← Джавами‘

Джавами‘ · id 29676

مجلة الحقائق

عبد القادر الإسكندراني

Полный текст (1 077 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

العدد ٢٨ - بتاريخ: ٧ - ٥ - ١٩١٣

стр. 877

أغلاط لسان العرب قرأنا في الجزء الثامن من السنة الثانية لمجلة الآثار تحت هذا العنوان مقالة بإمضاء الكاتب المحقق المجيد أحمد بك تيمور بين فيها بعض ما عثر عليه من الأغلاط في كتاب لسان العرب الطائر الصيت المعروف عند أهل العلم الذي تم طبعه في مصر بمطبعة بولاق الأميرية سنة ١٣٠٨ هجرية مما سها فيه مصححو الكتاب الأفاضل مع ما بذلوه من العناية وأفرغوه من الجهد في ضبطه وتصحيحه وقد قدم بين يدي المقالة مقدمة مدح فيها الكتاب وذكر أن أول من أقدم على طبعه رجل مقدام اسمه حسين أفندي الديك ولكنه لم يأت على بعض أجزائه حتى أتت على ثروته فتولت إتمامه الحكومة الخديوية بعد أن جمعت له مختلف النسخ والمواد ما رأته وافياً بإبرازه في أتم ما يكون من وجوه الصحة والضبط. وأنه نشر عن هذه الأغلاط فصلاً في مجلة الضياء ثم اتبعه بآخر في المؤيد ثم رأى أن يعززهما بثالث في الآثار وخدمة للكتاب وحباً بالفائدة أحببنا أن ننقل هذه المقالة في مجلتنا (الحقائق) معلقين عليها بعض تعليقات قد لا تخلو من الفائدة. والله حسبنا وهو نعم المعين. قال الكاتب: فمن ذلك ما وري في مادة (أج أصفحة ١٥ سطر ٨) لأبي النجم: قد حيرته جن سلمى واجا وجاء بعده أراد اجا فخفف تخفيفاً قياسياً الخ) وروى (أجا) الثاني بالألف آخره مخففاً غير مهموز والصواب همزة على أصله لأن المراد أنه كان كذلك فخففه الشاعر بحذف همزته وإلا فأي معنى لتخفيف المخفف. (وفي مادة ب ر أصفحة ٢٤ سطر ١٥) عند الكلام على جمع بريء وبرئ وبراء مثل ما جاء من الجموع على فعال نحو تؤام ورباء في جمع توأم ورُبَّى ورسم (رباء) بالهمز في آخره أي في موضع اللام من فعال لا يكون هذا جمعاً لرُبَّى لأن لامها باء فالصواب أن يقال في جمعها رُباب بالباء في آخره وهو الذي ذكره المصنف وصاحب القاموس وغيرهما في مادة (ر ب ب) وقال سيبويه في كتابه باب تكسير ما عدة حروفه أربعة أحرف للجمع وقالوا ربى ورباب حذفوا الألف وبنوه على هذا البناء كما ألقوا الهاء في جفرة فقالوا جفار إلا أنهم قد ضموا أول ذاكما قالوا ظئر وظوار ورخل ورخال انتهى (تتمة) هذا الجمع من الجموع العزيزة النادرة لأن فعالاً بضم الأول وتخفيف العين ليس من أبنية جموع التكسير المعروفة وإنما سمع في ألفاظ قليلة كثني وثناء وعرق وعراق وفرير

стр. 878

وفرار ورذل ورذال ولهذا ذهب بعضهم إلى أنه اسم جمع وقال آخرون بل هو جمع ولكن الأصل فيه الكسر والضم بدل منه. وقد كنت تتبعت ما ورد منه فاجتمع لي اثنا عشر لفظاً ثم رأيت العلامة شهاب الدين الخفاجي زاد عليها كثيراً في شرحه لدرة الغواص فمن شاء الوقوف عليها وعلى اختلاف أقوالهم فيها فليراجع (صفحة ١٤١ من الشرح المذكور المطبوع في الجوائب). وفي مادة (ح س ب صفحة ٣٠٦ س ٢٠) والمحسبة الوسادة من الأدم وحسبه أجلسه على الحسبانة أو المحسبة وضبطت (المحسبة) في الموضعين بفتح الميم وكذلك جاءت مضبوطة بالقلم بالفتح في هذه المادة مت القاموس ولم ينص الشارح على ضبط فيها. ولكنها ضبطت بكسر الميم في مادة (زن ن_من اللسان صفحة ٦١ سطر٢٤) وفي (ج٤ صفحة٧٤) من المخصص وهو الصواب على ما يظهر لي لأني رأيتهم نصوا على كسر الأول فيما جاء في معناها من وزنها كمرفقة ومصدغة ومخدة كأنهم عدوها من أسماء الآلات. حيث أننا لم نقف على نص صريح في هذه الكلمة ورأينا المصححين تراوحوا في ضبطها بين الكسر والفتح بغير دليل كان حملها على ما جاء من نوعها أولى. (وفي هذه الصفحة س ٢٢) هذا ما اشترى طلحة من فلان فتاة بخمسمائة درهم بالحسب والطيب) وضبط درهم بفتح أوله والصواب كسره ولم يحك أحد من اللغويين في الدال ضبطاً آخر وإنما نصوا على جواز الفتح والكسر على الهاء وعلى كونه أيضاً زنة محراب. (وفي مادة د ب ب ص ٣٥٨ س ٢١) وقال ابن الأعرابي الدبادب والجباجب الكثير الصياح والجلبة وأنشد: إياك أن تستبدلي قرد القفا ... حزابية وهيباناً جباجبا الف كان الغازلات منحنه ... من الصوف نكثاً أو لئيماً دبادبا وكتب المصحح بالحاشية ما نصه: قوله والجباجب هكذا في الأصل والتهذيب بالجيمين وحرر. قلنا لم يظهر لنا وجه توقف المصحح في هذه الكلمة مع ورودها في مادة (ج ب ب) واستشهاد المصنف عليها بهذين البيتين منسوبين هناك لعبد الله بن حجاج التغلبي. وفي مادة (ط ي ب ص٥١ س ١٧) قوله طبتم فادخلوها خالدين معناه كنتم

стр. 879

طيبين في الدنيا فادخلوها وجاء (كتتم) هكذا بتاءين وصوابه بنون فتاء وهو ظاهر. (وفي مادة ع ت ب ص ٥٦ س٢٣) والتعتب التجني تعتب عليه وتجني عليه بمعنى واحد وروي (التعتب) بالجر والصواب رفعه على أنه مبتدأ خبره التجني. (وفي مادة ك ل ب ص ٢٢٠ س١٢) أرض كلبة أي غليظة قف لا يكون فيها شجر ولا كلأ ولا نكون جبلاً. وروي (نكون) بالنون أوله وصوابه بالمثناة الفوقية لأن الضمير فيه يعود إلى الأرض. (وفي مادة ف ت ت ص ٣٦٩) روي لزهير كأن فتات العهن في كل منزل ... نزلن به حب القنى لم يحطم ولا معنى هنا للقنى بالقاف وإنما هو الفنا بالفاء وهو عنب الثعلب أو شجر ذو حب أحمر وبه روي البيت في مادة (ف ن ي ص ٢٥) ولم يذكر شراح المعلقات غير هذه الرواية فيه. (وفي مادة ح ي ث ص ٥٤٥ س ١١) حيث ظرف مبهم من الأمكنة الخ بتنوين (حيث) والصواب بناؤها لأن كلام المصنف عنها صريح أنه يريد المبنية لا ملعربة في لغة بني فقعس التي تكلم عليها بعد ذلك. (وفي مادة ح ر ج ص ٥٩) روي لعنترة يصف ظليماً وقلصه: يتبعن قلة رأسه وكأنه ... حرج على نعش لهن مخيم وروي (مخيم) بالرفع على أنه تعت لحرج والصواب جره على أنه نعت النعش وبه ضبط في مادة (ن ع ش ص ٢٤٧) ومعناه المجعول عليه خيمة كما في شرح ابن النحاس على المعلقات. وللحرج معان أوفقها لما هنا أنه خشب يشد بعضه إلى بعض ويجعل فوق نعش الميت. ولا يخفى أن قوافي القصيدة كلها مجرورة فلا داعي لتوهم أقواء لم ينص عليه أحد. (وفي مادة ع ر ج ص ١٤٥) روي لأبي المكعب الأسدي: أفكان أول ما أثبت تهارشت ... أبناء عرج عليك عند وجار وجاء بعده يعني أبناء الضباع وترك صرف عرج لأنه جعل اسماً للقبيلة أما ابن الأعرابي فقال لم يجر عرج وهو جمع لأنه أراد التوحيد والعرجة الخ وضبط (لم يجر) بفتح فضم

стр. 880

مع تشديد الراء أي يجعله مضارعاً لجر والكلام هنا في منع الصرف فكان الصواب أن يضبط بضم فسكون مع تخفيف الراء من أجراه يجريه بمعنى صرفه وهو اصطلاح قديم لهم يعبر به سيبويه في الكتاب وصاحب القاموس في بعض المواضع والمعنى عليه ظاهر في سياق العبارة إذا لا خلاف في أن لفظ (عرج) في البيت مجرور للإضافة وإن كان جره بالفتحة. اللهم إلا إذا حملناه على تساهل بعض القدماء في التعبير عن ألقاب الأعراب فيكون المراد بالجر هنا الكسر غير أننا نرى ضبطه على ما ذكرناه أولى منعاً للالتباس. (وفي مادة ع ن ج ص ١٥٤ س٣) والعنج أن يجذب راكب البعير خطامه قبل رأسه حتى ربما لزم دفراه بقادمة الرحل وروي دفراه بالدال المهملة والصواب بالمعجمة وهي العظم الشاخص خلف أذن البعير والمراد حتى تحاذي أذن البعير قادمة الرحل من شدة الجذب. (وفي مادة غ م ل ج ص ١٦١) روي أبي نخيلة في وصف ناقة تعدو في خرق واسع تغرقه طوراً بشد تدرجه ... وتاره يغرقها غملجه هكذا بضبط (غملجه) بفتح الجيم وضم الهاء والصواب ضم الجيم لرفعه على الفاعلية ليغرق وإشكان هاء الوصل. (وفي مادة ف ر ج صفحة ١٦٦) روي للبيد: قعدت كلا الفرجين تحسب أنه ... مولى المخافة خلفها وأمامها وروي (قعدت) بالقاف من القعود وهو شيء لم يروه أحد وإنما الصواب (فغدت) بالفاء والغين المعجمة من غدا يغدو أو بالمهملة من عدا يعدو وهما الروايتان المنصوص عليهما في شروح المعلقات وبالأولى ورد البيت في مادة (ول ي ص ٢٩١) إلا أنه روي بنصب خلفها وأمامها مع أن القصيدة مرفوعة الروي فالصواب رفعمها على أن الأول بدل من مولى والثاني معطوف عليه أو يكون مولى مرفوعاً بالابتداء وخلفها خبره والجملة خبران كما ذكر الإمام التبريزي في شرحه. (لها بقية)

стр. 881

رؤيا الشيخ أحمد خادم الحرم الشريف اتفق العلماء ﵃ على أن الكذب من أعظم الذنوب وأقبح المعاصي وأن من أفظعه الكذب على سيدنا رسول الله ﷺ بل نقل الإمام العمدة ابن حجر الهيتمي عن الشيخ أبي محمد الجويني أن الكذب عليه ﷺ كفر وقال ما نصه: (وقد ذهبت طائفة من العلماء إلى أن الكذب على الله ورسوله كفر يخرج عن الملة قال ولا ريب أن تعمد الكذب على الله ورسوله في تحليل حرام أو تحريم حلال كفر محض وإنما الكلام في الكذب عليهما فيما سوى ذلك وقال الجلال البلقيني جاء الوعيد في أحاديث كثيرة بأن من كذب عليه ﷺ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار وقال العلماء أنها بلغت حد التواتر وقال البزار رواه مرفوعاً نحو من أربعين صحابياً وقال ابن الصلاح أنه حديث بلغ حد التواتر رواه الجم الكثير من الصحابة قيل أنهم يبلغون ثمانون نفساً وجمع الحافظ طرقه في جزء ضخم إلى أن قال: وبلغ بهم الطبراني وابن مندة سبعة وثمانين منهم العشرة) أ. هـ كلام الإمام ابن حجر والحديث الذي أشار إليه نقلاً عن الجلال والبزار وابن الصلاح هو ما أخرجه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله قال من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار أي: فليتخذ منزله منها: وأخرج مسلم عنه ﷺ أن كذباً عليَّ ليس ككذب على أحد فمن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار. وأخرج أيضاً مسلم عنه ﷺ من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين وعند ابن ماجة من حديث علي ﵁ قال قال رسول الله ﷺ لا تكذبوا علي فإن الكذب علي يولج في النار وعنده أيضاً من حديث أبي هريرة ﵁ من تقول عليَّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده في النار وعنده من حديث أبي قتادة ﵁ سمعت رسول الله ﷺ يقول على هذا المنبر إياكم وكثرة الحديث عني فمن قال علي فليقل حقاً أو صدقاً ومن تقول علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار هذا وإن من أعظم الكذب وأقبحه على سيدنا رسول الله ﷺ النشرة المنسوبة إلى (الشيخ أحمد خادم الحرم الشريف) تلك النشرة التي لم نزل نراها في كل عام بأيدي بعض الجهلة الأغرار يهتم بعضهم بطبعها وبعضهم بنشرها بين الناس وبعضهم بوضعها على الجدران في الأسواق والمجتمعات العامة رغبة بما وعدهم به

стр. 882

صاحب الرؤيا من الوعود التي لا تنطبق على الدين ولا يرضاها مسلم ولو أن هؤلاء العامة أصغوا لأوامر الدين الصحيحة واهتموا بها هذا الاهتمام لخرجوا من ظلمة الجهل إلى نور الهدى والعلم وقد اشتملت هذه النشرة على ثلاث مراء إليك نص الأولى منها مع ما مست الحاجة إلى رده من الأخريين مبيناً في أسفل الصحائف مواضع النقد في ذلك بالأدلة الناصعة قياماً بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحرصاً على عقائد العامة من أن تعبث بها أيدي الدجالين والمخرفين. رؤيا الشيخ أحمد خادم الحرم الشريف التي رأى بها النبي ﷺ في المنام روي عنه قال أنني كنت ليلة الجمعة في اليوم الثاني والعشرين من شهر صفر الخير سنة ١٣٢٧ هجرية بينما كنت مضطجعاً على وضوء كامل وبعد قراءة القرآن الكريم تفكرت في أحوال هذه الدنيا الدنية وما احتوت عليه من المهالك الفظيعة المخالفة للشريعة إذ غفلت قليلاً فأتاني سيد البشر خير كل أنثى وذكر خاتم المرسلين وأفضل النبيين سيدنا (محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين) فقال لي يا أحمد أخبر أمتي فقد أخذتني عليهم الرأفة والشفقة وقد أودعت عندك هذه الوصية المباركة فاحفظها وبلغها تنل بها الثواب الجزيل عند ربك الجليل (وقد قال ﷺ من حفظ على أمتي حديثاً من أمر دينها بعثه الله يوم القيامة ووجهه كالبدر ليلة تمامه كيف لا وقد أوصاني بهذه الوصية مشافهة وهي من أهم شيء فقمت من النوم مستبشراً بهذه الرؤيا الحسنة لعلمي بقوله ﷺ من رآني فقد رآني حقاً فإن الشيطان لا يتمثل بي فحفظت ما ألقاه علي ﷺ وهو هذا يا أحمد أفهم أمتي أنهم قد أكثروا المعاصي والذنوب فأخاف عليهم أن يموتوا على غير الإيمان وقد استحييت من الله وهو يقول لي يا محمد لأبدلن وجوههم وأعذبهم عذاباً شديداً فقلت يا رب أمهمهم حتى أنذرهم وأبلغهم وأحذرهم من عذابك وعقابك (نعوذ بالله من عذابه وعقابه فإن لم يتوبوا فافعل ما شئت يا رب إنك على ما تشاء قدير يا أحمد إنهم قد سلب إيمانهم من كثرة الزنا وشرب الخمر وأكل الربا والرشوة ولعب القمار واتباع الشهوات وعدم وفاء الكيل والميزان والغيبة والنميمة ومنع الزكاة وشهادة الزور وبغض الفقراء والمساكين وترك الصلاة والتسبيح

стр. 883

والعبادات وقد اشتغلوا بحب الدنيا وجمع الذهب والفضة وتبديل الآخرة بالدنيا يا أحمد إن تارك الصلاة ملعون لا تسلموا عليه وإن مات لا تزوروه ولا تمشوا بجنازته يا أحمد قيام الساعة قريب وهذا محقق لا ريب فيه ولا تكذيب فتغلق أبواب التوبة وتطلع الشمس من مغربها وقد تزايدت الناس في الطغيان والعصيان والكذب والزور والعدوان فأوصل وصيتي إليهم وبلغهم رسالتي قبل أن تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون ومن أوصل وصيتي هذه من بلد إلى بلد كان رفيقي في الجنة وكنت له شفيعاً في المحشر ومن اطلع عليها ولم يخبر بها الناس كان وجهه مسوداً يوم القيامة وكنت له خصيماً في يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم) ما مست الحاجة إلي رده من بقية كلامه (قال: ومن كذب ولم يصدق بها يعني الوصية فهو ملعون ثم ملعون ثم معلون وقال: من بعد ألف وثلاثمائة وأربعين سنة يخرجن النساء من بيوتهن إلى الأسواق من غير إذن أزواجهن) وقال وبعد ألف وثلاثمائة وخمسين ينزل من السماء مطر كبيض الدجاج. وقال: وبعد ألف وثلاثمائة وسبعين تغيب الشمس ثلاثة أيام. وقال: وبعد ألف وأربعمائة يظهر المسيح والدجال. وقال: فما كان والله والله والله وآيات الله وأمانة أنها مكتوبة بقلم القدرة. وقال: ومن كان عنده ثلاثة دراهم واستأجر بهم وكتب هذه الوصية وكان مذنباً وعليه فرض صيام غفرت ذنوبه ببركة هذه الوصية.

стр. 884

التاريخ ننشر في هذا الباب سيرة كبار الرجال في الإسلام وشيئاً من فضائلهم وأخلاقهم وأعمالهم وسياستهم لما في ذلك من تحريك بواعث الهمم للاقتداء بهم في جلائل الأعمال وكرائم الخصال وليكون زاجراً لأولئك الذين يتغاضون عن مآثر رجال المسلمين ويفتخرون بحفظ تاريخ فلاسفة الغربيين. سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ مسير سعد بن مالك ﵁ إلى القادسية اجتمع بسيراف بضعة وثلاثون ألفاً من المؤمنين وقائدهم العام سعد ابن مالك فأمر الأمراء وجعل على كل عشرة عريفاًً وعلى الرايات رجالاً من أهل السابقة وولى الحروب رجالاً على ساقتها ومقدمتها وطلائعها ومجنباتها وكل ذلك بأمر سيدنا عمر ورأيه وعبى سعد جيشه تعبئة تشهد بالخبرة والانتظام وتستلفت أنظار دهاقين السياسة والقواد المنظمة في هذا العصر. وتعلم الناس أن المسلمين كانوا على غاية الاستعداد ونهاية الانتظام. وهو ما يتحتم على المسلمين القيام به والسعي وراء تحصيله إذا أرادوا الخلاص مما يتهددهم من المطامع الأوروبية والقيام بنهضة إسلامية تمزق تلك الوحوش الضارية وتعمم انتشار العجل على وجه البسيطة مرة أخرى. فيتسابق الناس إلى الدخول في دين الله أفواجاً كما جرى من قبل ويخلص بنو الإنسان من همجية أمم تزعم أنها متمدنة راقية همجية لو دامت لقضت على العالم البشري بالهلاك والتلاشي ومهما يكن من المؤمنين من ضعف وفي أعدائهم من قوة فلا بد أن يرجع الإسلام إلى عزه ويحفظ كيان أمته بحول الله تعالى وقوته. ثم أن سعداً بعد أن عبى جيشه بعث في المقدمة زهرة بن عبد الله التميمي فانتهى إلى العذيب وجعل على الميمنة عبد الله بن المعتمر وعلى الميسرة شرحبيل بن السمط وخالد بن عرفطة خليفة له وسواد بن مالك التميمي على الطلائع وسلمان بن ربيعة الباهلي على المجردة ثم سار سعد على التعبية وكان الفرس قد بعثوا قابوس بن قابوس بن المنذر إلى القادسية يستنفر العرب فسار إليه المهنى بن حارثة الشيباني بجيشه وذلك بعد وفاة أخيه المثنى فبيته واستولى على قابوس ومن معه ثم رجع المهنى إلى ذي قار وجاء إلى سعد بالخبر فوافاه بسياف فأعلمه بوصية أخيه المثنى إليه أن لا يدخلوا بلاد فارس بل يقابلونهم

стр. 885

على حدود أرضهم وقدم على سعد كتاب من سيدنا عمر بمثل رأي المثنى. فأقام سعد بالقادسية شهراً يشن الغارات على تلك البلاد فأرسل يزدجرد ملك الفرس إلى رستم وأمره أن يسير إلى قتال المسلمين فخرج رستم بجيشه وكتب سعد بذلك إلى سيدنا عمر فكتب عمر إليه لا يكربنك ما يأتيك عنهم واستعن بالله وتوكل عليه وابعث رجالاً من أهل الرأي والمناظرة يدعونه فإن الله جاعل ذلك وهناً لهم فأرسل سعد إليه نفراً من المؤمنين فتركوا رستم وقدموا على يزدجرد فاجتمعوا عنده والناس ينظرون إليهم وإلى خيولهم فقال يزدجرد لترجمانه سلهم ما جاء بكم وما دعاكم إلى غزونا والولع ببلادنا أمن أجل أنا تشاغلنا عنكم اجترأتم علينا. فقال النعمان بن مقرن لأصحابه إن شئتم تكلمت عنكم ومن شاء آثرته. فقالوا بل تكلم فالتف إلى يزدجرد وقال له إن الله رحمنا فأرسل إلينا رسولاً يأمرنا بالخير وينهانا عن الشر ووعدنا على إجابته خير الدنيا والآخرة فأجابه منا قوم وتباعد قوم ثم أمرنا أن نجاهد من خالفه من العرب فدخلوا معه حتى اجتمعنا وعرفنا جميعاً فضل ما جاء به ثم أمرنا بجهاد من يلينا من الأمم ودعائهم إلى الإنصاف والإسلام فإن أبيتم فادفعوا لنا الجزية فإن أبيتم فالمناجزة فقال يزدجر لا أعلم في الأرض أمة كانت أشقى وأقل عدداً وأسوء ذات بين منكم وقد كان أهل الضواحي يكفوننا أمركم فلا تطمعوا أن تقوموا للفرس وإن كان بكم جهد أعطيناكم قوتاً وكسوناكم وجعلنا عليكم ملكاً يرفق بكم فقام ابن زرارة فقال أيها الملك أما ما ذكرت من سوء الحال فقد كانت على ما وصفت وأشد ثم ذكر ما كان عليه العرب من سوء العيش حتى ﵏ بإرسال النبي ﷺ ففازوا باتباعه وسعدوا به. وأما أنت أيها الملك فاختر إن شئت الجزية عن يد وأنت صاغر أو اسلم لتنجو من ذلك وإلا فالسيف بأيدينا فغضب يزدجرد من كلامه وقال ارجعوا إلى صاحبكم وأخبروه إني مرسل إليه رستم حتى يدفنه ويدفنكم معه في خندق القادسية فلم يعبئوا لكلامه ورجعوا إلى سعد فقال يزدجرد لرستم ما كنت أرى أن في العرب مثل هؤلاء. وخرج رستم من عند الملك كئيباً حزيناً وبعث بجلاً في أثرهم ليرجعوا إليه وقال إن أدركتهم تلافينا أرضنا وإلا فقد سلبكم الله أرضكم فسار ذلك الرجل في أثرهم حتى وصل إلى الحيرة فلم يدركهم ورجع إلى رستم فقال له لقد ذهب القوم بأرضكم.

стр. 886

وبعد مسيرالوفد على يزدجرد كما تقدم أغار سواد بن مالك التميمي على تلك الناحية فاستاق ثلاثمائة دابة وحمل عليها السمك فصبح بها العسكر فقسم سعد بينهم وسموا ذلك اليوم يوم الحيتان وواصلوا السرايا والبعوث وسار رستم إلى ساباط في ستين ألفاً وأرسل أمامه الجالينوس في أربعين ألفاً أخرى وجعله مقدمة له وساقته عشرون ألفاً وجعل في ميمنة الجيش الهرمزان وفي الميسرة مهران بن بهران وحمل ثلاثة وثلاثون ألفاً. ولما فصل رسام عن ساباط كتب إى أخيه البنذوان أما بعد فأصلحوا حصونكم وأعدوا ما استطعتم فكأنك بالعرب قد قارعوكم عن أرضكم وأبنائكم وقد كان من رأي مدافعتهم ومطاولتهم لأني لا أراهم إلا سيظهرون علينا ويستولون على ما بأيدينا. ثم سار رستم حتى نزل كوثى فأتى برجل من العرب فقال له رستم ما جاء بكم وما تطلبون فقال نطلب وعد الله بأرضكم وأبنائكم إن لم يسلموا قال رستم فإن قتلتم دون ذلك قال من قتل دخل الجنة ومن بقي أنجزه الله وعده قال رستم فنحن إذاً وضعنا في أيديكم فقال أعمالكم وضعتكم واسلمكم الله بها فلا يغرنك من ترى حولك فلست تحاول الناس إنما تحاول القضاء والقدر فغضب رستم وأمر به فضربت عنقه. إن قول هذا العربي لرستم (أعمالكم وضعتكم وأسلمكم الله بها الخ) جدير بأن يعتبر به المؤمنون في هذا العصر حيث فشت بينهم المنكرات وعمت الموبقات وشرب الخمر وظهر الربا وانتشرت أنواع المحرمات انتشاراً أودى بالمؤمنين إلى هذه الرزايا والبلايا وألقى بهم في هذه الأخطار التي أحاطت بهم كإحاطة السوار بالمعصم قال تعالى: (أو لما أصابتكم مصيبة قد أصابتكم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم). ثم بعد أن قتل رستم ذلك الرجل العربي سار فنزل البرس وفشا في عسكره المنكر وغصبوا الرعايا أموالهم وأبناءهم حتى نادى رستم منهم بالويل وقال صدق والله العربي. ثم سار رستم حتى نزل الحيرة ودعا أهلها فغررهم وهم بهم فقال له ابن بقيلة إذا كنت عاجزاً عن نصرتنا فلا تجمع علينا وتلومنا على الدفع عن أنفسنا. وأرسل سعد ﵁ السرايا إلى السواد وسمع بهم رستم فبعث الفرس لاعتراضهم وبلغ ذلك سعداً فأمد السرايا بعاصم بن عمر فجاءهم وخيل فارس قد أحاطت بهم فلما رأى الفرس عاصماً هربوا منهزمين. وجاء عاصم بالغنائم ثم أرسل سعد ﵁ عمرو

стр. 887

بن معديكرب وطليحة الأسدي طليعة فلما ساروا أكثر من فرسخ رأوا عاصماً قد وافى بالغنائم فرجع عمرو ومضى طليحة حتى وصل عسكر رستم فبيتهم ليلاً واقتاد بعض الخيل وخرج يعدو به فرسه فركب الفرس في طلبه إلى أن أصبح وهم في أثره فرجع عليهم فقتل اثنين وأسر الثالث وشارف عسكر المسلمين فخاف الفرس ورجعوا عنه ثم سار رستم فنزل القادسية وذلك بعد خروجه من المدائن بستة اشهر وكان يطاول ويحاول خوفاً منهم ويزدجرد يستحثه في الخروج عليهم. يتبع

стр. 888

قصيدة أخلاقية أتحفنا حضرة العالم الأديب السيد عبد القادر المبارك الجزائري بهذه القصيدة الفريدة الأخلاقية من نظم شيخ أدباء عصره أبي عبد الله محمد بن أحمد الحنفي الأربلي المخزومي من شعراء القرن السادس شارحاً ألفاظها اللغوية ومعنوناً لعناوينها فنشكره على تحفته هذه أمد الحياة قصير كل حي إلى الممات مآبه ... ومدى عمره سريع ذهابه معه سائق له وشهيد ... وعلى الحرص ويحه أكبابه يخرب الدار وهي دار بقاءٍ ... وهو يبني ما عن قريب خرابه خلقك من تراب عجباً وهو في التراب عريق ... كيف يلهيه طيبه وملابه كل يوم يزداد نقصاً وإن ... حلت أوصاله أوصابه والورى في مراحل الدهر ركب ... دائم السير ليس يرجى إيابه إن خير الزاد التقوى فتزود إن التقى خير زادٍ ... ونصيب اللبيب منه لبابه وأخو العقل من تقضي بصدق ... شيبه في صلاحه وشبابه وأخو الجهل يستلذ هو النف ... س فيغدو لديه كالشهد صابه من انقاد للشهوة والهوى ضل كم أضلت منى عقولاً وكم أو ... جب نقصاً لفاضل إعجابه وأحال الهوى حقائق حتى ... صار عذاباً لذي الغرام عذابه نحن في دار العبر أجل الفكر في الزمكان اختباراً ... واعتباراً فالكون جم عجابه سر القضاء والقدر بحر لا ساحل له وتحام الأقدار نطقاً وفكراً ... فهي في شاهق تشق عقابه وإذا ما الجهول أغرق فيها ... أغرقته بالسيل منها شعابه الرأي بعد التروي

стр. 889

رب أمر يريب ذا العقل صعب ... بالتروي فيه يزول ارتيابه لا تكن حاكماً بأول رأي ... فكثير بين الأمور التشابه رب كأس من الجمال كا يؤ ... ثر عار من الجميل أهابه وعزيز ممنع ضيم حتى ... أصبحت كالوهاد ذلاً هضابه ودنيء علا به الجد حتى ... أوطئت هامة الثريا ركابه رب ساع لقاعد وكم من أمر خالف مقتضى العقل القاصر وجرى على وفق القضاء والقدر وسعيد يحظى بكسب سواه ... وشقي لغيره إكسابه وغني صلاحه في غناه ... وفقير إعطاؤه إعطابه وجواد بماله نال ذكراً ... كان ذاك الذكر الجميل ثوابه وكريم مقتر الرزق من ك ... ف لئيم أمواله أربابه وعدو يفيدك القرب منه ... وصديق عين الصواب اجتنابه وملول لحاضر متمنٍ ... لخيال من غائب ينتابه لا يغرنك قرب خل ولا يؤ ... نسك من خلة العدو جنابه فلكم مصحب عراه حران ... وحرون أنى له أصحابه وجهول مع الرضى وحليم ... ليس يثني إغضاءه إغضابه ومقيم في السوق غير حريص ... وإمام سوق له محرابه ومحل ثوى به غير باني ... هـ وعلم أضاعه أربابه وعريق في الجهل مستحسن الح ... ن وحبر مستهجن إعرابه موجز القول من أخي الفقر مملو ... ل وذو الجد موثر إسهابه لا تحجب بالثوب عن لابسه لا تضع قدر ذي النباهة إن قد ... ر إعساره ورثت ثيابه وتأمل فالبدر لا نقص يعرو ... هـ إذا كان بالسحاب احتجابه زين ذي الفضل فضله وهو عار ... وأخو النقص زينه أثوابه لا يعادي الكريم إلا اللئيم

стр. 890

ومعاداة كل حر كريم ... ديدن الأخرق اللئيم ودابه شبه الشيء منجذب إليه وإذا صادف الوضيع وضيعاً ... ليس يلقى إلا إليه انصبابه ليس بدعا فوز الأراذل بالما ... ل وفوت الغني الكريم نصابه وبعيد من التوسع في الرز ... ق أديب من رزقه آدابه كن قنوعاً بما تيسر فالطا ... مع عبد ما تنقضي آرابه وغنياً مهما غدوت فقيراً ... بإله طاعاته أبوابه وإذا كان خوفه لك دأبا ... لم تجد في الوجود شيئاتها به إن رزقاً جميعه لك مكتو ... ب من الحمق بالسفاه طلابه ولقد يرزق المقيم ويكدى ... من سعى دهره وطال اغترابه ولكم قارف الدنيئة مثرٍ ... ووقى عرض مملق إجدابه إن أمراً لم يمضه القدر الما ... ضي لتغدو عوائقاً أسبابه طول الحياة يتم آخر إن طول الحياة داء ما نف ... ع حياة لمن قضت أترابه وإذا المرء طال عمراً أذاقت ... هـ المنايا بموتها أصحابه وانتهى نقصه وعشش بازي الشي ... ب في رأسه وطار غرابه وقصاراه أن يكون سليباً ... لذويه مقسومة أسلابه وإذا كان آخر الأمر هذا ... فلماذا على الحياة اكتئابه أيها السائر المقيم على حر ... ص مقيم لا تستقل ركابه إن حبل الآمال والحرص كالأع ... مار طولاً فبالفناء انقضابه يا لغاوٍ قد أوبق النفس لم يك ... ثر عليها عويله وانتحابه آمناً موقف الحساب ولا أح ... سابه جنة ولا أنسابه ومليك أمد في العمر والرز ... ق ومدت من ملكه أطنابه يوسع الخطو في الخطايا وإن ضا ... ق عليه ضاقت عليه رحابه

стр. 891

بشرى للعثمانيين اعتناء الحكومة باللغة العربية اللغة العربية الشريفة يجب على كل مسلم مهما كان جنسه ومذهبه ولغته ومشربه أن يعطيها حقها من الاعتناء وقسطها من الاعتبار. لأنها لغة القرآن الكريم الذي هو أساس الشريعة الإسلامية الغراء. ومنبع الفضائل السامية والأخلاق الكاملة كيف يكون حال المسلم الذي يجهل لغة القانون الإلهي الذي أنوله الله للمسلمين ليتعبدوا بتلاوته وأحكامه ولغة الأحاديث النبوية التي توضح ما أشكل من معاني الكتاب وتبين ما أبهم من إشاراته وتفصل ما أجمل من أوامره وتحث على مكارم الأخلاق ومحاسن الخصال. هذه اللغة الكريمة أقدم اللغات الحية الغنية بكثرة مفرداتها ودقة معانيها وحسن نظام مبانيها لغة القرآن لغة الدين الإسلامي لغة العلم أصبحت اليوم والعارفون بها أقل من القليل ولذلك ترى المسلمين متناكرين غير متعارفين متخاذلين غير متعاضدين لأن للإسلام جامعتين عظيمتين عليهما ترتكز قواعده ومنهما يستمد رواءه وقوته جامعة الخلافة وجامعة اللغة العربية وبالثانية يكون التعارف والتآلف للانضمام إلى لواء الأولى أدام الله تأييده. المسلمون في حاجة تامة لتعميم اللغة العربية فيما بينهم لأن بتعميمها تعميم مبادئ الدين القويمة التي تحض على الاتفاق والائتلاف وتحث على التعاضد والتعاون وتجعل المسلمين جميعاً من ترك وعرب وكرد وغير ذلك يداً واحدة على من ناوأهم ملتفين حول عرش الخلافة العظمى والإمامة الكبرى. إذا تعممت اللغة العربية بين المسلمين تجلت لهم تلك المدنية الزاهرة التي بلغت بالمسلمين في أبان مجدهم منزلة تحسدهم عليها الأفلاك وتطأطأ لها جباه الجبابرة. لا يتسنى للمسلمين أن يجعلوا وجهتهم الجامعة الدينية العظيمة إلا باتباعهم أوامر الدين الذي يحض على الاتحاد والوفاق وعدم الالتفات إلى الاختلاف بالجنس واللغة ولا تمكن معرفة هذه الأوامر إلا بشيوع اللغة العربية بين جميع المسلمين ولا شك أن ملوك الإسلام مطالبون بالاعتناء بهذه اللغة الكريمة وحث رعاياهم على تعلمها وتعليمها للأسباب المار ذكرها. والدولة العلية العثمانية مكلفة بهذا الواجب أكثر من غيرها لأنها دولة الخلافة الإسلامية التي يتعلق بأهدابها مسلمو العالم في جميع الأقطار وهم يدينون بالقرآن الكريم

стр. 892

المنزل بلسان عربي مبين. وهذا الوجه وحده كاف لأن يكون لهذه اللغة عند الحكومة العثمانية المنزلة السامية على أنه لو لم تكن هذه الدولة دولة الخلافة الإسلامية لكانت السياسة تقضي عليها بالاعتناء بالعربية لأنها لغة أكثر رعاياها المخلصين في عثمانيتهم وقد مضى على الدولة العلية العثمانية أمد ليس بقليل كانت فيه تغضي عن إنالة هذه اللغة قسطها من الحظوة لديها وتلهوا عن إجابة نداء أبناء الأمة العربية الذين يودون أن يكون للغتهم شأن عند الحكومة يليق بما انطوت عليه من اشتات الفضائل وقد دأب أبناء العرب على مطالبة الحكومة بجعل اللغة العربي رسمية للحكومة وشاءت السياسة عدم إجابة هذا الطلب بما يستحقه من السرعة ومن حجج المانعين أن القانون الأساسي يقضي بأن تكون اللغة الرسمية للحكومة هي التركية مع أنه حور كثير من مواد القانون لمسيس الحاجة لتحويره وهو ليس بذي أهمية بالنظر لمسألتنا الحاضرة وماذا يمنع من أن يكون للحكومة لغتان رسميتان ترجح حكومات الولايات استعمال إحداهما بحسب حالة الأهالي واستعدادهم وكم جر عدم إجابة هذا الطلب على الحكومة والشعب من المصائب والرزايا واتسعت بينهما مسافة الخلف وسوء التفاهم فترى الشعب العربي وعقلاء الأتراك ومفكريهم ناقمين على الحكومة عدم إصغائها لهذا الأمر الديني الاجتماعي الذي يتوقف عليه نجاح هذه الدولة والتآلف بين شعبيها الكريمين اللذين يمثلان أكثريتها المطلقة الترك والعرب. ومن جهة أخرى كان بعض رجال الحكومة وذوي الشأن فيها يرمون الشعب العربي بقوارص الكلام كالمروق من الوطنية وعدم محبة العثمانية وإرادة الخروج عليها (معاذ الله) إلى غير ذلك وحجتهم في ذلك ما يشاهد من بعض متطرفي الكتاب من استعمال اللهجة العنصرية الشديدة في هذا الطلب والتهور في التنديد بالحكومة مما ينشأ عنه تفريق الأمة وجعلها شيعاً وأحزاباً والخروج عن جادة الآداب المرعية في المخاطبة بين الحاكم والمحكوم. خشي كثير من عقلاء الطرفين مغبة سوء التفاهم وكاد يفضي الأمر إلى ما لا تحمد عقباه لولا أن ألهم الله رجال الحكومة الحاضرة أن تقدم مصلحة الحكومة والأمة على العنصرية فصدرت البشرى بصدور الإرادة السنية بجعل اللغة العربية رسمية للحكومة ولغة التدريس

стр. 893

والقضاء في البلاد العربية. سر بهذا النبأ كل غيور على مصلحة هذه الأمة العثمانية محب لرقيها عالم بما جر على الأمة والبلاد من الأجن والمحن إثارة الخلاف باسم العنصرية. وجهل الحكام بلغة المحكومين وما تسبب عن الثاني من فقد الأنفس وضياع الأموال وهذه من الخطوات السريعة الخطيرة في تقدم هذه المملكة وتدرجها في مدارج الحضارة والعمران إن شاء الله. لم يمض على صدور هذه الإرادة بضعة أيام حتى شوهد استعمال العربية في دوائر العدلية وبات الناس يتوقعون خيراً كثيراً وأمن المتخاصمون من التلاعب بإفاداتهم وتقاريرهم وكثيراً ما ضاعت حقوق بسبب جهل الحكام بلغة المحكومين وجهل المترجمين أو تعمدهم التحريف. فنشكر للحكومة تلبية نداء العرب المخلصين لعرش الخلافة ونرجو أن تكون هذه البشرى مقدمة لأعمال كثيرة من نوعها يحصل بها الائتلاف التام بين الشعب والحكومة حتى يكف المشاغبون عن غلوائهم وسوء ظنهم بالحكومة ورغبتها بالإصلاح فإن اطمئنان الشعب من حسن نية الحكومة وتعلق قلوب الأمة بها خير ما يساعدها على نهوضها من كبوتها وسيرها في مضمار الترقي والفلاح.

стр. 894

الزنا وأنصاره سبق لنا أن قدمنا للحكومة النصائح المتعددة وبينا الفوئد التي نجمت عن إبطال محل المومسات (المرقص) وطلبنا إليها أن تحسم هذا الأمر حسماً باتاً باستابتهن أو نفيهن ولكن كل هذه النصائح لم تؤثر التأثير المطلوبة فإنا لا وزال نسمع أن الحكومة تفكر في إيجاد محل لهن وذلك بإيعاز بعض المفسدين المتفرنجين الذي يصدق عليهم قول الله سبحانه (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة) وشبهتهم في ذلك أن إبطال المرقص قد أضر بالحرائر من وجهين الأول اختلاط المومسات بينهن وما ينشأ عنهن من إفساد أخلاقهن والثاني تحرش الزناة بالحرائر فإنهم لما لم يجدوا محلاً يذهبون إليه يأتوا إلى الحرائر فيراودوهن عن أنفسهن وقلنا أن كلا الوجهين خطأ ظاهر وليس إلا من الوهم ووساوس الشيطان. أما اختلاطهن بالحرائر فليس له محل إلا الأسواق ومن كان يمنع المومسات عن النزول إلى الأسواق والاختلاط بالحرائر من قبل؟ بل كان الاختلاط أكثر لأن المومسات كن أضعاف ما عليه الآن لأن أكثرهن قد سافرن لعدم رواج فحشهن بسبب عدم وجود المحل فكن ينزلن إلى الأسواق ويغازلن الرجال وإذا سنحت لهن الفرصة بالاجتماع بالحرائر سهلن لهن سبيل الخروج على ازواجهن وتواعدن على الاجتماع في محلهن المرقص. أما الآن فليس محل يتواعدن للقاء فيه. أما تحرش الزناة بالحرائر فإن الزاني إذا كان له محل خاص يقدر أن يؤوي فيه الزانية فلا يؤثر فيه وجود المرقص أو عدمه فهو يتعرض لمن يقدر على استمالتها إليه فهذا يجب علينا أن نطالب الحكومة بتعقيبه لأن القانون يمنع مثل هذا العمل. وإن كان الزاني لا محل له فلا يراود امرأة عن نفسها سواء أكانت حرة أو زانية لأن عدم المحل له تأثير كبير في تقليل الزنا فترى الرجل الفاجر يضيق ذرعاً ويتمزق غيظاً حينما يشاهد الزانية تطاوعه على قضاء شهوته ولا يجدان محلاً يلجآن إليه فلا هو يقدر أن يدخلها بيته لأن عائلته وجيرانه يقيمون النكير عليه وليس لها بيت تأخذه إليه للسبب نفسه فلا يلبثان أن يتفارقا وقد كاد أن ينقطع أملهما من العودة إلى مثل هذا العمل فظهر مما تقدم أن هذه الشبه لا يصح التمسك بها بل هي حجة عليهم لا لهم. بقي الذين تربوا على الزنا وفشت فيهم هذه الفاحشة وقد منعوا منها بسبب إبطال المرقص فيظهر أن هؤلاء هم الذين يعجزون الحكومة ويطالبونها بإرجاعه ويصورون لها ضرر

стр. 895

إبطاله بما توحيه إليهم شياطينهم فالواجب على الحكومة أن تبعدهم وتقصيهم وأن تسمع لأهل الدين والعرض وتعمل بآرائهم في مثل هذه المسائل. الم يكفنا ما حل بنا من البلايا وما انتابنا من الرزايا؟ ألم يردعنا ما نشاهده من انكسارنا واستيلاء العدو على بلادنا؟ أم يأن لنا أن تخشع قلوبنا ونرجع إلى ديننا؟ أما حان للحكومة أن تنبذ هؤلاء المتفرنجين فإنهم سبب الضعف وجرثومة الفساد وهم يقومون بمثل هذه المسائل لينفروا الرعية من الحكومة ويجعلونها حانقة عليه أما آن لها أن تعلم نواياهم وأميالهم فإنهم والله ينصبون لها المكائد ويتربصون بها الدوائر ألم تعلم أنه لا نصير لها إلا أهل الدين وأنه لا اعتماد لها في المستقبل إلا عليهم. فإنهم هم الذين يقدرون الخلافة الإسلامية حق قدرها وهم الذين ينصرونها ويشدون إزرها. أليست الخلافة إسلامية؟ أليس الدين الإسلامي هو دين الحكومة الرسمي؟ فبأي حجة يطلب هؤلاء المتفرنجون فتح محلات للزنا في هذه البلاد الإسلامية أما يجب على الحكومة أن تلاحظ عواطف أهل الدين والعرض وأميالهم وهم القوم الأكثر في دمشق؟ إذا كان لم يبق (لا قدر الله) للدين سلطة على القلوب فلينظروا إلى الإنكليز فإنهم ليس عندهم محال عمومية للمومسات كما ذكرنا ذلك في المجلد الأول ص ٤٣٢ من هذه المجلة فليراجع. هذا وقد بلغنا أن أطباء العسكرية قدموا تقريراً لمجلس الإدارة بلزوم إرجاع المرقص قائلين أن الجند (العسكر) يتضررون من عدم قضاء شهواتهم إلى غير ذلك من الأوهام التي يتمسك بها الأطباء ويعدونها حججاً. فنقول لهؤلاء إذا كان الجند يتضررون على زعمكم من عدم قضاء شهواتهم فلم لا تحملون معكم إلى ساحة الحرب الزانيات وكيف يعيش الجيش الإنكليزي الذي لا محل للمومسات عنده من غير أن يلحقه هذا الضرر الذي تتخرصون به. نعم سمعنا من بعض أطباء الخستخانة في دمشق أن الداء الإفرنجي الذي كان فاشياً بين الجنود قد قل قلة تذكر بسبب إبطال المرقص. فنلفت أنظار مجلس الإدارة إلى هذا الأمر فإن رجاله هم وحدهم المسؤولون عنه فهل تقبل ذمتهم ودينهم أن يتحملوا تبعة هذا الأمر فإن الله معاقبهم على كل زنية تفعل في هذا المحل الذي يراد إنشاؤه كأنهم هم الفاعلون قال ﷺ من حديث أخرجه مسلم من

стр. 896

سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ومن سن سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة. هذا ما أردنا بيانه قياماً بواجب التذكير والخير أردنا ولكل امريء ما اكتسب وسيعلم الذين ظلموا أين منقلب ينقلبون.

стр. 897

سلسلة حكم الخلفاء الخلفاء الراشدون رضي الله تعالى عنه (أبو بكر ﵁ إنكم في مهل رائه أجل فبادروا في مهل آجالكم قبل أن تقطع آمالكم فتردكم إلى سوء أعمالكم صنائع المعروف تقي مصارع السوء الموت أهون مما بعده وأشد مما قبله ليست مع العزاء مصيبة ولا مع الجزع فائدة ثلاث من كن فيه كن عليه البغي والنكث والمكر. إن الله قرن وعده بوعيده ليكون العبد راغباً وراهباً إن أكيس الكيس التقى وأحمق الحمق الفجور. وخطب رضي الله فقال إن أشقى الناس في الدنيا والآخرة الملوك فرفع الناس رؤوسهم فقال ما لكم يا معشر الناس إنكم لطائعون عجلون إن الملك إذا زهده الله تعالى فيما بين يديه ورغبه فيما في يد غيره وانتقصه شطر أجله وأشرب قلبه الإشفاق فهو يحسد على القليل ويتسخط الكثير ويسأم الرجاء وتنقطع عنه لذة البهاء ولا يستعمل العبرة ولا يسكن إلى الثقة وهو كالدرهم القسي والسراب الخادع جذل الظاهر حزين الباطن فإذا وجبت نفسه ونضب عمره وضحى ظله حاسبه الله فأشد حسابه وأقل عفوه. (عمر ﵁ كتب لمعاوية إياك والاحتجاب دون الناس واذن للضعيف حتى ينبسط لسانه ويجرئ قلبه وتعهد الغريب فإنه إذا طال حبسه وضاق أدنه ترك حقه وضعف قلبه إذا فاتك خير فأدركه وإذا فاتك شر فاسبقه: إن عليك من الله عيوناً تراك احرص على الموت توهب لك الحياة أطوع الناس لله اشدهم بغضاً لمعصيته كثير القول ينسى بعضه بعضاً وإنما لك ما وعي عنك. حق لميزان يوضع الحق فيه أن يكون ثقيلاً وحق لميزان يوضع فيه الباطل أن يكون خفيفاً. أصلح نفسك يلصح لك الناس. وكان يقول ليت شعري متى أشفى من غيظي أحين أقدر فيقال لو عفوت أحين أعجل فيقال لو صبرت. اقرأوا القرآن تعرفوا به واعملوا به تكونوا من أهله. ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يجيئك ما يغلبك منه. لا تظن بكلمة تخرج من مسلم شراً إذا أنت تجد لها في الخير محلا. من كتم سره كانت الخيرة بيده. من عرض نفسه للتهم فلا يلومن من أساء به الظن. لا تتهاونوا بالحلف فيلهككم الله. استشر في أمرك الذين يخشون الله واحذر صديقك الأمين ولا أمين إلا من خشي الله. تفقهوا قبل أن تسودوا. كل عمل كرهت من أجله الموت

стр. 898

فاتركه ثم لا يضرك متى مت. وكتب لابنه عبد الله أما بعد فإنه من اتقى الله وقاه ومن توكل عليه كفاه ومن أقرضه جزاء فاجعل التقوى عماد قلبك وجلاء بصرك فإنه لا عمل لمن لا نية له ولا أجر لمن لاحسنة له ولا جديد لمن لا خلق له، من أظهر للناس خشوعاً فوق ما في ققلبه فإنه أظهر نفاقاً. لو كان الصبر والشكر بعيرين ما باليت على أيهما ركبت. وخطب بعد أن استفتح فقال أيها الناس إنه والله ما فيكم أقوى عندي من الضعيف حتى آخذ الحق له ولا أضعف عندي من القوي حتى آخذ الحق منه. وخطب فقال أيها الناس ما الجزع مما لا بد منه وما الطمع فيما لا يرجى وما الحيلة فيما سيزول وإنما الشيء من أصله وقد مضت قبل الأصول ونحن فروعها فما بقاء الفرع بعد أصله إنما الناس في هذه الدنيا تنتقل المنايا فيهم وهم نصب المصائب في كل جرعة شرق وفي كل أكلة غصة لا تنالون نعمة إلا بفراق أخرى ولا يستقبل معمر من عمره يوماً غلا بهدم آخر من أجله فإنهم أعوان الحتوف على أنفسهم فأين المهرب مما هو كائن وإنما يتقلب الهارب من قدرة الطالب فما أصغر المصيبة اليوم مع عظم الفائدة غداً وأكثر خيبة الخائب جعلنا وإياكم من المتقين تعلموا النسب ولا تكونوا كنبط السواد إذا س ل أحدكم عن أصله قال من قرية كذا. ثلاث يثني لك الود في صدر أخيك أن تبدأه بالسلام وتوسع له في المجلس وتدعوه بأحب الأسماء إليه. كفى بالمرء غياً ن تكون فيه خلة من ثلاث أن يعيب شيئاً ثم يأتي مثله أو يبدو له من أخيه ما يخفى عليه من نفسه أو يؤذي جليسه فيما لا يعنيه. وخطب الناس فقال: والذي بعث محمداً بالحق لو أن جملاً هلك ضياعاً بشط الفرات خشيت أن يسأل عنه آل الخطاب. وكتب إلى أبي موسى أنه لم يزل للناس وجوه يرفعون حوائجهم فأكرم من قبلك من وجوه الناس وبحسب المسلم الضعيف من العدل أن ينصف في الحكم وفي القسم. وكان إذا استعمل العمال خرج معهم يشيعهم فيقول إني لم أستعملكم على أمة محمد ﷺ على أشعارهم ولا على أبشارهم وإنما استعملتكم عليهم لتقيموا بهم الصلاة وتقضوا بينهم بالحق وتقسموا بينهم بالعدل. أشقى الولاة من شقيت به رعيته: أعقل الناس أعذرهم للناس: لا تؤخر عمل يومك لغدك. أكثروا من العيال فإنكم لا تدرون بما ترزقون: من لم يعرف الشر كان جديراً أن يقع فيه:

стр. 899

احتفظ من النعم احتفاظك من المعصية فوالله لهي أخوفهما عندي عليك أن تستدرجك وتخدعك: ليس لأحد عذر في تعمد ضلالة حسبها هدى ولا ترك حق حسبه ضلالة: الدنيا أجل محتوم وأمل منتقص وبلاغ إلى دار غيرها وسير إلى الموت فرحم الله امرء فكر في أمره ونصح نفسه وراقب ربه واستقال ذنبه من يأس في شيء استغنى عنه. (عثمان ﵁ خطب يوم بويع له بالخلافة فقال: أيها الناس اتقوا الله فإن الدنيا كما أخبر الله عنها لهو ولعب وزينة وتفاخر الآية فخير العباد فيها نمن عصم واعتصم بكتاب الله وقد وكلت من أموركم عظيماً لا أرجو العون عليه إلا من الله ولا يوفق للخير إلا هو وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب وقال في خطبة: ألا وإن الدنيا خضرة قد شهيت إلى الناس ومال إليها كثير منهم فلا تركنوا إلى الدنيا ولا تثقوا بها فإنها ليست بثقة واعلموا أنها غير تاركة غلا من تركها. وخطب وهي آخر خطبة فقال: إن الله إنما أعطاكم الدنيا لتطلبوا بها الآخرة ولم يعططموها لتركنوا إليها إن الدنيا تفنى والآخرة تبقى فلا تبطرنكم الفانية ولا تشغلنكم عن الباقية فآثروا ما يبقى على ما يفنى فإن الدنيا منقطعة وإن المصير إلى الله اتقوا الله جل وعز فإن تقواه جنة من بأسه ووسيلة عنده واحذروا من الله الغير والزموا جماعتكم ولا تصيروا أحزاباً (واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته أخوانا). إن لكل شيء آفة ولكل نعمة عاهة وإن آفة هذا الدين وعاهة هذه النعمة عيابون طعانون يرونكم ما تحبون ويسرون ما تكرهون طعام مثل النعام يتبعون أول ناعق: يكفيك من الحاسد أن يغتم وقت سرورك ونظر إلى قبر فبكى وقال هو أول منازل الآخرة وآخر نازل الدنيا فمن شدد عليه فما بعد أشد ومن هون عليه فما بعده أهون. لها بقية إبراهيم خليل مردم بك

стр. 900

العدد ٢٩ - بتاريخ: ٥ - ٦ - ١٩١٣

стр. 901

الدين الإسلامي والتوحيد السمعيات هذا هو القسم الثالث من مباحث علم التوحيد ونعني به المسائل التي لا يهتدى إلى معرفتها إلا من طريق السمع ولا يعتمد في اعتقادها إلا على الأدلة النقلية وإن كانت على وجه يستلزم محالاً في العقل كأحوال البرزخ وما يقع في اليوم الآخر من بعث وحشر ونعيم وعذاب وجنة ونار إلى غير ذلك مما نأتي على ذكر تفاصيله وشرح بيانه إن شاء الله تعالى. من المقرر أنه ليس في وسع العقل الإنساني وحده أن يستقل في معرفة كثير من الأمور مثل المعاد الجسماني وأكثر أحوال الآخرة وبعض صفات الله تعالى ووظائف العبادات كما يرى في أعداد الركعات وبعض الأعمال في الحج وتقرر الجزاء لكل نوع من الأعمال في الدار الآخرة إلى غير ذلك مما لا يمكن للعقل البشري أن يستقل بمعرفة وجه فائدته ولا يخفى أن درجات العقول متفاوتة يعلو بعضها بعضاً لا سيما إذا لاحظنا أن لكل قوم مشهورات مخصوصة بهم مسلمة عندهم بل تكون لديهم بمنزلة البديهيات والحال أن غيرهم لا يسلمونها بل يردونها وكذا إذا لاحظنا أن النفس مسخرة للوهم وله استيلاء عظيم عليها حتى أننا نرى أن أكثر الناس يكونون منهمكين في أوهام باطلة مدة عمرهم فتشتبه على العقل المشهورات والوهميات بالأوليات وكذا نرى بعض الناس يستحسنون استعمال المسكرات لاجتلابها للسرور ويشتبه عليهم وما يلحقها من المفاسد والشرور من زوال الصحة الجسمانية وجلب الفقر والعار المهين بين الناس فالتفويض في كل الأمور إلى العقل مظنة التنازع والتقاتل واختلاف النظام وتقويض دعائم العمران. لهذا كان العقل الإنساني محتاجاًُ إلى نبي يهديه إلى معرفة ما ينبغي أن يعرف من أحوال الآخرة ويرشده إلى ما لا يستقل بمعرفته من تحديد أحكام الأعمال ويكشف له عن وجوه الشياء التي لا يدرك حسنها وقبحها ويكون بذلك مبرهناً على أنه يتكلم عن ربه والذي يعلم مصالح العباد على ما هي عليه والحياة الآخرة وما أعد فيها مما هو مناط سعادتهم وشقائهم. نعم لا بد من نبي يحدث عن الله تعالى بما خفي على العقول ويبين للناس ما لا بد لهم من

стр. 902

علمه من أحوال البرزخ والمعاد الجسماني معبراً عن ذلك بما تحتمله عقولهم ولا يبعد عن متناول إفهامهم وقد اشبعنا الكلام في مقالاتنا السابقة وبينا شدة حاجة البشر إلى الرسل بما لا يدع حاجة في النفس إلى المزيد. إذا تمهد هذا فنقول ثبتت نبوة سيدنا محمد ﷺ بالدلائل القاطعة والبرهين الناصعة وأنه صادق فيما يخبر عنه عن ربه فلا مرية في أنه يجب تصديق خبره والإيمان بما جاء به ﵊ فمما أخبر به ﷺ سؤال القبر وعذابه ونعيمه وقد وردت الأحاديث ناطقة بذلك ومصرحة بوقوعه وتعددت طرقها تعداداً أفاد به مجموعها التواتر المعنوي. أخرج الترمذي من حديث أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول إذا دفن الميت أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما المنكر والآخر النكير فيقولان ما كنت تقول في هذا الرجل فيقول هو عبد الله ورسوله أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد عبده ورسوله فيقولان قد كنا نعلم أنك تقول هذا ثم يفسح له قبره سبعون زراعاً في سبعين ثم ينور له فيه ثم يقال له نم فيقول أرجع إلى أهلي فأخبرهم فيقولان نم نومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك وإن كان منافقاً قال سمعت الناس يقولون فقلت مثله لا أدري فيقولان قد كنا نعلم أنك تقول ذلك فيقال للأرض التئمي عليه فتلتئم عليه فتختلف أضلاعه فلا يوزال فيها معذباً حتى يبعثه الله تعالى من مضجعه ذلك وفي الصحيحين من حديث أنس ﵁ أن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه وأنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فيقعدانه الخ الحديث وقد ورد في ذلك جملة من الأخبار التي صحت أخرجها أصحاب السنن والمسانيد ما بين مطول ومختصثر في رواية غير واحد من الصحابة ﵃. ثم أن سؤال القبر عام لكل مؤمن وكافر كما عليه جمهور العلماء وهو أمر ممكن من مجوزات العقل وكل ما جوزه العقل يستدعي عادة الحياة إلى البدن لفهم الخطاب ورد الجواب وإدراك اللذة والألم وهو منتف بالمشاهدة لأنا نقول أن ذلك لا يستدعي إعادة الحياة إلى جزء من الأجزاء الذي به فهم الخطاب ورد الجواب ولا يدفع ذلك ما يشاهد من سكون أجزاء الميت وعدم سماعنا للسؤال له فإن هذا مجرد استبعاد خلاف المعتاد وهو لا ينافي

стр. 903

الإمكان فإن النائم ساكن بظاهره وهو مع ذلك يدرك بباطنه من الآلام واللذات ما يحس بتأثيره عند التنبه كألم ضرب رآه بعد استيقاظه وخروج مني من جماع رآه في منامه وقد كان رسول الله ﷺ يسمع كلام جبريل ويشاهده والصحابة حوله والحال لا يسمعون كلاماً ولا يرون شخصاً فالإدراك والإسماع بخلق الله تعالى وإرادته قال (ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء) أما عذاب القبر ونعيمه فقد ورد الشرع به قرآناً وسنة وأجمع عليه علماء الأمة قبل ظهور البدع واختلاف الأهواء قال تعالى في حق آل فرعون: (النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب) وقال جل وعلا: (ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون). وأخرج البخاري من حديث عبد الله بن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ مر بقبرين فقال أنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير ثم قال بلى أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة وأما الآخر فكان لا يستبرئ من بوله وأخرج مسلم من حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال إن هذه الأمة تبتلي في قبورها فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله تعالى أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه ثم أقبل بوجهه علينا فقال تعوذوا بالله من عذاب القبر. وكذلك ورد في نعيم القبر جملة تؤيد ثبوته وتؤكد وقوعه منها ما أخرجه الإمام أحمد عن البراء بن عازب ﵁ قال قال رسول الله ﷺ المؤمن يفسح له في قبره ويرى مقعده في الجنة وأخرج الترمذي عن ابي سعيد الخدري ﵁ أنه قال ﵊ إنما القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار إلى غير ذلك من الأحاديث الوافرة والأخبار الصحيحة. وكل ما ورد من عذاب القبر ونعيمه فهو محمول عند علماء الدين على الحقيقة لأنه أمر ممكن كما تقدم فيجب التصديق لبه ولا يمنع من التصديق به تفرق أجزاء الميت في بطون السباع وأجواف السمك وحواصل الطيور وأقاصي التخوم فإن المدرك لألم العذاب أجزاء مخصوصة فالقادر المنفرد بالإيجاد والإعدام لا يعسر عليه إعادة الإدراك إليها بعد تفرقها ومن سلم اختصاص الرسول ﷺ برؤية الملك دون أصحابه الموجودين بحضرته وتعاقب الملائكة فينا وآمن بقوله تعالى في الشيطان (إنه يراكم هو وقبيله من

стр. 904

حيث لا ترونهم) وجب عليه التصديق بذلك كيف والإنسان النائم يدرك أحوالاً من السرور والنعيم من نفسه في حالة نومه حتى يعرق جبينه ونحن لا نشاهد ذلك منه مع وجودنا حوله والحاصل أن العبد بعد الموت لا يخلو في قبره من عذاب أليم أو نعيم مقيم وهذا الذي نعتقده وندين الله تعالى به ومن ارتاب ذلك فلضيق حوصلته وظلمة قلبه وجهله باتساع قدرة الله تعالى وتصرفه في خلقه على حسب ما يشاء سبحانه.

стр. 905

ذنوب المسلمين سبب انحطاطهم ماذا دهى المسلمين فأوقعهم في المهالك وأذاقهم آلام الهوان؟ ماذا فاجأهم ففرق جمعهم، ومزق شملهم، وحل رباطهم وخالف بين كلمتهم؟ ماذا حل بهم فزلزل أركان عقائد كثير منهم وأدخل عليهم فيها الشكوك والأوهام؟ ماذا نزل بهم فبدل عظيم أخلاقهم بسيء الأخلاق وسلبهم جميل الأدب؟ ماذا طرأ عليهم فسلبهم أكثر بلادهم وهددهم بفقدهم الاستقلال؟ ماذا باكرهم فصرفهم عن العلوم التي شيد لها أسلافهم صروحاً عالية فأصبحت من بعدهم قاعاً صفصفاً ويباباً خالياً؟ مصاب عظيم لسنا ندري لمن نعزوه، وخطب جسيم لا نعرف بمن نلصقه أنلصقه بأولياء الأمور ومن بيدهم الحل والعقد لتركهم الجهاد والاستعداد الذين أوجبهما الدين وتهاونهم بنشر العلوم بين عامة المسلمين؟ أم بالأمة التي سلمت زمام أمرها لمن يعبث بمصالحها ولا يحسن القيام بشؤونها؟ أم بالطائفتين معاً بتركهم أوامر الدين وانغماسهم في محضوراته فكانت العاقبة أن انتقم الله جلت قدرته من الأمة حاكمها ومحكومها فهي أسباب خرابها ودمارها؟ ليس ببعيد أن يكون الأمر الأخير سبب هذا الانحطاط وزداعية هذا الهوان إذ من المقرر أن الأمة لا يحفظ كيانها وتستقيم شؤونها حتى يتولى قيادتها المصلحون ولا يتسنى لها ذلك حتى تكون بنفسها بعيدة عن الرذائل متحلية بكرائم الصفات سالكة منهج التقدم آخذة بأسباب الرقي (كما تكونوا يولى عليكم) حديث شريف أخرجه الديلمي في مسند الفردوس يا ويح المسلمين انغمس أكثرهم في الآثام واقترفوا كبائر الذنوب ونبذوا أوامر الله سبحانة وأحلوا شعائره واسترسلوا في التخاذل والتدابر والتحاسد والتشاحن وأسرفوا في العسف والظلم والجور والاستهانة بحقوق الأمثال وارتكبوا الموبقات من الزنا واللواطة وشرب الخمر وقذف المحصنات واستهانوا بالغيبة والنميمة والكذب والافتراء ولبسوا ثياب الكبر والعجب واستلانوا موطئهما ومالوا إلى السرف والبذخ واللهو والخلاعة وركنوا إلى الدنيا فانغمروا في شهواتها وراقتهم زخارفها وقعدوا عن أداء ملاا افترضه عليهم من الصلاة والزكاة والصيام والحج وتركوا جهاد العدو والاستعداد له والرباط على حدوده وأغفلوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإصلاح بين المسلمين وأهملوا تعلم العلوم الدينية والدنيوية وتعليمها وقصروا في بر الوالدين وصلة الرحم ومارعوا حق الجيران والأخوان وصرفوا النظر عن الدقة والمواساة والحلم والصفح وأغضوا عن العفة والاستقامة والزهد والورع فسلط عليهم من عبث بمصالحهم ولم يرع

стр. 906

حقوق الله سبحانه فيهم فسلبت منهم العلوم التي نشرت أعلامها في زمن اسلافهم على الخافقين ووهنت قواهم الحسية والمعنوية التي ذلك لها في الأعصر السالفة الملوك الجبابرة وحرموا العدل الذي هو روح التقدم والرقي وحيل بينهم وبين موارد الثروة التي لا بقاء للأمم إلا ببقائها وهي التجارة والزراعة والصناعة وخلى بينهم وبين أعدائهم يسومونهم الذل والخسف ويوسعونهم المهانة والعسف فأفسدوا عليهم دينهم وانتزعوا منهم أخلاقهم وآدابهم وقبضوا زمامهم ليقودهم إلى مجامع الفسق ومواطن الفجور وتداخلوا في عامة شؤونهم فسلبوهم أكثر بلادهم وكادوا يفقدونهم عزيز استقلالهم كل ذلك جره والله الاجتراء على حدود الله وانتهاك محارمه ومخالفة أوامر الله سبحانه وهتك شعائره قال تعالى في كتابه العزيز (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير) وقال جل ذكر (أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أني هذا قل هو من عند أنفسكم) وقال عز من قائل: (إن الله لا يظلم الناس شيئاً ولكن الناس أنفسهم يظلمون) وقال ﵊ من حديث رواه البيهقي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما (ولا نقضوا) أي ولا نقض قوم من الأقوام كما يدل عليه أول الحديث عهد الله وعهد رسوله ﷺ إلا سلط عليهم عدو من غيرهم فيأخذ بعض ما في أيديهم فالتمسك التمسك بالدين قبل أن يتلاشى أمر المسلمين والتدارك التدارك قبل أن تعظم المصيبة ويستفحل الخطب تالله لئن لم ندع الكبائر التي اقترفناها ونؤد الواجبات التي أهملناها ليرميننا الله بخطوب يعود الحليم منها حيران أو ليعمنا بعقاب من عنده فالواجب على كل منا أن يحاسب نفسه فيدع المنكر ويوقوم بالواجب والواجب علينا جميعاً أن نسعى بتمام الجهد وغاية الوسع لإزالة المنكرات العامة فإن عجزنا عن إزالتها فلنرفع الأمر إلى أولياء الأمر ولنلح عليهم في ذلك ففي وسعهم إزالتها وما قامت إلا بتغاضيهم عنها. فإذا أحسنا القيام بهذا فلنستبشر بمستقبل زاهر ينير لنا ظلم المشاكل السياسية التي لا زلنا نخبط في دياجيها ويحفظ لنا كياننا وقد أوشكنا أن نفقده ويعيد لنا قوتنا التي علا كعبنا بها على جميع الأمم ويشرق في ربوعنا شمس المدنية الإسلامية بعلومها وفنونها ورونقها ونضارتها ومن الله التوفيق.

стр. 907

إلى متى هذه الثقة عقدت هدنة بيننا وبين البلغار لعشرة أيام فأصبحنا لا نترقب حصول شيء من المصادمات قبل انقضائها. ثم قبلنا تفويض الأمر للدول العظمى في شرائط الصلح بلا قيد ولا تعليق. ولا نكتم القراء أن الرأي العام قد يجوز أن يكون دهش من قبولنا التفويض على هذه الصورة لكن آفتنا القلبية هي الثقة بما يقوله سفراء الدول الأجنبية وما تعدنا به شفوياً. ولقد يظهر أن بعض السفراء قد أعرب عن حسن نية الوسطاء وزين لرجالنا أن عدم التشدد وإظهار التسامح قد يمكن الدول من الضغط على حكومات البلقان وأن الدول المتوسطة لا تحيد قيد شعرة عما قررته في بدء الأمر من أنها لا تقر بإلزامنا بشيء من الغرامات الحربية ولا تقبل من حكومات البلقان كلاماً في شأنها. وبذلك اطمأنت نفوس رجالنا وأقدموا على تقرير قبول التفويض للدول دون شرط ولا قيد ولكن ماذا عملت الدول بعد ذلك؟ لقد رأيناها تخوض ثانية في أمر الغرامة الحربية وبعد التردد بين الإقدام والإحجام أعلن مجلس سفرائها أن البحث في مسألة الغرامة الحربية سيكون من مباحث المؤتمر المالي الذي سيعقد في باريس. ولقد أثارت هذه الحيلة غضب الكتاب هنا وأضرمت نيران غيظهم حتى لقد اعتبرت الجرائد الاتحادية تلك الحيلة نقضاً للعهد الذي أعطته إيانا الدول وخرقاً للاتفاق الشفوي والقرار الذي أصدره أول الأمر مجلس السفراء. ولكن هل المسؤول عن نتائج ذلك العمل المستحق اللوم هو الدول الأوروبية التي لا ترضى عنا ما دمنا مسلمين؟ لو أن هذا الحادث كان أول ما أتوه من ضروب الحيل ونقض الوعود لهونا على أنفسنا الأمر وقلنا لعله درس يفيدنا تذكره في المستقبل ولكنه حلقة من سلسلة حوادث لا يعلم إلا الله متى تكون آخر حلقة منها. إن غفلتنا عن تحصين طرابلس وحمايتها من الغارات الخارجية كانت نتيجة ثقتنا بما قاله أحد السفراء من أنه لا خوف على طرابلس من إيطاليا. وصرف جيوشنا عن أرباض ومعاقل ألبانيا ومقدونيا كان نتيجة تأكيد بعض السفراء في الأستانة وتأمينه إيانا أن لا خوف من أحد على تلك البقاع. وإسرافنا في التباطؤ عن مقاومة الأعداء وأخذ العدة الكافية للصدمة الأولى كانت نتيجة تلغرافات الدول الأوروبية للحكومات البلقانية الناطقة بأن

стр. 908

الحرب مهما كانت نتائجها فإنها لاتغير من الحالة التي عليها مقدونيا وألبانيا إذ ذاك (استاتوكو) حتى إذا استعد الأعداء وأهملنا وزحفوا وقعدنا واكتسحوا وانهزمنا رأينا كيف تنكر لنا أولئك الأصدقاء وسمعنا ذلك الصوت الذي كان ينادي بالأمس بوجوب الاحتفاظ بالشكل القائم في مقدونيا والبانيا قد تبدل فصار يصيح ليس من العدل حرمان الفاتح من ثمرات فتحه ولا من الحكمة بقاء مسيحي تحت حكم دولة إسلامية ولا من الرأي استمرار أمة آسيوية في أرض أوروبا. هذه عدة حلقات من سلسلة آفتنا (الثقة) التي أخسرتنا أكثر أملاكنا والتي ستودي بحياتنا فمتى نعتبر بالحوادث ونتعظ بالعظات؟؟ هذا ما لا يمكننا الإجابة عنه والأمر لله من قبل ومن بعد. (الحق يعلو)

стр. 909

شهيد الطوى وقتيل الكظة رحمة بالإنسانية ما بال عينك لا تذوق رقادا ... ولمن عيون ما عرفن سهادا نام الخلي وبات همك ساهراً ... قلقاً يذود النوم عنك ذيادا أذكى ضلوعاً واستشف حشاشة ... وأسال عينا واستطار فؤادا تمسي فتفترش الأذى لك مضجعا ... وتنص سارية الهموم وسادا جالدت نازلة النهار مهولة ... وحملت داهية الظلام نآدا عبأت لك الأيام بأس مناجز ... يردي الكماة ويصرع الأنجادا عرمت عليك فروعتك خطوبها ... زحفاً وهدت جانبيك جلادا ويح النفوس المستهان بوجدها ... أيخالها القوم الجمود جمادا ينأى بها الجد العثور وتدني ... فتزيد عنهم الدنو بعادا ضاقت بها سبل الحياة فما ترى ... للعيش منتجعاً ولا مرتادا تبكي وما علم الغني ولو رأى ... عبرات عينك لا نثني يتهادى ألوى الأسى بمعين دمعك فاستعر ... دمعاً يكون لمقلتيك عتادا هيهات نلفى من يعيرك ذخر ... للنائبات إذا طرقن شدادا قد كان لي دمع يعين على الأسى ... فاغتاله طول البكا أو كادا أفنيته في الصالحات فكان لي ... كدم الذي أفنى الحياة جهادا يبكي الحزين فيستهل ويشتكي ... فيغيثه متدفقاً جوادا لو كان قلبي في جوانح أوطف ... أربى جواه إذن عليه وزادا ولو أن أحزاني عصفن بشامخ ... لانهار من رجفاتهن ومادا تشكو الطوى وتبيت ليلك طاوياً ... غرثان تطلب عند جارك زادا ربيت مثلك شاكياًَ من كظة ... ما يستلين لها الحرير مهادا قلقت مضاجعه فبات كأنما ... يلقى بهن أسنة وصعادا ودنا الطبيب فجس من نبضاته ... وأجال فيه لحاظه وأعادا فلوت يديه يد المنية وانثنى ... يلقى النعاة ولا يرى العوادا

стр. 910

أكل الطوى كبد الفقير فهده ... ومن الطوى ما يأكل الأكبادا ومن الحياة مضرة ومن الردى ... ما ينفع الأرواح والأجسادا الموت أروح للنفوس عوانيا ... حسرى يطاردها الشقاء طرادا طاف الحمام به فطاح ببائس ... صحب النحوس وحالف الأنكادا حملا على نعشيهما فتزاحما ... فانسل ذا وارتد ذا يتفادى سبق الغني تموج حول سريره ... زمر تهول الحاسبين عدادا لفوه في الأكفان من استبرق ... غال وعالوا فوق الأبرادا وبكوا عليه مرجعين وسيروا ... من حوله الحكام والأجنادا قالوا فقدناه وكان ذخيرة ... وهوى الحمام به وكان عمادا كذبوا فما كشف الأذى يوماًُ ولا ... نفع العشيرة مرة وأفادا ملأ الحياة مآثماً حتى إذا ... لقي الردى ملأ الربوع حدادا فمتى أرى الزمان كياسة ... ومتى أرى غي النفوس رشادا ومتى تريع إلى المحجة أمة ... تضع الكرام وترفع الأوغادا ساروا بأعواد (الشهيد) فبوركوا ... من سائرين وبوركت أعوادا ساورا به لم يفزعوا بنعيه ... أحداً ولا ضربوا له ميعادا طابت بموكبه المعظم نفسه ... وزكا الثرى إذ حل فيه وجادا وتفتحت خضر الجنان بقبره ... فأصاب منها ما اشتهى وارادا قذف الغني إلى الجحيم فأبرقت ... لما رأته وأرعدت غرعادا ماجت فأشبهت البحار طواميا ... وعلت فراحت تشبه الأطوادا تتلاطم الأهوال في حافاتها ... وتتابع الأرغاء والإزبادا فترى عيون الظالمين شواخصاً ... وترى قلوب الجاحدين بدادا مكروهة الألوان تسطع حمرةً ... آناً وأونة تموج سوادا جاءت ملائكة العذاب فأنشبت ... في جسمه الأغلال والأصفادا يلقى العذاب قريته أنى ثوى ... ويعالج الإعدام والإيجادا عكفت عليه فذاق من أنكالها ... ما شق محمله عليه وآدا

стр. 911

ما بين أغوال تدافع فوقه ... أو جنة من حولة تتعادى المرء أجهل كائن وأشده ... ظلماً وأكثره أذى وفسادا نظر اليقين فما أراد تيقناً ... ورأى السبيل فزاغ عنه وحادا لم يدر قيمة نفسه فأهانها ... بذنوبه وأذلها استعبادا شمخ الغني تصلفاً وغلاظة ... وطغى القوي تجبراً وعنادا قست القلوب فما يرى ذو فاقة ... عطفاً ولا يجد الضعيف مصادا قوم يعدون الرشاد عماية ... والدين كفراً والتقى إلحادا جنبوا النفوس إلى الهوى واسترسلوا ... فيه فطال هويها وتمادى صم إذا بلغ الطوى من مقتر ... فدعا يناجي الراحمين ونادى أخذوا الحياة عداوة وقطيعة ... وأرى الحياة محبة وودادا يشكون بادرة الحقود وما دورا ... أن الإساءة تنبت الأحقادا قسموا الحياة فأرهقوه ببؤسها ... واستأثروا بنعيمها استبدادا تستن في سبل الشقاء نفوسنا ... وسبيلها أن تنشد الإسعادا تبقى السعادة ما بقينا أخوة ... وتزول إن زال الإخاء وبادا ما بالنا تلوي الوجوه إذا دعا ... داعي الإخاء وم لنا نتعادى أودى التناكر بالشعوب وإنما ... خلق الجميع لآدم أولادا الخير أطيب ما صنعت مغبة ... والشر أخبث ما زرعت حصادا أسدد بفضل المال خلة معوز ... يرجو لها بندى يديك سدادا المال ينفذ والثواب لذى تقى ... باقٍ فما يخشى عليه نفادا والبر أنفع ما تعد وتقتني ... نفس تراوح بالردى وتغادى طوبى لمن نظر المحجة فاقتفى ... ورأى السبيل معبداً فانقادا النفس تصدأ والفضائل صيقل ... يأوي القلوب ويسكن الأخلادا يأتي وقد صدئت وغاض فرندها ... فيعيدها بيض المتون حدادا إني أرى هذي النفوس قواضباً ... جعلت لها أجسادنا أغمادا من مبلغ القوم الجفاة وصية ... أخذ اللبيب بها فغر وسادا

стр. 912

أوفوا بعهد الله في أموالكم ... إن جاءكم بعياله قصادا أدوا مطالبهم ديوناً تقتضي ... لا أنعماً تسدى ولا إرفادا لولا الأناة ورحمة من ربكم ... لم يمض جاهلكم على ما اعتادا ولما استبد بمالكم شح ولا ... كنتم له من دونه عبادا داووا كلوم البائسين بمالكم ... وكفى بمنزور العطاء ضمادا من لي بمن أن يدعه داعي الهدى ... لبى وإن سئل المعونة جادا ومتى أهز لبذل عارفة فتى ... سمحاً لألوية الندى عقادا أزجى العظات لعلها تجلو العمى ... وتقوم المعوم المنآدا وأجيل في وصف الشقاء ونعته ... قلما بني صرح البيان وشادا فترى قلوب البائسين صحيفة ... وترى دموع المعوزين مدادا صوت يهز الخافقين دويه ... ويزحزح الأحقاب والآبادا مصر (أحمد محرم)

стр. 913

كلمة في أشراط الساعة التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أخرج الإمام البخاري ﵁ عنه ﷺ : إن بين يدي الساعة فشو التجارة حتى تعين المرأة زوجها وقطع الأرحام وفشو القلم وظهور الشهادة بالزور وكتمان شهادة الحق. من أشراط الساعة أن تتخذ الأمانة مغنماً والزكاة مغرماً ويتعلم لغير دين. رواه الترمذي عن أبي هريرة ﵁. إذا اقترب الزمان لأن يربي الرجل جرواً خير له من أن يربي ولداً له لا يوقر الكبير ولا يرحم الصغير ويكثر أولاد الزنا حتى أن الرجل ليغشى المرأة على قارعة الطريق يلبسون جلود الضأن على قلوب الذئاب أمثلهم في ذلك الزمان المداهن رواه الحاكم وغيره عن أبي ذر. إذا رأيت الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان فانتظر الساعة رواة البخاري ومسلم إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة رواه البخاري. من اشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر، رواه الطبراني. لا تقوم الساعة حتى يعمد الرجل إلى النبطية فيتزوجها على معيشة ويترك بنت عمه لا ينظر إليها رواه الطبراني. إن من أمارات الساعة أن تقطع الأرحام ويؤخذ المال بغير حقه وتسفك الدماء ويشتكي ذو القرابة قرابته لا يعود عليه شيء ويطوف السائل لا يوضع في يده شيء رواه أبي الشيبة عن ابن مسعود. لا تقوم الساعة حتى يجعل كتاب الله عاراً ويكون الإسلام غريباً وحتى تبدو الشحناء بين الناس وحتى يقبض العلم ويهرم الزمان وينقص عمر البشر وينقص السنون والثمرات ويؤتمن التهماء ويتهم الأمناء ويصدق الكاذب ويكذب الصادق ويكثر الهرج وهو القتل وحتى تبنى الغرف أي القصور فتطاول وحتى تحزن ذوات الأولاد أي لعقوق أولادهن وتفرح العواقر ويظهر البغي والحسد والشح ويهلك الناس ويكثر الكذب ويقل الصدف وحتى تختلف الأمور بين الناس ويتبع الهوى ويقضى بالظن ويكثر المطر ويقل الثمر ويغيض العلم غيضاً ويفيض الجهل فيضاً ويكون الولد غيظاً والشتاء قيظاً ويقوم الخطباء بالكذب فيجعلون حقي لشرار أمتي فمن صدقهم بذلك ورضي به لم يرح

стр. 914

رائحة الجنة رواه الطبراني عن أبي موسى وسنده جيد. لا تقوم الساعة حتى يعز الله فيه ثلاثاً درهماً من حلال وعلماً مستفاداً وأخاً في الله رواه الديلمي عن حذيفة ﵁. إذا اجتمع عشرون رجلاً أو أكثر أو اقل فلم يكن فيهم من يهاب في الله فقد حضر الأمر وراه البيهقي وابن عساكر. من أشراط الساعة أن يمر الرجل بالمسجد فلا يركع ركعتين رواه أبو داود. يأتي على الناس زمان لا يسلم لذي دين دينه إلا من فر من شاهق على شاهق أو من جحر إلى جحر كالثعلب يفر بأشباله وذلك في آخر الزمان إذا لم تنل المعيشة إلا بمعصية الله. فإذا كان ذلك حلت العزبة يكون في ذلك الزمان هلاك الرجل على يدي أبويه إذا كان له أبوان وإلا فعلى يدي زوجته وولده وإلا فعلى يدي الأقارب والجيران يعيرونه بضيق المعيشة ويكلفونه ما لا يطيق حتى يورد نفسه الموارد التي يهلك فيها رواه أبو نعيم وغيره عن ابن مسعود. يأتي على الناس زمان يكون حديثهم في مساجدهم في أمر دنياهم فلا تجالسوهم فليس لله فيهم حاجة رواه البيهقي عن الحسن. يأتي على الناس زمان يستخفي المؤمن فيهم كما يستخفي المنافق فيكم رواه ابن السني عن جابر. يأتي على الناس زمان لا يتبع فيه العليم ولا يستحيي فيه من الحليم ولا يوقر فيه الكبير ولا يرحم فيه الصغير يقتل بعضهم بعضا على الدنيا، قلوبهم قلوب الأعاجم وألسنتهم ألسنة العرب لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً يمسي الصالح فيهم مستخفياً أولئك شرار خلق الله لا ينظر الله إليهم يوم القيامة رواه الديلمي عن علي ﵁. من اقتراب الساعة أن يصلي خمسون نفساً لا تقبل لأحدهم صلاة رواه أبو الشيخ عن ابن مسعود ﵁. صنفان من أمتي من أهل النار لم أرها بعد قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلون الجنة ولا يجدون ريحها. وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا. رواه مسلم عن ابن عباس ﵄. قال حج النبي ﷺ حجة الوداع ثم أخذ بحلقة باب الكعبة فقال يا أيها الناس

стр. 915

ألا أخبركم بأشراط الساعة فقام إليه سلمان. فقال أخبرنا فداك أمي وأبي يا رسول الله قال من أشراط الساعة إضاعة الصلاة والميل مع الهوى وتعظيم رب المال فقال سليمان ويكون ذلك يا رسول الله قال نهم والذي نفس محمد بيده فعند ذلك يا سلمان تكون الزكاة مغرماًُ والفيء مغنماً ويصدق الكاذب ويكذب الصادق ويؤتمن الخائن ويخون الأمين ويتكلم الرويبضة قالوا وما الرويبضة قال يتكلن في الناس من لم يكن يتكلم وينكر الحق تسعة أعشارهم ويذهب الإسلام فلا يبقى إلا اسمه ويذهب القرآن فلا يبقى إلا رسمه وتحلى المصاحف بالذهب ويتسمن زكور أمتي وتكون المشورة للإماء ويخطب على المنابر الصبيان وتكون المخاطبة للنساء فعند ذلك تزخرف المساجد كما تزخرف الكنائس والبيع وتطول المنابر وتكثر الصفوف مع قلوب متباغضة وألسن مختلفة وأهواء جمة قال سلمان ويكون ذلك يا رسول الله قال نعم يذوب قلبه في جوفه كما يذوب الملح في الماء مما يرى من المنكر فلا يستطيع أن يغيره ويكتفي الرجال بالرجال والنساء بالنساء ويغار على الغلمان كما يغار على الجارية البكر فعند ذلك يا سلمان تكون أمراء فسقه ووزارء فجره وأمناء خونه يضيعون الصلوات ويتبعون الشهوات فإن أدركتموهم فصلوا صلاتكم لوقتها عند ذلك يا سليمان يجيئ سبي من المشرق وسبي من المغرب جثاؤهم أي أجسامهم جثاء الناس وقلوبهم قلوب الشياطين لا يرحمون صغيراً ولا يوقرون كبيراً عند ذلك يا سليمان يحج الناس إلى هذا البيت الحرام تحج ملوكهم لهواً وتنزهاً وأغنياؤهم تجارة ومساكنيهم للمسألة وقراؤهم رياء وسمعة قال ويكون ذلك يا رسول الله قال نعم والذي نفس محمد بيده عند ذلك يا سليمان يفشو الكذب ويظهر الكوكب له الذنب وتشارك المرأة زوجها في التجارة وتتقارب السواق قال وما تقاربها قال كسادها وقلة أرباحها عند ذلك أي سليمان يبعث الله ريحاً فيها حبات صفر فتلقط رؤوس العلماء لما رأوا المنكر فلم يغيروه قال ويكون ذلك يا رسول الله قال نعم والذي بعث محمداً بالحق رواه ابن مردويه. من اقتراب الساعة إذا رأيتم الناس أضاعوا الصلاة وأضاعوا الأمانة واستحلوا الكبائر وأكلوا الربا وأكلوا الرشاء وشيدوا البناء واتبعوا الهوى وباعوا الدين بالدنيا واتخذوا القرآن مزامير واتخذوا جلود السباع صفافاً والمساجد طرقاً والحرير لباساً وأكثروا الجواري وفشا الزنا وتهاونوا بالطلاق وأتمن الخائن وخون الأمين وصار المطر قيظاً والولد غيظاً وأمراء فجره
следующие страницы →