← Джавами‘

Джавами‘ · id 29676

مجلة الحقائق

عبد القادر الإسكندراني

Полный текст (1 077 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

بهتان عظيم على المسلمين (قوله وهذه الحركة حرية باللوم الخ) دعواه هذه فرية بلا مرية بل هي من باب زناه فحده وتقول عليه فرده شبههم بالمجوس ليرميهم بالحماقة والفسق وغير ذلك افتراء وبهتاناً عليه ما يستحق من الله تعالى (قوله متى شاؤوا) قد علمت أن قراءة قصة المولد الشريف صارت من مجالس الذكر كما تقدم آنفاً وهي كما مر الحديث ليس لها وقت معين ولا جعل لها الشارع وقتاً مخصوصاًَ ولا عملاً مخصوصاً بل هي مطلقة وظاهر الإطلاق يشعر بعموم الأوقات والمحلات والحالات كما هو ظاهر فكلما تكرر الذكر ازداد الثواب والأجر وبما تقدم علمت أن فعل المولد الشريف نفسه صار شرعياً مثاباً على فعله مستحسناً عند جميع المسلمين وأن القيام عند الوضع الشريف من حيث ذاته شرعي أيضاً لاندراجه في عموم الحديث الصحيح وهو قوله ﷺ (من سن سنة حسنة الخ) فالمسلمون سنوه واستحسنوه تعظيماً له ﷺ لا سيما وقد شهد الشارع بأنه ما رأوه حسناً (فهو عند الله حسن) فهو حينئذ فرد من أفراد السنة الحسنة كما لا يخفى على من هو على طرف من علم الأصول فكيف يقول هذا الأحمق لا نظير له في الشرع فلينتبه لهذه المغالطة (قوله بأن يفرض الخ) قدمنا لك مراراً تزييف مثل هذا الكلام وبطلانه فلذا نضرب صفحاً عن التطويل في رده وبيان عاطله وباطله غير أننا لا نتركه هملاً عن بيان ما فيه من التمويه_ظن هذا المبطل أنه إذا أتى بهذه الحماقة تروج على المسلمين ولم يدر بأنه صار عندهم من الضالين المكذبين وأنه من الذين جادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق. ولا يخفى أن من حلل حراماً مجمعاً عليه أو حرم حلالاً كذلك أو كفر مسلماً بمكفر كذلك أو سمى طاعة من الطاعات مزخرفات فرضية أو شبه فعلاً من عبادة أو طاعة بفعل مكفر من المكفرات بقصد تضليل فاعله أو أنكر فعلاً مشعراً بتعظيم نبي من الأنبياء لا سيما سيد الشفعاء عليه وعليهم الصلاة والسلام بما يؤدي إلى تحقيره أو تنقيصه أو الاستخفاف أو الاستهزاء به وازدرائه أو كان السياق يدل على أحد هذه المذكورات أو نحو ذلك من كل ما يغمص مقامه أو مقامهم عليه وعليهم الصلاة والسلام فإن كان جاهلاً فيعرف ويستتاب فإن تاب ولا فإن قامت عليه الحجة فعلى أولياء الأمور أيد الله بهم الدين أن يعاملوه بما يقضي عليه الشرع قضاء يردعه وأمثاله عن مثل ذلك لأنه ضال مضل والله تعالى أعلم.

стр. 772

يا للأرامل والأيتام باكية قصيدة غراء للشاعر الفاضل أحمد أفندي محرم أنشدت في احتفال البحيرة (مصر) الله أكبر جل الخطب واحتكمت ... فينا العوادي وطاشت دونها الخيل حرب تبيت لها الأفلاك ذاهلة ... حيرى يسايرها الإشفاق والوجل قذافة للمنايا الحمر صارخة ... ملء الفجاج حثاثاً ما بها مهل ترفض من حولها الآجال جافلة ... تكاد من صعقات الهول تختبل يا للغزاة قياماً دون بيضتهم ... إذا هوى بطل منهم سما بطل يا للشهيد بدار الحرب تكنفه ... فيها الملائكة الأبرار والرسل يا للجريح صريعاً لا مهاد له ... إلا النجيع وإلا النار تشتعل يا للأرامل والأيتام باكية ... تشكو الطوى وتقوم الليل تبتهل يا للحمى فزع الأرجاء مضطرباً ... يخاف عادية القوم الأُلى جهلوا بني البحيرة هذا يومكم فخذوا ... أعلى المواقف كيما يصدق الأمل تدفقوا بالنوال الجم واستبقوا ... في المكرمات فأنتم غيثها الهطل إنا لفي غمرة عمياء ليس لها ... فيما تقدمها شبه ولا مثل نلهو وننعم والأرزاء محدقة ... بنا وحادي الردى في أثرنا عجل حاشا لقومي أن ترجى معونتهم ... فيبخلوا ويعابوا بالذي بذلوا إني أرى المال جماً في خزائنهم ... وما عهدت بهم بخلاً إذا سُئلوا أيمنح البائس المسكين بردته ... ويمنع المال مثر عيشه خضل يا قوم أن لكم مالكم بدلاً ... ومالكم أبداً من ملككم بدل حيوا الأميرين حيا الله ركبهما ... أنى استقر وأنى سار ينتقل قاما بمصر مقام النيربين فما ... تضل سبل الهدى إن رابت السبل ركنا الخلافة إن عزت دعائمها ... هوج الخطوب وخيف الحادث الجلل بمثل ما صنعا تنجو الشعوب إذا ... حم القضاء وتحمي خوضها الدول نعم المقام يبين العاملون به ... وحبذا اليوم فيه يعرف الرجل

стр. 773

المسلمون وأوروبا لم يبق ريب بنيات دول أوروبا نحو دولة الخلافة بل نحو سائر الدول الإسلامية. فقد برح الخفاء وظهر الصبح لذي عينين. واتضح أن ما يتشدق به أعاظم رجال الحكومات الأوروبية من محبة العدل وكراهية الظلم والعطف على المظلوم والأخذ بيده ليس في الحقيقة إلا من الدعاوي التي لا يستطاع التصديق بها ما دمنا نرى كل يوم برهاناً جديداً ينقض هذه الدعاوي الباطلة. وإلا إذا كانوا على ما يزعمون من المبادئ الفاضلة. وحب الإنسانية لذاتها أو النفور من الجور والتعدي فلماذا تشب هذه الحروب وتضرم هذه النيران وتذهب أرواح بني الإنسان ضحية الطمع والهمجية وهم ساكنون. تشب هذه الحرب الهائلة، وتذهب تلك الأنفس البريئة وفي إمكان أصحاب هذه المزاعم الموهومة منعها أو عدم حدوثها وهم لا يفعلون ثم لا يخجلون من ادعائهم أنهم رسل المدنية ومحبو الإنسانية ورافعوا أعلام العدل ومثال الأخلاق الفاضلة والكمال المجسم إلى آخر ما يتبجحون به ويوافقهم عليه زمرة من ضعاف الأحلام وعشاق الأوهام. فمن اكتفوا ببهرج المدنية الظاهرة عن الوصول إلى الحقائق الواضحة. والبينات الراجحة. وما عهد الحرب الطرابلسية ببعيد. فقد اتفقت كلمة العقلاء على استهجان احتلال الطليان لطرابلس بدون سبب ما يوجب ذلك إلا حب الاستعمار وتوسيع الممالك وقام بعض أرباب العقول المستنيرة من الغربيين يقبحون هذا العمل الممقوت ويحضون حكوماتهم على مساعدة العثمانيين فألبت تلك الحكومات أن تسمع نداء الحق حتى انتهت هذه الكارثة على ما لا يرضى به محبو العدل والإنسانية. وإن أردت دليلاً ثانياً على بطلان ادعائهم حب العدل والإنسانية فها هي الحرب البلقانية التي شبت نارها. وحمي وطيسها. ولم تتحرك همة دولة من الدول العظمى لمنع حدوثها مع إمكان ذلك. وأعظم منه وأغرب أن دولتنا العلية العثمانية على أثر الانكسارات التي حصلت أثناء هذه الحرب المشئومة طلبت من الدول العظمى التداخل في الأمر وتوقيف الحرب فلم يرق في أعينهم حسم مادة البغي والظلم وحقن الدماء. فأجابوا بأن تكون المخابرة مع الدول المحاربة رأساً. ولو كان الأمر على العكس وكان هذا الطلب من دول البلقان المتحالفة على أثر انكسار أصابهم أو فشل لحق بهم لكان الجواب بالإيجاب ولحرمونا من ثمرات انتصارنا كما فعلوا في الحرب العثمانية اليونانية فإنه بعد انكسار

стр. 774

اليونان واستيلائنا على كثير من أملاكها توسطت أوروبا بطلب اليونان وكانت النتيجة حرماننا من ثمرات انتصارنا وتركنا أملاكها التي أخذناها بدماء رجالنا. كل هذا من الأمور المقررة التي لا يرتاب في صحتها كل من يريد أن يفهم الحقيقة. ومع ذلك يقال عن منتقد ذلك بأنه متعصب. ويقول مثيرو الحرب البلقانية أنها حرب دينية وأنهم يريدون أن يثأروا للصليب من الهلال ولا يقال عنهم متعصبون. ثم بعد كل هذا وبعد تصريح دول البلقان بأن هذه الحرب دينية يوجد فينا من ينصب نفسه حكماً بذلك فيرى أنها غير دينية. سأل سائل أصحاب مجلة المقتطف الغراء: ما هي سياسة دول أوروبا الآن في المملكة العثمانية وإيران فأجاب بما نصه: إن المحور الذي تدور عليه سياسة الدول الأوروبية هو مصالح شعوبها المالية لأن الذين يديرون دفة السياسة هم رجال المال ولو لم يكونوا متربعين في المناصب الحكومية، وتختلف أساليبهم في الوصول إلى هذا الغرض باختلاف بلدانهم ومستعمراتهم وقربهم وبعدهم فإنكلترا كثيرة المستعمرات فلا يهمها أن تزيد مستعمراتها اتساعاً ليهاجر من يريد من شعبها إليها ولذلك لا تطمع بامتلاك بلاد جديدة إلا إذا كانت صلة بين مستعمراتها ولكنها تهتم أشد الاهتمام بحماية البلدان التي تروج متاجرها فيها وتبذل جهدها في صد من يريد امتلاكها إذا خافت أن يمنع ربحها منها ولذلك كان شأنها الدفاع عن الممالك العثمانية ومملكة إيران وحاربت الروس من أجل ذلك. وأما الدول التي تطلب امتلاك المستعمرات لسكنى من يريد من شعبها كألمانيا أو التي تطلب أن يكون لها مواني بحرية لمتاجرها وبوارجها كروسيا وبلغاريا أو التي لرعاياها أموال كثيرة في بلاد وتخشى على أموالهم إذا اختل الأمن فيها فتهتم بامتلاك البلدان ترويجاً لمصالح شعبها وحفظاً لأموالهم وإذا تعذر عليها امتلاكها اهتمت بامتلاك مرفأ فيها وبمراقبة ماليتها. ولا يخفى أن تضارب مصالح الدول ينوع مطالبها ويقال بالإجمال أنها تطلب أكثر ما يكون من الربح بأقل ما يكون من الخسارة وقد زعم البعض أن الدول الأوروبية تريد بالدولة العلية ودولة إيران شراً لأنها مسيحية وهما إسلاميتان. ولا أبعد عن الحقيقة من هذا الزعم لأن محور حركات الدول الأوروبية الماليون وأكثرهم من الإسرائيليين لا من المسيحيين ولأن أكبر الدول الأوروبية

стр. 775

المسيحية نصرت الدولة العلية على روسيا وقت حرب القرم بالمال والرجال كما لا يخفى. ووطأتها بعضها على بعض أشد من وطأتها على الدول الإسلامية فقد اجتاحت مملكة بولونيا المسيحية واقتسمتها وحاربت ألمانيا فرنسا حرباً لم يشهد التاريخ مثلها وامتلكت جانباً منها وحاربت النمسا قبل ذلك وهي صديقتها الآن وأثارت فرنسا الحرب على كل دول أوروبا المسيحية في عهد بونابرت ولو حالفته تركيا لاكتفى بمحالفتها. وأثارت إنكلترا الحرب على جمهورية الترنسافل المسيحية وامتلكتها وعضدت اليابان الوثنية في حربها مع روسيا المسيحية. وقد تدعي الدول أحياناً أن الدافع لها إلى الحرب أمر ديني كما ادعت روسيا وقت حرب القرم وكما ادعت دول البلقان الآن ولكن هذه الدعوة لا تثبت على نار الامتحان. فإذا اختلفت دول البلقان غداًُ على ثغر احتلته أخذ بعضها بخناق بعض وقد تحالف إحداها تركيا على محاربة حليفتها اليوم ومن المحتمل أن الدين اليوم كان من جملة الدوافع للحروب الصليبية الأولى ولكنه لم يكن الدافع الوحيد ولا الدافع الأقوى وإذا قلنا أن المصالح المادية هي المحور الوحيد الذي تدور عليه سياسات الدول لا تخطئ. فأنت ترى أنه استبعد جداً أن تكون أوروبا متعصبة على المسلمين والتمس لهم عذراً فيما يصدر عنهم مما يدل على ذلك بأن إنكلترا كثيرة الأملاك لا تطمع في امتلاك بلاد جديدة إلا إذا كانت صلة بين مستعمراتها وأن بعضها يطلب أن تكون لها مواني بحرية لمتاجرها وبعض الدول يهتم بامتلاك البلاد التي تكون مديونة لرعاياها محافظة على أموالهم إلى غير ذلك من الأعذار فإذا كان يوجد فينا من يقيم لهم الأعذار على تعدياتهم ومظالمهم فليس ببعيد على من يريد اغتصاب بلاد غيره وأعد لذلك عدته من القوة أن يعتذر بمثل ذلك وإذا كان وجود أملاك دولة صلة بين أملاك دولة ثانية مبيحاً للثانية امتلاك الأولى سهل على كل دولة قوية أن تبتلع أملاك مجاوريها بهذه الحجة. وأننا مع احترامنا لأصحاب المقتطف وتقديرنا معارفهم حقها نستغرب كيف يجعلون محاربة المسيحيين بعضهم بعضاً دليلاً على عدم التعصب على المسلمين لأنه ليس من يدعي أنه لا تقع حرب ما إلا ويكون منشؤها الاختلاف في الدين إنما المدعي أنه إذا نشبت الحرب بين دولتين مختلفتين في الدين يكون أقوى البواعث عن شبوبها اختلاف الدين واعتماد أحد الخصمين على دولة أو دول أخرى من أهل مذهبه يساعدونه وينصرونه

стр. 776

سواء على الحق أو على الباطل وأن الدولة العثمانية ما منيت بحرب مع أخصامها إلا وكان منشؤه ما ذكر والتاريخ أعدل وأحكم.

стр. 777

إجابة طلب المؤيد حكمت عل نفسي الهموم بذلها ... فلذا بخير الأنبيا وأجلها أرجو التوسل كي أفوز بحلها ... (يا مصطفى قبل العوالم كلها) (والكون لم يبرز من التكوين) كن لي ملاذاً طالما ... من فرط ذنبي قد عدا وتحكما عودتني فيما اروم تكرما ... (ايروم مخلوق مديحك بعدما) (أثنى عليك الله في التبيين) (يا مصطفى قبل العوالم كلها) ... لنوال رتبة مرسل وأمين سماك مولاك الكريم حبيبه ... (والكون لم يبرز من التكوين) (أيروم مخلوق مديحك بعدما) ... فقت الخليقة كلها بيقين هلا كفى المداح طراً ذكر ما ... (أثنى عليك الله في التبيين) دمشق عبد القادر كيوان إن المشاكل فاجأت بأجلها ... وقضى مثيروها لنا باذلها تالله لا يرجى سواك لحلها ... (يا مصطفى قبل العوالم كلها) (والكون لم يبز من التكوين) أنت الذي حزت المقام الأعظما ... وحبيت فخراً حده لن يعلما يا خير خلق الله من عهد العمى ... (ايروم مخلوق مديحك بعدما) (اثنى عليك الله في التبيين) دمشق محمد نجيب الحلبي (يا مصطفى قبل العوالم كلها) ... يا شافعاً للناس يوم الدين كيف المديح وأنت أفضل مجتبى ... (والكون لم يبرز من التكوين) (ايروم مخلوق مديحك بعدما) ... أصبحت أعظم مرسل وأمين أم هل يجيد الناس إطراء وقد ... (اثنى عليك الله في التبيين) دمشق

стр. 778

أحمد عبيد

стр. 779

حكم أخلاقية شذرة من العالم الماجد المرحوم الشيخ محمد أفندي الطيبي المتوفي سنة ١٣١٧ هجرية أرسل بها إلينا حفيده الغيور الفاضل محمد عمر أفندي الطيبي مأمور أوراق لواء حوران قال ﵀: أرى غنماً عجماء ترعى لما تهوى ... وأسداً ضواري تطلب الما فما تروى وسادة قوم لا ينالون قوتهم ... وأشرار قوم تأكل المن والسلوى فلم ينلوا هذا بحد سيوفهم ... ولكن قضاة عالم السر والنجوى وقال أيضاً: بمكارم الأخلاق كن متخلقاً ... والطرف فاغضض والفضائل فاغتذي واستعمل الإحسان مع كل امرء ... ليفوح مسك شذاك كالعطر الشذي وانفع صديقك إذا اردت صداقة ... واحفظ لسانك واحذر اللسن البذي واصفح عن السوء المسيء بأهله ... وادفع عدوك بالتي فاذا الذي للعباس بن مرداس ترى الرجل النحيف فتزدريه ... وفي أثوابه أسد مزير ويعجبك الطرير ففتبتليه ... فيخلف ظنك الرجل الطرير فما عظم الرجال لهم بفخر ... ولكن فخرهم كرم وخير بغاث الطير أكثرها فراخاً ... \ وأم الصقرات مقلات نزور ضعاف الطير أطولها جسوماً ... ولم تطل البزاة ولا الصقور لقد عظم البعير بغير لب ... فلم يستغن بالعظم البعير يصرفه الصبي بكل وجه ... ويحبسه على الخسف الجرير وتضربه الوليدة بالهراوى ... فلا غير لديه ولا نكير فإن أك في شراركن قليلاً ... فإني في خياركم كثير

стр. 780

تقريظ المجلة بقلم العالم الفاضل صاحب الإمضاء نحمدك اللهم إن وفقت للخير سادة، وبلغتهم على رغم عدوهم الحسنى وزيادة، حيث اخترتهم للذب عن شريعة سيد المرسلين، واصطفيتهم لنصر الحق والدين، وجعلتهم مظهراً لكشف الحقائق، ومصدراً لقهر من ناوأهم من كل منافق أو مارق، في زمان فشى فيه الباطل أي فشو، واستعلى فيه الجاهل أي علو، وعتى بفساده وغيه أشد عتو حتى كان الغالب على جل أهله التعطيل، والتمويه والتضليل، وزخرفة الأقاويل، وليس لهم إلى درك الحق من سبيل، ما دام سعيهم في هذه الأباطيل الناشئة عن مجرد الأهواء الشيطانية المصادمة لشريعة خير البرية وظنوا أنهم خلى لهم الوقت عن معارض فجالوا في ميادين ليسوا من أهلها ولا بفرض الفارض وعندما مدوا أيديهم للعب بمسائل الدين ولم يتفكروا في قول سيد الخلق أجمعين (إن الله عند كل بدعة كيد بها الإسلام ولياً من أوليائه يذب عن دينه) الهم الله ﵎ من لطفه ومزيد عطفه طائفة من أهل الحق ظاهرين على من خالفهم لا يضرهم من نازعهم أو عاندهم قاموا بخدمته حق القيام وألزموهم حدهم والحق يعلو ولا يعلى (وكلمة الله هي العليا) (وإن حزب الله هم الغالبون) (وأنهم لهم المنصورون) لا شك أن الله تعالى أسعدهم بما استعملهم ووجه إليه هممهم حتى حارت بحججهم عقول الخصوم وبهتوا عن الجواب ولم يقدروا على دحضها من سائر الأبواب بل إنما خالفوا ليعرفوا فيا ليتهم سلموا وأنصفوا (يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم) حسداً ويبغون به شهرة وفخراً وسؤدداً والحسود لا يسود وعليه الوبال يعود كلا والله لا يمكنهم الله تعالى من إطفاء نوره وإنما يبكتهم ببدو الحق وظهوره قال تعالى وهو العليم بما يمكرون (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون) والعجب ممن يدافع الحقائق وينازع وهو غير ذائق والسكوت بمثله حري ولائق إذ لا قدم له في تلك الدقائق والرقائق وإنما هو مولع بنقل الغث والسمين من كل كذب ومين كما هو شأن الذين يدعون التمدن والعرفان ولم يتحققوا بحقيقة ما عليه أهل الإيمان وإنما هم أهل هذيان وبهتان لو عرفوا مقدارهم وما هم صائرون إليه ما تجاسروا على ما ليس من شأنهم التجاسر عليه ولكن يعدهم ويمنيهم الشيطان فيطلقون عنان اللسان لظنهم أنهم ظفروا بشيء

стр. 781

من الفضائل وهم منها محرومون في العاجل والآجل ألم يعلموا أن المرء ابن دينه لا ابن هواه وأن شرفه وكرامته عند ربه بتقواه ولكن لا حول ولا قوة إلا بالله. يقضي على المرء في أيام محنته ... حتى يرى حسناً ما ليس بالحسن فإلى الله تعالى نضرع وإليه أكف الذل نرفع متوسلين بالحبيب المشفع صلى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه ذوي المقام الأرفع أن يعلي همة أهل هذه (المجلة) وأن يدفع بهم عن افسلام كان مضلة وأن يؤيدهم بتأييده ويسددهم بتسديده وأن يديم لهم الارتقاء لذرى المجد والعلياء وأن يوفقنا وإياهم والمسلمين لمتابعة سيد المرسلين والتمسك بحب الله المتين وما عليه من الأئمة المجتهدين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين وأن يسلكنا وإياهم طريق أهل الله في الأحوال والأقوال والأفعال إنه هو الكريم ذو الأفضال وله الشكر والحمد على سائر نعمه من قبل ومن بعد محمد عارف المحملجي

стр. 782

العدد ٢٥ - بتاريخ: ٧ - ٢ - ١٩١٣

стр. 783

الدين الإسلامي والتوحيد خصائص الرسول ﷺ ذكرنا في مقالاتنا السابقة ما وهب الله تعالى لنبيه محمد صلى الله تعالى عليه وسلم من المقامات السامية والمراتب العالية الدالة على اصطفاء الله له من بين خلقه، وتفضيله على سائر أنبيائه وأثبتنا بالدلائل الواضحة والبراهين القاطعة ما لهذا الرسول من المعجزات الباهرات والآيات البينات الدالة على صدق نبوته وتحقيق رسالته ولكننا لم نوف الموضوع حقه بذكر الخصائص التي اختص فيها ﵊ مما تثبت أنه نسيج وحده ووحيد عالمه وأنه الجامع لأشتات الفضائل والسجايا والجامع لمتفرقات المواهب والمزايا اعتماداً على أننا نفرد بالذكر موضوعاً خاصاً يتضمن بيان بعض الخصائص التي خص الله بها نبيه ﷺ تشريفاً وتكريماً وتفضلاً وتعظيماً فنقول معتمدين في النقل على ما ثبت عن العلماء الثقات الحائزين قصبات السبق في مضمار الضبط وصحة النقل. الخصائص جمع خصوصية وهي ما خص الله تعالى به نبيه ﷺ فانفرد به عن كل ما سواه أو انفرد به عن غيره من الأنبياء أو عن أمته والأولى خصائص مطلقة حقيقية وما عداها إضافية. فمن خصائصه ﷺ سبقه على الأنبياء خلقاً واتصافاً بوصف النبوة وتحققاً بها فهو أول الأنبياء بل والمخلوقات أيضاً خلقاً ونبوة كما يشهد لذلك الحديث المخرج عن أحمد والحاكم والبيهقي عن العرباض بن سارية قال سمعت رسول الله ﷺ يقول إني عند الله في أم الكتاب لخاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته. وفي رواية للبخاري والطبراني عن ميسرة الضبي قال قلت يا رسول الله متى كنت نبياً قال وآدم بين الروح والجسد يعني أنه ﷺ اختص بأنه روحه الشريفة وحقيقته الطاهرة الزكية اتصفت بالنبوة بالفعل قبل خلق جسده من دون أرواح سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فإنها قبل خلق أجسادهم لم تتصف بالنبوة وبهذا الاعتبار كان ﷺ نبياً وآدم بين الروح والجسد. ومن خصائصه ﵊ أخذ الميثاق على النبيين أن يؤمنوا به وينصروه والتبشير به في كتب الله المنزلة قال تعالى: (وإذ أخذنا لله ميثاق النبيين لما آتيتكم من

стр. 784

كتاب وحمة الآية) وأخرج البخاري عن عطاء بن يسار قال لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ فقلت أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ قال أجل إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن (يا آيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وحرزاً للأميين أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا صحاب في الأسواق ولا يجزئ السيئة بالسيئة ولكن يعفو ويصفح ولا يقبضه الله تعالى حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا الله ويفتح به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً) (قال تعالى الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والأنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم أصرهم والأغلال التي كانت عليهم) فإن من تأمل حسن تدبيره للعرب الذين هم كالوحش الشارد مع الطبع المتنافر المتباعد وكيف ساسهم واحتمل جفاهم وصبر على أذاهم إلى أن انقادوا إليه واجتمعوا عليه وقاتلوا دونه أهليهم وآباءهم وابناءهم واختاروه على أنفسهم وهجروا في رضاه أوطانهم وأحباءهم من غير ممارسة سبقت له ولا مطالعة كتب يتعلم منها سير الماضيين تحقق أنه أعقل العالمين. ومما اختص به ﷺ وعد الله تعالى إياه بالعصمة ممن قصده بسوء من الناس قال تعالى: (والله يعصمك من الناس) ولا ينافي ذلك ما وقع له يوم أحد من الشبحة ولا ما وقع يوم خيبر من السم في الذراع فإن العصمة الموعود بها هي سلامة النفس من القتل وما عساه فهو من الابتلاء الذي يقع للكمل لرفع درجاتهم أخرج الترمذي والحاكم عن عائشة ﵂ قالت كان النبي ﷺ يحرس حتى نزلت هذه الآية (والله يعصمك من الناس) فأخرج رأسه من القبة فقال لهم يا آيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله تعالى. ومن خصائصه ﷺ التي استأثر بها عن سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الإسراء وما تضمنه من المعراج وهو من أشهر المعجزات وأعظم الآيات وأتم الدلالات الدالة على اختصاصه بما لم يصل إليه نبي مرسل ولا ملك مقرب وقصة المعراج ثابتة مشهورة.

стр. 785

ومن خصائصه ﷺ عموم الدعوة للناس كافة عربهم وعجمهم أسودهم وأحمرهم قال تعالى: (وما أرسلناك لا كافة للناس بشيراً أو نذيراً) أخرج البخاري عن جابر الأنصاري ﵁ قال قال رسول الله ﷺ أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي نصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة. ومن خصائصه ﷺ أنه بعث رحمة للعالمين حتى للكفار بتأخير العذاب ولم يعاجلوا بالعقوبة كسائر الأمم المكذبة قال تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) قال ابن عباس رحمة للبر والفاجر لأن كل نبي إذا كذب أهلك الله من كذبه وأما سيدنا محمد ﷺ أُخر من كذبه إلى الموت والقيامة وأما من صدقه فله الرحمة في الدنيا والآخرة بدليل (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم) قال ﵊ في الحديث المخرج عند الدرامي والبيهقي عن أبي هريرة ﵁ إنما أنا رحمة مهداة وفي الشفاء قال ﵊ لجبريل هل أصابك من هذه الرحمة شيء فقال نعم كنت أخشى العاقبة أي سوء العاقبة فأمنت لثناء الله تعالى علي في كتابه بقوله (ذي قوة عند ذي العرش مكين (مطاع ثم أمين). ومن خصائصه ﷺ أنه أكثر الأنبياء تابعاً يوم القيامة لحديث مسلم عن أنس ﵁ قال ﷺ أنا أكثر الأنبياء تابعاً يوم القيام. ومما خص به ﷺ أنه أوتي جوامع الكلم أي جمعت له المعاني الكثيرة الجليلة تحت الألفاظ اليسيرة أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ بعثت بجوامع الكلم. وقد جمع الناس من جوامع كلمه الموجز البديع الذي لم يسبق نظيره من ذلك قوله صلة الله عليه وسلم لا يلدغ المؤمن من حجر مرتين وقوله المرء مع من أحب وقوله ﷺ المرء كثير بأخيه وقوله ﷺ اتق الله حيثما كنت واتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن وقوله ﷺ البلاء موكل بالمنطق وقوله ﷺ من غش فليس منا وفي رواية من غشنا فليس منا قوله المجالس

стр. 786

بالأمانة وقوله ﷺ اليد العليا خير من اليد السفلى وقوله ﷺ الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة والتودد إلى الناس نصف العقل وحسن السؤال نصف العلم إلى غير ذلك مما تقف العقول دون منتهى معانيه. ومن خصائصه ﷺ أنه أوتي علم كل شيء حتى المغيبات أخرج الإمام أحمد عن أبي ذر قال لقد تركنا رسول الله ﷺ وما يقلب طائر جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علماً وفي الحديث المخرج عند الطبراني بسند صحيح عن ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال أوتيت مفاتيح كل شيء إلا الخمس إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت.) ومن خصائصه ﷺ أنه كان أشجع الناس وأثبتهم في الهيجاء ومواقف الحروب قال في الشفاء وكان ﷺ من الشجاعة والنجدة بالمكان الذي لا يجهل قد حضر المواقف الصعبة وفر الكماة والأبطال منه غير مرة وهو ثابت لا يبرح ومقبل لا يدبر ولا يتزحزح وما شجاع إلا وقد أحصيت له فرة وحفظت له حولة إلا رسول الله ﷺ ثم ذكر حديثاً أخرجه البخاري عن البراء بن عازب ﵁ وقد سأله رجل أفررتم يوم حنين عن رسول الله ﷺ قال نعم لكن رسول الله لم يفر ثم قال لقد ريته على بغلته البيضاء وأبو سفيان آخذ بلجامها والنبي ﷺ يقول_أنا النبي لا كذب أنا بن عبد المطلب _.

стр. 787

الشفقة على الحيوانات يعتقد الأوروبيون ومن نحا نحوهم ممن تشبع بعلومهم وتأدب بآدابهم أن الشفقة على الحيوانات والعطف عليها من خصائص المدنية الحديثة ومأثرة من مآثرها مع أنها من بعض مزايا الدين الإسلامي ومن جملة ما جاء به من السنن والآداب. إن الدين الإسلامي كما جاء رحمة عامة لسائر البشر جاء نعمة شاملة لسائر الحيوانات فأمر بالرفق بهم والإحسان إليهم ونهى عن تعذيبهم وإيذائهم روى البخاري في باب فضل سقي الماء عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال بينا رجل يمشي فاشتد عليه العطش فنزل بئراً فشرب منها ثم خرج فإذا هو بكلب يلهث يأكل الثرى من العطش فقال لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي فملأ خفه ثم أمسكه بفيه ثم رقي فسقى الكلب فشكر الله فغفر له قالوا يا رسول الله وأن لنا في البهائم أجراً قال في كل كبد رطبة أجر وفي البخاري عن أسماء بنت أبي بكر ﵂ أن النبي ﷺ صلى صلاة الكسوف فقال دنت مني النار حتى قلت أي رب وأنا معهم فإذا امرأة حسبت أنه قال تخدشها هرة قال ما شأن هذه قالوا حبستها حتى ماتت جوعاً وروى أيضاً عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال عذبت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت جوعاً فدخلت فيها النار قال فقال والله أعلم لا أنت أطعمتيها ولا سقيتها حين حبستيها ولا أنت أرسلتيها فأكلت من خشاش الأرض وسأل رسول الله ﷺ عن الحمر فقال ما أنزل علي فيها شيء إلا هذه الآية الجامعة الفاذة (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره) هذا طرف من حديث أخرجه البخاري في باب شرب الناس والدواب من الأنهار ونقل العيني في شرحه على البخاري روى سراقة بن مالك بن جعشم قال سألت النبي ﷺ عن الضالة من الإبل تغشى حياضي قد لطتها لأبلي فهل لي من أجران سقيتها فقال نعم في كل ذات كبد حرى أجر أخرجه ابن ماجة ومن حديث أخرجه البخاري في باب عيادة الصبيان قال سعد للنبي ما هذا يا رسول الله قال هذه رحمة وضعها الله في قلوب من شاء من عباده ولا يرحم الله من عباده إلا الرحماء ففي هذه الأحاديث دلالة على إظهار الشفقة على الحيوانات وإن كانت مؤذية ولا ينافي ذلك جواز قتلها لأنه إن سقاها يكون عاملاً بالشفقة والرحمة وداخلاً في عموم قوله ﷺ الراحمون يرحمهم الرحمن.

стр. 788

وروى الإمام مسلم عن أبي يعلي شداد بن أوس أن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته وهذا الحديث من قواعد الدين العامة قال الشراح عند قوله ﵊ إذا قتلتم فأحسنوا القتلة الخ وإحسان القتلة اختيار أسهل الطرق وأخفها إيلاماً وأسرعها إزهاقاً وأسهل وجوه قتل الآدمي ضربه بالسيف في العنق ولذا يمتنع قتل القمل والبق والبراغيث وسائر الحشرات بالنار لأنه من التعذيب وإحسان الذبح في البهائم الرفق بها فلا يصرعها بعنف، وتبيين محل ذبحها بأن يأخذ بيده اليسرى جلد حلقها من لحيها الأسفل بالصوف أو غيره حتى يظهر من البشرة موضع الشفرة وإضجاعها على شقها الأيسر لأنه أمكن للذابح إن كان من عادته أن يذبح باليمين وإلا فليضجعها على الأيمن ويكون ذلك من المقدم لا من القفا وإحداد الكسنة واجب في الكالة ومندوب في غيرها وينبغي مواراتها عنها في حال إحدادها فقد رواى الجلال والطبراني أنه ﷺ مر برجل واضع رجله على صفحة شاة وهو يحد شفرته وهي تلحظ إليه ببصرها قال أفلا قبل هذا؟ تريد أن تميتها موتتين هلا أحددت شفرتك قبل أن تضجعها وعن مالك أن عمر رأى رجلاً يحد شفرته وقد أخذ شاة ليذبحها فضربه وقال أتعذب الروح ألا فعلت هذا قبل أن تأخذها؟ وإراحة الذبيحة سقيها عند الذبح وإضجاعها بمكان سهل غير وعر وتعجيل إمرار السكين عليها بقوة ليسرع الموت إليها وبالإمهال بسلخها حتى تبرد ولا يجرها من موضع لآخر فقد روى ابن ماجة أن رسول الله ﷺ مر برجل وهو يجر شاة بإذنها فقال دع أذنها وخذ بسالفتها وهو مقدم العنق ومن إحسان للبهيمة أن لا تحمل فوق طاقتها ولا تركب واقفة إلا لحاجة ولا يحلب منها ما يضر بولدها ولا يشوى السمك والجراد حتى يموت وكتب الفقهاء طافحة بالحث على الرفق بالحيوانات فقد ذكر الإمام الغزالي رحمه الله تعالى في إحيائه في باب منكرات الشوارع ما نصه وكذلك تحميل الدواب من الأحمال ما لا تطيقه منكر يجب منع الملاك منه أه اللهم اهدنا هداية من عندك ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين والحمد لله رب العالمين.

стр. 789

التاريخ ننشر في هذا الباب سيرة كبار الرجال في الإسلام وشيئاً من فضائلهم وأخلاقهم وأعمالهم وسياستهم لما في ذلك من تحريك بواعث الهمم للاقتداء بهم في جلائل الأعمال وكرائم الخصال وليكون زاجراً لأولئك الذين يتغاضون عن مآثر رجال المسلمين ويفتخرون بحفظ تاريخ فلاسفة الغربيين سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ إجلاء أهل نجران من جزيرة العرب بعد أن سار أبو عبيدة بن مسعود بجيشه إلى العراق لمقاتلة أهل فارس كما تقدم، أرسل سيدنا عمر ﵁ يعلى ابن أمية إلى اليمن بجيش من المسلمين وأمره بإجلاء أهل نجران لأن رسول الله ﷺ أوصى بأن لا يترك دينان بأرض العرب ولأنهم نقضوا ما عاهدوا رسول الله ﷺ عليه من المتاجرة بالربا وكان مما قاله عمر ﵁ ليعلى أيتهم ولا تفتنهم عن دينهم، ثم أجلهم من أقام منهم على دينه، وأقرر المسلم، وامسح أرض كل من تجلي منهم ثم خيرهم البلدان، واعلمهم أننا نجليهم بأمر الله ورسوله أن لا يترك بجزيرة العرب دينان، فليخرجوا من أقام على دينه منهم ثم نعطيهم أرضاً كأرضهم إقراراً لهم بالحق على أنفسنا ووفاء بذمتهم فيما أمر الله من ذلك، الخ ثم عوضهم ﵁ أرضاً كأرضهم وفاءً بذمتهم. وهنا ندعو من يتهم المسلمين بعدم الوفاء بالعهود لأهل الذمة ليرجعوا إلى الحق وينظروا ما كان عليه المؤمنون من المحافظة على حقوق أهل الذمة والرأفة بهم ومعاملتهم بالعدل والرحمة يوم كان نفوذ المؤمنين في الكرة الأرضية في مكانة من العز ضجت أمام بأسها فراعنة الدنيا. ورغمت بها أنوف جبابرة العالم ودان لها أهل الشرك قاطبة حتى دفعوا الجزية عن يد وهم صاغرون. . في أيام تلك القوة الإسلامية المنيعة. عوض عمر ﵁ أهل نجران أرضاً كأرضهم التي أخرجهم منها وتركهم آمنين على دمائهم وأعراضهم وأموالهم عملاً بالشريعة الإسلامية السمحة التي أمرت بحفظ حقوق أهل الذمة والوفاء بما عوهدوا عليه ولو أراد سيدنا عمر يومئذ أن يستأصلهم من الأرض لما وجدوا ولياً ولا نصيرا.

стр. 790

لكن النفوس الإسلامية الكريمة التي أدبها القرآن بالكمال وحبب الإسلام إليها الصدق وكره إليها الغدر والخيانة قد حافظت على قوم ضعاف أذلاء وصدقت فيما عاهدتهم عليه. ومن أمعن النظر علم أن هذه الكمالات كانت السبب في امتداد نفوذ المؤمنين في أنحاء الأرض وأنهم لو انحرفوا عن ذلك الخط السوي لما استقام لهم الأمر ولا وصلوا إلى ما وصلوا إليه من الغايات الكمالية والقوة المادية والمعنوية ولذا يعتقد العاقل أن الأعداء الذين استولوا في هذه الأيام على كثير من بلاد الإسلام وفعلوا بأهلها ما فعلوا من ذبح الأطفال وهتك الأعراض وغير ذلك من الفظائع والمنكرات أن الدائرة تدور عليهم بحول الله وقوته فإنهم إذا طغوا وجاروا وظلموا وعاثوا في الأرض فساداً معتمدين على قوتهم فالله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وأعظم بطشاً ويأبى الله إلا أن ينصر المؤمنين مهما يكن فيهم من ضعف ولو كره الكافرون. هزيمة جيوش فارس وأسر جابان وهو من أعظم قوادهم اختلف أهل فارس فخافت بوران بنت كسرى وبعثت إلى رستم تستحثه للقدوم وهو على خراسان يومئذ فأقبل في الناس إلى المدائن. وأمرت بوران مرزابة فارس بالانقياد له فرضوا به وتوجوه عليهم واستعد هو وجيشه مع أهل فارس لقتال المسلمين. ولما وصل المثنى الشيباني وأبو عبيد الثقفي ومن معهما إلى الحيرة كتب رستم إلى دهاقين السواد أن يثوروا بالمسلمين وبعث لذلك في كل قرية رجلاً فجعل جابان أميراً على جيش وسيره إلى فرات بادفلا وأرسل ترسى ابن خالة كسرى في جيش إلى أرض كسكر وبعث جنداً آخر لمصادمة المثنى وعلم المثنى بذلك فخرج من الحيرة حذراً منهم ونزل جابان بأرض النمارق ومعه جمع عظيم ثم سار إليه أبو عبيد بمن معه وجعل المثنى على الخيل فاقتتلوا بالنمارق قتالاً شديداً كانت نتيجته انهزام أهل فارس وأسر أميرهم جابان. ثم لحق المنهزمون منهم بجيش نرسى ابن خالة كسرى واجتمع إليه سائر عسكر الفرس وبلغ بوران ورستم أسر جابان وانهزام جيشه فبعثا الجالينوس بمدد عظيم إلى نرسى فعاجلهم أبو عبيد وخرج إلى نرسى فاجتمع به عند كسكر بمكان يقال له السقاطية واشتد الأمر على المشركين فانهزموا وهرب أميرهم نرسى وغنم المؤمنون أرضهم وأموالهم وأسروا منهم كثيراً.

стр. 791

ووصل بعد ذلك الجالينوس بجيش عظيم من فارس فسار إليهم أبو عبيد فهزمهم أيضاً وهرب الجالينوس واستولى أبو عبيد على تلك البلاد ثم ارتحل حتى رجع إلى الحيرة. وقعة الجسر لما انهزم الجالينوس بمن معه رجعوا إلى رستم وأخبروه فجهز جيشاً أعظم من الأول وجعل بهمن المعروف بذي الحاجب أميراً عليهم وأرسلهم إلى الحيرة فساروا ومعهم راية كسرى حتى نزلوا الجسر وأقبل أبو عبيد فنزل قريباً منهم ونصبوا جسراً على الفرات ليتمكن الفريقان من القتال وقال ذو الحاجب أمير فارس للمسلمين إما أن تعبروا إلينا وإما أن نعبر إليكم فاختار أبو عبيد أن يعبر هو بجيشه إليهم وقال لا يكونوا أجرأ على الموت منا وعهد إلى الناس فقال إن قتلت فعلى الناس فلان فإن قتل فعليهم فلان وسمى سبعة اشخاص يتعاقبون على إمارة الجيش حتى قال فإن قتل فلان فالأمير هو المثنى ثم عبر على الجسر واستعرت بين الفريقين نار الوغى وكان أهل فارس يقاتلون على الفيلة وخيل المسلمين لم تألف ذلك فأحجمت ولم تقدم عليهم واشتد الأمر بالمسلمين فترجل أبو عبيد والناس وساروا مشاة حتى صافحوا المشركين بالسيوف وقطعوا بطان الفيلة فسقطت رحالها وقتلوا من كان عليها وعمد أبو عبيد إلى فيل أبيض فضربه بالسيف ثم خبطه الفيل بيده فوقع أبو عبيد على الأرض فتناول الراية رجل من السبعة الذين سماهم أبو عبيد للإمارة فقتله الفيل وتتابع بقية السبعة على أخذ الراية كل منهم يأخذ اللواء ويقاتل حتى يقتل ثم أخذ اللواء المثنى وانهزم البعض من المسلمين فلما رأى عبد الله الثقفي انهزام الناس سبقهم إلى الجسر فقطعه وقال يا أيها الناس موتوا أو تظفروا فثبت المسلمون لقتال أعدائهم ثم أمر المثنى جنده بالانسحاب فعبروا كلهم على الجسر ورجع بعضهم إلى المدينة وبقي المثنى في قلة وكان قد جرح وأراد ذو الحاجب العبور خلف المسلمين فأتاه الخبر باختلاف الفرس فرجع إلى المدائن. وقعة البويب ولما بلغ عمر بن الخطاب ﵁ مقتل أبي عبيد بالجسر ندب الناس إلى المثنى

стр. 792

وجهز جيشاً شديد البأس وأرسلهم إلى العراق مدداً للمثنى وبلغ الخبر رستم فبعث مهران أميراً على جند وأرسله إلى الحيرة. فعلم المثنى بذلك وهو بين القادسية وخفان فقصد أرض البويب وكتب إلى الجند الذي أرسله سيدنا عمر مدداً له يخبرهم بذلك. وأمرهم أن يقصدوا أرض البويب أيضاً مما يلي الكوفة حيث يجتمعون فيه فوافوه جميعاً وقد وصل مهران إلى إزائه من وراء الفرات ثم أذن المثنى لمهران أن يعبر بجيشه إليهم على جسر الفرات وعبأ المثنى أصحابه وكان الوقت في رمضان فأمرهم بالإفطار ليقووا على عدوهم. ثم أن المثنى رتب جنده وكبر ثلاثً وحمل في الرابعة على المشركين حملة أزالهم بها عن موقفهم وأصلاهم من سعير الحرب ما لم يطيقوه، فانهزموا وولوا الأدبار وقتل أميرهم مهران وكانت تلك الوقعة من أشد الوقعات على المشركين قتل فيها نحو مائة ألف وغنم المسلمون ذخائرهم وأموالهم وبلادهم وأسروا منهم كثيراً. ومن اطلع على حقائق التاريخ وأحاط بما جرى على أيدي الأمة الإسلامية من الفتوحات العظيمة والاستيلاء على كثير من ممالك الأمم وقهر الجبابرة والكاسرة مع قلة عدد المسلمين يومئذ وعدم توفر الآلات الحربية لهم علم أن تمسكهم بالدين ومحافظتهم على إقامة شعائره قد جعل فيهم قوة معنوية أرغموا بها أنوف المشركين وبددوا ببأسها جموع الكافرين. كان المؤمنون يقاتلون لإعلاء كلمة الله وتأييد دينه باعوا أرواحهم وأموالهم في سبيل الله امتثالاً لأمره وتصديقاً بوعده. وكيف يستطيع الكاتب وصف ثبات قوم اشتاقوا إلى منازلهم في الجنة وهم قد علموا أنها تحت ظلال السيوف.

стр. 793

المسلمون وما يجب عليهم قلنا ولا نزال نقول أن أوروبا لا تريد بالدولة العثمانية خيراً وبالأحرى لا تريد بالمسلمين خيراً فهي لا تفتأ تخلق لهم المشاكل وتضع أمام رقيها ورقيهم المصاعب وما زالت تعمل في السر والعلن على تفريق كلمتهم وتوهين علائقهم وتمزيق جامعتهم وتحول دون كل ما يدعو إلى جمع لكمتهم واتحاد أفكارهم وغاياتهم وقد اتخذت من الوسائل المقتضبة لتفرقهم مالا يحصى وفي مقدمتها تلك المدارس الأجنبية التي تنزعه من قلوب مريديها حب الدين وتعمل على بث روح التفرنج علماً منها بأن المسلمين بحكم دينهم مأمورون بالاجتماع والاتفاق وأنهم ماداموا متمسكين بدينهم عاملين بأوامره لا يسهل تذليلهم واستئصال ممالكهم لذلك كان من أقوى البواعث لزوال هيبة الدين من النفوس تلك المدارس التي أسست على مبادئ الإلحاد والتنفير من الأديان وقد ظهر من فساد تلك المدارس وإفسادها ما نراه في أخلاق كثير من ناشئتنا الجديدة من بغض العلم وأهله، والدين ورجاله، والنفور من كل من يدعو إلى عمل خير وير إن لم يوافق ما اعتادوا عليه من المبادئ السافلة والأفكار السقيمة حتى صار يعتقد كثير منهم أن الدين عقبة في سبيل رقينا وأنا ما دمنا متمسكين بمبادئه أو متعصبين له (كما يقولون) لم نزدد مع تمادي الأيام إلا انحطاطاً ومع كرور الأزمان إلا تأخراً شاعت تلك الفكرة وذاعت وكثر أنصارها والعامل الأكبر على ذلك تلك الفئة التي استقت معارفها من مناهل أوروبا واغتذت بلبان أفكارهم ومعتقدات وراق لديها ما يتظاهرون به من العدالة وخفي عنها ما يضمرون من العداء لكل من خالفهم وما يتحينون من الفرص لسحق ممالك الإسلام بجميع الطرق السلمية والحربية وانتزعت منهم بفضل ما بثت في تلك المدارس حب الدين حتى صاروا لا يغارون على حرمته أن تنتهك ولا على سمعته أن تشوه ولا على حامليه أن يذلوا ولا على أحكامه أن تبدل وهم في ذلك لا يرون سبة ما داموا يعتقدون أن الأديان عقبة في سبيل الرقي إذا لم يراع تغييرها وتبديلها على حسب الأزمنة والأحوال والسياسة على حسب ما لقنهم أساتذتهم المستعمرون ومن العوامل الكبيرة على شيوع تلك الفكرة السقيمة السابقة الجعل بأحكام الدين ودقائق أسراره فقد غفل المسلمون تعلم دينهم إغفالاً يعد قريباً من الإهمال بالكلية فلا تجد في أمهات المدن الإسلامية كدمشق مدارس لتعلم علوم الدين من تفسير وحديث وفقه وأصول وتوحيد كما لا تجد أساتذة يعلمون هذه العلوم بدروس خصوصية إلا قليلاً ولا تجد من الحكومة تشويقاً لتعلم تلك

стр. 794

الفنون. والفائدة العلمية التي حصلت من إعفاء طالب العلم من خدمة الجندية اقتصرت على تعلم فن النحو الصرف والمنطق مما يكون امتحانهم به ولا نغالي إذا قلنا أنه لا يوجد في كل مائة من المسلمين إثنان ممن يعرفون فرائض صلاتهم وسننها وأحوال مبايعاتهم وتطبيقها على أصول الشرع لتخلص من العقول الفاسدة والمراباة فضلاً عن دقائق علوم الدين في كل فرع من فروع احتياجاتنا الاجتماعية والأخلاقية والسياسية. إذا قلنا أن الجهل بأحكام الدين وترك العمل به جرا علينا كل ما نشاهده من الرزايا وما يكتنفنا من البلايا وإننا إذا بقينا في هذا السبات العميق ولم ننهض نهضة علمية دينية ونحكم الدين في كل ما يعتورنا من النوائب وما ينتابنا من المصائب لا يعد أن تصبح الممالك الإسلامية أثرا بعد عين بسبب تعصب الأغيار علينا: إذا قلنا ذلك قامت قيامة هؤلاء المتفرنجين المفسدين قائلين إن الدين قاصر على الصلة بين العبد وربه ولا دخل له بالسياسة وأننا بعد ما وصلنا إلى هوة الانحطاط بسبب عدم الأخذ بالمذاهب السياسية الجديدة ينبغي لنا أن نترك الجمود الديني جانباً ونقلد الغرب في كل ما نريد مما فيه صلاحنا ونجاحنا ولو كانوا على شيء من علم الدين لعلموا أن أقوى البواعث على تقهقرنا أمام أوروبا وهو تفرقة كلمة المسلمين وتخاذلهم وعدم وجود صلة تامة بين ملوكهم وأمرائهم عدم الاستعداد للحرب وهما من جملة ما نهى عنه الدين. بين الله تعالى في آيات كثيرة في كتابه الكريم فوائد الاجتماع والاتفاق وحض عليها وأمتن على المسلمين بأن جعلهم أخواناً بعد التفرقة وشرع من العبادات ما يقوي تلك الرابطة من صلاة الجماعة والجمعة وجعل صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبعين ضعفاً ترغيباً بذلك. وشرع الحج وجعل من فوائده أن يجتمع بسببه المسلمون من مشارق الأرض ومغاربها ويتذاكرون بما يجب عليهم من التعاون والتعاضد ورفع منار الدين وقمع أعدائه إلى غير ذلك من الفوائد الاجتماعية والأخلاقية وحض القرآن الكريم على الاستعداد فقال جل ذكره (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم) ومن الاطلاع على سيرة الرسول الأعظم يرى القارئ أنه كان لم يترك شيئاً من الاستعداد

стр. 795

بالنسبة لزمانه ومحاربيه وأنه كان يقتبس من الأغيار ما يراه نافعاً ومفيداً فقد كان حف الخندق في غزوة الأحزاب من جملة ما أخذ الرسول ﷺ عن الفرس وحصل بذلك من الفوائد في هذه الحرب ما هو معروف وبالإجمال إن الدين الإسلامي إذا أحسن المتدينون به استعماله ودققوا فيما حوى من بدائع الآيات وروائع الحكم وجعلوه العمدة فيما يأتون ويذرون والوجهة فيما يعملون ويتركون وطبقوا أعمالهم على مقتضى أوامره واجتنبوا ما نهى عنه سهل عليهم أن يكونوا أمة راقية مستقلة. هذا الدين الذي نهض بمعتنقيه في سالف الأزمنة حتى جعلهم في برهة وجيزة سادة الأرض وقادة الأمم هو هو الذي يقول عنه الأغيار والجهلاء أنه عقبة في سبيل الرقي وأنه لا تنطبق أحكامه مع حالة العصر الحاضر وأنه يجب علينا أن ننبذه ونستبدله بقوانين وضعية تلائم الأحوال الحاضرة كذب الأغيار وخسئ الجاهلون إن هذا الدين كان ولا يزال كافياً لحاجة متبعيه وكافلاً لرقيهم ونجاحهم وتفوقهم على سائر الأمم إذا أحسنو استعمال مافيه من الأوامر كما أسلفنا وعسى أن تكون الحوادث علمت المسلمين أنه لا نجاح لهم إلا برجوعهم إلى دينهم فليلتفتوا إلى إحكام الرابطة الدينية بين جميع المسلمين حسب ما أمرهم الله بكتابه ويستعدون لأعدائهم بمثل ما يستعدون هم لهم. أما أحكام الجامعة الإسلامية فهو من ألزم الأمور وهي الأساس الذي ترتكز عليه باقي الواجبات فإن المسلمين الذين يبلغ عددهم ما ينوف عن ثلاثمائة مليون من النفوس يدينون جميعاً بدين واحد بكتاب واحد وتجب عليهم طاعة خليفة واحد قوة عظيمة تميد لهيبتها الرواسي إذا عرف المسلمون كيف يستفيدون منها وها هي المثلات والعبر ترى كل يوم وتنذرنا بسوء المصير ودخانه المنقلب إذا بقينا متفرقين متخاذلين لا يهمنا من أمر المسلمين إلا ما يقع تحت بصرنا وإلا ما يكون له علاقة بذاتنا بل الواجب أن يكون المسلمون كالجسم الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء فالعثماني يهتم لمصاب الهندي والأفغاني يتألم لشكوى الإيراني وهكذا والكل يد واحدة على من ناوأهم بظل جلالة الخليفة الأعظم أيده الله وليس هذا بالأمر الصعب على زعماء المسلمين وقادتهم بعد ما رأوا أن الأغيار تعمل على استئصال ممالكهم وسحق نفوذهم ثم بعد إحكام هذه الرابطة يجب على المسلمين معرفة حقائق دينهم القويم ليكونوا على بينة مما يدعوهم إليه ولئلا تروج عليهم خرافات المبطلين وتمويهات المخرقين وما

стр. 796

ينسبونه إلى الدين مما هو براء منه. ثم عليهم بعد كل ما ذكر أن يمتثلوا أوامره ويجتنبوا منهياته ويزنوا أعمالهم بميزانه ويرجعوا إليه في كل ما استعصى عليهم ويقفوا عند حدوده في مشكلات الحوادث وعظائم الأمور هنالك يتجلى لهم سر الامتثال للشرع وفائدة وزن الأعمال بميزان القانون الإلهي وإذا أراد الله بهذه الأمة خيراً وفق علماءها وزعماءها إلى الأخذ بيدها إلى مراقي الكمالات بالرجوع إلى دينهم القويم وأخلاقه العظيمة وهنالك السعادة الأبدية والعز السرمدي.

стр. 797

مولد الرسول الأعظم ﷺ في مثل هذا الشهر المبارك ولد حضرة النبي الأكرم سيدنا (محمد) ﷺ أفضل المخلوقات أجمعين إفراداً وإجمالاً بمعنى ألأنه أفضل من كل فرد منهم على حدته، وأفضل من مجموعهم لو اجتمعوا بحيث لو اجتمعت جميع فضائلهم في كفة ميزان وفضائله ﷺ في الكفة الأخرى لرجحت فضائله على فضائلهم. فهو ﷺ بالإجمال على قدر من أرسله وفي قوله تعالى (وما قدروا الله حق قدره) إشارة كافية لمن تأمل ذلك وعقله. أخرج مسلم في صحيحه من حديث واثلة بن الأسقع ﵁ قال قال ﷺ أن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريش من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم. وعن ابن عمر ﵄ قال قال رسول الله ﷺ أن الله اختار خلقه فاختار منهم بني آدم ثم اختار بني آدم فاختار منهم العرب ثم اختارني من العرب فلم أزل خياراً من خيار إلا من أحب العرب فبحبي أحبهم ومن أبغض العرب فببغضي أبغضهم. ولما كان ﵊ هو الروح لهذا الوجود والسبب في كل موجود كان من أهم الواجبات علينا معشر المسلمين تعظيم أمر مولده الشريف، ومقابلته بالترحاب والتعظيم، والإجلال والتفخيم. وإن نظهر فيه المسرات، ونكثر فيه من فعل الخيرات، ونتوب من سائر المنكرات، ولم يزل المسلمون فيما مضى من الزمان ولن يزالوا إن شاء الله في كل عصر إلى انتهاء الدوران يحتفلون بمولده ﷺ ويعملون الولائم ويتصدقون بأنواع الصدقات ويزيدون في المبرات ليبدل عسرهم باليسر وحزنهم بالفرح والبسر ويمن عليه الكريم من فيضه العظيم بالعتق من النار ببركة رسوله العظم ﷺ فقد روي أن ثويبة عتيقة أبي لهب لما بشرته بولادته أعتقها وقد رؤي أبو لهب بعد موته في المنام فقيل له ما حالك فقال في النار إلا أنه خفف عني في كل ليلة اثنين وأمص من بين أصبعي هاتي ماء وأشار برأس إصبعيه وإن ذلك بإعتاقي لثويبة عندما بشرتني بولادة النبي ﷺ وبإرضاعها له. قال ابن الجزري فإذا كان هذا أبو لهب الكافر الذي نزل في القرآن ذمه جوزي بفرحه ليلة مولده ﷺ فما حال المسلم الموحد من أمته يسر بمولده ويبذل ما تصل إليه قدرته في محبته لعمري إنما يكون جزاؤه من الله الكريم أن يدخله بفضله العميم جنات

стр. 798

النعيم لا سيما إذا كثر من الصلاة والتسليم على البشير النذير فهي من أعظم الدلائل على محبته والاعتناء بجنابه العظيم وقد قال بوجوب الصلاة والسلام عليه عند ذكره أربعة من الأئمة الأعلام الحليمي من الشافعية والطحاوي من الحنفية واللخمي من المالكية وابن بطة من الحنابلة وقد ورد أن أولى الناس به يوم القيامة أكثرهم عليه صلاة. وفقنا الله لاتباعه وأدبنا بآدابه وجعلنا من حزبه وأحبابه ومن علينا بشفاعته وفرحنا بلذيذ خطابه. دمشق عارف المحملجي

стр. 799

السلام في الإسلام إن لمن أحسن المواضيع التي يخوض فيها الكتاب الحث على الآداب الإسلامية والأخلاق المحمدية لأن من تمسك بها نال الحظ الأوفر وفاز بالقدح المعلى كيف لا وقد قال تعالى (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) وقال ﵊ فعليكم بسنني وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ وإن من سننه ﷺ السلام وقد كانت تحية العرب قبل الإسلام عم صباحاً وتحية أهل الذمة بالأكف والأصابع والأكاسرة بالسجود للملك وتقبيل الأرض والفرس بطرح اليد على الأرض أمام الملك والحبشة بعقد اليدين على الصدر مع السكينة والروم بكشف الرأس وتنكيسها وحمير بالإيماء بالدعاء بالأصبع وتحية ملك اليمامة بوضع اليد على كتف المحيى فإن بالغ رفعها ووضعها مراراً فلما أشرقت شمس افسلام واستنارت كواكبه نسخ جميع التحيات وأمر بلفظ (السلام عليكم) معرفاً بأل أو سلامٌ عليكم منوناً وهو من القربات العظيمة لأنه أفضل التحيات إذ هو تحية الملائكة فيما بينهم وتحية أهل الجنة في الجنة قال الله تعالى (وتحيتهم فيها سلام) وإليك بعض ما ورد في الحث عليه قال تعالى (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها) وروى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ أي الإسلام خير قال تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا ولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم وروى الدارمي والترمذي وابن ماجة بإسناد حسن عن عبد الله بن سلام ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول يا أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلوا والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام. وروى البخاري في صحيحه عن عمار ﵁ ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان الإنصاف من نفسك وبذل السلام للعالم والإنفاق من الإقتار وروي هذا مرفوعاً في غير البخاري وهذا من جوامع الكلم وكيفية السلام أن يقول المسلم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بضمير الجمع وإن كان المسلم عليه واحداً ويقول المجيب وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ويأتي بواو العطف في قوله وعليكم فإن قال المبتدئ السلام عليكم حصل

стр. 800

السلام وكذلك إن قال السلام عليك أو سلامٌ عليك وأما الجواب فأقله وعليك السلام أو وعليكم السلام فإن حذف الواو فقال عليكم السلام أجزأه ذلك ولو قال عليكم لم يكن جواباً اتفاقاً وينبغي للمسلم أن يرفع صوته بحيث يسمع المسلم عليه فإن لم يسمعه لم يكن آتياً بالسلام فلا يجب الرد وأقل ما يسقط عنه فرض الرد وإذا سلم على أيقاظ عندهم نيام فالسنة أن يخفض صوته بحيث يحصل سماع المستيقظين ولا يستيقظ النائم فقد روى مسلم في صحيحه من حديث المقداد ﵁ قال كنا نرفع للنبي ﷺ نصيبه من اللبن فيجيء من الليل فيسلم تسليماً لا يوقظ النائم ويسمع اليقظان ويشترط أن ياون الجواب على الفور فإن أخره ثم رد لم يعد جواباً وكان آثماً بترك الرد. وتكره الإشارة باليد من غير لفظ السلام لما رواه الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال ليس منا من تشبه بغيرنا لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى فإن تسليم اليهود الإشارة بالأصابع وتسليم النصارى الإشارة بالكف ولا ينافي هذا ما رواه الترمذي عن أسماء بنت يزيد أن رسول الله ﷺ مر في المسجد يوماً وعصبة من النساء قعود فأشار بيده بالتسليم لأنه محمول على الجمع بين اللفظ والإشارة كما تدل عليه رواية أبي داود وزاد في روايته فسلم علينا. وابتداء السلام سنة مستحبة ليس بواجب وهو سنة كفاية فإن كان المسلم جماعة كفى عنهم تسليم واحد منهم ولو سلموا كلهم كان أفضل وأما المسلم عليه فإن كان واحد تعين عليه الرد وإن كانوا جماعة كان رد السلام فرض كفاية عليهم وإن ردوه كلهم فهو نهاية في الكمال والفضيلة ولو رد غيرهم لم يسقط عنهم الرد بل يجب عليهم أن يردوا فإن اقتصروا على رد الأجنبي أثموا. روى أبو داود في سننه عن علي ﵁ عن النبي ﷺ قال يجزئ عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم ويجزئ عن الجلوس أن يرد أحدهم وإذا نادى أحد أحداً من وراء ستر أو جدار فقال السلام عليك يا فلان أو كتب كتاباً فيه السلام عليك يا فلان أو السلام على فلان أو أرسل رسولاً وقال له سلم على فلان فبلغه الكتاب أو الرسول وجب عليه أن يرد السلام روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت قال لي رسول الله ﷺ هذا جبريل يقرأ عليك السلام قالت قلت وعليه السلام ورحمة الله وبركاته وإرسال السلام إلى من غاب عنه مستحب وكذلك يستحب الرد على المبلغ أيضاً فيقول

стр. 801

وعليك وعليه السلام روى أبو داود في سننه عن غالب القطان عن رجل قال حدثني أبي عن جدي قال بعثني أبي إلى رسول الله ﷺ فقال ائته فأقرئه السلام فأتيته فقلت إن أبي يقرئك السلام فقال عليك وعلى أبيك السلام فهذا وإن كان رواية مجهول يتسامح به لأن أحاديث الفضائل يتسامح فيها عند أهل العلم كلهم والرسول إن التزم التبليغ يجب عليه تذكره لأنه كالأمانة وإلا فهو كالوديعة. وقيل أنه لابد في الاعتداد بسلام المرسل ووجوب الرد من صيغة من المرسل أو الرسول بأن يقول المرسل السلام على فلان فبلغه فيقول الرسول فلان يسلم عليك أو يقول الرسول السلام عليك من فلان وإن لم توجد هذه الصيغة من واحد بأن قال المرسل سلم على فلان فقال الرسول فلان يسلم عليك فلا يجب الرد. وإذا سلم على أصم لا يجب عليه جواب ولكن يستحب له ولو سلم على الصبي على بالغ يجب الرد لعموم قوله تعالى (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها) وإذا سلم على قوم فيهم صبي ورد الصبي يسقط الفرض بسلامه وقيل لا يسقط وإذا سلم عغليه إنسان ثم لقيه على قرب يسن له أن يسلم عليه ثانياً وثالثاً وأكثر روى البخاري ومسلم في صحيحهما عن أبي هريرة ﵁ في حديث المسيء لصلاته أنه جاء فصلى ثم جاء إلى النبي ﷺ فسلم عليه فرد ﵇ وقال له ارجع فصل فإنك لم تصل فرجع فصلى ثم جاء فسلم على النبي ﷺ حتى فعل ذلك ثلاث مرات وروى أبو داود في سننه عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال إذا لقي أحدكم أخاه فليسلم عليه فإن حالت بينهما شجرة أو جدار أو حجر ثم لقيه فليسلم عليه وروى ابن السني عن أنس ﵁ قال كان أصحاب النبي ﷺ يتماشون فإذا استقبلتهم شجرة أو أكمة وتفرقوا يميناً وشمالاًُ ثم التقوا من ورائها سلم بعضهم على بعض وإذا تلاقى رجلان فسلم كل واحد منهما على صحابه دفعة واحدة يجب على كل واحد منهما أن يرد على صاحبه وإن سلم أحدهما بعد الآخر كان جواباً وإذا لقي إنسان إنساناً وقال المبتدئ وعليكم السلام لا يكون ذلك سلاماً بخلاف عليكم السلام بلا واو فإنه سلام ويجب على المخاطب البرد وقيل لا يجب ولكن يكره فعل ذلك وإذا اجتمع الرجلان فخيرهما الذي يبدأ بالسلام روى أبو داود في سننه بإسناد جيد عن أبي إمامة رضي الله

стр. 802

عنه قال قال رسول الله ﷺ أن أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام وروى الترمذي من حديث أبي إمامة قيل يا رسول الله الرجلان يلتقيان أيهما يبدأ بالسلام قال أولاهما بالله تعالى والسنة أن يبدأ المسلم بالسلام قبل الكلام والأحاديث الصحيحة وعمل سلف الأمة وخلفها على ذلك وإذا كان المسلم عليه مصلياً أو مؤذناً في حال أذانه أو إقامته الصلاة أو نائماً أو ناعساً أو مشتغلاً بالبول أو كان يأكل واللقمة في فمه فإن سلم عليه في هذه الأحوال كلها أحد لم يستحق جواباً أما إذا كان على الأمل وليست اللقمة في فمه فلا بأس بالسلام ويجب الرد وكذلك في حال المبايعة وسائر المعاملات يسلم ويجب الجواب وأما السلام على من يقرأ القرآن فالأولى تركه لاشتغاله بالتلاوة ومثله المشتغل بالدعاء وأما الملبي في الإحرام فيكره أن يسلم عليه لأن يكره له قطع التلبية فإن سلم عليه رد السلام باللفظ وإذا كان المسلم غير مشهور بفسق ولا بدعة يسلم وسلم عليه فيسن له السلام ويجب الرد عليه وأما المبتدع ومن اقترف ذنباً عظيماً ولم يتب منه فينبغي أن لا يسلم عليهم ولا يرد عليهم كما جنح إليه كثير من العلماء واحتج له البخاري في صحيحه بما رواه في قصة كعب بن مالك ﵁ حين تخلف عن غزوة تبوك هو ورفيقان له الخ القصة وقال البخاري وقال عبد الله بن عمرو لا تسلموا على شربة الخمر وقال النووي فإن اضطر إلى السلام على الظلمة بأن دخل عليهم وخاف ترتب مفسدة في دينه أو دنياه بعدم السلام سلم قال الإمام أبو بكر ابن العربي قال العلماء يسلم وينوي أن السلام اسم من أسماء الله تعالى والمعنى الله رقيب عليكم. والمرأة مع المرأة كالرجل مع الرجل وأما المرأة مع الرجل فإن كانت زوجته أو جاريته أو محرماً له فهي معه كالرجل فيستحب لكل ابتداء الآخر بالسلام ويجب على الآخر الرد وإن كانت أجنبية فإن كانت جميلة يخاف الافتتان بها لم يسلم أحدهما على الآخر وإن سلم لا يجب رد ذلك ولا يجوز وإن كانت ممن لا يفتتن بها جاز أن تسلم على الرجل وعليه أن يرد عليها وإذا كانت النساء جمعاً فيسلم عليهن الرجل أو كان الرجال جمعاً كثيراً فسلموا على المرأة الواحدة جاز إذا لم يخف عليه ولا عليهم ولا عليها فتنة روى ابن داود وابن ماجة عن أسماء بنت يزيد ﵂ قالت مر علينا رسول الله ﷺ في نسوة فسلم علينا وروى البخاري في صحيحه عن سهل بن سعد ﵁ قال

стр. 803

كانت فينا امرأة تأخذ من أصول السلق فتطرحه في القدر وتكركر (تطحن) حبات من شعير فإذا صلينا الجمعة انصرفنا نسلم عليها فتقدمه إلينا وأما أهل الذمة فيحرم ابتداؤهم بالسلام فإن سلموا هم على مسلم قال في الرد وعليكم ولا يزيد على هذا روى البخاري في صحيحه عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال إذا سلم عليكم اليهود فإنما يقول أحدهم السام عليك فقل وعليك وقال الإمام المتولي أنه لو أراد تحية ذمي فعلها بغير السلام بأن يقول هداك الله أو أنعم الله صباحك أو صبحت بالخير والسعادة أو بالعافية أو صبحك الله بالسرور أو ما أشبه ذلك قال النووي لا بأس به إذا احتاج إليه وأما إذا لم يحتج إليه فالاختيار أن لا يقول شيئاً من ذلك فإنه إيناس وبسط لهم ونحن أمرنا بعدم ودهم وإذا سلم على قوم بينهم كفرة يقصد المسلمين أو المسلم وإذا كتب كتاباً إلى مشرك وكتب فيه سلاماً أو نحوه فينبغي أن يكتب كما كتب رسول الله ﷺ إلى هرقل (من محمد بن عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى). وأما الصبيان فالسنة أن يسلم عليهم روى البخاري ومسلم عن أنس ﵁ أنه مر على صبيان فسلم عليهم وقال كان النبي ﷺ يفعله وروى أبو داود بإسناد الصحيحين عن أنس أن النبي ﷺ مر على غلمان يلعبون فسلم عليهم وفي بعض الروايات فقال السلام عليكم يا صبيان وهذا تدريب لهم على آداب الشريعة وفيه سلوك التواضع ولين الجانب ويسلم الراكب على الماشي والماشي على القاعد والقليل على الكثير والصغير على الكبير ولو خالفوا بأن سلم الكبير على الصغير والكثير على القليل لا يكره وما ذكر فيما إذا تلاقى الاثنان في طريق أما إذا ورد على قعود أو قاعد فالوارد يبدأ السلام على كل حال صغيراً كان أو كبيراً روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله ﷺ يسلم الراكب على الماشي والماشي على القاعد والقليل على الكثير وفي رواية للبخاري زيادة يسلم الصغير على الكبير الخ وإذا لقي رجل جماعة وخص أحدهم بالسلام كره ذلك منه لأن السلام شرع للأنس والألفة وبتخصيص البعض إيحاش الباقين وربما صار سبباً للعداوة وإذا مشى في السوق والشوارع المطروقة كثيراً مما يكثر فيه الملتاقون يكفي أن يسلم على بعض دون

стр. 804

بعض لأنه لو سلم على كل واحد ممن لقيه لتشاغل به عن كل مهم وإذا سلم جمع على واحد فقال وعليكم السلام وقصد الرد على جميعهم سقط عنه الفرض وإن قصد واحداً منهم لم يسقط عنه الفرض ولو دخل إنسان على جماعة قليلة يعمهم سلام واحد واقتصر على سلام واحد على جميعهم وما زاد من تخصيص فهو أدب ويكفي أن يرد منهم واحد قمن زاد فهو أدب ولو كان جمعاً لا ينتشر فيهم السلام الواحد كالجامع والمجلس الكبير فسنة السلام أن يبتدئ به الداخل في أول دخوله إذا شاهد القوم ويكون مؤدباً سنة السلام في حق من سمعه ويدخل في فرض كفاية الرد كل من سمعه فإن أراد الجلوس بينهم سقط عنه سنة السلام فيمن لم يسمعه من الباقين ويستحب إذا دخل بيتاً أو مسجداً ولم يكن فيه أحد أن يقول السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين وإن كان جالساً مع أحد وأراد الذهاب فالسنة أن يسلم عليه فقد روى أبو داود والترمذي بإسناد جيد عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلم فإذا أراد أن يقوم فليسلم فليست الأولى بأحق من الآخرة قال الترمذي حديث حسن ويجب على القوم جوابه وإذا مر على أحد وظن أنه إذا سلم عليه لم يجبه إما لتكبر أو لعدم اعتنائه بالمار أو السلام فينبغي أن يسلم ولا يتركه لهذا الظن فإن السلام مأمور به المار ولم يؤمر بتحصيل الرد مع أنه قد يخطئ الظن فيه ويرد ولا عبرة بمن قال أن سلام المار سبب لحصول الإثم في حق الممرور عليه لأن ذلك جهالة بينة من حيث أن المأمورات الشرعية لا تسقط عن المأمور بها بمثل هذه الخيالات ولو نظرنا لمثل هذه الخيالات الفاسدة لتركنا إنكار المتنكر على من فعله جاهلاً بكونه منكراً وغلب على ظننا أنه لا ينزجر بنصحنا له فإن إنكارنا عليه وإرشادنا له يكون سبباً لإثمه إذا لم يقلع عنه ولا شك في أنه لا يجوز ترك الإنكار بمثل هذا ويستحب لمن سلم على إنسان ولم يرد عليه أن يحلله من ذلك بقوله أبرأته من حقي أو جعلته فغي حل منه ويلفظ بهذا فإنه يسقط حق الآدمي روى ابن السني في كتابه عن عبد الرحمن بن شبل ﵁ قال قال رسول الله ﷺ من أجاب السلام فهو له ومن لم يجب فليس منا ويستحب لمن سلم على إنسان ولم يرد عليه أن يقول له بلطف ولن رد السلام واجب فينبغي لك رده كي يسقط عنك الفرض.

стр. 805

العصريون والدين يقال أن بعض الناس يطلبون من أهل العلم الغيورين على الدين تأليف جمعية تضم شتات الشبان العصريين وتؤلف بينهم وبين المتدينين وتزيل سوء التفاهم الحاصل بينهم وتدحض ما علق بقلوبهم من الشبه. وما انتابهم من الشكوك والأوهام وتفهمهم أن الدين الإسلامي والعلم الصحيح أخوان توأمان وفرقدان متلازمان وأن الدين يحرض على العلم ويدعو إلى النظر في عالم السموات والأرض ويطلق للعقل عنان الفكر ليذلل لخدمته الكائنات. ويزيد إيماناً بخالق هذه المخلوقات. وأن العلم يثبت أن الدين الإسلامي خير دين يدين به البشر وكلما زاد العلم تقدماً زاد رونق الدين الإسلامي ووضحت تكاليفه وظهر أنه خليل العقل وصديقه وحجتهم في لزوم هذه الجمعية أنهم يرون أكثر الشبان الذين يتعلمون هذه العلوم الطبيعية يمرقون من دينهم أو يشكون من عقائدهم غير مستمسكين بالدين ولا متخلقين بأخلاق المسلمين. بلغنا هذا الاقتراح فاستحسناه ولكن وجدنا من الصعب تحقيقه لذلك أحببنا أن نشرح أحوال هؤلاء الشبان ونبين لمن يرغب منهم في التعلم والاهتداء بهدي الدين أن إزالة شبههم لا تتوقف على تأليف هذه الجمعية لوجود ما يغني عنها فنقول. العصريون المطلوب إصلاحهم هم من تعلموا العلوم العصرية مع عدم تعلمهم أو إتقانهم على الدين وهؤلاء ينقسمون إلى ثلاثة أقسام القسم الأول وهو أكثرهم وأشدهم ضلالاً من وقف عند المادة وأنكر ما وراءها فهو لا يعبأ بالدين وما هو عنده إلا خرافات وأوهام ونزغات شيطان فهذا لا تنفع فيه المواعظ ولا تؤثر فيه النصائح والقسم الثاني من ضرب العلوم الدينية بسهم ضئيل فهو حيران لا يدري أي شيء يغلب عليه. الدين أم الإلحاد فهو بين بين تتنازعه عواطف الزندقة وصبا التدين فهذا يطمع في هدايته وإن كان بعيداً ويرجى برؤه وإن كان عنيداً والقسم الثالث من يغلب عليه حب الدين والتدين ولكن لا تفتأ نزغة الإلحاد توحشه وتقلقه. وتبعده وتقربه فهو يتفانى في حب الدين ويزداد شغفاً وشوقاً إلى ترقي المسلمين. ويريد أن يزيل ما علق بقلبه من الشبه ولكن لا يدري أي طريق يسلك. لا أي باب يطرق فالواجب على أفراد هذين القسمين أن يتعهدوا مجالس العلم ويطرقوا أبواب الأساتذة يسئلونهم عما طرأ عليهم من الشبه ليزيلوا شكوكهم ويحلوا مشكلاتهم يقولون لو أتينا هؤلاء

стр. 806

العلماء وسألناهم عما يدور في خلدنا من الشبه لأسكتونا وحكموا علينا بالكفر والإلحاد والفسق والضلال فماذا نصنع؟ قلنا لا نصيب لما تقولون من الصحة فإن العلماء مستعدون لإزالة شبه كل يسألهم وهل وظيفتهم غير ذلك ولكن ربما تدخلون عليهم بصورة المتعنتين لا المتعلمين فيلاحظون ذلك منكم فينبذونكم. هذه أقسام العصريين وأحوالهم وسبب زيغهم وإلحادهم معروف لا يكاد يختلف فيه وهو عدم تمكنهم من العلوم الدينية وتضلعهم بها. حكى بعضهم قال اجتمعت بأحد العصريين فدارت بيننا المباحثة بمسألة الاجتهاد والتقليد وهذه صورة ما دار بينهما: العصري: أليس الواجب على العلماء أن يعيروا هذه المسألة جانباً من الالتفات والنظر فيخرجو الناس من هذه القيود التي أضرت بالمسلمين وأوصلتهم إلى هذه الحال التي تذيب القلوب وتدمي المقل؟ المتدين: سبحان الله وهل مسألة الاجتهاد والتقليد هي التي أوصلت المسلمين إلى ما ترى؟ العصري: نعم وما على المسلمين لو تركوا هذه الأقاويل ورجعوا إلى الكتاب والسنة وأخذوا منهما أحكام الحلال والحرام. المتدين: وهل أخذ الأئمة الكرام من غير الكتاب والسنة؟ العصري: وهل تعتقد أن كل مسائل الفقه مأخوذة من الكتاب والسنة؟ المتدين: وهل يشك في ذلك؟ العصري: لقد أخطأ فهمك وطاش سهمك هناك ألوف المسائل لم يعثر لها على دليل. المتدين: كأنك لم تقرأ ما كتبته مجلة (الحقائق) في الجزء الأول من سنتها الأولى فإنها أخذت على عهدتها أنا تجيب على مسائل الفقه التي يظن أنها ليس لها دليل وتبين دليلها بما يقنع أولي الألباب فإن كنت في شك من بعض المسائل الفقهية فالمجلة مستعدة للجواب عما يرد عليها من الأسئلة قل لي بربك ماذا قرأت من وسائل العلوم الدينية ومقاصدها كالنحو والصرف والمنطق والأصول والفقه والحديث؟ العصري: لم أقرأ من ذلك إلا النذر القليل. المتدين: وهل من اللائق أن يخوض بمسائل الاجتهاد والتقليد من لا يحسن الوضوء ولا الصلاة ولا يجيد قراءة لفظ الحديث الذي يعرض نفسهم لفهم منطوقه ومدلوله وصريحه

стр. 807

وإشارته وظاهره وخفيه ومشكله ومفسره إن هذا لشيء عجاب. عليكم معشر العصريين بتعلم العلوم الدينية فإنها هي الحاجزة بينكم وبين النار. وإياكم أن يخدعكم أبالسة المبتدعة بما يلقونه في عقولكم من تحقير الفقه والفقهاء وتنفيركم من علماء الدين وأهل السنة أه. فقد وضح من جملة ما قدمناه أن الداء هو جهلهم بالعلوم الدينية وعدم تضلعهم بها. وإن الدواء الناجع هو رجوعهم إلى تعلم علوم الدين ومسائلها ومقاصدها فإن من علامات محبة الدين أن يطلب المرء ما يثبت تلك المحبة في قلبيه بأن يكون على يقين من أمره لا يشككه زيغ الزائغين ولا إلحاد الملحدين وأن أبواب الأساتذة مفتوحة للتعليم. وإن كل درس يقرأ عندهم هو الجمعية التي يطلبونها وما سوى ذلك فشهوات يمنيهم بها الشيطان ليحول بينهم وبين ما ينفعهم ويصدهم عن سبيل الله ولله في خلقه شؤون.

стр. 808

يا حكماء الإصلاح أدركوا المريض بعلاج ناجع وفيه من الحياة بعض رمق أرسل بها إلينا الشاعر المجيد الشيخ عبد الرحمن أفندي القصار أرى الدسائس بأن اليوم خافيها ... وقد أحاطت بنا طراً دواهيها تيقظوا إننا والله في خطر ... إن لم تحوطوا الربى فالسيل يبليها إني أنبهكم كونوا على حذر ... منك فكم أمة منها أعاديها بربكم أدركوا الأوطان حيث غدت ... على شفا جرف هار مبانيها إذا انتهى الجار من حلق قبل فقد ... وافاك حلاقه فاحذره تنبيها فالوحش إن صادفت في دار مضيعة ... فريسة أنشبت أظفارها فيها يا أمة رتعت في لهوها زمنا ... منذ ادعى حبها الأغيار تمويها أما كفاك اغترار فاتعظت بما ... قضى على حسنك الوضاح تشويها هبي لندرأ عنا ما أحاط بنا ... من الحوادث ما جرت عواديها هبي لنشرع في إصلاح ما فسدت ... منه الإدارة وانحطت معاليها واحسرتاه لبلدان برمتها ... قضت ولا من مجيب صوت ناعيها هل من مجيب لإصلاح البقية كي ... لا يلحقن بماضي تلك باقيها فسددوا نحو من يبغي التهامكمو ... سهام إصلاح بقيانا لنحميها كم يرسل الغرب من جيش الكلام لنا ... وفداً يهددنا بالحرب تنويها ونحن لم ننتبه إلا وأدركنا ... جيش الحسام فنرغو منه تدليها أبعد ما ذهبت منا البلاد سدى ... وصاح في إبل التسيار حاديها يطيب عيش وإغفاء لأمتنا ... ما لم يعد من ترقي العلم ماضيها وهذه الدولة العظمى على ملاء ... يدعو لأنجح إصلاح مناديها لبوا نداء إلى الإصلاح واتفقوا ... على علاج من الأدواء يشفيها أين الفتى الحر بين القوم يدرأ ما ... يزري بدولته العليا ويفديها يا أيها الغافلون الزاهدون بما ... يجدي بلادكمو نفعاً ويحييها قد اشتكى الوطن الواني تقاعسكم ... عنه وأطفالكم شابت نواصيها أبعد ذا اليوم نغضي الطرف عن وطن ... أيامه بالشقا ساوت لياليها

стр. 809

وارحمتها لأوطان تئن أسى ... منكم ولم تلق فيكم من يلبيها فإن تداركتموها بالحياة من ال ... إصلاح أو فدعوني اليوم أرثيها

стр. 810

إجابة طلب المؤيد صن أمة لعب العدو بعقلها ... وأنالها ألماً على آلامها إن لم تدركها فمن يرجى لها ... (يا مصطفى قبل العوالم كلها) (والكون لم يبرز من التكوين) أنت الذي لولاك ما انفك العمى ... عن ذا الوجود وشأنه ما نظما فالفضل منك مؤخراً ومقدماً ... (أيروم مخلوق مديحك بعدما) (أثنى عليك الله في التبيين) دمشق ع (يا مصطفى قبل العوالم كلها) ... يا مصدر الأشياء حبك ديني يا منتهى الغايات أنت المجتبى ... (والكون لم يبرز من التكوين) (أيروم مخلوق مديحك بعدما) ... شهد الكتاب بنعتك الميمون أنت المرجى في الشدائد حيث قد ... (أثنى عليك الله في التبيين) دمشق عبد المجيد قصاب (يا مصطفى قبل العوالم كلها) ... يا خير مبعوث وخير أمين أنت المشفع في الخلائق كلها ... (والكون لم يبرز من التكوين) (أيروم مخلوق مديحك بعدما) ... فقت العوالم كلها بيقين هل يحسن الشعراء مدحك بعد أن ... (أثنى عليك الله في التبيين) دمشق ص ز
следующие страницы →