Полный текст (1 077 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
العراقي المشروع من الأيسر ولم أر ما يدل على تعيين الأيمن إلا في حديث أبي أمامة بسند قد ضعف أه منه وقال الباجوري رحمه الله تعالى في شرحه على الشمائل في باب عمامة رسول الله ﷺ والعمامة سنة لاسيما للصلاة وبقصد التجمل لأخبار كثيرة فيها وتحصل السنة بكونها على الرأس أو على قلنسوة تحتها أه فمن تأمل في هذه الأحاديث الشريفة وعلم أحوال النبي ﵊ ومحافظته على العمامة وكيف عمم غيره وأمره بالتعمم على أن التعمم من السنة بل ربما يشعر بقوله صلى الله تعالى عليه وسلم (فرق ما بيننا وبين المشركين العمائم) بالوجوب ويكون لفظ السنة الوارد في كلام ابن عمر بمعنى الطريقة والله اعلم.
وأما من شب على تقليد الأوروبيين في أزيائهم وأخلاقهم المنافية لآداب الدين الإسلامي فإنهم لا يبالون بكثير من السنة بل ولا بالفروض وإذا تربعوا في المجالس تكلموا بأشياء ليست من الدين ونسبوها إليه ويستدلون كثيراً بكتب التاريخ على بعض الأحكام الشرعية والحال أنه لا يستدل على الحكم الشرعي إلا بالكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس وما مقصدهم في هذا إلا التغرير بالعامة من الناس ولذلك تراهم يرمون علماء الإسلام بعدم التمدن تارة والتعصب تارة أخرى وما ذنبهم إلا اقتفاؤهم أثر الرسول ﵊ والانتصار للحق. نعم إن تعصبهم للحق لما يمدحوا عليه.
وما ضر الأمة الإسلامية إلا عدم تمسكها بالآداب الدينية وعدم اتباع أوامر الله قال الله تعالى في كتابة العزيز (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) ولكن ما العمل بمن يحب اتباع الأهواء والانقياد لأوامر نفسه ووساوس شيطانه رحم الله البوصيري حيث قال:
قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد ... وينكر الفم طعم الماء من سقم
على أن المسئلة لو لم يكن فيها نص كان العقل يقضي علينا باتباع عادة قومنا وبلادنا والمحافظة على أزيائنا إذ لا يخفي ما في ذلك من تقوية الرابطة القومية. هؤلاء الغربيون يأتون بلادنا ويقيمون فيها محافظين على ملابسهم وأخلاقهم وعاداتهم وكنا نستبشع ملابسهم ولم يزل البعض منا يكره ذك منهم وهم لا يغيرون عادة بلادهم وقومهم وإن كانت مستقبحة في حد ذاتها وبالعكس بعض شبابنا أليس هذا شيء عجيب؟ وحيث ثبت أن العمامة سنة من سنن الإسلام فتركها مكروه ونسئل الله أن يلهمنا رشدنا وأن يوفقنا لاتباع أوامره
стр. 737
والمحافظة على التمسك بحبل شريعته والحمد لله رب العالمين.
صلاح الدين الزعيم
стр. 738
حالتنا وفساد الأخلاق
قلما ترى أحداً من العقلاء المفكرين غير شاكٍ مما آلت إليه حالة المسلمين اليوم من الضعف بعد القوة، والذلة بعد العزة، والضعة بعد الرفعة.
وكلهم مجمعون على أنه لم يحل بهم ما حل من ضروب الهوان إلا لما طرأ عليهم من فساد الأخلاق والتهاون بأمر الدين، معتقدون أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم حسبما نطق به الكتاب العزيز.
ولكن ماذا تجدي الشكوى وما يغني التذمر إذا كان ذلك لا يتجاوز أطراف اللسان ولا يظهر منه إلا الثرثرة والشقشقة والإغراق في بيان سوء الحالة التي وصلنا إليها والتكهن بالنتائج الفظيعة المهلكة.
إنما الواجب على عقلاء المسلمين وعلمائهم وخاصتهم ومفكريهم أن يشخصوا الداء ويلتمسوا له الدواء الناجع وينهضوا بهذه الأمة إلى مستوى الأخلاق الفاضلة الكمالات الراقية ولا يتركوا وسيلة للوصول إلى هذه النتيجة السامية إلا استعملوها سواء كان بنصح الحكام ودلالتهم بالمعروف إلى طريق الخير ليسلكوها ومزالق الشر ليتجنبوها وحملهم على إزالة المنكرات الشرعية ومجازاة مرتكبيها أو بتأليف الجمعيات للوعظ والإرشاد وبيان ما طرأ على الدين من البدع التي كادت تشوه محاسنه وتضر بسمعته والحض على الاتفاق والوفاق ونبذ الشقاق وتوحيد المقاصد نحو ما يعلي شأن المسلمين في دينهم ودنياهم وأخلاقهم إلى غير ذلك.
من ينكر أن المسلمين أضحوا في فقر وفاقة وتأخر في جميع مقومات الحياة عن جميع الأمم الناهضة.
كانوا فيما سلف مثال الفضيلة والكمال والأخلاق العالية حتى تمكنوا في زمن غير طويل من القبض على أزمة أكثر الأمم في العالم فاطمئنوا لذلك وغفلوا عن تعهد ما به كانت رفعتهم وارتقاءهم وأهملوا واجبات دينهم فأخذهم الله بذنوبهم.
فشا فيهم فساد الأخلاق فكثر الكذب وشاعت الخيانة وعم التحاقد والتباغض وتفرقت الكلمة وصارت منكرات الشرعغ القطعية من العادات المألوفة ولا رادع ولا زاجر.
أضحى المسلمون من الضعف على حالة تذوب لها القلوب أسفاً، تراهم فرقاً واشياعاً لا جامعة تضمهم ولا عصبية تؤلف بين قلوبهم جعلوا بأسهم بينهم والأمم من ورائهم تبتلعهم
стр. 739
لقمة بعد أخرى وأمراؤهم وخاصتهم ركنوا إلى السكوت في كسر بيوتهم لا يتأمرون بمعروف ولا يتنافسون بفضيلة.
وعليهم للأمة فروض يستغرق أداؤها أعمارهم وهم لا يؤدون منها شيئاً.
وإذا أنفقوا أموالهم فعلى اللهو واللعب والشهوات البهيمية لا يدخل في حسابها شيء يعود بالمنفعة على الأمة والملة.
إذا تذكر الإنسان ما حاق بالمسلمين في هذه السنوات الأخيرة من الرزايا والمصائب ثم رأى أنهم لا يزالون أحزاباً وشيعاً يتنافسون على غاياتهم وشهواتهم ويضحون في سبيل ذلك مصلحة الوطن واستقلاله لا يكاد يصدق أن هذا العالم من نسل أجدادهم العظام الذين كانوا يضحون كل مرتخص وغال من مصالحهم وأموالهم وأرواحهم في سبيل حفظ الدين وسلامة الوطن وذود الأغيار عنه.
أعلنت دول البلقان الحرب على دولة الخلافة الإسلامية ظلماً وعدواناً وهي الدول التي بقيت زمناً طويلاً تحت رعاية الدولة العلية إلى أن نالت استقلالها التام تدريجياً وآخر ذلك كان عقيب إعلان الدستور منذ أربعة أعوام حيث رفعت بلغاريا سيادة الدولة العلية عنها.
كان بين هذه الدول الصغيرة من الاختلاف لشدة تنافسها وتحاسدها ولتغايرها في الجنس واللغة فما زال يتقرب بعضها من بعض بسعي كبارهم وزعمائهم إلى أن عقدت الاتفاق على إضرام نار هذه الحرب الضروس الذين يريدون بها التهام قسم عظيم من أملاكنا.
قلنا لما أعلن الحرب أن اتفاق هذه الدول مع ما قدمناه من وجوه الاختلاف بينهن سيكون أكبر باعث لنا على نبذ كل خلاف وتحزب ونسيان كل عداوة وشحناء والاجتماع يداً واحدة على قهر تلك الذئاب المفترسة.
أليس نحن أحق بالاتفاق منهم؟ أليس ديننا واحداً؟ أليس وطننا واحداً؟ أليس خليفتنا واحداً؟ ألا يقول كتابنا الكريم (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) ألم يمتن الله علينا في محكم كتابه بقوله: (واذكروا إذ كنتم أعداء فآلف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته أخوانا).
أعلن الحرب والأمة على مثل اليقين من أن هذه الحرب ستكون رافعة لشأننا مثبتة لعظمتنا لأن هذه الدويلات لا تجمع من الجنود مقدار ما تجمع دولتنا العلية فضلاً عن الصفات المعنوية التي امتاز بها الجندي العثماني في ميدان الكفاح فإنه ممتاز بالشجاعة والنجدة
стр. 740
والشهامة.
فما زالت تعمل الغايات وتحوم حولها مصالح الأحزاب حتى دخل العدو أرضنا واستولى على كثير من مدننا. فاللهم ألهم خاصنتا وأمراءنا أن يعرفوا أنهم مدينون بحقوق عظيمة للأمة وأن يقتصدوا في حب الذات فلا يحتقروا في سبيل هذه المحبة كل ما تتنافس أصحاب العقول المستنيرة في الحصول عليه.
وعليهم أن يعلموا أن لهذا اليوم ما بعده فليس ثمة إلا الحياة أو الفناء فإن لم نتناس الأحقاد والضغائن ونستعين جميعاً بالله على حماية أوطانا وحفظ ذمارنا وصيانة استقلالنا حق علينا كلمة الفناء والعياذ بالله تعالى.
أيحسن بالمسلمين الذين جعلهم الله خير أمة أخرجت للناس وكانوا في جميع أدوار حياتهم آية في الشهامة والمروءة والشجاعة حتى كانوا ينصرون بالرعب يقذفه الله في قلوب أعدائهم فينهزمون بجيش الرهبة قبل أن يشيموا لمعان الأسنة وبريق السيوف.
أيليق بهم وتلك صفاتهم أن تلين قناتهم وتخضد شوكتهم وتصير أعداؤهم على أبواب عاصمة خلافتهم وهم على ما هم عليه من تفرق الكلمة وفساد الأخلاق والاشتغال بالخصوصيات.
أما آن لهم أن يتوبوا من ذنبهم ويرجعوا إلى ربهم ويتناسوا أحقادهم؟ ويجتمعوا على ما فيه مصلحتهم وحفظ دينهم ووطنهم واستقلالهم ليبرهنوا على أنهم نسل أولئك الأسلاف الذين تطأطيء لهم الرؤوس إجلالاً كلما ذكرت أعمالهم الجليلة وآثارهم الباقية.
اللهم خذ بيد هذه الأمة إلى ما فيه صلاحها واصرف عنها كيد الكافرين إنك بالمؤمنين لطيف رحيم.
стр. 741
خواطر
قرأنا في مجلة العثماني الغراء القصيدة الفريدةو فاقتطفنا منها ما يأتي حباً بالنفع والفائدة.
قال:
بله الحكيم وفاهت العجماء ... وتناولت لمم الأسود ظباء
ونما الهشيم فعاد يرجى ظله ... وذوى النضير وزالت الأفياء
وبكت على الأحياء أموات وقد ... حسدت ثرى أمواتها الأحياء
وتبذخ الهين الصغير فدكدت ... من دونه الكبراء والعظماء
والشمس أمست بالأهلة تهتدي ... والسحب قد رسبت وقام الماء
وغدا الطبيب يزيد داء مريضه ... جهلاً ويحتقر الدواء الداء
ودعا الفراش إلى الشموع سمندراً ... وتنزلت للهدهد العنقاء
وغدا الجراد يروع قلب سمرمر ... والذئب يفزع إذ يطن ثغاء
ومنها
والضب أصبح هادياً في سيره ... وشدا الغراب وعيفت الورقاء
وتفنن الأعمى فصار منجماً ... وتقاصرت في الرؤية الزرقاء
وتخوف التنين من مس الطلا ... وتشاءمت بالدلدل الغبراء
ومنها
والأثمد المعروف أعماه الهوى ... فلأي عين بعد ذلك جلاء
والخل أضحى ليس يعرف خله ... إلا إذا ارتبطت الأهواء
والزور روّق كأسه فصفى الهوى ... للشاربين وحفت الندماء
ومنها
والغش راجت حيث راحت سوقه ... فالعرض بيع رابح وشراء
والفحش ظل يزيد كل مهذب ... وتحسنت بقبولها الشنعاء
ومنها
والعجب عمّ فكل فرد معجب ... بالنفس راقت عنده الأسواء
وعدا العفاء على الوفاء فلم يذر ... رسماً لحدّ حدّه القدماء
والنسك هان فعاد يحذر قربه ... فكأن تحذر النهى إغراء
стр. 742
فالنقص فضل والسفاهة حكمة ... والكذب صدق والشقاء إخاء
فكأنما الأهواء دين منزل ... والغي فينا سنة غراءُ
دهر تساوى غثه وسمينه ... فالتبر فيه والتراب سواء
سفه الحليم كما رشيد قد غوى ... خان الأمين وخابت النصحاء
ألفت مقاصير النساء رجاله ... وعلت على همم الرجال نساءُ
وتنكست أعلامه فترفعت ... فوق الرؤوس الأخمص الدنياء
فكأنما تلك الحقائق بدّلت ... وتغيرت أرض لنا وسماء
خفض عليك أخا اليراع فإنما ... يشقى البليغ وتزدرى الحكماء
فاهن يراعك ما أطاعك عزه ... سيان فيها جهلة ودهاء
وليزه ذو جهل بما أملت له ... فاليوم حظ السافل العلياء
وليعترف خدن العلوم بجهله ... إن الجهالة ما حوى العلماء
فالناس بين تخلق وتملق ... عرجوا المعارج للحظوظ فباؤُا
стр. 743
لا حياة لنا ما دمنا واثقين بأوروبا
علم الناس أجمع خبر ذلك الحادث المؤلم الذي بوغتت به دولتنا العلية ونعني به إعلان حكومات البلقان الحرب عليها، تلك الحكومات الصغيرة التي لا تبلغ نفوسها العشرة ملايين والتي كانت منذ نيف وثلاثين سنة من جملة ولايات الدولة العلية كما سبق بيانه فما زالت تسعى وتدأب وأوربا من ورائها ظهيرة حتى نالت استقلالها ثم قامت اليوم متفقة تجمع الجموع لمناوأتنا، وتحشد الجيوش لمحاربتنا.
قامت الحرب على ساق وقدم، واشتد لهيبها، وتطاير شررها، واهتزت لها الأرض ومادت، وأصبحت الأمة العثمانية بأسرها مضطربة لهذا الخطر المدلهم تود أن تبذل آخر نقطة من دمها في سبيل المحافظة على شرفها ومركز حكومتها - وكثير من رجالنا يطمعون الناس برحمة أوروبا، وينتظرون رأفتها وعدلها.
لا يخجل أحدهم يوم يتشدق أمام فئة من أترابه بقوله - أن أوروبا مرضعة الحكمة، محيية المدنية الأصلية، مهذبة طبائع البشر - ولا من قوله - لم يعرف إلى الآن ماذا تكون خطة الدول العظمى إزاء هذه الحركة ولا بد أن تنصفنا تلك الحكومات الكبيرة لما أن أفكار عقلائها استنارت بالعلم الصحيح فنشأت على حب الإنصاف والعدالة والرحمة بالإنسان أياًَ كان - بخ بخ ما أدهش هذه الأفكار هذه الأفكار السامية، والعقول الراجحة، وما أعجب هذا الصفاء القلبي وتلك الأفئدة الطاهرة التي حملتكم أيها الأقوام على حسن الظن برجال أوروبا والثقة والطمأنينة بأبنائها.
إن منشأ هذا الارتياح، ومصدر هذا الإخلاص هو غرامكم الشديد بحبهم، وخضوعكم لهم خضوع المرؤوس لرئيسه، والوليد لوليه، خضوعاً وغروراً سحراً قلوبكم وأبصاركم، وجعلاكم ترون كل ما يصدر عن أوروبا غاية في الحسن، ومحض خير لبني البشر.
ترون أن خطة الدول العظمى إزاء هذه الحركة ستكون مبنية على قاعدة الإنصاف والعدالة - ألم يبلغكم أن الدول العظمى أعلنت قبل نشوب الحرب أن هذه الحرب مهما كانت نتيجتها لا يمكن أن تحدث أقل تأثير في البلقان ولا أن تغير شيئاً من شكلها الحاضر. ولما أن ظهر شيء من نجاح البلقانيين أخذت تأول قرارها الأول وما زالت حتى سحقته بأقدامها وجعلته في خبر كان وقررت فيما بينها موافقة حكومات البلقان على جواز التبسط في الأراضي العثمانية بحجة أنه ليس لأحد أن يمنع ظافراً من ظفره ولا غانماً من غنيمته على
стр. 744
شرط أن لا يخل ذلك بمصالحهن هناك. فإلى متى هذا الاغترار بأوروبا؟ ومتى ينتهي هذا الغرور برجالها؟ ألم يكفكم أيها الأقوام أنكم انسلختم عن عاداتكم، وهجرتم ما كان عليه أباؤكم، وتطرفتم إلى الآداب الدينية فحاربتموها، وإلى العوائد الإسلامية فقاومتموها، وزعمتم أن أوروبا ملقنة الخلق معنى الإخاء والحرية والمساواة ليعاشروا بالمعروف ويقوم نظام اجتماعهم على تبادل المنافع حتى لا يبقى تمييز في الحقوق والواجبات بين المختلفين في المواليد والديانات لم يكفكم ذلك كله لم يكفكم تربعكم في المناصب وتهافتكم على الوظائف وإسرافكم في الملذات، وتبذخكم في الشهوات، ومحاربتكم المنافع العامة في سبيل منافعكم الخاصة حتى صبغتم أنفسكم وأولادكم بصبغة أفرنجية ثم أتيتم إلى الناس تسقونهم من خمر تلك المدنية الغريبة، وتكرهونهم على أن يربوا أولادهم بتربيتهم، ويأخذونهم بعوائدهم، ويعلمونهم علومهم ولغاتهم حتى ينشئوا وقد تمكنت من قلوبهم وأخلاقهم وأميالهم وأضحوا يظاهرونهم لاتحادهم معهم لغة وعادات وأفكار. إلى متى أيها الأقوام تثقون بأوروبا وتحمدونها وتزعمون أن رجالها هم محبو السلم، وناشروا لوائه وهم أرباب الأخلاق والغيرة ومثال الصدق والعفة. غركم منهم أنهم يجهرون بحب الإنسانية وخدمتها. أنسيتم أساطيلهم؟ أجهلتم مدافعهم؟ أغفلتم عن إعدادهم المعدات الحربية والطيارات الجوية؟ أحسبتم أن ذلك كائن للحيوانات العجم؟ أم للأحجار الصم؟ كلا والله ثم كلا لم يكن ذلك إلا لقتل الإنسانية ونحرها وصب البلاء والويلات عليها. ويل لكم أتصدقون رجال أوروبا بأنهم نصراء الإنسانية المظلومة إذاً فلم تقتل الأطفال الرضّع والشيوخ الركع والنساء العجز في طرابلس الغرب وأوروبا واقفة لا تتحرك، أتصدقون بأن رجال أوروبا يرفقون بالبائسين والمساكين إذاً فلم تذبح المسلمون في مراكش ويهان الأشراف والعلماء في تونس وتسجن الأبرياء في مصر وأوروبا صامتة لا تتكلم. أتصدقون بأن رجال أوروبا يعطفون على الضعفاء والعاجزين ويأخذون بيد العاثرين إذاً فلماذا تقف دوارعهم في جزيرة كريد لتحرس أبناءها وتحفظ رجالها ومسيحيو الكريديين يذبحون المسلمين في عقر دورهم وفي وسط بيوتهم وفي رواجهم وغدوهم وهم ينظرون إليهم ويتغاضون عن أعمالهم أتصدقون بأن رجال أوروبا أهل وفاء وصدق إذاً لماذا نقضوا أكثر المعاهدات التي جرت بينهم وبين حكومتنا العلية. هذه معاهدة باريز التي عقدت في ٣٠ مارس سنة ١٨٥٦ بعد أن وقع عليها
стр. 745
من طرف فرنسا وانكلترا وسردينيا وألمانيا والروسيا وأصبحت حبراً على ورق. فقد جاء في المادة الأولى منها ما نصه:
في يوم تاريخ الإمضاء بقبول هذه المعاهدة الحاضرة يكون صلح ومودة بين كل من إمبراطور الفرنسيس وملكة المملكة المتحدة في بريطانيا الكبرى وأرلاندا وملك سردينيا وسلطان الدولة العثمانية من جهة ومن إمبراطور جميع الروسيا من جهة أخرى وكذا بين ورثتهم وخلفائهم ودولهم ورعاياهم على الدوام.
وفي المادة الثالثة ما نصه:
قد تعهد إمبراطور جميع الروسيا بأن يرد لسلطان الدولة العثمانية مدينة قارص وقلعتها وكذا سائر المواضع التي استولت عليها عساكر الروسيا وهي من ملحقات بلاد الدولة العثمانية.
وفي المادة السابعة ما نصه:
قد صدر إعلان وتصريح من لدن إمبراطور الفرنسينس وإمبراطور أوستريا وملكة بريطانيا العظمة وأرلاندا وملك بروسيا وإمبراطور الروسيا وملك سردينيا بأن للباب العالي اشتراكاً في فوائد الحقوق الأوروباوية العامة وغي منافع اتفاق أوروبا وقد تعهدوا بأن يحترموا استقلال السلطنة التركية وإبقاها تامة وتكفلوا جميعاً بالمحافظة على هذا التعهد وكل أمر يفضي إلى الإخلال بذلك يعتبرونه من المسائل التي يبنى عليها مصلحة عامة.
وفي المادة الثامنة ما نصه:
إذا حدث بين الباب العالي وإحدى الدول المتعاهدة خلاف خيف منه على اختلال الفهم وقطع صلتهم فمن قبل أن يعمد الباب وتلك الدولة المنازعة له إلى أعمال القوة والجبر بقيمان الدول الأخرى الداخلة في المعاهدة وسطاء بينهما منعاً لما يتأتى على ذلك الخلاف من الضرر.
وفي المادة التاسعة ما نصه:
سلطان الدولة العثمانية بخير رعاياه جميعاً قد تفضل بإصدار منشور غايته إصلاح ذات بينهم وتحسين أحوالهم بقطع النظر عن اختلافهم في الأديان والجنس وأخذ من ذمته مقصده الخيري نحو النصارى القاطنين في بلاده وحيث كان من رغبته أن يبدي الآن شهادة جديدة
стр. 746
على نيته في ذلك عزم على أن يطالع الدول المتعاهدة بذلك المنشور الصادر عن طيب نفس منه فتتلقى الدول المشار إليها هذه المطالعة بتأكيد مالها من النفع والفائدة ولكن المفهوم منها صريحاً أنها لا توجب حقاً لهذه الدول في أي حال كان على أن تتعرض كلاً أو بعضاً لما يتعلق بالسلطان ورعاياه أو بإدارة سلطنته الداخلية. فأين هذا مما نحن فيه؟ أين قولهم - ولكن المفهوم صريحاً أنها لا توجب حقاً لهذه الدول الخ في ادعائهم الحق الصريح الثابت في المداخلة عند سنوح كل فرصة؟ أين قولهم بأنهم يحترمون استقلال السلطنة وإبقاءها تامة وبأنهم تكفلوا جميعاً بالمحافظة على هذا التعهد الخ من اتفاقهم على الدولة وتغاضيهم بل مساعدتهم كل من يريد إيصال السوء إليها؟.
كل هذا يفعله رجال أوروبا خدمة للإنسانية، وطلباً لسلامة أملاك الدولة، فيطلبون كما قال أحد رصفائنا من الدولة أن تجري الإصلاحات في الداخلية لأجل سلامة أملاكها ويطلبون منها أن تمنح مقدونيا الاستقلال لأجل سلامة أملاكها. ويطلبون منها أن تعطي طرابلس الغرب لإيطاليا لأجل سلامة أملاكها. ويطلبون منها أن تجعل علىمقدونيا حاكماً مسيحياً لأجل سلامة أملاكها. ويطلبون منها أن ترضي حكومات البلقان لأجل سلامة أملاكها. ويطلبون منها أن تجعل مقدونيا تحت مراقبة أوروبية لأجل سلامة أملاكها، ويودن إخراجها من أوروبا لأجل سلامة أملاكها بل يتمنون زوالها بتاتاً لأجل سلامة أملاكها فبعد هذا أيها الأقوام تحبون أن نثق بأمانة أوروبا وصداقتها لدولتنا؟ أيسركم أن نعتقد أن أوروبا مهذبة العالم وما نحته المساواة يرضيكم أن نتربى بتربيتهم ونتزيا بأزيائهم ونتهافت على تعلم لغاتهم حتى نذوق طعم الحياة ونعرف معنى التمدنالويل كل الويل لنا إذاً.
إن ما عرف من أخلاقهم وغدرهم وختلهم لم يعرف قط في زمن من الأزمان لم يعرف ولا بأيام الجاهلية الجهلاء لم يعرف بقرن من القرون الماضية وهم مع كل هذا يرموننا بالتعصب والهمجية، بأنا أهل حرب لا نحب السلم بأنا نقتل الإنسانية ونفتك بأبنائها بأنا. . بأنا. . إلى آخر ما يزعمون ونهاية ما يدعون ولكن هو الطمع والجشع والهمجية والوحشية والتعصب الأعمى والأخلاق الذميمة. نقول التعصب الأعمى ولا نبالي لاعتقادنا بأن بعض ما تفعله أوروبا وتتغاضى عنه من إذلال المسلمين وإهانتهم وظلمهم واضطهادهم ليس مما يأمر به الدين المسيحي بل هو مناف للأديان السماوية تمام المنافاة لا يلتئم معها بحال. غلا
стр. 747
فليعلم أولئك الزعانف أن خروجهم على الشرائع ومخالفتهم لما جاءت به الأديان، وجشعهم وطمعهم وظلمهم وجورهم وتعصبهم وحقدهم وقساوة قلوبهم وسفكهم لدماء الأبرياء - لمما يوجب عليهم السخط والمقت من الإله القادر الحكيم وهو مما ينزع هذه القوة من أيديهم ويديل دولتهم ويجعل الدائرة عليهم. وهو أيضاً مما يوجب فرح الدولة وعامة رعاياها لأن بعد العسر اليسر وعقب الشدة الفرج. ولا بد أن ينتبه المسلمون من غفلتهم وينزعوا حب أوروبا من قلوبهم ويبرؤا إلى الله من الثقة بها ويعلموا أنه لاينفعهم إلا عملهم ولا يرفع ذكرهم إلا اجتهادهم ويجعل آمرهم ومأمورهم وحاكمهم ومحكومهم وغنيهم وفقيرهم وصغيرهم وكبيرهم نصب عينيه قول الله تعالى: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم) فيلبوا داعي الحكومة كلما دعاهم إلى مساعدتها ويعملوا يداً واحدة على معاضدتهم ومؤازرتها.
وفي الختام نكرر ما ذكرناه ونجهر بما قدمناه وهو أنه لا حياة لنا ما دمنا واثقين بأوروبا. فيجب أن ننزع ثقتنا بهم ونمتثل قول الله تعالى بإعداد ما استطعنا لهم من قوة وننبذ التفرنج في اللباس والمتاع والكلام وسائر الأعمال كبيرنا وصغيرنا وآمرنا ومأمورنا في ذلك سواء وحينئذ ينقلب شكل هيئتنا من شكل أوروبي إلى شكل إسلامي فنفلح وننجح ونتقدم ونربح ونعيد لبلادنا مجدها السابق وعزها الغابر. والله الفعال لما يختار.
стр. 748
كلمة قارصة
قال رئيس الوزارة البلغارية لبعض مكاتبي الجرائد. أن هذه الحرب التي نقوم بها في هذه الأيام إنما هي ضحية نقدمها من أجل مصلحة أخواننا مسيحيي الولايات الكدونية الذين أوقعهم من لا ذمة لهم ولا ضمير في فوضى هائلة أه.
يا للوقاحة! ويا للافتراء!! نحن العثمانيين نعامل رعايانا المسيحيين معاملة من لا ذمة له ولا ضمير فيتألبوا علينا بداعي إنقاذ المسيحيين من أذانا وهؤلاء أخواننا مسلمو طرابلس الغرب هجمت عليهم إيطاليا في عقر دارهم وهم آمنون ففعلت بهم الأفاعيل وأمطرتهم من همجيتها بحجارة من سجيل.
تتفق أوروبا علينا من أجل عشرات من الأشخاص قتلوا في مكدونيا بسبب انفجار قنابل ديناميت لم نلقها نحن وإنما ألقاها أولئك الذين أصبحت الأرض والسماء تعرفهم. - ثم بعد هذا ينكر علينا أن نتفق معشر المسلمين على الاستمساك بعرى جامعتنا والدفاع عن أخواننا الذين يذبحون جهرة من دون ما ذنب فعلوه ولا إثم ارتكبوه؟ بضعة عشر شخصاً من أشقياء الرومللي أجدر برحمة أوروبا وشفقتها من بعضة عشر ألفاً من أهالي طرابلس الغرب وبنغازي لم يقترفوا ذنباً.
تتداخل أوروبا في شؤوننا من أجل حماية اشخاص هم من رعايانا ولا يمكنونا من التداخل في شؤون أنفسنا من أجل الدفاع عن بلادنا واستقلالنا وأخواننا.
(ابعد هذا التناهي في تعصبهم ... يعزى التعصب للإسلام والتهم)
(كفى الخداع فما في الأرض ذو طمع ... يحمي الحقوق وترعى عنده الذمم)
(قالوا السلام فنمنا واثقين بهم ... أين السلام وأركان السلام دم)
(قالوا الحياد قلنا ليس ذا عجبا ... عن نصرة الحق كما حادوا وكم وجموا)
(إن عاهدوا نكثوا وأقسموا وحنثوا ... أو عاملوا عبثوا بالحق واهتضموا)
(يا بني الشرق لا تخمد عزائمكم ... إن المغبة للقوم الأولى عزموا)
(إذا اتحدتم أمنتم كل غائلة ... وإن تخاذلتم فالعار والندم)
(لا تشتكوا لسوى الصمصام مظلمة ... الفاصل الموت والصمصامة الحكم)
(البرهان)
стр. 749
إجابة طلب المؤيد
وطئت وحقك أزمة في نعلها ... حراً أخا نفس يضن بذلها
وبك استغاث فجد عليه بحلها ... (يا مصطفى قبل العوالم كلها)
(والكون لم يبرز من التكوين)
ضاقت عليه فباب مدحك يمما ... لكن كبا فيه الجواد فأحجما
يا من على عرش المحامد قد سما ... (أيروم مخلوق مديحك بعدما)
(أثنى عليك الله في التبيين)
حماه
فارس النجار
خطب الزمان لمهجتي قد علها ... والنفس قد ألفت لذلك ذلها
ناديت خير الأنبيا وأجلها ... (يا مصطفى قبل العوالم كلها)
(والكون لم يبرز من التكوين)
كن لي الشفيع فبحر عصياني طما ... أرجو بك التوفيق إني في عما
فإن الذي صلى عليك وسلما ... (أيروم مخلوق مديحك بعدما)
(أثنى عليك الله في التبيين)
حماه
إحدى محبات النبي ﷺ
حنيفة
(يا مصطفى قبل العوالم كلها) ... نوراً لانت المجتبى بيقين
ناداك ربك يا رسولا للملا ... (والكون لم يبرز من التكوين)
(أيروم مخلوق مديحك بعدما) ... خصصت بالحسنى وأكرم دين
من ذا يبقى بالمدح أو يثني كما ... (أثنى عليك الله في التبيين)
ع. ر
стр. 750
العدد ٢٤ - بتاريخ: ٩ - ١ - ١٩١٣
стр. 751
الزنا
لا تزال أمتي بخير ما لم يفش فيهم الزنا فإذا فشا فيهم الزنا فأوشك أن يعمهم الله بعذاب
لم تزل عقلاء الأمم قديماً وحديثاً تعتقد بتحريم هذه الرذيلة، وبأنها الوسيلة إلى نقض أسس العمران، والعامل الأكبر على خراب الممالك والبلدان وأنها مجلبة الشر، ومميتة الأخلاق، والضربة القاضية على الشرف والعفاف.
اتفقت كافة الشرائع على تحريم هذه الفاحشة (الزنا) تحريماً مؤكداً ووضعت العقوبات الشديدة لإماتتها، وقطع دابرها، حفظاً للتربية، وصيانة للأخلاق العامة، ولئلا تضيع الأنساب، ويقل النسل، وتفقد الثقة بالأصول، فمنها من حكم على الزاني والزانية بأن يوثقا ثم يطرحا في الماء ومنها من حكم عليهما بالإحراق، ومنها من حكم عليهما بالقتل، ومنها من حكم عليهما بصلم الأذنين، وجدع الأنف كما تقدم بيانه ص ٤٣٠ من المجلد الأول. وفرقت الشريعة الإسلامية في العقوبة بين المحصن وغير المحصن فأوجبت أن يخرج الأولإذا ثبت لدى الإمام زناه إلى أرض فضاء ثم يرجم بالحجارة حتى يموت وحظرت قتله بغير صورة الرجم تعذيباً له وتأديباً لغيره، وحكمت على الثاني إن كان حراً بجلد مأة مع تغريب عام وإن كان عبداً بجلد خمسين مع تغريب نصف عام، وشددت النكير على المتهاون بإقامة هذا الحد. فقال جل ذكره (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مأة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين).
نهى الله تعالى عن استعمال الرأفة والرحمة بالزاني والزانية لعظم هذه الفاحشة التي هي من أكبر الكبائر ولذا قرنها تعالى بالشرك وقتل النفس فقال سبحانه (والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق آثاماً يضاعف له العذاب يوم القيام ويخلد فيها مهاناً إلا من تاب) وسماها أيضاً فاحشة فقال عز اسمه (ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا) وقال سبحانه (ولا تنكحوا ما نكح أباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتاً وساء سبيلا).
قال العلماء ﵃: الفاحشة أقبح المعاصي، والمقت بغض مقرون باستحقار فهو أخص من الفاحشة. وهو من الله في حق العبد يدل على غاية الخزي والخسار. وللقبح ثلاث مراتب عقلي وشرعي وعادي. فقوله تعالى فاحشة إشارة للأول، ومقتاً إشارة
стр. 752
للثاني وساء سبيلا إشارة للثالث. ومن اجتمعت فيه هذه الوجوه فقد بلغ الغاية في القبح أهـ وقد جاء في السنة الشريفة تغليظ شديد لمرتكب هذه الكبيرة. أخرج البخاري ومسلم وأحمد والترمذي والنسائي من حديث ابن مسعود ﵁ قال سألت رسول الله ﷺ أي الذنب أعظم عند الله قال أن تجعل له ندا وهو خلقك قلت إن ذلك لعظيم قلت ثم أي قال له أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك قلت ثم أي قال أن تزاني حليلة جارك. وأخرج أبو داود والترمذي والنسائي لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن. وأخرج الشيخان أبو داود والترمذي والنسائي. لا يحل دم ارمئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله إلا بإحدى ثلاث، الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة. وأخرج أبو داود والنسائي. لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله إلا في إحدى ثلاث زنا بعد إحصان فإنه يرجم، ورجل خرج محارباً بالله ورسوله فإنه يقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض أو يقتل نفساً فيقتل بها. وأخرج أحمد والطبراني واللفظ له، تفتح أبواب السماء نصف الليل فينادي مناد هل من داع فيستجاب له، هل من سائل فيعطى، هل من مكروب فيفرج عنه. فلا يبقى مسلم يدعو دعوة إلا استجاب الله له، إلا زانية تسعى بفرجها أو عشارا. وأخرج الطبراني عنه ﷺ ، أن الزناة تشتعل وجوههم نارا. واخرج البيهقي عنه ﵊. الزنا يورث الفقر. وأخرج البخاري من حديث طويل رأيت الليلة رجلين أتياني فأخرجاني إلى أرض مقدسة إلى أن قال فانطلقنا إلى مثل التنور قال فاحسب أنه كان يقول فإذا فيه لغط وأصوات قال فاطلعنا فيه فإذا فيه رجال ونساء عراة وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم فإذا أتاهم ذلك اللهب ضو ضو الحديث وفي آخره وأما الرجال والنساء العراة الذين هم في مثل بناء التنور فإنهم الزناة والزواني وأخرج أبو داود واللفظ له والترمذي والبيهقي. إذا زنى الرجل أخرج منه الإيمان وكان عليه كالظلة فإذا أقلع رجع إليه الإيمان. وأخرج البيهقي عنه ﷺ . أن الإيمان سربال يسربله الله من يشاء فإذا زنى العبد نزع منه سربال الإيمان فإذا تاب رد عليه. وأخرج أبو يعلى عنه ﷺ لا تزال أمتي بخير متماسك أمرها ما لم يظهر فيهم ولد الزنا وأخرج البزار أنه صلى
стр. 753
الله عليه وسلم قال، إذا ظهر الزنا ظهر الفقر والمسكنة وأخرج أبو يعلى بسند حسن ما ظهر في قوم الزنا والربا إلا أحلوا بأنفسهم عذاب الله. إلى غير ذلك من الأحاديث الصحيحة المصرحة بقبح هذه الكبيرة، وعظم وزرها، وشدة عقابها، وما ينبعث عن فشوها من الأضرار العامة كظهور الفقر ونزول الذل والمسكنة بالأمة، وتلاشي الخير من بينها، وإحاطة الغضب والمقت الإلهي بها، والقضاء الأبدي على الأخلاق والفضيلة التي يبذل في صيانتها كل مرتخص وغال، ويستهان بالمحافظة عليها بالدماء والنفوس والأرواح هذا مع سريان الفساد في العائلات واختلاط الأنساب في القبائل وضياع الحقوق والمواريث وتولد الأمراض وتكاثرها خصوصاً منها المرض الزهري الشائع بين الزناة ذلك الداء الذي جعل يهدد الصحة العامة بالفتك والأجسام الصحيحة بالعلل (ولعذاب الآخرة أشد) وماذا نجيب عما بلغنا عن سيدنا رسول الله ﷺ من الأحاديث المار ذكرها وهل تقليدنا لفسقة أوروبا أو رحمتنا لعدد لا يتجاوز العشرة من العاهرات يكون جواباً منجياً لنا من عذا الله تعالى؟ هذا ما نحب أن نسئل عنه أولئك الذين يتوهمون بأنهم بإعادة (المرقص) لدمشق يحسنون صنعاً ويفعلون خيراً، وأنه لا غاية لهم إلا حفظ الصحة العامة وصيانة الأعراض وأنهم في خدمتهم هذه أرادوا تخليص الوطن مما هو فيه. فهم يصرفون الأوقات ويكررون الجلسات ويديمون المذكرات في انتقاء محل مناسب لأولئك المومسات. وليت شعري هل تخليص الوطن يكون بمعصية الله وبما يوجب مقته وسخطه؟ هل تخليص الوطن يكون بما يوجب عليه الخزي الدائم والعار الأبدي؟ هل صيانة الأعراض تكون بإباحتها بالطريق الرسمي بحيث لا يخشى مرتكبها لوم لائم ولا سيطرة مسيطر؟ هل صيانة الأعراض تكون بتسهيل أسباب الفحش؟ هل صيانة الأعراض تكون بإعداد محل رسمي للمومسات؟ هل صيانة الأعراض تكون بما حرمته الشرائع الديانات؟ هل صيانة الأعراض تكون بعرضها للبيع كالسلع في الأسواق؟ هل صيانة الأعراض تكون بإباحتها للعبد والحر والجهول والسفيه؟ هل حفظ الصحة العامة يكون ببذر بذور الوباء (الداء الزهري) فيما بين الناس؟ هل حفظ الصحة العامة يكون بإباحة الزنا بمن لا يحترسن من التطهر من دم الحيض والأقذار؟ هل حفظ الصحة العامة يكون بإتيان فرج هو مورد لكل خبيث وشيطان؟ هل قطع الأوقات وتكرار الجلسات ودوام المذكرات لانتقاء محل لهن مع ما ينضم إلى ذلك من
стр. 754
المعصية والإثم ومخالفة أمر الله أهون من تتبع عشرة من المومسات ونعهن من التجاهر ببيع الأعراض؟ تالله لو أنا نعني بهذا الأمر بعض العناية ونضرب على أيدي أولئك الفاجرات لما ظهر لهذه الفاحشة أثر ولما عرف لها خبر. شرطي واحد لو أحيل إليه أمر تتبع هؤلاء المومسات لما اقتدرن على أن يتجولن بالأسواق يستهوين بعض الجهلة ويستملن بعض الأغرار بل لو منح هذا الشرطي سلطة تمكنه من إلقاء القبض على كل من ظهرت عليها إمارة الفحش سواء في ذلك الرجل والمرأة وقبض على بعض أفراد قليلة لمات خبر هذه الموبقة ولارتاح الناس أجمعين من خطر هذه الفاحشة ولأصبحوا يشكرون من كان السبب في دفع هذا البلاء عنهم ورفع هذه الفاحشة من بينهم وحينئذ يحق لنا بأن ندعي خدمة الأمة، يحق لنا أن نرفع أصواتنا بأنا من المحافظين على صون الأعراض، من المحافظين على الصحة العامة، من نصراء الفضيلة، من محبي الشرف والأدب، ممن يكرهون الرذيلة وينأون عن الفساد، وعسى أن يكون ذلك بالقريب العاجل وما هو على همة أولي الأمر بعزيز.
стр. 755
التاريخ
ننشر في هذا الباب سيرة كبار الرجال في الإسلام وشيئاً من فضائلهم وأخلاقهم وأعمالهم وسياستهم لما في ذلك من تحريك بواعث الهمم للاقتداء بهم في جلائل الأعمال وكرائم الخصال وليكون زاجراً لأولئك الذين يتغاضون عن مآثر رجال المسلمين ويفتخرون بحفظ تاريخ فلاسفة الغربيين.
سيدنا عمر بن الخطاب ﵁
بعد أن ذكرنا شذرة من أحوال سيدنا عمر ﵁ وما كان عليه من الورع والزهد والتقوى والسهر على مصالح الرعية وشدة التمسك بسنة النبي ﷺ وغير ذلك من الأخلاق والمناقب أحببنا أن نذكر شيئاً من فتوحاته ليعلم أخواننا من ناشئة العصر أن الجهاد لإعلاء كلمة الله وتأييد دينه سبحانه هو حياة هذه الأمة الإسلامية وقوام أمرها وبه حفظ كيانها وصون مجدها وشرفها وإنقاذها من أنياب تلك الذئاب وخلاصها من عبث قوم لم يرقبوا في المؤمنين إلاًّ ولا ذمة.
فتح دمشق
لما تولى عمر ﵁ الخلافة عزل خالداً عن إمارة الجيوش بالشام وجعل أبا عبيدة أميراً عليها وكتب إليه بذلك فوصل البريد إليهم وهم في وقعة اليرموك كما تقدم بيانه في آخر ترجمة أبي بكر ﵁، وكتم أبو عبيدة وفاة أبي بكر ولم يخبر الناس بأن عمر ولاه على إمارة الجيوش في الشام بدلاً من خالد ﵃.
اجتمع المشركون بعد انهزامهم في وقعة اليرموك في فحل وكان هرقل وراء حمص فأرسل أبو عبيدة طائفة من المسلمين إلى فحل لمحاصرة من اجتمع فيها. وبعث ذا الكلاع في جند من المسلمين إلى جهة حمص ليمنعوا هرقل من مساعدة أهل دمشق فنزلوا بين حمص ودمشق. وسير جنداً آخر فكانوا بين دمشق وفلسطين. ثم سار هو وخالد بن الوليد فقدموا على دمشق ونزل أبو عبيدة على ناحية وخالد على ناحية وحصروا أهل دمشق سبعين ليلة وقيل ستة أشهر وأحاطوا بهم من كل جانب وجاءت خيول هرقل لإغاثة دمشق فمنعتها خيول المسلمين التي عند حمص. ثم اتخذ خالد حبالاً كهيئة السلاليم ونهض هو وبعض وجهاء جنده قاصدين أن يتسوروا سور البلدة وتآمروا مع الجند بأنهم إذا سمعوا تكبيراً على
стр. 756
السور أن يرقوا إليهم ويقصدوا الباب. فلما وصل هو وأصحابه إلى السور رموا الحبال إلى أعلى السور فعلق فيه حبلان فصعد فيهما القعقاع ومذعور ﵄ وأثبتا بالشرف بقية الحبال التي جعلها خالد كهيئة السلاليم وكان ذلك المكان أحصن موضع بدمشق وأكثرها ماء.
فصعد المسلمون ثم انحدر خالد وأصحابه وترك بذلك المكان من يحميه وأمرهم بالتكبير فكبروا فأتاهم المسلمون إلى الباب وإلى الحبال وانتهى خالد إلى من يليه فقتلهم وقصد الباب فقتل البوابين وثار أهل المدينة لا يدرون ما الخبر وتشاغل أهل كل ناحية بمن يليهم وفتح خالد الباب وقتل كل من عنده من المشركين. هكذا كان قواد الجيوش الإسلامية يخاطرون بأنفسهم ويخوضون غمرات الموت أمام الجنود بكل جرأة وإقدام رغبة في الشهادة ومبادرة إلى جنان الخلود حتى كان شرب كأس المنون إذا تلظت الحرب أشهى إليهم من الماء العذب. وكيف لا تنبعث روح الشهامة والثبات في جيش تيقن أن الجنة تحت ظلال السيوف ورأى أمراءه وقواده إلى القتل يبادرون ولميدانه يتسابقون؟. . هنا تتساقط من عيون المؤمن درر المرجان وتكاد نفسه تذهب حسرة على ما وصل إليه المؤمنون بعد تلك الأيام النضرة والحياة الطيبة.
ولما رأى الروم ما صنع خالد بهم قصدوا أبا عبيدة وبذلوا له الصلح فقبل منهم وفتح له الباب وطلبوا منه أن يدخل ويمنعهم من جند خالد.
فدخل أهل كل باب بصلح مما يليهم ودخل خالد عنوة ولكن أبا عبيدة لم يعلم بذلك. فالتقى خالد والقواد في وسطها. هذا قتلاً ونهباً وهذا صلحاً وتسكيناً فاجروا ناحية خالد على الصلح مثلهم وأظهر أبو عبيدة إمارته وعزل خالد وكان صلحهم على المقاسمة وقسموا معهم للجنود التي تركوها لمحاصرة أهل فحل وللجنود التي أرسلوها لمنع هرقل من إعانة دمشق ولغيرهم ممن هو عون للمسلمين يومئذ. وكان ذلك في رجب سنة أربع عشرة. وأخبر أبو عبيدة عمر بالفتح. فكتب عمر إليه يأمره بإرسال جند العراق نحو العراق فأرسلهم وجعل هاشم بن عتبة أميراً عليهم. واستخلف في على دمشق يزيد بن أبي سفيان.
فتح فحل وتوابعها
ثم سار أبو عبيدة إلى فحل وبعث خالداً على المقدمة وجعل شرحبيل ابن حسنة على الناس
стр. 757
وعلى الخيل ضرار بن الأزور وعلى الرجال عياض بن غنم وكان على جانبي الجيش أبو عبيدة وعمرو بن العاص وقصد أهل فحل من الروم بيان. وصادف وصول شرحبيل حينئذ فنزل بالناس على فحل وبينهم وبين الروم المياه والأوحال فكتبوا إلى عمر وأقاموا ينتظرون أمرهم ففاجأهم الروم وخرجوا إليه بغتة وعلى الروم سقلار بن مخراق ولكن المسلمين كانوا على غاية اتيقظ والحذر وكان شرحبيل لا يبيت ولا يصبح إلى على تعبئة الجيش وتمام الأهبة وكان الروم يومئذ ثمانين ألفاً فغرتهم كثرتهم وهجموا على المسلمين وحصل قتال عظيم دام ليلتهم ونهارهم حتى غشيهم ظلام الليلة التالية. فحار الروم وولوا الأدبار وقد أصيب رئيسهم سقلار والذي يليه نسطوس ولم يتمكن الروم من الفرار فانتهت بهم الهزيمة إلى الوحل فأدركهم المسلمون وأوسعوهم وخزاً بالرماح وغنموا أموالهم. ثم ارسل أبو عبيدة شرحبيل ومن معه إلى بيسان وانصرف هو بخالد ومن معه إلى حمص.
ولما استخلف أبو عبيدة يزيد بن أبي سفيان على دمشق وسار إلى فحل كما تقدم بعث يزيد دحية الكلبي إلى تدمر وأبا الأزاهر القشيري إلى حوران فصالحوهما ووليا عليهما. ثم سار يزيد إلى مدينة صيدا وجبيل وبيروت وعلى مقدمته أخوه معاوية ففتحها هي وغيرها من سواحل دمشق.
وأما شرحبيل بن حسنة فأنه قتل من أهل بيسان خلقاً كثيراً ثم صالحه من بقي منهم على مثل صلح دمشق فقبل منهم. وكان أبو عبيدةو قد بعث الأعور إلى طبرية يحاصرها فصالحه أهلها على مثل صلح دمشق أيضاً وأن يشاطروا المسلمين المنازل فنزلها القواد وكتبوا بالفتح إلى عمر.
مسير المثنى بن حارثة وأبي عبيد بن مسعود إلى فارس
اهتم عمر ﵁ بحث الناس إلى الخروج مع المثنى بن حارثة الشيباني إلى فارس مبادرة في إمضاء ما أوصاه به أبو بكر ﵁. فأول من انتدب أبو عبيد بن مسعود الثقفي وسعد بن عبيدة الأنصاري وسليط ابن قيس وهو ممن شهد بدراً ثم تتابع الناس على ذلك. وكان أهل فارس من أثقل الوجوه على المسلمين فتكلم المثنى بن حارثة وقال أيها الناس لا يعظمن عليكم هذا الوجه فإنا قد فتحنا ريف فارس وغلبناهم على خير شقي السواد وقتلنا منهم واجترأنا عليهم ولنا إن شاء الله ما بعدها. فاجتمع الناس ودعى
стр. 758
عمر بأبي عبيد بن مسعود الثقفي وهو أول من انتدب للقتال فجعله أميراً وقال له اسمع من اصحاب رسول الله ﷺ وأشركهم في الأمر ثم قال له أني لم يمنعني أن أؤمر سليطاً إلا سرعته إلى الحرب وإن التسرع إلى الحرب ضياع الأعراب فإنه لا يصلح الحرب إلا الرجل المكيث وأوصاه بجنده. فساروا على بركة الله تعالى وكان بعث أبي عبيد أول جيش سيره عمر ولم يول عمر ﵁ إمارة ذلك الجيش لأحد من السابقين المهاجرين ولا الأنصار مع توفر كل منهم يومئذ. بل عدل عنهم إلى أبي عبيد بن مسعود الثقفي لأنه كان له سعة نظر في الأمور وحسن دراية في تعبئة الجيش وتنظيم شؤونه.
стр. 759
الطلبة والتعيش
من القضايا المسلمة التي لا تحتاج إلى مقدمات تبينها. ولا إلى دلائل تثبتها أن العلم حياة الأمم وأنه كلما ازدادت الأمة علماً ازدادت حياة ورقيا. وكلما انتشر الجهل بين أفرادها ازدادت اضمحلالاً وأصبحت على وشك السقوط بين يدي أعداءها. ومن ثم جعل أهل الخير وأصحاب العقول الكبيرة يشيدون المدارس ويعمرونها بالأوقاف لتصرف على إطعام طلبة العلوم وحاجاتهم. وأخذت الحكومات ترغب الناس في طلب العلم بتمييز طالب العلم عن غيره. وما ذلك إلا لجلب الناس إلى العلم. لأن النفوس في الغالب ميالة إلى الانتفاع بأعمالها دنيوياً. وقد سلكت هذا السبيل دولتنا العلية أيدها الله بروح منه فجعلت طالب العلم الديني معفواً من دخول الجندية التي هي من أشرف الوظائف ليتفرغ للعلم الذي هو ضالة الشعوب ونهاج السعادة. وشرطت عليه أن يؤدي الامتحان بعلوم الصرف والنحو والمنطق مدة ست سنوات بحضور هيئة من أهل العلم ورجال الحكومة. ولكنها لم تكتف بأداء الامتحان بل اشترطت ملازمة الطالب للمدرسة آناء الليل وأطراف النهار. مع أنها لو اكتفت بالشرط الأول وهو أداء الامتحان لأحسنت صنعاً. لأن الشرط الثاني وهو الملازمة للمدرسة وإن كان يعقل بالنسبة إلى وقت وضعه يوم كانت المدارس عامرة بالأوقاف التي تصرف على الطلبة ورواتبهم ولكن لا يعقل الآن لأن أوقاف المدارس قد درست واختلسها من لا أخلاق لهم ولا ذمة. فكان من الواجب إلغاء الشرط الثاني أو تعيين رواتب لهم تقوم بأود حياتهم وإلا أفضى الأمر بطالب العلم إلى أن يقعد في المدرسة يتسول الناس أو يترك طلب العلم بتاتاً وهذا مما يضعف العلم الذي يراد شيوعه وكثرته.
هل تتصور الحكومة أن طالب العلم من الملائكة فيكون طعامه وشرابه التسبيح. أم لا ترى عاراً أن يكون طلاب العلم ورجال الدين عالة على الناس فيما يحتاجون إليه من طعامهم ولباسهم وأداة دروسهم. أم ماذا؟
هنا يقف الإنسان مذهولاً خصوصاً حينما يسمع من بيده أمر الطلبة يضيق عليهم ويتشبث بأنه لا يجوز للطالب أن يحترف بصناعة أو تجارة أو كسب ما من أنواع الاكتساب المباح في الشرع. على أننا لو قطعنا النظر عن هذه الأمور كلها ورجعنا إلى السلف الصالح من العلماء الذين ملأوا طباق الأرض علوماً لوجدناهم كانوا يشتغلون بحرف متنوعة.
هذا أبو حنيفة ﵁ كان خزازاً يبيع الخز ويتجر به. ولم يقطعه اكتسابه عن
стр. 760
التزود بالعلم والتبسط فيه. ومن يضارع أبا حنيفة ﵁ في علمه وهو من كبار أئمة المذاهب الذين هم قدوة المسلمين في أقطار الأرض فنلفت أنظار من بيدهم الأمر إلى تلافي هذا الخرق. فإن الأمة في احتياج إلى علماء ترشدهم وتهذبهم وتزيدهم تعلقاً بعرش الخلافة العظمى أيدها الله وإلا فمن ينوب عن العلماء في هذا الأمر. وهل من الحكمة أن يعامل طالبو العلوم العصرية بأنواع الامتيازات فيعفوا من الخدمة العسكرية كما يعفى طالبوا العلوم الدينية مع تعيين معلمين لهم وصرف المبالغ الطائلة عليهم ولهم غاية يطلبونها وهي الاستيلاء على وظائف الحكومة والتنعم بلذائذ الحكم وتقاضي الرواتب. هل من الإنصاف أن تخصص الملايين من الليرات لنظارة المعارف ويترك طالبو العلوم الدينية بهذه الحال التي يرثى لها كل عاقل. أفيدونا بماذا ينتفع طالب العلم الديني عن علمه دنيوياً؟ هل جعلوا له وظائف يتولاها حين انتهائه من الطلب كما يعامل طلاب العلوم العصرية المكتبية؟ أم له مرتبات من قبل الحكومة؟ أم يحترمه الشعب احتراماً زائداً عن غيره؟ كلا لم يكن شيء من ذلك. بلى قد وجد في هذه الفئة الباغية الذين يسمون أنفسهم مصلحين من جعل ديدنه سب أهل العلم وقذفهم على مرأى من الناس والحكومة ومسمع ولا من ينتصر لهم أو يهتم لأمورهم. إذاً علام نضيق عليهم؟ وإلى م نضطهدهم؟ ألزوم أن ننفرهم عن الطلب حتى تحرم هذه الأمة من علماء يرشدونها إلى ما فيه صلاحها وفلاحها؟ أيقصد ازدياد الأمة في الجهالة وقد أضحى أفرادها كالغنم في الليلة المستطيرة؟ رباه إنك شاهد على ما يصنعون؟ ماذا على طالب العلم لو اشتغل بصناعة أو تجارة ليسد خلته؟ ويعيل عيلته. ويقوم بحاجاتهم ويغنيهم عن الناس ثم هو مع ذلك يطلب العلم ويكب على التحصيل ويتعلم ويعلم في البكور والمساء. وهو مستعد كل لحظة أن يؤدي الامتحان بالعلوم التي تطلب منه. ربما يقال أن ما تقدم من ضرورة الاكتساب ثابتة للفقير دون الغني لأن الغني في غنى عن الاشتغال بحرفة أو تجارة بما لديه من الأموال قلنا لا يخلو إما أن يكون الطالب غنياً بغنى والده أو بنفسه فإن كان الأول وهو الأكثر فلا يليق بشرف طالب العلم أن يكون كلا على أحد ولو كان والده. على أن الحكومة لا تجبر الوالد على القيام بنفقة ولده إذا كان طالب علم. فلا ملام عليه إذا اكتسب لنفسه وإن كان الثاني فلم نمنعه إذا كان يريد أن يشتغل بما أحله الله له مع عدم التقصير فيما يطلب منه. فعلم مما قدمناه أن
стр. 761
منع الطالب من الاكتساب لا يعود بالفائدة التي يطلبها محبو العلم. فإن قالوا أننا إذا وسعنا على الطالب وجوزنا له الاكتساب فمن يكفل لنا أن يداوم على الاشتغال بالعلم. قلنا يلزم بدلاً من أن نحقق أن الطالب موجود في المدرسة أم لا فلنحقق أهو مشتغل بالعلم أم منقطع فإن تبين لنا أنه منقطع عن الطلب طالبناه بتأدية الامتحان فإن قام بذلك دل على أنه مستمر على الطلب وإلا أُخذ جندياً غير مأسوف عليه لأنه لم ينفع الناس بعلمه فلأن ينفع الحكومة بعمله أو ماله أولى.
على أننا لو رجعنا إلى الحق الذي لا شائبة فيه نجد أن هذا الأمر خير من ملازمة المدرسة فإننا نرى كثيراً ممن يلازمون المدرسة ليل نهار لا يتعلمون العلم لعدم تأهلهم للعلم بما جبلوا عليه من بلادة الطبع وسقم الذهن. وهناك أمور أخرى جديرة بالاعتبار وهي أن يعدل قانون الامتحان فيزاد فيه علوم أخرى ضرورية لطالب العلم وهم يهملونها لعلمهم بأنهم لا يسألون عنها. وهي علم الفقه والأخلاق الذين هما مدار السعادتين. وبهما يصبح العالم مقبولاً عند العامة مسموع الكلمة نافذ الحكم فيتحقق النفع به لأن العلوم الموضوعة للامتحان هي وسائ \ ل ومبادئ لهذه العلوم. وهذا ما أردنا أن نذكر به أولياء الأمور حباً بنجاح العلم. وترقي المسلمين. وفق الله الحكومة لما فيه فلاح المسلمين.
صلاح الدين الزعيم
стр. 762
الإسلام بين السيف والنار والمسلمون بين شقي
الرحى
لو أن ابن الأثير بعث من مرقده وطيف به في تلك المدائن التي أصبح الإسلام فيها غريباً وهي ديارة وواحش فيها وهي حرمه وذماره، وأخذ فيها بالسيف يمنة والنار يسرة ثم أريد على وصف ما رأى لآثر أن يقصف قلمه على أن يعيد نعي الإسلام للمسلمين.
ولو أنه جال في تلك المواطن التي أمست بعد نضرة النعيم رسماً محيلاً ووقف غبها يكلم أحجارها فتكلمه، ويسئل عن ملاعبها ماذا دهاها فتعلمه، وأبصر هناك بالعدو وهو يجعل آلافاً من المسلمين بين شقي الرحى ثم يديرها طاحنة ويغلف الآلاف منهم على ما في أيديهم ويجلي من طالت لشقوتهم آجالهم عن بلاد من تربتها نبتوا وفي ظلها رتعوا وبخيرها نعموا، وسئل بعدئذ أن يقضي حق التاريخ بكلمة لما زاد على أن ينعي المسلمين للإسلام.
ولو أنه علم ما يجترحه البلقانيون هنالك من المآثم وأبصر كيف يقتحمون خدور المسلمات بغياً، ويغتصبون عفافهن بغياً، ويرتعون في أعراضهن إزاء آبائهن وأزواجهن بغياً، وعلم كيف يبقرون بطون الأصبية الصغار في حجور آبائهم وكيف يعذبون أولئك ويمثلون بهم، وطلب منه أن يقول لاستحب البكم على البيان.
ولو اطلع على تلك المساجد التي عبث العدو بمحاريبها ومحاآليها وأتلف منابرها وحول قبلتها عن موضعها وهدم مآذنها وأحالها كنائس تغص بالقساوسة والرهابين ويسمع فيها الناقوس ولم يكن يسمع بها إلا التأذين، وخي بين يقول فيما شهدوا أن يذهب به وبين سمع الأرض وبصرها لآثر على الثانية الأولى.
من ذا الذي يطاوعه قلمه على وصف مشهد الآلاف من المسلمين والسيف يحصد رقابهم، ويفري إهابهم، والعدو يجوس خلال ديارهم عابثاً بأعراضهم ما أردا له حوله وطوله مذبحاً أطفالهم مستبيحاً عفاف بناتهم واطئاً بسنابك خيله مساجدهم محيلاً إياها على وجهتها؟
إنا لنجيل الفكر في أنباء تلك المآتم التي يرتكبها البلقانيون فنقرأ فيها خاتمة تاريخ الإسلام في الأندلس والتاريخ يعيد ذاته وما أشبه اليوم بالأمس فقد كان الكاستليون يرهقون المسلمين في بلادهم يذيقونهم النكال ضروباً مستعينين في ذلك بمحكمة التفتيش إذ كان كل مسيحي منهم قاضياً وكل مسلم مقضياً عليه بالموت إلا أن يهاجر ملته أو يهاجر بلاده إن
стр. 763
استطاع إلى هجرها سبيلا.
كانوا يعذبون المسلمين ويستحلون فيهم المحرم، ويستبيحون من عروضهم وأداتهم ومتاعهم وبيوتهم ما أرادوا ولا معقب لحكمهم، ولا أمر إلا أمرهم، ولا يد فوق يدهم، وقد صمت الإسماع عن صوت المسلمين فلا يسمع لهم شكاة وربما من عليهم بأنه المحزون.
أرادوا أن يفنوا المسلمين حتى لا يكون ثمت إلا جلدهم وملتهم وحدهما فاعملوا السيف فيهم بكل سبيل غير متقين لائمة من التاريخ، ولا غضبة من الأرض، ولا لعنة من السماء.
وقام البلقانيون في هذا الزمن النكد يمثلون تلك المأساة بعينها، ويفعلون بالمسلمين في بلادهم ما فعله أخوانهم بأخوانهم وأوربا جاثمة ساهية الطرف لا تحرك ساكناً وكأنها تطرب لما يصيب أولئك الذين تعذب الإنسانية في ذواتهم، وتكاد تميد الأرض جزعاً لما أصابهم في دينهم ووطنهم وحياتهم وأن مصابهم لكبير.
فهل أتى المسلمين حديث أخوانهم الذين أسرف العدو في تعذيبهم ومثل بهم لا وحاربهم في الدين، وهم أهل سلم ضعاف، لا حيلة لهم ولا حول.
هل أتاهم حديث أوصال هناك تمزق، واسلاء تفرق، ودماء على الثرى تتدفق، وهل انتهى إليه نبأ ذلك المأتم الذي لا انفضاض له أبد الدهر.
هل أتاهم أن أفخم المساجد في سالونيك قد بدلت معالمها وحولت عن وجهتها، فأصبح (مسجد إسماعيل) وهو كنيسة سنت كاترين (والمسجد ذو المنارتين) وهو كنيسة سنت ميشسل (ومسجد السلطان مراد) وهو كنيسة سنت داود وهل علموا أنه لم يعد لمن بقي من المسلمين في كل بلد فتحه أولئك الفجرة الطغام جامع يقيمون فيه الصلاة.
إلا أن تلك المساجد التي مسخوها، لتذكر أن عهد الحنيفية في تلك البلاد عهد وفق وسماحة ولين، وأنه أكرم على الله وخير أثر من عهدها الجديد.
فهل يذكر المسلمون الذين عرفوا ما ابتلي بهم أخوانهم، وكفوا ما نزل بهم، وأمنوا أن يراعوا بمثل مصابهم، أنه لا عاصم لهم من مثل ذلك المصير ولن يكونوا منه بمأمن، إلا أن يغيروا ما بأنفسهم ويردوها إلى ما حثهم عليه قرآنهم المبين من الاعتبار بالسنن الكونية، والاستكثار من أسباب القوة، وطلب العلا والسمو إلى تلك المكانة التي بلغوها حين كانوا أمة واحدة مجتمعة على هوى واحد؟
стр. 764
وهل لهم أن يحدبوا على أخوانهم الذين هاجروا بلادهم، وثكلوا أولادهم ويمدوهم بما يمسك عليهم الدماء ويسليهم عن خطبهم الجلل بعض السلوان؟
إنا لا ننعي على أوروبا أنها بإعراضها عن الانتصاف للإسلام ولو بكلمة حق تدل على شدة تعصبها عليه، وعلى أهليه فذلك ديدنها.
ولا نأخذها بأن صمتها عن انتهار أولئك المجرمين اللئام هو الذي مدهم في بغيهم، وزين لهم أن يمضوا في خيلائهم، ويسترسلوا في طغيانهم، فقد علمنا أنها لا ترفع عقيرتها إلا حيث تحلم أنه قد اعتدي على المسيحية أو مس أحد من المسيحيين بشيء من الأذى ولا نعتب ساستها فإن المجني عليهم اليوم مسلمون ولا نسألهم أن يقلعوا عن دعوى التنزه عن التعصب، إذ قد وضح أنهم هم المتعصبون.
ولكنا ندعو المسلمين إذا كانوا قد ألموا لدينهم وأخوانهم وكرامتهم أن يتدبروا أمرهم، ويأخذوا من حاضرهم لآتيهم، ويعتبروا بما نزل بطائفة منهم، ويعلموا أنهم لا نجاة لهم ولا بقيا عليهم إلا أن يأخذوا أخذ الأمم التي اعتزت بقوتها فإنهم بأن يملكوا تلك الحياة من طرفيها أحق، وبأن يجروا على ما أمرهم به كتابهم أولى، وإلا بقوا ما قدر لهم أن يبقوا وهم أهون على الناس منهم على أنفسهم وعاشوا غرضاً لسهام العوادي لا يعرفون من أي مأمن يؤتون. ولا من أي جهة يؤخذون وإن فيما نزل بهم اليوم من صنوف البلاء لألف عبرة لو كانوا يعتبرون.
(البلاغ)
مصر
محمد صادق عنبر
стр. 765
دحض الفضول
في الرد على من حظر القيام عند ولادة الرسول ﷺ
بقلم العالم العلامة الأستاذ الشيخ محمد أفندي القاسمي الحلاق
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على سيدنا محمد المصطفى وعلى آله وصحبه أولي الصدف والوفا وبعد فيقول أضعف الخلق على الإطلاق محمد ابن العلامة المرحوم الشيخ قاسم الحلاق الدمشقي الشهير بالقاسمي وقد ورد علي كتاب من المدينة المنورة على مشرفها أفضل الصلاة والسلام بإمضاء كل من صاحبي الغيرة والحمية على الدين وعلى أخوانهما المسلمين العالمين الفاضلين والأديبين الكاملين السيد أحمد علي القادري الرامفوري والشيخ محمد كريم الله الهندي عاملهما الله بلطفه الخفي آمين وملخصه أنهما اطلعا على رسالتي الموسومة بتحقيق الكلام في وجوب القيام عند قراءة مولد المصطفى ووضع أمه له ﵊ المدرجة في مجلة الحقائق الغراء في الجزء الحادي عشر من السنة الثانية فتلقياها بالقبول والاستحسان أنعم الله علينا وعليهما بكل إحسان بيد أنها كما قالا عارية عن حكم المشبهين للقيام بفعل مجوس الهند عبدة الأصنام فاستحسن مني هذان الفاضلان أن أحرر رسالة تكون ذيلاً للرسالة الأولى تتضمن رد الجواب الآتي وبيان حكم المانعين لهذا القيام ظناً منهما أني أهل لذلك وممن سلك هاتيك المسالك وما دريا أنهما استسمنا ذا ورم ونفخا في غير ضرم ولكن لظنهما الحسن بهذا العاجز كما هو شأنهما امتثلت الأمر واقتحمت صعوبة هذا الخطر وقصدت ذلك مع الاعتراف بأني لست هنالك وسميتها دحض الفضول في الرد على من حظر القيام عند ولادة الرسول سائلاً منها تعالى الإعانة والتوفيق والهداية لأقوم طريق آمين (صورة السؤال) الذي ورد من الفاضلين المذكورين.
ما قول علماء المسلمين أيد الله بهم الدين وقواهم على إزاحة شبه الملحدين في قول رجل سئل عن القيام عند ذكر الولادة الشريفة النبوية (فأجاب) وهذا نص كلامه_وأما توجيه القيام بقدوم روحه الشريفة ﷺ من عالم الأرواح إلى عالم الشهادة فيقومون تعظيماً له فهذا أيضاً من حماقاتهم لأن هذا الوجه يقتضي القيام عند تحقق نفس الولادة الشريفة ومتى تتكرر الولادة في هذه الأيام فهذه الإعادة للولادة الشريفة مماثلة بفعل مجوس
стр. 766
الهند حيث أنهم يأتون بعين حكاية معبودهم (كنهيا) أو مماثلة للروافض الذين ينقلون شهادة أهل البيت ﵃ كل سنة (أي فعله وعمله) فمعاذ الله صار هذا حكاية للولادة المنيفة الحقيقية وهذه الحركة بلا شك وشبهة حرية باللوم والحرمة والفسق بل فعلهم هذا يزيد على فعل أولئك فإنهم يفعلونه في كل عام مرة واحدة وهؤلاء يفعلون هذه المزخرفات الفرضية متى شاؤا وليس لهذا نظير في الشرع بأن يفرض أمر ويعامل معاملة الحقيقة بل هو محرم شرعاً أهـ فهل هذا الجواب صحيح أم لا أفيدونا مأجورين أهـ.
وقد جاء بحاشية صحيفة السؤال ما نصه: أنه إذا جاء يوم ولادة معبودهم المذكور يأتون بامرأة حامل متم ثم هي تحاكي امرأة عند الوضع فتأن أنيناً وتلتوي حيناً فحيناً ثم يستخرجون من تحتها صورة ولد ويرقصون ويلعبون ويصفقون ويزمرون إلى غير ذلك من ملاعبهم الخبيثة أهـ.
هذا ملخص عبارة الكتاب المتقدم_قلت وهذا الجواب كما ترى إنما ورد بحسب أوضاع المبتدعة من الاختلاق على المسلمين لإلقاء الشبه على ضعفاء العقول فلينتبه له لأن جميع ما تخرص به من أول كلامه إلى آخره مزيف بكذبه الحس والعيان ولم ينزل الله به من سلطان وكان اللائق عدم الجواب عنه لبداهة بطلانه إلا أننا نخشى من ظنه وظن أمثاله أن المسلمين عاجزون عن رد كلماته ودحض شبهاته ولئلا ينخدع بها الجهلاء ونحوهم وهو مع ما فيه من المغالطات والمشاغبات تطويل من غير طائل بل هو كسراب بقيعة يحسبه ظمآن ماء ولنتكلم بحسب العجز على هذا الجواب بكلام يسلمه ذوو العقول والألباب فنقول_أما كون القيام للتعظيم وكون التعظيم واجباً فقد بسطنا الكلام على ذلك في رسالتنا المتقدمة فليراجعها من أراد (وأما قول هذا المفتري وإما توجيه القيام الخ) فكلام مختلق منه أو من بعض الجهلاء الذين لا يعقلون الحجج والبراهين ولا يميزون بين الغث والسمين حمله على ذلك سوء ظنه بالمسلمين وحسده لرسول رب العالمين والدليل على اختلاقه هذا من وجهين (الأول) أنه ليس لما ادعاه من قدوم روحه أصل من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا من حجة عقل ولم يؤثر عن أحد من السلف الصالح ولا التابعين لهم بإحسان ولا عن أحد من الأئمة المجتهدين ولا غيرهم ولم ير له أثر في الصحاح ولا غيرها وما كان هكذا فهو في غاية السقوط والبعد عن الحق قال تعالى: (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) وإذا
стр. 767
لم يكن ذلك بسلطان بين من الله وهو ما أنزله على رسوله ﷺ كان صاحبه متبعاً لهواه بغير هدى من الله قال تعالى: (وإن كثيراًَ ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين).
قال بعض الأفاضل ما بعضه ولما كان النبي ﷺ قد أخبر أن هذه الأمة تتبع سنن من قبلها حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلوه وجب أن يكون فيهم من يغير معنى الكتاب والسنة فيما أخبر الله ورسوله ويتبع هواه بغير علم ويبتدع في الدين ما ليس منه كما وقع للأمم السالفة إذ هذا من بعض أسباب تغيير الملل الماضية بعد موت أنبيائهم عليهم الصلاة والسلام لكن هذا الدين محفوظ بحفظ الله وقدرته وعنايته من انتحال كل مبطل وتأويل كل جاهل ولا يزال فيه طائفة قائمة ظاهرة على الحق فلم ينله ما نال غيره من الأديان من تحريف كتبها وتغيير شرائعها مطلقاً إذا تبين هذا علمت أن كل الدعاوي التي ادعاها حماقات ومكابرات بلا برهان بل البرهان الواضح على بطلانه الدافع لما خرص به قوله ﷺ (ما من مسلم يسلم علي إلا رد الله علي روحي فأرد ﵇ رواه أبو داود عن أبي هريرة ﵁ قال المناوي وإسناده صحيح أهـ.
فأفصح ﷺ أن روحه الشريفة ترد إلى جسده الشريف عند سلام من يسلم عليه ليرد ﵇ ﷺ ومن لوازم هذا الرد رجوع الحس والحركة الإرادية كما هو معلوم فهذا دليل جلي على أنه ﷺ حي في قبره الشريف وأن روحه الشريفة لا تفارق جسمه الشريف أبد الآبدين حيث لا يخلو الكون من مسلم عليه ﵊ كلما ذكر فكلامه هذا ﷺ هو القاضي على كل كلام فليتأمل قلت والأنبياء عليهم الصلاة والسلام كذلك أي أحياء في قبورهم كما هو ثابت أيضاً (الوجه الثاني) أن السائل لم يسأل إلا عن القيام عند ذكر الوضع فقط كما رأيت ولم يتعرض لذكر القدوم بتاتاً كما غالط به هذا المجيب الأفاك فتبين بذلك افتراؤه وكذبه على المسلمين قال ﷺ فيما أخرجه أبو داود والترمذي وصححه واللفظ له عن ابن مسعود ﵁ في شق حديث له ما لفظه وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وما يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند
стр. 768
الله كذاباً والبخاري رأيت الليلة رجلين أتيانب فقالا لي رأيت يشق شدقيه فكذاب يكذب الكذبة تحمل عنه حتى تبلغ الآفاق فيصنع به ذلك يوم القيمة والشيخان آية المنافق إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا عاهد غدر وزاد مسلم في رواية وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم قال بعضهم:
لي حيلة فيمن ينم ... وليس في الكذاب حيلة
من كان يخلق ما يقو ... ل فحيلتي فيه قليلة
فليتأمل (قوله وهذا الوجه يقتضي الخ) قلت هذا نظير ما قبله من الاختلاق حيث أننا لم نعلل القيام المذكور بقدوم روحه كما مر تزييفه ولا بنفس الولادة كما غالط به ههنا بل عللناه بأنه قد صار في هذه الأزمان من شعار التعظيم الذي يعد تركه تهاوناً بل استخفافاً به ورغبة عنه حتى صار التعظيم المذكور بهذه القيود واجباً فيكون القيام واجباً حينئذ لذلك كما أوضحناه سابقاً في الرسالة المتقدم ذكرها فاحفظه (قوله فهذه الإعادة للولادة الخ) قلت من وقف على هذه الكلمات المنتحلة أيضاً وجدها كلها حماقات ومكابرات بلا برهان كما مر بل هي خارجة عن دين الإسلام محرمة فيه يجب على كل مسلم قادر على إنكارها وإزالة شبهها بالقلم والبيان واليد واللسان ليكون من جملة المرادين بقوله ﷺ يحمل هذا العلم من كل خلق عدو له ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين وكما قال وذلك من أعظم ما أوجبه الله تعالى من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحجة واضحة تدحض دعوى مثل هذا الأحمق الأخرق الذي لم ينسج ناسج على مثاله ولم يسلك سالك على منهاجه وهو كأمثاله ممن أعمى الله قلبه حتى رأى الظلمة نوراً والنور ظلمة قال الله تعالى: (ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم الآية).
وقد شبه هذا الأحمق فعل الإسلام عند اجتماعهم لتلاوة قصة مولد نبيهم ﷺ من الأعمال الصالحة بفعل المجوس يوم اجتماعهم لمثل ولادة آلهم من المكفرات كما سلف ولنذكر هنا على سبيل الاختصار كلاً من المولدين وما يفعل فيهما ليتبين للقارئ الفرق بين الفعلين ويظهر البون البعيد بين الاجتماعين أما فعل المجوس فكما تقدم من إتيانهم بامرأة حامل حيلة فتضع صورة ولد فيؤخذ من تحتها ويرقص له الخ هذا هو فعلهم
стр. 769
لمثل ولادة إلههم بزعمهم وأنت تعلم أن هذا الفعل مشتمل على محظورات ومحرمات بل على مكفرات لا تخفى منها إثباتهم لإله باطل ومنها إتيانهم بامرأة حامل كذباً وبهتاناً تحاكي امرأة عند وضعها من أنين وغيره كما مر ومنها استخراج ولد من تحتها مماثل لإلههم ومعبودهم بزعمهم ومنها رقصهم ولعبهم الخ هذه هي أعمالهم كل سنة عند اجتماعهم للولادة المذكورة وأما ما يفعله المسلمون في مولد سيد الخلق ﷺ فمبسوط في رسالتنا المار ذكرها فلتراجع ولننقل منها شيئاً نزر المناسبة المقابلة فنقول قال في مواكب ربيع في مولد الشفيع أثناء كلام له ما لفظه جرت العادة بالعناية بأمر المولد ليلته أو يومه بحيث يقع الاجتماع وإظهار الفرح وإطعام الطعام والإحسان للفقراء وقراءة القرآن والذكر وإنشاد القصائد النبوية والصلاة عليه ﷺ وقراءة قصة المولد الشريف وما اشتمل عليه من كراماته ومعجزاته إلى أن قال وأول من أحدثه الملك المظفر صاحب أربل فأقره عليه أفاضل العلماء وعامة الصلحاء الخ فتبين من قوله فأقره الخ أن هذا الفعل مع كونه فعلاً مستحسناً وطاعة عظيمة صار مجمعاً عليه إلى الآن بل إلى ما شاء الله فليتأمل وقوله ليلة المولد أو يومه هو على المشهور اليوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول ولم تزل قراءته متولية متتابعة إلى آخر الشهر المذكور وبعده إلى آخر السنة إنما يقرأ عند حادث سرور أو نحوه من كل نعمة أنعم الله بها على هذه الأمة ويتكرر ذلك كما هو معلوم ولم تزل هذه أعمالهم كلما اجتمعوا لقراءة المولد الشريف ولا يزالون كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها هذا وفي أثناء قراءة القصة المذكورة يصلون على النبي ﷺ مراراً مع أناشيد متعددة مشتملة على مدحه وحسن سيرته الخ ثم عند ذكر الوضع والولادة له ﷺ ويقوم الحضور جميعاً على أقدامهم بغاية الأدب والاحترام تعظيماً لمقامه الشريف ومحبة له ﷺ مكررين الصلاة الإبراهيمية ثم يختم هذا المجلس بحمده تعالى والثناء عليه بما هو أهله وبالصلاة والسلام عليه ﷺ وبالدعاء للحاضرين ولجميع المسلمين هذا هو عمل المسلمين وقت اجتماعهم في كل مجلس اجتمعوا فيه لتلاوة قصة المنيفة إذا تبين هذا علمت أن مثل هذا المجلس يعد ويحسب من جملة مجالس الذكر التي ندب الله ورسوله إليها وذلك لأن لفظ الذكر لفظ عام يتناول أفراد كثيرة من كل ما يطلق عليه لغة وشرعاً أنه طاعة وعمل صالح كقراءة القرآن
стр. 770
والدعاء والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ وغير ذلك من الأعمال المحبوبة للشارع كما هو معلوم ففي القاموس وشرحه ما لفظه الذكر والطاعة والشكر والدعاء والتسبيح وقراءة القرآن وتمجيد الله وتسبيحه وتهليله والثناء عليه بجميع محامده أهـ وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال أن لله ملائكة سياحين في الأرض فإذا مروا بقوم يذكرون الله تنادوا هلموا إلى حاجتكم وذكر الحديث وفيه وجدناهم يسبحونك ويحمدونك وفي السنن عنه ﷺ أنه قال ما اجتمع قوم في مجلس فلم يذكروا الله فيه ولم يصلوا فيه علي إلا كان عليهم ترة يوم القيامة والترة النقص والحسرة فإذا كان مجلس من المجالس اشتمل على نوع واحد من أنواع الذكر يسمى مجلس ذكر فإن يسمى ما اجتمع فيه أنواع متعددة منه مجلس ذكر أولى وأحرى بل لو لم يكن فيه من الأعمال المتقدمة غلا الصلاة عليه ﵊ التي أوجبها كلما ذكر اسمه الشريف جمع من العلماء والتي هي من الآدميين تضرع ودعاء كما هي من الله رحمته المقرونة بالتعظيم ومن الملائكة استغفار لكفى حيث أنها من حيث ذاتها ذكر بل هي أهم الأذكار فليتأمل وبالجملة فالمجلس الذي اجتمع فيه المسلمون لقراءة مولد سيد الخلق ﷺ من أفضل القربات والعبادات لاشتماله على أنواع من الطاعات كما مر فما تمثيل هذا الجاهل الملحد فعل الإسلام بفعل المجوس إلا كتمثيل العلم بالجهل والحي بالميت والنور بالظلمة (قوله أو مماثلة للروافض الخ) هذا نظير ما قبله من الكذب والافتراء إذ لا يخفى على من اطلع على أحوال بعض الروافض لا سيما الغلاة من جهلائهم وشاهد أعمالهم يوم عاشوراء وما يفعلونه من تمثيل غلمان وغيرهم من البنات محاكاة لحالة بعض أهل البيت ﵃ بحالة تقشعر منها الجلود وتنفطر لها القلوب_أن فيها محرمات لا سيما التمثيل الذي هو محرم لكونه كذباً كما لا يخفى وقد بسطنا الكلام على ذلك في رسالتنا المدرجة في مجلة (الحقائق) الغراء في الجزء الثالث من السنة الثانية فارجع إليها إن شئت ويزاد على ذلك ما يفعلونه بأنفسهم من الإيذاء المحظور شرعاً وعقلاً كضرب الصدور ولطم الخدود والصياح وجرح الرؤوس والأبدان بآلات جارحة كما هو معلوم وأنت تعلم أن هذا من جنس النياحة المحرمة المجمع على تحريمها.
فتمثيل هذا الأخرق فعل المسلمين في قصة المولد النبوي بفعل غلاة الروافض كما مر
стр. 771
بهتان عظيم على المسلمين (قوله وهذه الحركة حرية باللوم الخ) دعواه هذه فرية بلا مرية بل هي من باب زناه فحده وتقول عليه فرده شبههم بالمجوس ليرميهم بالحماقة والفسق وغير ذلك افتراء وبهتاناً عليه ما يستحق من الله تعالى (قوله متى شاؤوا) قد علمت أن قراءة قصة المولد الشريف صارت من مجالس الذكر كما تقدم آنفاً وهي كما مر الحديث ليس لها وقت معين ولا جعل لها الشارع وقتاً مخصوصاًَ ولا عملاً مخصوصاً بل هي مطلقة وظاهر الإطلاق يشعر بعموم الأوقات والمحلات والحالات كما هو ظاهر فكلما تكرر الذكر ازداد الثواب والأجر وبما تقدم علمت أن فعل المولد الشريف نفسه صار شرعياً مثاباً على فعله مستحسناً عند جميع المسلمين وأن القيام عند الوضع الشريف من حيث ذاته شرعي أيضاً لاندراجه في عموم الحديث الصحيح وهو قوله ﷺ (من سن سنة حسنة الخ) فالمسلمون سنوه واستحسنوه تعظيماً له ﷺ لا سيما وقد شهد الشارع بأنه ما رأوه حسناً (فهو عند الله حسن) فهو حينئذ فرد من أفراد السنة الحسنة كما لا يخفى على من هو على طرف من علم الأصول فكيف يقول هذا الأحمق لا نظير له في الشرع فلينتبه لهذه المغالطة (قوله بأن يفرض الخ) قدمنا لك مراراً تزييف مثل هذا الكلام وبطلانه فلذا نضرب صفحاً عن التطويل في رده وبيان عاطله وباطله غير أننا لا نتركه هملاً عن بيان ما فيه من التمويه_ظن هذا المبطل أنه إذا أتى بهذه الحماقة تروج على المسلمين ولم يدر بأنه صار عندهم من الضالين المكذبين وأنه من الذين جادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق.
ولا يخفى أن من حلل حراماً مجمعاً عليه أو حرم حلالاً كذلك أو كفر مسلماً بمكفر كذلك أو سمى طاعة من الطاعات مزخرفات فرضية أو شبه فعلاً من عبادة أو طاعة بفعل مكفر من المكفرات بقصد تضليل فاعله أو أنكر فعلاً مشعراً بتعظيم نبي من الأنبياء لا سيما سيد الشفعاء عليه وعليهم الصلاة والسلام بما يؤدي إلى تحقيره أو تنقيصه أو الاستخفاف أو الاستهزاء به وازدرائه أو كان السياق يدل على أحد هذه المذكورات أو نحو ذلك من كل ما يغمص مقامه أو مقامهم عليه وعليهم الصلاة والسلام فإن كان جاهلاً فيعرف ويستتاب فإن تاب ولا فإن قامت عليه الحجة فعلى أولياء الأمور أيد الله بهم الدين أن يعاملوه بما يقضي عليه الشرع قضاء يردعه وأمثاله عن مثل ذلك لأنه ضال مضل والله تعالى أعلم.
стр. 772
يا للأرامل والأيتام باكية
قصيدة غراء للشاعر الفاضل أحمد أفندي محرم أنشدت في احتفال البحيرة (مصر)
الله أكبر جل الخطب واحتكمت ... فينا العوادي وطاشت دونها الخيل
حرب تبيت لها الأفلاك ذاهلة ... حيرى يسايرها الإشفاق والوجل
قذافة للمنايا الحمر صارخة ... ملء الفجاج حثاثاً ما بها مهل
ترفض من حولها الآجال جافلة ... تكاد من صعقات الهول تختبل
يا للغزاة قياماً دون بيضتهم ... إذا هوى بطل منهم سما بطل
يا للشهيد بدار الحرب تكنفه ... فيها الملائكة الأبرار والرسل
يا للجريح صريعاً لا مهاد له ... إلا النجيع وإلا النار تشتعل
يا للأرامل والأيتام باكية ... تشكو الطوى وتقوم الليل تبتهل
يا للحمى فزع الأرجاء مضطرباً ... يخاف عادية القوم الأُلى جهلوا
بني البحيرة هذا يومكم فخذوا ... أعلى المواقف كيما يصدق الأمل
تدفقوا بالنوال الجم واستبقوا ... في المكرمات فأنتم غيثها الهطل
إنا لفي غمرة عمياء ليس لها ... فيما تقدمها شبه ولا مثل
نلهو وننعم والأرزاء محدقة ... بنا وحادي الردى في أثرنا عجل
حاشا لقومي أن ترجى معونتهم ... فيبخلوا ويعابوا بالذي بذلوا
إني أرى المال جماً في خزائنهم ... وما عهدت بهم بخلاً إذا سُئلوا
أيمنح البائس المسكين بردته ... ويمنع المال مثر عيشه خضل
يا قوم أن لكم مالكم بدلاً ... ومالكم أبداً من ملككم بدل
حيوا الأميرين حيا الله ركبهما ... أنى استقر وأنى سار ينتقل
قاما بمصر مقام النيربين فما ... تضل سبل الهدى إن رابت السبل
ركنا الخلافة إن عزت دعائمها ... هوج الخطوب وخيف الحادث الجلل
بمثل ما صنعا تنجو الشعوب إذا ... حم القضاء وتحمي خوضها الدول
نعم المقام يبين العاملون به ... وحبذا اليوم فيه يعرف الرجل
стр. 773
المسلمون وأوروبا
لم يبق ريب بنيات دول أوروبا نحو دولة الخلافة بل نحو سائر الدول الإسلامية. فقد برح الخفاء وظهر الصبح لذي عينين. واتضح أن ما يتشدق به أعاظم رجال الحكومات الأوروبية من محبة العدل وكراهية الظلم والعطف على المظلوم والأخذ بيده ليس في الحقيقة إلا من الدعاوي التي لا يستطاع التصديق بها ما دمنا نرى كل يوم برهاناً جديداً ينقض هذه الدعاوي الباطلة. وإلا إذا كانوا على ما يزعمون من المبادئ الفاضلة. وحب الإنسانية لذاتها أو النفور من الجور والتعدي فلماذا تشب هذه الحروب وتضرم هذه النيران وتذهب أرواح بني الإنسان ضحية الطمع والهمجية وهم ساكنون.
تشب هذه الحرب الهائلة، وتذهب تلك الأنفس البريئة وفي إمكان أصحاب هذه المزاعم الموهومة منعها أو عدم حدوثها وهم لا يفعلون ثم لا يخجلون من ادعائهم أنهم رسل المدنية ومحبو الإنسانية ورافعوا أعلام العدل ومثال الأخلاق الفاضلة والكمال المجسم إلى آخر ما يتبجحون به ويوافقهم عليه زمرة من ضعاف الأحلام وعشاق الأوهام. فمن اكتفوا ببهرج المدنية الظاهرة عن الوصول إلى الحقائق الواضحة. والبينات الراجحة. وما عهد الحرب الطرابلسية ببعيد. فقد اتفقت كلمة العقلاء على استهجان احتلال الطليان لطرابلس بدون سبب ما يوجب ذلك إلا حب الاستعمار وتوسيع الممالك وقام بعض أرباب العقول المستنيرة من الغربيين يقبحون هذا العمل الممقوت ويحضون حكوماتهم على مساعدة العثمانيين فألبت تلك الحكومات أن تسمع نداء الحق حتى انتهت هذه الكارثة على ما لا يرضى به محبو العدل والإنسانية.
وإن أردت دليلاً ثانياً على بطلان ادعائهم حب العدل والإنسانية فها هي الحرب البلقانية التي شبت نارها. وحمي وطيسها. ولم تتحرك همة دولة من الدول العظمى لمنع حدوثها مع إمكان ذلك. وأعظم منه وأغرب أن دولتنا العلية العثمانية على أثر الانكسارات التي حصلت أثناء هذه الحرب المشئومة طلبت من الدول العظمى التداخل في الأمر وتوقيف الحرب فلم يرق في أعينهم حسم مادة البغي والظلم وحقن الدماء. فأجابوا بأن تكون المخابرة مع الدول المحاربة رأساً. ولو كان الأمر على العكس وكان هذا الطلب من دول البلقان المتحالفة على أثر انكسار أصابهم أو فشل لحق بهم لكان الجواب بالإيجاب ولحرمونا من ثمرات انتصارنا كما فعلوا في الحرب العثمانية اليونانية فإنه بعد انكسار
стр. 774
اليونان واستيلائنا على كثير من أملاكها توسطت أوروبا بطلب اليونان وكانت النتيجة حرماننا من ثمرات انتصارنا وتركنا أملاكها التي أخذناها بدماء رجالنا.
كل هذا من الأمور المقررة التي لا يرتاب في صحتها كل من يريد أن يفهم الحقيقة. ومع ذلك يقال عن منتقد ذلك بأنه متعصب. ويقول مثيرو الحرب البلقانية أنها حرب دينية وأنهم يريدون أن يثأروا للصليب من الهلال ولا يقال عنهم متعصبون. ثم بعد كل هذا وبعد تصريح دول البلقان بأن هذه الحرب دينية يوجد فينا من ينصب نفسه حكماً بذلك فيرى أنها غير دينية.
سأل سائل أصحاب مجلة المقتطف الغراء: ما هي سياسة دول أوروبا الآن في المملكة العثمانية وإيران فأجاب بما نصه:
إن المحور الذي تدور عليه سياسة الدول الأوروبية هو مصالح شعوبها المالية لأن الذين يديرون دفة السياسة هم رجال المال ولو لم يكونوا متربعين في المناصب الحكومية، وتختلف أساليبهم في الوصول إلى هذا الغرض باختلاف بلدانهم ومستعمراتهم وقربهم وبعدهم فإنكلترا كثيرة المستعمرات فلا يهمها أن تزيد مستعمراتها اتساعاً ليهاجر من يريد من شعبها إليها ولذلك لا تطمع بامتلاك بلاد جديدة إلا إذا كانت صلة بين مستعمراتها ولكنها تهتم أشد الاهتمام بحماية البلدان التي تروج متاجرها فيها وتبذل جهدها في صد من يريد امتلاكها إذا خافت أن يمنع ربحها منها ولذلك كان شأنها الدفاع عن الممالك العثمانية ومملكة إيران وحاربت الروس من أجل ذلك. وأما الدول التي تطلب امتلاك المستعمرات لسكنى من يريد من شعبها كألمانيا أو التي تطلب أن يكون لها مواني بحرية لمتاجرها وبوارجها كروسيا وبلغاريا أو التي لرعاياها أموال كثيرة في بلاد وتخشى على أموالهم إذا اختل الأمن فيها فتهتم بامتلاك البلدان ترويجاً لمصالح شعبها وحفظاً لأموالهم وإذا تعذر عليها امتلاكها اهتمت بامتلاك مرفأ فيها وبمراقبة ماليتها. ولا يخفى أن تضارب مصالح الدول ينوع مطالبها ويقال بالإجمال أنها تطلب أكثر ما يكون من الربح بأقل ما يكون من الخسارة وقد زعم البعض أن الدول الأوروبية تريد بالدولة العلية ودولة إيران شراً لأنها مسيحية وهما إسلاميتان. ولا أبعد عن الحقيقة من هذا الزعم لأن محور حركات الدول الأوروبية الماليون وأكثرهم من الإسرائيليين لا من المسيحيين ولأن أكبر الدول الأوروبية
стр. 775
المسيحية نصرت الدولة العلية على روسيا وقت حرب القرم بالمال والرجال كما لا يخفى. ووطأتها بعضها على بعض أشد من وطأتها على الدول الإسلامية فقد اجتاحت مملكة بولونيا المسيحية واقتسمتها وحاربت ألمانيا فرنسا حرباً لم يشهد التاريخ مثلها وامتلكت جانباً منها وحاربت النمسا قبل ذلك وهي صديقتها الآن وأثارت فرنسا الحرب على كل دول أوروبا المسيحية في عهد بونابرت ولو حالفته تركيا لاكتفى بمحالفتها. وأثارت إنكلترا الحرب على جمهورية الترنسافل المسيحية وامتلكتها وعضدت اليابان الوثنية في حربها مع روسيا المسيحية. وقد تدعي الدول أحياناً أن الدافع لها إلى الحرب أمر ديني كما ادعت روسيا وقت حرب القرم وكما ادعت دول البلقان الآن ولكن هذه الدعوة لا تثبت على نار الامتحان. فإذا اختلفت دول البلقان غداًُ على ثغر احتلته أخذ بعضها بخناق بعض وقد تحالف إحداها تركيا على محاربة حليفتها اليوم ومن المحتمل أن الدين اليوم كان من جملة الدوافع للحروب الصليبية الأولى ولكنه لم يكن الدافع الوحيد ولا الدافع الأقوى وإذا قلنا أن المصالح المادية هي المحور الوحيد الذي تدور عليه سياسات الدول لا تخطئ.
فأنت ترى أنه استبعد جداً أن تكون أوروبا متعصبة على المسلمين والتمس لهم عذراً فيما يصدر عنهم مما يدل على ذلك بأن إنكلترا كثيرة الأملاك لا تطمع في امتلاك بلاد جديدة إلا إذا كانت صلة بين مستعمراتها وأن بعضها يطلب أن تكون لها مواني بحرية لمتاجرها وبعض الدول يهتم بامتلاك البلاد التي تكون مديونة لرعاياها محافظة على أموالهم إلى غير ذلك من الأعذار فإذا كان يوجد فينا من يقيم لهم الأعذار على تعدياتهم ومظالمهم فليس ببعيد على من يريد اغتصاب بلاد غيره وأعد لذلك عدته من القوة أن يعتذر بمثل ذلك وإذا كان وجود أملاك دولة صلة بين أملاك دولة ثانية مبيحاً للثانية امتلاك الأولى سهل على كل دولة قوية أن تبتلع أملاك مجاوريها بهذه الحجة.
وأننا مع احترامنا لأصحاب المقتطف وتقديرنا معارفهم حقها نستغرب كيف يجعلون محاربة المسيحيين بعضهم بعضاً دليلاً على عدم التعصب على المسلمين لأنه ليس من يدعي أنه لا تقع حرب ما إلا ويكون منشؤها الاختلاف في الدين إنما المدعي أنه إذا نشبت الحرب بين دولتين مختلفتين في الدين يكون أقوى البواعث عن شبوبها اختلاف الدين واعتماد أحد الخصمين على دولة أو دول أخرى من أهل مذهبه يساعدونه وينصرونه
следующие страницы →