← Джавами‘

Джавами‘ · id 29676

مجلة الحقائق

عبد القادر الإسكندراني

Полный текст (1 077 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

العلماء وسألناهم عما يدور في خلدنا من الشبه لأسكتونا وحكموا علينا بالكفر والإلحاد والفسق والضلال فماذا نصنع؟ قلنا لا نصيب لما تقولون من الصحة فإن العلماء مستعدون لإزالة شبه كل يسألهم وهل وظيفتهم غير ذلك ولكن ربما تدخلون عليهم بصورة المتعنتين لا المتعلمين فيلاحظون ذلك منكم فينبذونكم. هذه أقسام العصريين وأحوالهم وسبب زيغهم وإلحادهم معروف لا يكاد يختلف فيه وهو عدم تمكنهم من العلوم الدينية وتضلعهم بها. حكى بعضهم قال اجتمعت بأحد العصريين فدارت بيننا المباحثة بمسألة الاجتهاد والتقليد وهذه صورة ما دار بينهما: العصري: أليس الواجب على العلماء أن يعيروا هذه المسألة جانباً من الالتفات والنظر فيخرجو الناس من هذه القيود التي أضرت بالمسلمين وأوصلتهم إلى هذه الحال التي تذيب القلوب وتدمي المقل؟ المتدين: سبحان الله وهل مسألة الاجتهاد والتقليد هي التي أوصلت المسلمين إلى ما ترى؟ العصري: نعم وما على المسلمين لو تركوا هذه الأقاويل ورجعوا إلى الكتاب والسنة وأخذوا منهما أحكام الحلال والحرام. المتدين: وهل أخذ الأئمة الكرام من غير الكتاب والسنة؟ العصري: وهل تعتقد أن كل مسائل الفقه مأخوذة من الكتاب والسنة؟ المتدين: وهل يشك في ذلك؟ العصري: لقد أخطأ فهمك وطاش سهمك هناك ألوف المسائل لم يعثر لها على دليل. المتدين: كأنك لم تقرأ ما كتبته مجلة (الحقائق) في الجزء الأول من سنتها الأولى فإنها أخذت على عهدتها أنا تجيب على مسائل الفقه التي يظن أنها ليس لها دليل وتبين دليلها بما يقنع أولي الألباب فإن كنت في شك من بعض المسائل الفقهية فالمجلة مستعدة للجواب عما يرد عليها من الأسئلة قل لي بربك ماذا قرأت من وسائل العلوم الدينية ومقاصدها كالنحو والصرف والمنطق والأصول والفقه والحديث؟ العصري: لم أقرأ من ذلك إلا النذر القليل. المتدين: وهل من اللائق أن يخوض بمسائل الاجتهاد والتقليد من لا يحسن الوضوء ولا الصلاة ولا يجيد قراءة لفظ الحديث الذي يعرض نفسهم لفهم منطوقه ومدلوله وصريحه

стр. 807

وإشارته وظاهره وخفيه ومشكله ومفسره إن هذا لشيء عجاب. عليكم معشر العصريين بتعلم العلوم الدينية فإنها هي الحاجزة بينكم وبين النار. وإياكم أن يخدعكم أبالسة المبتدعة بما يلقونه في عقولكم من تحقير الفقه والفقهاء وتنفيركم من علماء الدين وأهل السنة أه. فقد وضح من جملة ما قدمناه أن الداء هو جهلهم بالعلوم الدينية وعدم تضلعهم بها. وإن الدواء الناجع هو رجوعهم إلى تعلم علوم الدين ومسائلها ومقاصدها فإن من علامات محبة الدين أن يطلب المرء ما يثبت تلك المحبة في قلبيه بأن يكون على يقين من أمره لا يشككه زيغ الزائغين ولا إلحاد الملحدين وأن أبواب الأساتذة مفتوحة للتعليم. وإن كل درس يقرأ عندهم هو الجمعية التي يطلبونها وما سوى ذلك فشهوات يمنيهم بها الشيطان ليحول بينهم وبين ما ينفعهم ويصدهم عن سبيل الله ولله في خلقه شؤون.

стр. 808

يا حكماء الإصلاح أدركوا المريض بعلاج ناجع وفيه من الحياة بعض رمق أرسل بها إلينا الشاعر المجيد الشيخ عبد الرحمن أفندي القصار أرى الدسائس بأن اليوم خافيها ... وقد أحاطت بنا طراً دواهيها تيقظوا إننا والله في خطر ... إن لم تحوطوا الربى فالسيل يبليها إني أنبهكم كونوا على حذر ... منك فكم أمة منها أعاديها بربكم أدركوا الأوطان حيث غدت ... على شفا جرف هار مبانيها إذا انتهى الجار من حلق قبل فقد ... وافاك حلاقه فاحذره تنبيها فالوحش إن صادفت في دار مضيعة ... فريسة أنشبت أظفارها فيها يا أمة رتعت في لهوها زمنا ... منذ ادعى حبها الأغيار تمويها أما كفاك اغترار فاتعظت بما ... قضى على حسنك الوضاح تشويها هبي لندرأ عنا ما أحاط بنا ... من الحوادث ما جرت عواديها هبي لنشرع في إصلاح ما فسدت ... منه الإدارة وانحطت معاليها واحسرتاه لبلدان برمتها ... قضت ولا من مجيب صوت ناعيها هل من مجيب لإصلاح البقية كي ... لا يلحقن بماضي تلك باقيها فسددوا نحو من يبغي التهامكمو ... سهام إصلاح بقيانا لنحميها كم يرسل الغرب من جيش الكلام لنا ... وفداً يهددنا بالحرب تنويها ونحن لم ننتبه إلا وأدركنا ... جيش الحسام فنرغو منه تدليها أبعد ما ذهبت منا البلاد سدى ... وصاح في إبل التسيار حاديها يطيب عيش وإغفاء لأمتنا ... ما لم يعد من ترقي العلم ماضيها وهذه الدولة العظمى على ملاء ... يدعو لأنجح إصلاح مناديها لبوا نداء إلى الإصلاح واتفقوا ... على علاج من الأدواء يشفيها أين الفتى الحر بين القوم يدرأ ما ... يزري بدولته العليا ويفديها يا أيها الغافلون الزاهدون بما ... يجدي بلادكمو نفعاً ويحييها قد اشتكى الوطن الواني تقاعسكم ... عنه وأطفالكم شابت نواصيها أبعد ذا اليوم نغضي الطرف عن وطن ... أيامه بالشقا ساوت لياليها

стр. 809

وارحمتها لأوطان تئن أسى ... منكم ولم تلق فيكم من يلبيها فإن تداركتموها بالحياة من ال ... إصلاح أو فدعوني اليوم أرثيها

стр. 810

إجابة طلب المؤيد صن أمة لعب العدو بعقلها ... وأنالها ألماً على آلامها إن لم تدركها فمن يرجى لها ... (يا مصطفى قبل العوالم كلها) (والكون لم يبرز من التكوين) أنت الذي لولاك ما انفك العمى ... عن ذا الوجود وشأنه ما نظما فالفضل منك مؤخراً ومقدماً ... (أيروم مخلوق مديحك بعدما) (أثنى عليك الله في التبيين) دمشق ع (يا مصطفى قبل العوالم كلها) ... يا مصدر الأشياء حبك ديني يا منتهى الغايات أنت المجتبى ... (والكون لم يبرز من التكوين) (أيروم مخلوق مديحك بعدما) ... شهد الكتاب بنعتك الميمون أنت المرجى في الشدائد حيث قد ... (أثنى عليك الله في التبيين) دمشق عبد المجيد قصاب (يا مصطفى قبل العوالم كلها) ... يا خير مبعوث وخير أمين أنت المشفع في الخلائق كلها ... (والكون لم يبرز من التكوين) (أيروم مخلوق مديحك بعدما) ... فقت العوالم كلها بيقين هل يحسن الشعراء مدحك بعد أن ... (أثنى عليك الله في التبيين) دمشق ص ز

стр. 811

الحكمة شربنا هواها مذ الست وقد صفا ... ولذّ كأن الله خص به الشفا ومذ رابنا أنا لديها على شفا ... (دخلنا عليها نستجير من الجفا) (على غفلة الواشي من الجن والأنس) وقفنا وكل للحتوف تعرضا ... وعن غيرها بالقول والفعل اعترضا وقلنا لها الصبر الجميل قد انقضى ... (فقالت فما تبغون قلنا لها الرضا) (فقالت رضائي بالخروج عن النفس) (دخلنا عليها نستجير من الجفا) ... لئلا يغوص القلب في لجة اليأس ويا حبذا لو كان يبدو خيالها ... (على غفلة الواشي من الجن والإنس) (فقالت فما تبغون قلنا لها الرضا) ... لندرك فيه الوصل من حضرة القدس ونفنى فناءً فيه تحيى نفوسنا ... (فقالت رضائي بالخروج عن النفس) ابن المدرسة سعدنا بكشف الضر والوقت قد صفا ... بأنظار من نهوى إذا الدهر أنصفا ولما رأيناها تبدت من الخفا ... (دخلنا عليها نستجير من الجفا) (على غفلة الواشي من الجن والأنس) رجونا وصالاً للحبيب فأعرضا ... وما ثم إلا ما به حكم القضا فقلنا لها بالله صفحاً لما مضى ... (فقالت وما تبغون قلنا لها الرضا) (فقالت رضائي بالخروج عن النفس) (دخلنا عليها نستجير من الجفا) ... ومن ظلمة الأغيار والريب واللبس لجأنا إليها نستعيذ من النوى ... (على غفلة الواشي من الجن والأنس) (فقالت وما تبغون قلنا لها الرضا) ... وإن تكلئي صباً من الزيغ والطمس وإن ترحمي كلاً حناناً ورأفةً ... (فقالت رضائي بالخروج عن النفس) عبد المجيد القصاب

стр. 812

من كتاب الأدب لجعفر بن شمس الخلافة وهو من الكتب المخطوطة النادرة ولم أر مثل المال أرفع للنذل عش عمر نوح الياً ستعزل حسن في كل عين من تود الإرب إحسان عليك ثقيل رب عيش أخف منه الحمام ليس المجرب مثل من لم يعلم حنانيك بعض الشر أهون من بعض ومن وجد الإحسان قيداً تقيدا لعل غداً يبدي لمنتظر أمراً وما كل من أوليته نعمة شكر كفاية الله خير من توقينا ما غبن المغبون مثل عقله وليس لشيء بعد ما فات مطلب وما خلا الدهر من صاب ومن عسل وقد يبتلي الحر الكريم فيصبر وعلى المريب شواهد لا تدفع وليس لعظم هاضه الله جابر إذا لم تجد بالمال جاد به الدهر إن البخيل فقير غير مأجور والكلب أنجس ما يكون إذا اغتسل وكل قريب لا ينال بعيد لا خير في لذة من بعد سقر إن الصبابة بعد الشيب تضليل

стр. 813

ويعرف فضل الشمس عند مغيبها دية الذنب عندنا الاعتذار وما عاقل في بلدة بغريب ذهب القضاء بحيلة الأقوام ونعمة الله مقرون بها الحسد ولا يكشف الفتيان مثل التجارب وأعيى مصاب الموت كل طبيب

стр. 814

العدد ٢٦ - بتاريخ: ٩ - ٣ - ١٩١٣

стр. 815

الدين الإسلامي والتوحيد خصائص الرسول الأعظم ﷺ ومن خصائصه ﷺ أنه سيد الأنبياء والمرسلين وسيد البشر من الأولين والآخرين وأنه اشرف المكونات وأفضل أهل الأرض والسموات. أخرج الترمذي وابن ماجة عن أبي سعيد الخدري قال رسول الله ﷺ أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر. ومن خصائصه ﷺ إسلام قرينه من الجن. أخرج البزار عن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ فضلات على الأنبياء بخصلتين كان شيطاني كافراً فأعانني الله عليه حتى أسلم وقال الراوي ونسيت الأخرى. ومن خصائصه ﷺ أن الميت يسأل في قبره عنه ﵊. أخرج البخاري عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ أن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه حتى أنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فأقعداه فيقولان له ما كنت تقول في هذا الرجل محمد ﷺ فأما المؤمن فيقول أشهد أنه عبد الله ورسوله فيقال انظر إلى مقعدك من النار أبدلك الله به مقعداً من الجنة فيراهما جميعاً وأما الكافر أو المنافق فيقول لا أدري كنت أقول ما يقول الناس فيقال لا دريت ولا تليت ثم يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين. ومن خصائصه ﷺ أنه أول من تنشق عنه الأرض أخرج الترمذي عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً قال رسول الله ﷺ أنا أول من تنشق عنه الأرض فأكسى حلة من حلل الجنة ثم أقوم على يمين العرش ليس أحد من الخلائق يقوم ذلك المقام غيري. ومن خصائصه ﷺ المقام المحمود (وهو الشفاعة العظمى في فصل الفضاء) الذي يحمده فيه الأولون والآخرون أخرج الشيخان عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال أنا سيد الناس يوم القيامة هل تدرون مم ذلك يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون فيقول بعض الناس لبعض ألا ترون ما

стр. 816

أنتم فيه أما قد بلغكم ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم فيقول بعض الناس لبعض أبوكم آدم فيأتون آدم فيتنصل فيأتون نوح فيتنصل فيأتون إلى إبراهيم كذلك فيتنصل ثم موسى ثم عيسى عليهم الصلاة والسلام إلى أن ينتهي الأمر إلى سيد الرسول فيقولون يا محمد أنت رسول الله وخاتم النبيين فاشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه قال ﵊ فأقوم فآتي تحت العرش فأقع ساجداًَ لربي يفتح الله علي ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه ما لم يفتحه على أحد قبلي فيقال يا محمد ارفع رأسك وسل تعط وأشفع تشفع فأقول يا رب أمتي أمتي الخ الحديث. ومن خصائصه ﷺ أنه أول من يجيز بأمته على الصراط لحديث أخرجه مسلم عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً يضرب الصراط بين ظهراني جهنم فأكون أنا وأمتي أول من يجيزه. ومن خصائصه ﷺ أنه أول من يقرع باب الجنة روى مسلم عن أنس ﵁ مرفوعاً على النبي ﷺ آتي باب الجنة فاستفتح فيقول الخازن من أنت فأقول محمد فيقول بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك مما اختص به ﷺ الكوثر قالا تعالى (إنا أعطيناك الكوثر) وأخرج الترمذي وأحمد مرفوعاً إلى النبي ﷺ الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب ومجراه على الدر والياقوت تربته أطيب ريحاً من المسك وماؤه أحلى من العسل وأشد بياضاً من الثلج. ومن خصائصه ﷺ الوسيلة العظمى وفسرها العلماء بأنها أعلى درجة في الجنة وأفضل منازلها أخرج مسلم عن ابن عمرو ﵁ مرفوعاً إلى النبي ﷺ قال إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول ثم صلوا علي ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تبتغى إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة. ومن خصائصه ﷺ أن كل سبب ونسب منقطع يوم القيام إلا سببه ونسبه أخرج الطبراني عن ابن عباس ﵄ مرفوعاً إلى النبي ﷺ كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي أه وقد ذكر الشيخ عبد الغني النابلسي معنى لطيفاً في تقرير هذا الحديث قال أن نبينا أبو الأنبياء والمؤمنين في الدين وآدم عليه

стр. 817

السلام أبو البشر في الطين والنسب الطيني غير نافع بدليل أن الأب قد يكون مؤمناً بل نبياً ويكون ابنه كافراً فلم ينتفع الابن بالنسب الطيني حيث فارق أباه في النسب الديني فيوم القيامة تضمحل الأنساب الطينية وتنقطع قال تعالى (يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه) ولا يبقى إلا النسب الديني وهو ﷺ الأب الكامل فيه فكل من أدلى إليه بهذا النسب فهو ناج وإلا كان من الهالكين أه. ومن خصائصه ﷺ أنه كان يرى من خلفه كما يرى أمامه ويرى في الليل والظلمة كما يرى في النهار والضوء أخرج البيهقي عن عائشة ﵂ قالت أن رسول الله ﷺ يرى في الظلمة كما يرى في الضوء وأخرج الشيخان عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال هل ترون قبلتي ها هنا فوالله ما يخفى علي ركوعكم ولا سجودكم إني أراكم وراء ظهري. ومن خصائصه ﷺ طيب رائحة عرقه الشريف روى البخاري عن عائشة قالت كنت قاعدة أغزل والنبي ﷺ يخصف نعله فجعل جبينه يعرق وجعل عرقه يتولد نوراً فبهت فقال مالك بهت قلت جعل جبينك يعرق وجعل عرقك يتولد نوراً ولو رآك أبو كبير الهذلي لعلم أنك أحق بشعره حيث يقول: ومبرإ من كل غبر حيضة ... وفساد مرضعة وداء مغيل وإذا نظرت إلى أسرة وجهه ... برقت بربوق العارض المتهلل فوضع رسول الله ﷺ ما كان بيده وقام إلي فقبل ما بين عيني وقال جزاك الله يا عائشة خيراً فما أذكر أني سررت كسروري بكلامك وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة ﵁ قال جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله إني زوجت ابنتي وأحب أن تعينني بشيء قال ما عندي شيء ولكن أتني بقارورة واسعة الرأس وعود شجرة فأتاه فجعل النبي ﷺ يسلت العرق عن ذراعيه حتى امتلأت القارورة قال فخذها وأمر بنتك أن تغمس هذا العود في القارورة وتطيب به فكانت إذا تطيبت يشم أهل المدينة رائحة ذلك الطيب فسموا بيت المطيبين. ومن خصائصه ﷺ أنه كان إذا مشى مع الطويل طاله وإذا جلس يكون كتفه أعلى من جميع الجالسين وكان لا يرى له ظل في الشمس ولا في القمر وأنه لم يقع

стр. 818

ظله على الأرض أخرج البيهقي عن عائشة ﵂ قالت لم يكن رسول الله بالطويل البائن ولا بالقصير المتردد وكان ينسب إلى الربعة إذا مشى وحده ولم يكن على حال يماشيه أحد من الناس ينسب إلى الطول إلا طاله وربما اكتنفه الرجلان الطويلان فيطولهما فإذا فارقهما نسب إلى الربعة وأخرج الترمذي عن ذكوان ﵁ أن رسول الله ﷺ لم يكن له ظل في شمس ولا قمر أه وقد علل عدم ظهور ظله في الشمس والقمر بأن قلبه الشريف نور وجسمه لطيف شفاف يشف عن ذلك النور فيمحي به ظله.

стр. 819

سنن متروكة لقد فشى بين الأمة الإسلامية التخلق بأخلاق الغربيين والتمسك بعاداتهم حتى كادت الأخلاق الإسلامية أن تكون نسياً منسياً وأثراً بعد عين لذا رأينا أن نذكر طرفاً من سنن نبينا ﷺ وأخلاقه الكريمة كي يظهر للأمة ما كان عليه النبي ﵊ وصحبه ﵃ فمن ذلك الاستئذان. قال تعالى: (يا آيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا_أي تستأذنوا_وتسلموا على أهلها) وقال تعالى (وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم) وروى البخاري ومسلم في صحيحهما عن أبي موسى الشعري ﵁ قال قال رسول الله ﷺ إنما جعل الاستئذان من أجل البصر والسنة أن يسلم ثم يستأذن روى أبو داود والترمذي عن كلدة بن الجنبل ﵁ قال أتيت رسول الله ﷺ فدخلت عليه ولم أسلم فقال النبي ﷺ ارجع فقل السلام عليكم أأدخل وهو حديث حسن وبيان ذلك أن المستأذن يقف عند الباب لا ينظر إلى من في داخله ويقول السلام عليكم أأدخل فإن لم يجبه أحد قال ذلك ثانياً ثالثاً فإن لم يجبه أحد انصرف وينبغي أن ينتظر بين السلام الأول والثاني مقدار أربع ركعات أو مقدار الوضوء أو قضاء الحاجة لعل رب المنزل مشغول عن الجواب فقد نقل العلامة الشهير ابن عابدين في كتاب الحظر والإباحة في حاشيته عن قول الشارح وإذا أتى دار إنسان الخ وفي فصول العلامي وإذا دخل على أهله يسلم أولاً ثم يتكلم وإن أتى دار غيره يستأذن للدخول ثلاثاً يقول في كل مرة السلام عليكم يا أهل البيت أيدخل فلان ويمكث بعد كل مرة مقدار ما يفرغ الآكل أو المتوضئ أو المصلي بأربع ركعات فإن أذن له دخل وغلا رجع سالماً ن الحقد والحسد والعداوة أه وقال أبو موسى الأشعري وحذيفة يستأذن على ذوات المحارم يدل عليه ما روي عن عطاء بن يسار أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ فقال أأستأذن على أمي قال نعم فقال الرجل إني معها في البيت فقال رسول الله ﷺ استأذن عليها أتحب أن تراها عريانة قال لا قال فاستأذن عليها أخرجه مالك في الموطأ مرسلاً. وإذ دق الباب على أحد أو استأذن بالسلام فقبل له من أنت يطلب أن يقول فلان ابن فلان المعروف بكذا أو ما أشبه ذلك بحيث يحصل التعريف التام به ويكره أن تقتصر على قوله

стр. 820

أنا أو الخادم أو بعض المحبين أو نحو ذلك روى البخاري ومسلم في صحيحهما عن جابر ﵁ قال أتيت النبي ﷺ فدققت الباب فقال من ذا فقلت أنا فقال أنا أنا كأنه كرهها ولا بأس بأن يصف نفسه بما يعرف به وإن كان فيه نوع تبجيل أو تعظيم كأن يقول أنا المفتي فلان أو القاضي فلان أو الشيخ فلان أو ما أشبه ذلك روى البخاري ومسلم عن أبي ذر ﵁ واسمه جندب وقيل برير بضم الباء تصغير بر قال خرجت ليلة من الليالي فإذا رسول الله ﷺ يمشي وحده فجعلت أمشي في ظل القمر فالتفت فرآني فقال من هذا فقلت أبو ذر. يستحب للرجل تقبيل يد غيره إذا كان ذلك لزهده أو صلاحه أو علمه أو شرفه أو نحو ذلك من الأمور الدينية وإن كان ذلك لغناه أو دنياه أو شوكته فهو مكروه شديد الكراهة وقال بعض العلماء حرام روى أبو داود في سننه عن زارع ﵁ وكان في وفد عبد القيس قال فجعلنا نتبادر من رواحلنا فنقبل يد النبي ﷺ ورجله. تقبيل الرجل خد ولده الصغير أو أخيه أو صديقه وقبلة غير خده من أطرافه على وجه الشفقة والرحمة واللطف سنة مشهورة ذكراً كان أو أنثى أما التقبيل بشهروة فحرام سواء ذلك في الولد وغيره روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضى الله عنه قال قبل النبي ﷺ الحسن بن علي ﵄ وعنده الأقرع بن حابس التميمي فقال الأقرع أن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً فنظر إليه رسول الله ﷺ ثم قال من لا يرحم لا يرحم. وأما تقبيل وجه الميت الصالح للتبرك لا بأس به روى البخاري في صحيحه عن عائشة ﵂ في الحديث الطويل في وفاة رسول الله ﷺ قالت دخل أبو بكر ﵁ فكشف عن وجه رسول الله ﷺ ثم أكب عليه فقبله ثم بكى. لا بأس بتقبيل الرجل وجه صاحبه إذا قدم من سفر. روى الترمذي عن عائشة ﵂ قالت قدم زيد بن حارثة المدينة ورسول الله ﷺ في بيتي فأتاه فقرع الباب فقام إليه النبي ﷺ يجر ثوبه فاعتنقه وقبله قال الترمذي حديث حسن وأما المعانقة وتقبيل الوجه لغير الطفل ولغير القادم من سفر ونحوه فمكروهان ويدل

стр. 821

على الكراهة ما رواه الترمذي وابن ماجة عن أنس ﵁ قال قال رجل يا رسول الله الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه أينحني له قال لا قال فيأخذ بيده ويصافحه قال نعم قال الترمذي حديث حسن. وكون المعانقة والتقبيل مكروهين هو في غير الأمرد الحسن الوجه أما هو فحرام بكل حال تقبيله مطلقاً قدم من سفر أو لا ومعانقته كذلك ولا فرق بين أن يكون المقبل والمقبل صالحين أو فاسقين وأحدهما صالحاً فالجميع سواء. ومن سننه ﵊ المصافحة فهي سنة مجمع عليها عند التلاقي روى البخاري عن قتادة ﵁ قال قلت لأنس ﵁ أكانت المصافحة في أصحاب النبي ﷺ قال نعم وروى البخاري ومسلم في حديث كعب ابن مالك ﵁ في قصة توبته قال فقام إلي طلحة بن عبد الله ﵁ يهرول حتى صافحني وهناني وأما تخصيص المصافحة بعد صلاتي الصبح والعصر فلا أصل له شرعاً على هذا الوجه لكن لا بأس به لأنه من أفراد السنة وينبغي أن يحترز من مصافحة الأمرد الحسن الوجه وكل من حرم النظر إليه حرم مسه بل المس أشد فإنه يحل النظر إلى الأجنبية إذا أراد أن يتزوجها وفي حال البيع والشراء والأخذ والعطاء ولا يجوز مسها في شيء من ذلك ويستحب مع المصافحة البشاشة بالوجه والدعاء بالمغفرة ونحوها. روى مسلم في صحيحه عن أبي ذر ﵁ قال قال لي رسول الله ﷺ لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق وروى ابن السني في كتابه عن أنس ﵁ قال ما أخذ رسول الله ﷺ بيد رجل ففارقه حتى قال اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ونقل العلائي في الدر المختار عنه ﵊ من صافح أخاه المسلم وحرك يده تناثرت ذنوبه ونقل العلامة ابن عابدين في حاشيته عند هذا البحث وكذا في شرح الهداية للعيني قال النبي ﷺ أن المؤمن إذا لقي المؤمن فسلم عليه وأخذه بيده فصافحه تناثرت خطاياهما كما يتناثر ورق الشجر رواه الطبراني والبيهقي ويكره حني الظهر في كل حال لكل أحد ويدل على ما قدمناه من حديث أنس ﵁ وهو قوله أينحني له قال لا قال الإمام النووي ولا يغتر بكثرة من يفعله ممن ينسب إلى علم أو صلاح وغيرهما من

стр. 822

خصال الفضل فإن الاقتداء إنما يكون برسول الله ﷺ قال الله تعالى (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) وقال تعالى (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) وقد قال الفضل بن عياض ﵁ اتبع طرق الهدى ولا يضرك قلة السالكين وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين ويستحب إكرام الداخل بالقيام لمن كان فيه فضيلة ظاهرة من علم أو صلاح أو شرف أو ولاية مصحوبة بصيانة ونحو ذلك ويكون هذا القيام للبر والإكرام لا للرياء وعلى جواز القيام عمل السلف والخلف ويستحب زيارة الصالحين والأخوان والجيران والأصدقاء والأقارب وبرهم وصلتهم وينبغي زيارتهم على وجه لا يكرهونه. روى الترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ من عاد مريضاً أو زار أخاً في الله تعالى ناداه مناد بأن طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلاً.

стр. 823

صدى حجاب المرأة شهادة مسيحي بمضار التبذل الاجتماعية لما أظلتنا أوروبا بمدنيتها الحديثة وبمعارفها وعلومها ومستحدثاتها ومخترعاتها اغتر بزخرف تلك المدنية الساحرة فريق من عشاق المظاهر وعبدة الأوهام ظنوا أن كل ما تأتي به أوروبا حسن لذاته ومفيد للهيئة الاجتماعية وواجب على جميع الأمم والشعوب أن تقفوا أثرهم به لتصل إلى أوج السعادة والكمال. تمكن منهم هذا الغرور تمكناً ملك عليهم مشاعرهم حتى صار الأمر المحمود في الشرع الذي يدينون به مذموماً في عرفهم واعتقادهم لأن أوروبا رأت أنه غير نافع لها في مدنيتها الحديثة. من ذلك حجاب المرأة. ولا يمتري ذو مسكة من العقل بما لحجاب المرأة من الفوائد التي من أهمها حفظ الأنساب وقد جاءت مشروعيته في كتاب الله وسنة رسوله على أبلغ وجه ومضت الأيام والسنون والاتفاق على استحسانه سائد ومطابقة العقل للنقل فيه محكمة وثيقة لذلك لا نعلم أن أحداً من علماء الإسلام وأئمتهم على مدة ثلاثة عشر قرناً ارتأى أن الحجاب الشرعي مضر بالنساء وأن ابتذال المرأة وخروجها من صيانة الحجاب نافع لها ومرق لأخلاقها إلى أن داهمتنا تلك المدنية التي زحزحت كثيراً ممن لم تتمكن عقائد الدين من نفوسهم عن جادة الحق والشرع فكان من جملة ما منينا به من نوائب هذه الشرذمة الجاهلة أن قام من يقول بضرر الحجاب بل وعدم مشروعيته وبوجوب تقليد أوروبا بهذه المسألة الخطيرة وتحرير المرأة من قيودها الثقيلة ومزاحمتها للرجل في ميادين الأعمال. لا حجة لهم في استحسان ما ذكر والاعتقاد بوجوبه سوى أن أوروبا عالمة به وهي مترقية والغريب في ذلك أن بعضاً من متطرفة المغرورين يرى أن كل رقي نالته أوروبا كان بسبب ابتذال المرأة وأن رقينا موقوف على ذلك لا محالة. وقد كنا كتبنا في السنة الأولى من الحقائق رداً ضافياً على الزهاوي في هذه المسألة وملحقاتها وأثرنا عن حضرة العالم الاجتماعي الكبير محمد فريد بك وجدي ما يتوقعه فلاسفة العمران في أوروبا من انهدام عظمة أوروبا بيد المرأة إن لم يمكن إيقافها عند حدها ونقلنا ما ذكره حفظه الله من كلام المسيو (جان فينول) مدير مجلة المجلات وغيره بهذا

стр. 824

الصدد ولا بأس أن نعيد نقل بعضه ها هنا إتماماً للفائدة قال جان فينول (نقول بغاية الأسف أن المرأة التي بواسطتها تهذيب أوروبا ستكون هي نفسها هادمة تلك المدنية الزاهرة بيديها بإزاء هذه النزعات فإن عقلاء القوم لا يدرون كيف يوقفون سير هذا التيار الشديد الاندفاع الذي ابتدأ يجرف أمامه كل الكمالات الأخلاقية التي بنيت على أساسها عظمة العالم المتمدن أه. فعلماء أوروبا وفلاسفتها تسعى لتلافي أضرار التبذل ومساواة والمرأة للرجل في كل شؤونه وجهلاؤنا المغرورون يريدون تقليدها فيما أدرك عقلاؤها ضرره وسوء مغبته وقد قرأنا في مجلة (الهلال) الغراء فصلاً من رحلة صاحبها جرجي زيدان لبلاد أوروبا وصف لبلاد أوروبا وصف به حال المرأة الفرنساوية وما جناه عليها وعلى المجتمع الفرنسوي تبذلها وتبرجها وحريتها المتطرفة فأردنا نقل محل الشاهد من كلامه هنا قال: كنا نشكو من جهل الفتاة الشرقية وحجابها ونحسد الفتاة الافرنجية على تعلمها وحريتها فلما رأينا حالها في باريس انقلبت شكوانا وكدنا نرضى بالحجاب والجهل. أنهم أساؤوا إلى ذلك المخلوق اللطيف بتلك الحرية المتطرفة أرسلوا المرأة إلى الأسواق تخالط الشبان وتبايعهم وتساومهم وتعاشرهم وهي ضعيفة حساسة فتعرضت لمفاسد كثيرة وأغراها الشبان بالمال فخدعوها فلما خرجت من صف الحرائر خدعتهم ثم آل أمرها إلى ضياع العمر في الشوارع والأزقة لا تجد رزقاً إلا باستهواء الشبان وفي القاهرة مثال صغير من تلك الطبقة يعرفن ببنات الرصيف أما هناك فإنهن ألوف ولا تكاد تخلو منهن حديقة أو متنزه أو شارع لاسيما أثناء الليل ولا حرج عليهن بحجة الحرية الشخصية والحكومة الفرنساوية تبيح الفحشاء على شروط وضعتها وقوانين سنتها فأباحت للمتجرين بالأعراض أن يبتوا المنازل والقصور ويحشدون فيها الغواني أصنافاً وألواناً يعرضونهن عرض السلع والأثاث بلا عيب ولا حياء ولهم سماسرة في أيديهم شهادات من الحكومة تخول لهم معاطاة تلك المهنة ولهذه الطبقة من المتهتكين مجالس وأندية وجرائد وكتب لترويج تلك البضاعة وليس ذلك جائزاً في إنكلترا ولكن مصر اقتدت فيه بالفرنساويين كما اقتدت بسواه من أسباب تمدنهم وما كان أجدرنا أن نأخذ الحسن النافع من أسبابه ونعرض عن القبيح الضار. ومن قبيح هذه الحرية في باريس أن من تلك الشباك الجهنيمة كثيراً في حي يعرف بالحي

стр. 825

اللاتيني فيه أكثر المدارس العالية التي ترسل مصر شبانها ليتلقوا فيها الحقوق والطب أو غيرهما ولا مندوحة لهم عن الإقامة هناك والتعرض لتلك الأخطار في المراقص والملاعب حيث يختلط الشبان بالشابات فلا ينجو من ذلك الخطر إلا قوي الإرادة ثابت العزيمة ولكن الإنسان ضعيف ولاسيما الشاب القادم من بلاد لا يرى فيها المرأة إلا محتجبة وهو في بلده بين أهله ومعارفه يمنعه الخجل من مخالطة غير المحتجبات أما في باريس وكل شيء فيها مباح فإنه يرى الشبان والشابات في الطرق أزواجاً (غير مطهرة) ذكراً وأنثى بلا حرج ولا خجل يتداعبون ويتغازلون ويجد من رفاقه من يغريه على الرذيلة ويحببها إليه باسم الحرية فإذا أحجم عيره بالضعف فهل يلام أولئك الشبان على السقوط وإنما على اللوم على الذين يرسلونهم إلى تلك المدارس وإذا كان لا بد للحكومة المصرية أو الآباء من إرسال أبنائهم إلى مدارس فرنسا فمن الخطأ إرسالهم إلى باريس وتعريضهم لتلك الأخطار على أن الطبقة من النساء ليست كلها من أهل تلك العاصمة فإن فيهن كثيرات من أهل الأرياف الفرنساوية أو من خارج فرنسا وبعضهن من روسيا وألمانيا وغيرهما ويندر بينهن القادمة إلى باريس بقصد العهارة. وإنما يفد أكثرهن إليها للارتزاق ببعض المهن فيتعرضن للوقوع في تلك الفخاخ ويعينهن الفقر على الوقوع فيها لأن البائعة في مخزن وأجرتها فرنكان أو ثلاثة في اليوم تنفقها على الطعام واللباس والمنام يقع نظرها كل يوم على عشرات من شبيهاتها في الخلقة أو أقل منها جمالاً وكل منهن قد تأبط زندها شاب كساها أحسن الأقمشة وزينها بأجمل الحلي فإذا قويت هذه البائعة المسكينة على محاربة الحسد فإنها لا تقوى على مدافعة من يتعرض لها من أولئك الشبان الذين يغرونها بالمواعيد العريضة ويتحببون إليها بإطراء جمالها وشكوى الغرام وغير ذلك فتقع في الشراك ولا يعاشرها ذلك المغرم إلا مدة ثم ينتقل إلى سواها. فتصبح غير قادرة على العمل في مهنتها الأولى ويهون عليها الارتزاق من أمثال ذلك الشاب واعتبر كيف تكون حالها متى ذهب شبابها وذوي جمالها فالعلة الأصلية في شيوع التهتك بباريس إنما هو إطلاق سراح الفتاة ومساواتها للرجل وتكليفها الإرتزاق مثله وإباحة الحكومة للفحشاء رسمياً وزد على ذلك أن الفتور الديني شائع في فرنسا حتى أصبح شبانها يعدون العهارة ضرباً من التجارة ولا فرق عندهم بين الفحشاء والتمتع بسائر ملاذ الحياة

стр. 826

كالطعام والشراب والسماع ونحوها فيغرون المرأة على ذلك فتطيعهم وليس أقبح من فتور المرأة في الدين لأنها أقرب إلى التقوى من الرجل وأكثر تعففها من طريق الدين خوف العقاب وهي دقيقة الإحساس سريعة التأثر فإذا لم يشتغل قلبها بالتقوى والرهبة من العقاب خيف عليها السقوط إذ ليس لها ما للرجل من قوة الإرادة ومع ذلك فإنه أكثر سقوطاً منها لكن الناس لا يعيبون سقوطه كما يعيبون سقوطها وذلك من جملة مظالم نظام الاجتماع. في شوارع باريس ألوف من الفتيات لولا هذه الأسباب لكن أمهات وربات عائلات يربين أبناءهن رجال المستقبل على الفضيلة بدلاً من ضياع شبابهن في الرذيلة ويضيع معهن ألوف من الشباب بلا عقب. لأن هذه الإباحة من أكبر أسباب العقم في فرنسا إذ يمسك الشبان عن الزواج تخلصاً من متاعبه وهمومه واكتفاء بملاذه الوقتية بثمن قليل لا مسئولية بعدها ولا تعب فلا نبالغ إذا قلنا أن فرنسا بين يدي خطر اجتماعي يهددها ولا تخرج منه إلا بعد انقلاب عظيم. بلغ عدد اللقطاء في باريس للعام الماضي ثمانية عشر ألفاً لا يعرف آباؤهم فهم من نتاج هذه الرذيلة من نتاج الإفراط في الحرية والفتور في الدين. إن الجهل والحجاب يضران بالمرأة ويؤخران الهيئة الاجتماعية عن أسباب المدنية لكن الحرية الزائدة مع العلم أو بدونه تفسد المجتمع الإنساني وتضر بالعائلة وحال فرنسا الاجتماعي أكبر شاهد على ذلك لأن إحصاءها يكاد يكون الآن كما كان منذ أربعين سنة ولم تبق أمة إلا تضاعف إحصاؤها في أثناء هذه المدة. خلقت المرأة أماً تدبر العائلة وتربي الأولاد وتعليمها ضروري للقيام بمهمتها الطبيعية في الشؤون العائلية وأما تكليفها بأعمال الرجال فإنه خارج عما خلقت له إلا إذا اضطرت إليه لأسباب قهرية ولكننا نرى بعض كبار العلماء يجيزون لها كل عمل يعمله الرجل وأن تتعاطى كل صناعة أو مهنة لأنها مساوية لها. وبعضهم ألف كتباًَ في هذا الموضوع خلاصتها أن المرأة يجب أن تعمل كل أعمال الرجال من صناعة أو علم أو تجارة أو زراعة بحجة تضاعف الثروة بتكاثر الأيدي في العمل وهو رأي نظري لا ينطبق على حاجة المجتمع الإنساني إذا نزل الرجل والمرأة إلى السوق من يربي الأطفال ويدربهم ويعنى بأحوالهم؟ فإن قيل أن المراضع والخدم يفعلون ذلك قلنا أن الطفل لا تربيه إلا أمه

стр. 827

وإذا فرضنا قيام الخدم مقامها فالنفقات التي يستلزمها استخدامهم تستغرق ما تكتسبه المرأة بالعمل خارج بيتها ومهما بلغ ارتقاء الجنس البشري في الاكتشاف والاختراع فإنه لا يقوى على قلب نظام الاجتماع وهذا النظام يقضي على الأم أن تربي طفلها بحيث لا يخرج من دائرة عنايتها وأن يكون هو أهم مشاغلها مع تدبير بيتها وليس ذلك بالشيء اليسير إن القيام بشؤون العائلة لا يقل أهمية عن أعظم عمل من أعمال الرجال في التجارة أو السياسة أو الصناعة أو غيرها. هذه شهادة رجل مسيحي لا يرى الحجاب ديناً ولا يقول أنه مأمور به في الشرائع السماوية ولكن يقول به لما رأى من مفاسد رفعه من هتك الأعراض واختلاط الأنساب وكثرة اللقطاء وقلة النسل مما شاهده بنفسه وسمعه بأذنه من غير تأثر بعقيدة سالفة أو دين التزم أحكامه وهي شهادة ينبغي أن تكون مجناً أمام أولئك الحمقى الذين يدعون أن حرية المرأة وتبرجها هو هو مفتاح الرقي ومنهاج السعادة إلى آخر ما يهزؤن به. بصرنا الله بأسرار دينه وعصمنا من نزعات المفسدين وكيد المتفرنجين إنه سميع الدعاء جزيل العطاء.

стр. 828

العلم قلما يجد الإنسان صحيفة سياسية أو مجلة أدبية أو كتاباً لأديب أو مقالة لا ريب إلا ويرى أنه يدعو إلى العلم ويحض عليه ويحث على التعليم وينادي إليه ولقد تفنن الكتاب وحملة الأقلام في سبيل الدعوة إلى العلم تفنناً غريباً وتأنقوا تأنقاً عجيباً فمنهم من جعل سبيل الدعوة إليه ذم الجهل وبيان مضاره ومنهم من جعلها في بيان ثمرة العلم وما ينشأ عنه من الفوائد وماله من المزايا وما يترتب على تحصيله من النتائج ومنهم من أبدع في تصوير الجاهل لينفر عن جهله ويحذر الناس من عاقبة أمرة. كم أنشئت جمعيات للدعوة إلى العلم؟ زكم أقيمت حفلات للحض عليه وكم ألف مؤلفات لإحيائه وليت شعري بعد ذلك التعب والنصب والألفاظ الفخمة والجمل الضخمة التي يسردها الكاتبون ليدلوا بها على اقتدارهم ومتانة بيانهم هل علمنا ما هو هذا الرمز الذي يشيرون إليه والأمر الذي يريدوننا عليه؟ كلا لعمر الحق لم نفقه من العلم إلا حروف_ع. م. ل_ولم نستفد من هذه الضجة القائمة سوى أننا رمينا بأولادنا إلى تلك المدارس المختلفة التي يسعى كل منها إلى غاية مخصوصة يجد في تحصيلها ويجتهد في سبيل الموصول إليها ليس مرادنا الآن الانتقاد على المدارس وبيان خطأها في سيرها وإن كل واحدة منها تدعي سلامة منهجها وجودة طريقتها وإنما مرادنا أن نبين أنا بعد كل ما تقدم أمتنا العلم وسرنا في طريق غير طريقه وهذا ما قضى علينا بأن نحرم من الرجال الأكفاء الصادقين الذين يحبون الفضيلة لذاتها ويكرهون الرذيلة لنفسها. قسم العلماء ﵃ العلم إلى ثلاثة أقسام مأمور به، ومنهي عنه ومندوب إليه والأول إلى قسمين فرض عين وفرض كفاية. ففرض العين هو ما لو علمه البعض لا يسقط الحرج عن الباقين وهو علم الحال ونعني به الأمر الذي يتقلب فيه المكلف ليلاً نهاراً من القوال والأعمال والاعتقادات فهل علمنا ما يجب علينا من هذا العلم وهل سرنا في طريقه واجتهدنا في تفهمه وتفهيمه؟ إن الله تعالى افترض الفرائض وأوجب الواجبات على كل بالغ عاقل من بني آدم ولم يميز في ذلك بين الحاكم والمحكوم والغني والفقير والتاجر والزارع والذكر والأنثى ففرض على الجميع معرفة ما يجب له سبحانه وما يستحيل وما يجوز ومثل ذلك للرسل عليهم الصلاة والسلام وفرض تصديق كل ما جاء به سيدنا محمد ﷺ فهل جميع أغنيائنا

стр. 829

وأمرائنا وتجارنا وقرائنا أدوا ما عليهم من هذا الفرض وهل برأت ذمتهم من فرضية تعلمه؟ وما نظن أن أحد يرتاب في الجواب السلبي الذي ينشأ عنه ثبوت المعصية والإثم لا محالة. إن معرفة ما يقع للإنسان في صلاته بقدر ما يؤدي به فرض الصلاة من الطهارة وأحكامها والمياه وسائر شروط الصلاة وأركانها فرض عين على كل مسلم ومسلمة ولا عذر في ذلك لأحد فهل قمنا بأداء هذا الواجب وهل كل من قام وقعد وفعل أفعال المصلين تصح صلاته ويكون مؤدياً فريضة ربه؟ كلا بل لا بد للعمل من العلم فمن من مصل ليس له من صلاته إلا التعب؟ وكم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع؟ وكم من ملب يقول لبيك لبيك والملك لا يقول له لا لبيك ولا سعديك وحجك مردود عليك وما ذلك إلا لبطلان هذا العمل وعدم موافقته للشريعة الغراء. ألهي الأغنياء أموالهم والموظفين وظائفهم والمحترفين حرفهم والمنهمكين بالدنيا دنياهم عن تعلم ما جاء به شرع رسول الله ﷺ فهل يصلون ويصومون بحسب العادة لا علم ولا تعليم ولا فهم لشيء من أسرار الدين. كل منا يعامل الناي بالبيع والابتياع بل لا يمكن أن ينفك الإنسان عن أن يستأجر أو يستأجر أو يودع أو يودع عنده أو يعير أو يستعير أو يحيل أو يحال عليه أو يزوج أو يزوج أو يوكل أو يكل أو يقرض أو يستقرض أو يطلق أو يشارك أو يشهد أو غير ذلك وفي كل هذا يفترض عليه العلم للتحرز عن تناول الحرام في كل ما يأتي به ويعمله حتى لا يعقد عقداً فاسداً ولا يقدم على أمر غير مشروع افترى أن التاجر عرف البيع الفاسد والصحيح وعرف الربا وأنواعه التي لا يكاد يسلم منها أثناء بيعه وشرائه أم ترى أن الزارع عرف شروط المزارعة والمساقاة والمحيل عرف شريط الحوالة وأرباب الشركات أسسوا شركاتهم على منهاج سنة رسول الله ﷺ ؟ اللهم أكثر ذلك لم يكن إذا فما هذا العلم الذي يدعون إليه. قد يقولون إنما ندعوكم إلى العلم الذي يرقي أوطانكم ويحسن صناعتكم ويعلي شأن تجارتكم ألا وهو العلم العصري المفيد كالجغرافيا والطبيعية والكيمياء والفلك وسائر الفنون المستحدثة التي فاق بها الغربيون وتقدموا بسببها أشواطاً عديدة فعلت كلمتهم وتقدمت

стр. 830

تجارتهم وصال لهم المحل الأرفع في التقدم والارتقاء التام في كل علاء قلنا إن كان الذي تدعون إليه هو هذه الفنون الحديثة مجردة عما قدمناه من العلم الديني فلا خير في ذلك ولا نتيجة مفيدة له بل ذلك مضر بالوطن موجب له الخزي والفشل أي خير يتأمل من رجل أتى على هذه الفنون بتمامها ثم لا يبالي بفرائض الله تعالى ولا يقف عند حدوده التي حدها؟ أي فائدة ترجى ممن صلاته وزكاته وحجة وصيامه ويبعه وشراؤه وسائر أعماله على خلاف ما جاء به سيدنا رسول الله ﷺ يتبع شرع هواه، ويقبل على ما تسوله إليه نفسه نحن لا نقول بحرمة تتعلم جميع العلوم العصرية ولا بمنع الناس من دراستها باعتبار ذاتها لأن العلم من حيث هو علم لا يذم منه إلا ما كان مخالفاً للدين مضاداً لساسه وهذه العلوم التي تدرس اليوم لولا ما انتابها واختلف عليها من أوهام أولئك الطبيعيين وضلالاتهم لقلنا بالتضلع منها لبعض الناس وبتعلم مبادئها للناشئة منهم. كم أسست معاهد للعلم العصري في بلادنا؟ وكم شيدت مدارس لإحيائه؟ وكم أنفق من الأموال ابتغاء تقويته؟ فماذا نتج عن كل ذلك؟ وما هي الفائدة التي حصلت للوطن بعد تجشم هذه الصعاب وتحمل هذه المشاق. إن تقويتنا للعلم لا يقصد منها إحياء العلم ولا رفع شأنه بل يقصد منها تقليد أوروبا ومن شأن الضعيف أن يستميت في تقليد القوي ليصل إلى ما وصل إليه. إن الدعوة إلى العلوم العصرية مضرة إذا لم تقترن بالدعوة إلى علوم الدين بل في رأينا أن أكثر هذه العلوم الجديدة فضلاً عن أن بعضها لا يخلو من مخالفة للدين ومبادئه مستغنى عنه غير محتاج إليه لعدم فائدة حقيقة منه للوطن بين ظهرانينا ألوف من الشبان بأيديهم شهادات عالية تؤذن بدراستهم هذه العلوم وتمكنهم منها لم نر منهم ما يفيد الوطن أو يرفع مقامه أو يغنيه بشيء قليل عن أوروبا ولو ضموا إلى علومهم دراسة الآداب الإسلامية، وتحققوا بالأخلاق المحمدية لظهر منهم خير كثير ولو ظلوا على سذاجتهم الأولى من الأخلاق والعادات لنمى ضررهم ولكانوا بالنسبة للوطن لا له ولا عليه إن علماء الإسلام لم يحرموا تعلم النافع من العلوم الحديثة بل قالوا بلزوم تعلم كل ما لا يستغنى عنه في قوام الدنيا وعدوا ترك ذلك من الذنوب والجناية على الدين لأن التساهل في ذلك أقل ما ينشأ عنه عدم إعدادنا القوة لأعدائنا فتنحط بذلك كلمتنا ويخفض شأننا وتذهب بلادنا ونحن في نص الكتاب المجيد

стр. 831

مأمورون بإعداد القوة لهم ما استطعنا فتعلم ما يؤول بنا إلى إعداد القوة بل كل مال غنية لنا عنه في قوام أمر دنيانا فرض كفاية لا محالة وإليك ما قاله الإمام الغزالي تأييداً لهذا. قال: اعلم أن الفرض لا يتميز عن غيره إلا بذكر أقسام العلوم والعلوم بالإضافة إلى الفرض الذي نحن بصدده تنقسم إلى شرعية وغير شرعية وأعني بالشرعية ما أستفيد من الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامة ولا يرشد العقل إليه مثل الحساب ولا التجربة مثل الطب ولا السماع مثل اللغة فالعلوم التي ليست شرعية تنقسم إلى ما هو محمود وإلى ما هو مذموم وإلى ما هو مباح فالمحمود ما ترتبط به مصالح أمور الدنيا كالطب والحساب وذلك ينقسم إلى ما هو فرض كفاية وإلى ما هو فضيلة وليس بفريضة وأما فرض الكفاية فهو كل علم لا يستغنى عنه في قوام أمور الدنيا كالطب إذ هو ضروري في حاجة بقاء الأبدان وكالحساب فإنه ضروري في المعاملات وقسمة الوصايا والمواريث وغيرهما وهذه هي العلوم التي لو خلا البلد عمن يقوم بها حرج أهل البلد وإذا قام بها واحد كفى وسقط الفرض عن الآخرين فلا يتعجب من قولنا أن الطب والحساب من فروض الكفايات فإن أصول الصناعات أيضاً من فروض الكفايات كالفلاحة والحياكة والسياسة بل والحجامة والخياطة فإنه لو خلا البلد من الحجام تسارع الهلاك إليهم وحرجوا بتعريضهم أنفسهم للهلاك فإن الذي أنزل الداء نزل الدواء , ارشد إلى استعماله وأعد الأسباب لتعاطيه فلا يجوز التعرض للهلاك بإهماله الخ ما كتبه الإمام رحمه الله تعالى. أبعدها يصح قول من يقول أن تعلم المفيد من العلوم العصرية ممنوع عند علماء المسلمين؟ فلم يبق في المسألة إلا أن الدعوة إلى العلم إذا أريد بها العلوم العصرية فقط لا تصح بل نكون فيها كمن يبحث عن حتفه بظلفه، ويجدع مارن أنفه بكفه فمن الواجب علينا العناية التامة بتعلم ما يجب علينا من العلم الديني لننتفع به في ديننا وتصحيح عباداتنا ومعاملاتنا وتعلم ما يفيدنا ويؤول بنا إلى إعداد القوة لعدونا والاشتغال بما يرفع شأن البلاد. حببت إلينا الدنيا وزينت إلينا شهواتها وأصبحت هي الغاية والمقصود، والمبتغى والمأمول فأقبلنا على كل ما ظننا أنه يوصلنا إليها، وسارعنا إلى ما توهمنا أنه يقربنا منها، ورغبنا عن المقصود الأعظم والمطلوب الأول وهو متابعته ﷺ والوقوف عند حدوده التي حدها، والسعي وراء ما يعود علينا بالمصلحة العامة.

стр. 832

كل إنسان سواء في ذلك الرجل والمرأة يفترض عليه علم أحوال القلب وما يعتوره من الأخلاق حسنها وسيئها وذلك كالجود والبخل والجبن والجرأة والتكبر والتواضع والعفة والشح والإسراف والتقتير والسماحة والحرص والمحبة والبغض ونحوها فإن ذلك مما يجب على كل مسلم معرفته إذ الكبر والبخل والجبن والإسراف حرام بالاتفاق ولا يمكن التحرز عنها إلا بمعرفتها ومعرفة ما يضادها فهل علمنا بشيء من هذا؟ وهل أحكمنا الاتصاف بجميع ما تقدم من الصفات الحسنة؟ أفنحن بغنية عن الصدق والشكر والحلم والتوبة وحسن الأخلاق ومحبة الدين والتواضع والصبر وحفظ آداب الصحبة والتقوى والخوف والرجاء وغض الطرف والقناعة بالحلال من المال والقرض وإنظار المعسر والاهتمام بأمر المسلمين وصلة الأرحام وخدمة الأمة ونصيحتها ونصيحة حكامها وغير ذلك من محاسن الأخلاق؟ هل جاهد أميرنا وحقيرنا وغنينا وفقيرنا وكل واحد منا نفسه على الابتعاد عن مساوي الأخلاق؟ هل برئنا من الكبائر؟ هل تركنا الكلام فيما لا يعنينا؟ والله لو تركنا ذلك لما تشغل الكبير والصغير والعالم والسياسي والصانع والتاجر بالغيبة المحرمة وأكل لحوم البرياء من الناس هل انتهينا عن الفحش والسب وبذاءة اللسان؟ والله لو انتهينا عنه لما قام للجرائد السافلة قائمة ولما تمكن البذيء من هتك عرض المستور هل بعدنا عن التكلف في الكلام؟ والله لو بعدنا منه لما احتجنا إلى التصنع لدى كبرائنا والخضوع بين يدي حكامنا بالحق وغير الحق. هل تركنا عن خلف الوعد؟ والله لو تركناه لأنجزنا الوعود، ووفينا العهود هل اجتنبنا الكذب؟ والله لو اجتنبناه لما احتجنا إلى هذه القوانين وتلك المحاكم لما احتجنا إلى تأخير الدعاوي لما احتجنا إلى تكرر الجلسات لما احتجنا إلى إثبات الوكالات لعمت الراحة الحاكم والمحكوم هل تباعدنا عن حب المال والشهرة والميل إلى الرتب؟ والله لو تباعدنا عنه لما تفرقت الأمة فرقاً وأحزاباً لما قتلنا أنفسنا بأيدينا وأيدي أعدائنا لما ذهبت بلادنا لما ضاعت حقوقنا هل أعرضنا عن الحسد؟ والله لو أعرضنا عنه لما حصل العداء بيننا ولاتفقت كلمة علمائنا وأمرائنا وتجارنا وسوقتنا على ما فيه نفعنا. هل تجردنا عن الكبر؟ والله لو تجردنا عنه لخدمنا فقراءنا وعملنا على مساعدة ضعفائنا ورحم كبيرنا صغيرنا ودامت علين نعم ربنا. هل تنزهنا عن الزنا؟ والله لو تنزهنا عنه لقطع دابر هذه الكبيرة من بلادنا ولارتفع الذل عنا وحفظ أمر العفاف

стр. 833

والشرف فينا. هل برئنا؟ هل برئنا؟ إلى آخر ما هناك من المعائب والرذائل التي لو تخلينا عنها لكنا أول الأمم وفي مقدمة العالم. فما بالنا إذاً نعرض عن جميع هذا ولا نتعلم ما يجب علينا تعلمه منها، أفيصح شيء من العلم لمن يقرأ الجبر والهندسة ويدرس بعض اللغات الأجنبية عارياً عن محاسن الأخلاق ومقصراً في تعلم ما تصح به صلاته وصيامه وسائر أعماله؟ ايلام بعد هذا إن كانت في يده شهادة (بكالوريا) إن مالت نفسه إلى الزنا أو شرب المسكرات؟ أيلام إذا حببت إليه الوظيفة فوشى بفلان وكتب بشأن فلان؟ أيلام إذا طمحت نفسه إلى المال وجمعه فباع في سبيل الحصول عليه بلاده بل وطنه وأمته؟ أيلام إذا غدر؟ أيلام إذا فجر؟ الخ الخ نحن بأشد الحاجة إلى درس علم الأخلاق والاختبار فيه علمياً وعملياً حتى نأمن شرور نفوسنا ولا نقع في سيئات أعمالنا إلى علم الدين والأخلاق فليدعوا الداعون وإلى ما يهذب النفوس فينزع منها شهواتها فلينادي المنادون وإلى تعلم ما يدفع عنا الذل والإهانة وكيد الأعداء فليستصرخ المستصرخون وعسى أن تقع كلمتنا هذه موقع القبول، وتحل محل الإجابة ولله في عباده شؤون.

стр. 834

التاريخ ننشر في هذا الباب سيرة كبار الرجال في الإسلام وشيئاً من فضائلهم وأخلاقهم وأعمالهم وسياستهم لما في ذلك من تحريك بواعث الهمم للاقتداء بهم في جلائل الأعمال وكرائم الخصال وليكون زاجراً لأولئك الذين يتغاضون عن مآثر رجال المسلمين ويفتخرون بحفظ تاريخ فلاسفة الغربيين سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ فتح بغداد بعد أن غنم المثنى من الكفرة ما غنم وفتح تلك الأمكنة الحصينة استخلف بشير بن الخصاصية على الحيرة وسار يقصد بغداد فأغار أولاً على سوق الخنافس وكان بها تجار مدائن كسرة وغيرهم فاستولى على الجميع وأخذهم أخذة لم تكن بحسبانهم ثم توجه إلى بغداد تحت جنح الليل وصبح أهلها في أسواقهم فما شعروا إلا وسيوف المسلمين قد شربت من دمائهم ونالت من رقابهم وأمر المثنى أصحابه أن يحملوا من تلك السوق الذهب والفضة والجيد والنفيس من كل شيء ثم رجع بأصحابه حتى نزل بنهر السالحين بالأنبار ورأى أصحابه يخافون لحوق العدو بهم فخطبهم وقال: أحمد الله وسله العافية وتناجوا بالبر والتقوى ولا تتناجوا بالإثم والعدوان ولو أن القوم علموا بمكانكم لحال الرعب بينهم وبين طلبكم ولو أدركوكم لقاتلتهم ملتمساً للأجر وراجياً من الله النصر فثقوا بالله وأحسنوا الظن به فقد نصركم في مواطن كثيرة. خطبة ألقاها هذا القائد على جنده وكانوا نفراً قليلاً من المؤمنين فثبتت قلوبهم وقوي بأسهم واشتد عزمهم ولم يبالوا بتلك الجيوش التي اجتمعت من الكفرة ولا فزعوا من قوتهم بل وقفوا بحزم وعزم متوكلين على من بيده مقاليد السماوات والأرض وهذه حالة قواد الإسلام في كل عصر يثبتون أمام العدو بكل حماسة ولا يفزعون من كثرة عدد أو قوة عدد ويزحفون للحرب بقلوب ثباتها باليقين واتحادها بالدين وعمادها التوكل على الله وحده وقانون انتظامهم قول الله جل وعلا (ن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص). ولم يزل المثنى وأصحابه يشنون الغارة في كل ناحية على أهل تلك البلاد ويغنمون منهم

стр. 835

في أكثر الأوقات حتى تحير أهل فارس مما فعل المسلمون بسواد العراق وخافوا من اضمحلال ملكهم وتلاشي أمرهم فطلبوا من ملكهم رستم أن يولي زمام الملك إلى يزدجرد كسرى فأجاب طلبهم. ودعي بابن كسرى فتوجوه وجعلوه ملكاً عليهم فانقادت له أهل فارس ونظم الجيوش وبعث بهم إلى كل ناحية وهيأ لقتال المسلمين وبلغ ذلك المثنى فكتب إلى عمر بن الخطاب يخبره بالأمر. أخبار القادسية فلما وصل كتاب المثنى إلى سيدنا عمر ﵁ قال والله لأضربن ملوك العجم بملوك العرب ثم جمع وجوه الناس وأشرافهم وكتب إلى المثنى ومن معه يأمرهم بالخروج من بين العجم وأن يتفرقوا في المياه التي تليهم وينتظروا وصول المدد إليهم من المسلمين. وخرج عمر بالناس إلى الحج وأرسل عماله على العرب أن يأمروا فرسان العرب وشجعانهم بالزحف على المشركين فبادرت العرب إلى إجابته ولحق بالمثنى من كان أقرب إلى العراق من المدينة وأما من كانت المدينة أقرب إليه من العراق أو على السواء قصدوا المدينة فوافوا عمر ﵁ بها وقد عاد من الحج. هكذا رجال الإسلام في كل زمن إذا دعاهم أمير المؤمنين إلى الجهاد في سبيل الله وافوه من جميع جوانب الأرض وأتوا مسرعين بأموالهم وأنفسهم وظهروا بقوة معنوية دينية تأتي على الأعداء فلا تبقي ولا تذر وتمر بهم مرور السيل الجارف فإذا هم هالكون وكم مرة في التاريخ حصل هذا الانفجار الإسلامي فبدد جموع الكفرة وأذل فراعنة الجبابرة وأدهش فلاسفة العالم فاحتارت الحكماء من حكمته وماجت الأرض من سطوته تأييداً لشريعة لم تزال ثابتة الدعائم مرعية معظمة ظاهرة على جميع أديان الأرض حتى تقوم الساعة ولو كره المشركون ومهما قاسى المسلمون من الضعف والهوان فلا بد من حفظ مقامهم وانتظار أمورهم وانتشار نفوذهم ويا ويل الأعداء إذا ثارت هذه العاطفة حولهم وأحاطت بهم من كل جانب فصيرتهم سكارى وما هم بسكارى ولكن أمة إسلامية اشتد الضغط عليها فنهضت بصوت ملأ أنحاء الأرض وفضاء الجو تنادي لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون. توليه سعد بن مالك إمارة جيش العراق

стр. 836

لما جتمع الناس إلى سيدنا عمر ﵁ خرج بهم من المدينة حتى نزل على ماء يقال له ضرار فعسكر به والناس لا يعلمون ماذا يريد فأحضر الناس وأعلمهم بالخبر وعزم على أن يسير بهم إلى الأعداء فشاور وجوه الصحابة ﵃ فأشاروا عليه أن يبعث رجلاً من أصحاب النبي ﷺ فدعى بسعد بن مالك وجعله أميراً على حرب العراق وأوصاه بالصبر والرفق وقال له لا يغرنك من الله أن قيل خال رسول الله ﷺ وصاحبه فالناس في ذات الله سواء الله ربهم وهم عباده يتفاضلون بالعافية ويذكرون ما عنده بالطاعة فانظر الأمر الذي رأيت رسول الله ﷺ يلزمه فالزمه. كلمات ألقاها أمير المؤمنين سينا عمر ﵁ على ذلك القائد أعلمه فيها أن النصر والظفر لا يحصل للمؤمنين إلا بالمحافظة على آداب الشريعة الطاهرة التي لا يضل عنها إلا خاسر أو هالك. ثم أوصى عمر ﵁ من أرسلهم مع سعد بالسمع والطاعة ووعظهم وأمر سعداً بالمسير فخرج معه أربعة آلاف من المسلمين ثم أمده عمر ﵁ بألفين من أهل اليمن وألفين من أهل نجد والمثنى لم يزل يومئذ مقيماً في أرض العراق وقد اجتمع عنده ثمانية آلاف ينتظرون وصول سعد ومن معه من أخوانهم المسلمين فمات المثنى قبل قدوم سعد من جراحة انتفضت عليه واستخلف على الناس بشير بن الخصاصية وسعد يومئذ بزرود وقد اجتمع مع ثمانية آلاف أيضاً ولحقهم بنو أسد في ثلاثة آلاف وكذا غيرهم من العرب بأمر سيدنا عمر ووصل سعد إلى شراف فأقام بها ودعى من كان بالعراق من عسكر المثنى فاجتمعوا إليه فكان جميع من شهد القادسية بضعة وثلاثين ألفاً.

стр. 837

من أحب الموت في سبيل الله كان حقاً على الله أن ينصره رغب الدين الإسلامي في الجهاد لإعلاء كلمة الله بصورة خفقت لها قلوب الكافرين هلعاً وطارت نفوسهم منها خوفاً وجزعاً قال الله تعالى في كتابه العزيز (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسيهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم) وقال ﷺ الروحة والغدوة في سبيل الله أفضل من الدنيا وما فيها أخرجه البخاري في صحيحه وقال ﷺ ما من عبد يموت له عند الله خير يسره أن يرجع إلى الدنيا وأن له الدنيا وما فيها إلا الشهيد لما يرى من فضل الشهادة فإنه يسره أن يرجع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى رواه البخاري وروى البخاري أيضاً من حديث والذي نفسي بيده لوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا قم أقتل ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل. فكان ذلك الترغيب من الله ورسوله في الجهاد هو الذي دفع الصحابة الكرام ﵃ إلى الاستماتة في سبيل نيل الشهادة فكانوا أرغب في الموت من الحياة يغبطون الذي يقتل في سبيل الله في صفوف الجهاد ويرونه فائزاً في الآخرة معتقدين حياته البرزخية التي هي أكمل من الحياة الدنيا حتى كان ضرار بن الأزور ﵁ ينزل إلى ساحة القتال بقميصه غير مدرع رغبة في أن يقتل في سبيل الله وروى عن أبي ذر ما معناه إذا خرجتم إلى الجهاد ووجدتموني غير قادر على القتال فاحملوني واجعلوني بين الصفوف لأموت تحت سنابك الخيل فأكون قدمت في سبيل الله فتجد من خلال ما تقدم أنا قاعدة حب الموت والاستماتة في سبيل الدفاع عن دين الله هي التي كانت السبب في انتصارات المسلمين في القرن الأول حتى أدهشت جميع أمم الأرض. ولولا أن كتب التاريخ متفقة على ان المسلمين اكتسحوا في خلافة أبي بكر وعمر ﵄ هذه البلاد العظيمة وقضوا على مملكتي فارس والروم في هذه البرهة اليسيرة لكانت هذه الحوادث لا يكاد يصدقها العقل ولا تنطبق عليها عادات الفاتحين. ذكرنا هذه القاعدة (حب الموت في سبيل الله) قائد الدارعة (حميدية) وما قام به من الأفعال التي سطرت له على صفحات الدهر

стр. 838

شكر الأمة العثمانية عموماً والإسلامية خصوصا. خرج هذا الشهم من الدردنيل بسائق الحمية مستميتاً في سبيل الدفاع عن دينه ووطنه فنصره الله نصراً مؤزراً قصد أثينا عاصمة اليونان فألقى عليها من قنابله وابلاً وعطل معمل الكهرباء فيها وبقيت البلدة في ظلام طول الليل ثم تجول في البحر الأبيض غير هياب ولا وجل مع ما يحيق به من الأخطار فصادف في طريقه الطرادين اليونانيين اللذين ذكرت خبرهما الجرائد فأغرق أحدهما وعطل الآخر فخافه الأسطول اليوناين وأطفأ أنواره ثم التجأ إلى ميناء مالطة فأصلح من أمره وتمكن بدهائه من الوصول إلى ما يحتاج إليه من الفحم وعلمنا من مآثره أن أرسى في ميناء غزة وجمع له الأهالي من الغنم والحبوب كمية وافرة فبين لهم عدم احتياجه إليها ثم غضاف إلى ما جمعوه أربعين مجيدياً من جيبه واقترح عليهم أن يجعلوا الجميع صدقة على فقراء غزة فداء عن المدرعة راجياً الله أن ينصره ويحفظه من كيد الأعداء عملاً بقوله ﷺ الصدقة تدفع البلاء. وأعظم فائدة حصلت من شجاعة هذا القائد العظيم انقسام الأسطول اليوناني أقساماً قسم يحافظ على السواحل اليونانية وقسم يتعقب المدرعة وقسم يقوم الأعمال الحربية فضعفت بسبب ذلك قوته لأنه لولا وجود هذه المدرعة خارج الدردنيل لما احتاج إلى هذا الانقسام بل كان يقوم مجتمعاً بالأعمال الحربية ضد العثمانيين فحيا الله هذا القائد الكبير والفدائي العظيم وسدد سهمه وعصمه من أعدائه وأكثر في قوادنا من أمثاله فقد أحب الموت وباع نفسه في سبيل الله فنصره الله وحبذا اليوم الذي نحب فيه الموت في سبيل الله ونفضله على الحياة فذلك هو اليوم الذي نفوز فيه بنصر الله.

стр. 839

إجابة طلب المؤيد ارحم فؤاداً في مدحك ولها ... وارفق بروحي وافدها من ذلها هل ثم غيرك موئلاً يرجى لها ... (يا مصطفى قبل العوالم كلها) (والكون لم يبرز من التكوين) أنت الذي لولاك ما خلقت سما ... يا من على كل العوالم قد سما وعليك صلى ذو الجلال وسلما ... (ايروم مخلوق مديحك بعدما) (أثنى الله عليك في التبيين) (يا مصطفى قبل العوالم كلها) ... يا خير متبوع وخير معين يا نقطة الأسرار أنت المجتبى ... (والكون لم يبرز من التكوين) (أيروم مخلوق مديحك بعدما) ... نزلت بمدحك آية التبيين ابن المدرسة (يا مصطفى قبل العوالم كلها) ... أنت المراد بنقطة التعيين أنت النبي المنتقى والمجتبى ... (والكون لم يبرز من التكوين) (أيروم مخلوق مديحك بعدما) ... حزت العلا من عهدكن بيقين من ذا الذي يوفي بمدحك بعد أن ... (أثنى عليك الله في التبيين) عبد الحميد مراد (يا مصطفى قبل العوالم كلها) ... من قبل خلقة آدم من طين يا من حباه الله كل فضيلة ... (والكون لم يبرز من التكوين) (أيروم مخلوق مديحك بعدما) ... قفت البرايا كلها بيقين كيف الوصول إلى مديحك بعد أن ... (أثنى عليك الله في التبيين) عبد الرزاق الغلاييني قلبي بحبك يا محمد ولها ... وعن السوى قسماً بذاتك قد لهى روحي الفداء لمن يقول أنا لها ... (يا مصطفى قبل العوالم كلها) (والكون لم يبرز من التكوين) أنت الذي لولاك ما كانت سما ... وعلى البرية كلها قدراً سما. .

стр. 840

يا من على الرسل الكرام تقدما ... (أيروم مخلقو مديحك بعدما) (أثنى عليك الله في التبيين) دمشق عبد المجيد قصاب (يا مصطفى قبل العوالم كلها) ... أرجوك من بلواي أن تشفيني فلقد عرفتك يا محمد ملجأ ... (والكون لم يبرز من التكوين) (أيروم مخلوق مديحك بعدما) ... فقت العوالم كلها بيقين حاشا وكلا أن يرام لأنه ... (أثنى عليك الله في التبيين)

стр. 841

الإفراط والتقريظ قرأت في الجزء الثاني من المجلد الثالث من مجلتكم الغراء مقالة تحت عنوان الطلبة والتعيش لصاحب الإمضاء الشيخ صلاح الدين أفندي الزعيم فحمدت غيرته وشكرت سعيه وعن لي أن أكتب في هذا الموضوع ما دار في خلدي وسنح ببالي وطالما كنت أترقب كتابة ترتاح إليها النفوس وتنشرح لها الصدور تشرح ما آل إليه أمر طلبة العلم الشريف من الذل والهوان وما يعاملون به من الخسف والضيم حتى أنهم أصبحوا كالقذى في أعين جهال هذه الأمة لاسيما في أعين شرذمة رعناء طبع الله على قلوبها وأصم آذانها عن اتباع الحق فخاضت غمار الجهل وجالت في ميادين التهور حتى ضلت وأضلت، تنصلت من الدين ومرقت من الأخلاق مروق السهم من الرمية تجردت من المدنية الحقة، تمادت في غيها، وفقدت الشعور والعلم والأخلاق نعم درست مبادئ الفنون فحفظت جملة خالية من الحقائق وألفاظاً عارية من المعاني اكتفت بالقشور عن اللباب وقامت تموه على أمتها بمقالات تنشرها على صفحات الجرائد تلك شرذمة طرأ على مسامعها ذكر أوروبا فلم تلبث حتى تعشقتها ولهجت باسمها ونهجت مناهجها القولية السافلة ودأبت على تقليدها بالبذخ والإسراف واقتفت أثرها باستباحة الأعراض ودناءة الأخلاق والتجاهر بما يغضب الخالق ويسيء المخلوق وتعمدت اقتراف الرذائل باسم الحرية والحرية الحقة بريئة مما تنسبه لها يفكرون بسياسة خرقاء لا جدوى بها ولا فائدة منها سوى الشقاق والنفار وإلقاء بذور التباغض والتدابر والتحزب والتفرق بما توحيه إليهم شياطينهم شياطين الفساد. جنوا على الملة والوطن جنايات لا تغتفر لأنهم لقنوا الناشئة محبة أوروبا ولقحوا أذهانها من أفكارهم الخبيثة فأصبحت بعد ذلك لا ترى أعظم وأجل من أوروبا وأخذت تنظر إلى الدولة والوطن نظر العدو لعدوه لا يهدأ لها بال ولا يقر لها قرار حتى تيمم بلاد أوروبا من صباهم فشبوا عليها وشابوا بهواها ولأجلها تبرؤا من أمتهم ومقتوا أوطانهم وبغضوا أهلهم حتى أن أحدهم يسب والده الذي ألقى نطفته في الشرق ولم يجعلها في الغرب. نظروا إلى علمائهم نظر الخصم الألد فجعلوا يصمونهم تارة بالحشوية وحيناً بالجامدين وطوراً بالخاملين وإلى غير ذلك فهم لم يعملوا بما تعمل به أوروبا ليعدوا من ابنائها ولم ينهجوا مناهج أبناء وطنهم لينتظموا في سلكهم فأمسوا مذبذين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. هم المفرطون بمساعيهم والمتغالون بمذاهبهم ومشاربهم فلو أنهم اتخذوا العدل مذهباً

стр. 842

والإنصاف مركباً لسلموا إلى علماء دينهم وانخرطوا بسلك آبائهم وأجدادهم وأصبحوا متلفين متحالفين يستعينون ببعضهم على من سواهم كما كانت أسلافهم العاقلون المفكرون أهل الحزم والعزم والدراية. وأنا لا أنحي باللوم عليهم وحدهم بل أوجه اللوم أيضاً على علماء ديننا الذين هم روح الشعب وحياة الأمة والقطب الذي تدور عليه أمور الخلافة الإسلامية والأس الذي ترتكز عليه قواعد الدولة العثمانية نظن لجهلنا أن وظائف العلماء الإسلاميين في هذا الكون جزئية والحق أنها لأعظم وأجل وأهم وأكبر من سائر الوظائف. فهم المفرطون بطلب مالهم من الحقوق وأداء ما عليهم من الواجبات أما حقوقهم فهي تكفل الدولة لهم بتأمين مستقبلهم وتعيين رواتب لهم وللطلبة في مقابلة انقطاعهم لخدمة الملة والوطن أما من الأوقاف وإما من الخزينة ومساعدتهم على نشر العلم وبث المعارف وتشييد المدارس العلمية والمعاهد الدينية ووضع برنامج يتضمن التدريس بجميع الفنون من النحو والصرف والفقه والحديث والتفسير والمعاني والبيان البديع والمنطق والجغرافيا والحساب والتاريخ والهندسة والعلوم المدنية والفنية وغير ذلك وتتشكل لجنة مخصوصة من أرباب الفكر والاقتدار تعين كتباً مخصوصة تقرأ رسماً في جميع المدارس وتضرب مدة محدودة من السنين لدراسة الكتب التي تعينها وتخصص لكل سنة كتباً معينة وتجعل الامتحان في السنة مرتين وكل من يتمم المدة المحدودة ويؤدي الامتحان ويحوز الشهادة بأهليته يعين له راتب مخصوص ويرسل إلى بلده أو على بلد آخر يرشد أهله ويعلمهم مما علمه الله فإذا دخلت هذه الفنون في المدارس العلمية حاز طلابها الفضيلتين وامتزجوا باجتماعاتهم مع أبناء المكاتب بخلاف ما هم عليه الآن فإن بينهم تنافراً ووحشة لما بين علومهم من المباينة والمخالفة ولهم حقوق على الشعب منها النظر إليها بعين الاعتبار والتعظيم ومساعدتهم في حاجياتهم لأن ما من أمة حقرت علماء دينها إلا ابتليت بالمصائب وسلط الله عليها عدوها لينتقم منها وهذه حالتنا اليوم. قال تعالى: (ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون) كفى العلماء شرفاً أنهم ورثة الأنبياء ولا يرضى بتحقير العلماء إلا كل أحمق جاهل سفيه طائش العقل. وأما الواجبات التي يفرض على العلماء القيام بها فهي هدي الأمة وإرشادها إلى النهج

стр. 843

القويم والصراط المستقيم وبث روح الدعوة الدينية في جسم ميتها لتتحرك النفوس الهامدة وتحيي الأرواح الخامدة كما كانت أسلافهم الكرام كان يقطعون مسافة الشهر والشهرين لسماع حديث واحد من أمور دينهم ودنياهم في سبيل نفع الأمة كانوا يستميتون في بذل النصائح ويتفانون في نفع العباد وعمران البلاد ولذلك كان الشعب في حوزتهم وقبضة يدهم يتودد إليهم ويتوسل لإرضائهم كانوا هم الحكام في الحقيقة وكانت الأمة لهم أطوع من ظلهم كانت طواياهم سليمة ونياتهم صافية يعملون بما يعلمون بسري وعظهم وإرشادهم في العقول والأفكار سريان الماء في العود والروح في الجسد والدليل على ذلك كثرة وجود المعاهد العلمية والمعابد الدينية الناطقة بفضلهم وإخلاصهم للوطن العزيز هذه آثارنا تدل علينا ... فانظروا بعدنا إلى الآثار بم يهبهم الله الفضائل الجليلة والمزايا الشريفة لمجرد وضع العمامة على الرأس وارتداء الجبب الثمينة وتقبيل الأيدي والمجاورة في المساجد والمعاهد ليقال هؤلاء الذين يجب على الأمة تبجيلهم وتعظيمهم حاشا ثم حاشا إنما خلقهم الله ليعملوا بما علموا وليس العمل هو الصوم والصلاة ودراسة الكتب فذلك ممكن من كل فرد بل العمل اللازم اللازب الذي لا ينفك عنهم ويجب عليهم القيام به هو مبارحة الأوطان ومفارقة الخلان في سبيل الوعظ والإرشاد ونصح الأمة لم يجعل الله صدورهم قبوراً للعلم فلا يبعث منها حتى يبعث من في القبور، هم ورثة الأنبياء فالأنبياء كانت تدعو إلى الحق وتحث على التعاون والتعاضد والتناصر والتخلق بمكارم الأخلاق وجمع الكلمة وتأليف القلوب وتوحيد الآراء. فالسلطان الأعظم في الحقيقة هو خليفة النبي ﷺ وهو الذي يطلب منه القيام بهذه الأمور وحيث أن السلطان حالت بينه وبين القيام بتلك المذكورات مهام السياسة فقد ألقى مقاليدها إلى علماء الأمة وإلى هذا أشرت بقولي يجب على الحكومة مساعدة العلماء بنشر الدين لأنهم هم الواسطة بين الحكومة والشعب في استجلاب القلوب واستمالة النفوس وتقوية الرابطة واستدرار الخير بما يعود نفعه على الوطن أجمع. كما سمعناه عن أسلافنا وقرأناه في التواريخ المسجلة التي هي أصدق شاهد مخبر. وكما تفعله اليوم ملوك أوروبا من إرسالهم الوفود من علماء دينهم إلى بلادنا وفتحهم المدارس بأوطاننا نشاهد القسس والرهبان بأعيننا يجوبون الأقطار ويركبون البحار

стр. 844

ويقتحمون الأخطار والمخاوف باسم المبشرين حتى أنهم ليتفانون في تجديد مدرسة أو تعليق ناقوس، فما بال علمائنا لا يجيبون داعي الله وينتشرون في الأرض ينقذون أبناء القرى والأمصار من داء الجهل القتال. صدرت الأوامر بامتحان طلبة العلم الشريف فهرعوا إلى دراسة الفنون التي هجروها أيام فترة الامتحان وعينت لهم الحكومة مميزين من أبناء سلكهم فما زال أولئك المميزون عفا الله عنهم وسامحهم يدققون في الأسئلة ويضيقون عليهم كأنهم يريدون من الطالب أن يؤدي وظيفة العلماء. وكان من الواجب يومئد أن يجتمع علماء كل ولاية في مجلس مخصوص تحت رئاسة النائب والمفتي يتذاكرون بشؤون هذا الأمر الخطير ويطلبون من الحكومة أولاً إمهال الطلبة سنة كاملة لدراسة كتب الامتحان وثانياً تعيين معاشات لهم يستعينون بها على الطلب والتحصيل وثالثاً إلغاء التفتيش والمراقبة من طرف ضباط الرديف ولو فعلوا لنجحوا وكان حسناً. وخلاصة القول أنه يجب على علماء الإسلام أن ينهضوا من رقدتهم وينقذوا أبناء أمتهم ويجمعوا كلمتهم ويوحدوا آرائهم ويخرجوا الوهن من قلوبهم ويؤلفوا جمعية عمومية بإحدى الولايات يجعلون أعضاءها من سائر الممالك لها فروع وشعب في سائر أمصار الإسلام تدعو العالم الإسلامي بأجمعه إلى تعاون الدولة العثمانية بما عز وهان ومفاداتها بكل مرتخص وغال تفكر بالأسباب التي تفيض المال وتنور عقول الرجال بإحداث معامل وصنائع وشركات يعود نفعها على أبناء الوطن وأن يفتشوا المكاتب الرسمية والخصوصية ويسألوا عن معلميها فإذا سبر غورهم ووجدوهم غير متدينين بالدين وعاملين بأحكام الشريعة الغراء كما نسمع عن آحادهم أنهم لا يحضرون الدروس إلا بعد كرع الكؤوس واقتراف الكبائر من اللواط والزنا وغيرها فيحتجون على الحكومة ويطالبونها باسم الشعب بإزالة أولئك المعلمين الأشرار ويتذرعون بجميع الوسائل والأسباب لإزالة سوء التفاهم بينهم وبين العصريين حتى يكون الجميع ممن يؤلفون ويؤلفون وما ذلك على لا تأخذهم في الله لومة لائم بعزيز أحمد الباشا

стр. 845

العدد ٢٧ - بتاريخ: ٧ - ٤ - ١٩١٣
следующие страницы →