان ما خلقت إلا لخدمة ذلك الجبار الأوروبي ولقد أبت همة إخواننا المسلمين بتلك البلاد النائية إلا الاستفادة من نعمة الحرية التي أشرقت أنوارها من يوم تأسست الجمهورية التي جاهد المسلمون في سبيل الحصول عليها حتى صرح رئيس الجمهورية بأنهم هم الذين لهبوا الدور المهم في هذا السبيل المشكور نعم أبت همتهم إلا أن يدعموا نظامهم الاجتماعي على قواعد ثابتة ففضلاً عن المجهودات العظيمة التي يبذلونها في تعميم المعارف وتأسيس الشركات المختلفة الأغراض والأنواع مما ربما أتيح لنا أن نأتي على ذكره في حين آخر أخذوا يبحثون عن ترقية شؤونهم الدينية ولهذا قدموا عريضة إلى حكومة جمهورية الصين شخص بها وفد عظيم من الولايات الإسلامية المختلفة إلى بكين وقد أطلعنا على صورة المطالب في رصيفتنا وقت الغراء التي تصدر في أورنبورغ فأحببنا تعريبها للقراء وها هي: المادة الأولى: يجب على حكومة الصين تأسيس مشيخة للإسلام بعاصمتها لتنظر في شؤون عموم مسلمي الصين الدينية والقيام بحاجاتهم الشرعية ومن الواجب إيجاد مجلس شرعي مخصوص وإدارة أوقاف إسلامية ومعلم للدروس الدينية وأمين فتوى تحت رئاسة شيخ الإسلام ويجب أن يكون تعيين وعزل جميع القضاة والمفتين ومشائخ المساجد والأساتذة ومديري الأوقاف في جميع الجهات الإسلامية بالصين من حقوق شيخ الإسلام الذي يجب أن ينتخب بواسطة الاقتراع العام بين مسلمي الصين ويجب أن يوجد حاكم شرعي في عاصمة كل ولاية إسلامية بالصين. المادة الثانية: يجب أن تمنح الحرية الدينية بأوسع معانيها لجميع مسلمي الصين وأن يكون لهم حق التصرف المطلق في إدارة شؤونهم الدينية وما يتعلق بها. المادة الثالثة: يجب معافاة جميع طلبة المعاهد الدينية وموظفي الإدارات الشرعية من الخدمة العسكرية.

стр. 706

المادة الرابعة: يجب أن يمنح المسلمون الحق في تأسيس المدارس والمعاهد الدينية والمساجد ودور العجزة (التكايا) أينما شاءوا وحيثما استحسنوا. المادة الخامسة: يجب على الحكومة أن تجيز المسلمين بجمع الإعانات في كل زمان ومكان لتأسيس المدارس والمعاهد الدينية والمساجد. المادة السادسة: يجب على الحكومة ألا تعامل أوقاف المسلمين كأملاك الأفراد بل تعفيها من الضرائب أسوة بالأوقاف المخصصة لمعابد المجوس وأن تجعل استثمارها وإدارة شؤونها حسب نصوص الواقفين لتنفق حاصلاتها طبق ما خصصت له. كل ذلك بواسطة إدارة الأوقاف التي ستؤسس ببكين تحت إدارة شيخ الإسلام. المادة السابعة: يجب على حكومة الصين أن تمنح علماء المسلمين جميع الامتيازات التي يتمتع بها رؤساء المجوس الروحانيون وأن تعاملهم بالتجلة والحقوق وكل ما تعامل به الرؤساء المذكورين. وفي الوقت الذي تبدأ فيه حكومة الصين بفرض مرتبات شهرية لرؤساء الأديان المجوسية يجب عليها أن تفرض لعلماء الإسلام نفس المرتبات وكذلك لموظفي المحاكم الشرعية. المادة الثامنة: يجب معافاة مسلمي الصين من العمل بالأوامر التي ستصدرها حكومة الصين بشأن تبديل الألبسة والزي القديم. المادة التاسعة: يجب على الحكومة ألا تمنع المسلمين من السياحة بالممالك الأجنبية ويجب عليها أن تسهل السبل في وجه من يقصد منهم السفر لأداء فريضة الحج وأن توجد في كبريات المدن من الصين حتى الحجاز قناصل لها ليحافظوا على راحة أولئك الحجاج ويجب عليها أن تعقد اتفاقية مخصوصة مع الحكومة العثمانية لكي تخول إحداهما الأخرى بالتبادل حق تأسيس السفارات والقنصليات بمملكتيهما وأن تطيل مدة جواز السفر من ستة شهور إلى سنة. المادة العاشرة: يجب على الحكومة أن تمنح المسلمين جميع الحقوق التي سيتمتع بها الصينيون في انتخاب المبعوثين والوزارة والوكلاء في البرلمان الصيني وجميع الدوائر الرسمية. المادة الحادي عشرة: يجب المساواة بين المسلمين وبقية الصينيين في جميع الحقوق.

стр. 707

المادة الثاني عشرة: يجب منح المسلمين الحرية التامة في تأسيس المطابع ودور الكتب ومحال القراءة العمومية ونشر الكتب والصحف والرسائل الدورية. المادة الثالث عشرة: يجب أن يخول للمسلمين الحق في التوظف بمراكز الحكومة في الوظائف حسب ما يلائم كفاءتهم واستعدادهم. المادة الرابع عشرة: يجب على حكومة الصين أن تعطي للمدارس الإسلامية الإعانات المالية مثل التي ستمنح للمدارس الصينية. المادة الخامس عشرة: يجب قبول الطلبة المسلمين في المدارس الرسمية وإرسال الطلبة النوابغ منهم إلى أمريكا والغرب لإكمال معارفهم بمدارسها على حساب حكومة الصين. المادة السادس عشرة: يجب على حكومة الصين أن تراعي شعائر المسلمين الذين ينخرطون في جيشها وتسهل لهم سبل القيام بالفرائض الدينية والعمل على طاعة المولى ﷻ . المادة السابع عشرة: يجب تأسيس مساجد في الثكنات العسكرية وأن يكون حق الضباط المسلمين في الرقي مثل ما للضباط الصينيين. المادة الثامن عشرة: يجب على الحكومة أن تمنح الجنود الإسلامية إجازة بتمضية شهر رمضان في منازلهم وبين أهليهم. قدمت العريضة الحاوية هذه المطالب باسم مسلمي الصين إلى حكومة الجمهورية وهي مطالب عادلة هينة ستجيبها حكومة الصين عن طيب خاطر لأنها من أساس روح دستورها وإن حبها للمسلمين جعلها تنشئ في بكين جريدة إسلامية شبيهة بالرسمية على حسابها الخاص. إن عدد مسلمي الصين حسب الإحصائيات الرسمية ٥٥ مليوناً من النفوس ولكن إخواننا هنالك يؤكدون أن هذه الإحصائيات أقل من الحقيقة بكثير وأن عددهم أقل ما يكون سبعون مليوناً منها ٤٥ مليوناً من عنصر صيني بحت ولسانه اللغة الصينية والبقية من عنصر تركي يتكلمون اللغة التركية بيد أن الفريق الأول له من النفوذ والكلمة العالية بالحكومة الصينية القسط الوافر. إن العلم الصيني الجديد مركب من خمسة ألوان أبيض وهو رمز إلى المسلمين وأحمر وهو

стр. 708

رمز للعنصر الصيني الأصلي والأسود وهو إشارة إلى عنصر المانشو والأخضر وهو إشارة العنصر التيبتي والأصفر وهو رمز المنغوليين. إن تعلق مسلمي الصين بدولة الخلافة المعظمة أكبر من أن يصوره قلم وكلهم يتمنون من صميم أفئدتهم أن تسرع الحكومة العثمانية بإيجاد سفارة لها وجملة قنصليات لأنها لو كانت لديها في دور هذا الانقلاب العظيم هذه السفارات للعبت دوراً مهماً وأفادت العالم الإسلامي خصوصاً والشرق عموماً وأوجدت لها مركزاً لا ينافسها فيه أحد وفق الله رجال حكومتنا إلى ما فيه خير البلاد والعباد بجاه سيد الأنام والسلام على من اتبع الهدى. الهلال العثماني

стр. 709

القرآن الكريم وغلط طبعه من المعلوم لدى جماهير أهل العلم والفضل أن الدولة العلية أيدها الله كانت قررت طبع كتاب الله تعالى في عاصمتها تقريراً مبرماً بحيث لا يجوز للغير طبعه حرصاً على مكانة صوابه، واحترازاً من غلط مطبعي فيه، وقد ظلت الدولة تسير في هذا السير ولكن بعضه مشكوك فيه كما سيأتي. إلى أن أطلع هذا الداعي على نسخة من القرآن الكريم طبعت في مطبعة الشركة الخيرية الصحافية في الأستانة لمديرها الحاج حسين أفندي في ١٥ جمادى الآخرة سنة ١٣٢٩ هـ. وهذه النسخة مفقود منها سورتا الشعراء والنمل وموجود في سورة الفرقان أوراق من سورتي آل عمران والنساء وهاتان السورتان لم ينقص منهما شيء. فكأن تلك الأوراق زائدة أو هي بدل ما ذهب من سورة الفرقان. وتقرير أن سير الدولة المومى إليه آنفاً مشكوك في بعضه. هو أن الدولة العلية لم أدر هل علم وكلاؤها الموكل إليهم أمر الاطلاع على المطبوعات والمصاحف القرآنية - بما طبع في الدور الغابر من مصاحف صغيرة الحجم مغلوطة من حيث بعض كلمات محذوفة أم لا؟ مع أن هذا الخطأ المطبعي لا يعد كالخطأ الأول بل هذه النسخ الصغيرة لم يذكر فيها اسم المطبعة ولا اسم صاحبها. ثم أنني لم أذكر عن غلط النسخة الأولى هذا المقال إلا بعد أن بحثت عن نسخ مطبوعة بتلك المطبعة ومؤرخة ذلك التاريخ فوجدت الغلط بذاته ولما علمت أنه لابد أن يكون عند إخواني المسلمين نسخ منها وأنه يجوز أن يكون بعضهم غير عالم بذلك الغلط لأنه يضع القرآن وضع زينة كما هو عادة البعض وعلمت أن السكوت عن التنبيه لمثل ذلك الغلط مما لا يأمر به الدين الحق والعقل السليم والعلم الصحيح - بادرت إلى كتابة هذه المقالة ليكون كل من عنده من تلك النسخ متنبهاً لغلطها وهو مخير في كتابة أوراق من سورة الفران بدل الأوراق الذاهبة منها وكتابة سورتي الشعراء والنمل ومخير في الحرق. وهنا ألفت نظر سماحة شيخ الإسلام خاصة إلى أن طبع كتاب الله تعالى يجب أن يكون معنياً به كل العناية بحيث لا يكون فيه خطأ مطبعي البتة كما هو مقتضى أمر الخلافة الإسلامية أيدها الله ووفق المسلمين لما يرضاه. المفيد

стр. 710

بيروت ر. ق

стр. 711

من كتاب الأدب لجعفر بن شمس الخلافة وهو من الكتب المخطوطة النادرة ٢ وصاحب الذنب المكروه يصطبر وتقرب الأحلام غير قريب وربما صحت الأجسام بالعلل ما فاز بالراحة إلا من رضي ترجوا الغنى من إناء قط ما رشحا هل يستطيع جواد غير تبريز ومن يخزن الأموال ينفق من العرض ولا يرد عليك الفايت الحزن وتحت الرغوة اللبن الصريح وبيت الغنى يهدى له ويزار ويأتيك بالأخبار من لم يزود كم من نقي الثوب ذي عرض دنس ورب ذي أدب تلقاه في سمل والنجم لا يجفل أن كلب عوى عسى بعد بين أن يكون تلاقي والشمس تكبر عن حلي وعن حلل على قدر جرم الفيل تبني قوائمه ومازالت الأشراف تهجا وتمدح وبعض القول يذهب في الرياح مثل النعامة لا طير ولا جمل كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه والدهر ليس بمعتب من يجزع

стр. 712

ولا يأمن الأيام إلا مضلل ومن ذا الذي يعطي الكمال فيكمل وكل نعيم لا محالة زائل والدهر يبلى جدة الحديد وقد يسود غير السيد المال (لها بقية)

стр. 713

إجابة طلب المؤيد ٢ يا مصطفة قبل العوالم كلها ... يا شافعاً في الخلق يوم الدين أنت الحبيب حقيقة والمجتبى ... والكون لم يبرز من التكوين أيروم مخلوق مديحك بعدما ... للعالمين بعثت خير أمين كيف الوصول إلى مديحك بعد أن ... أثنى عليك الله في التبيين دمشق هـ ر خ يا مصطفى قبل العوالم كلها ... يا سيد الكونين والثقلين أنت الذي قدماً تلألأ نوره ... والكون لم يبرز من التكوين أيروم مخلوق مديحك بعد ما ... شافهت ربك دون كل مكين أم كيف يدرك شاو مدحك بعد ما ... أثنى عليك الله في التبيين ع. د يا مصطفى قبل العوالم كلها ... لتكون منك بداية التكوين بك قد حبانا الله أسنى رتبة ... والكون لم يبرز من التكوين أيروم مخلوق مديحك بعد ما ... أوتيت من عظم ومن تمكين لا شك في حصر المفوه بعد أن ... أثنى عليك الله في التبيين م. ي

стр. 714

رثاء الأستاذ الشيخ محمد المبارك الحسني الجزائري فقيد دمشق بقلم الشاعر البليغ الفاضل صاحب الإمضاء أأرثي مقام الذكر في الشرق والغرب ... أمَ الوعظِ والإرشادِ في مشهد القرب أأرثي التقى والفضل والعلم والهدى ... أم الزهد والإخلاص والصدق في القلب أجل إنني أرثي الفضائل فيك بل ... أعزي بك الإسلام بل سائر الشعب محمدُ قبل اليوم كنت مباركاً ... علينا ولكن ما لنا اليوم في كرب فيا طول حزن العلم إذ غاب بدره ... ويا حسرة الإخوان والأهل والصحب أعزي بمنعاك المعارف والعلا ... وأبكي على حزن المدارس والكتب وما سائر الأرزاء إلا كذرة ... إزاء مصاب العلم في مهجة الصب أحيي ضريحاً ضم أكرم جثة ... ثراها تراب الخلد من عالم الغيب سقى الله من غيث المراحم روضة ... سرى واختفى أرخ بها الكوكب الغربي سنة ١٣٣٠ ٨ ٧٩ ١٢٤٣ دمشق عبد الرحمن القصار وقال أيضاً مودعاً أمام القبر يعز علينا أن نراك مودعاً ... من القوم أو أنا نراك مودعا لئن قنع الإخوان بالحزن حسرة ... فيا ليت هذا القبر لي كان مصرعا ولكنني أقضي الحياة تحسراً ... عليك إلى أن أجتبي منك موضعا وجاءنا من الأديب الفاضل صاحب الإمضاء ما يأتي كلمة في رثاء الأستاذ الكبير الشيخ محمد أفندي المبارك الحسني الجزائري ﵀ وأكرم مثواه دعوا الشرق يبكي دائم الحسرات ... ويملأ عين الكون بالعبرات على السيد الميمون مدره قومه ... على الواحد المبرور ذي البركات

стр. 715

على المرشد الأواب أوحد عصره ... أمام المعالي طاهر النفثات على العالم النحرير ذي الفضل والتقي ... على الطاهر المحمود ذي الحسنات حليف الهدى والبر مبعث رأفة ... مثابة أخلاق ورب عظات مفيض درايات مقسم حكمة ... على أنفس الله منقطعات * * * عليك سلام الله يا شخص من قضى ... وخلفنا بالويل والعثرات نعاك لنا الناعي فطارت نفوسنا ... شعاعاً وبتنا في لظى جمرات بكينا بعين مضها الحزن والأسى ... وقلب أسيف زائد الجزعات فهب بنا الناعي إلى منزل به ... أقام رجال الفضل في لهفات تراهم من الأشجان ما بين خاشع ... وباك وملتاع وذي زفرات يسيلون دمع الوجد يبرزه الشجى ... وتدفعه الأحشاء مضطرمات * * * فلاحت لي الأملاك من نحو حجرة ... تطوف ولكن في اجل صفات وشعشع فيها النور كالشمس في الضحى ... يروح ويغدو باهر اللمعات دنوت لأرنو من شقوق جدارها ... وأنظر فيها آخر النظرات فشمت بها شمس الزمان وبدره - أخا البر والأخلاق والصدقات على لوحة التغسيل ملقى كأنه ... نبي كريم وافر النفحات يفوح أريج المسك منه كأنما ... يغسل من طيب بماء حياة * * * وكنت أرى الأقوام عم ضجيجها ... وطاشت بها الآلام مشتجرات تقول ألا بالله رفقاً بحالنا ... فأنا لهذا النعي في نكبات دعونا نرى الأستاذ آخر رؤية ... لنحي كما يرضى بغير شتات فقام له شبل خطيب مفوه ... وقال ودمع العين في قطرات أناشدكم بالله أن ترفقوا بنا ... ولا تضجروا فالوقت وقت ثبات فساد على الناس السكون كأنهم ... يناجون رب البيت في الخلوات

стр. 716

* * * لما انتهى تغسيله حنطوه في ... حنان وأعظام وفي شفقات وقد زملوه بالفضائل والتقى ... وبالعلم والإخلاص والصلوات وماطوا على الوجه المنير نقابه ... فبان لنا شمساً ولا ظلمات فلا قوة بالإجلال والقلب شيق ... وحيوه باللمسات والقبلات ينادون هذا النعش نعش محمد ... سراج الدياجي هادم الشبهات عياذ ذوي خوف ملاذ أرامل ... غياث ذوي عدم جزيل هبات * * * مشى نعشه والناس كالطير حوله ... يوالون للأنفاس مستعرات يطوفون حول النعش خالوه كعبة ... كأنهمو يمشون في عرفات إلى أن توارى وهو كالبدر قد هوى ... من الملأ الأعلا إلى الفلوات ضرعنا جميعاً نستغيث بربنا ... ونطلب منه وافر الرحمات تصوب على هذا الضريح الذي حوى ... ملاذ ذوي عدم إمام هداة عليه سلام الله مازلت منشداً ... دعو الشرق يبكي دائم الحسرات دمشق محمد سليم الحنفي

стр. 717

خاتمة السنة الثانية بحمد الله والثناء عليه نختم ما ابتدأناه من هذا العمل الجليل والخدمة النافعة وإليه جل شأنه نرفع أكف الامتنان إذ وفقنا لخدمة دينه والذب عن شريعته وجعلنا نجهر بالحق ونؤيده، ونقذف بالباطل وندمغه، لا نخشى ملام لائم ولا وقاحة معتد آثم، وقد كانت سنتنا هذه لا تقل عن سابقتها بتحقيق المسائل وإشباع المواضيع ونصر السنة الشريفة وإظهار بعض محاسنها وقمع البدع السيئة وبيان أضرارها وخدمة السلف بذكر شيء من عاداتهم وأخلاقهم وقد لاقينا من الصعوبات في هذا السبيل ما نفوض أمره إلى الله ونكله إليه عز اسمه راجين منه سبحانه التأييد والسداد والإخلاص وحسن النية والعفو عن الخطيئة والتوفيق لخدمة هذه الأمة البائسة خدمة حقيقية قياماً ببعض الواجب ومراعاة لما أخذنا به أنفسنا من التفاني في هذه الطريقة الشريفة على قدر الإمكان وفي الختام نشكر من آزرونا في هذا المشروع العظيم بأفكارهم وأقلامهم وأبحاثهم ونسأل الله تعالى لنا ولهم حسن الجزاء والختام.

стр. 718

العدد ٢٣ - بتاريخ: ١٠ - ١٢ - ١٩١٢

стр. 719

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ فاتحة السنة الثالثة سبحانك اللهم لا نحصي ثناءً عليك. أنت كما أثنيت على نفسك وفقتنا لخدمة ديبنك فارزقنا الثبات. وهديتنا سبيل الخير فأخلص منا النيات. وألهتنما القيام بهذا العمل فخذ بيدنا إلى الصواب واجعلنا هاديين مهديين. غير ضالين ولا مضلين. وصل وسلم على سيدنا محمد سيد رسلك. وخيرتك من خلقك وعلى آله وصحبه وعترته وحزبه. وبعد فهذه مجلتنا الحقائق على رأس عامه الثالث وقد مر عليها حولان كاملان وهي قائمة برد الشبه عن الدين. ونشر الأخلاق الفاضلة بين المسلمين شعارها الصدق. ودثارها الحق. وهي للمسلمين عامة لا علاقة لها بالأحزاب السشياسية ولاغرض لها إلا نصرة الشريعة المحمدية وقد لاقت من المصاعب ما يلاقيه الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر في هذا الزمن الذي اعتاد الناس فيه الفجور. وألفوا فيه الفسوق. وأصبح دين الرجل هواه فلا يرده عن غيه نصح الناصحين. ولا إرشاد المرشدين. وفشت فيه العلوم المادية. وتعلمها الناس على طريقة لا تلتئم مع تعاليم الدين. بل تدعو إلى الشبه والشكوك فيه. ولكن ولله الحمد لم تؤثر تلك المشاق على عزائمنا لأنا نرى هذا العمل من أهم الواجبات وأقدس الوظائف. هذا وستقوم المجلة في سنتها الثالثة بما قامت به في السنتين قبلها مع زيادة الاعتناء بتجويد المواضيع وتهذيب المباحث وقد جعلنا ابتداء عامها الثالث شهر محرم رأس السنة الهجرية وسيكون صدورها منتظماً في أوقاته المعينة إن شار الله تعالى. وفي الختام نكرر رجاءنا لأهل العلم والفضل أن يمدونا بأفكارهم وآثار أقلامهم والله نسأل أن يزيد بصحيفتنا النفع ويعظم بها الأجر إنه ولي التوفيق.

стр. 720

الدين الإسلامي والتوحيد ١٨ التفاضل بين الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام والملائكة والصحابة قدمنا أن من تمام نعمة الله تعالى وكمال رحمته بهذا النوع الإنساني أن أرسل إليه رسلاً هادين مرشدين اصطفاهم من بين أفراده وميزهم بخصائص لا يشركهم فيها سواهم وأيدهم بالآيات والمعجزات تصديقاً لدعواهم وتحقيقاً لصدق نبوتهم لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وذكرنا معنى المعجزة والفرق بينها وبين ما يظهر من خوارق العادات على أيدي غيرهم وأثبتنا أن سيدنا محمد ﷺ هو أكثر الأنبياء معجزة وأبهرهم آية وأظهرهم برهاناً وأوضحهم محجة وتبياناً ثم سردنا شيئاً يسيراً من معجزاته إظهاراً لعظيم قدره وسمو مكانته وإيذاناً بما حباه الله تعالى من الآيات المثبتة لنبوته والمواهب الدالة على تحقيق رسالته وفي هذا المقام نريد أن نبين أن نبينا ﷺ هو أفضل خلق الله تعالى وأن الأنبياء والملائكة ﵈ متفاوتون في الرتبة وكذلك الصحابة ﵃ فنقول: أجمعت الأمة الإسلامية على أن سيدنا محمداً ﷺ أفضل الخلق علي الإطلاق من أنبياء وملائكة وغيرهم. قال تعالى (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات) قال المفسرون يعني محمداً ﵊ رفعه سبحانه من ثلاثة أوجه بالذات في المعراج وبالسيادة على جميع البشر وبالمعجزات فإنه ﵊ أوتي من المعجزات مالم يؤته نبي قبله. فال الزمخشري وفي هذا الإبهام من تفخيم فضله وإعلاء قدره مالا يخفى لما فيه من الشهادة على أنه العلم الذي لا يشتبه والمتميز الذي لا يلتبس وقد بينت هذه الآية وكذا قوله تعالى (ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض) إن مراتب الرسل والأنبياء ﵈ متفاوتة والتفضيل المراد لهم هان في الدنيا وكذلكة بثلاثة أحوال أن تكون آياته ومعجزاته أظهر وأشهر أن تكون أمته أزكى وأكثر أن يكون في ذاته أفضل وأطهر وفضله في ذاته راجع إلى ماخصه الله تعالى به من كرامته وتفضيله ببكلام أو خلة أو رؤية أو ماشاء الله من

стр. 721

الطافة وتحف ولايته واختصاصه وغير ذلك. ولامرية في أن آيات نبينا ﷺ ومعجزاته أظهر وأبهر وأكثر وأبقى وأشهر ومنصبه أعلى ومقامه أعظم وأوفر وذاته أفضل وأطهر وخصوصياته على جميع الأنبياء أشهر من أن تذكر وقد ثبت أن انتفاع أهل الدنيا بدعوته أكمل من انتفاع الأمم بدعوة سائر المرسلين فوجب أن يكون أفضل النبيين وأن تكون درجته أرفع من درجاتهم ومرتبته أسمى من مراتبهم. ومن تأمل حديث الشفاعة في المحشر وانتهاءها إليه وانفراده هناك بالسؤؤد يظهر لهما لهذا الرسول الأعظم ﷺ من الاختصاص بالمقام الأعلى والمراتب العظمى. أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي لله عنه قال رسول الله ﷺ أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من تنشق عنه الأرض للحشر وأول شافع وأول مشفع وفي الترمذي من حديث أنس ﵁ قال ﷺ أنا أكرم ولد آدم يومئذٍ على ربي ولا فخر وفيه أيضاً من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال الصلاة والسلام أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر وبيدي لواء الحمد ولا فخر وما من نبي آدم فمن سواه إلا تحت لوائي وفي البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال ﵇ أنا سيد الناس يوم القيامة. قال الفخر الرازي ﵀ أن الله وصف الأنبياء بالأوصاف الحميدة ثم قال لمحمد ﷺ (أولئك اللذين هذه الله فبهداهم أفئدة) وقد أتى بجميع ما أتوا به من الخصال الحميدة فقد اجتمع فيه ما كان مفرقاً فيكون أفضل منهم. وأما ما ورد من قوله ﵊ (لا تفضلوني) على يونس بن متى ولا تفضلوا بين الأنبياء) ولا تخيروني على موسى كما في الشفاء للقاضي عياض فقد حمل العلماء النهي على التفضيل المؤدي إلى تنقيص بعضهم وانحطاط قدرهم أو أنه قال ذلك تواضعاً واحتراماً لمقامهم أو نهى عن ذلك قبل علمه بأنه سيد ولد آدم وأفضلهم وأشرفهم. ويليه ﷺ في الفضيلة سيدنا ابراهيم فموسى فعيسى فنوح عليهم الصلاة والسلام وهؤلاء هم أولو العزم المشار إليهم في القرآن العظيم بقوله تعالى (فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل) كما اتفقت عليه كلمة العلماء ويلي أولي العزم بقية الرسل ثم

стр. 722

الأنبياء غير الرسل مع تفاوت مراتبهم عند الله تعالى لظاهر قوله تعالى (ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض) ويليهم في الفضيلة الملائكة ﵈ وهم متفاوتون في الفضيلة كما قدمنا وحقيقتهم أنهم أجسام نورانية قادرة على التشكل بأشكال مختلفة شأنهم الطاعة ومسكنهم السماوات غالباً ومنهم من يسكن الأرض كما وتصفهم الله تعالى بقوله (عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) (يسبحون الليل والنهار لا يفترون) لا يوصفون بذكورة ولابأنوثة ولا يأكلون ولا يشربون ولا يتناكحون وأفضلهم جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل ﵈ وهم رؤساء الملائكة وهذا باتفاق العلماء ثم بقية الملائكة بعضهم أفضل من بعض على حسب مراتبهم. وأما الصحابة ﵃ فإنهم أفضل القرون المتأخرة والمتقدمة ماعدا الأنبياء والمرسلين لحديث أخرجه البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال ﷺ لا تسبوا أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مدَّا أحدهم ولا نصيفه وفي الترمذي من حديث عبد الله بن مغفل ﵁ قال ﵊ الله الله في أصحابي لا تنخذونهم غرضاً من بعدي فمن أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم إلخ. ولا يخفى ترجيح رتبة مكن لازمه صلى الله عليه وسلمة وقاتل معه وقتل تحت رايته على من لم يكن كذلك وأفضل الصحابة النفر الذي ولي الخلافة العمى وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ وشأنهم في ترتيبهم في الفضل على حسب ترتيبهم في الخلافة ويدل على ذلك حديث بن عمر ﵁ المخرج عند الطبراني كنا نقول ورسول الله ﷺ حي أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي فلم ينكره ﷺ . قال السعد التفتازاني على هذا وجدنا السلف والخلف ثم يلي الخلفاء الأربع في الأفضلية الستة الباقية تمام العشرة المبشرين بالجنة وهم طلحة بن عبد الله والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وأبو عبيدة عامر بن الجراح ﵃ ولم يرد نص بتفاوت بعضهم على بعض في الأفضلية فلا نقول به لعدم التوقيف وتخصيص هؤلاء العشرة بالجنة لكونهم جمعوا في حديث مشهور أخرجه الترمذي وبن

стр. 723

حيان ثم يلي رتبة الستة في الأفضلية أهل بدر لحديث أخرجه الحاكم عن أبي هريرة ﵁ قال ﷺ أن الله أطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم. ثم يلي رتبة أهل غزوة بدر الصحابة الذين غزوا أحد ثم يليهم أهل بيعة الرضوان ثم بقية الصحابة أهل القرن الأول ثم يليهم في الأفضلية أهل القرن الثاني ثم أهل القرن الثالث لحديث البخاري ومسلم عن عمر أن أبن حصين وبن مسعود ﵄ قال ﷺ خير الناس قرنى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم. يتبع

стр. 724

الخط العربي لا يرتاب أحد في أن الكتابة من أرف الصنائع وأسماها قدراً وأعظمها منفعة وأتمها فائدة إذ بها جمعت العلوم ودونت الأحكام وقيدت الحكمة وضبطت أخبار الأولين ووقائعهم ولولا الكتابة ما انتظمت شؤون العلوم ولا اتسعت دائرة المعارف والفنون الكتابة حافظة على الإنسان حاجته ومقيدة لها عن النسيان ومبلغة ضمائر النفس إلى البعيد الغائب ومخلدة نتائج الأفكار والعلوم في الصحف ورافعة رتب الوجود للمعالي فهي القطب الذي يدور عليه نظام الاجتماع البشري والأس الذي ترتكز عليه دعائم مصالحه وكفى الكتابة شرفاً أن الله تعالى أقسم بالقلم وما سطر به وأمتن على الإنسان بتعليمه الكتابة فقال سبحانه (اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم) وقد تقرر لدى العمران أن الكتابة أشرف وأنفع من النطق لأن ما تثبته الأقلام باق مع بقايا الأيام وما ينطق به اللسان تدرسه السنون والأعوام مدعين أن قوام الذين والدنيا بسيئين السيف والقلم لكن رتبة السيف تحت رتبة القلم قال الشاعر: كذا قضى الله للأقلام مذ بريت ... إن السيوف لها مذ أرهفت خدم كانت كتابات الأمم كما في ابن خلدون اثنتي عشر كتابة وهي الفارسية والحميرية والعربية واليونانية والسريانية والعبرانية والرومية والقبطية والبربرية والأندلسية والهندية والصينية وقد انقرض بعض هذه اللغات بانقراض من يتكلم بها. أول من خط بالعربي مر أمر ابن مرة وكان يسكن الأنبار ومن الأنبار انتشرت الكتابة في العرب والذي نقل الكتابة من الأنبار إلى الحجاز حرب بن أمية جد الملوك الأموية إلا ن الخط العربي لأول الإسلام كان غير بالغ إلى الغاية من الأحكام والاتقان والإجادة ولا إلى التوسط لمكان العرب من البداوة وبعدهم عن الصنائع قال ابن خلدون واعلم أن الخط ليس بكمال في حقهم إذ الخط من جملة الصنائع المدنية المعاشية والكمال في الصنايع إضافي وليس بكمال مطلق إذ لا يعود نقصه على الذات في الدين ولا في الخلال وإنما يعود على أسباب المعاش وبحسب العمران والتعاون عليه لأجل دلالته على مافي النفوس إلى أن قال ثم لما جاء الملك للعرب وفتحوا الأمصار وملوا الممالك ونزلوا البصرة والكوفة واحتاجت الدولة إلى الكتابة استعملوا الخط وطلبوا صناعته وتعلمه وتداولوه فترقت الإجادة فيه واستحكم وبلغ في الكوفة والبصرة رتبة من الإتقان. وذكر المؤرخون أن تحسين الخط العربي في الإسلام كان في زمن بني أمية وكان أول

стр. 725

خطاط في ذلك العهد رجل يدعى (قطبه) وكان أكتب الناس في عصره ثم جاء بعده الضحاك بن عجلان الكاتب في أول خلافة بني العباس فزاد على قطبه. وكان حسن الخط في صدر الإسلام مختصاً بكتابة المصاحف وأول من كتب المصاحف في الصدر الأول مع حسن الحظ خالد بن أبي هياج كان يكتب المصاحف والشعر والأخبار للوليد ابن عبد الملك ثم مالك بن دينار وكان لخطوط المصاحف أنواع منها المكي والمدني والبصري والكوفي والمثلث والمدور والمحقق وهو العراقي والسجلي والأصفهاني ولم يزل الناس يكتبون بهذه الخطوط وبالخط العراقي إلى أيام المأمون فأخذ كتابه وأصحابه بتجويد خطوطهم فتفاخر الناس في ذلك وظهر رجل من صنائع البرامكة يعرف (بالأحول المحرر) عارف بمعاني الخط وأشكاله فتكلم على رسومه وقوانينه وجعله أنواعاً وكان يحرر النافذة من السلطان إلى ملوك الأطراف فرتب الأقلام وضم إليها أقلاماً أحدثها. منها قلم الأمانات والقلم المدمج والقلم المرصع والقلم النساخ ثم أتى بعده الفضل بن سهل فاخترع قلما هو أحسن الأقلام يعرف (بالرياسي) ثم ظهر بعده جملة من الخطاطين إلى أن انتهى حسن الخط للوزير أبي علي بن مقلة وزير المقتدر بالله العباسي وهو أول من نقل الخط الكوفي إلى خط النسخ وأبرزه في الصورة المعروفة اليوم ثم جاء بعده أبو الحسن بن هلال المعروف بابن البواب فهذب هذه الطريقة ونقحها وكساها طلاوة وبهجة كما ذكره ابن خلكان حتى قال في ترجمته لم يوجد في المتقدمين ولا المتأخرين من كثب مثله ولا قار به ثم انتقل حسن الخط بعده إلى جمال الدين ياقوت المستعصي مولى المستعصم العباسي وطار صيته في أنحاء البسيطة وكتب المصاحف الكثيرة. قيل بلغت ألفاً وواحداً وقد كتب لابن سينا نسخة من الشفاء في مجلد واحد وأهداه إلى الشاه (محمد طقلق) أحد ملوك الهند فأنعم عليه بألف مثقال من الذهب ويروى أن القطب الكبير سيدنا عبد القادر الجيلاني ﵁ كان يجل ياقوتاً ويثني عليه ويقول أن في يده سراً من أسرار الله. ومازال الخط من ذلك العهد يزداد حسناً وجودة مع الاعتناء بشأنه وضبط قواعده وتنوع أساليبه إلى أن انتهى إلى جماعة من الخطاطين اشتهروا بالمهارة وكمال الاتقان وخلد لهم التاريخ ذكراً حسناً أشهرهم الحافظ عثمان رحمه الله تعالى وهو الذي فاق من تقدمه في حسن الخط وحاز قصبات البنى في مضمار هذه الصناعة بشهادة من كانوا معاصرين له

стр. 726

من الأساتذة المشهود لهم بكمال المعرفة وكانت له مكانة سامية عند السلطان مصطفى خان الثاني العثماني حتى روي أنه كتب خمسة وعشرين مصحفاً ماعدا الأجزاء المتفرقة ثم خلفه كثير من الأساتذة فسبحان من علم الإنسان ما لم يعلم وميزه على كثير ممن خلق بما تفضل به عليه وتكرم. وهنا يحمل بنا أن نذكر ما يؤيد وجود الكتابة في العرب ومعرفتهم بها نقلاً عن كتاب (بلوغ الأرب في أحوال العرب) باختصار فمن ذلك ما استلموه في لغتهم من الألفاظ الموضوعة لآلات الكتابة والكتَّاب إذ لو لم يعرفوها لم يضعوا تلك الألفاظ لمعانيها كقولهم (الدواة) وجمعها دوى ودويات (والليقة) اسم القطن أو الصوف الذي يلصق به المداد وهو من قولك لاق به الشيء يليق إذا ألصق به وسمي المداد (مداداً) لأنه يمد الكاتب. ومددت الدواة جعلت فيها المداد والمدة بالفتح غمس القلم في الدواة مرة للكتابة. وقد خثرت الدواة خثوراً إذا ثخن نقسها وهو المداد يقال له (نقس وانقاس) والقلم قبل أن تبريه يقال له أنبوبة فإذا بريته فهو قلم وما يسقط منه عند البري يسمى (بالبراية) وأنقت القلم حددت طرفه وشباته حدة. وقططته قطً والمقط مايقط عليه، والقط القطع عرضاً، والقدان يقطع الشيء طويلاً ويقولون قلم رشاش وذلك إذا حاف الشق على أحد جانبيه فدق وتعثر (أي كبا) بشظايا الكتاب (أي بأعصابه) ورشتش المداد، وتقول حقي القلم من كثرة الكتابة (أي رق) وتقول كتبت كتاباً وهو مصدر وإنما يطلق على المكتوب على السعة والكتابة صنعة الكاتب والطرس الكتاب الممحو الذي يستطاع أن تعاد فيه الكتابة أو الصحيفة التي محيت ثم كتبت والتطريس إعادة الكتابة على المكتوب وطرَّس الكتاب سوده والطلس باللام الصحيفة أو كتاب لم ينعم محوه فيصير طرساً وأنمجت نقطة من القلم ترششت ومجمج الكتاب ثيجه ولم يبين حروفه والتثبيج تعمية الخط وترك بيانه والصحف ما كان من جلود والقطا الصك وكتاب المحاسبة والمجلة صحيفة كانوا يكتبون فيها الحكمة قال النابغة: مجلتهم ذات الآلة ودينهم ... قويم به يرجون خير العواقب والعهدة كتاب الشراء وهي وثيقة المتابعين وكتب له منشوراً يشد ورجعة الكتاب ورجعانه جوابه ويقال أجابه في هامشة كتابه إذا كتب بين السطرين وهو من قولك تهامش القوم إذا دخل بعضهم في بعض وهمش الجراد إذا تحرك ليثور وتقول نقطت الكتاب وأعجمته

стр. 727

وشكلته وقيدته وهذا كتاب غفل كقولك دابة غفل إذ لم يكن موسوماً والسجل كتاب العهد وتقول أمليت الكتاب وأمللته واستملة إذا سأل الإملاء والزبور والرقيم الكتاب وزبرت ورقمت كتبت وقرمطت قاربت بين الحروف مأخوذ من القرمطة وهي دقة الكتابة وسحيت الكتاب سحياً إذا قلعت منه سحاية وهي القشرة تأخذها عن القرطاس وخزمته ثقبته وحزمته شددته ويقال تربت الكتاب وأتربته وتربته وختمته ومنونته وأرخته تاريخاً وهذه إضبارة من كتب أي حزمة منها وإضمامة والكراسة ما تكرست أوراقه وتلبدت واحدة الكراس والكراريس وهي الجزء من الصحيفة والمصحف سمي مصحفاً لأنه أصحف أي جعل جامعاً للصحف المكتوبة بين الدفتين وهما اللوحان اللذان يكتنفانه وله الغلاف وفيه العروتان والمحبرة والحبرية التي فيها الحبر وهو الزاج والرشق صوت القلم وحصرم القلم براه والمرقم كمنبر هو القلم ومثل ذلك بكثير في كتب اللغة والأدب مما يرشدك إلى أم الكتابة كانت منتشرة في العرب بدليل استعمال ما تقدم من الألفاظ الموضوعة لآلات الكتابة وما يتعلق بهذه الصناعة ولم يكن للعرب القرطاس المعهود اليوم بل كان عندهم كل ما يمكن أن يكتب عليه كالرق وربما كانوا يكتبون على العُسب والجريد وماشاكل ذلك وإنما حدث الكاغد (القرطاس) في زمن الملوك العباسية بإشارة الفضل بن يحيى زوكتب فيه رسائل السلطان وصكوكه واتخذه الناس من بعده صحفاً لمكتوباتهم العلمية والسلطانية وبلغت الإجادةة في صناعته ما شاءت كما بسطه ابن خلدون في مقدمته والله أعلم.

стр. 728

دليل نبوة سيدنا محمد ﷺ من مقال للكاتب الشهير محمد قريد بك وجدي قال كارلايل الفيلسوف الإنكليزي الشهير الذي يعد أكبر الإنكليز بعد شكسبير (توفي سنة ١٨٨١) م قال في إقامة الدليل على نبوة محمد ﷺ في كتابه الأبطال وديانة الأبطال ما معناه: (لو جاءك رجل فادعى لك أنه بناءً فماذا تطلب من الأدلة على زعمه ذلك أكثر من أن بيني ذلك بيتاً مشيد الدعائم ثابت الأركان. ثم ماذا كنت قائلاً لو بني ذلك البيت من السعة بحيث يسع نحو مائة وثلاثين مليوناً من الأنفس ويعيش جديداً متيناً نحو ثلاثة عشر قرناً) هذا المثل نضربه لمحمد النبي العربي الذي قال أنه نبي ثم قرن مقالته هذه بتأسيس دين متين دخل فيه الناس أفواجاً ومازالوا متمسكين به اليوم تمسكاً لا يوجد له نظير في الأمم الأخرى. فإن زعم زاعم بان ذلك دين باطل فنجيبه بأن الباطل مثله كمثل أوراق البنك الزائفة تمر من يد ويدين ولكنها لا تكاد تمر في اليد الثالثة حتى تضبط وتعرف أنها زائفة فلا يقع في أحبولتها أحد هكذا عهدنا حال الأباطيل في هذا النوع الإنساني. وهذا الإسلام قد مضى عليه كل هذا الزمان وتولته رجال من كبار العقول أحقابا بعد أحقاب ولم يزل موضع الإجلال والإعظام إلى اليوم. أليس في هذا ما يدل على أنه حق؟ هذا معنى قول (كارلايل) في الفصل الذي خصصه للنبي ﷺ من كتابه ذلك وهو قول جدير بالروية لمن ألقى السمع وهو شهيد. كل الناس يعلمون أن محمداً ﷺ ظهر في أمة العرب وحده معلناً قومه بأنه أرسل إلى الناس كافة بدين الله الذي هو الإسلام دين الفطرة وكل الناس يعلمون أنه أوذي واضطهد هو ومن تبعه نحواً من ثلاثة عشرة سنة بمكة ثم هاجر إلى المدينة وهناك وجد أنصاراً قاتل بهم من قاتلهم حتى خضد شوكتهم وثلم حدهم وانتهى الأمر بجزيرة العرب كلها إلى الإسلام. وكل الناس يعلمون أنه كان وهو صاحب الكلمة العليا ومالك ناصية الأمة بحذافيرها الزهد والعبودية والبعد عن حطام الدنيا كما كان أيام كانوا يرمونه بالحجارة ويستهزؤن به في النوادي. وكل الناس يعلمون أنه لما اشتد أذى الكافرين وثقلت وطأتهم على المؤمنين حتى

стр. 729

كان الرجل لا يعبد الله وهو مطمئن. أنزل الله على رسوله قوله تعالى (وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات يستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم آمناً يعبدونني لايشركون بي شيئاً) وكل الناس يعلمون أن هذا الوعد الإلهي تحقق وصار العرب خلفاء الأرض وبلغوا من الملك ما لم تبلغه أمة قبلهم. هذه حادثة اجتماعية تحتاج إلى تعليل مقبول تطمئن إليه النفس وليس أمامنا إلا أحد فرضين وهما إما التسليم بأن محمداً ﷺ رسول الله حقيقة أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وقد أنجز وعده ونصر عبده وأعز جنده وإما فرض أنه ليس برسول وأنه وصل إلى ما وصل إليه بالتدبير وحسن السياسة. إن مال مائل إلى الفرض الثاني ناقشناه المسألة وقلنا ينبني على أنه ليس برسول جملة أمور (أولاً) أنه مدعي النبوة كذباً (ثانياً) أنه تظاهر بما كان متصفاً به من الأخلاق والعبادة رياءً وانه استطاع أن يثبت على هذا الرياء طول حياته (ثالثاً) أنه استطاع أن يخفي حاله ذلك على كل أحد حتى أخص أصحابه وأخص نسائه (رابعاً) أن الله أيده ونصره وجعل كلمته العليا مع اتصافه بهذا الحال (خامساً) أنه مع اتصافه بهذا الحال أتى بعمل فاق كل المرسلين فإنه ليس في تاريخ الأنبياء انقلاب نشأ من بعثته رسول كالانقلاب الذي أحدثته البعثة المحمدية (سادساً) أن الأمة العربية من الغباوة بالمكان الأسفل (سابعاً) أنه مدع لكنه أتى بما أتى به المرسلون من الكمالات - لنفحص هذه الوجوه السبعة وجهاً وجهاً فنقول: أما فرض ادعائه النبوة كذباً فلا يثبت أمام النقد. لأن النبوة أمر خطير وشأن جليل لا يقدم على ادعائه زوراًَ وبهتاناً إلا رجل مطبوع القلب فاسد الفطرة سيء النية جريء على الله ومن كان كذلك كان حياته سلسلة جرائم وشبكة مآثم بعيدة عن الخير في كافة وجوهها مصروفة عن الفضيلة بسائر ضروبها فهل كان محمد ﷺ في باكورة حياته من هذا الصنف من الناس أما شهد تاريخه بأنه كان من مكارم الأخلاق وطهارة الخلال قبل النبوة بحيث سماه معاصروه بالأمين لم تحفظ عليه جريمة ولم تعرف عنه خصلة ذميمة: ومن كانت حياته الأولى طهراً وصفاته غراً فكيف ينقلب بعد الأربعين إلى ضدها أو ترتكس طبيعته إلى نقيضها هل تبدلت سنة الخليقة، هل تحولت نواميس الطبيعة.

стр. 730

أما فرض أنه كان متظاهراً بتلك الخلال الكريمة والصفات القويمة رياءً فأوهى أمام الامتحان من الفرض الأول. لأن الرياء صفة النفوس المنحطة وديدن أصحاب القلوب الخوارة وهي خصلة عالية وصبغة ظاهرية إن استترت حيناً انكشفت بعده لا محالة بطبيعتها لأن الرياء لما كان حبالة لصيد أو وسيلة لكيد فهو ثوب مستعار تنفعل له النفس انفعالاً ما دام فيها أمل للوصول إليه ويكون شأنه كشأن سائر الصفات العارية من التلاشي أمام العوارض الفجائية والزوال أمام المخاوف الطاءرة! فصاحب هذا الحال يكون دائماً مضطرباً مذبذباً يكاد يظن أن نفسه تنم عليه! ثم إن حوادث الحياة وطوارق الحدثان وماجريات الأحوال كاشفات للغش فاضحات للتدليس فلا تجد مرائياً بالزهد أو بالشجاعة أو بالكرم إلا وقد فضح أشنع فضيحة أمام الناس لا سيما إن كان متعرضاً للحوادث يعالجها أو متصدياً للخلائق يكافحها! ومن أبعد الفروض عن العقل أن يدعي مدع إمكان الثبات على مثل هذا الرياء حياة بأكملها لأن المراآة لا تكون إلا نيل غرض فإن حصل ذلك الغرض عاجلاً أو آجلاً ضعفت المراآة وشفت عما وراءها من التمويه لأن نفس المرائي لا تكون عادة إلا نفساً منحطة سافلة يستطيرها بارق الأمل ويزدهيبها ظاهر النجاح فتفتضح سنة الله في خلقه ليتميز الحق من الباطل. أما الفرض الثالث وهو أنه استطاع أن يكتم رياءه على أخص أصحابه ونسائه. فهذا الفرض أضعف أمام التمحيص من سابقيه لأن تاريخه دلنا أن كل صاحب أصحابه مثله فمن كانوا من أصحاب التدليس يكون لهم أخصاء على شاكلتهم يعاونونهم على نيل بغيتهم ويشاطرونهم المغنم من فضلتهم وقد دل تاريخ رسول الله ﷺ على أن أخص أصحابه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي كانوا على شاكلته من الزهد في الدنيا والبعد عن زخارفها وقد تولوا الخلافة بعده بانتخاب الأمة لهم فلم تفتنهم السلطة ولم تستخفهم أبهة الملك وما كانوا إلا خدماً لمن تولوا شأنهم يلبسون أقل مما يلبسون ويأكلون أدنى مما يأكلون، يبيتون ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من ربهم ورضواناً. وها هن أزواجه ﷺ أمهات المؤمنين كن أمثلة كمال وفضيلة وعلى غاية من الزهد والصلاح حتى لحقن به طاهرات تقيات فما هذا الرياء الذي يبلغ هذا المبلغ وما هي الفضيلة بعد ذلك؟. أما فرض أن الله أيده ونصره مع اتصافه بهذه الصفات فهو أوهن من كل الوجوه التي

стр. 731

مرت! ومتى عهد أن الله يؤيد المرائين المفترين ويمكنهم من التسلط على قلوب العالم عامتهم وخاصتهم لا سيما وهم منتحلون لقب النبوة وواسمون أنفسهم بسيماء الرسالة وهي أكبر حوادث الوجود الإنساني خطارة. إذا ساغ لإنسان أن يفرض هذا الفرض فقد اتهم عدالة الله تهمة يستوجب عليها التعزير الكبير وأساء النظر في النواميس الاجتماعية كل الإساءة ودل على مقدار غفلته عن نظام الكون ونظام التهيئات الاجتماعية وإذا ساغ لأحد أن يفرض هذا الفرض فقد شك في سائر الديانات لأن الخالق إن أيد الباطل لهذه الدرجة فلا يبعد أن تكون سائر الديانات السابقة باطلة ولكن المعروف من رحمة الله ومن أحوال الكون بما لا شبهة معه أن الله عدو المبطلين المفترين وأن ملائكته والوجود وما فيه أعداء ألداء لهم بل أن نظام الكون وما أودع الله فيه من علائق مرتبة بين العلل والمعلولات وبين الأسباب والمسببات يأبى أن ينجح المبطلون أو يفوز المفترون والمدلسون! ذلك لأن التدليس والافتراء وما شاكلهما صفات منحطة لا تناسب إلا النفوس الساقطة ولا يمكن أن تكون النفوس الساقطة طليعة للانقلابات المرقية بوجه من الوجوه! وقد نقل المسيحيون فيما نقلوه من أقوال عيسى ﵇ في الإنجيل أنه لما قال لهم سيظهر بعدي أنبياء كذبة فاحذروهم - أن بعضهم سأله بأي علامة نميزهم فقال علامتهم أن الله لا يؤيدهم فما قولك فيمن أيده الله ونصره وأعلا كلمته وأظهر دينه على الدين كله؟. أما فرض أنه مع اتصافه بذلك يأتي بأعمال تفوق ما عمله المرسلون فعجيب جداً لأنه لو تجاسر إنسان وفرض أن الله ربما ساعد المفترين المدلسين فهل يعقل أن يساعدهم حتى يأتوا بما يفوقون به سائر الأنبياء والمرسلين. وهذا هو التاريخ أمامنا ناطق بأن ما أتاه محمد صلى الله تعالى عليه وسلم في مدى ثلاث وعشرين سنة من أول رسالته إلى يوم وفاته من هدم الوثنية من جزيرة العرب بأسرها وتأسيس أمة حية ركينة الرابطة قامت بأجل عمل في العالم مما لم يتسن مثله لأي رسول سابق فهل يتصور أن الله يأخذ بيد المفترين حتى يعلو بهم على الأنبياء والمرسلين. متى عهدنا أن الله تعالى يعلي شأن الرذيلة ويحط قدر الفضيلة بل متى عهدنا أن الله يرفع التدليس على النبوة. أما فرض أن الأمة كانت من الغباوة بالمكان الأسفل حتى راج فيها كل هذا التدليس فمن

стр. 732

الفروض الساذجة فإن التاريخ دلنا على أن رسول الله ﷺ لبث بين ظهراني مكة نحواً من ثلاث عشرة سنة وهو يدعوهم إلى الله فلم يقبل الدعوة منهم إلا نفل قليلون وكان الباقون من تسلط الشك عليه بحيث يقولون كما حكى الله عنهم (وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا) إلى قوله عز اسمه (أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه) الآية، وقد كانوا من شدة الشكيمة والبعد عن العقيدة وتمكن الشك من قلوبهم بحيث قال الله عنهم (ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون). أما الفرض السادس وهو أنه مدعٍ وجاء بما جاء به النبيون من الكمالات والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة العبادات فمن الفروض التي لا تثبت أمام النقد فإنه قلب لسنة الكون. إذ كيف يفرض أنه مفتر ثم ينتظر منه الإتيان بشريعة تعد أعدل شريعة ظهرت في الوجود لاشتمالها على أصول العدالة واحتوائها على روح القسط. متى عهدنا القلوب السافلة والنفوس المنحطة مصدراً لأمثال الشرائع الكاملة والقوانين الفاضلة التي ترقي الأمم وتحفظ كيانها. هذه فروض يقتضيها زعم من يتجاسر فيزعم أن محمداً ﷺ ليس برسول وقد أريناك مكانها من العلم فلم يبق أمامنا إلا الفرض الأول وهو أنه رسول رب العالمين وإمام الأنبياء الصالحين وخاتم رسل الله المخلصين وأنه أرسل رحمة للعالمين، بكتاب من عند الله مبين سيكون كتاب الناس أجمعين ولتعلمن نبأه بعد حين. (فريد وجدي)

стр. 733

حكم أخلاقية جاءنا من حضرة العالم الفاضل التقي الشيخ عارف أفندي المحملجي قصيدة أخلاقية غراء نقتطف منها ما يأتي، قال في مطلعها: افتتح الظلم يا إلهي ... بما به كتبك افتتحت فاجعلني من حامديك علّي ... أحمدك دوماً كما حمدت وصل ربي عَلَى نبي ال ... هدى وسلم ما دمت أنت إلى أن قال: لا يدرك المجد بالأماني ... ولا الدعاوي كما زعمت فاترك جميع الغرور واعمل ... يا صاح فيما له خلقت واسلك سبيل التقى وانصف ... ولا تحم حول ما جهلت واصحب أهيل النهى ولازم ... ودادهم إن بهم ظفرت فهم أولوا الفضل ليس يشقى ... جليسهم يا من اعترفت واضرع إلى الله وارفع ... أكف ذل إذا دعوت واخضع وكن راضياً مطيعاً ... لأمره مثل ما أمرت وانته عما نهاك عنه ... ومنها فاسمع إذا تلوت ولا تمل للسوى وأكثر ... من خوفه كلما دنوت وقف على بابه حزيناً ... تصر أميناً إذا دهلت واشكره دوماً يزدك براً ... واذكره سراً وإن جهرت وراقب الوقت والتجلي ... واصبر تر الخير إن صبرت فالوقت سيف يقطعك عنه ... يا حبذاً إن له قطعت وصل حبال الوداد حتى ... تفوز بالأنس إن وصلت وعانق الصمت والتأني ... ورافق الجوع إن سهرت ووافق القوم ما استقاموا ... ولا تنافق إذا صحبت ومر بعرف لا تخش لوماً ... عن منكر فإنهَ إن رأيت ولا تسكتن في الحالتين ... فيسخط الله إن سكت يسر ولشر سدد وقارب ... وجانب الناس ما استطعت

стр. 734

ألا لأخذ العلوم عمن ... يكون أهلاً فيما حسبت وانهض لنيل العلى بحزم ... وجدد العزم إن سئمت وخالف النفس في هواها ... وفر منها إذا قدرت ولا تقاعد في المعالي ... ولا تباعد وإن حرمت ولا تقف في السلوك أصلاً ... فينتهي السير إن وقفت فكل فضل يعلوه فضل ... فاصعد إلى فوق ما ارتقيت وإن توالت عليك نعما ... ءه استزده مما وهبت فإن مولاك ذو نوال ... يجود فضلاً عليك حتى يغنيك عما سواه فيما ... يمن يامن له عرفت ودأبه الجود والعطايا ... وليس يرضاك إن بخلت فثق به دائماً وانفق ... يهبك من خير ما رزقت لا تشتغل بالعباد عنه ... وخف من الطرد إن شغلت وكن حليماً سمحاً كريماً ... وكن رحيماً بمن وليت وفه بخير مادمت حيا ... ولاحظ الشرع حيث كنت

стр. 735

العمامة في الإسلام ضمني وبعض الأصحاب مجلس تكلمنا فيه على العمامة وأنها سنة فقال بعض من حضر أنها ليست من السنة الشريفة فأحببت أن أنقل من السنة الشريفة ما يثبت سنيتها لعل الله ينفع به بعض الأخوان والله الهادي إلى سواء السبيل. فأقول الحمد لله العليم والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآلة وصحبه أجمعين أما بعد فإن العمامة سنة من سنن الإسلام. وقد جاء في التعمم أحاديث كثيرة منها ما أخرجه ابن أبي عاصم في كتاب الجهاد قال حدثنا أبو موسى حدثنا عثمان بن عمر عن الزبير بن جوان عن رجل من الأنصار قال جاء رجل إلى ابن عمر فقال يا أبا عبد الرحمن آلعمامة سنة فقال نعم قال رسول الله ﷺ لعبد الرحمن بن عوف اذهب فأسدل عليك ثيابك والبس سلاحك ففعل ثم أتى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقبض ما سدل بنفسه ثم عممه فسدل. وروى أبو نعيم في معرفة الصحابة من حديث عبد الأعلى ابن عدي أن رسول الله ﷺ دعا علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه يوم غدير (خم) فعممه وأرخى عذبة العمامة من خلفه ثم قال هكذا فاعتموا فإن العمائم سيماء الإسلام وهي الحاجز بين المسلمين ذكر هذين الحديثين الشريفين العيني في شرحه على البخاري في باب العمائم. وفي الجامع الصغير العمامة على القلنسوة فصل ما بيننا وبين المشركين يعطى يوم القيامة بكل كورة يدورها على رأسه نوراً أخرجه البارودي عن ركانة ونقل القسطلاني في باب العمائم أيضاً عن أبي داوود والترمذي عن ركانة رفعه فرق ما بيننا وبين المشركين العمائم وعن ابن عمر كان رسول الله ﷺ إذا اعتم سدل عمامته بين كتفيه رواه الترمذي وعند ابن أبي شيبة من حديث أن رسول الله ﷺ عمم عبد الرحمن بن عوف بعمامة سوداء من قطن وأفضل له من بين يديه مثل هذه. وفي رواية نافع عن ابن عمر قال عمم رسول الله ﷺ ابن عوف بعمامة وأرخاها من خلفه قدر أربع أصابع وقال هكذا فاعتم وفي حديث الحسن بن علي عند أبي داود أنه رأى النبي ﷺ على المنبر وعليه عمامة سوداء قد أرخى طرفها بين كتفيه وفي الترمذي عن ابن عمر ﵄ كان النبي ﷺ إذا اعتم سدل عمامته بين كتفيه. وهل ترخى من الجانب الأيسر أو الأيمن قال الحافظ الزين

стр. 736

العراقي المشروع من الأيسر ولم أر ما يدل على تعيين الأيمن إلا في حديث أبي أمامة بسند قد ضعف أه منه وقال الباجوري رحمه الله تعالى في شرحه على الشمائل في باب عمامة رسول الله ﷺ والعمامة سنة لاسيما للصلاة وبقصد التجمل لأخبار كثيرة فيها وتحصل السنة بكونها على الرأس أو على قلنسوة تحتها أه فمن تأمل في هذه الأحاديث الشريفة وعلم أحوال النبي ﵊ ومحافظته على العمامة وكيف عمم غيره وأمره بالتعمم على أن التعمم من السنة بل ربما يشعر بقوله صلى الله تعالى عليه وسلم (فرق ما بيننا وبين المشركين العمائم) بالوجوب ويكون لفظ السنة الوارد في كلام ابن عمر بمعنى الطريقة والله اعلم. وأما من شب على تقليد الأوروبيين في أزيائهم وأخلاقهم المنافية لآداب الدين الإسلامي فإنهم لا يبالون بكثير من السنة بل ولا بالفروض وإذا تربعوا في المجالس تكلموا بأشياء ليست من الدين ونسبوها إليه ويستدلون كثيراً بكتب التاريخ على بعض الأحكام الشرعية والحال أنه لا يستدل على الحكم الشرعي إلا بالكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس وما مقصدهم في هذا إلا التغرير بالعامة من الناس ولذلك تراهم يرمون علماء الإسلام بعدم التمدن تارة والتعصب تارة أخرى وما ذنبهم إلا اقتفاؤهم أثر الرسول ﵊ والانتصار للحق. نعم إن تعصبهم للحق لما يمدحوا عليه. وما ضر الأمة الإسلامية إلا عدم تمسكها بالآداب الدينية وعدم اتباع أوامر الله قال الله تعالى في كتابة العزيز (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) ولكن ما العمل بمن يحب اتباع الأهواء والانقياد لأوامر نفسه ووساوس شيطانه رحم الله البوصيري حيث قال: قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد ... وينكر الفم طعم الماء من سقم على أن المسئلة لو لم يكن فيها نص كان العقل يقضي علينا باتباع عادة قومنا وبلادنا والمحافظة على أزيائنا إذ لا يخفي ما في ذلك من تقوية الرابطة القومية. هؤلاء الغربيون يأتون بلادنا ويقيمون فيها محافظين على ملابسهم وأخلاقهم وعاداتهم وكنا نستبشع ملابسهم ولم يزل البعض منا يكره ذك منهم وهم لا يغيرون عادة بلادهم وقومهم وإن كانت مستقبحة في حد ذاتها وبالعكس بعض شبابنا أليس هذا شيء عجيب؟ وحيث ثبت أن العمامة سنة من سنن الإسلام فتركها مكروه ونسئل الله أن يلهمنا رشدنا وأن يوفقنا لاتباع أوامره

стр. 737

والمحافظة على التمسك بحبل شريعته والحمد لله رب العالمين. صلاح الدين الزعيم

стр. 738

حالتنا وفساد الأخلاق قلما ترى أحداً من العقلاء المفكرين غير شاكٍ مما آلت إليه حالة المسلمين اليوم من الضعف بعد القوة، والذلة بعد العزة، والضعة بعد الرفعة. وكلهم مجمعون على أنه لم يحل بهم ما حل من ضروب الهوان إلا لما طرأ عليهم من فساد الأخلاق والتهاون بأمر الدين، معتقدون أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم حسبما نطق به الكتاب العزيز. ولكن ماذا تجدي الشكوى وما يغني التذمر إذا كان ذلك لا يتجاوز أطراف اللسان ولا يظهر منه إلا الثرثرة والشقشقة والإغراق في بيان سوء الحالة التي وصلنا إليها والتكهن بالنتائج الفظيعة المهلكة. إنما الواجب على عقلاء المسلمين وعلمائهم وخاصتهم ومفكريهم أن يشخصوا الداء ويلتمسوا له الدواء الناجع وينهضوا بهذه الأمة إلى مستوى الأخلاق الفاضلة الكمالات الراقية ولا يتركوا وسيلة للوصول إلى هذه النتيجة السامية إلا استعملوها سواء كان بنصح الحكام ودلالتهم بالمعروف إلى طريق الخير ليسلكوها ومزالق الشر ليتجنبوها وحملهم على إزالة المنكرات الشرعية ومجازاة مرتكبيها أو بتأليف الجمعيات للوعظ والإرشاد وبيان ما طرأ على الدين من البدع التي كادت تشوه محاسنه وتضر بسمعته والحض على الاتفاق والوفاق ونبذ الشقاق وتوحيد المقاصد نحو ما يعلي شأن المسلمين في دينهم ودنياهم وأخلاقهم إلى غير ذلك. من ينكر أن المسلمين أضحوا في فقر وفاقة وتأخر في جميع مقومات الحياة عن جميع الأمم الناهضة. كانوا فيما سلف مثال الفضيلة والكمال والأخلاق العالية حتى تمكنوا في زمن غير طويل من القبض على أزمة أكثر الأمم في العالم فاطمئنوا لذلك وغفلوا عن تعهد ما به كانت رفعتهم وارتقاءهم وأهملوا واجبات دينهم فأخذهم الله بذنوبهم. فشا فيهم فساد الأخلاق فكثر الكذب وشاعت الخيانة وعم التحاقد والتباغض وتفرقت الكلمة وصارت منكرات الشرعغ القطعية من العادات المألوفة ولا رادع ولا زاجر. أضحى المسلمون من الضعف على حالة تذوب لها القلوب أسفاً، تراهم فرقاً واشياعاً لا جامعة تضمهم ولا عصبية تؤلف بين قلوبهم جعلوا بأسهم بينهم والأمم من ورائهم تبتلعهم

стр. 739

لقمة بعد أخرى وأمراؤهم وخاصتهم ركنوا إلى السكوت في كسر بيوتهم لا يتأمرون بمعروف ولا يتنافسون بفضيلة. وعليهم للأمة فروض يستغرق أداؤها أعمارهم وهم لا يؤدون منها شيئاً. وإذا أنفقوا أموالهم فعلى اللهو واللعب والشهوات البهيمية لا يدخل في حسابها شيء يعود بالمنفعة على الأمة والملة. إذا تذكر الإنسان ما حاق بالمسلمين في هذه السنوات الأخيرة من الرزايا والمصائب ثم رأى أنهم لا يزالون أحزاباً وشيعاً يتنافسون على غاياتهم وشهواتهم ويضحون في سبيل ذلك مصلحة الوطن واستقلاله لا يكاد يصدق أن هذا العالم من نسل أجدادهم العظام الذين كانوا يضحون كل مرتخص وغال من مصالحهم وأموالهم وأرواحهم في سبيل حفظ الدين وسلامة الوطن وذود الأغيار عنه. أعلنت دول البلقان الحرب على دولة الخلافة الإسلامية ظلماً وعدواناً وهي الدول التي بقيت زمناً طويلاً تحت رعاية الدولة العلية إلى أن نالت استقلالها التام تدريجياً وآخر ذلك كان عقيب إعلان الدستور منذ أربعة أعوام حيث رفعت بلغاريا سيادة الدولة العلية عنها. كان بين هذه الدول الصغيرة من الاختلاف لشدة تنافسها وتحاسدها ولتغايرها في الجنس واللغة فما زال يتقرب بعضها من بعض بسعي كبارهم وزعمائهم إلى أن عقدت الاتفاق على إضرام نار هذه الحرب الضروس الذين يريدون بها التهام قسم عظيم من أملاكنا. قلنا لما أعلن الحرب أن اتفاق هذه الدول مع ما قدمناه من وجوه الاختلاف بينهن سيكون أكبر باعث لنا على نبذ كل خلاف وتحزب ونسيان كل عداوة وشحناء والاجتماع يداً واحدة على قهر تلك الذئاب المفترسة. أليس نحن أحق بالاتفاق منهم؟ أليس ديننا واحداً؟ أليس وطننا واحداً؟ أليس خليفتنا واحداً؟ ألا يقول كتابنا الكريم (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) ألم يمتن الله علينا في محكم كتابه بقوله: (واذكروا إذ كنتم أعداء فآلف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته أخوانا). أعلن الحرب والأمة على مثل اليقين من أن هذه الحرب ستكون رافعة لشأننا مثبتة لعظمتنا لأن هذه الدويلات لا تجمع من الجنود مقدار ما تجمع دولتنا العلية فضلاً عن الصفات المعنوية التي امتاز بها الجندي العثماني في ميدان الكفاح فإنه ممتاز بالشجاعة والنجدة

стр. 740

والشهامة. فما زالت تعمل الغايات وتحوم حولها مصالح الأحزاب حتى دخل العدو أرضنا واستولى على كثير من مدننا. فاللهم ألهم خاصنتا وأمراءنا أن يعرفوا أنهم مدينون بحقوق عظيمة للأمة وأن يقتصدوا في حب الذات فلا يحتقروا في سبيل هذه المحبة كل ما تتنافس أصحاب العقول المستنيرة في الحصول عليه. وعليهم أن يعلموا أن لهذا اليوم ما بعده فليس ثمة إلا الحياة أو الفناء فإن لم نتناس الأحقاد والضغائن ونستعين جميعاً بالله على حماية أوطانا وحفظ ذمارنا وصيانة استقلالنا حق علينا كلمة الفناء والعياذ بالله تعالى. أيحسن بالمسلمين الذين جعلهم الله خير أمة أخرجت للناس وكانوا في جميع أدوار حياتهم آية في الشهامة والمروءة والشجاعة حتى كانوا ينصرون بالرعب يقذفه الله في قلوب أعدائهم فينهزمون بجيش الرهبة قبل أن يشيموا لمعان الأسنة وبريق السيوف. أيليق بهم وتلك صفاتهم أن تلين قناتهم وتخضد شوكتهم وتصير أعداؤهم على أبواب عاصمة خلافتهم وهم على ما هم عليه من تفرق الكلمة وفساد الأخلاق والاشتغال بالخصوصيات. أما آن لهم أن يتوبوا من ذنبهم ويرجعوا إلى ربهم ويتناسوا أحقادهم؟ ويجتمعوا على ما فيه مصلحتهم وحفظ دينهم ووطنهم واستقلالهم ليبرهنوا على أنهم نسل أولئك الأسلاف الذين تطأطيء لهم الرؤوس إجلالاً كلما ذكرت أعمالهم الجليلة وآثارهم الباقية. اللهم خذ بيد هذه الأمة إلى ما فيه صلاحها واصرف عنها كيد الكافرين إنك بالمؤمنين لطيف رحيم.
следующие страницы →