Полный текст (1 077 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
ما بين أغوال تدافع فوقه ... أو جنة من حولة تتعادى
المرء أجهل كائن وأشده ... ظلماً وأكثره أذى وفسادا
نظر اليقين فما أراد تيقناً ... ورأى السبيل فزاغ عنه وحادا
لم يدر قيمة نفسه فأهانها ... بذنوبه وأذلها استعبادا
شمخ الغني تصلفاً وغلاظة ... وطغى القوي تجبراً وعنادا
قست القلوب فما يرى ذو فاقة ... عطفاً ولا يجد الضعيف مصادا
قوم يعدون الرشاد عماية ... والدين كفراً والتقى إلحادا
جنبوا النفوس إلى الهوى واسترسلوا ... فيه فطال هويها وتمادى
صم إذا بلغ الطوى من مقتر ... فدعا يناجي الراحمين ونادى
أخذوا الحياة عداوة وقطيعة ... وأرى الحياة محبة وودادا
يشكون بادرة الحقود وما دورا ... أن الإساءة تنبت الأحقادا
قسموا الحياة فأرهقوه ببؤسها ... واستأثروا بنعيمها استبدادا
تستن في سبل الشقاء نفوسنا ... وسبيلها أن تنشد الإسعادا
تبقى السعادة ما بقينا أخوة ... وتزول إن زال الإخاء وبادا
ما بالنا تلوي الوجوه إذا دعا ... داعي الإخاء وم لنا نتعادى
أودى التناكر بالشعوب وإنما ... خلق الجميع لآدم أولادا
الخير أطيب ما صنعت مغبة ... والشر أخبث ما زرعت حصادا
أسدد بفضل المال خلة معوز ... يرجو لها بندى يديك سدادا
المال ينفذ والثواب لذى تقى ... باقٍ فما يخشى عليه نفادا
والبر أنفع ما تعد وتقتني ... نفس تراوح بالردى وتغادى
طوبى لمن نظر المحجة فاقتفى ... ورأى السبيل معبداً فانقادا
النفس تصدأ والفضائل صيقل ... يأوي القلوب ويسكن الأخلادا
يأتي وقد صدئت وغاض فرندها ... فيعيدها بيض المتون حدادا
إني أرى هذي النفوس قواضباً ... جعلت لها أجسادنا أغمادا
من مبلغ القوم الجفاة وصية ... أخذ اللبيب بها فغر وسادا
стр. 912
أوفوا بعهد الله في أموالكم ... إن جاءكم بعياله قصادا
أدوا مطالبهم ديوناً تقتضي ... لا أنعماً تسدى ولا إرفادا
لولا الأناة ورحمة من ربكم ... لم يمض جاهلكم على ما اعتادا
ولما استبد بمالكم شح ولا ... كنتم له من دونه عبادا
داووا كلوم البائسين بمالكم ... وكفى بمنزور العطاء ضمادا
من لي بمن أن يدعه داعي الهدى ... لبى وإن سئل المعونة جادا
ومتى أهز لبذل عارفة فتى ... سمحاً لألوية الندى عقادا
أزجى العظات لعلها تجلو العمى ... وتقوم المعوم المنآدا
وأجيل في وصف الشقاء ونعته ... قلما بني صرح البيان وشادا
فترى قلوب البائسين صحيفة ... وترى دموع المعوزين مدادا
صوت يهز الخافقين دويه ... ويزحزح الأحقاب والآبادا
مصر
(أحمد محرم)
стр. 913
كلمة في أشراط الساعة التي أخبر النبي صلى الله
عليه وسلم
أخرج الإمام البخاري ﵁ عنه ﷺ : إن بين يدي الساعة فشو التجارة حتى تعين المرأة زوجها وقطع الأرحام وفشو القلم وظهور الشهادة بالزور وكتمان شهادة الحق.
من أشراط الساعة أن تتخذ الأمانة مغنماً والزكاة مغرماً ويتعلم لغير دين. رواه الترمذي عن أبي هريرة ﵁.
إذا اقترب الزمان لأن يربي الرجل جرواً خير له من أن يربي ولداً له لا يوقر الكبير ولا يرحم الصغير ويكثر أولاد الزنا حتى أن الرجل ليغشى المرأة على قارعة الطريق يلبسون جلود الضأن على قلوب الذئاب أمثلهم في ذلك الزمان المداهن رواه الحاكم وغيره عن أبي ذر.
إذا رأيت الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان فانتظر الساعة رواة البخاري ومسلم إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة رواه البخاري. من اشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر، رواه الطبراني. لا تقوم الساعة حتى يعمد الرجل إلى النبطية فيتزوجها على معيشة ويترك بنت عمه لا ينظر إليها رواه الطبراني.
إن من أمارات الساعة أن تقطع الأرحام ويؤخذ المال بغير حقه وتسفك الدماء ويشتكي ذو القرابة قرابته لا يعود عليه شيء ويطوف السائل لا يوضع في يده شيء رواه أبي الشيبة عن ابن مسعود. لا تقوم الساعة حتى يجعل كتاب الله عاراً ويكون الإسلام غريباً وحتى تبدو الشحناء بين الناس وحتى يقبض العلم ويهرم الزمان وينقص عمر البشر وينقص السنون والثمرات ويؤتمن التهماء ويتهم الأمناء ويصدق الكاذب ويكذب الصادق ويكثر الهرج وهو القتل وحتى تبنى الغرف أي القصور فتطاول وحتى تحزن ذوات الأولاد أي لعقوق أولادهن وتفرح العواقر ويظهر البغي والحسد والشح ويهلك الناس ويكثر الكذب ويقل الصدف وحتى تختلف الأمور بين الناس ويتبع الهوى ويقضى بالظن ويكثر المطر ويقل الثمر ويغيض العلم غيضاً ويفيض الجهل فيضاً ويكون الولد غيظاً والشتاء قيظاً ويقوم الخطباء بالكذب فيجعلون حقي لشرار أمتي فمن صدقهم بذلك ورضي به لم يرح
стр. 914
رائحة الجنة رواه الطبراني عن أبي موسى وسنده جيد. لا تقوم الساعة حتى يعز الله فيه ثلاثاً درهماً من حلال وعلماً مستفاداً وأخاً في الله رواه الديلمي عن حذيفة ﵁.
إذا اجتمع عشرون رجلاً أو أكثر أو اقل فلم يكن فيهم من يهاب في الله فقد حضر الأمر وراه البيهقي وابن عساكر. من أشراط الساعة أن يمر الرجل بالمسجد فلا يركع ركعتين رواه أبو داود. يأتي على الناس زمان لا يسلم لذي دين دينه إلا من فر من شاهق على شاهق أو من جحر إلى جحر كالثعلب يفر بأشباله وذلك في آخر الزمان إذا لم تنل المعيشة إلا بمعصية الله. فإذا كان ذلك حلت العزبة يكون في ذلك الزمان هلاك الرجل على يدي أبويه إذا كان له أبوان وإلا فعلى يدي زوجته وولده وإلا فعلى يدي الأقارب والجيران يعيرونه بضيق المعيشة ويكلفونه ما لا يطيق حتى يورد نفسه الموارد التي يهلك فيها رواه أبو نعيم وغيره عن ابن مسعود.
يأتي على الناس زمان يكون حديثهم في مساجدهم في أمر دنياهم فلا تجالسوهم فليس لله فيهم حاجة رواه البيهقي عن الحسن. يأتي على الناس زمان يستخفي المؤمن فيهم كما يستخفي المنافق فيكم رواه ابن السني عن جابر.
يأتي على الناس زمان لا يتبع فيه العليم ولا يستحيي فيه من الحليم ولا يوقر فيه الكبير ولا يرحم فيه الصغير يقتل بعضهم بعضا على الدنيا، قلوبهم قلوب الأعاجم وألسنتهم ألسنة العرب لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً يمسي الصالح فيهم مستخفياً أولئك شرار خلق الله لا ينظر الله إليهم يوم القيامة رواه الديلمي عن علي ﵁. من اقتراب الساعة أن يصلي خمسون نفساً لا تقبل لأحدهم صلاة رواه أبو الشيخ عن ابن مسعود ﵁.
صنفان من أمتي من أهل النار لم أرها بعد قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلون الجنة ولا يجدون ريحها. وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا. رواه مسلم عن ابن عباس ﵄.
قال حج النبي ﷺ حجة الوداع ثم أخذ بحلقة باب الكعبة فقال يا أيها الناس
стр. 915
ألا أخبركم بأشراط الساعة فقام إليه سلمان. فقال أخبرنا فداك أمي وأبي يا رسول الله قال من أشراط الساعة إضاعة الصلاة والميل مع الهوى وتعظيم رب المال فقال سليمان ويكون ذلك يا رسول الله قال نهم والذي نفس محمد بيده فعند ذلك يا سلمان تكون الزكاة مغرماًُ والفيء مغنماً ويصدق الكاذب ويكذب الصادق ويؤتمن الخائن ويخون الأمين ويتكلم الرويبضة قالوا وما الرويبضة قال يتكلن في الناس من لم يكن يتكلم وينكر الحق تسعة أعشارهم ويذهب الإسلام فلا يبقى إلا اسمه ويذهب القرآن فلا يبقى إلا رسمه وتحلى المصاحف بالذهب ويتسمن زكور أمتي وتكون المشورة للإماء ويخطب على المنابر الصبيان وتكون المخاطبة للنساء فعند ذلك تزخرف المساجد كما تزخرف الكنائس والبيع وتطول المنابر وتكثر الصفوف مع قلوب متباغضة وألسن مختلفة وأهواء جمة قال سلمان ويكون ذلك يا رسول الله قال نعم يذوب قلبه في جوفه كما يذوب الملح في الماء مما يرى من المنكر فلا يستطيع أن يغيره ويكتفي الرجال بالرجال والنساء بالنساء ويغار على الغلمان كما يغار على الجارية البكر فعند ذلك يا سلمان تكون أمراء فسقه ووزارء فجره وأمناء خونه يضيعون الصلوات ويتبعون الشهوات فإن أدركتموهم فصلوا صلاتكم لوقتها عند ذلك يا سليمان يجيئ سبي من المشرق وسبي من المغرب جثاؤهم أي أجسامهم جثاء الناس وقلوبهم قلوب الشياطين لا يرحمون صغيراً ولا يوقرون كبيراً عند ذلك يا سليمان يحج الناس إلى هذا البيت الحرام تحج ملوكهم لهواً وتنزهاً وأغنياؤهم تجارة ومساكنيهم للمسألة وقراؤهم رياء وسمعة قال ويكون ذلك يا رسول الله قال نعم والذي نفس محمد بيده عند ذلك يا سليمان يفشو الكذب ويظهر الكوكب له الذنب وتشارك المرأة زوجها في التجارة وتتقارب السواق قال وما تقاربها قال كسادها وقلة أرباحها عند ذلك أي سليمان يبعث الله ريحاً فيها حبات صفر فتلقط رؤوس العلماء لما رأوا المنكر فلم يغيروه قال ويكون ذلك يا رسول الله قال نعم والذي بعث محمداً بالحق رواه ابن مردويه. من اقتراب الساعة إذا رأيتم الناس أضاعوا الصلاة وأضاعوا الأمانة واستحلوا الكبائر وأكلوا الربا وأكلوا الرشاء وشيدوا البناء واتبعوا الهوى وباعوا الدين بالدنيا واتخذوا القرآن مزامير واتخذوا جلود السباع صفافاً والمساجد طرقاً والحرير لباساً وأكثروا الجواري وفشا الزنا وتهاونوا بالطلاق وأتمن الخائن وخون الأمين وصار المطر قيظاً والولد غيظاً وأمراء فجره
стр. 916
ووزراء كذبه وأمناء خونه وعرفاء ظلمه وقلت العلماء وكثر القراء وقلت لافقهاء وحليت المصاحف وزخرفت المساجد وطولت المنابر وفسدت القلوب واتخذت القينات واستحلت المعازف وشربت الخمور وعطلت الحدود ونقصت الشهور ونقضت المواثيق وشاركت المرأة زوجها في التجارة وركب الناس البراذين وتشبهت النساء بالرجال والرجال بالنساء ويحلف بغير الله ويشهد الرجل من غير أن يستشهد وكانت الزكاة مغرماً والأمانة مغنماً وأطاع الرجل امرأته وعق أمه وقرب صديقه وأقصى اباه وصارت الإمارات مواريث وسب آخر هذه الأمة أولها وأكرم الرجل اتقاء شه وكثرت الشرط وصعدت الجهال المنابر ولبس الرجال التيجان وضيقت الطرقات وشيد البناء واستغنى الرجال بالرجال والنساء بالنساء.
وكثرت خطباء منابركم وركن علماؤكم إلى ولاتكم فأحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال. وأفتوهم بما يشتهون وتعلم علماؤكم العلم ليجلبوا به دنانيركم ودراهمكم واتخذتم القرآن تجارة وضيعتم حق الله في أموالكم وصارت أموالكم عند شراركم وقطعتم أرحامكم وشربتم الخمور في ناديكم ولعبتم بالميسر وضربتم بالكبر والمعزفة والمزامير ومنعتم محاويجكم زكاتكم ورأيتموها مغرماً وقتل البريء ليغيظ العامة واختلفت أهواؤكم وصار العطاء في العبيد والسقاط وطففت المكايل والموازين ووليتم أمورطكم سفهائكم كما رواه أبو الشيخ والديلمي عن أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه.
فهذه جملة من اشراط الساعة وأكثرها موجود وهي في التزايد يوماً فيوماً فنسأل الله أن يجنبنا الفتن ويعصمنا من المحن ويميتنا على السنن ويغفر لنا ما جنيناه في السر والعلن بمنه وكرمه إنه سميع الدعاء.
(لها بقية)
دمشق
عبد المجيد القصاب
стр. 917
نحن وأوروبا
من مقالة نشرت في جريدة (الحق يعلو) بإمضاء الكاتب الشهير عبد العزيز الجاويش
قال: تعصبت علينا أوروبا المسيحية قرناً كاملاً أفقدتنا فيه بفرط تعصبها نحو نصف ملكنا.
أفسحت صدور حواضرها للجمعيات والعصابات ولانضم كبار رجالها في لندن وباريس إلى هؤلاء الأشقياء ثم جعلوا يمدونهم بالمال ويزودونهم بالسلاح ويؤيدونهم بالقول والكتابة.
انتظمت العصابات البلقانية وكان لها من أساطين المسيحية وأركان السياسية في أوروبا أكبر معوان وأشد ساعد.
كانت تلك العصابات الأثيمة تدبر المذابح في البلقان وتلقي القنابل على المسلمين استفزازاً لغضبهم وإثارة لمطمئن نفوسهم. فكانوا بما يلقون عليهم من تلك القنابل يصيبون المسلمين في ذراريهم ونسائهم وسائر ضعفائهم كما كانوا يدمرون مساجدهم وبيت أشرافهم حتى يندفع هؤلاء بدوافع الحنق والغيظ إلى شيء من الانتقام والثأر فماذا كانت تفعل إذ ذاك أوروبا المتمدنة الراقية؟.
لا يكاد يقتل أولئك المصابون في أنفسهم وأموالهم واحداً من أولئك الأشرار حتى تقوم القيامة وتصيح الصحف ويخطب الخطباء في البرلمانات ويصور السلمون في المحلات سفاكين للدماء ذباحين للأبرياء سلابين نهابين للأموال والأسباب ثم تللو ذلك أصوات الاستصراخ إلى محاسبة الحكومة العثمانية وتحرير الأمم البلقانية.
كذكل كان يفعل سياسيو أروبا وكتابها من كل الطبقات وهم المدبرون لتلك المكايد العالمون بما تفعل العصابات البلقانية الطماحون إلى تحقيق أمنيتهم العظمى وغايتهم الأخيرة وإن هي إلا محاربة الإسلام ومحو معالمه عن الأرض.
ولقد اقتطفت أيدي الصليبيين اليوم ثمرات ما كادوا ودبروا منذ جيلين تقريباً فانسلخت عنا ألبانيا ومقدونيا فخرجنا بذلك عن قارة أوروبا خاسرين ثلث ما بقي من ملكنا.
ولم يكد يستقر الصلح حتى قامت صحف أوروبا تستأنف حملاتها التي تعودناها في سبيل البلقان منذ أزمان فهي اليوم تخوض في أمر أرمينيا ونقص من مفتريات أحاديثها ما تريد من ورائه إتمام حل المسألة الشرقية قبل أن يمضي صك المصالحة وتقفل جنودنا عن ميادين القتال في شتالجة وغليبولي.
قام منذ أيام خطيب من أعضاء الجمعية المقدونية في البرلمان الإنكليزي فجعل يحض
стр. 918
حكومته باسم الصليب والعدل والإنسانية (كما يقول) على التداخل في تأمين سكان ما حول شتالجه من الصليبيين على أموالهم وأنفسهم ومصالحهم وراحتهم وقد جاء فيما اقترحه من الطرق الواقية لتلك الشرذمة القليلة الباقية تحت حكمنا أن تقيم أوروبا عليها حاكماً مسيحياً يختم بقيامه تاريخ وجودنا السياسي بل والحيوي في تلك القارة المسيحية ولكن لم يكن ذلك هو البادرة الفريدة والمقدمة الوحيدة التي بوغتنا بها اليوم فإن المتصفح لجرائد أوروبا الكبرى يجدها فتحت للفتنة أبواباً أخرى. فمن هذا ما نشرته جريدة التيمس في عددها الصادر في ١٢ أبريل الجاري إذ أخذت تخوض في أمر الأرمن وتسرد حوادث قبضت فيها الحكومة المحلية هناك على عدة أفراد في سبيل تحقيق القنلبلة التي انفجرت في تبليس.
إن حادثة تبليس ليست فيما نعتقد من الحوادث العرضية البسيطة ولكنها إحدى مقدمات دبرت لإقامة ثورة في تلك البقاع ترمي إلى تمكين روسيا من احتلالها. على أن من شأن أمثال هذه الحادثة أن يتهم فيها أفراد قد يكون بينهم المجرم كما يكون منهم البريء فالذي يميز المجرم عن غيره إنما هو التحقيق القضائي والبحث الإداري فهل من الآثام والجرائم أن تلقي الحكومة المحلية القبض على من مسهم الاشتباه وحامت حولهم الشكوك؟.
لم تستطع التيمس المسيحية المتعصبة أن تخفي أن رجال الإدارة في تبليس قد سرحوا كثيراً ممن قبضوا عليهم لظهور براءتهم ثم م تستطع أن تكتم ما عومل به أولئك المقبوض عليهم من اللين والرحمة ولكنها لم تستطع مع ذلك أن تستر نيران حقدها على الإسلام وتحجب ما تضمره هي والعالم المسيحي لنا من المكايد والأذى فقد ختمت كلامها في هذا الموضع بقولها وعلى كل حال لا ينتظر أن يكون الحكم التركي المستقبل خيراً من الحكم العتيق الاستبدادي في شيء.
كذلك تقول التيمس في أحدث أعداها متناسية (أن القنبلة قد تحقق انفجارها وعرفت آثار ضررها) ومستقلة ما أتى به رجال الإدارة العثمانيون من اللين والإحسان في تحقيق قضيتها ومعاملة من اشتبه في أمرهم من أهل تلك الجهة.
وتؤكد التيمس منذ الآن أن الحكم هناك لا يرجى تغييره ومغايرته لطراز الحكم الحميدي وهي تعلم أن قانون الولايات قد صدر الأمر بتطبيقه وأن الأمر في سائر الولايات العثمانية
стр. 919
سيكون كله قريباً بيد أهاليها فأرمينيا والكردستان وبلاد العرب والأناضول كل تلك البقاع ستسقل بتدبير سياستها الداخلية تدبيراً قطعياً غائياً لا يتوقف على الحكومة المركزية في شيء.
فإذا بديء بالانتخابات وتألفت المجالس المحلية التي نص عليها القانون انتقلت السياسة الداخلية من الحكومة المركزية إلى أهالي الولايات فإذا لم تنتظم إذ ذاك شؤون الولايات وأمرها بيدها فما هي إذاً جريرة الحكومة العثمانية وهل يجوز أن يقال بعد أن تقرر قانون الولايات أنه لا فرق بين الحكم في المستقبل والحكم في الماضي؟ اللهم إن الأمر واضح جلي ولكن التعصب المسيحي المرذول قد أعمى بصر التيمس التي ستجر من ورائها قطاراً من مقلديها السياسييين لا منتهى لامتداده.
ومن غريب أمر التيمس أنها خاضت في أمر مظهر بك والي كوسوفو قبل الثورة الألبانية سنة ١٩١٠ وهو اليوم الوالي الجديد لتبليس ثم وعدت أن تعيينه لا يغني فتيلاً مع أن الرجل معروف بالذكاء مشهود له بالكفاءة الإدارية والقدرة السياسية ولا عجب فإن التيمس تعلم علم اليقين ما يدبر هناك من المكايد وما صممن عليه الجمعية الأرمنية في أنجلترا وأمريقا من المفاسد والشرور. تعلم ذلك جريدة التيمس جد العلم فهي فيما قررت من توقع فشل التدبير والنظام اللذين يراد تطبيقهما في أرمينيا لم تكن هارفة بما لا تعرف أو منبئة بما لا تعلم ولكنها تذكر لنا نتيجة هي أعلم بمقدماتها الموضوعة وخططها المرسومة.
стр. 920
قصيدة أخلاقية
أنلهو والمصير هائل
هل لبيب لاه على ظهر الأرض ... وطويل في بطنها البابه
وعسى أن يجر يوماً إليك السر ... مع من طال للعناد انتصابه
شدة القرب حجاب
ولقد يحسن المجاور صنعاً ... وهو يؤذي من زاد منه اقترابه
أو ما النصل كافل لك بالنص ... ر شقي بالحد منه قرابه
خلق الشر في الطباع ولولا ... غبه عز في الورى أغبابه
الإنسان المتوحش أضر من الوحوش
ومن الناس عاذ بالشم والشم ... خ حزماً نسر الملا وعقابه
ومن الناس فر يرضى باوشا ... ل مياه من القطا أسرابه.
ومن الناس مشبه الوحش لا ير ... ضيه إلا عدوانه واغتصابه
ما أشد التفاوت بين بني آدم
ومن الناس عاقر الضيف كالكل ... ب ومنهم من لا تهر كلابه
(لها تتمة)
стр. 921
الختان في الإسلام
إن مما عمت به البلوى فعل المنكرات عند إجراء الختان وكذلك في الأعراس وعند عقد النكاح فترى المرأة تكلف زوجها لجلب المغنيات وشراء الملبوسات وتحمله من المصاريف الباهظة ما لا يطيقه وإذا راجعها الزوج بذلك تقول له إن ذلك لا يليق بنا تركه لأن الناس يعيبون علينا وينسبوننا إلى البخل إلى غير ذلك من الأقاويل التي لا تنطبق على شرع ولا عقل والناس بل أكثر العلماء عن إنكار هذه المنكرات ساكتون لا ينبثون ببنت شفة وربما ذهب بعضهم لتلك المجتمعات وجلس بها ساكتاً كأنه لم يعلم حرمة ذلك ولم يكلفه الشارع بإنكار منكر فتعساً لمن كانت حالته ذلك اللهم أصلح فساد قلوبنا وخذ بيدنا إلى الخير فإن دعي وكان ثمة آلة لهو كعود ودربوكة وما شاكلهما أو تصاوير أو شرب مسكر أو وجود نساء مغنيات فلا تجب الإجابة ولا تسن إن علم بذاك قبل ذهابه بل تحرم وإن ذهب ووجد ذلك ولم يعلم به من قبل وجب عليه الخروج ووجب عليه الإنكار إن كان ممن يقتدى به ولقد أخذني العجب من رجل فقير لا يملك قوته الضروري وهو في غالب أوقاته في هم وكرب عظيم من قلة ذات يده وكثرة عياله أراد أن يختن أولاده فأحضر بعضاً من القينات لدار جاره لسعتها وضيق محله وحصل اللهو والطرب وأديرت الأقداح وصاحب الدار ممن يقتدى بهم ولم ينكر ما حصل في داره بل كان من أكبر المساعدين على ذلك فهل هذا من السنن التي جاء بها الشارع ﷺ وحث عليها ومضى عليها السلف الصالح كلا ثم كلا ولو كان هذا زمنه ﷺ لأدبه بما يكون عبرة لغيره ومثالاً لإضرابه الفجار وأختم مقالتي هذه ببيان حكم الختان فأقول أخرج البخاري في كتاب اللباس في باب قص الشارب من حديث أبو هريرة ﵁ الفطرة خمس أو خمس من الفطرة الختان والاستحداد ونتف الإبط وتقليم الأظافر وقص الشارب وعن أبي هريرة ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول الفطرة خمس الختان والاستحداد وقص الشارب وتقليم الأظافر ونتف الآباط وكتب القسطلاني في كتابه الاستئذان في باب الختان بعد الكبر الختان بكسر الخاء المعجمة قطع القلفة التي تغطي الحشفة في فرج الرجل وقطع بعض الجلدة التي في أعلى فرج المرأى ويسمى ختان الرجل إعذاراً وختان المرأة خفضاً وهو واجب عند الشافعية في حق الرجال والنساء وقيل سنة في حق النساء ويفترض بعد البلوغ ويسن قبله في سابع يوم الولادة للاتباع فإن أخر
стр. 922
عنه ففي الأربعين وإلا ففي السنة السابعة لأنها وقت أمره بالصلاة.
ومن مات بغير ختان لم يختن في الأصح ويسن إظهار ختان الذكر وإخفاء ختان الأنثى ومؤونة الختان في مال المختون ثم على من تلزمه نفقته ويسمى طعام الختان عذيرة وتسن الإجابة إليها كسائر الدعوات وهو سنة عند السادة الحنفية للرجال ومكرمة للنساء ففي حاشية العلامة ابن عابدين الختان سنة للرجال من جملة الفطرة لا يمكن تركها وهي مكرمة في حق النساء أيضاً كما في الكفاية وأول من اختتن سيدنا إبراهيم ﵊ وأما نبينا ﷺ فقد ولد مختوناً وذلك من خصائصه ﵊ ولا بأس أن يدعو الإنسان بهذا الدعاء أو نحوه وهو اللهم هذه سنتك وسنة نبيك محمد ﷺ واتباع منا لك ولدينك بمشيئتك وبإرادتك لأأمر أردته وقضاء حتمته وأمر نفذته وأدقتنا به حر الحديد لأمر أنت أعرف به منا اللهم طهرنا من الذنوب وأصلح أولانا وادفع الآفات عن أبداننا وأجسامنا وأغننا بفضلك ولا تحوجنا لأحد غيرك إنك تعلم ولا نعلم يا أرحم الراحمين وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين.
(دمشق)
(م. ز)
стр. 923
وداعاً أيها القطر الروملي
نودعك اطضراراً يا رمللي ... وداعاً يستحيل به التسلي
تخلى الدهر عنك كما تخلى ... فتى عن روحه بئس التخلي
ترى هل نلتقي واليأس منا ... ليدعونا عليك أن نصلي
ترى هل ينقه الوطن المفدى ... وأضحى منك كالعضو الأشل
ترى هل بعد هذاك التدني ... نُرى بالجد في أرقى محل
أجل إن زال من في الكون طرا ... وأبدل وانجلى هذا التجلي
وفيمن نهتدي ولقد بلينا ... بكل مخادع خب مضل
لجأنا للتجمل واكتفينا ... وكم خدع التجمل والتحلي
لهونا بالتعلل والأماني ... وذلك منتهى جهد المقل
فحسب الغر منا ما ابتلينا ... به من كل تغرير مخل
وهل تبقى البقية بعد هذا ... ونربأ بالحياة على الأقل
رفاقي من لنا برجال حزم ... نعيش بعهدهم في خير ظل
رفاقي هل لهذا الملك شعب ... يرقيه إلى المجد الأجل
رفاقي كاد فرط الغيظ يقضي ... علينا من أسى فقد الرملي
رفاقي هل عواطفنا تلاشت ... أم ائتلفت خطى النهج الأذل
أما والله إن الموت أشهى ... لنا من أن نعيش بحال ذل
عيوني أكثري تسكاب دمعي ... على ما انتاب قومي أو اقلي
فما يجدي البكا من وقع رزءٍ ... تناول كل جزءيّ وكلي
وهبني قلت للوطن المفدى ... فداك أبي وأمي بل وخلي
أيجديه المقال بلا اجتهاد ... يهب به الخطر المذل
أيا وطني لعلي زغت فاصفح ... وهل يجديك من قولي لعلي
وهل شعرت ولاة الأمر فيما ... ألمّ بنا من الخطب الأجل
وهل اهتز هذا الكون غيظاً ... بما قد تم من عقد وحل
أنسعى في خراب الملك جهلا ... على أمل التصدر والتعلي
فروق هل اهتديت بما دهانا ... أعيذك بعد ذا من أن تضلي
стр. 924
فحسبك ما ألم بك اتعاظا ... فروق من التدني والتدلي
أعرش الملك لا تجزع لحرب ... توالى في وقائعها التولي
وهل ننسى توغلك انتصاراً ... بأوروبا وكنت بها تصلي
وكم جمعوا بها لك من خراج ... سل التاريخ عن ذاك التجلي
فإن الحرب يا هذا سجال ... فلا تركن إلى اليأس الممل
وإن الذهر دولاب سيقطي ... لمجدك بالتمتع والتملي
(دمشق)
عبد الرحمن قصار
стр. 925
سلسلة حكم الخلفاء
(علي ﵁ تعطروا بالاستغفار ولا تفضحكم روائح الذنوب. الشفيع جناح الطالب، من كتم علماً فكأنه جهله. المسؤول حر حتى يعد. لا يرضى عنك الحاسد حتى تموت. السامع للغيبة أحد المغتابين. كفى بالظفر شفيعاً للمذنب. لا ترج إلا ربك ولا تخش إلا ذنبك. إن الله فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء فما جاع فقير إلا بما منع غني.
النكبات لها غايات لا بد أن تنتهي فيجب على العاقل أن ينام لها إلى وقت إدبارها فالمكابرة لها بالحيلة زيادة فيها. لا خير في صحبة من إذا حدثك كذبك وإذا حدثته كذبك وإذا ائتمنته خانك وإذا ائتمنك اتهمك وإذا أنعمت عليه كفر وإذا أنعم عليك منَّ عليك. البشاشة فخ المودة. الهيبة مقرونة بالخيبة والحياء مقرون بالحرمان والفرصة تمرمر السحاب. الفقيه كل الفقيه من لم يرخص في معصية الله ولم يؤيس من رحمته. من كفارات الذنوب العظام إغاثة الملهوف والتنفيس عن المكروب. إذا قدرت على العدو فاجعل العفو شكر قدرتك. شفيع المذنب إقراره، وتوبته اعتذاره. أفضل الأعمال ما أكرهت عليه النفوس. تنقاد الأمور للمقادير حتى يكون الحيف في التدبير. خسر مروءته من ضيع نفسه وأزرى بنفسه من استشعر الطمع ورضي بالذل. ذمتي رهينة بما أقول وأنا به زعيم أنه من صرحت له العبر عما بين يديه من المثلات حجزته التقوى عن تقحم الشبهات. أكبر البغي أن تعيب بما فيك وأن تؤذي جليسك بما هو فيه عبثاً به. اتقوا من تبغضه قلوبكم. إذا كنتم في إدبار والموت في إقبال فما أسرع الملتقي. قلب الأحمق في لسانه ولسان العاقل في قلبه. كفى بالأجل حارساً. اطرح عليك واردات الهموم بعزائم الصبر. كن بما في يد الله أوثق منك بما في يد الناس. لا يكون الرجل سيد قومه حتى لا يبالي أي ثوبه لبس. من لم يحسن ظنه بالظفر لم يجد في الطلب. أخيب الناس سعياً وأخسرهم صفقة رجل أتعب بدنه في آماله وشغل بها عن معاده فلم تساعده المقادير على إرادته وخرج من الدنيا بحسرته وقدم بغير زاد على آخرته. ونظر إلى رجل يغتاب آخر وعنده ابنه الحسين ﵁ فقال يا بني نزه سمعك عنه فإنه نظر إلى أخبث ما في وعائه فأفرغه في وعائك. ولا تؤاخ الفاجر فإنه يزين لك فعله ويحب لو أنك مثله ويحسن إليك أسوء حاله ومخرجه من عندك ومدخله عليك عار وشين ولا الأحمق فإنه يجهد كد نفسه فلا ينفعك وربما أراد أن ينفعك فيضرك فسكوته خير من نطقه وبعده خير من قربه وموته خير من حياته ولا الكذاب فإنه لا ينفعك
стр. 926
معه عيش ينقل حديثك وينقل الحديث إليك حتى إذا أراد أن يحدث بالصدق فلا يصدق. ثلاثة لا تعرف إلا في ثلاثة الشجاع في الحرب والحليمعند الغضب والصديق عند الحاجة. العجب لمن يهلك والنجاة معه فقيل ما هي قال الاستغفار، قصم ظهري رجلان جاهل متنسك وعالم متهتك، يجد البليغ في ألم السكوت ما يجده العيي مكن ألم الكلام. لا يكون الصديق صديقاً حتى يحفظ صديقه في غيبته وعند نكبته وبعد وفاته في تركته.
أعجب ما في الإنسان قلبه وله مواد من الحكمة وأضداد منم خلافها فإذا سنح له الرجاء أذله الطمع وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص وإن ملكه اليأس قتله الأسف وإن هاج به الغضب اشتد به الغيظ وإن أسعده الرضاء نسي التحفظ وإن ألظبه الخوف شغله الحزن وإن اتسع له إلا من استلبته العزة وإن عادت له النعمة أخذته العزة وإن امتحن بمصيبه فضحه الجزع وإن أفاد مالاً أطغاه الغنى وإن عضته فاقة أضرعه البلاء وإن جهده الجوع أفقده الضعف وإن أفرط في الشبع كظته البطنة فكل تقتير به مضر وكل إفراط له مفسد.
لا تكن ممن يرجو الجنة من غي رعمل ويؤخر التوبة أطول الأمل يقول في الدنيا قول الزاهدين ويعمل فيها بقول الراغبين إن أعطي منها لم يشبع وإن منع لم يقنع يقول لا أعمل فأتعنى بل أجلسي فأتمنى فهو يتمنى المغفرة ويدأب للمعصية وقد عمر ما يتذكر فيه من تذكر وجاءه النذير. لا يكبر عليك ظلم من ظلمك فإنما يسعى لمضرته ومنفعتك وليس جزاء من سرك أن تسوءه. إذا منعك اللئيم البر مع إعظامه حقك كان أحسن من بذل السخي لك إياه مع الاستخفاف بك. الكمال في خمس أن لا يعيب الرجل أحداً يعيب فيه مثله حتى يصلح العيب من نفسه فإنه لا يفرغ من إصلاح عيب من عيوبه حتى يهجم عليه آخر فتشغله عيوبه عن عيوب الناس. وأن لا يطلق لسانه أو يده حتى يعلم أفي طاعة ذلك أم في معصية. وأن لا يلتمس من الناس إلا ما يعطيهم من نفسه مثله. وأن يسلم من الناس باستشعار مداراتهم وتوفيتهم حقوقهم. وأن ينفق الفضل من ماله ويمسك الفضل من قوله. استنزلوا الرزق بالصدقة. من أيقن بالخلف جاد بالعطية. تنزل المعونة على قدر المؤونة ما على أمرؤ اقتصد. التودد نصف العقل والهم نصف الهرم.
وخطب فقال أيها الناس اتقوا خمساً قبل أن تحل بكم خمس ما نكث قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم ولا بخس قوم الكيل والميزان إلا أخذهم بالسنين ونقص من الأموال والأنفس
стр. 927
والثمرات وما منع قوم الزكاة إلا حبس الله عنهم قطر السماء وما ظهرت الفاحشة قط في قوم إلا سلط الله عليهم الطاعون.
(الحسن ﵁ إن خير ما بذلك من مالك ما وفيت به عرضك. التبرع بالمعروف والعطاء قبل السؤال من أكبر السؤدد. وسئل عن الصمت فقال فيه ستر للعي، وزين للعرض وفاعله في راحة وجليسه في أمن لا أدب لمن لا عقل له، ولا شدة لمن لا همة له، ولا حياء لمن لا دين له، هلاك الناس في ثلاث الكبر والحرص والحسد.
(لها بقية)
إبراهيم خليل مردم بك
стр. 928
العدد ٣٠ - بتاريخ: ٥ - ٧ - ١٩١٣
стр. 929
الدين الإسلامي والتوحيد
البعث والحشر٢٣
البعث هو عبارة عن إحياء الله الموتى وإخراجهم من قبورهم بعد جمع الأجزاء الأصلية التي هي الذرات المخرجة من ظهر آدم ﵊ المشار إليها بقوله تعالى: (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى) والحشر هو عبارة عن سوق المخلوقات جميعاً إلى الموقف وهو الموضع الذي يقفون فيه لفصل القضاء بينهم ولا فرق في ذلك بين من يحاسب كالمكلف وبين غيره.
البعث والحشر من الأمور التي يجب اعتقادها لثبوتهما بالبراهين النقلية والعقلية التي تذعن لها العقول الصحيحة وتطمئن لذكراها البصائر النافذة فمن الأدلة النقلية قوله تعالى: (قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة) وقوله تعالى: (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وقوله عز شأنه: (أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه بلى قادرين على أن نسوي بنانه) وقد أخرج البخاري ومسلم عن حديث ابن عباس ﵄ قال إنكم محشورون إلى الله إلى غير ذلك مما ورد في الشرع الأنور وأما الأدلة العقلية فسيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى.
البعث والحشر أصلبان من أصول الديانة افسلامية بل التصديق بهما أساس كل دين وأقوم وسيلة لإحقاق الحق والوقوف عن الحد. مسألة المصير بعد الموت طالما كانت الشغل الشاغل لأساطين العلماء وكبار الفلاسفة والظاهر أن حب الحياة جعلهم يطلبونها بعد ذهابها حتى أضحى أول خاطر يخطر للمتفكر البصير الموقف بأنه إنما ورد هذه الحياة الدنيا ليتزود كمالاً يؤهله للعروج إلى عالم أرقى وأنفع وأوسع من هذا العالم الدنيوي والانتقال من دار ضيقة الساحات كثيرة الآفات خليقة بأن تسمى بيت الأكدار وقرارة الأحزان والآلام إلى دار وسيعة الساحات فسيحة الباحات لا فيها غول ولا تأثيم.
لذلك ترى أهل الملل كافة وجمهور المحققين من الفلاسفة متفقين على حقيقة المعاد وإن اختلفوا في كيفيته على ما سيتضح للقارئ إلا شرذمة من الطبيعيين الذين أعماهم الضلال وأرهقتهم الغواية واستزلهم شيطان الوهم فهوى بهم إلى أخس منزلة من منازل السخافة وزعموا أن لا حياة للإنسان بعد هذه الحياة وأنه لا يختلف عن النباتات الأرضية التي
стр. 930
تتفرق أجزاؤها فتدخل في تركيب آخر وهكذا يبقى بين التحليل والتركيب فتارة يكون جزءاً من إنسان وتارة ناباً من ثعبان وآونة ورقة من أغصان وغيرها ذنباً في حيوان وهلم جرا وذهبوا إلى أن العبد يستوفي في هذه الحياة حظوظه من الشهوات البهيمية وبهذا الزعم الفاسد والمذهب الباطل أطلقوا النفوس من قيد التأثم ودفعوها إلى أنواع العدوان وسهلوا لها الغدر والخيانة وحملوها على فعل كل خبيثة واقتراف كل رذيلة وأعرضوا بالعقول عن كسب الكمال البشري وأعدموها الرغبة في كشف الحقائق وتعرف أسرار الكائنات.
هذه الشرذمة الطاغية أنكرت الروح والملأ الأعلى والخلود والبعث والحشر والعقاب والثواب جهلاً وعناداً زاعمين أن ذلك كله من خيالات الأفكار القديمة وبقية من توهمات السالفين وليس في الوجود شيء غير المادة وقوتها الذاتية وأخذت تتبجح بطلب الأدلة الحسية لا العقلية حتى أنك لو أتيتهم بأعظم البراهين العقلية والدلائل القطعية والإقناعية لقالوا أن هو إلا تصوير خيالي أو فكر وهمي فبينما يموجون في دياجير الحيرة ويضطربون في غياهب الغواشي الوهمية إذا هم بآية عظمى ظلت أعناقهم لهم خاضعة وقارعة كبرى أضحت عقولهم أمامها حائرة وهي التنويم المغناطيسي ثم تلاه فن استحضار الأرواح وتجسدها المشهور (بالأسبيرنيزم) فكانت النتيجة انهزام تلك الشرذمة العائثة في الأرض فساداً انهزاماً لا يقوم لها بعده علم ولا يرفع لها صوت. قال فريد بك وجدي في كتابه كنز العلوم عند الكلام على مادة (آخرة) هي الحياة الآخرة التي وعد الله عباده بها والناس بإزاء العقيدة بها في أربع مراتب (أولها) رتبة أهل الله وخاصته وهؤلاء قد انكشف لهم الحال فرأوا بأعينهم ما لا يدركه غيرهم بعقولهم فاعتقدوا بالآخرة عقيدة عيانية حسية وهؤلاء هم الأنبياء والصديقون (ثانيها) رتبة أهل البصائر النافذة وأولئك يكفيهم مجرد النظر في ملك الله وملكوته وما أودع فيهما من أعلام بينة وأدلة ناطقة (ثالثها) رتبة الحسيين الذين لا يرضيهم من العقائد إلا ما يؤثر على حسهم ويدهش مشاعرهم.
أما الرتبتان الأوليان فقد هداهما الله بنوره ودلهم على الطريق بتوفيقه وهل بعد قوله تعالى: (من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها من أنشأها أول مرة) مطمع لمستزيد. أما الرتبة الثالثة فنحيلها إلى ما كتبناه تحت عنوان (أنبوتزم ومانيتيزم وإسبرتزم) فإن هذه المباحث من الأدلة المحسوسة على وجود الروح ما جدع أنف الإلحاد الأوروبي وبلغ مقتله وهناك
стр. 931
رتبة رابعة وهي التي لا يقنعها بل ولا تريد أن تقنع فهي الرتبة السفلى التي ظهرت في كل جيل وكل قرن وكانت جائحة على الفضيلة والإنسانية إلا أنها ما نجمت حتى اجتثت وما طارت حتى قصت. ولقد كانت في أوائل هذا القرن والذي قبله أشسد مما كانت عليه في أي جيل من الأجيال أدرعت بالعلوم الطبيعية واستلامت بالتجارب الفنية وقامة قومة أطاشت بها الأحلام وزعزعت بها أطواد الأفئدة تصيح على وجوه الناس الحس الحس التجربة التجربة إياكم والوهم احذروا الخيال. فلم يلبثوا على غلوائهم ردحاً من الزمن حتى قرعهم الله بقارعة (الإسبرتزم) مذهب استحضار الأرواح فإذا هم حيارى لا يدرون ما يفعلون فقاوموه وشنعوا عليه وعلى أشياعه ثم جالوا فيه جولة حسية وإذا بأماثلهم يقولون كما يقول الأستاذ الطائر الصيت أحد أركان العلوم الفزيولوجية العصرية (روسل ولاس) الإنجليزي مكتشف ناموس (الانتخاب الطبيعي) قال في كتابه (معجزات العصر الحاضر) لقد كنت دهرياً صرفاً مقتنعاً بمذهبي تمام الاقتناع ولم يكن في ذهني أدنى محل للتصديق بحياة روحية ولا بوجود عامل في هذا الكون كله غير المادة وقوتها ولكني رأيت أن المشاهدات الحسية لن تغالب فإنها قهرتني وأجبرتني على اعتبارها أشياء مثبتة قبل أن أعتقد نسبتها إلى الأرواح بمدة طويلة ثم أخذت هذه المشاهدات مكاناً في عقلي شيئاً فشيئاً ولم يكن ذلك بطريقة نظرية تصورية ولكن بتأثير المشاهدات التي كان يتلو بعضها لبعضاً بطريقة لا يمكن التخلص منها بوسيلة أخرى (أي بغير نسبتها إلى الأرواح) أ. هـ.
يقول روسل ولاس هذا ومن هو روسل ولاس ويردد قوله أخوانه اللوف من علماء الأرض كما تراه في كلمة (إسبرتزم) ولكن يوجد من الناس هنا من يدعي أن هؤلاء هاذون. وإذا كان هؤلاء هاذين فمن هم المدققون الحسيون بخ بخ ولماذا هم هاذون؟ ألأنهم قاموا يثبتون عالم ما وراء الطبيعة ويقولون أن الإنسان روحاً خالدة بعد الموت؟
هذه مقالة جاء بها رسول ومال الناس إليها قديماً وحديثاً فهل يصح أن يوصم بالجنون من قام يثبت مذهب الأنبياء والصديقين؟
نحن نقول كما يقول علماء أوروبا أن تلك الخوارق منسوبة للأرواح ولكن نقول أن تلك المدهشات كافية في إثبات عالم ما وراء الطبيعة وأنها برهنت بالحس على أن وراء المادة حياة روحية عالية جداً وهذا كاف لتهدئ النفوس على مستقبلها وتعزية المصابين في
стр. 932
كروبها وشدائدها وفي المستقبل العجب العجاب فواها لمن تاب وأناب وآها لمن أصر واستكبر واستأسد وتنمرد (كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز).
وقال أيضاً في كتابه (الإسلام في عصر العلم) سيرى النوع الإنساني وراء هذه المسألة (استحضار الرواح) إن شاء الله العجب العجاب في قصم ظهور الملحدين وفصم عرى خزعبلات الماديين والله غالب على أمره ولا معقب لحكمه.
أما لدينا معشر المسلمين فمسألة ظهور الأرواح للأحياء من الأمور الشائعة للصالحين والمقربين ونظن أنه لا يوجد واحد من المسلمين ولم يقرأ في كتاب أو لم يسمع من قارئ أن روح فلان الصالح ظهرت لفلان التقي وحصل بينهما كيت وكيت من المحادثات والمحاضرات بل كثيراً ما تروي العامة أموراً تدل على معرفتها بمسألة ظهور الأرواح للناس مثل روايتهم عن بعضهم أن فلاناً تاه في الصحراء وألمت به الحيرة من كل جانب ولما أوشك أن يقع في اليأس إذا برجل مرتد بثياب بيضاء وعليه جمال وبهاء جاء إليه فدله على الطريق وأزال عنه بوائق التعويق ثم يعقب قوله بأن ذلك الشخص لا شك في أنه روح التقي فلان الخ من أمثال هذه الأخبار التي لا يليق بنا إنكارها على عجل وإن كانت تعوز النظر وللعلماء المحققين أدلة عقلية على بطلان ما جنح إليه الطبيعيون ودحض مذهبهم الذي ليس له ظل في الحقيقة ولا وجه من الصحة.
стр. 933
أغلاط لسان العرب
(وفي مادة ك ج ج صفحة ١٧٥ سطر ١٩) الكجة بالضم والتشديد لعبة للصبيان قال ابن الأعرابي هو أن يأخذ الصبي خزفة فيدورها ويجعلها كأنها كرة ثم يتقامرون بها وضبط (كرة) بتشديد الراء والصواب تخفيفها على وزن ثبة بنص القاموس.
(وفي مادة ذ ب ح صفحة ٢٦٤ سطر ٦) وتذابح القوم أي بح بعضهم بعضاً يقال التمادح التدابح والصواب البتذابح بالذال المعجمة لأن الكلام في مادة الذبح لا معنى هنا للتدابح بالمهملة.
(وفي مادة أر خ صفحة ٤٨٢ سطر٤) في تفسير بيتين قال الغفر لو ... د الوعل والأرخ
ولد البقرة ويخرمس أي يسكت أو لا طوم الضمام بين شفتيه والصواب (والأطوم) بتقديم واو العطف على الألف وهو ظاهر.
(وفي مادة ج ع د سطر ٩٥) روي قول الراجز
قد يتمنى طفلة أملود ... بفاحم زينة التجعيد
وضبط صفة بكسر الطاء والصواب فتحها لأن المراد الرخصة لا التي في سن الطفولة.
(وفي مادة ج ود ص ١١١) روي للفرزدق:
قوم أبوهم أبو العاصي أجادهمك ... قرم نجيب لجدات مناجيب
وضبط (لجدات) بفتح التاء كأنهم توهموه ممنوع من الصرف والصواب كسرها مع التنوين.
(وفي مادة س ن د ص ٢٠٥ سطر ١٨) والسند مثقل سنود القوم في الجبل. وفي حديث أحد رأيت التساء يسندن في الجبل أي يصعدون ويروي بالشين المعجمة وسنذكره والمراد بالمثقل المشدد كما لا يخفى وليس في لفظ (السند) حرف مشددة إلا السين وهي لا تكون إلا مشددة متى سبقتها أداة التعريف لأنها من الحروف الشمسية وحكمها معلوم ولا نرى أحداً يعنى بالنص على مصلها بل أحر بأن تكون النص هنا مدعاة للاضطراب في ضبط الكلمة إذ قد يتبادر أن التشديد في غير هذا الحرف فيقع الإشكال. ومثل هذا وإن كان خارجاً عما نتعرض له وليس مقصوداً بالذات من ذكره هنا إلا أنه شيء عرض فقلنا فيه بما ظهر لنا. ولا ندري عمن نقل المصنف هذه الجملة.
أما الحديث وما بعده فمنقول من نهاية ابن الأثير. والمتبادر من قوله ويروى بالشين
стр. 934
المعجمة وسنذكره أنه مذكور في (ش ن د) مع أن هذه المادة لا وجود لها في الكتابين ولا في كتب اللغة التي بأيدينا ولكن الذي ذكره الإمام السيوطي في مختصر النهاية عن الكلام على (سند) أن الرواية الأخرى في الحديث (يشتددن) أي من الشد بمعنى افسراع في المشي. وبمراجعة باب الشين من النهاية وجدنا فيه ما نصه.
وفي حديث أحد حتى رأيت النساء يشتددن في الجبل أي يعدون هكذا جاءت اللفظة في كتاب الحميدي. والذي جاء في كتاب البخاري يشتدن هكذا جاء بدال واحدة والذي جاء بغيرهما يسندن بالسين المهملة والنون أي يصعدن فيه فإن صحت الكلمة على ما في البخاري وكثيراً ما يجيء أمثالها في كتب الحديث وهو قبيح في العربية لأن الإدغام إنما جاز في الحرف المضعف لما سكن الأول وتحرك الثاني فأما مع جماعة النساء فإن التضعيف يظهر أن ما قبل نون النسوة لا يبكون إلا ساكناً فيلتقي ساكنان فيحرك الأول وينفك الإدغام فتقول يشتددن فيمكن تخريجه على لغة بعض العرب من بكر بن وائل يقولون ردتُ وردتَ وردن يريدون رددت ورددت ورددن قال الخليل كأنهم قدروا الإدغام قبل دخول التاء والنون فيكون لفظ الحديث يشتدن أ. هـ
وقد نقل صاحب اللسان هذه العبارة بنصها في مادة (ش د د صفحة ٢٢٠) إلا أن ضبط بعض الكلمات وقع مخالفاً لما فيها فضبطوا (يشتدن) في الموضعين هكذاب بإسكان الدال المخففة كما ضبطوا (ردت) وما بعده بالإسكان والتخفيف أيضاً والكلام في ذلك هو المقصود من كل ما تقدم فنقول:
المفهوم من عبارة ابن الأثير أن الدال في كل ذلك مشددة مفتوحة بدليل تصريحه بقبحه في العربية لاجتماع الإدغام مع ضمير الرفع المتحرك إلى آخر ما ذكر ولو كانت الدال ساكنة مخففة كما ضبطت في اللسان لكان الفعل على بابه مع الضمير ولم هناك وجه للاستقباح. وكأن المصحح اغتر بقوله (يشتدن هكذا بدال واحدة) فظنه نصاً على حذف إحدى الدالين ولم يفطن لما جاء بعده في العبارة فوقع في هذا الضبط.
ويعضد ما ذكرنا قول الإمام ابن مالك في التسهل: والإدغام قبل الضمير لغة وقول أبي حيان في شرحه قوله لغة هي لغة ناس من بكر بن وائل يقولون ردن ومرن وردت وهذه لغة ضعيفة كأنهم قدروا الإدغام قبل دخول النون والتاء فأبقوا اللفظ على حاله عندما دخلتا
стр. 935
وحكى بعض الكوفيين في هذا ردن يزيد نوناً ساكنة قبل نون الإناث ويدغمها فيها أن نون الإناث لا يكون ما قبلها إلا ساكناً وكأنه حافظ على بقاء الإدغام فزاد هذه النون أ. هـ وقال الدماميني: (وبعضهم يزيد ألفاً فيقول ردات وهو في غاية الشذوذ) أ. هـ أي بزيادة الألف قبل تاء الضمير كما في شرح التسهيل لعلي باشا. وقد تكلم سيبويه عن هذه اللغة في باب اختلاف العرب في تحريك الآخر الخ من الكتبا (ج٢ ص ١٦٠) من النسخة المطبوعة ببولاق.
(وفي مادة ص ي د صفحة ٢٤٩ سطر٨) (وقد يقع الصيد على المصيد نفسه تسمية بالمصدر كقوله تعالى لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم) وضبط (الصيد) بكسر الصاد والثواب فتحها لأن مصدر صاد مفتوح الأول قياساً وحسبك استشهاده بالآية الكريمة وهو فيها مفتوح كما لا يخفى.
(وفي مادة ع ق د أول صفحة ٢٩٠) روي لجرير:
تبول على قتاد بنات تيم ... مع العقد النوابح في الديار
وضبط (تيم) بكسر أوله والصواب فتحه لأنه إما أن يكون مسمى بالصفة المشبهة أي بالتيم بمعنى العبد أو بمصدر تامه الحب تيماً وكلاهما مفتوح الأول.
(وفي مادة ف س د صفحة ٣٣٣ سطر١) وفسد الشيء إذا اباره
قال ابن جندب:
وقلت لهم قد أدركتكم كتيبة ... مفسدة الأدبار ما لم تخفر
ثم قال المصنف في تفسيره: (أي إذا شدت على قوم قطعت أدبارهم ما لم تخفر الأدبار أي تمنع) وضبط (مفسدة) بفتح الميم والسين وهو ضبط عجيب والذي يقتضيه ما قبل البيت وما بعده أن يكون بضم الأول وكسر السين لأنه اسم فاعد من فسد كما لا يخفى.
(وفي مادة ق ي د ص ٣٧٤) روي لأمرئ القيس:
وقد أغتدي والطير في وكناتها ... بمنجرد فيدٍ الأوابد هيكلٍ
وضبط (قيد) بالتنوين والصواب حذفه للأضافة وإقامة الوزن.
(وفي هذه المادة ص ٣٧٥ سطر ٢٠) ضبط (اللثات) بفتح الأول والصواب كسره وهو جمع لثة بالكسر لمغرز الأسنان وقد اشتهر على الألسنة فتح أولها وهو خطأ ينبغي التنبه
стр. 936
له.
(وفي مادة ل هـ د ص ٣٩٩) روي لطرفة:
بطيء عن الجلى سريع إلى الخنا ... ذليلٌ بأجماع الرجال ملهد
برفع هذه الصفات كلها والصواب جرها لأنها صفات لمجرور ذكر في بيت قبله وهو قوله:
ولا تجعليني كأمرئٍ ليس همخ ... كهمي ولا يغني عنائي ومشهدي
ولا معنى للرفع على القطع لأنه يؤدي إلى رفع القافية وقوافي القصيدة مجرورة إلا إذا اتبعنا النعت الأخير بعد قطع ما تقدمه ولا يخفى عدم جوازه على الصحيح على أن مثل هذا الاختلاف لو كان مروياً في البيت ما سكت عنه رواة المعلقات وشراحها وهم يتناولون بالنص ما هو أقرب منه.
وأوضح ألا تراهم كيف قالوا برفع يوم ونصبه وجره في قول امرئ القيس (ولا سيما يوم بدارة جلجل) على أنها روايات فيه ولم يقتصروا على ما تجوزه أحكام (سيما) أن أحكام العربية إنما بنيت في الأصل على ما نطق به العرب.
فإن قيل لو جرينا على ما ذكرتم في كل بيت يروى فذا لاحتجنا فيه إلى معرفة الرواية أو الوقوف على ما قبله أو بعده وهو ما يكاد مستحيلاً علينا في أغلب شواهد اللسان وغيرها قلنا نما نقول بذلك فيما عرف وجهه أما ما لم يعرف فلا حرج فيه متى احتملته قواعد العربية. وإنك لو تتبعت مواد اللسان لرأيت من تدقيقهم في مثل ما مر ما يقضي بالعجب ويحكم لك بصحة ما ذهبنا إليه فمنه ما روي لأبي ذئيب في مادة (ك ور ص ٤٧١).
ولا مشبًّ من الثيران أفرده ... عن كوره كثرة الإغراء والطرد
فإنه يصح فيه جر الطرد عطفاً على الإغراء ورفعه عطفاً على كثرة ولكن المصنف نقل عن ابن بري أنه خطأ من رواه بالجر لأن أول القصيدة:
تالله يبقى على الأيام مبتقل ... جون السراة رباع سنه غرد
وهو عين ما فعلناه في بيت طرفة ومنه ما روي في مادة (ش م خ)
ولثةٌ قد تثنت مشخمة
برفع لثة وقول المصنف نقلاً عن ابن أبي بري أيضاً أن صواب إنشاده ولثةٌ بالنصب لأن
стр. 937
قبله:
لما رأت أنيابه مسلمة
ومثله في التدقيق ما روي في مادة (غ وق ص١٦٩) و (م ض ح) و (ق ب ل ص ٥٨) مما لا سبيل إلى استيعابه هنا. بل قد رأيناهم لا يسكتون عما في أوله الفاء أو الواو إذا وقعت أحدهما موضع الأخرى كما روي في مادة (ض هـ ل) للأسود بن يعفر:
وقبلي مات الخالدان كلاهما ... عميد بن جحوان وابن المضلل
فقد نقل المصنف عن ابن بري أن صواب إنشاده بالفاء لأن قبله:
فإن يك يومي قد دنا وإخاله ... كواردةٍ يوماً إلى ظمء منهل.
يتبع
стр. 938
تعطيل الأشغال في يوم الجمعة
شاع أن بعض المسلمين يرغبون في تعطيل الأشغال في يوم من الأسبوع طلباً للراحة. واختاروا يوم الجمعة ليتفرغوا للطاعة ويبادورا إلى أداء الصلاة مستدلين بقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع).
كما أن كثيراُ منهم يعتقدون أن ذلك بدعة منكرة ولا خير فيها لما يترتب عليها من زيادة انتشار الفساد. ولأن فيها تشبهاً بأهل الكتاب وقد أمرنا بمخالفتهم. ويقولون أن الآية المذكورة تدل على وجوب المبادرة إلى الصلاة وقت النداء فقط.
فأحببنا أن نبين الحق والصواب في ذلك. قياماً بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فنقول:
أما التشاغل بالبيع أو غيره يوم المجمعة بعد النداء للصلاة أي الآذان فهو حرام. وقد ورد الوعيد الشديد في ذلك.
وأما الإجبار من آحاد الناس على تعطيل الأشغال فنه لا يجوز باتفاق المسلمين لا في يوم الجمعة ولا غيره. سواء حصل الإجبار بالإكراه أو الحياء أو الإلزام بصرف مال في إعانة خيرية أو نحوه. وسواء صار تحصيل المال الذي ألزم المغرم به خوفاً من الإهانة أو بطريق الحياء أو بغير ذلك من الوجوه المحرمة. لأن هذا تسلط على الناس بغير وجه شرعي وهو حرام قطعاً.
وأما التفرغ يوم الجمعة للطاعة والمبادرة إلى المساجد من أول النهار فهو أمر حسن مندوب إليه كما نص على ذلك العلامة ابن حجر في الفتاوى الكبرى وكتب الفقه طافحة فيه وقد جاء كثير من الأحاديث المرغبة في ذلك.
وأما الاستراحة فلا بأس بها لمن أحب وقد سن لنا نبينا ﷺ القيلولة كل يوم وقت الظهر لنرتاح ونقوم للعبادة بنشاط ولكن الذي ليس له رغبة في الاستراحة لا يجوز إجباره عليها. لا وقت القيلولة ولا في يوم من الأيام. لأن دين الإسلام جاء بالتيسير والتسهيل حتى أنه أباح الاشتغال في أيام العيد لمن أراد فلا سبيل إلى منع الناس من الأشغال لا في يوم الجمعة ولا غيره. ومن أحب أن يستريح في يوم أو يومين أو أكثر فلا حرج عليه.
فإن قال قائل إذا تركت الأشغال وحدي في يوم الجمعة أو غيره يظن الناس أن ذلك لخلل
стр. 939
في تجارتي فيحصل لي الضرر.
قلنا ربما يتوهم بعض الناس ذلك ولكن في مرة أو مرتين فقط ثم يعلمون أن من عادتك ترك الأشغال في يوم الجمعة مثلاً أو غيره من الأيام فترتفع الشبهة ويزول هذا التوهم.
فإن قال إن نفسي لا تسنح أن أترك تجارتي إلا أذ ترك أمثالي تجارتهم أيضاً.
قلنا إن كنت أنت لا ترضى بذلك فإنه يوجد أناس لا يرضون بترك أشغالعم إما لضرورة أو غيرها. فكيف يسوغ منعهم من شيء أحله الله لهم.
وأيضاً الاتفاق على التعطيل في يوم الأسبوع يكو سبباً لزيادة انتشار الفساد وفيه تشبه بأهل الكتاب. وقد أمرنا بمخالفتهم فإن قال أن من أراد الفساد لا يكون الشغل مانعاً له منه. والراغبين في تعطيل يوم لا يقصدون التشبه بأهل الكتاب.
قلنا أن التعطيل يكون سبباً لسهولة الفساد لمن أراده ولمزيد انتشاره بين الناس والاتفاق على تعطيل يوم في الأسبوع فيه تشبه بأهل الكتاب ولو كان غير مقصود.
وأما قوله تعالى: (يا آيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) فإنه يقتضي تحريم التشاغل والتأخر بعد النداء للصلاة أي الآذان لها. ولا يتعدى هذا إلى ما قبل النداء. بل الاشتغال بالتجارة ونحوها قبل النداء باقٍ على أصله وهو الإباحة وكذلك بعد أداء الصلاة كما قال تعالى: (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله) أي إذا أديتم الصلاة فإنها يباح لكم أن تشتغلوا بالتجارة كما قاله كثير من المفسرين كالشهاب الخفاجي والعلامة الفخر الرازي والمحققين النسفي والخازن وغيرهم. ونقله أيضاً العيني في شرحه على البخاري بل استقرب العلامة المحقق الشهاب الخفاجي في حاشيته على البيضاوي أن الاشتغال يوم الجمعة مندوب إليه لما فيه من عدم التشبه بأهل الكتاب في تعطيل يومي السبت والأحد وهذا اليوم لنا بمنزلتهما. بل قال أن العلامة السرخسي نقل أنه واجب وذهب جمع من المفسرين إلى أن الابتغاء من فضل الله يكون بالتجارة أو صلة الرحام أو طلب العلم أو نحوه. وذهب قوم إلى غير ذلك وعلى كل حال فالأصح أن الاشتغال بالتجارة في يوم الجمعة قبل الآذان وبعد أداء الصلاة إن لم يكن مندوباً فهو مباح.
وأما اتفاق بعض المسلمين على تعطيل يوم في الأسبوع فهو بدعة منكرة لما يترتب عليه
стр. 940
من المفاسد.
أولاً: زيادة انتشار الفساد وتسهيله لمن أراده ويكفينا دليلاً على هذا ما يشاهده أو يسمع به كل من الخاصة والعامة في أيام العيد من زيادة الفحش وفشوه بين الناس بسبب سهولة الاختلاط وإنكار هذا الأمر في زمان فسدت فيه تربية قسم عظيم ما هو إلا مكابرة وقد أخبرنا من نثق بدينه وأمانته أن بعض الراغبين في تعطيل يوم الجمعة بحجة التفرغ للطاعة يتعمدون ترك صلاة الجمعة في كثير من الأيام وأخبرنا أيضاً من نتحقق فيه العدالة أن قوماً تركوا أشغالهم في اليوم المذكور وذهبوا إلى بعض البساتين للتنزه وتركوا صلاة الجمعة مع أن الخروج بعد الفجر إلى محل لا تدرك فيه الجمعة محرم على اختلاف فيه. ونقل إلينا من نعتقد صدقه أن قوماً بسبب تعطيل الأشغال يوم الاثنين ذهبوا إلى بعض النواحي وأحضروا آلات اللهو وشربوا الخمر فنهاهم رجل منهم وبين لهم أن هذا محرم وجزاؤه غضب الله وعقابه فأجابوه بأنا قد تركنا الأشغال لنرتاح ونأخذ حظنا من البسط وداموا على ما هم عليه.
ثانياً: إن تعطيل يوم في الأسبوع فيه تشبه بأهل الكتاب ولو كان غير مقصود كما تقدم وقد أمرنا بمخالفتهم.
ثالثاً: إن التعطيل يكون سبباً للإسراف بصرف الأموال لأن البطالة من أكبر الدواعي إليه مع أن أهل الحرف وهم أكثر الناس تشتهي عيالهم الأدم وأكثرهم بحالة من الضيق والفقر تبكي لها القلوب القاسية شفقة وحناناً.
رابعاً: إذا تم هذا الأمر لا سمح الله فأطفالنا إذا نشؤا عليه يعتقدون أنه من الشعائر الدينية.
خامساً: إذا تم هذا الأمر لا قدر الله تتألف شركات لفتح مقامر ومحال للتياترو ونحو ذلك في اليوم المذكور زيادة على ما يوجد الآن وهذا يكون سبباً لمزيد من انحطاطنا في الأخلاق والثروة.
فاتفاق بعض المسلمين على تعطيل يوم في الأسبوع ولو كان اختيارياً من غير إكراه ولا إجبار هو أمر محرم إذا ترتبت عليه هذه المفاسد والمحرمات.
لأن كل ما أدى إلى الحرام يكون حراماً. ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح كما هو مقرر. فليتيقظ الناس قبل تفاقم الأمر فإن نتيجة هذا العمل تعود عليهم بمزيد من الانحطاط
стр. 941
وليعلموا أن كل من سعى في هذه البدعة فعليه وزرها ووزر من عمل بها يوم القيامة.
وحيث أن كثيراً من الراغبين في التعطيل لهم نية صالحة وأكثرهم يعلم أننا لا غاية لنا إلا المحافظة على الآداب الإسلامية وتنبيه المسلمين إلى ما يخالف دينهم ويعود عليهم بالانحطاط والضرر كما تشهد بذلك أبحاث مجلتنا فنحن على ثقة بأنهم متى اطلعوا على ما كتبناه وتبين لهم أنه الحق رجعوا إليه.
وفي الختام نسأل الله تعالى أن يجمع قولبنا على التقوى. وكلمتنا على ما فيه مصلحتنا وأن يجعلنا من الذين يستمعون الحق فيتبعون أحسنه.
стр. 942
يا عالم الإسلام
ننقل هنا عن جريدة (الحق يعلو) القصيدة الآتية للشاعر المجيد السيد محمد الهاشمي يناجي العالم الإسلامي. . قال حفظه الله:
تبين لك الأيام أم تتجمجم ... حديث الأماني لو علمت مرجم
وتستعظم الأيام في كل حادث ... وجهلك بالأيام أدهى وأعظم
أطلت التمادي بالضلال وأنه ... سبيل إلى الحرمان لو كنت تعلم
وكنت قد استضعفت للدهر حقة ... ولا الخرق مرتوق ولا الجبل مبرم
هو العيش إمام أن تعيش فتنثني ... عزيزاً وإما أن تذل فتحرم
وإني أرى في الموت حالاً تسرني ... إذا لم يكن لي في الحياة التقدم
إذا لم أفز في هذه الحال بالمنى ... فلا الموت يلويني ولا السقم يؤلم
وإن وطأتني الظالمون بأخمص ... فموتي شهد والسلامة علقم
دع العيش واستنجع ظبى الموت إن تجد ... على العيس ذلاً أسه فيه محكم
فإن لم تمت ترجع سيداً وإن تمت ... تمت حيث لا تشقى ولا تتندم
ولا مأتم مثل المذلة إنها ... هي المأتم المردى إذا قام مأتم
دعيني أمت حتف السيوف فإنني ... أخاف إذا ما مت أني أشتم
إذا أنا لم أحفظ عهود حقيقتي ... فلا بسمت لي يوم حادثة فم
إلى العز نفسي تشرئب ومالها ... إليه سوى الموت المفجع سلم
وإني لأوطاني وديني وسؤددي ... فداء إذا ما حادث بات يحدم
ألا ليت شعري هل يباح لي الكرى ... وفي وطني هوج الوقائع تقصم
أتى جارف الأعداء يغشى بلادنا ... لا مواجه حول الوطن هيقم
تألبت الأعداء طراً ليهدموا ... دعائم للإسلام لا تتهشم
فيا غيرة الإسلام هذا احتياجنا ... إليك وهذا المأزق المتجهم
غلى عالم الإسلام أهدي تحية ... بها الحزن يطوى والمدامع تسجم
لماذا اختلفتم والأعادي تظاهرت ... عليكم ونمتم والعدى تتغمغم
دعوا الخلف إن السيل قد بلغ الزبى ... فما الخلف إلا مرتع متوخم
أرى العرب والأتراك في الدين أخوة ... وما الترك إلا في بني العرب تعصم
стр. 943
ولا الترك مرجوح ولا العرب راجح ... ولكنهم للدين كف معصم
وما الفرق بين العرب والترك بالذي ... تشدد ما أيدي الحوادث تفصم
فيا أيها العرب الكرام تظاهروا ... مع الترك أن الحق بالحق يدعم
وإلا فأنتم للخطوب دريئة ... تروح أمور الذل فيكم وتعتم
فلا الدين دين الله يبقى ولا الهدى ... تؤيد دعواه ولا الملك يسلم
ولا تحسبن الشر فيهم وأنكم ... من الشر قوم ما لكم فيه مقسم
لكم ما لهم من أمركم وعليكم ... من الذل ما ألقى الرجال عليهم
فكونوا بناء في المصائب واحداً ... إذا الدهر يبغي وإذا الشر يهجم
أليس من الخسران أن بلادنا ... تصاب وأنا في التباغض نوم
أترضون أن نمسي عبيداً جميعنا ... لمن ليس يهدينا ومن ليس يرحم
فلا تجدعوا آنافكم بأكفكم ... ولا تصبحوا الذكرى لمن يتوسم
تعصب بعض القوم في الدين واقتفى ... سبيل العمى وهو السبيل المذمم
أفي الدين أم في الحق كان تعصب ... بقومية أم ذا من السوء ينجم
لقد موهوا في الدين ما لم يكن له ... من الحق ظل أو من الدين معلم
وليس رسول الله فرق بيننا ... بقومية للمسلمين تقسم
وما رجح الإسلام ممن تمسكوا ... به أحداً أو قال هذا مقدم
ولكنه ساوى فكان كما ترى ... سواء به عرب وترك وديلم
وما زال هذا الدين في كل موضع ... يسب الذي يبغي الخلاف ويشتم
سنوء كل طمر قصعة بعد قصعة ... إذا نحن في هذا التعصب نحزم
أتغزى بلاد المسلمين وعندنا ... قلوب ويجري في مفاصلنا دم
لنا كل يوم وقعة بعد وقعة ... تدق بها الآناف منا وترغم
وتغصب منا بلدة بعد بلدة ... أناس لهم في جهلهم متعوم
وتخصمنا الأعداء في كل معرك ... بكل خضوع للجيوش فتقضم
فإن دام هذا الحال فالظلم دائم ... على عالم الإسلام والذل أدوم
سطت أمم البلقان بالملك سطوة ... تمور سماء من لظاها وأنجم
стр. 944
(أدرنة) تبكي والجحافل حولها ... تزعزع من بنيانها وتقصم
(سلانيك) تشكو اليأس واليأس واقع ... عليها وتشكو الظلم والظلم يؤلم
وفي (الروملي) قد أنزل الخطب رحله ... وأصبح فيها الظلم وهو مخيم
تضايق رحب (الروملي) وهو واسع ... بأشلاء جيش (الترك) فالرحب مفعم
وهناك ذل المسلمون ودمرت ... بلادهم يا من من الذل يعصم
وكم قد غدى منهم خميس عرمرم ... إلى الحرب يتلوه خميس عرمرم
فجاهد حتى شتت الموت شمله ... وزاحم بحر الموت وهو غطمطم
تولت بلاد المسلمين زعانف ... تهدم من أركانها ما تهدم
لقد ملئت بالغدر منهم صدورهم ... وآراؤهم يوم المشاكل تسقم
أولئك خانوا قومهم وبلادهم ... فذكرهم بالسب واللعن يختم
وقد دنسوا أعراضهم وثيابهم ... بعار لهم في صفحة الدهر يرقم
وقد خسروا الدنيا فلا العرض منهم ... مصون ولا ما يكسبون مكرم
وقد خسروا الأخرى فليس لهم بها ... رجاء إذ يرجو من العفو مجرم
ألا أيها الشرق ما الذي طال نومه ... أأنت ضعيف الكف أم أنت أعسم
ألا يا رجال الشرق ما بال حزمكم ... يغب وما بال العزائم تحجم
ويا عسكر الإسلام إن خلافكم ... مشوم ولكن التباغض أسأم
سلام على الإسلام يوم تفرقوا ... فخارت قواهم في الورى وتهضموا
خبت نارهم من بعد ما كان نورها ... به يستنير الكون والكون مظلم
وكانت مساعيهم وكانت سيوفهم ... بها الجرح يؤسى أو بها الداء يحسم
فيا غيرة الإسلام إن بلادنا ... بها الناس تصلي والمنازل تضرم
ويا غيرة الإسلام إن بلادنا ... بها الدم يجري إذا أبيح بها الدم
ويا غيرة الإسلام إن بلادنا ... تصاب ووجه العدل أربد أقتم
ويا غيرة الإسلام إن بلادنا ... تجور بها الأعداء جوراً وتظلم
ويا غيرة الإسلام إن بلادنا ... بها الحق يخبو والمساجد تهدم
وتسبى نساء المسلمين وتستبى ... أيامى وأطفال هنا تيتم
стр. 945
حرائر لم تطرق عليهن ريبة ... ولم يخترق في سبلهن محرم
وقد أوقدت بعض البيوت بأهلها ... كما أوقدت بالمجرمين جهنم
فيا وحدة الدين أنجدينا فإننا ... بنا حل ليل الظلم والليل مظلم
بغداد
(محمد الهاشمي)
стр. 946
سنن متروكة
من السنن المتروكة عدم تسوية الصفوف في الصلاة وترك فرج فيها وعدم إتمامها وقد اتفقت عامة الفقهاء على أن من السنة تسوية الصفوف وإتمامها وسد فرجها والتراص فيها وعدم الشروع في صف قبل إتمام ما قبله.
قال في الهندية وينبغي للقوم إذا قاموا إلى الصلاة أن يتراصوا ويسدوا الخلل ويسووا بين مناكبهم في الصفوف.
ولا بأس أن يأمرهم الإمام بذلك كذا في البحر الرائق شرح كنز الدقائق والقيام في الصف الأول أفضل من الثاني وفي الثاني أفضل من الثالث وإن وجد في الصف الأول فرجة دون الصف الثاني يخرق الصف الثاني كذا في القنية.
وأفضل مكان المأموم حيث يكون أقرب إلى الإمام. أ. هـ وفي الدر المختار (ولو صلى على رفوف المسجد إن وجد في صحنه مكاناً كره كقيامه في صف خلف صف فيه فرجة) قال محشية العلامة الظحطاوي (قوله كقيامه من صف خلف صف) فإنه مكروه وهل الكراهة تنزيهية أو تحريمية يحرر والذي يرشد إليه قوله ﵊ ومن قطعه قطعه الله الثاني أه. وقد نقل عبارته العلامة ابن عابدين وأقرها ثم قال بقي ما إذا رأى الفرجة بعدما أحرم هل يمشي إليها لم أره صريحاً وظاهر الإطلاق نعم ثم رأيت من مفسدات الصلاة من الحلية عن الذخيرة إن كان في الصف الثاني فرأى فرجة في الأول فمشى إليها لم تفسد صلاته لأنه مأمور بالمراصة قال ﵊ تراصوا في الصفوف ولو كان في الصف الثالث تفسد أه أي لأنه عمل كثير وظاهر التعليل بالأمر أنه يطلب منه المشي إليها تأمل وكتب على قول الدر (ولو وجد فرجة في الأول لا الثاني له خرق الثاني لتقصيرهم) يفيد أن الكلام فيما إذا شرعوا وفي القنية قام في آخر صف وبينه وبين الصفوف مواضع خالية فللداخل أن يمر بين يديه ليصل الصفوف لأنه أسقط حرمته بنفسه فلا يأثم المار بين يديه دل عليه ما في الفردوس عن ابن عباس عنه ﷺ من نظر إلى فرجة في صف فليسدها بنفسه فإن لم يفعل فمر مار فليتخط على رقبته فإنه لا حرمة له أي فليتخط المار على رقبة من لم يسد الفرج أه هذا الحكم عند السادة الحنفية وأما عند السادة المالكية فقد قال في المدونة وقال مالك ﵁ إذا فرغ المؤذن من الإقامة ينتظر الإمام قليلاً قدر ما تستوي الصفوف ثم يكبر ثم قال وقد كان عمر وعثمان يوكلان رجالاًَ
стр. 947
بتسوية الصفوف فإذا أخبروهما أن قد استوت كبرا.
وأما الحكم عند السادة الشافعية فقد قال في فتح المعين وندب وقوف في صف أول وهو ما يلي الإمام وإن تخلله منبر أو عمود ثم ما يلي وهكذا أفضل كل صف يمينه ولو ترادف يمين الإمام والصف الأول قدم فيما يظهر ويمينه أولى من القرب إليه في يساره وإدراك الصف الأول أولى من إدراك الركوع غير الركعة الأخيرة أما هي فإن فوتها قصد الصف الأول فإدراكها أولى من الصف الأول وكره لمأموم انفراد عن الصف وشروع في الصف قبل إتمام ما قبله وكل هذه تفوت فضيلة الجماعة كما صرحوا به ويسن أن لا يزيد ما بين كل صفين وما بين الأول والإمام على ثلاثة أزرع قال محشية العلامة السيد علوي السقاف عند قوله يمينه ويستحب لكل واحد تسوية الصفوف والأمر بذلك والمراد تعديلها والتراص فيها ووصلها وسد فرجها وتقاربها وتحاذي القائمين بحيث لا يتقدم صدر واحد ولا شيء منه على من بجنبه ولا يشرع في الصف الثاني حتى يتم الصف الذي قبله فإن خالف في شيء من ذلك كره ولا يضر طول الفصل بين الإقامة والصلاة لتعديلها الصفوف كما في التحفة في باب الآذان وعد في الزواجر قطع الصف وعدم تسويته من الكبائر وهو ظاهر خبر من قطع صفاً قطعه الله أه. إذ هو بمعنى لعنه الله واللعن من علامة الكبائر لكن لم أر من عده كبيرة بل هو عندنا مكروه أه وأما الحكم عند السادة الحنابلة فقد قال شيخ الإسلام الشيخ منصور بن يونس البهوتي في شرح المنتهى عند قول المصنف (ثم يسوي إمام الصفوف بمنكب وكعب) استحباباً فيلتفت عن يمينه فيقول استووا رحمكم الله وعن يساره كذلك لحديث محمد بن مسلم قال صليت إلى جنب أنس بن مالك يوماً فقال هل تدري لم صنع هذا العود فقلت لا والله فقال إن رسول الله ﷺ كان إذا قام إلى الصلاة أخذه بيمينه فقال اعتدلوا وسووا صفوفكم ثم أخده بيساره وقال اعتدلوا وسووا صفوفكم رواه أبو داود ثم كتب عند قول الصنف (وسن تكميل) صفوف (أول فأول) حتى ينتهي إلى الآخر فلو ترك الأول فالأول كره لحديث لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا على ذلك لاستهموا عليه وظاهره حتى بمسجد النبي ﷺ وإن كانت الصلاة في محراب زيادة عثمان قال في (الفروع) وظاهر كلامهم يحافظ على الصف الأول وإن فاتته ركعة ويتوجه من نصه يسرع إلى الأولى
стр. 948
للمحافظة عليها والمراد من كلامهم إذا لم تفته الجماعة بالكلية مطلقاً وإلا حافظ عليها فيسرع إليها وقد ورد في السنة الوعيد الشديد لمن ترك تسوية الصفوف وإتمامها وسد فرجها قال ﷺ لتسوون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم وعن أنس قال أقيمت الصلاة فأقبل علينا رسول الله ﷺ بوجهه فقال أقيموا صفوفكم وتراصوا فإني أراكم من وراء ظهري وعن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ الغرق والمبطون والمطعون والهدم وقال لو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبواً ولو يعلمون ما في الصف المقدم لاستهموا وعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ سووا صفوفكم فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة وفي البخاري. .
باب أثم من لم يتم الصفوف
عن أنس ﵁ أنه قدم المدينة فقيل له ما أنكرت منا منذ يوم عهدت رسول الله ﷺ قال أنس ما أنكرت شيئاً إلا أنكم لا تقيمون الصفوف وعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال أقيموا صفوفكم فإني أراكم من وراء ظهري وكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه كناية عن المبالغة في تعديل الصف وسد خلله وروى أبو داود من حديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال أقيموا الصفوف وحاذوا بين المناكب وسدوا الخلل ولا تذروا فرجات للشيطان ومن وصل صفاً وصله الله ومن قطع صفاً قطعه الله وقد صححه ابن خزيمة والحاكم وهنا نلفت أنظار حملة العلم إلى إحياء هذه السنن التي اعتاد كثير من الناس تركها ولا زاتجر لاسيما وكثير من الخاصة وأهل العلم يصلون تحت الدكة (السدة) مع وجود صفوف كثيرة غير تامة ووجود مسافة طويلة بينهم وبين آخر صف ووجود فرج في بعض الصفوف والعامة يقتدون بأهل العلم في أعمالهم وخصوصاً ما كان منها عبادة وفي المساجد وعليه ينبغي لأهل العلم إرشاد الناس بأقوالهم وأفعالهم إلى إحياء هذه السنن المتروكة ليكون لهم أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة والله الموفق والهادي.
стр. 949
الأسئلة والأجوبة
أصحاب مجلة الحقائق الغراء. . .
بينما كنت أطالع حاشية العلامة الشيخ إبراهيم الباجوري على الجوهرة في التوحيد عند قول المصنف (ومعجزاته كثيرة غرر) إذ وجدته ذكر حديث الغزالة وقال أنه موضوع لا أصل له ونص عبارته_وأما حديث الظبية فألحق أنه موضوع لا أصل له ولفظه كان النبي ﷺ في صحراء فنادته ظبية يا رسول الله فقال ما حاجتك؟ قالت: صادني هذا الأعرابي ولي خشفان (بكسرالخاء وتسكين الشين) أي ولدان في ذلك الجبل فأطلقني حتى أذهب أرضعهما وأرجع فقال وتفعلين قالت نعم عذبني الله عذاب العشار إن لم أفعل فأطلقها فخرجت تعدو في الصحراء وتقول أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله لكن الحديث موضوع كما علمت أه فأشكل الأمر علي نظراً لأن كثير من أهل العلم ضمن هذا الحديث في مدائحه النبوية وحصل عندي ريب من هذه القضية فألتمس من فضلكم أن تكشفوا لي النقاب عن وجه الحقيقة لا زلتم منبع العرفان والله الهادي وعليه التكلان وصلى الله على سيدنا محمد وآله وحزبه وسلم.
الجواب:
إن حديث الظبية قد اختلفت فيه أقاويل العلماء فمنهم من قال أنه موضوع ومنهم من قال أنه ضعيف ومنهم من فصل وقال هما حديثان أحدهما تسليم الغزالة وهو موضوع والثاني مناداتها النبي ﷺ وطلبها الذهاب إلى أولادها وهذا ضعيف وله طرق متعددة يقوي بعضها بعضاً ففي المواهب اللدنية وشرحها في بيان معجزاته ﷺ ما نصه:
(روى حديثها أي الغزالة البيهقي من طرق) من حديث أبي سعيد (وضعفه جماعة من الأئمة لكن له طرق يقوي بعضها بعضاً) لأن الطرق إذا تعددت وتباينت مخارجها دل ذلك على أن للحديث أصلاً فيكون حسناً لغيره لا لذاته (وذكره القاضي عياض في الشفاء) بلا سند عن أم سلمة بدون تمريض فيدل على قوته (ورواه أبو نعيم في الدلائل بإسناد فيه مجاهيل عن حبيب بن محصن عن أم سلمة ﵂ قالت بينما رسول الله ﷺ في صحراء من الأرض إذا هاتف يهتف يا رسول الله ثلاث مرات فالتفت فإذا ظبية مشدودة في وثاق وأعربي منجدل في شملته نائم في الشمس فقال ما حاجتك
стр. 950
فقالت صادني هذا الإعرابي ولي خشفان في ذلك الجبل فأطلقني حتى أذهب فأرضعهما وأرجع قال وتفعلين قالت عذبني الله عذاب العشار إن لم أعد فأطلقها فذهبت ورجعت فأوثقها النبي ﷺ فانتبه الإعرابي وقال يا رسول الله ألك حاجة قال تطلق هذه الظبية فأطلقها فخرجت تعدو في الصحراء فرحاً وهي تضرب برجليها الأرض وتقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن رسول الله وكذا رواه الطبراني بنحوه وساق الحافظ المنذري حديثه في الترغيب والترهيب من باب الزكاة وأخرجه أبو نعيم من حديث أنس والبيهقي من حديث أبي سعيد وفي شرح مختصر ابن الحاجب للعلامة ابن الفسبكي وتسبيح الحصي رواه الطبراني وابن أبي عاصم من حديث أبي ذر وتسليم الغزالة رواه الحافظ أبو نعيم الأصبهاني وكذا الطبراني عن أم سلمة (والبيهقي) قال الحافظ والذي أقوله أنها كلها مشتهرة عند الناس وأما من حيث الرواية فليست على حد سواء انتهت عبارة المواهب وشرحها فمن تملها علم أن حديث السلام لم يثبت من حيث الرواية وأما حديث مناداتها للنبي ﷺ فقد ثبتت روايته إلا أنه ضعيف لكن طرقه متعددة أكسبته قوه كما تقدم ذلك واعتقاد ذلك ليس منفياً للعقل لأن العقل يجوز ما هو أبلغ من ذلك كتسبيح الحصى وانشقاق القمر وقد تقدم بيانهما وفي هذا كفاية والحمد لله وحده.
следующие страницы →