← Джавами‘

Джавами‘ · id 29676

مجلة الحقائق

عبد القادر الإسكندراني

Полный текст (1 077 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

سنن متروكة من السنن المتروكة عدم تسوية الصفوف في الصلاة وترك فرج فيها وعدم إتمامها وقد اتفقت عامة الفقهاء على أن من السنة تسوية الصفوف وإتمامها وسد فرجها والتراص فيها وعدم الشروع في صف قبل إتمام ما قبله. قال في الهندية وينبغي للقوم إذا قاموا إلى الصلاة أن يتراصوا ويسدوا الخلل ويسووا بين مناكبهم في الصفوف. ولا بأس أن يأمرهم الإمام بذلك كذا في البحر الرائق شرح كنز الدقائق والقيام في الصف الأول أفضل من الثاني وفي الثاني أفضل من الثالث وإن وجد في الصف الأول فرجة دون الصف الثاني يخرق الصف الثاني كذا في القنية. وأفضل مكان المأموم حيث يكون أقرب إلى الإمام. أ. هـ وفي الدر المختار (ولو صلى على رفوف المسجد إن وجد في صحنه مكاناً كره كقيامه في صف خلف صف فيه فرجة) قال محشية العلامة الظحطاوي (قوله كقيامه من صف خلف صف) فإنه مكروه وهل الكراهة تنزيهية أو تحريمية يحرر والذي يرشد إليه قوله ﵊ ومن قطعه قطعه الله الثاني أه. وقد نقل عبارته العلامة ابن عابدين وأقرها ثم قال بقي ما إذا رأى الفرجة بعدما أحرم هل يمشي إليها لم أره صريحاً وظاهر الإطلاق نعم ثم رأيت من مفسدات الصلاة من الحلية عن الذخيرة إن كان في الصف الثاني فرأى فرجة في الأول فمشى إليها لم تفسد صلاته لأنه مأمور بالمراصة قال ﵊ تراصوا في الصفوف ولو كان في الصف الثالث تفسد أه أي لأنه عمل كثير وظاهر التعليل بالأمر أنه يطلب منه المشي إليها تأمل وكتب على قول الدر (ولو وجد فرجة في الأول لا الثاني له خرق الثاني لتقصيرهم) يفيد أن الكلام فيما إذا شرعوا وفي القنية قام في آخر صف وبينه وبين الصفوف مواضع خالية فللداخل أن يمر بين يديه ليصل الصفوف لأنه أسقط حرمته بنفسه فلا يأثم المار بين يديه دل عليه ما في الفردوس عن ابن عباس عنه ﷺ من نظر إلى فرجة في صف فليسدها بنفسه فإن لم يفعل فمر مار فليتخط على رقبته فإنه لا حرمة له أي فليتخط المار على رقبة من لم يسد الفرج أه هذا الحكم عند السادة الحنفية وأما عند السادة المالكية فقد قال في المدونة وقال مالك ﵁ إذا فرغ المؤذن من الإقامة ينتظر الإمام قليلاً قدر ما تستوي الصفوف ثم يكبر ثم قال وقد كان عمر وعثمان يوكلان رجالاًَ

стр. 947

بتسوية الصفوف فإذا أخبروهما أن قد استوت كبرا. وأما الحكم عند السادة الشافعية فقد قال في فتح المعين وندب وقوف في صف أول وهو ما يلي الإمام وإن تخلله منبر أو عمود ثم ما يلي وهكذا أفضل كل صف يمينه ولو ترادف يمين الإمام والصف الأول قدم فيما يظهر ويمينه أولى من القرب إليه في يساره وإدراك الصف الأول أولى من إدراك الركوع غير الركعة الأخيرة أما هي فإن فوتها قصد الصف الأول فإدراكها أولى من الصف الأول وكره لمأموم انفراد عن الصف وشروع في الصف قبل إتمام ما قبله وكل هذه تفوت فضيلة الجماعة كما صرحوا به ويسن أن لا يزيد ما بين كل صفين وما بين الأول والإمام على ثلاثة أزرع قال محشية العلامة السيد علوي السقاف عند قوله يمينه ويستحب لكل واحد تسوية الصفوف والأمر بذلك والمراد تعديلها والتراص فيها ووصلها وسد فرجها وتقاربها وتحاذي القائمين بحيث لا يتقدم صدر واحد ولا شيء منه على من بجنبه ولا يشرع في الصف الثاني حتى يتم الصف الذي قبله فإن خالف في شيء من ذلك كره ولا يضر طول الفصل بين الإقامة والصلاة لتعديلها الصفوف كما في التحفة في باب الآذان وعد في الزواجر قطع الصف وعدم تسويته من الكبائر وهو ظاهر خبر من قطع صفاً قطعه الله أه. إذ هو بمعنى لعنه الله واللعن من علامة الكبائر لكن لم أر من عده كبيرة بل هو عندنا مكروه أه وأما الحكم عند السادة الحنابلة فقد قال شيخ الإسلام الشيخ منصور بن يونس البهوتي في شرح المنتهى عند قول المصنف (ثم يسوي إمام الصفوف بمنكب وكعب) استحباباً فيلتفت عن يمينه فيقول استووا رحمكم الله وعن يساره كذلك لحديث محمد بن مسلم قال صليت إلى جنب أنس بن مالك يوماً فقال هل تدري لم صنع هذا العود فقلت لا والله فقال إن رسول الله ﷺ كان إذا قام إلى الصلاة أخذه بيمينه فقال اعتدلوا وسووا صفوفكم ثم أخده بيساره وقال اعتدلوا وسووا صفوفكم رواه أبو داود ثم كتب عند قول الصنف (وسن تكميل) صفوف (أول فأول) حتى ينتهي إلى الآخر فلو ترك الأول فالأول كره لحديث لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا على ذلك لاستهموا عليه وظاهره حتى بمسجد النبي ﷺ وإن كانت الصلاة في محراب زيادة عثمان قال في (الفروع) وظاهر كلامهم يحافظ على الصف الأول وإن فاتته ركعة ويتوجه من نصه يسرع إلى الأولى

стр. 948

للمحافظة عليها والمراد من كلامهم إذا لم تفته الجماعة بالكلية مطلقاً وإلا حافظ عليها فيسرع إليها وقد ورد في السنة الوعيد الشديد لمن ترك تسوية الصفوف وإتمامها وسد فرجها قال ﷺ لتسوون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم وعن أنس قال أقيمت الصلاة فأقبل علينا رسول الله ﷺ بوجهه فقال أقيموا صفوفكم وتراصوا فإني أراكم من وراء ظهري وعن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ الغرق والمبطون والمطعون والهدم وقال لو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبواً ولو يعلمون ما في الصف المقدم لاستهموا وعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ سووا صفوفكم فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة وفي البخاري. . باب أثم من لم يتم الصفوف عن أنس ﵁ أنه قدم المدينة فقيل له ما أنكرت منا منذ يوم عهدت رسول الله ﷺ قال أنس ما أنكرت شيئاً إلا أنكم لا تقيمون الصفوف وعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال أقيموا صفوفكم فإني أراكم من وراء ظهري وكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه كناية عن المبالغة في تعديل الصف وسد خلله وروى أبو داود من حديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال أقيموا الصفوف وحاذوا بين المناكب وسدوا الخلل ولا تذروا فرجات للشيطان ومن وصل صفاً وصله الله ومن قطع صفاً قطعه الله وقد صححه ابن خزيمة والحاكم وهنا نلفت أنظار حملة العلم إلى إحياء هذه السنن التي اعتاد كثير من الناس تركها ولا زاتجر لاسيما وكثير من الخاصة وأهل العلم يصلون تحت الدكة (السدة) مع وجود صفوف كثيرة غير تامة ووجود مسافة طويلة بينهم وبين آخر صف ووجود فرج في بعض الصفوف والعامة يقتدون بأهل العلم في أعمالهم وخصوصاً ما كان منها عبادة وفي المساجد وعليه ينبغي لأهل العلم إرشاد الناس بأقوالهم وأفعالهم إلى إحياء هذه السنن المتروكة ليكون لهم أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة والله الموفق والهادي.

стр. 949

الأسئلة والأجوبة أصحاب مجلة الحقائق الغراء. . . بينما كنت أطالع حاشية العلامة الشيخ إبراهيم الباجوري على الجوهرة في التوحيد عند قول المصنف (ومعجزاته كثيرة غرر) إذ وجدته ذكر حديث الغزالة وقال أنه موضوع لا أصل له ونص عبارته_وأما حديث الظبية فألحق أنه موضوع لا أصل له ولفظه كان النبي ﷺ في صحراء فنادته ظبية يا رسول الله فقال ما حاجتك؟ قالت: صادني هذا الأعرابي ولي خشفان (بكسرالخاء وتسكين الشين) أي ولدان في ذلك الجبل فأطلقني حتى أذهب أرضعهما وأرجع فقال وتفعلين قالت نعم عذبني الله عذاب العشار إن لم أفعل فأطلقها فخرجت تعدو في الصحراء وتقول أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله لكن الحديث موضوع كما علمت أه فأشكل الأمر علي نظراً لأن كثير من أهل العلم ضمن هذا الحديث في مدائحه النبوية وحصل عندي ريب من هذه القضية فألتمس من فضلكم أن تكشفوا لي النقاب عن وجه الحقيقة لا زلتم منبع العرفان والله الهادي وعليه التكلان وصلى الله على سيدنا محمد وآله وحزبه وسلم. الجواب: إن حديث الظبية قد اختلفت فيه أقاويل العلماء فمنهم من قال أنه موضوع ومنهم من قال أنه ضعيف ومنهم من فصل وقال هما حديثان أحدهما تسليم الغزالة وهو موضوع والثاني مناداتها النبي ﷺ وطلبها الذهاب إلى أولادها وهذا ضعيف وله طرق متعددة يقوي بعضها بعضاً ففي المواهب اللدنية وشرحها في بيان معجزاته ﷺ ما نصه: (روى حديثها أي الغزالة البيهقي من طرق) من حديث أبي سعيد (وضعفه جماعة من الأئمة لكن له طرق يقوي بعضها بعضاً) لأن الطرق إذا تعددت وتباينت مخارجها دل ذلك على أن للحديث أصلاً فيكون حسناً لغيره لا لذاته (وذكره القاضي عياض في الشفاء) بلا سند عن أم سلمة بدون تمريض فيدل على قوته (ورواه أبو نعيم في الدلائل بإسناد فيه مجاهيل عن حبيب بن محصن عن أم سلمة ﵂ قالت بينما رسول الله ﷺ في صحراء من الأرض إذا هاتف يهتف يا رسول الله ثلاث مرات فالتفت فإذا ظبية مشدودة في وثاق وأعربي منجدل في شملته نائم في الشمس فقال ما حاجتك

стр. 950

فقالت صادني هذا الإعرابي ولي خشفان في ذلك الجبل فأطلقني حتى أذهب فأرضعهما وأرجع قال وتفعلين قالت عذبني الله عذاب العشار إن لم أعد فأطلقها فذهبت ورجعت فأوثقها النبي ﷺ فانتبه الإعرابي وقال يا رسول الله ألك حاجة قال تطلق هذه الظبية فأطلقها فخرجت تعدو في الصحراء فرحاً وهي تضرب برجليها الأرض وتقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن رسول الله وكذا رواه الطبراني بنحوه وساق الحافظ المنذري حديثه في الترغيب والترهيب من باب الزكاة وأخرجه أبو نعيم من حديث أنس والبيهقي من حديث أبي سعيد وفي شرح مختصر ابن الحاجب للعلامة ابن الفسبكي وتسبيح الحصي رواه الطبراني وابن أبي عاصم من حديث أبي ذر وتسليم الغزالة رواه الحافظ أبو نعيم الأصبهاني وكذا الطبراني عن أم سلمة (والبيهقي) قال الحافظ والذي أقوله أنها كلها مشتهرة عند الناس وأما من حيث الرواية فليست على حد سواء انتهت عبارة المواهب وشرحها فمن تملها علم أن حديث السلام لم يثبت من حيث الرواية وأما حديث مناداتها للنبي ﷺ فقد ثبتت روايته إلا أنه ضعيف لكن طرقه متعددة أكسبته قوه كما تقدم ذلك واعتقاد ذلك ليس منفياً للعقل لأن العقل يجوز ما هو أبلغ من ذلك كتسبيح الحصى وانشقاق القمر وقد تقدم بيانهما وفي هذا كفاية والحمد لله وحده.

стр. 951

قصيدة أخلاقية الناس بخير ما تباينوا فإذا تساووا هلكوا حكم قدّر التباين عدلاًَ ... عم معروفه وجل جنابه إن الغواة من أخوان الشياطين فاستعذ بالإله من شر غاوٍ ... في حبال الشيطان طال احتطابه لم يزعه الإرهاب شرعاً ولا أل ... بسه ثوب طاعة إرغابه الجهل غربة والعلم وطن توحش الجاهل الإقامة في الأه ... ل ولا يوحش اللبيب اغترابه الحر تكفيه الإشارة والحكيم الرشيد يخجله العت ... ب ولا يخجل اللئيم سبابه الحظ يجعل العدو صديقاً وبجد الفتى تعود ولاءً ... ووداداً من العدو ضبابه ليس للمشؤوم صديق وإذا ولت السعادة خانت ... هـ وصارت أعداءه أحبابه إذا حاق القضاء ضاق الفضاء وإذا ما القضاء عاند عبداً ... حاربته سيوفه وحرابه وغدا شمله شتيتاً وأحزا ... باً عليه لضده أحزابه من خاف من شيء سلط عليه يجعل المتقي ويبقى ملياً ... من توالي طعانه وضرابه رب حسن لا يتجاوز الظاهر لا تغرنك الوجوه فما ك ... ل سحاب يروق ترجى ذهابه عتب الملول عبث وتجنب عتب الملول فما يج ... لب أعتابه إليك عتابه الدين النصيحة وأحب نصحاً من استشار فما أن ... كر في شرع ملة إيجابه وإذا قابل النصيحة بالغ ... ش فدعه فما عليك حسابه

стр. 952

اللسان سلاح العاجز وإذا اغتابك اللئيم فشكراً ... حيث أضحى جهد اللئيم اغتيابه وما أجيب السفيه بمثل الإعراض وإذا ساءك السفيه بما شا ... ء فترك الجواب عنه جوابه لكل شيء نهاية وإذا الخطب ناب فاصبر فقد تف ... رج غماؤه ويكمم نابه القدرة على الإحسان من فرض الزمان وافعل الخير ما استطعت فقد تع ... جز عن فعله ويغلق بابه كل نفس بما كسبت رهينة واخشين كاتب الشمال فيا خس ... ر امريء في الشمال منه كتابه الظهور يقصم الظهور واغتنم لذة الخمول اختياراً ... فهنيء طعامه وشرابه اليأس إحدى الراحتين واجعل اليأس للمطامع شرباً ... فكفيل بريهن سرابه السلامة في العزلة عش وحيداً ولو دعاك إلى صح ... بته مخلص الدعاء مجابه وانظر الجمر وهو يطفأ بالما ... ء تجده به يزيد التهابه كن عبد الله فقط وانتسب طائعاً إلى باب مولا ... ك فما خاب من إليه انتسابه الناس ذئاب في ثياب كيف ترجو الوفاء من أهل دهر ... قد تساوت أبناؤه وذئابه طال فيه العدول عن سنن القص ... د وطالت رؤوسه أذنابه أفاضل الناس أغراض لذي الزمن كم قرت نائباته الهم قلباً ... وفرت هام أهله أنيابه وأباحت ملكاً منيعاً حماه ... وأذلت ملكاً عزيزاً جنابه

стр. 953

وأعارت حسن الثناء أخا قب ... ح ملاءً من العيوب عيابه وأعادت سعوده لاثم التر ... ب مهيباً ملثومة أعتابه الدهر بالناس قلب هذه سنة الزمان قديماً ... وعلى مثلها مضت أحقابه لا كبيرة مع الاستغفار يا أسير الذنوب تب عائداً من ... ها بغفارها المخوف عقابه فقرين التوفيق من دأبه في ... كل ما ساء صبره واحتسابه وخليق بعاجل الفوز من كا ... ن إلى الخالق الكريم متابه

стр. 954

الخوف كتب العلامة الاجتماعي فريد بك وجدي تحت هذا العنوان ما يأتي: الخوف عند الصوفية كما قال القشيري في رسالته: والخوف من الله تعالى هو أن يخاف أن يعاقبه الله تعالى إما في الدنيا وإما في الآخرة وقد فرض الله على عباده أن يخافوه فقال تعالى: (وخافون إن كنتم مؤمنين) وقال تعالى (وإياي فارهبون) ومدح المؤمنين بالخوف فقال تعالى: (يخافون ربهم من فوقهم). نقول نحن تشدق بعض علماء العصر في أوروبا على مسألة الخوف وزعموا أن الإنسان لا يجب أن يساس به وإنما يساس بما يناسب مكانته في العلم والعواطف ولو تأمل هؤلاء الفلاسفة في حقيقة العوامل التي تقود الإنسان نحو الترقي بجميع أشكاله لرأوها كلها باعثها الخوف وإلا ما الذي يقيم الحكومات ويقعدها وفي مقدمتها الفلاسفة والعلماء عند هموم الأمراض المعدية ويبعثهم جميعاً لتفتيش بيوت العامة وإخراج أقذارها أليس الخوف من الموت؟ ما الذي يجعل العلماء يصلون الليل بالنهار في اختراع العلاجات واكتشاف أسباب الأمراض أليس الخوف من الموت؟ ما الذي يجعل الناس أجمعين يتكلبون على جمع المال حتى أن أكثرهم جنواً به جنوناً. أليس الخوف من ألم الفاقة والإملاق؟ إذا كان هذا كله صحيحاً فأي هضيمة على الإنسان أن يعلم أنه لو لم يعمل في دنياه صالحاً عوقب على ذلك في حياته المستقبلة بحرمانه من مقتضيات تلك الأعمال ولوازمها وعذب بما يناسب عصيانه واستكباره في الدار الدنيا أليس هذا بمنزلة مواد القوانين الوضعية التي تفرض على الرعايا حفظ النظام والقيام على سنة العدل وإلا فالغرامة المالية والحبس أو الأشغال الشاقة والإعدام؟ ما الذي يردع الناس عن أكل بعضهم البعض غير الخوف من سطوة القوانين؟ وإذا كان الخوف من العقاب هذا أثره في عالم الدنيا وفي مقدمة من يخاف القوانين العلماء أفلا يكون الأجدر بهذه السلطة رب الأرباب وخالق الأسباب وعالم الخفيات.

стр. 955

العدد ٣١ - بتاريخ: ٣ - ٨ - ١٩١٣

стр. 956

الدين الإسلامي والتوحيد النشر والحشر قدمنا أن أرباب الملل والشرائع كافة وجمهور المحققين من الفلاسفة متفقون على حقيقة المعاد وإن اختلفوا في كيفيته إلا شرذمة الطبيعيين الذين تولاهم الغرور وغشيهم الضلال وزعموا أن لا بعث ولا حشر وأن الإنسان مثل نبات الأرض ينبت ثم يزول لا إلى رجعة وليس له حظ في وجوده إلا لذاته الحيوانية التي ينالها مدة حياته وهو قول باطل لا يعتد به من وجوه أنه قد ثبت بالبراهين القاطعة وجود إله العالم واتصافه بالصفات الكاملة وسمو حكمته وعدله في خلقه ورحمته لهم ولا مرية في أن كل معتقد لذلك يظهر له أنه من حكمته تعالى وعدله بعد أن خلق الخلق ومنحهم عقولاً يميزون بها بين الحسن والقبيح وقدراً بها يقدرون على الخير والشر أن يربط عمل الخير بالثواب وعمل الشر بالعقاب وكل من الثواب والعقاب غير حاصل في دار الدنيا فلا بد من دار أخرى يحصل فيها ذلك (أيحسب الإنسان أن يترك سدى) ولا يكفي في ذينك الردع والترغيب ما أودع الله من العقل من تحسين المحسنات وتقبيح المنكرات لما عرفت أن العقل لا يستقل في معرفة كثير من الأمور ولأن العقل وإن كان داعياً للإنسان في فعل الخير وترك الشر إلا أن الهوى والنفس يدعوانه إلى الانهماك في الشهوات واللذات فإذا حصل التعارض فلا بد من مرجح قوي آخر وما ذاك إلا ترتيب الوعد والوعيد والثواب والعقاب على الفعل والترك. إن صريح العقل يقضي أن من حكمة الحكيم أن يفرق بين المحسن والمسيء وحصول هذه التفرقة ليس في هذه الدار لأنا نرى كثيراً من أهل الإساءة في أعظم الراحة وكثيراً من أهل الإحسان بالضد من ذلك فلا بد أن يكون بعد هذه الدار دار أخرى تحصل فيها تلك الفرقة. إن السلطان إذا كان قادراً حكيماً مشفقاً على الرعية والخدام وجب عليه أن ينتصف للمظلوم الضعيف من الظالم القوي وإن ترك ذلك كان راضياً بالظلم والرضا بالظلم لا يليق بمثل هذا السلطان ولا شك أن الله تعالى كامل في صفة القدرة والرحمة والشفقة منزه عن الظلم والعبث فلزم أن ينتصف لعباده المظلومين من الظالمين وهذا الانتصاف لا يحصل غالباً في هذه الدار لأن الظالم يبقى في غاية العزة والقدرة والمظلوم في مزيد من الإهانة والمذلة

стр. 957

فلا بد من دار أخرى يظهر فيها العدل والانتصاف. إن الفطرة الإنسانية قاضية على بطلان ما ذهب إليه الماديون بدليل أنك ترى جميع فرق الدنيا من الهند والروم والعرب والعجم وجميع أرباب الملل والنحل يتصدقون عن موتاهم ويدعون لهم بالخير فلو كان الإنسان يفنى بالكلية بعد موته كما يزعم الماديون لكان التصدق عنه والدعاء له عبثاً فاتفاق طوائف العالم يدل على أن فطرتهم شاهدة بأن رأي الماديين باطل فإذ ثبت ذلك وجب الإيمان باليوم الآخر والاعتقاد بالحشر والنشر. ثم إن الذي يحشر إنما هو الأرواح والأجسام معاً وبيان ذلك أن النفس جوهر باق بعد فساد البدن فإذا أراد الله حشر الخلائق يتعلق بالبدن مرة ثانية ويتصرف كما كان في الدنيا وقد دل العقلب على أن سعادة الرواح بمعرفة الله ومحبته وأن سعادة الأجسام في إدراك المحسوسات والجمع بين هاتين السعادتين لا يمكن في هذه الحياة لأن الإنسان إذا استغرق في تجلي أنوار عالم الغيب لا يمكن أن يلتفت إلى اللذات الروحانية وإنما تعذر الجمع لكون الأرواح البشرية ضعيفة في هذا العالم فإذا فارقت بالموت واستمدت من عالم القدس قويت وكملت فإذا أعيدت إلى الأبدان مرة ثانية كانت قادرة قوية على الجمع بين الأمرين ولا شك أن هذه الحالة أقصى مراتب السعادة وأنكرت الفلاسفة الحشر الجسماني وزعمت أنه لا تحشر إلا الأرواح وهو زعم باطل لوجوه: أولاً: إن من تدبر في هذا العالم تدبراً صحيحاً وجد أموراً كثيرة تشبه الحشر وتدل على إمكانه أولها المني فإنه فضلة الهضم الرابع ومادته إنما تولدت من الأغذية المأكولة وهذه الأغذية تولدت من الأجزاء العنصرية وهذه الأجزاء كانت متفرقة في أطراف العالم ثم جمعها الله تعالى فتولد منها حيوان أو نبات فأكله الإنسان فتولد منه دم فتوزع ذلك الدم على أعضائه فتولد منها أجزاء لطيفة فكانت هذه الأجزاء متفرقة في أطراف الأعضاء كالظل المنبث ولهذا تشترك الأعضاء كلها في الالتذاذ بالوقاع ويحصل الضعف والفتور في جميع البدن عند انفصالها ثم سلط الله تعالى قوة الشهوة حتى جمعت مقداراً معيناً من تلك الأجزاء الطلية في أوعية المني ثم أخرجها ماء دفقاً إلى قرار الرحم فتولد منه إنسان فالأجزاء التي تولد منها بدن الإنسان كانت أولاً متفرقة في البحار والجبال وأوج الهواء ثم اجتمعت بالطريق المذكور فتولد منها هذا البدن فإذا مات تتفرق على مثال التفرق الأول فالقادر

стр. 958

العالم الذي لا يعجز عن شيء ممكن لا يغيب عن علمه مثقال ذرة كما جمع تلك الأجزاء المتفرقة أولاً ثم جعلها منياً ثم كون الشخص الذي تختلف صور أعضائه مع كون المني متشابه الأجزاء وأودع فيه القوة الناطقة والفاهمة اللتين لا يقتضيهما المني يقدر أن يجمعها مرة ثانية إذا افترقت بالموت ويكون منها شخصاً ويعيد النطق والفهم إلى محل كانا فيه فالأول عند المنكرين ليس مستبعداً فلا يكون الثاني مستبعد أيضاً. الثاني الحب فإنه مع اختلاف أقسامه وأشكاله إذا وقع في الأرض الندية واستولى عليه الماء والتراب فالنظر العقلي يقتضي أن يتعفن ويفسد لأن أحدهما يكفي في حصول العفونة أو الفساد ثم إذا ازدادت الرطوبة ينفلق فلقتين فيخرج منهما ورقتان أما النوى فإنه يظهر في أعلاه شق وغي أسفله شف مع ما فيه من الصلابة العظيمة فيخرج من الأعلى الجزء الصاعد ومن الأسفل الجزء الهابط الذي يغوص في أعماق الأرض مع اتحاد العنصر واتحاد طبع النواة والماء والأرض فالقادر الذي يفعل هذه الأمور كيف يعجز عن جمع الأجزاء بعد افتراقها بالموت وعن تركيب الأعضاء. ومن الأدلة المحسوسة ما يجده الإنسان منا في نفسه من الزيادة والنمو وقت السمن ومن النقصان والذبول وقت الهزال ثم أنه قد يعود إلى حالته الأولى بالسمن وإذا جاز تكون بعض البدن جاز تكون كله فظهر أن الإعادة ليست بممتنعة. رابعاً حصول اليقظة بعد النوم فإن النوم صنو الموت واليقظة شبيهة الحياة بعد الموت ومن أراد زيادة الاستطلاع على الأدلة فليراجع المطولات فإن فيها مزيد من الإيضاح. إذا تقرر هذا فاعلم أن مدار القول بإثبات الحشر على أصول ثلاثة أحدها أنه تعالى قادر على كل ممكن وثانيا أنه تعالى عالم بجميع المعلومات من الكليات والجزئيات وثالثها أن ما يمكن حصوله في بعض الأوقات فهو ممكن الحصول في سائر الأوقات وقد ثبت بالبراهين القطعية حقيقة هذه الأصول الثلاثة فإمكان الحشر يكون ممكناً لأن الله تعالى يمكنه تمييز أجزاء بدن كل واحد من المكلفين عن أجزاء بدن غيره وإعادة التركيب والحياة إليه كما كانا أولاً (والله على كل شيء قدير) لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء (إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون).

стр. 959

أغلاط لسان العرب (وزفي مادة هـ د د ص ٤٤٣) روي لأبي ذؤيب: يقولوا قد رأينا خير طرف ... بزقيه لا يهدُّ ولا يخيب وروى (بزقيه) هكذا بالهاء وبغير ضبط وكتب المصحح بالحاشية (قوله بزقيه هكذا بالأصل وهو غير مستقيم فحرر). قلت أعاد المصنف هذا البيت في ماتدة (ز ق و) شاهداً على أن زقيه اسم موضع ولم ينص على ضبط فيها بل ضبطت بالقلم فقط بفتح فسكون وهو موافق لما نص عليه البكري في معجم ما استعجم إلا أنه قال في الكلام على (رنية) اختلف الرواة في بيت أبي ذؤيب: إذا نزلت سراة بني عدي ... فسلهم كيف ما معهم حبيب يقولوا قد وجدنا خير طرف ... برقية لا يهد ولا يخيب فرواه أبو علي برقية بالقاف ورواه السكوني برنبة بالنون ورواه البجيرمي بزقية بالزاي والقاف ورواه ثعلب برقبة بالراء المهملة والقاف والباء المعجمة بواحدة (انتهى كلامه) وذكره لا يخلو من فائدة وإن خرج عما نحن فيه. (وفي مادة ب ص ر ص ١٣٢) روي لتوبة: وأشرف بالغور اليفاع لعلني ... أرى نار ليلى أو يراني بصيرها وروي (بالغور) بفتح العين المعجمة وهو خطأ لأن معناه المنخفض من الأرض ومعنى اليفاع المرتفع منها والشيء لا يكون منخفضاً ومرتفعاً في آن كما أن الإشراف لا يكون إلا في المكان المرتفع فالصواب (بالقور) بضم القاف جمع قارة للجبل الصغير وبه روي البيت في موضعين من آمالي القالي (ج١ ص٨٨ وص ١٣١) في النسخة المطبوعة ببولاق. (وفي مادة ب ك ر ص ١٤٥) روي لأبي ذؤيب الهزلي: وإن حديثاً منك لو تبذلينه ... جنى النحل فغي البان عود مطافل مطافيل أبكار حديث نتاجها ... تشاب بماء مثل ماء المفاصل وروي (عود) بالدال المهملة والصوال بالذال المعجمة جمع عائذ للناقة الحديثة النتاج وهو فاعل بمعنى المفعول لأن ولدها يعوذ بها. وضبط (مطافيل) في البيت الثاني مجروراً بالكسرة والصواب جره بالفتحة لأنه غير مصروف لصيغة منتهى الجموع وإنما كسر

стр. 960

(مطافل) في البيت الأول للضرورة وليس (مطافيل) مضافاً لأبكار فيصرف للإضافة بل هو بدل من عوذ وما بعده صفتان له وضبط (بماء) غير منون والصواب تنوينه وهو ظاهر. ومعنى البيتين أن حديثك كأنه عسل ممزوجاً بألبان الإبل الحديثة النتاج وهذه الألبان مشوبة بماء في غاية الصفاء. وإنما اختار البان العوذ لأنها أطيب وكلما عتق لبنها تغير. وفي تفسير ماء المفاصل قولان أحدهما أنه أراد بالمفاصل ما بين الجبلين وماؤها ينحدر عن الجبال فلا يمر بطين ولا تراب فيكون صافياً والثاني أن ماء المفاصل هنا شيء يسيل من المفصلين إذا قطع أحدهما من الآخر شبيه بالماء الصافي. (وفي مادة ث ور ص ١٧٩ س٢٠) وقالوا ثورة رجال كثروة رجال قال ابن مقبل: وثورة من رجال لو رأيتهم ... لقلت إحدى حراج الجر من أقر ويروي كثروة وضبط آخرها بالفتح والصواب ضبطه بتنوين الجر لأنه إذا وقع في البيت مكان ثورة كان مجروراً بواو رب وليس هو ممنوع من الصرف فيجر بالفتحة. (وفي مادة خ ر ر ص٣١٧) روي للبيد بآخرة الثلبوت يربأ فوقها ... قفر المراقب خوفها آرامها وكتب المصحح حاشية (البيت بالأصل هكذا بالضبط) ونقول ليس في البيت إلا رواية (قفر) بالرفع والصواب نصبه على المفعولية ليربأ وبه روي في المادة (خ ز ز) والفاعل ضمير يعود على حمار الوحش المذكور في الأبيات قبله. (وفي المادة خ ز ر ص٣١٩) روي لعروة بن الورد: والناشئات الماشيات الخوزري ... كعنق الآرام أوفى أو صرى وضبط (عنق) بسكون النون والصواب بضمتين على اللغة الحجازية إقامة للوزن لأنه غير مستقيم على الأول ويكون على الثاني بخبل مستفعلن ليصير متعلن فينتقل إلى فعلتن. (وفي مادة د ور ص٣٨٧ س١٤) ودير النصارى أصله الواو والجمع أديار والدايراني صاحب الدير وروى (الدايراني) بالألف بعد الدال وإسكان الياء التي بعدها وهذا لا يكون لأن الألف ساكنة أيضاً ولا يجوز اجتماع الساكنين على أننا لم نقف على نص في تحريك الياء فنحمله على الشذوذ في النسب فلم يبق إلا أن تكون هذه الألف زيادة سبق بها قلم

стр. 961

الناسخ. ويؤيد ذلك كون المؤلف أعاد هذه العبارة بنصها بعد سطرين في مادة (د ي ر) وروي فيها (الديراني) بغير ألف بعد الدال وكذلك جاء في القاموس. (وفي مادة ض م د ص١٦٤) روي لعنترة: إني امرؤٌ من خير عبس منصباً ... شطري وأحمي سائري بالمنصل وضبط (منصباً) بصيغة اسم الفاعل من أنصب ولا معنى له هنا وإنما مراد الشاعر (المنصب) بفتح الأول أي الأصل والمرجع. قال العلامة الأعلم الشمنتري في شرحه للديوان المنصب الأصل والحسب والمنصل السيف يقول شطري شريف من قبل أبي فإذا حاربت حميت شطري الآخر من قبل أمي حتى يصير له من الشرف مثل ما صار للشطر الأول. (وفي مادة ع ر ر ص٢٣٢) روي لابن أحمر: ترعى القطاة الخمس قفورها ... ثم تعر الماء فيمن تعر وضبط (يعر) بفتح الراء ولا وجه لنصب الفعل فضلاً عن أنه مخل بالوزن فالصواب إسكانها مع التشديد ليكون من الضرب الأول من السريع وهو المطوي الموقوف وأصله مفعولات فلما طوي بحذف رابعه الساكن ووقف بتسكين سابعه المتحرك صار مفعلات فنقل إلى فاعلان ويقابله في البيت (من يعر) باجتماع الساكنين وهو جائز في الوقف. هذا عند من لا يرى لزوم الردف في هذا الضرب. أو إسكان الراء مع التخفيف وبه ضبط في مادة (ق ف ر ص٤٢٤) ليكون من الضرب الثاني المطوي المكشوف أي المحذوف رابعه الساكن وسابعة المتحرك فيصير مفعولات بذلك مفعلاً فينقل إلى فاعلن. واعلم أن مثل هذا التخفيف جائز للشاعر في القوافي الموقوفة على ما هو مقرر في العروض ومفصل في كتاب (ما يجوز للشاعر في الضرورة) لأبي عبد الله محمد ابن جعفر التميمي (وموارد البصائر فيما يجوز من الضرورات للشاعر) للشيخ محمد سليم. إلا أنه لا يتأتى ترجيح أحد الوجهين على الآخر إلا بعد الوقوف على القطعة التي منها البيت فإذا كان فيها ما هو من الضرب الثاني وجب التخفيف في كل ما آخره مشدد لتكون الأبيات من ضرب واحد ألا تراهم كيف حكموا بتخفيف راء (أفر) في قول امريء القيس.

стр. 962

لا وأبيك ابنة العامري ... لا يدعي القوم أني أفر لأن في القصيدة ما هو من الضرب الثالث من المتقارب ولو شددت الراء لكان البيت من الضرب الثاني ولا يجوز الجمع بينهما في قصيدة واحدة. قال العلامة البغدادي نقلاً عن كتاب (الضرائر لابن عصفور) عند الكلام على هذا البيت ما نصه وقد خفف عدة قواف من هذه القصيدة وإنما خفف ليستوي له بذلك الوزن وتطابق أبيات القصيدة ألا ترى أنه لو شدد (أفر) لكان آخر أجوزائه على (فعول) من الضرب الثاني من المتقارب وهو يقول بعد هذا: تميم ابن مر وأشياعها ... وكندة حولي جميعاً صبر وآخر جزء في هذا البيت (فعل) وهو من الضرب الثالث من المتقارب وليس بالجائز له أن يأتي في قصيدة واحدة بأبيات من ضربين فخفف لتكون الأبيات كلها من ضرب واحد سواء في ذلك الصحيح والمعتل أه. (وفي مادة ع ف ر ص٢٦٠) روي قول الشاعر: إذا ما مات ميت من تميم ... فسرك أن تعيش فجيء بزاد وروي (تعيش) بالمثناة الفوقية أوله والصواب بالمثناة التحتية لأنه للغاب لا للمخاطب وقد وقع مثله في مادة (ل ف ف ص٢٣١) نبه عليه الأستاذ اليازجي في الضياء. وفي هذه المادة ص ٢٦٤) روي لجرير: لقومي أحمى للحقيقة منكم ... وأضرب للجبار والنقع ساطع وأوثق عند المرادفات عشية ... لحاقاً إذا ما جرد السيف لامع وضبط (جرد) بضم آخره والصواب فتحه كحكم أمثاله من الأفعال الماضية وهو ظاهر غير أن بنائه للمجهول ما لا يخلو من نظر لأنه يقتضي نصب (لامع) حالاً من السيف فيقع الإقواء. والذي عندي أن الصواب (إذا ما جرد السيف لامع) بنصب السيف على المفعولية ورفع لامع على الفاعلية وهو من قولهم لمع فلان بثوبه وبسيفه لمعاً إذا أشار وقد وجدته كذلك بضبط القلم على نسخة قديمة تغلب عليها الصحة من سر الفصاحة لابن سنان الخفاجي. (وفي مادة ف ط ر ص٣٦٢ س١٦) والتفاطير أول نبات الوسمي ونظيره التعاسيب

стр. 963

والتعاجيب وتباشير الصبح ولا أحد لشيء من هذه الأربعة وروي (التعاسيب) بالسين المهملة وليس في مادة (ع ش ب) التعاشيب العشب النبذ المتفرق لا واحد له وكذلك ورد في القاموس وشرحه في (ج١ ص٣٥) من المخصص. (وفي مادة هـ ب ر ص ١٧٠) روي لعدي: فترى محانيه التي تسق الثرى ... والهبر يورق نبتها روادها وورد (يورق) هكذا بالراء ولا معنى له هنا وروى (نبتها) بالنصب (وروادها) بالرفع وكل ذلك مفسد لمعنى البيت. والصواب (يونق) بالنون أي يعجب روادها على أن رواية يونق ليست مني تحكماً في تصحيح معنى البيت بل هي المذكورة من أمهات كتب الأدب والقصيدة كلها منصوبة الروي. (تتمة) هذا البيت من قصيدة لعدي بن الرقاع عدة أبياتها ثمانية وثلاثون بيتاً مدح بها الوليد بن عبد الملك وأنشدها بين يديه فلما بلغ إلى قوله فيها تزحي أغن كان إبرة روقه قطع الإنشاد لتشاغل الوليد عنه فقال جرير أو الفرزدق وكانا حاضرين أنه سيقول قلم أصاب من الدواة مدادها فلما عاد عدي إلى الإنشاد نطق بالعجز كما قالا فعد ذلك من النوادر في توافق الخواطر وهذه القصيدة مع شهرتها وولوع أهل الأدب بها لا تكاد تجد منها إلا أبياتاً متفرقة بين كتب اللغة والأدب وقد ظفرت بها تامة في مجموع قديم بأوردتها برمتها في رسالة جمعتها في (أخبار أبي العلا المعري) لمناسبة اقتضت ذكرها. (وفي مادة ت ر م ز ص١٧٩س ٤) الترامز من الإبل الذي إذا مضغ رأيت دماغه يرتفع ويسفل وضبط (يرتفع) بفتح آخره والصواب ضمه إذ لا وجه لنصب الفعل وهو ظاهر. لها بقية

стр. 964

الوظائف الدينية والجهلاء كل من يدير الفكر ويدقق النظر وينقب عن محيطنا وما تطرق إلى جميع أبوابه من الخلل والفساد يأخذه الأسف الشديد على هذه الحالة وينفطر قلبه كمداً. سقطت الهمم وخربت الذمم وطمست معالم الحق وحرفت الشرائع وبدلت القوانين ولم يبق إلا هوى يتحكم وشهوات تقضى وخشونة تنفذ تلك سنة الكون والله لا يهدي كيد الخائنين. ذهب ذوو السلطة وأعمدة الشر بكل شيء مخالف لنواميس الطبيعة ولحكمة التشريع السماوي وفعلوا ما ينبو عنه العقل القويم وينفر الجميع نفرة السليم من الأجرب. موهوا أفعالهم بمياه السفسطة وغشوها بأغشية من معادة القوة ليذروا الرماد في عيون نقدة أفعالهم الدنيئة من أرباب الغيرة وأنصار الدين والملة. كل ذلك ليجعلوا الباطل حقاً والجاهل الغر زعماً منهم بأن الحق إذا وضع اسم الباطل صار باطلاً والجاهل الغر إذا لقب بالعالم صار عالماً تلك لعمري مسألة بديهية البطلان ظاهرة الفساد تدل على خسافة عقول أنصارها وضعف ملكات مروجيها. والحقيقة متى وجدت سبيلاً تسيلك فيه نسفت التل المركوم وانقضت كالصاعقة على البرج الموهوم فلا غرو أن تدكدك شاهق التمويه ولا تبقي له أثراً فعند ذلك يماط عن الحقائق لحجاب فتبدو بصورتها وهيولاها ذكرنا ذلك لنلج إلى موضوع سبب فشو الجهل والجهلاء ونبوض العلم والعلماء بعد انتظام عقدهم وتلألأ شموسهم إلا فلتعلم الأمة أجمع أن جرثومة هذا الفساد والعقبة الكؤد في طريق العلماء (إسناد الوظائف الدينية لمن لم تتحقق فيه الأهلية) تلك قضية لا خلاف فيها ولا مرية بعدما أصبحت شاهدة ولا دليل بعدها. إسناد الوظائف لغير أهلها جر علينا الويلات الطامة والبلايا العامة والعار والشنار فمنها تزعزع العلوم والمعارف بعدما كانت متينة الوثاق قوية الركان لا تزيلها العواصف الثائرة ولا الأصوات الناعقة. . ومنها اختلاط الحابل بالنابل والحق بالباطل حتى كاد لا يفرق بين المدلسين المموهين الداء العلم وأعداء الإنسانية وبين العلماء الحقيقيين الذين يستهدى بهديهم ويفرغ من مدلهمات الخطوب وكوارث المسائل إليهم. ومنها نفرة القلوب عن طلب العلوم والسعي وراء تحصيلها لأن العالم الحقيقي الذي أفنى عمره في طلب العلوم وسهر دياجر الليالي لاقتناء المعارف يكون مضطهداً والجاهل المغتر الذي لا يفهم من العلم وتحصيله سوى الثرثرة والسمسرة إلى أولياء نعمته والتفاني في

стр. 965

خدمة مبادئهم السافلة معظماً مكرماً يتوسد الوظائف الدينية ورتب الوعظ لإرشاد الناس ومن يكون عن إرشاد نفسه وردها عن غيها وكبح جماحها عاجزاً فهو عن إرشاد غيره أعجز كيف وقد وجد لذلك أعواناً من حلفاء الدناءة وأعداء الحق فاسدي الأخلاق لا يهمهم خراب الدين وعمرانه إن لم نقل هم معاول تخريبه. . ورضوا لأنفسهم أنهم بفعلهم هذا سجل لهم التاريخ صحيفة سوداء لا يبلي جدتها كر الأيام والليالي. روى الحاكم من حديث ابن عباس ﵄ قال قال رسول الله ﷺ من استعمل رجلاً من عصابة وفيهم من هو أرضى لله فقد خان الله ورسوله وجماعة المؤمنين إلا فليرعوا السعاة سعاة الجهل والجهلاء وليعلموا أن (ليس للإنسان إلا ما سعى) وروى الحاكم أيضاً قال قال رسول الله ﷺ من ولي من أمر المسلمين شيئاً فأمر عليهم أحداً محاباة (بلا استحقاق) فعليه لعنة الله لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً حتى يدخله جهنم. ومنها تأنيب الأجانب لنا كتب أحد علماء الفرنجة وكتابهم يلزم على أوروبا جمعاء احترام دين الإسلام لأنه أفاد العالم كله ولكن ما العمل وقد ضيعه أهله وأي تضييع للدين الإسلامي والعلم والعلماء أعظم من أن يتولى رآسته الجهلاء ويدخل في عداده هيان بن بيان. والسادة الفقهاء نددت بذلك العمل وبينت فيه القول الحق وكتبهم التي هي دستور العمل في مثل هذا الخطب طافحة بذلك وهاك بعضها. قال في الأشباه والنظائر إذا ولى الحاكم مدرساً ليس بأهل للتدريس لم تصح ولايته لما تقرر من أن التولية مقيدة بالمصلحة ولا مصلحة في تولية غير الأهل قال ابن الكمال وعليه الفتوى. قال في البزازية إذا أعطي غير المستحق فقد وجد ظلم مرتين مرة بمنع المستحق ومرة بإعطاء غيره. وفي فتاوى قاضيخان أن التولية إذا لم توافق شرط الشارع لا تنفذ ومعلوم أن شرط الواقف كنص الشارع. وقال التاج السبكي المدرس إذا لم يكن صالحاً للتدريس لا يحل له تناول المعلوم ثم قال وهذا كله مع قطع النظر عن شرط الواقف في التدريس أما إذا علم شرطه ولم يكن المقرر

стр. 966

متصفاً به لم يصح تقريره وإن كان أهلاً للتدريس في الجملة لوجوب اتباع شرطه ثم قال والأهلية للتدريس لا تخفى على من له بصيرة منها المعرفة بمنطوق الكلام ومفهومه عارفاً بالمفاهيم أجمعها متبحراً في علوم الشريعة من تفسير وأصوله وفقه وأصوله وأن يكون بحراً غواصاً في استخراج المسائل من الكتب والنصوص له اليد العليا في سائر العلوم العربية والعلامة ابن عابدين بين مسألة توارث الوظائف عن الأجداد والآباء وذكر فيها القول الحق الذي لا محيد عنه فقال بعد نقول كثيرة ما معناه: يحرم إعطاء الوظائف الدينية لغير الأهل لما فيه من أخذ وظائف العلماء وتركهم بلا شيء يستعينون به من العلم كما هو واقع في زماننا فإن عامة أوقاف المدارس بأيدي جهلة أكثرهم لا يعلمون شيئاً عن فرائض دينهم بسبب تمسكهم بأن خبز الأب لابنه فيتوارثون الوظائف اياً عن جد كلهم جهلة كالأنعام ويكبرون بذلك فراهم وعمائمهم ويتصدرون في البلدةن حتى أدى ذلك إلى اندراس العلم والعلماء (وذكر حادثة وقعت في زمانه تشبه بعض حوادث زمننا نضرب عنها صفحاً) ثم قال ففي توجيه هذه الوظائف لأبناء هؤلاء الجهلة ضياع العلم والدين وإعانتهم على إضرار المسلمين. فيجب على ولاة الأمور نزعها من أيدي المختلسين واللصوص المتغلبة وتوجيهها على أهلها لينتظم الأمر وإلا فليبشر البقية الباقية من العلماء بأن العاقبة وخيمة ونعوذ بالله من ذلك أه. أما إذا كان الواقف شرط لتولية التدريس أعلم عالم مثلاً فهذا يحرم توجيه هذا التدريس على غيره بل لا ينعقد ولو كان عالماً معتبراً إذ شرط الواقف يحرم مخالفته كنص الشارع كما تقدم فكيف إذا لم يكن من العلماء أصلاً هذا لا يكون أبداً. . وجاء في نظام المدارس والتدريس الذي عرب في العام الماضي لأجل العمل به في مادة إذا كان شرط الواقف بحق توجيه التدريس معلوماً ومعمولاً به أو كان غير معلوم ولكن التعامل القديم فيه معروف يجب اتباعه قطعاً والعمل بموجبه ولذا يعتبر التوجيه الواقع بخلاف شرط الواقف على غير الأهل بل ينزع من عهدته ولو كان موجهاً عليه ببراءة ثم يوجه على مستحقه بمقتضى شرط الواقف. انتهى. ومن أعظم الأضرارالعظيمة التي سببها هذا الاحتكار والتغلب سقوط هذا السلك الشريف

стр. 967

من بين الطبقات حتى عد هزوءاً وسخرية بعدما كان يقام له ويقعد ولأهله في التاريخ مجد أثيل وعز فخيم. دخل الخليفة الأموي على عطاء بن أبي رباح وكان مولى من الموالي فلم يعبأ به ولم يأبه لجلالة قدره ورفعة منصبه حتى أنه لم يلتفت إليه ثم قال الملك لابنه وكان معه انظر ذلنا بين يدي هذا العبد وما هو إلا العلم يرفع العبيد على الملوك والصعلوك على العظام. ودخل الخليفة العباسي هارون الرشيد على الفضيل بن عياض فوعظه الفضيل حتى أبكاه وجرت دموع الخليفة على لحيته ثم قال لهم أنتم الملوك حقاً. دعي هذا الخليفة العظيم معاوية الضرير لأجل أن يأكل معه على مائدة واحدة فلما فرغا من الطعام قام معاوية يريد أن يغسل يديه فصب عليه هارون الرشيد ولم يدر معاوية ذلك ثم قال له الخليفة أتدري من يصب على يديك؟ قال له لا قال أنا قال أنت يا أمير المؤمنين قال له نعم إجلالاً للعلم ومن سير تاريخ الرشيد وعظمتهخ وفضله علم أنه كان للعلم وأهله في زمنه شأن يذرك. أي جهابذة العلم صناديد الوغى معدن الفضل الحقيقي مالي أراكم سكوتاً لا تتكلمون ولا تنبثون ببنت شفة كأنكم راضون بهذه الفترة وراضخون لهذا التيار أما علمتم أن الوظائف الدينية والعوائد الخيرية إنما زينت ليرتفع منار العلم والدين لا لعكس القضية أو ما علمتم بأن سكوتكم هذا هو الذي جر علينا الويلات الطامة والعامة وعدم الانتظام: أخرج البخاري في صحيحه قال رسول الله ﷺ للأعرابي إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة قال الأعرابي كيف إضاعتها يا رسول الله قال إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة. . أرى أن الخطب يتفاقم والأمر يتعاظم وأنتم سكوت أتظنون أن القعود في أحلاس بيوتكم والانزواء في حجراتكم من باب العبادة والزهادة ما ظننتم إلا باطلاً فلقد بلغ السيل الزبى وتفرق العلم أيدي سبا فهبوا من سباتكم العميق هبوب الأسد من عرينه وطالبوا بحقوقكم المغصوبة ووظائفكم المنهوبة ولكن بالطرق المشروعة واضربوا بترهات المبطلين عرض الحائط (أن الباطل كان زهوقاً) وانصتوا لصدى شاعر النيل حيث يقول عليكم حقوق للبلاد أجلها ... تعهد روض العلم فالروض مقفر وقد أعذر من أنذر

стр. 968

(البقية تأتي) أبو الضيا

стр. 969

إلى علماء العالم الإسلامي ورؤسائه ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ، الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (قرآن كريم) لما كان من الحقائق المؤيدة بالشواهد والقضايا المسلمة لدى ذوي الفكر الثاقب والنظر الدقيق أن من ترأس قوماً وتولى إدارة شؤونهم وزمام سياستهم وهو لا ينفك عن مخالطتهم ومعاشرتهم يوماً من الأيام يجب عليه أن يتوخى الأسباب التامة لاستجلاب قلوبهم ويستعمل الوسائل اللازمة لاستمالة نفوسهم وينهج المناهج التي ينهجونها ويرد المشارب التي ينهلونها ويميلون إليها بحيث لا يمس بذلك شرفه ودينه ليكون محبوباً مصاناً مكرماً عند الجميع ومعززاً مهاباً عند الرفيع والوضيع. كان من اللازم اللازب على من بيدهم زمام الحل والعقد من حكامنا كرؤساء الدوائر وقواد الجيوش ومن لهم الإمرة عليهم وعلى أرباب الصحافة الذين هم لسان حال الأمة أن يكونوا عنوان العدل ونبراس الهدى وعلم السعادة ونموذج الفضيلة يهجرون الخمرة التي يتجاذبون أقداحها باسم المدنية كما هجرتها عقلاء أوروبا ويكفون عن الزنا واللواط والجلوس في نوادي السفاهة والسفالة والتردد إلى المواخير ومراسح اللهو والعار والشنار باسم الحرية ويرجعون إلى دينهم فيتخلقون بأخلاقه الشريفة وآدابه المنيفة وينبذون الأخلاق البذيئة الساقطة ويعتاضون عن تلك المراسح بالمساجد ويتعشقون الصلوات الخمس ويدأبون على الطاعات (سياسة وديناً). أما سياسة فلحوزهم على إرضاء الأمة واستجلاب قلوبها وأما ديناً فلنيلهم رضاء الله تعالى ومن البديهيات أن الأمة متى رأت مأموراً محافظاً على دينه متمسكاً بالشرع الشريف متظاهراً بمكارم الأخلاق فإنها تحبه وتتودد إليه وتمدحه وتثني عليه حتى أنها تنخدع له وتضع ثقتها به وإن كان مرائياً مداهناً. بل تخضع له وتنقاد لجميع ما يأمر به وينهى عنه ولو كان مؤدياً لهلاكها وخراب ديارها والعكس بالعكس فإنها تنفر من المارق من الدين والمتنصل من الأخلاق الشريفة وتمقته وتنظر إليه بعين التحقير والازدراء وتسلقه بالسنة حداد فتمزق عرضه وتلوث شرفه حتى أنه ليكون كالقذى في أعينها.

стр. 970

ولاسيما ببلادنا التي أغلب سكانها من المسلمين فوسيلة الدين هي الوحدة الوحيدة التي تؤلف بين الشعب والحكومة وهي المشار إليها بقوله تعالى خطاباً لنبيه المصطفى ﷺ ﴿وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ، وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. وهي التي تؤلف بين أفراد الأمة فتجعلها كالجسم الواحد تشترك في السراء والضراء وفي السعي وراء جلب المنافع ودرء المفاسد وفي المدافعة والمناضلة عن أوطانها عند طروء طارئ يتهددها أو حدوث نائب ينتابها هذه هي الجامعة الدينية والرابطة الحقيقية التي تمتاز عن سواها من الجامعات كالجنسية والوطنية واللغة. لأن الدين أقوى أساس تشاد عليه دعائم الروابط الاجتماعية بين أفراد النوع البشري مهما تباينت مشاربهم وتناءت أقطارهم وشطت ديارهم واختلفت أغراضهم وتبادلت أهواؤهم وتعددت لغاتهم فرابطة الدين عندهم أعظم مؤثر في النفوس لأنها أحرزت شرفين عظيمين وفضلين جليلين أحدهما - اتصال حبلها بحبل فاطر السماء والأرض والثاني دوامها إلى نهاية الأجل وأما الرابطة الجنسية وإن دامت فهي أضعف من الأولى لأن الإنسان قد يقطع أقاربه ويلحق بالأباعد بواسطة الدين وهذا معلوم واضح كالشمس في رابعة النهار لدى من له أدنى إلمام بعلم تواريخ الأمم وكم في الحوادث من شواهد؟ وأما رابطة الوطن واللغة فهما أضعف من الرابطة الجنسية لأنهما تابعان لها وكثيراً ما نرى من الناس من يبارح أوطانه مهاجراً إلى غير بلاده فيحل ربوعاً لم يعرفها ويشاهد سكاناً لم يألفها ويقيم بها إلى أن يدركه الأجل المحتوم كما نشاهده من الذين يهاجرون إلى بلاد أمريكا فإنهم ذهبوا عشرات من الألوف وما رجع منهم إلى وطنه إلا القليل. فرابطة الدين متى غرست في القلوب وأينعت ثمارها الجنية على أغصان أدواحها كانت الكهف الذي يؤوى إليه والملاذ الذي يعول عليه والحصن الحصين الذي يلجأ إليه الخائفون عند الدفاع عن أوطانهم والذب عن حياضهم والذود عن أعراضهم وأموالهم هي الوطن هي الحرية هي الإخاء هي المساواة. وبها أرهب سيدنا معاوية ﵁ قيصر الروم لما كتب إليه يهدده بالحرب أو دفع الجزية حين تشاجره مع سيدنا علي ﵁ فكتب له الجواب إن لم تكف عن طلبك

стр. 971

وترجع عن بغيك سلمت الأمر لصاحبي وكنت أول سهم من سهامه يرمي به إليك وحينما وصله الجواب أرعبه وأرهبه وأدرك الحقيقة وفهم السر الذي بين الملمين وتبين له الرشد من الغي. كيف ينكر فضل الرابطة الدينية وقد كانت السبب الوحيد في الفتوحات الإسلامية وانتشارها في سائر الأنحاء والأرجاء ومن المقرر المسلم أن دين الإسلام لم يدع أصلاً من الفضائل إلا أتى عليه ولا قادة من قواعد النظام الشريف إلا قررها ولا مزية من مكارم الأخلاق إلا دعا لها وحث عليها وأباح لكل أحد أن يتناول من الطيبات ما شاء أكلاً وشرباً ولباساً إلا ما كان ضاراً بنفسه أو بمن يدخل في ولايته أو ما تعدى ضرره إلى غيره. الإسلام هو الذي جعل الإنسان حراً في أفكاره متى بلغ رشده وأدرك هداه خول للإنسان استقلال العقل في الأمور النظرية وما به صلاح السجايا واستقامة الطبع وإنهاض العزائم هو الذي حمل على المتنفذين حملة الأسد الهصور فبدد فيالقه المتغلبين على النفوس ونسف ما كان لهم من دعائم وأركان في عقائد الأمم وصاح بالعقل صيحة أزعجته من سباته وأفهم الإنسان بأنه لم يخلق ليقاد بالزمام لكنه فطر على أن يهتدي بالعلم فيتخلص من ظلمات ليل الجهل الدامس الحالك ولما كان مفتاح هذه الوسيلة ومصباح هذه الطريقة هو علماء الأمة كان من الواجب المحتم على علماء الإسلام الأطباء النطساء الذين يشخصون الداء والدواء أن يبارحوا أوطانهم وينتشروا في الأرض لبث الدعوة الدينية بين أفراد الأمة ونفخ روح الشريعة في الأجسام الخالية لإحياء الأرواح الخامدة وتحريك النفوس الهامدة يؤلفون بين القلوب ويحذرون من التحزب والتفرق لأنهما في الحقيقة معاول الخراب وينذرون الأمة بسوء عاقبة اختلاف الكلمة وشق عصا الاجتماع ووخامة النتيجة ويبشرون بالفوز والنجاح عند التعاون والتعاضد واتفاق الآراء ويشقون إلى التمسك بعرش الخلافة الإسلامية وحفظ كيان دولة الإسلام والمسلمين ويحرضون الناس على شد أزرها بالمال والرجال ومفاداتها بما عز وهان ويبذل النفس والنفيس في سبيل ترقيها ونجاحها يغادرون أوطانهم ويفارقون أولادهم وخلانهم لنيل هذا المطلب الأسمى الذي جعله الله وظيفة الأنبياء والرسل الذين هم أشرف مخلوقاته وأورثه لعلماء الأمة فمن الواجب على الوارث أن يحفظ ما ورث ويعمل به خوف الضياع ومقت الله تعالى ولو لاقى الشدائد والمصاعب لأن له قدوة بمورثه قال

стр. 972

جل شأنه ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. ومن اللازب اللازم على الحكومة أن تؤمنهم وعيالهم على معيشتهم وتكفل لهم بما يقوم بأودهم وتمد لهم ساعد المعاضدة على إدراك هذه الضالة المنشودة والغاية المفقودة لاسيما في هذه الأوقات الحرجة والظروف المشؤومة. فإذا فعلوا ذلك كان سعيهم هو قطب دائرة الحياة الدنيا ومدارج مرقاة العلا إلى المراتب السامية به تدرك الغايات وتملك النهايات وبالجملة علو الهمة من الإيمان ولما كانت القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد جعل الله من عظيم فضله وجليل كرمه الوعظ والإرشاد جلاء لصدأها ولهذه الغاية فرض على المسلمين صلاة الجمعة في كل أسبوع مرة وقيدها بالجماعة فلا تصح من الفرد وفرض الحج على المستطيع ليجتمع المسلمون كل عام. تراهم يأتون من سائر الأقطار والممالك ييممون البيت الحرام من كل فج عميق بقلوب ملؤها البشر والفرح لا يبالون بما يتحملونه من الآلام والمشاق يقف فيه الحقير والجليل والرفيع والوضيع ويقومون في صعيد واحد لا امتياز لابن أعاظم العظماء عن ابن أفقر الفقراء فيا لله ما أحلى هذه المساواة وما أبهاها وما هي الفائدة يا ترى من اجتماع المسلمين في اليوم خمس مرات وفي كل أسبوع وعام؟ فائدة اجتماعهم في اليوم والأسبوع والعام استماع المواعظ والإرشادات العمومية التي تلقيها الخطباء والوعاظ حسبما يقتضيه الحال والزمان بالتوصية بالمحافظة على الخلافة الإسلامية وبوجوب الانقياد لخليفة الوقت والتحابب والتعاون والتناصر والتعاضد والاعتصام بحبل الله جميعاً والسعي وراء المنافع العامة والنهي عن الانشقاق وتفرقة القلوب والحث على طلب العلوم الدينية والفنية وإحداث الفبارك والصنائع لتجاري أمتهم الأمم الحية في مضمار الرقي والتقدم ومعترك الحياة. فباجتماعاتهم العمومية السالفة الذكر ينظر الغني إلى الفقير فيحنو عليه ويشكر الله على ما أولاه من جلائل النعم والظالم يرى المظلوم فيرق ويرجمه والقوي يشاهد الضعيف فيعينه على ضعفه شفقة ورحمة ويقفون على أحوال بعضهم فيتأثرون متى سمعوا بمصيبة حلت ببلاد قوم دون آخرين ويهرعون لمؤازرتهم وإنقاذهم من مخالب الأعداء. كيف لا وهم كالجسم الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى:

стр. 973

ناشدتكم الله والوجدان والشرف أية سياسة أعظم من هذه السياسة أم أي قائد أعظم من قائد الدين، ألا فليتق الله المفكرون والمدبرون وليرجعوا إلى ما كان عليه أسلافهم أرباب الحزم والعزم والدراية أولئك قوم كانت ترتعد فرائص الجبابرة عند ذكر اسمهم من التألف والتحابب والتعاون والتعاضد والتضافر وجمع الكلمة والسير على المنهج القويم والصراط المستقيم. ويا للأسف أصبحنا في زمان لا يحضر فيه المواعظ سوى المريض والشيخ الهرم الفاني والفقير المعدم هؤلاء العجزة الذين لا يقدرون على ردع فاسق ولا على إصلاح فاسد ولا على تقويم أود والذين يجب عليهم استماع المواعظ والخطب وبيدهم زمام الحل والعقد غافلون ومتغافلون صفتهم اليوم كصفة من أخبرنا الله عنهم بقوله: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ، كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ، فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ، بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَى صُحُفاً مُّنَشَّرَةً﴾. والعجب منهم ومن أعوانهم يتساءلون في هذه الأيام عن عدم النصر في هذه الحرب الحاضرة ويقولون إن الله وعد المؤمنين بالنصر فلم لم ينصرنا؟ ويتجاهلون عن أنهم ليسوا من الذين وعدهم الله بالنصر لأن الله وعد المؤمنين بالنصر ووصفهم لنا بقوله: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾. فهؤلاء الذين وعدهم بالنصر فقال: ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. ونحن نقول لهم كما قال الله تعالى لأمثالهم ﴿فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً﴾، ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾، ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾. ونقول مهما حاول السياسيون والمفكرون في نهوض الأمة ورقي الوطن إن لم يعضدوا سياستهم بالشرع الشريف فلا تقدم ولا رقي ولا حياة ولا نجاح. يبرود أحمد الباشا

стр. 974

وعشنا على بؤس ليالي أبلي من همومي وجددي ... لك الأمر لا تقوى على رده يدي فما أرتجي والأربعون تصرمت ... ولا عيش إلا ينتهي حيث يبتدي سكت سكوتاً لا يريك امتداده ... فلا خاطري باقٍ ولا الشعر مسعدي ولا فيَّ من روح الشباب بقية ... ولست بمشتاق ولست بموجد حزنت على الماضي ضلالاً ومن يعش ... كما عشت لم يحزن ولم يتجلد ومالي منه خاطر غير أنني ... عدلت فلم أفتك ولم أتبعد * * * سقى الله دارات القرافة ديمة ... ترف على قوم هنالك هجد تعود كل بؤسها ونعيمها ... وعشنا على بؤس ولم نتعود أحن إلى تلك المراقد في الثرى ... ولو أستطيع اليوم لاخترت مرقدي فأنزلت جسمي منزلاً لا يمله ... يكون بعيداً عن أعاد وحسد وما يتمنى الحر في ظل عيشه ... تمر لأحرار وتعلو لأعبد كأن بها وقراً على كل كاهل ... فمن يتكبد حمله يتكبد لقد أتعبني، والمتاعب جمة، ... مسيرة يومي بين أمسي والغد ألما يئن إن يستريح مجاهد؟ ألما يئن إن يبلغ المنهل الصدي؟ تزهدت في وصل المعالي جميعها ... ومن يطلبها كاطلابي يزهد وبت تساوت في فؤاد مناهج ... تؤدي لخفض أو تؤدي لسؤدد وإني في بيت صغير مهدم ... كأني في صر كبير مشيد عفا الله عن قوم أتاني غدرهم ... فرب مسيء لم يسيء عن تعمد وكم من نفوس يستطيل ضلالها ... ولكن متى ما تبصر النور تهتد فزعت من الآمال باليأس عائداً ... إن تدنني منها اللبانات أبعد فلا ترتعي مني بقلب معذب ... ولا تنجلي مني لطرف مسهد فيا ريح إن يعصف بي الشجو سكني ... ويا غيث إن يضرمني الوجد أخمد ويا ساكنات الطير في دولة الدجى ... أرى إن دعاك الصبح أن لا تغردي لدي شكايات وأنت شجية ... فإن تستطيبيها لشجوك أنشد

стр. 975

ولا تحسبي التقليد يذهب حسنها ... فكم حسنات قد أتت من مقلد * * * تركت الغنى لا عاجزاً عن طلابه ... وأنزلت نفسي من منازل محتدي وهذي بحمد الله مني براءة ... فيا أفق سجلها ويا أنجم أشهدي القاهرة ولي الدين يكن

стр. 976

الدروس الدينية في شهر رمضان أصدر ديوان عموم الأوقاف المصرية المنشور الآتي ووزعه على حضرات المدرسين بالمساجد قال فيه: غير خاف على حضراتكم أن ما بين المغرب والعشاء الذي هو الوقت المقرر لإلقاء الدروس الدينية لا يتيسر الاستمرار عليه في شهر رمضان ولذلك رأينا استبداله بما بعد صلاة العصر من كل يوم إلى قبيل الغروب وأملنا ملاحظة التنبيهات الآتية: أولاً: أن يبتدئ في الدرس عقب صلاة العصر على الفور قبل تفرق المصلين من المسجد. ثانياً: بذل الجهد في إيقاف الناس على الحكم الشرعية المقصودة من تشريع العبادات كالصلاة والصوم والزكاة والحج وتفهيمهم أن لي الغرض من الصلاة هو مجرد الحركات التي تصدر من المصلي ولا من الصوم مجرد إجاعة الصائم طول اليوم ولا من الزكاة مجرد إنفاق المال ولا من الحج مجرد السفر في الأودية والقفار بل إن هذه العبادات لها أسرار يقصدها الشارع الحكيم كلها ترجع لصلاح الإنسان في حالتي الانفراد والاجتماع ولسعادته في الدارين دار الدنيا ودار الآخرة وهي لا تؤدي إلى هذا الغرض المطلوب إلا إذا كان عمل الجوارح فيها مقترناً بشعور القلب بها وكان هذا الشعور هو السبب في انبعاث الجوارح لأدائها وهكذا يتوسع في هذا البيان بقر ما تقبله عقول الناس وبقدر ما تدعو إليه الحاجة في وقوفهم على هذه المعاني وإدراكهم لها. ثالثاً: التعرض لبيان ما يكثر وقوعه من أحوال الصوم وأحكامه وما يفطر به الصائم وما لا يفطر وما ورد في السنة مما يتعلق بأدب الصوم والإفطار ولا بأس من ذكر شيء من أخبار الصالحين الصحيحة في آداب صومهم وإفطارهم مع شرح الحكم المعقولة التي تترتب على هذه الآداب. رابعاً الإفاضة في أن أعظم فائدة للصوم هي ذل النفس وانكسارها وخشوعها لله بتركها ما فطرت على تشهيه والتمتع به وكان فيه قوامها وحياتها امتثالاً لأمر الله وخشية من عقابه فإن ذلك مدعاة لشعورها بعظمة الله تعالى وجلاله كلما أحست بألم الجوع وشعرت بأنها ممنوعة من الأكل الذي يدفعه عنها هذا الألم امتثالاً لأمر الله وإذا شعرت النفوس بعظمة الله شعوراً صحيحاً هان عليها ترك جميع شهواتها التي تمقتها مرضاة له جل شأنه ويترتب على ذلك من مكارم الأخلاق مثل العفة والصبر والشجاعة والأمانة والحياء والرحمة

стр. 977

بالمساكين والضعفاء ونحو ذلك وطهارة النفس وصحة البدن ما ينال به الإنسان سعادة الدارين وإن هذا الغرض المقصود للشارع من هذه الفريضة (الصوم) يزول بمطاوعة النفس والهوى في أي شيء من المحظورات كالقتل والسرقة والزنا والسكر وجميع ما فيه إضرار الناس كالنصب والاحتيال وشهادة الزور ونحو ذلك فلا يليق للصائم في هذا الشهر أن يرتكب أي شيء مما ذكر وإلا كان صومه مردوداً عليه ويكون قد عجل لنفسه العذاب في الدنيا بألم الجوع وأمامه في الآخرة العذاب الشديد. خامساً يلاحظ بقدر الإمكان أن لا يكون التدريس في كتاب بل يا حبذا لو أمكن للمدرس أن يحضر الموضوعات من كتب الأخلاق والفقه والتفسير والحديث والسيروان أو في الكتب لشرح ما نرمي إليه من هذه المواضيع كتاب إحياء العلوم للإمام الغزالي وعوارف المعارف للإمام السهروردي ونحوهما ويلخصهما تلخيصاً حسناً ثم يلقيهما على الناس بعبارة مألوفة تقبلها عقولهم. وأما من لا يمكنهم التدريس إلا بالقراءة في الكتاب فيجب عليهم (أولاً) اختيار الكتب الموثوق بصحتها الخالية من الاصطلاحات الفنية. (ثانياً) تفسير كل مسألة يقرؤونها ببيان شافٍ وعبارات تناسب فهم العامة. ولما كان هذا الشهر المبارك شهر تقشف وقناعة وحلمٍ وتواضع ورحمة ولين يستدعي جهاداً عظيماً بإخلاص تام من الوعاظ والمرشدين فعساكم تعملون لذلك في هذا الشهر بما ينفع الناس في دينهم ودنياهم خصوصاً وإن كثيراً من الناس ينكب على العبادات ويتوجه بقلبه إلى الله تعالى في هذا الشهر ويتولد عنده بسبب ذلك وبسبب الصوم إحساس قوي في الدين يجعله مستعداً للتأثر بالمواعظ الدينية والتمسك بما يتعظ به فلو أنكم تتعهدونهم بالموعظة الحسنة والحكم الدينية النافعة وتتدرجون بهم في ترقية هذا الأساس الديني حتى يبلغ درجة كماله لكان في ذلك الخير العظيم والفوز العميم. (الحقائق) نسأل الله تعالى أن يوفق علماءنا وأهل الحل والعقد منا إلى العناية بتعليم العامة، وإرشادهم لمعالم دينهم المبين، وشرعهم المستبين.

стр. 978

التاريخ ١٥ ننشر في هذا الباب سيرة كبار الرجال في الإسلام وشيئاً من فضائلهم وأخلاقهم وأعمالهم وسياستهم لما في ذلك من تحريك بواعث الهم للاقتداء بهم في جلائل الأعمال وكرائم الخصال وليكون زاجراً لأولئك الذين يتغاضون عن مآثر رجال المسلمين ويفتخرون بحفظ تاريخ فلاسفة الغربيين. سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ ٦ أخبار القادسية وصل رستم إلى القادسية بجيش ملأ تلك النواحي وكان معه ثلاثة وثلاثون فيلاً فنزل على العتيق بجانب عسكر المسلمين وركب رستم صبيحة تلك الليلة ونظر عسكر المسلمين حتى انتهى إلى آخرهم. فوقع الرعب في قلبه واستولى عليه الفزع فوقف على القنطرة ثم أرسل إلى زهرة وهو في مقدمة جيش المسلمين فأتى إليه فعرض رستم له بالصلح وقال له كنتم جيراننا وكنا نحسن إليكم ونحفظكم وجعل يذكر جميل صنيعهم مع العرب. فقال له زهرة إنا لم نأتكم لطلب الدنيا إنما رغبتنا في الآخرة. وقد كنا كما ذكرت إلى أن بعث الله فينا رسولاً فدعانا إلى ربه فأجبناه ثم أمرنا أن ندعو الناس إلى دينه الحق. فقال رستم وما هو دين الحق؟ قال: الشهادتان وإخراج الناس من عبادة الخلق إلى عبادة الله والكل إخوان في ذلك. فقال رستم إن أجبنا إلى هذا هل ترجعون؟ فقال زهرة: أي والله. فانصرف عنه رستم ودعا رجال فارس وذكر لهم ذلك فما قبلوا فأرسل إلى سعد أن أبعث إلينا رجلاً نكلمه فبعث إليهم ربعي بن عامر فجاء على فرسه وسيفه في خرقة ورمحه مشدود بعصب فانتهى إلى رستم وهو على سرير من ذهب وبين يديه النمارق والوسائد المنسوجة. فقال الترجمان لربعي ما جاء بكم فقال إن الله أمرنا أن نخرج عباده من ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام وأرسلنا بدينه إلى خلته فمن انقاد له تركناه وأرضه ومن أبى قاتلناه حتى نفوز بالجنة أو الظفر. فقال رستم هل لكم أن تؤخروا هذا الأمر حتى ننظر فيه. فقال نعم ولكن مما سن لنا رسول الله ﷺ أن لا نمكن الأعداء

стр. 979

أكثر من ثلاث فانظر في الأمر ثم اختر إما الإسلام وندعك وأرضك. أو الجزية فنقبل ونكف عنك ونحميك إن اعتدى أحد عليك. أو القتال في اليوم الرابع. وأنا كفيل بهذا عن أصحابي فخلا رستم برؤساء قومه وقال هل رأيتم كلاماً قط مثل كلام هذا فأروه الاستخفاف بشأنه وثيابه فقال ويحكم إنما انظر إلى الرأي والكلام (والعرب تستخف باللباس وتصون الأحساب) ثم أرسل رستم في اليوم الثاني إلى سعد ليبعث إليه ربعي بن عامر مرة ثانية فبعث إليهم حذيفة بن محصن فأجاب بما أجاب به ربعي بن عامر ثم قال له رستم ولماذا لم يأتنا الأول فقال حذيفة (أميرنا يعدل بيننا في الشدة والرخاء وهذه نوبتي). فقال رستم والمواعدة إلى متى فقال إلى ثلاث من أمس وانصرف. فخاض رستم بأصحابه يعجبهم من شأن القوم وطلب في اليوم الثالث رجلاً آخر فجاءه المغيرة بن شعبة فتكلم رستم وعظم أمر فارس وقوتهم وصغر أمر العرب وقال للمغيرة ما حملكم على هذا إلا ما بكم من الجهد فانصرفوا ونحن نعطي أميركم كسوة وبغلاً وألف درهم وكل رجل منكم حمل تمر فقال المغيرة أما الذي وصفتنا به من سوء الحال والضيق فنعرفه ولا ننكره - والدنيا دول - والشدة بعدها الرخاء - وإن الله بعث فينا رسولاً أنقذنا من ذلك ثم ذكر مثل ما تقدم من التخيير بين الإسلام أو الجزية أو القتال فقال رستم إذاً تموتون دونها فقال المغيرة: من قتل منا دخل الجنة ومن بقي ظفر بكم. فاستشاط رستم غضباً وحلف أن لا يقع الصلح أبداً وانصرف المغيرة. فخلا رستم بأهل فارس وعرض عليه مصالحة القوم وحذرهم عاقبة حربهم فما قبلوا كلامه. ثم أرسل سعد بن مالك ﵁ إلى رستم ثلاثة من ذوي الرأي فلما انتهوا إليه قالوا له إن أميرنا يدعوك إلى ما هو خير لنا ولك فاتق الله ولا يكونن هلاك قومك على يدك فقال لهم رستم إن الأمثال أوضح من كثير من الكلام. إنكم كنتم أهل جهد وفقر وكنا نحسن إليكم فلما أكلتم طعامنا أتيتمونا وإنما مثلكم ومثلنا كمثل رجل له كرم فرأى فيه ثعلباً فأغضى عنه وقال وماذا يأخذ ثعلب فانطلق الثعلب فدعا الثعالب إلى ذلك الكرم فلما اجتمعوا إليه سد صاحب الكرم النقب الذي دخلن منه ثم قتلهن. وإني أعلم أن الحرص والجهد قد حملاكم على ما صنعتم وإنا لا اشتهي قتلكم فارجعوا ونحن نميركم. فقال له القوم

стр. 980

قد كنا على ما وصفت من الضيق وسوء الحال فأرسل الله إلينا رسولاً نظم شملنا وهذبنا بآداب دينه. وأما ما ضربت من المثل فليس كذلك. ولكن إنما مثلكم كمثل رجل غرس أرضاً واختار لها الشجر وأجرى إليها الأنهار وزينها بالقصور وأقام فيها فلاحين يسكنون قصورها ويقومون على جناتها فخلا الفلاحون في القصور على ما لا يحب. فأطال إمهالهم فلم يستحيوا. فدعا إليها غيرهم وأخرجهم منها. فقال رستم أتعبرون إلينا أم نعبر إليكم فقالوا بل اعبروا إلينا ورجعوا من عنده عشياً. وأرسل سعد إلى أصحابه أن يقفوا مواقفهم. وأرسل إلى رستم أن يعبروا إليه. فأراد رستم العبور على القنطرة فمنعهم سعد وقال أما شيء غلبناكم عليه فلن نرده عليكم. فباتوا يسكرون (العتيق) بالتراب والقصب والبرادع حتى جعلوا جسراً. فعبر رستم ونصب له سريره فجلس عليه. وجعل الفيلة في قلب جيشه ومجنبتيه وجعل الجالينوس بينه وبينه الميمنة والفيرزان بينه وبين الميسرة. ورتب يزدجرد الرجال بين المدائن والقادسية وهو ملك الفرس يومئذ فجعل أول الرجال على باب إيوانه وآخرهم مع رستم فكلما فعل رستم شيئاً قال الذي معه للذي يليه قد حصل كذا وكذا ثم يقول الثاني ذلك للذي يليه وهكذا إلى أن ينتهي إلى يزدجرد في أسرع وقت. وأخذ المسلمون مصافهم. وكان أميرهم سعد ﵁ قد أصابته دماميل منعته من النزول إلى الحرب بنفسه فاستخلف خالد بن عرفطة على الناس وحثهم على الجهاد وكان ذلك في المحرم سنة أربع عشرة من الهجرة وأرسل جماعة من أهل الرأي لتحريض الناس على القتال ففعلوا. ثم أمر بقراءة سورة الأنفال فهشت قلوب المؤمنين وعيونهم عند سماعها وازدادوا بقراءتها سكينة ويقيناً. وكان مع الفرس يومئذ ثلاثون ألف مسلسل. ثم قال سعد لأصحابه الزموا مواقفكم فإذا صليتم الظهر فإني مكبر تكبيرة فكبروا واستعدوا. فإذا سمعتم الثانية فكبروا وأتموا عدتكم. فإذا سمعتم الثالثة فكبروا ونشطوا الناس. فإذا سمعتم الرابعة فازحفوا حتى تخالطوا عدوكم وقولوا لا حول ولا قوة إلا بالله. فلما كبر الثالثة برز أهل النجدات فأشبوا القتال وخرج أمثالهم من الفرس اعتوروا الطعن والضرب وارتجزوا الشعر وأدول من أسر في ذلك اليوم هرمز وكان من ملوك الباب وهو متوج يومئذ. أسره غالب بن عبد الله الأسدي فدفعه إلى سعد ورجع إلى الحرب ثم خرج فارسي وطلب البراز فبرز إليه عمرو بن معدي كرب فأخذه وجلد به الأرض فذبحه وأخذ

стр. 981

سواريه ومنطقته ثم حمل الفرس بالفيلة على المسلمين حملة واحدة. وكبر الرابعة فزحف المسلمون ودارت رحى الحرب ونفرت خيول المسلمين من الفيلة. فخرج الرماة يرشقون الفيلة بالنبل. واشتد لردها آخرون وحمل المسلمون على الفيلة ومن معها من الفرس حملة زلزلت أركانهم. فاشتد عواء الفيلة ووقت الصناديق فهلك أصحابها ثم اقتتلوا إلى الليل وكان هذا اليوم يوم الرماة. ولما أصبحوا إذا هم بخيل طالعة من الشام كان عمر ﵁ أرسلها مدداً لهم بعد أن فتح دمشق. فإنه عزل خالد بن الوليد عن جند العراق وأمر أبا عبيدة أن يؤمر عليهم هاشم بن عتبة يردهم إلى العراق. فخرج بهم هاشم وعلى مقدمته القعقاع بن عمرو فتعجل القعقاع فقدم على الناس صبيحة ذلك اليوم وهو يوم أغواث. وقد عهد إلى أصحابه أن يلحقوا به ألفاً ألفاً كما بلغ ألف منهم مد البصر تبعه ألف آخر. فسلم القعقاع على الناس وبشرهم بالجنود ثم تقدم للقتال وطلب البراز. فخرج إليه ذر الحاجب فقتله القعقاع وسر المسلمون بذلك ووهنت الأعاجم. ثم طلب البراز أيضاً فخرج إليه الفيرزان والبندوان فقتل الأول ثم نادى يا معشر المسلمين باشروهم بالسيوف فحمل المسلمون على الفرس وأكثروا القتل فيهم ودام القتال أياماً متتابعة حتى هربت الفيلة وانتهوا إلى رستم وهو القائد لجيش الفرس فقتلوه ثم انهزم المشركون وتبعهم المسلمون فوصلوا إلى الجالينوس وهو يجمع المنهزمين فقتلوه أيضاً وجمعوا من الأسلاب والأموال ما لم يجمع مثله قبله ولا بعده. وأخذ ضرار بن الخطاب راية الفرس العظيمة وكانت قيمتها ألف ألف ومائة ألف ألف واستولى المسلمون على تلك البلاد. وكتب سعد إلى سيدنا عمر ﵁ بالفتح وأقام بالقادسية ينتظر كتاب عمر فوصل الكتاب يأمره أن يقيم بالقادسية. (يتبع)

стр. 982

سلسلة حكم الخلفاء ٣ (معاوية ﵁ المروءة احتمال الجريرة وإصلاح أمر العشيرة والنبل الحلم عند الغضب والعفو عن المقدرة. ما رأيت تبذيراً قط إلا وفي جنبه حق مضيع. أنقص الناس عقلاً من ظلم من هو دونه. أولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة. إصلاح ما في يدك أسلم من طلب ما في أيدي الناس. غضبي على من أملك وما غضبي على من لا أملك وقال ﵁ لعبيد الله بن زياد يا ابن أخي احفظ عني لا يكن معك في عسكرك أمير غيرك ولا تقولن على منبرك قولاً يخالفه فعلك ومهما غلبت فلا تغلبن على موتة كريمة. ومن سفه بالحلم أقمعه إني لا أحمل السيف على من لا سيف معه وإن لم تكن إلا كلمة يشتفي بها مشتف جعلتها تحت قدمي ودبر أذني المقذع إن الله سبحانه يقي من اتقاه. لا واقي لمن لا يتقي الله. وقال لعبد الرحمن بن الحكم يا ابن أخي إن قد لهجت بالشعر فإياك والنسيب بالمساء فتعير الشريفة والهجاء فتعير كريماً وتستثير لئيماً والمدح فإنه طعمة الوقاح ولكن افخر بمفاخر قومك وقل من الأمثال ما تزين به نفسك وتؤدب به غيرك. إني لأرفع نفسي من أن يكون ذنب أعظم من عفوي وجهل أكبر من حلمي وعورة لا أواريها بستري وإساءة أكثر من إحساني. قيل له أي الناس أحب إليك قال أشدهم لي تحبباً إلى الناس. العقل والحلم والعلم أفضل ما أعطي العباد، إن الكريم طروب. خطب يوماً من أيامه بدمشق فقال أيا أيها الناس سافروا بأبصاركم في كر الجديدين ثم ارجعوها كليلة عند بلوغ الأمد فإن الماضي عظمة للباقي ولا تجعلوا الغرور سبيل العجز عن الجد فتنقطع حجتكم في موقف الله سائلكم فيه ومحاسبكم فيما أسلفتم. أيها الناس أمس شاهد فاحذروه واليوم مؤدب فاعرفوه وغداً رسول فأكرموه وكونوا على حذر من هجوم القدر فإن أعمالكم مطيات أبدانكم والعمر ميدان يكثر فيه الثأر والسالم ناجٍ والعاثر في النار. (معاوية بن يزيد ﵀ ما أنا بالراغب في الائتمار. الساخط علي أكثر من الراضي ويلي أن لم يرحمني ربي. (مروان بن الحكم) قال لابنه آثر الحق وحصن مملكتك بالعدل فإنه سورها المنيع لا يغرقه

стр. 983

ماء ولا تحرقه نار ولا يهدمه منجنيق. وقال لابن عبد العزيز لما انصرف من مصر إلى الشام واستعمله على مصر أرسل حكيماً ولا توصه انظر أي بني إلى أعمالك فإن كان لهم عندك حق غدوة فلا تؤخرهم إلى عشية وإن كان لهم عشية فلا تؤخرهم إلى غدوة وأعطهم حقوقهم عند محلها تستوجب بذلك الطاعة منهم وإياك أن يظهر لرعيتك منك كذب فلا يصدقونك في الحق، واستشر جلساءك وأهل العلم فإن لم يستبن لك فاكتب إلي يأتك رأيي فيه إن شاء الله تعالى وإن كان بك غضب على أحد من رعيتك فلا تؤاخذه به عند سورة الغضب واحبس عنه عقوبتك حتى يسكن غضبك ثم يكون منك ما يكون وأنت ساكن الغضب مطفأ الجمرة فإن أول من جعل السجن كان حليماً ذا أناة ثم انظر إلى ذي الحسب والدين والمروءة فليكونوا أصحابك وجلساءك ثم اعرف منازلهم منك على غيرهم على غير استرسال ولا انقباض أقول هذا واستخلف الله عليك. (عبد الله بن الزبير ﵁ لم يذل والله من كان الحق معه وإن كان مفرداً ضعيفاً ولم يعز من كان الباطل معه وإن كان في العدة والعدد والكثرة، إن لفراق الحميم لذعة يجدها حميمه عند المصيبة ثم يرعوى من بعد ذو الرأي والدين إلى جميل الصبر، إنما الدنيا عارية من الملك القهار الذي لا يزول سلطانه ويبيد ملكه فإن تقبل الدنيا علي لا آخذها أخذ الأشر البطر وإن تدبر عني لا أبك عليها بكاء الخرف المهين، لا أعلم امرئ كسر سيفه واستبقى نفسه فإن الرجل إذا ذهب سلاحه فهو كالمرأة أعزل. إبراهيم خليل مردم بك (لها بقية)

стр. 984

العدد ٣٢ - بتاريخ: ٢ - ٩ - ١٩١٣

стр. 985

الدين الإسلامي والتوحيد ٢٥ أحوال يوم القيامة ذكرنا أن الإيمان باليوم الآخر ركن من أركان الإيمان. ولا يصح إيمان عبد حتى يصدق به من صميم قلبه تصديقاً لا يشوبه شك ولا ترديد ومعنى الإيمان به التصديق بالأحوال التي تقع فيه فمن ذلك البعث والحشر وقد تقدم الكلام عليهما مستوفى ومن ذلك ما ينال الناس في ذلك اليوم من الشدة والهول والخوف والفزع وإلى ذلك الإشارة بقوله عز اسمه ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ، يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ وقول سبحانه ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ، مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء﴾ ومنه إلجام الناس بالعرق على قد أعمالهم ففي الحديث عنه ﷺ تدنو الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق فمنهم من يكون على كعبيه ومنهم من يكون إلى ركبتيه ومنهم من يكون إلى حقويه ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً وأشار ﵊ إلى فيه. ومنه أنه تعالى يكرم بعض عباده فينجيهم من حر الشمس ويظلهم تحت ظل عرشه فقد أخر البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال ﵊ سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله الإمام العادل وشاب نشأ في عبادة ربه ورجل قلبه معلق في المساجد ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ورجل طلبته ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله ورجل تصدق أخفى حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه. ومنه أن الناس إذا خرجوا من قبورهم خرجوا عطاشاً فيرد المتقون من حوض النبي ﷺ للشرب منه وهو أي حوضه ﷺ ثابت بإجماع أهل السنة والأحاديث الصحيحة المستفضية شاهدة به وقد ذكرنا في الخصائص وصف الحوض وأن ماءه أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل. وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو
следующие страницы →