← Джавами‘

Джавами‘ · id 29676

مجلة الحقائق

عبد القادر الإسكندراني

Полный текст (1 077 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

الإفراط والتقريظ قرأت في الجزء الثاني من المجلد الثالث من مجلتكم الغراء مقالة تحت عنوان الطلبة والتعيش لصاحب الإمضاء الشيخ صلاح الدين أفندي الزعيم فحمدت غيرته وشكرت سعيه وعن لي أن أكتب في هذا الموضوع ما دار في خلدي وسنح ببالي وطالما كنت أترقب كتابة ترتاح إليها النفوس وتنشرح لها الصدور تشرح ما آل إليه أمر طلبة العلم الشريف من الذل والهوان وما يعاملون به من الخسف والضيم حتى أنهم أصبحوا كالقذى في أعين جهال هذه الأمة لاسيما في أعين شرذمة رعناء طبع الله على قلوبها وأصم آذانها عن اتباع الحق فخاضت غمار الجهل وجالت في ميادين التهور حتى ضلت وأضلت، تنصلت من الدين ومرقت من الأخلاق مروق السهم من الرمية تجردت من المدنية الحقة، تمادت في غيها، وفقدت الشعور والعلم والأخلاق نعم درست مبادئ الفنون فحفظت جملة خالية من الحقائق وألفاظاً عارية من المعاني اكتفت بالقشور عن اللباب وقامت تموه على أمتها بمقالات تنشرها على صفحات الجرائد تلك شرذمة طرأ على مسامعها ذكر أوروبا فلم تلبث حتى تعشقتها ولهجت باسمها ونهجت مناهجها القولية السافلة ودأبت على تقليدها بالبذخ والإسراف واقتفت أثرها باستباحة الأعراض ودناءة الأخلاق والتجاهر بما يغضب الخالق ويسيء المخلوق وتعمدت اقتراف الرذائل باسم الحرية والحرية الحقة بريئة مما تنسبه لها يفكرون بسياسة خرقاء لا جدوى بها ولا فائدة منها سوى الشقاق والنفار وإلقاء بذور التباغض والتدابر والتحزب والتفرق بما توحيه إليهم شياطينهم شياطين الفساد. جنوا على الملة والوطن جنايات لا تغتفر لأنهم لقنوا الناشئة محبة أوروبا ولقحوا أذهانها من أفكارهم الخبيثة فأصبحت بعد ذلك لا ترى أعظم وأجل من أوروبا وأخذت تنظر إلى الدولة والوطن نظر العدو لعدوه لا يهدأ لها بال ولا يقر لها قرار حتى تيمم بلاد أوروبا من صباهم فشبوا عليها وشابوا بهواها ولأجلها تبرؤا من أمتهم ومقتوا أوطانهم وبغضوا أهلهم حتى أن أحدهم يسب والده الذي ألقى نطفته في الشرق ولم يجعلها في الغرب. نظروا إلى علمائهم نظر الخصم الألد فجعلوا يصمونهم تارة بالحشوية وحيناً بالجامدين وطوراً بالخاملين وإلى غير ذلك فهم لم يعملوا بما تعمل به أوروبا ليعدوا من ابنائها ولم ينهجوا مناهج أبناء وطنهم لينتظموا في سلكهم فأمسوا مذبذين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. هم المفرطون بمساعيهم والمتغالون بمذاهبهم ومشاربهم فلو أنهم اتخذوا العدل مذهباً

стр. 842

والإنصاف مركباً لسلموا إلى علماء دينهم وانخرطوا بسلك آبائهم وأجدادهم وأصبحوا متلفين متحالفين يستعينون ببعضهم على من سواهم كما كانت أسلافهم العاقلون المفكرون أهل الحزم والعزم والدراية. وأنا لا أنحي باللوم عليهم وحدهم بل أوجه اللوم أيضاً على علماء ديننا الذين هم روح الشعب وحياة الأمة والقطب الذي تدور عليه أمور الخلافة الإسلامية والأس الذي ترتكز عليه قواعد الدولة العثمانية نظن لجهلنا أن وظائف العلماء الإسلاميين في هذا الكون جزئية والحق أنها لأعظم وأجل وأهم وأكبر من سائر الوظائف. فهم المفرطون بطلب مالهم من الحقوق وأداء ما عليهم من الواجبات أما حقوقهم فهي تكفل الدولة لهم بتأمين مستقبلهم وتعيين رواتب لهم وللطلبة في مقابلة انقطاعهم لخدمة الملة والوطن أما من الأوقاف وإما من الخزينة ومساعدتهم على نشر العلم وبث المعارف وتشييد المدارس العلمية والمعاهد الدينية ووضع برنامج يتضمن التدريس بجميع الفنون من النحو والصرف والفقه والحديث والتفسير والمعاني والبيان البديع والمنطق والجغرافيا والحساب والتاريخ والهندسة والعلوم المدنية والفنية وغير ذلك وتتشكل لجنة مخصوصة من أرباب الفكر والاقتدار تعين كتباً مخصوصة تقرأ رسماً في جميع المدارس وتضرب مدة محدودة من السنين لدراسة الكتب التي تعينها وتخصص لكل سنة كتباً معينة وتجعل الامتحان في السنة مرتين وكل من يتمم المدة المحدودة ويؤدي الامتحان ويحوز الشهادة بأهليته يعين له راتب مخصوص ويرسل إلى بلده أو على بلد آخر يرشد أهله ويعلمهم مما علمه الله فإذا دخلت هذه الفنون في المدارس العلمية حاز طلابها الفضيلتين وامتزجوا باجتماعاتهم مع أبناء المكاتب بخلاف ما هم عليه الآن فإن بينهم تنافراً ووحشة لما بين علومهم من المباينة والمخالفة ولهم حقوق على الشعب منها النظر إليها بعين الاعتبار والتعظيم ومساعدتهم في حاجياتهم لأن ما من أمة حقرت علماء دينها إلا ابتليت بالمصائب وسلط الله عليها عدوها لينتقم منها وهذه حالتنا اليوم. قال تعالى: (ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون) كفى العلماء شرفاً أنهم ورثة الأنبياء ولا يرضى بتحقير العلماء إلا كل أحمق جاهل سفيه طائش العقل. وأما الواجبات التي يفرض على العلماء القيام بها فهي هدي الأمة وإرشادها إلى النهج

стр. 843

القويم والصراط المستقيم وبث روح الدعوة الدينية في جسم ميتها لتتحرك النفوس الهامدة وتحيي الأرواح الخامدة كما كانت أسلافهم الكرام كان يقطعون مسافة الشهر والشهرين لسماع حديث واحد من أمور دينهم ودنياهم في سبيل نفع الأمة كانوا يستميتون في بذل النصائح ويتفانون في نفع العباد وعمران البلاد ولذلك كان الشعب في حوزتهم وقبضة يدهم يتودد إليهم ويتوسل لإرضائهم كانوا هم الحكام في الحقيقة وكانت الأمة لهم أطوع من ظلهم كانت طواياهم سليمة ونياتهم صافية يعملون بما يعلمون بسري وعظهم وإرشادهم في العقول والأفكار سريان الماء في العود والروح في الجسد والدليل على ذلك كثرة وجود المعاهد العلمية والمعابد الدينية الناطقة بفضلهم وإخلاصهم للوطن العزيز هذه آثارنا تدل علينا ... فانظروا بعدنا إلى الآثار بم يهبهم الله الفضائل الجليلة والمزايا الشريفة لمجرد وضع العمامة على الرأس وارتداء الجبب الثمينة وتقبيل الأيدي والمجاورة في المساجد والمعاهد ليقال هؤلاء الذين يجب على الأمة تبجيلهم وتعظيمهم حاشا ثم حاشا إنما خلقهم الله ليعملوا بما علموا وليس العمل هو الصوم والصلاة ودراسة الكتب فذلك ممكن من كل فرد بل العمل اللازم اللازب الذي لا ينفك عنهم ويجب عليهم القيام به هو مبارحة الأوطان ومفارقة الخلان في سبيل الوعظ والإرشاد ونصح الأمة لم يجعل الله صدورهم قبوراً للعلم فلا يبعث منها حتى يبعث من في القبور، هم ورثة الأنبياء فالأنبياء كانت تدعو إلى الحق وتحث على التعاون والتعاضد والتناصر والتخلق بمكارم الأخلاق وجمع الكلمة وتأليف القلوب وتوحيد الآراء. فالسلطان الأعظم في الحقيقة هو خليفة النبي ﷺ وهو الذي يطلب منه القيام بهذه الأمور وحيث أن السلطان حالت بينه وبين القيام بتلك المذكورات مهام السياسة فقد ألقى مقاليدها إلى علماء الأمة وإلى هذا أشرت بقولي يجب على الحكومة مساعدة العلماء بنشر الدين لأنهم هم الواسطة بين الحكومة والشعب في استجلاب القلوب واستمالة النفوس وتقوية الرابطة واستدرار الخير بما يعود نفعه على الوطن أجمع. كما سمعناه عن أسلافنا وقرأناه في التواريخ المسجلة التي هي أصدق شاهد مخبر. وكما تفعله اليوم ملوك أوروبا من إرسالهم الوفود من علماء دينهم إلى بلادنا وفتحهم المدارس بأوطاننا نشاهد القسس والرهبان بأعيننا يجوبون الأقطار ويركبون البحار

стр. 844

ويقتحمون الأخطار والمخاوف باسم المبشرين حتى أنهم ليتفانون في تجديد مدرسة أو تعليق ناقوس، فما بال علمائنا لا يجيبون داعي الله وينتشرون في الأرض ينقذون أبناء القرى والأمصار من داء الجهل القتال. صدرت الأوامر بامتحان طلبة العلم الشريف فهرعوا إلى دراسة الفنون التي هجروها أيام فترة الامتحان وعينت لهم الحكومة مميزين من أبناء سلكهم فما زال أولئك المميزون عفا الله عنهم وسامحهم يدققون في الأسئلة ويضيقون عليهم كأنهم يريدون من الطالب أن يؤدي وظيفة العلماء. وكان من الواجب يومئد أن يجتمع علماء كل ولاية في مجلس مخصوص تحت رئاسة النائب والمفتي يتذاكرون بشؤون هذا الأمر الخطير ويطلبون من الحكومة أولاً إمهال الطلبة سنة كاملة لدراسة كتب الامتحان وثانياً تعيين معاشات لهم يستعينون بها على الطلب والتحصيل وثالثاً إلغاء التفتيش والمراقبة من طرف ضباط الرديف ولو فعلوا لنجحوا وكان حسناً. وخلاصة القول أنه يجب على علماء الإسلام أن ينهضوا من رقدتهم وينقذوا أبناء أمتهم ويجمعوا كلمتهم ويوحدوا آرائهم ويخرجوا الوهن من قلوبهم ويؤلفوا جمعية عمومية بإحدى الولايات يجعلون أعضاءها من سائر الممالك لها فروع وشعب في سائر أمصار الإسلام تدعو العالم الإسلامي بأجمعه إلى تعاون الدولة العثمانية بما عز وهان ومفاداتها بكل مرتخص وغال تفكر بالأسباب التي تفيض المال وتنور عقول الرجال بإحداث معامل وصنائع وشركات يعود نفعها على أبناء الوطن وأن يفتشوا المكاتب الرسمية والخصوصية ويسألوا عن معلميها فإذا سبر غورهم ووجدوهم غير متدينين بالدين وعاملين بأحكام الشريعة الغراء كما نسمع عن آحادهم أنهم لا يحضرون الدروس إلا بعد كرع الكؤوس واقتراف الكبائر من اللواط والزنا وغيرها فيحتجون على الحكومة ويطالبونها باسم الشعب بإزالة أولئك المعلمين الأشرار ويتذرعون بجميع الوسائل والأسباب لإزالة سوء التفاهم بينهم وبين العصريين حتى يكون الجميع ممن يؤلفون ويؤلفون وما ذلك على لا تأخذهم في الله لومة لائم بعزيز أحمد الباشا

стр. 845

العدد ٢٧ - بتاريخ: ٧ - ٤ - ١٩١٣

стр. 846

الدين الإسلامي والتوحيد الإيمان بالملائكة الكرام الإيمان بالملائكة ﵈ أصل من أصول العقائد الإسلامية وركن من أركانها فيجب على المكلف أن يصدق بوجودهم ويعتقد اعتقاداً جازماً لا يشوبه شك بأنهم عباد مكرمون خلقهم المهيمن جلت قدرته لطاعته وشغلهم بعبادته يسبحون الليل والنهار لا يفترون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون يخافون ربهم من فوقهم وهم من خشيته مشفقون لا يوصفون بذكورة ولا أنوثة ولا يأكلون ولا يشربون ولا يتناكحون عصمهم من الكدورات البشرية والرعونات النفسانية والشهوات البهيمية وأقدرهم على أشياء يعجز الإتيان بها البشر كقطع المسافة البعيدة في أسرع من لمح البصر وحمل الأشياء الثقيلة كالجبال والبلاد من غير أن يمسهم تعب أو يحل بهم اضطراب أو كسل فهم جنود الله تعالى لا يحصى عددهم غيره ولا مرية في أن الإيمان بهم يبعث الإنسان على الإذعان لقيوم السموات والأرض والاعتراف بقدرته الباهرة التي أقامت هذا الوجود على دعائم الحكمة وكمال الانتظام. الملائكة ﵈ ذوات موجودة قائمة بأنفسها واختلف في حقيقتهم والمذهب الحق الذي عليه جمهور المسلمين أنهم أجسام لطيفة نورانية قادرة على التشكل بأشكال مختلفة شأنهم الطاعة ومسكنهم السموات ومنهم من يسكن الأرض أخرج الترمذي وابن ماجة من حديث أبي ذر ﵁ مرفوعاً إلى النبي ﷺ أنه قال أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا وعليه ملك ساجد. وفي الطبراني من حديث جابر ﵁ قال رسول الله ﷺ ما في السموات السبع موضع قدم أو شبر ولا كف إلا وفيه ملك قائم أو راكع أو ساجد. وقد أقامهم الله تعالى على وظائف مخصوصة منهم من شأنه الاستغراق في معرفة الله والتنزه عن الشغل بغيره ومنهم رسل بين الله وأنبيائه ورسله كجبريل ﵇ ومنهم من هو موكل بقبض الأرواح كعزرائيل ﵇ قال تعالى: (قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم) ومنهم حفظة على العباد قال تعالى: (له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله) ومنهم من يكتب أعمال العباد قال تعالى: (وإن عليكم لحافظين كراماً

стр. 847

كاتبين) وقال تعالى: (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) ومنهم موكلون بالجنة ونعيمها قال تعالى: (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب) ومنهم موكلون بالنار وعذابها قال تعالى: (عليها تسعة عشر) ومنهم حملة العرش قال تعالى: (الذين يحملون العرش) الآية ومنهم قائمون بمصالح العباد ومنافعهم وتصوير الأجنة في الأرحام كما وردت بذلك الأخبار ودلت عليه الآثار وكله دليل على عظيم قدرة الله وسعة ملكه وأحاطة علمه فسبحان من خلق كل شيء فقدره تقديراً. وإنما حجبت البشر عن رؤية الملائكة لأن النفوس البشرية لا تطيق النظر إليهم بأعيانهم وصفاتهم في صورهم الأصلية ولا تستطيع أخذ الكلام عنهم لاختلاف الجنس بل ربما صعقوا من هيبتهم وماتوا كما قال تعالى: (ولو نزلنا ملكاً لقضي الأمر ثم لا ينظرون) أي لماتوا وليس بعجيب عدم رؤية البشر لهم إذا كانوا على صورهم الأصلية لأنهم أجسام لطيفة ألا ترى إلى الهواء مع كونه جسماً مالئاً للفضاء فإنه لا يرى لكونه جسماً لطيفاً. وأما رؤية الأنبياء لهم على صورتهم الأصلية فهي خصوصية خصوا بها لتلقي المسائل الدينية والأحكام الشرعية وفي مقدمة ابن خلدون جعل الله للأنبياء الانسلاخ من الحالة البشرية إلى الحالة الملكية في حالة الوحي فطرة فطرهم الله عليها وجبلة صورهم فيها ونزههم عن موانع البدن وعوائقه ما داموا ملابسين لها بما ركب من غرائزهم من العصمة والاستقامة فإذا انسلخوا عن بشريتهم وتلقوا في ذلك ما يتلقونه عاجوا على المدارك البشرية لحكمة التبليغ للعباد أه. والدليل على تشكل الملائكة بأشكال مختلفة تمثل الملك لمريم بشراً سوياً ودخول بعضهم على بعض الأنبياء بصورة مجهولة وتمثل جبريل للرسول ﵇ بصورة آدمي أخرج البخاري عن الحارث بن هشام أنه سأل الرسول ﷺ كيف يأتيك الوحي فقال أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال وأحياناً يتمثل لي الملك رجلاً فيكلمني فأعي ما يقول، وتمثل الملك رجلاً ليس معناه أن ذاته انقلبت رجلاً بل معناه أنه ظهر بتلك الصورة تأنيساً لمن يخاطبه وتارة كان يأتي إلى النبي ﷺ في صورة دحية الكلبي وأتاه مرة في صورة رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر حينما سأله عن الإسلام.

стр. 848

الإيمان بكتب الله تعالى الإيمان بكتب الله المنزلة من أركان العقيدة الإسلامية أيضاً فيجب على المكلف أن يعتقد بثبوتها وأن يجزم بأن الله تعالى أنزلها على أنبيائه عليهم الصلاة والسلام وبين فيها أمره ونهيه ووعده ووعيده وهي كلام الله تعالى حقيقة بدت منه بلا كيفية قولاً وأنزلها وحياً إما مكتوبة في الألواح أو مسموعة من وراء حجاب أو من ملك مشاهد. من تلك الكتب التوراة والإنجيل والزبور والقرآن أما التوراة فهو كتاب الله المنزل على موسى الكليم ﵇ لبيان الأحكام الشرعية والعقائد الصحيحة المرضية والتبشير بظهور نبي من ذرية إسماعيل ﵇ وهو نبينا محمد ﷺ والإشارة إلى انه يأتي بشرع جديد ينسخ جميع الشرائع ويهدي به إلى سبيل الرشد وطريق السعادة والنجاة فيجب تعظيم التوراة التي أنزلت على موسى ولم تعبث بها أنامل التحريف والتبديل واحترامها والإيمان بها أما التوراة الموجودة الآن فليست هي عين المنزلة بل هي محرفة ومبدلة ومغيرة ومما يدل على ذلك أنه ليس فيها ذكر الجنة والنار وحال البعث والجزاء مع أن ذلك أهم ما يذكر في الكتب الإلهية وأيضاً مما يؤكد كونها محرفة ذكر وفاة سيدنا موسى ﵇ في الباب الأخير منها والحال أنه هو الذي أنزلت عليه وعاش بعدها مدة. أما الزبور فكتاب أيضاً من كتب الله أنزله على نبيه داود ﵇ وهوعبارة عن أدعية وأذكار ومواعظ وحكم وليس فيه أحكام شرعية لأن داود ﵇ كان مأموراً باتباع شريعة موسى ﵇ فيتحتم الإيمان به وتعظيمه واحترامه إلا أننا لا ندري له نسخة صحيحة والدلائل قائمة على تحريف أهل الكتاب له بحسب المقاصد والأغراض ولذا توجد فيه إطلاقات غير لائقة في حق من تنزه عن الاتصاف بالجواهر والأعراض جل شأنه وعز سلطانه وتعالى عما يقول الكافرين علواً كبيراً. وأما الإنجيل فهو كتاب الله أنزله الله على رسوله عيسى ﵇ لبيان الحقائق ودعوة الخلق لتوحيد الخالق وتنزيهه عن الوالد والأولاد ونفي الشركاء عنه والأنداد ونسخ بعض أحكام التوراة الفرعية والتبشير بظهور خاتم الأنبياء ﷺ فيحب التصديق به وتعظيمه واحترامه أما الإنجيل الموجود الآن فليس هو الكتاب المنزل على عيسى ﵇ بل هو كتاب ألف بعد رفعه إلى السماء وله عندهم أربع نسخ ألفها أربعة أشخاص

стр. 849

بعضهم لم ير المسيح أصلاً وهم متى ومرقص ولوقا ويوحنا وإنجيل كل من هؤلاء مناقض للآخر في كثير من المطالب وقد كان للنصارى أناجيل كثيرة غير هذه الأربعة تخلصاً من كثرة التناقض وتخلصاُ من وفرة التضاد والتعارض وقد ثبت بالأدلة الواضحة حتى عند الكثير من أهل الكتاب أن التوراة والإنجيل كانت نسختهما الأصلية مفقودة قبل بعثة النبي ﷺ بإعصار وأما الموجودان في عصره وفي هذا العصر فهما عبارة عن كتابين جامعين لما صح وما لم يصح من الأخبار ومع ذلك فلم تزل أيدي التحريف تعبث فيهما حتى في هذا العصر كما هو مشاهد فلا يمر زمن إلا وتظهر نسخة تخالف ما قبلها في بعض المسائل تأييداً لبعض المذاهب مع ادعاء كل طائفة أن المحرف نسخة غيرها. وأما القرآن العظيم فهو أشرف كتب الله المنزلة على أشرف رسله (محمد) ﷺ وهو آخر الكتب السماوية نزولاً وأجمعها أحكاماً وأدلها برهاناً وأقواها محجة وتبياناً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ولا يلحقه تغيير ولا تبديل ولا تحريف (إنا نحن أنزلنا الذكر وإنا له لحافظون) ناسخ جميع الكتب قبله وحكمه باق إلى يوم القيامة مكتوب في السطور محفوظ في الصدور.

стр. 850

سنن متروكة إن ما يصنعه الناس في هذه العصور من رفع الصوت وراء الجنازة والجهر بالذكر وجوه أثناء المشي معها مغاير لما كان عليه الرسول ﵊ وأصحابه الكرام والسلف الصالح ﵃ واعتقاد أن بعض أهل العلم من الشافعية جوز ذلك لا أصل له كما ستعرفه ومن الغريب المحزن أن يعد كثير من الناس ترك هذه العواء إزراء بالميت وأهله وهذا ما دعانا لأن ننقل شيئاً مما كان عليه ﷺ من كيفية سيره مع الجنائز وطرفاً من كلام الأئمة ﵃ في ذلك مع تقديم بيان صلاة الجنازة التي يجهلها أكثر الناس وما يتبع ذلك من التعزية لأهل الميت لعل الله يهدي بذلك أخواننا المسلمين فيرجعون عن هذه البدعة ويقتفون أر الرسول ﵊. الصلاة على الميت الصلاة على الميت فرض كفاية وكذلك غسله وتكفينه ودفنه إجماعاً إذا قام به واحد سقط التكليف عن الباقين وكيفية الصلاة عليه أن يكبر المصلي أربع تكبيرات يقرأ بعد التكبيرة الأولى فاتحة الكتاب وبعد التكبيرة الثانية يصلي على النبي ﷺ والأفضل أن يأتي بالصلاة الإبراهيمية وهي اللهم صل علي سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم الخ وبعد التكبيرة الثالثة يدعو للميت بما يسمى دعاء والأحب أن يدعو بما ورد في السنة ومنه ما رواه أبو داود والترمذي والبيهقي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه صلى على جنازة فقال اللهم اغفر لحينا وميتنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا وشاهدنا وغائبنا اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده، ولا يجب بعد الرابعة شيء بل يستحب عند الشافعية أن يقول اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده ثم يسلم تسليمتين كسائر الصلوات ثم يسير معها بلا رفع صوت ولا لغط ويستحب أن يكون مشتغلاً بذكر الله تعالى والتفكر فيما يلقاه الميت وما يكون مصيره وحاصل ما كان فيه وأن هذا آخر الدنيا ومصير أهلها وليحذر كل الحذر من الحديث بما لا فائدة فيه لأن هذا وقت فكر وذكر يقبح فيه الغفلة واللهو والاشتغال بالحديث الفارغ قال العلماء رضي اللهم عنهم الصواب المختار ما كان عليه السلف ﵃ من

стр. 851

السكوت في حال السير مع الجنازة فلا يرفع صوت بقراءة ولا ذكر ولا غير ذلك والحكمة فيه أن هذه الحالة أسكن لخاطره وأجمع لفكره فيما يتعلق بالجنازة وهو المطلوب في هذا الحال ولا تغتر بكثرة من يخالفه قال ﷺ إن الله يحب الصمت عند ثلاث تلاوة القرآن وعند الزحف وعند الجنازة وإليك بعض ما قاله الأئمة ﵃ في لزوم الصمت وراء الجنازة والاتعاظ والتدبر، قال في الدر المختار للسادة الحنفية وكره في الجنازة رفع الصوت بذكر أو قراءة أهـ قال محشية العلامة ابن عابدين ﵀ قوله وكره الخ قيل تحريماً وقيل تنزيهاً كما في البحر عن الغاية وفيه عنها وينبغي لمن تبع الجنازة أن يطيل الصمت وفيه عن الظهيرية فإن أراد أن يذكر الله تعالى يذكره في نفسه وعن إبراهيم أنه كان يكره أن يقول الرجل وهو يمشي معها استغفروا له غفر اله لكم أه قلت وإذا كان هذا في الدعاء والذكر فما ظنك بالغناء الحادث في هذا الزمان أه كلام العلامة ابن عابدين وقال العلامة ابن الحاج المالكي في كتابه المدخل ما ملخصه وليحذر من هذه البدعة التي يفعلها أكثر الناس ثم العجب من أهل الميت كيف يأتون بالفقراء للذكر على الجنازة للتبرك بهم وهم عنه بمعزل لأنهم يبدلون لفظ الذكر بكونهم يجعلون موضع الهمزة ياء وبعضهم ينقطع نفسه عند آخر قوله لا إله ثم يجد أصحابه قد سبقوه بالإيجاب فيعيد النفي معهم في المرة الثانية وذلك ليس بذكر يؤدب فاعله ويزجر لقبح ما أتى به من التغيير للذكر الشرعي وإذا كان كذاك فأين البركة التي حصلت بحضورهم على أنهم لو أتوا بالذكر على وجهه لمنع فعله للحدث في الدين لأأنه لم يفعله رسول الله ﷺ ولا أصحابه ولا السلف الصالح ﵃ أجمعين إلى أن قال وهذا ما شاكله ضد ما كانت عليه جنائز السلف ﵃ لأن جنائزهم كانت على التزام الأدب والسكون والخضوع والخشوع والتضرع حتى أن صاحب المصيبة لا يعرف من بينهم لكثرة حزن الجميع وما أخذهم من القلق والانزعاج بسبب الفكرة فيما هم إليه صائرون وعليه قادمون حتى لقد كان بعضهم يريد أن يلقى صاحبه لضرورات تقع عنده فيلقاه في الجنازة فلا يزيد على السلام الشرعي شيئاً لشغل كل منهما بما تقدم ذكره وبعضهم لا يقدر أن يأخذ الغذاء تلك الليلة لشدة ما أصابه من الجزع كما قال الحسن البصري ﵁ ميت غد يشيع ميت اليوم وانظر رحمنا الله تعالى وإياك إلى قول عبد الله بن مسعود ﵁ لمن

стр. 852

قال في الجنازة استغفروا لأخيكم فقال لا غفر الله لك فإذا كان هذا حالهم في تحفظهم في رفع الصوت بمثل هذا اللفظ فما بالك بما يفعلونه مما تقدم ذكره فأين الحال من الحال فإنا لله وإنا إليه راجعون فالسعيد في نبذ هذه العوائد المبتدعة وشد يده على اتباع السلف فهم القوم لا يشقى من اتبعهم ولا من أحبهم (إن المحب لمن يحب مطيع) أ. هـ كلام صاحب المدخل وكذلك الحكم عند السادة الحنابلة قال في الدليل وشرحه (ويكره القيام لها ورفع الصوت) والصيحة (معها ولو بالذكر والقرآن) بل يسن الذكر والقرآن سراً ويسن لمتبعها أن يكون متخشعاً متفكراً في مآله متعظاً بالموت وبما يصير إليه الميت وقول القائل مع الجنازة استغفروا له ونحوه بدعة عند أحمد وكرهه. وحرمه أبو حفص أ. هـ وكذلك الحكم عند السادة الشافعية وإليك ما نقل عن الرملي وغيره من أكابر السادة الشافعية في حواشي المنهج ونصها. المختار والصواب ما كان عليه السلف من السكوت في حال السير مع الجنازة فلا يرفع صوت بقراءة أو ولا ذكر ولا غيرهما بلب يشتغل بالتفكر في الموت وما بعده وفناء الدنيا وأن هذا آخرها ومن أراد الاشتغال بالقراءة والذكر فليكن سراً وما يفعله جهلة القراء من القراءة بالتمطيط وإخراج الكلام عن موضوعه فحرام يجب إنكاره والمنع منه ومن تمكن من منعه ولم يمنعه فسق أ. هـ وأما من قال بأن عدم الاتيان بما يفعله الناس اليوم يعد إزراء بالميت وأهله فلا وجه له بعد ما سمعت من النصوص وهل يجنح عاقل إلى ترك السنة ومخالفة الصحب الكرام نظراً لهذه العادة السيئة ومتى كانت تقدم البدع على سنة رسول الله ﷺ كيف وقد عد شيخ الإسلام العلائي في قواعده ترك السنة من الكبائر كما نقله عنه القدوة ابن حجر في الزواجر. وتستحب التعزية وهي تصبير صاحب الميت بذكر ما يسليه ويحفف حزنه ويهون عليه مصيبته ورد عنه ﵊ ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة إلا كساه الله من حلل الكرامة يوم القيامة ومدتها من موته إلى ثلاثة أيام وتكره بعد مضي ثلاثة أيام إلا إذا كان صاحب المصيبة غائباً واتفق رجوعه بعد الثلاثة وهي مستحبة قبل الدفن وبعده ولكن بعده أفضل لشغلهم قبله بتجهيزه ويستحب أن يعم بالتعزية جميع أهل الميت وأقاربه الكبار والصغار والرجال والنساء إلا أن تكون امرأة شابة فلا يعزيها إلا محارمها ويكره تنزيهاً الجلوس للتعزية بأن يجتمع أهل الميت في بيت ليقصدهم من أراد التعزية بل

стр. 853

ينصرفوا في حوائجهم ولا فرق بين الرجال والنساء في كراهية الجلوس للتعزية وكون الكراهة للتنزيه إذا لم يكن معها محدث آخر فإن انضم إلى ذلك أمر آخر من البدع المحرمة كان ذلك من قبائح المحرمات ولا حجر في لفظ التعزية ويستحب أن يقول المسلم في تعزية المسلم أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك وفي الكافر بالمسلم أحسن الله عزاءك وغفر لميتك وفي الكافر بالكافر أخلف الله عليك ومما عزى به الإمام الشافعي ﵁ بعض أحبابه وقد جزع على فقد ولده بقوله: يا أخي، عز نفسك بما تعزي به غيرك، واستقبح من فعلك ما تستقبحه من فعل غيرك، واعلم أن أضر المصائب فقد سرور وحرمان أجر، فكيف إذا اجتمعا مع اكتساب وزر، فتناول حظك يا أخي إذا قرب منك قبل أن تطلبه، وقد نأى عنك ألهمك الله عند المصائب صبراً، وأحرز لنا ولك بالصبر أجراً، وكتب ﵁: إني لمعزيك لا أني على ثقة ... من الخلود ولكن سنة الدين فما المعزى بباق بعد ميته ... ولا المعزي ولو عاشا إلى حين هذا ونسأله تعالى أن يوفقنا لاتباع السنة السنية والانتصار للحق والحمد لله رب العالمين.

стр. 854

لن يتلاشى الإسلام أبداً إنا نحن نزلنا الذكر ونحن له لحافظون أثبتنا في مقالتينا السابقتين أن التدين غريزة غرزها الله في الفطر البشرية مثل سائر غرائزها الأخرى فما دام الإنسان إنساناً يحس ويتفكر ويلهم ويتدبر ولم يهبط به القصور إلى مداحض الحيوانية ومزالق الحياة البهيمية فلا يزال يرى التدين لازماً من لوازمه وضرورة من ضروراته وبرهنا على أن رقية في مدارج العلوم العلية وتسنمه سنام المعقولات السامية وضربه في ميادين المدنية الزاهية فضلاً عن كونه لن يعدو على تلك الغريزة فيقتلع أصولها ويجتث جذورها سيزيدها على ممر الأيام رسوخاً ويهبها على طول الزمان قوة وتمكيناً واستشهدنا على أقوالنا هذه بأقوال من فطاحل الكتاب العصريين وبحجج من تحقيقات العلماء الحسيين مما لا يترك مجالاً لجائل ولا جدالاً لمجادل وأردفنا كل ذلك بقولنا (إن الإسلام هو النقطة التي تتطلع إليها أنظار الباحثين والغرض الذي تشرأب إليه أعناق العلماء العمرانيين) ولكن جاءت هذه الجملة في عبارات مجملة لا تقف بذوي الطماح دون أن تطلب التفصيل ولا ترد من جماح العقول على تلمس التعليم لهذا أحببنا أن نعود اليوم إلى بسط ما أجملناه ونشر ما طويناه لنكون قد وفينا المقام بعض حقه فنقول: إنما ينتثر عقد القاعدة من القواعد وينتكث فتل القانون من القوانين لا لتطاول الزمن عليه ولا لبعد عهد الواضع له فكم من حقيقة فلسفية اثرت عن سقراط وبداهة شرعية نقلت عن سولون وقاعدة طبية رويت عن بقراط وفضيلة أخلاقية حملت عن كهنة المعابد المصرية القديمة وبعضها فضلاً عن عدم تأثير الزمن عليها بالزوال صار لها اليوم من الإعجاب والإقبال والاحترام والإجلال ما لا يتطرق إلى المحض فيها الشك بأنها ستبقى حية أبد الآبدين ومعمولاً بها لدى الناس أجمعين ذلك لأنها لائمت سنة الطبيعة ووافقت نظام الخليقة وتعالت عن مصادمة خصيصة من خصائص الإنسان وسمت عن أن تحتك في قانون من قوانين العمران وحقيقة هذا شأنها لجديرة بحكم الضرورة بالبقاء وبعيدة ولا شك عن الفناء (وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) ولكن تنهدم القواعد وتتلاشى وتتقوض أبنية النظامات وتتداعى لمعاكستها لرقي البشرية في معارج المدنية ومصادمتها لارتقاء الإنسانية

стр. 855

في مدارج الكمالات العقلية على أن من تلك النظامات ما كان مفيداً لمن وضعت في زمانهم وملائمة لمقتضيات عمرانهم لافتقار مناسباتهم الاجتماعية إليها ولكن لما كانت المناسبات الزمانية والمكانية لا تكاد يحصيها الإنسان لتغيرها كل آن وتحولها في كل خطوة يخطوها البشر فلا تصادف تلك النظامات أمة من الأمم لتنطبق عليها ولو وجدتها لا تلبث أن تعاكسها في شأن من شؤونها تحت تأثير ناموس الرقي فتلفظها لفظ النواة وتهجرها غير آسفة عليها. هذا هو السبب الرئيسي لدوام التحول والتبدل في نظامات البشر وهذا أيضاً هو سبب تلاشي الأديان الباطلة التي أطلق قادتها لشياطينهم عنان الإفساد فأدخلوا إلى عقائدهم ما يتعالى الله عن تكليف الناس به لمصادمته للعلم ومعاكسته لبدائية العقل وعدم ملائمته لسنن الطبيعة فينساق أصحاب هذه العقائد في مبدأ الأمر للعمل بها طاعة لداعي ضمائرهم المتشعبة بيقينهم الوراثي ولكنهم لا يكادون يجرون شوطاً في خيالاتهم هذه حتى تصيح في أوجههم نواميس الطبيعة صيحة تردهم بها على أعقابهم مدبرين وتقرعهم بقوارع من الفتن المزعجة تجبرهم برغم أنفهم إلى درس أسباب تقهقرهم ومناشيء نكوصهم ليتخلصوا مما وقصوا فيه من المضانك الاجتماعية فيؤديهم درسهم إلى جراثيم تلك العلل فيميلون بما في مكنتهم إلى قتل مكاريبها وكشط أدرانها سواء كانت في نظاماتهم الاجتماعية أو في تعاليمهم الدينية. ولا عجب فإن العقيدة إذا زاحمت الطبيعة سادت الثانية على الأولى وأجلتها ولو بعد حين. وقد أشار الله تعالى إلى ذلك (ولو إنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم) وما دامت الطبيعة والعقيدة من الله فلا يعقل أنه تعالى يكلف الإنسان بما يشق عليه ولا يستطيع أن يقوم به (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها). قلنا هذا هو السبب الرئيسي في تلاشي الأديان واحتمال تلاشي أكثر ما بقي منها وقد أشار إلى هذا السبب العلامة بنجامين كوتستان في كتابه المسمى الدين وينبوعه واشكاله وترقيه فقال: إن كل قاعدة مهما كانت نافعة في الحال فلا بد أن تكون محتوية على جرثومة تعارض الرقي في الاستقبال لأن تلك القاعدة تأخذ بطول المكث شكلاً عديم الحراك يأبى على العقل اتباعه في مكتشفاته التي ترقيه كل يوم وتظهره إذا حصل ذلك ينفصل في

стр. 856

الحال الإحساس الديني عن تلك القاعدة المتحجرة ويطلب سواها من القواعد التي لا تحرجه ولا تجرحه ولا يزال يضطرب حتى يصادفها ثم علل هذا المؤلف احتمال تلاشي الأديان بعدم احتوائها على سائر الحريات الضرورية للإنسان وارتأى أنه لو كانت تلك الحريات موجودة فيها لبقيت بقاء الإنسان ولكنه عاد فيئس من ذلك فقال وكلنا نخال أن ذلك يتحقق مطلقاً لاعتقادنا أنها لن تترك شيئاً من أسسها. وحيث أن هذه الأسس تناقض العلم وتعارضه فيكون من المقرر الثابت إمحاء الديانات وزوالها. إذا تقرر لديك كل ما مر نطرح هذا السؤال وهو: هل في الإسلام قاعدة تعارض ناموس الترقي في سيره أو فيه أس يأخذ لطول الزمن شكلاً حجرياً عديم الحراك يأبى على العقل اتباعه في مكتشفاته أو يتغاضى عليه في سعيه وراء سعادته؟ قبل أن نجيب على هذا السؤال يجب علينا أن نلم بماهية الميادين التي تتسابق فيها محاولات إنسان وتتراكض في مناحيها جياد أمياله ومراميه فتقول: ليس أمام سائر مجهودات الإنسان غير ميدانين عظيمين وهما ميدان سعادته الروحية ومن قال بوجود ميدان ثالث حاكمناه إلى محاكم الطبيعة وألزمناه الحجة بنص قوانينها المحسوسة. الإنسان مسوق بحكم الفطرة إلى تأييد مركزه في هذا الوجود الأرضي وتثبيت قدمه في هذا الوسط الطيني وله مما ركب في جثمانه من المطالب وما تقتضيه واجباته الحيوية المتجددة من الرغائب أكبر دافع له إلى الابتكار وأعظم سائق له إلى الاستثمار هرباً من فناء يتهدده وزوال لا يفتأ يتوعده وفي درس أقوال الشعوب في سائر أدوارها ما يغني القارئ عن كثير من الأمثال كما أنه بحكم تركيبه المعنوي إلى تلمس راحة روحه التي لا يقنعها معقول فتقف عنده لا يرضيها مقام فتلتزم حده. لا يكاد الإنسان يأنس بملذة روحانية ويفرح بلطيفة نورانية حتى يجد من نفسه الرغب في الزيادة والتوق إلى دوام الاستفادة ولو عاندها الإنسان في مطالبها ووقف بها دون رغائبها قلبت له ظهر المجن وسقته من صاب المحن ما يجعل حياته المدنية أمر من العلقم وسعادته الجسمية أشد عليه من لدغ الأرقم. لأن السعادة الجسمية وحدها لا تغني عن الإنسان شيئاً ما دامت الحيرة تقيم فؤاده وتعقده والشكوك تميته كل يوم وتنشره ومهما غالط الإنسان إحساساته الداخلية فعالجها بالأشربة الروحية والمناظر الخيالية فهي لا تزال تريشه بسهام

стр. 857

معنوية حتى يقضي عليها فيموت جباناً أو يلتفت إلى مطالبها فيعيش إنساناً! ونحن لو أجلنا نظرنا في مناحي هذين الميدانين الحسي والمعنوي لما تمكنا أن نحددهما بحد ولا أن نقف لهما على تخم مما يدلنا دلالة واضحة إلى ما سيناله الإنسان المستقبل من الرقي في هذين المضمارين لا يقارن بما لدينا إلا كما تقارن الشمس بالمصباح الضئيل. إذا تحققت هذه البداءة فقل لنا كيف لا تموت قاعدة تعقل العقل عن متابعة مجراه في سبيل الاكتشاف وكيف لا ينتقض قانون يصد الفكر عن رحلاته في هذه اللا نهاية البعيدة الأكناف؟ إذا كان الخالق سبحانه قضى (لا معقب لحكمه) أن يترقى الإنسان من الوسائل وسلط عليه من الفواعل ما يجعل وقوفه في مركزه مستحيلاً فأي دين يعطل من مسير هذا القضاء وأي زهادة ترد الإنسان عن تسنم هذا العلاء؟ إذا كان خالق الطبيعة ومدبرها هو نفسه واهب الدين فهل يعقل أنهما يتناقضان أو يتعارضنا فيتصاولان؟ كلا. قلنا أن أمام الإنسان ميدانين كلاهما غير محدود بحد ولا محصور بتخم وأن الإنسان مدفوع إلى رفع كل عقبة تقف أمامه فيهما ومسوق إلى بلوغ نهاياتهما وأن الدين الصحيح هو الذي ينشطه في قطع مفاوزهما ولا يضع أمامه العواثير دون غاياتهما فهل الإسلام حاصل على هذه المزية حتى يجدر بنا أن نسميه روح المدنية وأنشودة الإنسانية وباقياً بقاء الحياة الدنيوية؟ اللهم نعم. أما من حيثية حالنا في المعقولات فإن الإسلام يرينا أننا لم نزل في دور الطفولية منها وأن كل ما حصلناه إلى الآن لا يساوي قطرة مما سيصل أخلافنا إليه قال تعالى: (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) ويرينا بعد ذلك أن باب العلم مفتوح لكل طالب ميسور لكل راغب فهو ليس مقصوراً على طائفة دون أخرى بل فرضه الله على كل رجل وكل امرأة من الهيئة الاجتماعية سواء في ذلك ألو الشرف والثراء أو أولو الضعة والضراء فقال تعالى: (وقل رب زدني علماً) وقال سيد الوجود ﷺ (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة) وأرانا بعد ذلك كله بنص لا يحتمل التأويل أن العلم لا غاية له فقال له ﵊ (من ظن أن للعمل غاية فقد بخصه حقه الحديث وليس بعد هذا تشويق إلى طلب المعارف الحقة من مطابها وأما من جهة حالنا في السعادة المادية فإن الله يصرح لنا في كلامه القديم بأنه قد خلقنا واستخلفنا في الأرض وأسبغ علينا نعماً ظاهرة وباطنة وجعلنا خلاصة إبداعه وسخر لنا ما في السموات وما في الأرض

стр. 858

نكتشف معانيها ونستخدم قواها فقال تعالى: (وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه) ولم يحرم علينا بد ذلك إلا كل إفراط وتفريط سواء فقي الحاجيات البدنية أو الروحية حتى أنه ليعاقب المؤذي نفسه بالعبادة كما يعاقب مؤذيها في سواها قال سيد الوجود ﷺ (من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الذنب مثل جبال عرفة) (ذلك أن الله لا يحب المعتدين) حتى في الدين. فقل لنا بعيشك دين هذا شأنه من الإطلاق وعدم التقييد من أين يتطرق التلاشي إليه وبأي سبب يحكم بالزوال عليه؟ دين لم يمت فيك عاطفة من العواطف ولم يحجر على عقلك وفكرك سلطانهما بل جعلهما عماد بقائك وسبب عليائك ولم يحرم عليك من الملاذ البدنية إلا الأشياء المؤذية بإجماع العلوم الطبية فكيف لا تسميه دين المدنية الحقيقية وأنشودة الإنسانية؟ وإن تعجب من هبوط المسلمين عن سواهم مادياً ومعنوياً مع وجود هذا الدين بين ظهرانيهم فأنا أكثر منك عجباً من تكاسل متنوريهم عن إشهاره بكل الوسائل لأنه ليس بين المسلمين وبين الرقي لا على مقاوم العظمة الاجتماعية إلا فهم ما لديهم من هذا النور الذي أنزل من سماء الحكمة إليهم؟ فهل يأتي على المسلمين زمان يلتفتون فيه إلى دينهم حق الالتفات ويستمدون من روحه مثل ما استمد منه آباؤهم من قبل فيدهشون العالم بفخامة مدنيتهم وجلالة فضائلهم؟ نهم ولتعلمن نبأه بعد حين. فريد وجدي

стр. 859

كيف يصلح أمر العثمانيين تفنن زعماء الإصلاح ومريدوه فيما يصلح شأن العثمانيين، ويرقى بهم إلى أوج العزة والسعادة. فمن قائل أن صلاحهم لا يكون إلا باقتفائهم أثر الأوروبيين، وتقليدهم إياهم في جميع أسباب تقدمهم، والعمل بأنظمتهم وقوانينهم ومجاراتهم بالعلوم الطبيعية والرياضية ومنافستهم بآلات الحرب والضرب ومضاهاتهم بالتجارة والزراعة والصناعة. ومن قائل أن هذه الأمة لا يصلح آخرها إلا بما صلح به أولها، فهي لا يعوزها إلا التمسك بدينها والاهتداء بهديه، والزهد في الدنيا، والرغبة فيما عند الله سبحانه. فإذا قدر لها ذلك فقد استغنت عن النظام السياسي والإداري فلديها من سنة سيد المرسلين ﷺ وسيرة خلفائه الراشدين رضوان الله تعالى عليهم ما إن تمسكت به دانت لها رقاب الأمم وذلك لعزتها الجبابرة والأكاسرة، واستغنت عن المدرعات والطرادات فعندها من القوى المعنوية ما يعدل تلك القوى الحسية ويفوقها، واكتفت بجزء يقوم بأودها من التجارة والزراعة والصناعة كما اكتفى به سلفها فهي لا رغبة لها في الملاذ الجسمية والشهوات الحيوانية بل غرضها من هذه الحياة عبادة ربها سبحانه والشغف بحضرته. ومن قائل لا يصلح العثمانيين ذا ولا ذاك وصلاحهم بأمر غيرهما مستدلاً يؤيد مدعاه ويدعمه في زعمه. وقد حضرنا مناظرة دارت بين فاضلين من رجال الإصلاح أحدهما يرى الرأي الأول والآخر يرى الراي الثاني فأحببنا أن نثبت ما دار بينهما بتصرف ثم نبين رأينا في الإصلاح خدمة للأمة، وقياماً بواجبها الخطير فنقول: قال الذي يرى الرأي الأول: لا أرى خلاصاً لدولة الخلافة مما حاق بها من البلايا واكتنفها من الرزايا بالجري على سنن الأوروبيين، واقتفاء أثرهم فطريقهم أسلك الطرق، ومنهجهم أعدل المناهج فهاهم قد بلغوا مستوى العز والمجد وصارت لهم السيادة والسلطة على كافة سكان البسيطة. قال الذي يرى الرأي الثاني: وكيف يكون ذلك؟ قال الأول: يكون أولاً بتنظيم قوانين سياسية وإدارية طبق قوانينهم. وثانياً بإنشاء مدارس للعلوم الطبيعية والرياضية على نحو مدارسهم وثالثاً بإعداد معدات للحرب تشاكل معداتهم من مدرعات وطرادات، وحصون وقلاع ومدافع وبنادق وطيارات ونظارات وغير ذلك من

стр. 860

آلات الحروب الحديثة رابعاً بالاعتناء بالتجارة في الوارد إلى البلاد والصادر منها. بحفظ الحقوق، وتعديل الجمارك، ومن السكك التجارية والكهربائية، وتنظيم الشوارع والأزقة وخامساً بالالتفات إلى الزراعة بإيجاد الأمن في البوادي وجر المياه إلى الأراضي القاحلة وتجفيف المستنقعات وتسهيل الطرق لجلب ما استحدث من آلات الزراعة من أوروبا بإعفائها من الرسوم وإدانة المعوز من الزراع ثمنها إلى أجل يمكنه من الاستفادة منها وسادساً بالاهتمام بالصنائع بوضع المرغبات المادية والمعنوية لمن يقوم بها وإعفاء آلاتها من الرسوم، والضرب على أيدي من يريد العبث بمتانتها، وحفظ حقوق أصحابها بهذا يرتفع شأن العثمانية، وتكون في مقدمة الدول العظمى ولا أحتاج لإيراد الدلائل والشواهد على صحة ما قلت بعد أن تحقق أن السبب الوحيد في رقي أوروبا وتقدمها هو ما ذكر. قال الذي يرى الرأي الثاني: قد أطلت على غير طائل وأكثرت من غير ما جدوى وما أراك إلا شغوفاً بأوروبا ومظاهرها الفتانة، معرضاً عن النظر في حقيقة أمرها وما هي عليه من الخبث والدناءة، ولو كشف لك عما تكنه صدورها وتخفيه سرائرها لما راقتك زخارفها، وأخذت منك مبتكراتها ومخترعاتها، ولما دعوت أمتك إلى تقليدها وأنت من رجالها المصلحين. لو كان لي من الإفصاح والبيان ما أقدر به على سرد الفظائع التي جرتها أوروبا بمدنيتها الحديثة على الإنسانية لفعلت، وبالحري لو كنا في هذا الصدد لرأيتني على ضعف بياني أتكلف لإزالة الستر عن بعض تلك الفظائع المؤلمة بحيث تكون ظاهرة للعيان. نحن الآن بصدد النظر فيما يصلح شأن أمتنا، ويرقى بها في معارج العز والفلاح، ولا أرى ذلك حاصلاً لها إلا بالاعتصام بحبل دينها المتين، والسير على صراطه المستقيم بامتثال أوامره واجتناب مناهيه، وترك التخاذل والتدابر ونبذ النزاع والشقاق وتوثيق عرى الاتحاد والائتلاف وتجديد أواصر التراحم والواد وبذل المهج والأموال لتكون كلمة الله العليا وكلمة الذين كفروا السفلى فإذا تم لنا ذلك فلسنا بحاجة إلى قوانين أوروبا التي لا تلائم طباعنا، ولا تتفق مع مصالحنا فلدينا القانون الإلهي وضعه أحكم الحاكمين وسنه أعدل العادلين بمصالح عبادة، ومن لا تخفى عليه خافية من أمرهم. ذلك الذي لا يعتريه تغيير ولا تبديل

стр. 861

ولا يقبل الزيادة ولا النقصان ذلك القانون الذي يلائم المستقيم من الطباع ولا تمجه الأذواق السليمة ذلك القانون الذي يأمر بالعدل والإحسان وينهي عن الفحشاء والمنكر ذلك القانون الذي بني على المساواة الحقيقية بين أفراد معتنقيه لا يفرق بين عنصر وعنصر ولا يميز جنساً على آخر ذلك القانون الذي يحث على التعليم ويوجبه على كافة من التزم أحكامه ذلك القانون الذي ما تمسكت به أمة إلا وأصبحت عزيزة الجانب رفيعة المكانة. ولسنا بحاجة إذا تم ذلك (الاعتصام بحبل ديننا المتين) إلى العلوم الطبيعية والرياضية التي ضل بها الأكثرون وكثر من جراء تعلمها الزنادقة والملحدون واقتصرت نتائجها على إطغاء بني البشر وسحقه بما أعدت لهم من المدمرات وسهلت لهم من الشهوات. نعهم لسنا بحاجة إلى هذه العلوم المادية المحضة التي تسبب عنها إنكار الصانع جل وعلا، والتكذيب بكتبه ورسله وملائكته، وجحود البعث والحشر والنعيم والجحيم، وغير ذلك مما لا مجال لإنكاره ولا تتسع دائرة الوهم للتشكيل فيه بعد ما جاءت الأدلة القاطعة بإثباته، وشهدت العقول السليمة بصحته، ومضت الأجيال والقرون وعامة من يفقهه من البشر يذعنون له ويدينون به. ولسنا بحاجة أيضاً إلى المدرعات والطرادات وغيرها من آلات الحروب الحديثة لما توفر لدينا من قوة الاتحاد والتضام، ولما غرز فينا من الشجاعة والبسالة التي فقنا بها جميع الأمم. نهم لا أنكر أنه لو يكون لنا معدات مثل الأوروبيين نزداد قوة على قوة، وتعظم سطوتنا في نظر أعدائنا ولكنا نحتاج في تحصيلها إلى أن نسلك طريقاً غير طريقنا طريقاً مملوءاً بالمخاوف محفوفاً بالأخطار فأولى لنا أن نسلك طريق أسلافنا وننهج منهجهم فقد كانت هممهم مصروفة إلى إعداد المعدات المعنوية مقصورة على تنظيمها وكانت لهم بذلك الغلبة على أعدائهم في جميع ما يحاولون. وبعد ذلك كله يكفينا جزء يسير من التجارة والزراعة والصناعة يقوم بأودنا، ونسد به خلتنا، لنقوى به على عبادة الله تعالى التي ما خلقنا إلا لها ونتبلغ به للحصول على مرضاته التي هي أعلى المقاصد، وأسمى المطالب فنتنعم بالنظر إلى وجهه الكريم، وجلاله المنزه في جنات تجري من تحتها الأنهار فيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين.

стр. 862

(لها بقية)

стр. 863

الأسئلة والأجوبة سؤال: أصحاب مجلة الحقائق الغراء. . بينما كنت أسرح طرفي في صفحات الجزء الثالث من المجلد الثالث من مجلتكم الزاهرة إذ وجدت في بحث الخصائص حديث (البلاء موكل بالمنطق) وبينتم أن البخاري خرجه عن ابن مسعود ﵁ وقد كنت وجدت في موضوعات الصاغاني أن هذا الحديث موضوع فأشكل الأمر علي فألتمس منكم كشف النقاب عن حقيقة هذا الحديث وكذلك وجدت في مقالة المولد النبوي الشريف حديث أن ابن عمر ﵄ عنه ﵊ (إن الله اختار خلقه فاختار منهم بني آدم ثم اختار بني آدم فاختار منهم العرب. . الخ) فأشكل علي لفظ الحديث نظراً لتكرار قوله ثم اختار بني آدم في الظاهر فالأمل من غيرتكم أن ترفعوا النقاب وتوضحوا الصواب ولكم من الله جزيل الثواب دمشق (ص) الجواب: كنا ذكرنا حديث (البلاء موكل بالمنطق) معزياً للبخاري نقلاً عن خصائص المنيني ﵀ وكان الواجب أن لا نطلق لفظ البخاري بل نبين أن البخاري أخرجه في كتابه المسمى بالأدب كما نقل ذلك العلامة العزيزي في شرحه على الجامع الصغير وعد الصاغاني الحديث في موضوعاته غير مسلم فقد صحح السيوطي في اللالئ المصنوعة عدم وضعه وقال أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن أبي الدرداء مرفوعاً وأخرجه العسكري في الأمثال والخرائطي في مكارم الأخلاق عن ابن مسعود بلفظ أن البلاء مولع بالكلام وأخرجه ابن لال في مكارم الأخلاق عن ابن عباس بلفظ ما من طامة إلا وفوقها طامة والبلال والبلاء موكل بالمنطق وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف بلفظ البلاء موكل بالقول لو سخرت من كلب لخشيت أن أكون كلباً الخ ما ذكره في اللالئ المصنوعة في كتاب الأدب والزهد وأما الحديث الثاني فإنه كما ظهر لكم في تكرار وإليكم بيان مجرداً عن التكرار نقلاً عن المواهب قال أخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عمر ﵄ قال قال ﵊ إن الله اختار خلقه فاختار منهم بني آدم ثم اختار من بني آدم العرب ثم اختارني من العرب فلم أزل خياراً من خيار إلا من أحب العرب فبحبي أحبهم ومن أبغض العرب فببغضي أبغضهم أ. هـ ونحن نشكر لك أيها السائل تنبيهك لنا ونسأله

стр. 864

تعالى أن يوفقنا وإياك لاتباع طريقة والحمد لله رب العالمين.

стр. 865

كتاب طاهر بن الحسين أما بعد فعليك بتقوى الله وحده لا شريك له وخشيته ومراقبته ومزايلة سخطه واحفظ رعيتك في الليل والنهار والزم ما ألبسك الله من العافية بالذكر لمعادك وما أنت صائر إليه وموقوف عليه ومسؤول عنه والعمل في ذلك كله بما يعصمك الله وينجيك يوم القيامة من عقابه وأليم عذابه. فإن الله سبحانه قد أحسن إليك وأوجب الرأفة عليك بمن استرعاك أمرهم من عباده وألزمك العدل فيهم والقيام بحقه وحدوده عليهم والذب عنهم والدفع عن حريمهم ومنصبهم والحقن لدمائهم والأمن لسربهم وإدخال الراحة عليهم ومؤاخذك بما فرض عليك وموقفك عليه وسائلك عنه ومثيبك عليه بما قدمت وأخرت ففرغ لذلك فهمك وعقلك وبصرك ولا يشغلك عنه شاغل وإنه رأس أمرك وملاك شأنك. وأول ما يوفقك الله عليه وليكن أول ما تلزم به نفسك، وتنسب إليه فعلك، المواظبة على ما فرض الله عليك من الصلوات الخمس والجماعة عليها بالناس قبلك وتوابعها على سننها من إسباغ الوضوء لها وافتتاح ذكر الله فيها ورتل في قراءتك وتمكن من ركوعك وسجودك وتشهدك ولتصرف فيه رأيك ونيتك واحضض عليه جماعة من معك وتحت يدك وادأب عليهات فإنها كما قال الله تنهى عن الفحشاء والمنكر. ثم اتبع ذلك بالأخذ بسنن رسول الله ﷺ والمثابرة على خلائقه واقتفاء أثر السلف الصالح من بعده. وإذا ورد عليك أمر فاستعن عليه باستخارة الله وتقواه وبلزوم ما أنزل الله في كتابه من أمره ونهيه وحلاله وحرامه وإتمام ما جاءت به الآثار عن رسول الله ﷺ ثم قم فيه بالحق لله ولا تميلن عن العدل فيما أحببت أو كرهت لقريب من الناس أو لبعيد. وآثر الفقه وأهله والدين وحملته وكتاب الله والعاملين به فإن أفضل ما يتزين به المرء الفقه في الدين والطلب له والحث عليه والمعرفة بما يتقرب به إلى الله فإنه الدليل على الخير كله والقائد إليه والآمر به والناهي عن المعاصي والموبقات كلها ومع توفيق الله يزداد المرء معرفة وإجلالاً ودركاً للدرجات العلى في المعاد مع ما في ظهوره للناس من التوقير لأمرك والهيبة لسلطانك والأنسة بك والثقة بعد ذلك.

стр. 866

وعليك بالاقتصاد في الأمور كلها فليس شيء أبين نفعاً ولا أخص أمناً ولا أجمع فضلاً منه والقصد داعية إلى الرشد والرشد دليل على التوفيق والتوفيق قائد إلى السعادة وقوام الدين والسنن الهادية بالاقتصاد وكذا في دنياك كلها. ولا تقصر في طلب الآخرة والأجر والأعمال الصالحة والسنن المعروفة ومعالم الرشد والإعانة والاستكثار من البر والسعي له إذا كان يطلب به وجه الله تعالى ومرضاته ومرافقه أولياء الله في دار كرامته. أما تعلم أن الصدق في شأن الدنيا يورث العز ويمحص من الذنوب وأنك لن تحوط نفسك من قائل ولا تنصلح أمورك بأفضل منه فآته واهتد به تتم أمورك وتزد مقدرتك ويصلح عامتك وخاصتك وأحسن ظنك بالله تستقم لك رعيتك والتمس الوسيلة إليه في الأمور كلها تستدم به النعمة عليك. ولا تتهمن أحداً من الناس فيما تواليه من عملك قبل أن تكشف أمره فإن إيقاع التهم بالبراء والظنون السيئة بهم آثم آثم. فاجعل من شأنك حسن الظن بأصحابك واطرد عنك سوء الظن بهم وارفضه فيهم يعنك ذلك على استطاعتهم ورياضتهم ولا تتخذن عدو الله الشيطان في أمرك معمداً فإنه إنما يكتفي بالقليل من وهنك ويدخل عليك من الغم بسوء الظن بهم ما ينقص لذاذة عيشك واعلم أنك تجد بحسن الظن قوة وراحة وتكتفي به ما أحببت كفاية من أمورك وتدعو به الناس إلى محبتك والاستقامة في الأمور كلها ولا يمنعك حسن الظن بأصحابك والرأفة برعيتك أن تستعمل المسألة والبحث عن أمورك والمباشرة لأمور الأولياء وحياطة الرعية والنظر في حوائجهم وحمل مؤناتهم أيسر عندك مما سوى ذلك فإنه أقوم للدين وأحيا للسنة. واخلص نيتك في جميع هذا وتفرد بتقويم نفسك تفرد من يعلم أنه مسؤول عما صنع ومجزي بما أحسن ومؤاخذ بما أساء فإن الله جعل الدنيا الدنيا حرزاً وعزاً ورفع من اتبعه وعززه. واسلك بمن تسوسه وترعاه نهج الدين وطريقه الأهدى وأتم حدود الله تعالى في أصحاب لجرائم على قدر منازلهم وما استحقوه ولا تعطل ذلك ولا تتهاون به ولا تؤخر عقوبة أهل العقوبة فإن في تفريطك في ذلك ما يفسد عليك حسن ظنك واعتزم على أمرك في ذلك بالسنن المعروفة وجانب البدع والشبهات يسلم لك دينك وتتم لك مروءتك وإذا عاهدت عهداً

стр. 867

فأوف به وإذا وعدت الخير فأنجزه واقبل الحسنة وادفع بها وأغمض عن عينك كل ذي عيب من رعيتك واشدد لسانك عن قول الكذب والزور وأبغض أهل النميمة فإن أول فساد أمورك في عاجلها وآجلها تقريب الكذوب والجرأة على الكذب لأن الكذب رأس المآثم والزور والنميمة خاتمتها لأن النميمة لا يسلم صاحبها وقائلها لا يسلم له صاحب ولا يستقم له أمر. وأجب أهل الصلاح والصدق وأعن الأشراف بالحق وأعن الضعفاء وصل الرحم وابتغ بذلك رجه الله تعالى وإعزاز أمره والتمس فيه ثوابه والدار الآخرة. واجتنب سوء الأهواء والجور واصرف عنهما رأيك وأظهر براءتك من ذلك لرعيتك وانعم بالعدل سياستهم وقم بالحق فيهم وبالمعرفة التي تنتهي بك إلى سبيل الهدى. واملك نفسك عند الغضب وآثر الحلم والوقار وإياك والحدة والطيش والغرور فيما أنت بسبيله. وإياك أن تقول أنا مسلم أفعل ما أشاء فإن ذلك سريع إلى نقص الرأي وقلة اليقين لله واخلص لله وحده النية فيه واليقين. واعلم أن الملك يؤتيه من يشاء وينزعه ممن يشاء ولن تجد تغير النعمة وحلول النقمة إلى أحد أسرع منه إلى جهلة النعمة من أصحاب السلطان والمبسوط لهم في الدولة إذا كفروا نعم الله وإحسانه واستطالوا بما أعطاهم الله من فضله. ودع عنك شره نفسك ولتكن ذخائرك وكنوزك التي تدخر وتكنز البر والتقوى واستصلح الرعية وعمارة بلادهم والتفقد لأمورهم والحفظ لدمائهم والإغاثة لملهوفهم. واعلم أن الأموال إذا اكتنزت وادخرت في الخزائن لا تنمو وإذا كانت في صلاح الرعية وإعطاء حقوقهم وكف الأذية عنهم نمت وزكت وصلحت به العامة وترتبت به الولاية وطاب به الزمان واعتقد فيه العز والمنفعة وليكن كنز خزائنك تفريق الأموال في عمارة الإسلام وأهله ووفر منه على أولياء أمير المؤمنين قبلك حقوقهم وأوف من ذلك حصصهم وتعهد ما يصلح أمورهم ومعاشهم فإنك إذا فعلت قرت النعمة لك واستوجبت المزيد من الله تعالى وكنت بذلك على جباية أموال رعيتك وإخراجك أقدر وكان الجمع لما شملهم من عدلك وإحسانك أسباباً لطاعتك.

стр. 868

وطب نفساً بكل ما أردت واجهد نفسك فيما حددت لك في هذا الباب وليعظم حقك فيه وإنما يبقى من المال ما أنفق في سبيل الله وفي سبيل حقه واعرف للشاكرين حقهم وأثبهم عليه وإياك أن تنسيك الدنيا وغرورها هول الآخرة فتتهاون بما يحق عليك فإن التهاون يورث التفريط والتفريط يورث الهوار. وليكن عملك لله وفيه وارج الثواب فإن الله سبحانه قد أسبغ عليك فضله. واعتصم بالشكر وعليه فاعتمد يزدك الله خيراً وإحساناً فإن الله يكتب بقدر الشاكرين وإحسان المحسنين ولا تحقرن ذنباً ولا تمالئن حاسداً ولا ترحمن فاجراً ولا تصلن كفوراً ولا تداهنن عدواً ولا تصدقن نماماً ولا تأمنن عدواً ولا توالين فاسقاً ولا تبغن غاوياً ولا تحمدن مرائياً ولا تحقرن إنساناً ولا تردن سائلاً فقيراً ولا تحسن باطلاً ولا تلاحظن مضحكاً ولا تخلفن وعداً ولا تذهبن فخراً ولا تظهرن غضباً ولا تباينن رجاء ولا تمشين مرحاً ولا تزكين سفيهاً ولا تفرطن في طلب الآخرة ولا ترفع للنمام عيناً ولا تغمض عن ظالم رهبة منه أو محاباة ولا تطلب ثواب الآخرة في الدنيا. وأكثر مشاورة الفقهاء واستعمل نفسك بالحلم وخذ عن أهل التجارب وذوي العقل والرأي والحكمة ولا تدخلن في مشورتك أهل الرفه والبخل ولا تسمعن لهم قولاً ضررهم أكثر من نفعهم. وليس شيء أسرع فساداً لما استقبلت فيه أمر رعيتك من الشح واعلم أنطك إذا كنت حريصاً كنت كثير الأخذ قليل العطية وإذا كنت كذلك لم يستقم أمرك إلا قليلاً فإن رعيتك إنما تعتقد على محبتك بالكف عن أموالهم وترك الجور عليهم. ووال من صفا لك من أوليائك بالاتصال إليهم وحسن العطية لهم واجتنب الشح واعلم أنه أول ما عصى به الإنسان ربه وأن العاصي بمنزلة الحري وهو قول الله (ومن يوق شح نفسه فآولئك هم المفلحون) فسهل طريق الجود بالحق واجعل للمسلمين كلهم في بيتك حظاً ونصيباً وأيقن أن الجود أفضل أعمال العباد فأعده لنفسك خلقاً وارض به عملاً ومذهباً وتفقد الجند في دواوينهم ومكاتيبهم وادر عليهم أرزاقهم ووسع عليهم في معاشهم يذهب الله بذلك فاقتهم فيقوى لك أمرهم وتزد قلوبهم في طاعتك وأمرك خلوصاً وانشراحاً.

стр. 869

وحسب ذي السلطان أن السعادة أن يكون على جنده ورعيته رحمة من عدله وعطيته وإنصافه وعنايته وشفقت وبره وتوسعته فذلك مكروه أحد البابين باستشعار فضله الباب الآخر ولزوم العمل به تلق إن شاء الله تعالى به نجاحاً وصلاحاً وفلاحاً. واعلم أن القضاء من الله تعالى بالمكان الذي ليس لديه شيء من الأمور لأنه ميزان الله الذي يعدل عليه أحوال الناس في الأرض وبإقامة العدل والعمل في القضاء تصلح أحوال الرعية وتأمن السبل وينتصف المظلوم وتأخذ الناس حقوقهم وتحسن المعيشة ويؤدي حق الطاعة وترزق من الله العافية والسلام يقيم الدين وتجري السنن والشرائع في مجاريها. واشتد في أمر الله وتورع عن النطق وامض لإقامة الحدود وأقلل العجلة وأبعد عن الضجر والقلق وانع بالقسم وانتفع بتجربتك وانتبه في صحتك واسدد في منطقك وأنصف الخصم وقف عند الشبهة وابلغ في الحجة ولا ولا يأخذك في أحد من رعيتك محاباة ولا مجاملة ولا لومة لائم وتثبت وتأن وراقب وانظر وتفكر وتدبر واعتبر وتواضع لربك وارفق بجميع الرعية وسلط الحق على نفسك ولا تسرعن إلى سفك الدماء فإن الدماء من الله بمكان عظيم انتهاكاً لها بغير حقها. وانظر هذا الخراج الذي استقامت عليه الرعية وجعله الله للإسلام عزاً ورفعة ولأهله توسعة ومنعة ولعدوه كيتاً وغيظاً ولأهل الكفر من معاديهم ذلاً وصغاراً فوزعه بين أصحابه بالحق والعدل والتسوية والعموم ولا تدفعن شيئاً منه عن شريف لشرفه ولا عن غني لغناه ولا عن كاتب لك ولا لأحد من خاصتك ولا من حاشيتك ولا تأخذن منه فوق الاحتمال له ولا تكلف أمراً فيه شطط واحمل الناس كلهم على أمر الحق فإن ذلك أجمع لألفتهم والزم إرضاء العامة. واعلم أنك جعلت بولايتك خازناً وحافظاً وراعياً وإنما سمى أهل عملك رعيتك لأنك راعيهم وقيمهم فخذ منهم ما أعطوك من عفوهم ونفذه في قوام أمرهم وصلاحهم وتقويم أودهم واستعمل عليهم أولي الرأي والتدبير والتجربة والخبرة بالعلم والعدل بالسياسة والعفاف ووسع عليه في الرزق فإن ذلك من الحقوق اللازمة لك فيما تقلبت وأسند إليك فلا يشغلك عنه شاغل ولا يصرفك عنه صارف فإنك متى آثرته وقمت فيه بالواجب استدعيت به زيادة النعمة من ربك وحسن الأحدوثة في عملك واستجررت به المحبة من رعيتك

стр. 870

وأعنت على الصلاح فدرت الخيرات ببلدك وفشت العمارة بناحيتك وظهر الخصب في كورك وكثر خراجك وتوفرت أموالك وقويت بذلك على ارتباط جندك وإرضاء العامة بإفاضة العطاء لهم من نفسك وكنت محمود السياسة مرضي العدل في ذلك عند عدوك وكنت في أمورك كلها ذا عدل وآلة وقوة وعدة فتنافس فيها ولا تقدم عليها شيئاً تحمد عاقبة أمرك إن شاء الله تعالى. واجعل في كل كورة من عملك أميناً يخبرك خبر عمالك ويكتب إليك بسيرهم وأعمالهم حتى كأنك مع كل عامل في عمله معايناً لأموره كلها وإذا أردت أن تأمرهم بأمر فانزظر عواقب ما أردت من ذلك فإن رأيت السلامة فيه والعافية ورجوت فيه حسن الدفاع والصنع فامضه وإلا فتوقف عنه وراجع أهل البصر والعلم به ثم خذ فيه عدته فإنه ربما نظر الرجل في أمره وقد أتاه على ما يهوى فأغواه ذلك وأعجبه فإن لم ينظر في عواقبه أهلكه ونقض عليه أمره فاستعمل الحزم في كل ما أردت وباشره بعد عون الله بالقوة وأكثر من استخارة ربك في جميع أمورك وافرغ من عمل يومك ولا تؤخره وأكثر مباشرة بنفسك فإن لغد أموراً وحوادث تلهيك عن عمل يومك الذي أخرت. واعلم أن اليوم إذا مضى ذهب بما فيه فإذا أخرت عمله اجتمع عليك عمل يومين فيشغلك ذلك حتى ترضى منه وإذا أمضيت لكل يوم علمه أرحت بدنك ونفسك وتستيقن أمر سلطانك وانظر أحرار الناس وذوي الفضل منهم ممن بلوت صفاء طويتهم وشهدت مودتهم لك ومظاهرتهم بالنصح والمحافظة على أمرك فاستخلصهم وأحسن إليهم وتعاهد أهل البيوتات ممن قد دخلت عليهم الحاجة واحتمل مؤنتعم وأصلح حالهم حتى لا يجدوا لخلتهم مسافراًُ وافرد نفسك بالنظر في أمور الفقراء والمساكين ومن لا يقدر على رفع مظلمته إليك والمحتقر الذي لا علم له بطلب حقه فسل عنه أخفى مسألة وكل بأمثاله أهل الصلاح في رعيتك ومرهم برفع حوائجهم وخلالهم لتنظر في ما يصلح الله به أمرهم وتعاهد ذوي البأساء ويتاماهم وأراملهم واجعل لهم أرزاقاً من بيت المال اقتداء بأمير المؤمنين أعزه الله تعالى في العطف عليهم والصلة لهم ليصلح الله بذلك عيشهم ويرزقك به بركة وزيادة. وأجر للأمراء من بيت المال وقدم حملة القرآن منهم والحافظين لا كثره في الجرائد على غيرهم وانصب لمرضى المسلمين دوراً تأويهم وقواماً يرتقون بهم وأطباء يعالجون أسقامهم

стр. 871

وأسعفهم بشهواتهم ما لم يؤدي ذلك إلى سرف في بيت المال. واعلم أن الناس إذا أعطوا حقوقهم وفضل أمانتهم لم تبرمهم وربما تبرم المتصفح لأمور الناس لكثرة ما يرد عليه ويشغل ذكره وفكره منهما ما ينال به مؤونة ومشقة وليس من يرغب في العدل ويعرف محاسن أموره في العاجل وفضل ثواب الآجل كالذي يستقري ما يقربه إلى الله تعالى ويلتمس رحمته. وأكثر الأذن للناس عليك وأرهم وجهك وسكن حراسك واخفض لهم جناحك وأظهر لهم بشرك ولن لهم في المسألة والنطق واعطف عليهم بجودك وفضلك وإذا أعطيت فأعط بسماحة وطيب نفس والتماس للضيقة والأجر من غير تكدير ولا امتنان فإن العطية على ذلك تجارة مربحة إن شاء الله تعالى. واعتبر بما ترى من أمور الدنيا ومن مضى من قبلك من أهل السلطان والرياسة في القرون الخالية والأمم البائدة ثم اعتصم في أحوالك كلها بالله والوقوف عند محبته والعمل بشريعته وسنته وبإقامة دينه وكتابه واجتنب ما فارق ذلك وخالفه ودعا إلى سخط الله عز وحل واعرف ما تجمع عمالك من أموال وما ينفقون منها ولا تجمع حراماً ولا تنفق إسرافاً وأكثر مجالسة العلماء ومشاورتهم ومخالطتهم وليكن هواك اتباع السنن وإقامتها وإيثار مكارم الأخلاق ومقلتها وليكن أكرم دخلائك وخاصتك عليك من إذا رأى عيباً لم تمنعه هيبتك من إنهاء ذلك إليك في ستر وإعلامك بما فيه من النقص فإن أولئك أنصح أوليائك ومظاهريك لك وانظر عمالك الذين بحضرتك وكتابك فوقت لكل رجل منهم في كل يوم وقتا يدخل فيه بكتبه ومؤامرته وما عنده من حوائج عمالك وأمور الدولة ورعيتك ثم فرغ لما يورد عليك من ذلك سمعك وبصرك وفهمك وعقلك وكرر النظر فيه والتدبير له فما كان موافقاً للحق والحزم فأمضه واستخر الله فيه وما كان مخالفاً لذلك فاصرفه إلى المسألة عنه والتثبت ولا تمتن على رعيتم ولا غيرهم بمعروف تؤتيه إليهم ولا تقبل من أحد إلا الوفاء والاستقامة والعون في أمور المسلمين ولا تضعن المعروف إلا على ذلك وتفهم كتابي إليك وأمعن النظر والعمل به واستعن بالله على جميع أمورك واستخره فإن الله مع الصلاح وأهله وليكن أعظم سيرتك وأفضل رغبتك ما كان لله رضا ولدينه نظاماً ولأهله عزاً وتمكيناً وللملة والذمة عدلاً وصلاحاً. وأنا أسأل الله أن يحسن عونك وتوفيقك ورشدك وكلاءتك والسلام.

стр. 872

صلاح الأمم بالدين مهما أطلنا التصور وأجهدنا الفكر لا نرى كالدين جامعاً للأمم على تفرقها كافلاً لسعادتها وارتقائها ذلك أن الدين يستدعي أن يعتقد المتدين أن له رباً حكيماً قادراً مطلعاً على هواجس ضميره وما يكنه صدره معاقباً له على ما يقترفه من المعاصي العقاب الشديد مثيبه على أعماله الصالحة الثواب الجزيل فلا يستبيح أن يعصيه في سره ولا في علانيته كما لا ينفك أن يطيعه في كل ما دعاه إليه ولو كلفه ذلك أن يجود بنفسه وماله. هذه مزية من مزايا التدين وخصيصة من خصائصه وهي السبب الوحيد لتقدم الأمم والعامل الأقوى على نهوضها إذا كان ما تتمسك به من العقائد والآداب صحيحاً ولو في الجملة. لسنا نقول باستقامة غير الدين الإسلامي ولا بجواز التدين بذلك الغير فذا مما لا نحلم به ولا نجوز أن يحلم به مسلم ولكنا نريد أن نجهر بحقيقة واضحة وهي أن المتمسكين بالأديان التي تأمر بالفضيلة وتنهى عن الرذيلة ولو كان ذلك في الجملة خير من الذين جعلوا دينهم هواهم ومعبودهم شهواتهم. مثال ذلك أن من يتولى وظائف الحكم من اللادينيين إذا أمكنته الفرص لا يبالي إذا ظلم أو خان أو ارتشى أو فعل ما تأباه المرؤة والأمانة لأنه لا يعتقد أن عليه رقيباً لا يغفل عند غفلة الرقباء ولا يوقن بأنه إذا أمن عذاب الدنيا فلا يأمن عقاب الآخرة ولا يردعه عن عمله القبيح العقاب الذي رتبه عليه قانون حكومته أو ميله لمراعاة حقوق الوطنية والإنسانية فللقوانين الموضوعة من قبل البشر منافذ عدة يخرج منها المجرم بريئاً والظالم عادلاً وللشهوة الإنسانية حكم نافذ وسلطان غالب على حب الوطنية والإنسانية ولا كذلك المتدين الصادق إذا نيطت به الوظائف فهو يعتقد أنه مدين بإيفائها حقها معاقب على التفريط لواجباتها في أخراه وإن سلم من العقاب على ذلك في دنياه وقس على الموظف التاجر والزارع والمحترف وغيرهم فاللاديني من هؤلاء يغش ويكذب ويأكل أموال الناس بالباطل ويشهد الزور ولا يدع شيئاً دعته شهوته إليه مما يفسد نظام الهيئة الاجتماعية إلا ارتكبه بعكس المتدين الصادق كما سبق. هذه بعض مزايا الدين بالنظر إلى الأفراد وإذا أردت التحقق ببعض مزاياه بالنظر إلى رابطته التي تؤلف بين مئات الملايين من النفوس فتجعلهم كالنفس الواحدة وتمكنهم إذا أحسنوا التمسك بها من السلطة والسيادة على سكان البسيطة.

стр. 873

جاء الإسلام والناس في جاهلية جهلاء وغواية عمياء متفرقين المذاهب مختلفين بالآراء فهداهم إلى الطريق الأقوم وسلك بهم المنهج الأعدل جمعهم بعد التفرق وضمهم بعد الشتات حتى تكونت لهم رابطة كسلسلة أحد طرفيها في المشرق والآخر في المغرب فأصبحوا وهم سادة أهل الأرض وفي قبضتهم وتحت حكمهم أكثر من نصفها وما بلغوا هذا المنصب ولا ارتقوا هذا المرتقى إلا بتمسكهم بدينهم وعلمهم بالانتفاع من رابطته ولولا أن خلفهم من سلك غير مسلكهم وتنهج خلاف منهجهم لرأيتهم اليوم وفي يدهم الكرة الأرضية كما ترى مثالها بيد الجغرافيين. فالواجب على المسلمين وقد كاد أن يدركهم التلاشي ويحل بهم الاضمحلال أن يتمسكوا بدينهم حق التمسك ويرتبطوا برابطته تمام الارتباط فإذا فعلوا ذلك بقي للمستقلين منهم كالعثمانيين استقلالهم وكانوا العقبة الكؤود في امتداد نفوذ أوروبا وربما يأتي يوم يستردون فيه سلطتهم ويعود إليهم مجدهم ولا يعوزهم إلا نشر العلوم الدينية فيما بينهم وتسهيل الطرق لتعارفهم مع بعضهم فهم على كثرتهم وعدم خلو قطر أو مدينة من طائفة كبيرة منهم يقدرون على كل شيء ولا يذلون لشيء أخذ الله بأيدينا إلى ما فيه صلاحنا وفلاحنا ورد عنا كيد الأعداء ومكرهم بمنه وكرمه.

стр. 874

مختارات أخلاقية الكرم الحقيقي أيا ابنة عبد الله وابنة مالك ... ويا ابنة ذي البردين والفرس الورد إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له ... أكيلاً فإني لست آكله وحدي أخا طارقاً أو جار بيت فإنني ... أخاف مذمات الأحاديث من بعدي وإني لعبد الضيف ما دام ثاوياً ... وما فيّ إلا تلك من شيمة العبد الأخوة الحقة إني وإن كان ابن عمي غائباً ... لمقاذف من خلفه وورائه ومفيده نصري وإن كان آمرأ ... متزحزحاً غي أرضه وسمائه ومتى أجئه في الشدائد مرملاً ... ألق الذي في مزودي لوعائه وإذا تتبعت الجلائف مالنا ... خلطت صحيحتنا إلى جربائه وإذا أتى من وجهة بطريفة ... لم أطلع مما وراء خبائه وإذا اكتسى ثوباً جميلاً لم أقل ... ياليت أن علي حسن ردائه المروءة المال يغشى رجالاً لا طباخ بهم ... كالسيل يغشى أصول الدندن البالي أصون عرضي بمالي لا أدنسه ... لا بارك الله بعد العرض في المال أحتال للمال إن أودى فأجمعه ... ولست للعرض إن أودى بمحتال الفقر يرزي بأقوام ذوي حسب ... ويقتدي بلئام الأصل أنذال الصبر ماذا يكلفك الروحات والدلجا ... البر طوراً وطوراً تركب اللججا كم من فتى قصرت في الرزق خطوته ... الفتية بسهام الرزق قد فلجا إن الأمور إذا انسدت مسالكها ... فالصبر يفتق منها كل ما أرتجا لا تيأسن وإن طالت مطالبة ... إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ... ومدمن القرع للأبواب أن يلجا قدر لرجلك قبل الخطو موضعها ... فمن علا زلقا عن غرة زلجا

стр. 875

ولا يغرنك صفو أنت شاربه ... فربما كان بالتكدير ممتزجا لأبي فراس غيري يغيره الفعال الجافي ... ويحول عن شتم الكرام الوافي لا أرتضي وداً إذا هو لم يدم ... عند الجفاء وقلة الإنصاف نفس الحريص وقل ما يأتي به ... عوضاً عن الإلحاد والإلحاف إن الغني هو الغني بنفسه ... ولو أنه عاري المناكب حاف ما كل ما فوق البسيطة كافياً ... فإذا قنعت فكل شيء كاف ويعاف لي طبع الحريص أبوتي ... ومرؤتي وقناعتي وعفافي ما كثرة الخيل الجياد بزائدي ... شرفاً ولا عدو السوام الضافي ومكارمي عدد النجوم ومنزلي ... بيت الكرام ومنزل الأضياف لا أقتني لصروف الدهر عدة ... حتى كأن صروفه أحلافي خيلي وإن قلت كثير نفعها ... بين الصوارم والقنا الرعاف شيم عرفا بهن مذ أنا يافع ... ولقد عرفت بمثلها أسلافي لسوادة اليربوعي ألا أنكر ميٌ عليّ تلومني ... نقول ألا أهلكت من أنت عائله ذريني فإن البخل لا يخلد الفتى ... ولا يهلك المعروف من هو فاعله

стр. 876

العدد ٢٨ - بتاريخ: ٧ - ٥ - ١٩١٣

стр. 877

أغلاط لسان العرب قرأنا في الجزء الثامن من السنة الثانية لمجلة الآثار تحت هذا العنوان مقالة بإمضاء الكاتب المحقق المجيد أحمد بك تيمور بين فيها بعض ما عثر عليه من الأغلاط في كتاب لسان العرب الطائر الصيت المعروف عند أهل العلم الذي تم طبعه في مصر بمطبعة بولاق الأميرية سنة ١٣٠٨ هجرية مما سها فيه مصححو الكتاب الأفاضل مع ما بذلوه من العناية وأفرغوه من الجهد في ضبطه وتصحيحه وقد قدم بين يدي المقالة مقدمة مدح فيها الكتاب وذكر أن أول من أقدم على طبعه رجل مقدام اسمه حسين أفندي الديك ولكنه لم يأت على بعض أجزائه حتى أتت على ثروته فتولت إتمامه الحكومة الخديوية بعد أن جمعت له مختلف النسخ والمواد ما رأته وافياً بإبرازه في أتم ما يكون من وجوه الصحة والضبط. وأنه نشر عن هذه الأغلاط فصلاً في مجلة الضياء ثم اتبعه بآخر في المؤيد ثم رأى أن يعززهما بثالث في الآثار وخدمة للكتاب وحباً بالفائدة أحببنا أن ننقل هذه المقالة في مجلتنا (الحقائق) معلقين عليها بعض تعليقات قد لا تخلو من الفائدة. والله حسبنا وهو نعم المعين. قال الكاتب: فمن ذلك ما وري في مادة (أج أصفحة ١٥ سطر ٨) لأبي النجم: قد حيرته جن سلمى واجا وجاء بعده أراد اجا فخفف تخفيفاً قياسياً الخ) وروى (أجا) الثاني بالألف آخره مخففاً غير مهموز والصواب همزة على أصله لأن المراد أنه كان كذلك فخففه الشاعر بحذف همزته وإلا فأي معنى لتخفيف المخفف. (وفي مادة ب ر أصفحة ٢٤ سطر ١٥) عند الكلام على جمع بريء وبرئ وبراء مثل ما جاء من الجموع على فعال نحو تؤام ورباء في جمع توأم ورُبَّى ورسم (رباء) بالهمز في آخره أي في موضع اللام من فعال لا يكون هذا جمعاً لرُبَّى لأن لامها باء فالصواب أن يقال في جمعها رُباب بالباء في آخره وهو الذي ذكره المصنف وصاحب القاموس وغيرهما في مادة (ر ب ب) وقال سيبويه في كتابه باب تكسير ما عدة حروفه أربعة أحرف للجمع وقالوا ربى ورباب حذفوا الألف وبنوه على هذا البناء كما ألقوا الهاء في جفرة فقالوا جفار إلا أنهم قد ضموا أول ذاكما قالوا ظئر وظوار ورخل ورخال انتهى (تتمة) هذا الجمع من الجموع العزيزة النادرة لأن فعالاً بضم الأول وتخفيف العين ليس من أبنية جموع التكسير المعروفة وإنما سمع في ألفاظ قليلة كثني وثناء وعرق وعراق وفرير

стр. 878

وفرار ورذل ورذال ولهذا ذهب بعضهم إلى أنه اسم جمع وقال آخرون بل هو جمع ولكن الأصل فيه الكسر والضم بدل منه. وقد كنت تتبعت ما ورد منه فاجتمع لي اثنا عشر لفظاً ثم رأيت العلامة شهاب الدين الخفاجي زاد عليها كثيراً في شرحه لدرة الغواص فمن شاء الوقوف عليها وعلى اختلاف أقوالهم فيها فليراجع (صفحة ١٤١ من الشرح المذكور المطبوع في الجوائب). وفي مادة (ح س ب صفحة ٣٠٦ س ٢٠) والمحسبة الوسادة من الأدم وحسبه أجلسه على الحسبانة أو المحسبة وضبطت (المحسبة) في الموضعين بفتح الميم وكذلك جاءت مضبوطة بالقلم بالفتح في هذه المادة مت القاموس ولم ينص الشارح على ضبط فيها. ولكنها ضبطت بكسر الميم في مادة (زن ن_من اللسان صفحة ٦١ سطر٢٤) وفي (ج٤ صفحة٧٤) من المخصص وهو الصواب على ما يظهر لي لأني رأيتهم نصوا على كسر الأول فيما جاء في معناها من وزنها كمرفقة ومصدغة ومخدة كأنهم عدوها من أسماء الآلات. حيث أننا لم نقف على نص صريح في هذه الكلمة ورأينا المصححين تراوحوا في ضبطها بين الكسر والفتح بغير دليل كان حملها على ما جاء من نوعها أولى. (وفي هذه الصفحة س ٢٢) هذا ما اشترى طلحة من فلان فتاة بخمسمائة درهم بالحسب والطيب) وضبط درهم بفتح أوله والصواب كسره ولم يحك أحد من اللغويين في الدال ضبطاً آخر وإنما نصوا على جواز الفتح والكسر على الهاء وعلى كونه أيضاً زنة محراب. (وفي مادة د ب ب ص ٣٥٨ س ٢١) وقال ابن الأعرابي الدبادب والجباجب الكثير الصياح والجلبة وأنشد: إياك أن تستبدلي قرد القفا ... حزابية وهيباناً جباجبا الف كان الغازلات منحنه ... من الصوف نكثاً أو لئيماً دبادبا وكتب المصحح بالحاشية ما نصه: قوله والجباجب هكذا في الأصل والتهذيب بالجيمين وحرر. قلنا لم يظهر لنا وجه توقف المصحح في هذه الكلمة مع ورودها في مادة (ج ب ب) واستشهاد المصنف عليها بهذين البيتين منسوبين هناك لعبد الله بن حجاج التغلبي. وفي مادة (ط ي ب ص٥١ س ١٧) قوله طبتم فادخلوها خالدين معناه كنتم

стр. 879

طيبين في الدنيا فادخلوها وجاء (كتتم) هكذا بتاءين وصوابه بنون فتاء وهو ظاهر. (وفي مادة ع ت ب ص ٥٦ س٢٣) والتعتب التجني تعتب عليه وتجني عليه بمعنى واحد وروي (التعتب) بالجر والصواب رفعه على أنه مبتدأ خبره التجني. (وفي مادة ك ل ب ص ٢٢٠ س١٢) أرض كلبة أي غليظة قف لا يكون فيها شجر ولا كلأ ولا نكون جبلاً. وروي (نكون) بالنون أوله وصوابه بالمثناة الفوقية لأن الضمير فيه يعود إلى الأرض. (وفي مادة ف ت ت ص ٣٦٩) روي لزهير كأن فتات العهن في كل منزل ... نزلن به حب القنى لم يحطم ولا معنى هنا للقنى بالقاف وإنما هو الفنا بالفاء وهو عنب الثعلب أو شجر ذو حب أحمر وبه روي البيت في مادة (ف ن ي ص ٢٥) ولم يذكر شراح المعلقات غير هذه الرواية فيه. (وفي مادة ح ي ث ص ٥٤٥ س ١١) حيث ظرف مبهم من الأمكنة الخ بتنوين (حيث) والصواب بناؤها لأن كلام المصنف عنها صريح أنه يريد المبنية لا ملعربة في لغة بني فقعس التي تكلم عليها بعد ذلك. (وفي مادة ح ر ج ص ٥٩) روي لعنترة يصف ظليماً وقلصه: يتبعن قلة رأسه وكأنه ... حرج على نعش لهن مخيم وروي (مخيم) بالرفع على أنه تعت لحرج والصواب جره على أنه نعت النعش وبه ضبط في مادة (ن ع ش ص ٢٤٧) ومعناه المجعول عليه خيمة كما في شرح ابن النحاس على المعلقات. وللحرج معان أوفقها لما هنا أنه خشب يشد بعضه إلى بعض ويجعل فوق نعش الميت. ولا يخفى أن قوافي القصيدة كلها مجرورة فلا داعي لتوهم أقواء لم ينص عليه أحد. (وفي مادة ع ر ج ص ١٤٥) روي لأبي المكعب الأسدي: أفكان أول ما أثبت تهارشت ... أبناء عرج عليك عند وجار وجاء بعده يعني أبناء الضباع وترك صرف عرج لأنه جعل اسماً للقبيلة أما ابن الأعرابي فقال لم يجر عرج وهو جمع لأنه أراد التوحيد والعرجة الخ وضبط (لم يجر) بفتح فضم

стр. 880

مع تشديد الراء أي يجعله مضارعاً لجر والكلام هنا في منع الصرف فكان الصواب أن يضبط بضم فسكون مع تخفيف الراء من أجراه يجريه بمعنى صرفه وهو اصطلاح قديم لهم يعبر به سيبويه في الكتاب وصاحب القاموس في بعض المواضع والمعنى عليه ظاهر في سياق العبارة إذا لا خلاف في أن لفظ (عرج) في البيت مجرور للإضافة وإن كان جره بالفتحة. اللهم إلا إذا حملناه على تساهل بعض القدماء في التعبير عن ألقاب الأعراب فيكون المراد بالجر هنا الكسر غير أننا نرى ضبطه على ما ذكرناه أولى منعاً للالتباس. (وفي مادة ع ن ج ص ١٥٤ س٣) والعنج أن يجذب راكب البعير خطامه قبل رأسه حتى ربما لزم دفراه بقادمة الرحل وروي دفراه بالدال المهملة والصواب بالمعجمة وهي العظم الشاخص خلف أذن البعير والمراد حتى تحاذي أذن البعير قادمة الرحل من شدة الجذب. (وفي مادة غ م ل ج ص ١٦١) روي أبي نخيلة في وصف ناقة تعدو في خرق واسع تغرقه طوراً بشد تدرجه ... وتاره يغرقها غملجه هكذا بضبط (غملجه) بفتح الجيم وضم الهاء والصواب ضم الجيم لرفعه على الفاعلية ليغرق وإشكان هاء الوصل. (وفي مادة ف ر ج صفحة ١٦٦) روي للبيد: قعدت كلا الفرجين تحسب أنه ... مولى المخافة خلفها وأمامها وروي (قعدت) بالقاف من القعود وهو شيء لم يروه أحد وإنما الصواب (فغدت) بالفاء والغين المعجمة من غدا يغدو أو بالمهملة من عدا يعدو وهما الروايتان المنصوص عليهما في شروح المعلقات وبالأولى ورد البيت في مادة (ول ي ص ٢٩١) إلا أنه روي بنصب خلفها وأمامها مع أن القصيدة مرفوعة الروي فالصواب رفعمها على أن الأول بدل من مولى والثاني معطوف عليه أو يكون مولى مرفوعاً بالابتداء وخلفها خبره والجملة خبران كما ذكر الإمام التبريزي في شرحه. (لها بقية)
следующие страницы →