← Акыда

Акыда · id 29677

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

ابن الوزير

Полный текст (3 702 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

القول، بل حكم أهلُ الحديث بالتَّتبُّع التّام، والبحثِ الطويل، والنَّظرِ في الشَّواهد والتوابع والقرائن، وجمعِ الطرق أنَّ أهلَ العصرِ النَّبويِّ وتابعيهم وتابعي تابعيهم لم يكن فيهم من تَعَمَّد وَضْعَ الحديثِ زوراً إلى أيَّام بني العَبَّاس، وظهر ذلِكَ وظهر أهلُه، وقد نصَّ المنصورُ بالله ﵇ على مثل كلامهم في أنَّه لا يُسألُ عن عدالة الثَّلاثَة القُرونِ الأُوَل، وأنَّ ذلك معلومٌ عندَ العلماء، بل صحَّت الأحاديثُ الكثيرةُ في ذلك بلفظ: " خَيْرُكُم القَرْنُ الَّذينَ بُعِثْتُ فيهِمْ، ثُم الذين يَلُونَهُمْ، ثمَّ الذين يَلُونهُمْ، ثُمَّ يَفْشُو الكذِبُ مِنْ بَعْدُ " (١)، واعتضَدَ هذا بِخِبْرة أهلِ الحديث لذلك وتتبُّعِهم (٢) لِمَا صحت روايتهُ عَنْ أهلِ ذلك العصرِ محقِّهم ومبطِلِهم، والنظر فيما رَووْهُ وفي شواهده، وكُلُّ أهلِ فنٍّ أعرفُ بفنِّهم كما ذكرته فيما تقدَّم منْ هذا الكتاب. ولهذه الأمورُ ترى كثيراً مِنْ أئمَّة العِترة وشيعتهم والسَّلَفِ يروون أحاديث هؤلاء كما يرويها أهلُ الحديث، منهم أبو عبد الرحمان النسائي في " سُننه " مع بغضه لمعاوية (٣)، وكلامه عليه، حتَّى قُتِلَ في دمشق بسبب كلامهِ عليه، ومع ذلِكَ روى عنه في " سننه " غيْرَ حديثٍ، وكذا

стр. 1017

الحاكمُ، وابنُ منده وغيرهم مِنَ الشِّيعة، وأظهرُ مِنْ ذلِك روايةُ الأميرِ (١) الحسينِ بن محمد الحسني الهادوي إمامِ الزَّيْدِيَّة في علم الحديث فإنَّه افتتح كتابه " شفاء الأوام " بحديثين من رواية المغيرة، ولم يَرْوِ أوَّلَ منهما، ولم يذكر لهما شاهداً مِنْ غير طريق المغيرة، وصرَّح بأنَّهما من رواية المغيرة، ولم يعتَذِرْ عن ذلِكَ، ولا أنكره عليه أحدٌ من أهله، ولا أهلَ مذهبه. وروى محمدُ بن منصورٍ الكوفيُّ محبُّ أهل البيتِ، ومصنِّفُ علومِهم في كتابه " علوم آل محمد " وتُعْرَفُ بأمالي أحمد بن عيسى بن زيد ﵈ حديثَ وائلِ بنِ حُجر في وضعِ الأكُفِّ على الأكُفِّ (٢). ذكره في حق الصلاة، والتَّغليس بالفجر بَعْدَ أوقات الصلاة، ولم يضَعِّفْه، ولا تأوَّلَهُ، ولا ذكر له معارضاً، ولا أنَّه حُجَّةُ منْ لا خلاَقَ (٣) لَهُ مِنْ أعداءِ العِترة، بل أدخله في كتابه الذي سَمَّاه " علوم آل محمد "، ولم يُدْخِلْ فيه إلاَّ أدلَّتهم الصَّحيحة عندَهم وعلى أصولهم، ولذلك قال الأميرُ الحسين في كتاب الوصايا من " شفاء الأوام " ما لفظه: فأمَّا الفاسق من جهة التأويل، فلسنا نُبْطِلُ كفاءتَه في النكاح كما تقدَّم، ونقْبَلُ خَبَرهُ الذي نجعلُه أصلاً في الأحكام الشرعيَّة لإجماع الصَّحابة ﵃ على قبول البُغاة على أمير المؤمنين وإجماعهم حجة. انتهي بحروفه.

стр. 1018

وقد روى الإمامانِ المنصورُ بالله، والمؤيَّد (١) يحيى بن حمزة حديث معاوية في " الأربعين الودعانية " (٢)، وشرحاه، وهو (٣٢) منها، وقبلا الودعاني مصنِّف الأربعين مع تخريجه (٣) لحديث معاوية فيما اختاره للأُمَّة في خُطَبِها ومواعِظها، ولم يستخرجا له من روايته حديثَ معاوية أنَّه ناصِبِيُّ منافق، بَلِ اعتمدا (٤) عليه في قبولِ الخطب الأربعين.

стр. 1019

فأما الإمامُ (١) يحيى بنُ حمزة فنص (٢) على صِحَّتها في خطبةِ شرحه لها، ولم يستثنِ حديثَ معاوية في خطبة شرحه (٣)، ولا في شرح حديث معاوية، وذكر -مع مبالغته في تصحيحها- أنَّه اعتمد في ذلك على مصنِّفها، فهذا أكثرُ تساهلاً في التصحيح من المحدثين بالضرورة التي يعلمها أهلُ هذا الشَّأْنِ. ومنَ المشهور في كتب الحديث أنَّ عليَّ بن الحسين ﵇ روى عن مروانِ بنِ الحكم، وابنُ عباسٍ، وأبو سعيدٍ، وابنُ المسيِّب رَوَوْا عن معاويةَ وأمثالهم، ولو لم يرْوُوا عنهم، لم يتَّصِل السَّندُ إليهم. وكذلك روى الهادي يحيى بن الحسين ﵇ (٤) في كتابه " المنتخب " حديثَ عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جَدِّه، وهو عمرو بنُ شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، وقد اختلف في الضمير في " جَدِّهِ " على من يعود (٥). وقد قال أحمد في " المسند ": حدثنا يزيد، حدثنا همَّامٌ، عن قتادة، أو عن ابن سيرين، عن عبد الله بن عمرو بنِ العاص، قال: كنتُ مع رسولِ الله ﷺ ، فجاء أبو بكر، فقال: " بَشِّرْهُ (٦) بالجنة "، ثمَّ عمر، ثمَّ، عثمان كذلك، فقلت: وأَيْنَ أنا؟ قال: " مَعَ أبِيكَ " (٧)،

стр. 1020

رجالُه رجال البخاريِّ ومسلم لولا أنّ قتادة مُدَلِّسٌ، ويُرجى لعمرو التَّوبة، لقوله عند موته كما نُوَضِّحهُ. الوجهُ الثاني من الجواب: وذلكَ أنَّ حُفَّاظ الحديث، وأَئِمَّةَ النَّقل لم يقتصِروا على تدوينِ الصحيح المُجْمعِ على صحته عند جميع فِرَق الإسلام بحيث يقطعون على تخطئة المخالف فيه، بل قصدوا إلى تدوين القسمين معاً، أحدهما: المقطوعُ بصحَّته، وثانيهما: الصَّحيحُ المبنيُّ على اجتهادهم الذي يُمْكِنُ الخلافُ فيه، بل دوَّنوا قسمين آخرين أضعف مِنْ هذا القسم المختَلَفِ في صِحَّته. أحدهما: الأحاديثُ الحسانُ التي تَقْوى بكثرةِ رواتِها، ولا تقوى ما انفرد به أحدُهم. وثانيها: الشَّواذُ، والمنكراتُ، وأحاديثُ المجاهيل والضُّعفاء، ليستفادَ مِن روايتها إمَّا تواترٌ أو ظنٌّ فيما لم يُعَارِضْه حديثٌ صحيحٌ، ثمَّ اعتبروا في الجميع ظنَّ الصِّدق حتَّى كان الحافظ الرَّقيقُ الدِّين المُجرَّب الصِّدق أقوى عندَهم مِنَ العابِدِ الزَّاهد السَّيئ الحفظِ المجرَّب الوهم، الفاحشِ الخطأ، الكثيرِ الغفلة، حتى ذكروا أنَّ الكَذِبَ في الحديث أكثرُ قدحاً في الرِّواية من الكُفر، ولذلك وَثِقَ رسولُ الله ﷺ بدليله الدِّيلي يَوْمَ هاجَرَ، وكان دليلُه كافراً (١).

стр. 1021

ووثِقَ بعهدِ سُراقة الذي لَحِقَهُ يومَ هاجر، فدعا عليه حتَّى أعطاه عهدَه ألاَّ أخبر بِهِ (١)، وقد مضى من هذا طرفٌ صالح، وسيأتي مستوفى في الوهم الثالث والثلاثين. وإنَّما قَصَدُوا ما ذكرناه في جمع الحديث وحفظه، لأنَّه أعدلُ الأمور في اجتهادهم، فإنَّهم لو اقتصروا على حفظ المجمع على صحّته وتدوينه للمسلمين دون ما عداه، خافوا أن يضيعَ جمهورُ الحديثِ النَّبويّ، وهذا تساهلٌ في جسيمِ أمرِ الإسلام، ومعظم قواعدِ الدِّينِ، وإن دوَّنوا حديثَ الكذَّابين، وخلطوا الصَّحيحَ بالسَّقيم، أدخلوا في السُّنَّة النبوية ما هي عنه بَرِيَّة، فسلكوا مناهِجَ التَّحرِّي في التَّوسُّط والتَّقَوِّي بالنَّظر في حديث الرَّاوي، وما يَنْفَرِدُ به، وما يُتَابَعُ عليه، وما يُنْكَرُ مِن حديثه، وتتَّبعوا ذلك وأمعنوا فيه، وهو المُسمَّى بالاعتبار في عُلومهم، وبلغوا في ذلِكَ مبلغاً عظيماً أعْجَزَ مَنْ قبلهم مِنَ الأُمَم حتَّى عُدَّ في معجزاتِ رسولِ الله ﷺ ومِن آياته، كما ذكره (٢) السيد الإمامُ المؤيَّد بالله في كتابه في النبوات، وذكره الجاحظُ (٣) قبلَه.

стр. 1022

وقد رُويَ عن أبي حنيفة قبولُ الفاسِقِ المتعمِّد إذا كان معروفاً بالصِّدق. وقال الإمام المنصور بالله بذلِك في الشَّهادة، وهي أقوى مِنَ الرِّواية حيث لا يُوجَدُ العدولُ، وعلَّل ذلِك بأنَّ اعتبارَ العدول حيث لا يوجدون يُؤدِّي إلى ضَياع الأموالِ، والعدالةُ الكاملةُ إنَّما شُرِعتْ لحفظها، فيجبُ أن نعتبرَ ما كان أقربَ إلى حفظها الَّذي هُوَ المقصودُ الأوَّلُ، فاعتبر أهل الصدق واحتجَّ بقوله تعالى: ﴿أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْض﴾ [المائدة: ١٠٦]. وهذا عارضٌ، القصدُ به التَّعريفُ بمذاهب أهل الرواية، وعُرفِهِم فيها، وأنَّهم قصدوا أن يُدَوِّنوا لأهلِ الإِسلام ما يقبلونه كلُّهم أو يقبلُه بعضُهم، وإن شذَّ، ولذلك روى المحدِّثون المراسيلَ في كتبٍ مفردَةٍ (١) لمن يقبلها، وإن كانوا لا يقبلونها، وروى من يقبل المراسيلَ مثل مالكٍ الأحاديثَ المسنَدَةَ بأسانيدها لمن يشترطُ الإسناد، ونحو ذلك.

стр. 1023

قالوا: وأمَّا توقُّفُ مَنْ تَوَقَّفَ منَ الصَّحابة في بعض الأحاديث، فلقرائنَ أوجبت الرِّيبةَ بالتَّفَرُّد، وذلك هُوَ المُسَمَّى بالإعلال في علوم الحديث، كحديث عمَّار في التيمُّم، فإنَّه ذكر فيه أنَّ عمر كان معه في الواقعة، فلم يذكر ذلكَ عُمرُ معه، مع أنَّها واقعة لا يكاد يُنسى مثلُها، فتعارضَ عليه نسيانُه وغفلَتُه عمَّا لا يكادُ ينسى، وصِدقُ عَمَّارٍ وأمانتُه، فوقف في حقِّ نفسه، وأذن لعمَّار في روايةِ ذلك لِغيره ليعلموا به. وقد روى النَّسائي (١) حديثاً في التَّخيير بين رأي عمرو ورأي الجماعة في ذلك، يعني في التيمُّم للجُنُبِ عِنْدَ عدمِ الماء، أو تعذُّرِ استعماله. الوجه الثالث: أنَّ المحدثين حين رَأَوُا اختلاف الناس في مَنْ يُقْبَلُ ولا يُقبل مع اختلافهم فيما يُجْرَحُ به، وما لا يُجْرَحُ به، أوجبوا بيانَ الإِسناد والتَّصريحَ بأسماءِ الرُّواة، وترك التَّدليس والإِرسال في كُلِّ ما ادَّعَوْا صِحَّتهُ، ليتمكَّنَ كُلُّ أحدٍ مِن الأمَّة مِنَ النَّظر في الحديث، وفي صِحَّته، حتَّى يكونَ على بصيرةٍ في الموافقة على التَّصحيح أو المخالفة، أو الموافقة على التَّضعيف أو المخالفة فيه، فزال المحذورُ مِنْ روايتهم عمَّن حارب أميرَ المؤمنين ﵇، لأنّهم قد بيَّنوا ما روَوْهُ عنهم، وصرَّحوا بأسمائهم، ولم يقولوا: صحَّ لنا حديث كذا عمَّن نَثِقُ به، بل نصُّوا على

стр. 1024

أنَّ من قال: حدَّثني الثِّقة، ولم يسَمِّه أنَّه لا يقبل، لجواز أن يكون ذلِكَ الثِّقَةُ عنده مِمَّن لو صرَّح باسمه لخولِفَ في توثيقه (١)؛ لأنَّه صح وثبت أنَّ التَّوثيق مِمَّا يقع فيه الاختلافُ الكثير، والخصمُ مسلِّم أنَّ أئِمَّة الزَّيديَّة، والحنفيّة، والمالكية، وكثير مِن التَّابعين يروون الأحاديث المرسلة، ويقولون بوجوب قبولهم فيما أرسلوه، ولا شَكَّ أنَّ المرسِلَ على تسليم أنَّه لا يُرسِلُ إلاَّ ما صحَّ عنده إنَّما يبني (٢) صحَّة الحديث عنده على اجتهاده، وأنه لم يبين طريقَهُ في اجتهاده في تصحيح ذلِكَ الحديث المرسل، حتى يتمكّن المخالِفُ لَهُ مِنْ موافقته على بصيرة، أو مخالفته كذلك، فالاعتراض على مَنْ فعل ذلك مِنَ المُرْسِلِيْنَ، أَو مَنْ قَبِلَه منهم أصعبُ وألزمُ للخصم مِنَ الاعتراضِ على من بيَّن مستَنَدَهُ لمَنْ يقبله، ولمن لا يقبلُه، وأبعد مِنَ الرِّيبة ومِنْ كُلِّ وسيلة إليها، حَتَّى تركوا لذلك المراسيل، والمقاطيع، والتَّعاليق إلاَّ ما دلَّ الدَّليل على صِحَّته مِنْ ذلك، بل أوضحُ من هذا أنَّهم بيَّنُوا في كتب الرِّجال جميعَ ما صَحَّ مِنْ مناقم الشِّيعة على أولئك، وحكموا بصحَّة الصحيح منه، فانظر ذلك في " النبلاء " وغيره، وما غرَّك منْ أَوْضَح لك مستندَهُ، وأبدى لك صفحتَه، ولا ضرَّك مَنْ مكَّنك

стр. 1025

مِن النظر فيما ادَّعى صحَّته لتُوافِقَه على بصيرة، أو تخالفه على بصيرة (١)، ولو أرادوا خديعةَ المسلمين في ذلك، لجرَّدوا دعوى صِحَّة الحديث عن بيان الرُّواة وتسميتهم، وتركوا الناس بذلك في عمياء لا دليل بها، وظلماءَ لا نُورَ فيها، ولم يشحنوا الصَّحاح بأحاديث: "إنَّهُمْ ما زَالوا بعْدَكَ مُرْتَدِّينَ علَى أدْبارِهِمْ فأقولُ: سُحْقَاً لمَنْ بَدَّل بعدي، وأقول كما قال العَبْد الصَّالحُ" (٢). فالحمدُ لله الَّذي بيَّن بِهِمُ الطريق إلى حُسْن الاختيار، ومكَّن بحميدِ سعيهم أهلَ الاجتهاد مِنَ الاستبصار، ولولاهم لكانَتِ الأحاديثُ كلُّها مرسلَةً، ولجوَّزنا أنها عمَّن لا يُرتضى مِنَ المختلف فيهم، ومن محاربي أميرِ المؤمنين، ومِن المجاهيل، وسيأتي في الوهم الثالث والثلاثين أَوَّل المجلد الرابع إن شاء الله تعالى بيانُ مذاهبهما في هؤلاء المُشَارِ إليهم على التفصيل إن شاء الله تعالى، وزيادة البيان لاعتمادهم على قُوة الظنِّ للصِّدق في باب الرِّواية وتقويتها بما لها من الشَّواهد والتَّوابع، وتمييزهم لذلك مِنَ المنكرات، والغرائِب، والشَّواذِّ. الوجه الرابع: أنَّ اعتراضَ كتبِ الحديث الصَّحاح بأنَّ فيها ما ليس بصحيح عندَ غيرهم، عمَلُ منْ لم يعْرِفْ ما معنى الصحيح عند أهله ، وذلك أنَّ أكثر الصَّحيحِ عندهم ممَّا يَصِحُّ الاختلافُ فيه، بل ما زال علماءُ

стр. 1026

النَّقل يختلفون في التصحيح، فهو مثلُ مذاهب العلماء في الفُروع الاجتهاديَّة والمضطربات الظنية، ألا ترى أنَّ حُكْمَهمْ بأنّ الرجُل حافظٌ، أو سيىءُ الحفظ، أو صدوقٌ، لا يصحُّ أن يُبنى إلاَّ على الظَّنِّ والاجتهاد؟ ولذلِكَ كان قبُولُ المرسل مِمَّنِ أرسله ضعيفاً عندهم، لأنَّه على الحقيقة تقليدٌ له في تصحيح ما ظن صحته، وتقليدُ العلماء بعضهم لبعض مما (١) يبنى عليه الاجتهادُ لا يجوز كما أوضحته في علوم الحديث (٢). وقد مرَّ الجوابُ على السيد حين زعم أنَّ جميعَ ما في الصَّحيح مُجْمَعٌ على صحته عندَ المحدِّثين، وكيفَ يصحُ ذلك والبخاري يخالِفُ مسلماً في تصحيح ما اكتفي فيه بالمُعَاصرَةِ (٣)، وفي كثيرٍ من رجاله، ومسلم كذلك يُخَالِفُ البخاريَّ في بعض رجاله؟ وقد ذكر ابن حجر في مقدمة "شرح البخاري" ما اعترض على البخاري، وخُولفَ في تصحيحه مِمَّا في صحيحه، فذكر أكثَرَ مِنْ مئة حديثٍ، وذكر أيضاً مَنْ خُولِفَ البخاريُّ في توثيقه من رجاله، فذكر خلقاً كثيراً، وذكر ما يسوغُ مخالفتُه فيه من قواعده، كمخالفته في تصحيح حديث عِكرِمَة، فقد خالفه في ذلك مالِكٌ، ومسلمٌ صاحبُه، وجِلَّة مِنْ أئمَّة التَّابعين لا يأتي عليهمُ العَدُّ. وكذلِكَ قبولُ العَنْعنَةِ عَنْ بعضِ المدلِّسين في بعض المواضع، وهذا معلومٌ من مذاهب المحدِّثين بالضرورة لمَنْ بحث، ولذلك ترى الحاكم ابنَ البَيِّع أحدٌ أئِمَّة الشيعة، وأئمة الحديث يُنَاقِشُ الشيخين في كتابه "المستدرك"، ويذكر علَّتهما في ترك

стр. 1027

بعض الأحاديث، وُيبَيِّنُ أنَّها علَّةٌ ضعيفةٌ أو منقوضةٌ. والاختلافُ في تصحيح الأحاديث بين أئمَّة الحديث سُنَّةٌ ماضيةٌ، كاختلاف الفُقهاء في الفُروع، بل هي (١) سُنَّةُ أصحاب رسول الله ﷺ حتَّى في مرويَّات الصحابة، فقد توقَّف عُمرُ ﵁ في حديث أبي موسى في الاستئذان حتى شهد له أبو سعيد (٢)، وفي حديث عمار لنسيانه له مع حضوره للقصَّة، وهي من أدلَّة المحدِّثين على الردِّ بالإعلال. وقال أميرُ المؤمنين ﵇: ومن اتَّهَمْتُهْ استحلفتُه (٣)، فأجاز التُّهمةَ للبعض في ذلك العصر، وقبول المتهم بعد التقوِّي بيمينِه، وهو حُجة على مدارِ الرواية على ظَن الصدق، لا على البراءة مِنَ التهمة، وهو حديثٌ ثابتٌ عنه ﵇. وكذلك الاختلافُ في تعديل الشُّهود، والرُّواة، وما يُجَرَّحون به، وما لا يُجَرَّحُون ممَّا اشتملت عليه كُتُبُ هذا الفَنِّ يستلزم بالضَّرورة الاختلافَ الكثير (٤) في التَّصحيح، وتلخيصُ هذا الوجه أنْ نقول: قولُك

стр. 1028

فيها غير صحيحٍ، تعني عندهم أو عندَ غيرهم الأول ممنوع، والثَّاني مُسَلَّمٌ ولا يضُرُّ تسليمُه، فإذا كان الخلافُ بين أئمَّةِ الحديث في التَّصحيح شائعاً كثيراً، فما ينكر منَ اختلافهم هم والشِّيعة في بعض الأحاديث الظِّنِّيّة؟ وأنتم أيُّها المتكلِّمون لا تزالون مختلفينَ في العقليّات القطعيّة، ويزعم كُلٌّ منكم أنَّه بنى خلافَه على البراهين اليقينيّة، فذلك هو الَّذي يستلزم التَّكاذبَ الصَّريح، وأمَّا مواضِعُ الظُّنون مِنَ الرِّواية والفروع، فمجالُ الخلاف فيها مُتَّسِعٌ، ومنهجُه متَّضِحٌ، والأمرُ في ذلك قريبٌ، وكُلُّ مجتهدٍ هنالك مصيبٌ أو آخِذٌ مِنَ الأجرِ بنصيبٍ، بل الاختلافُ في هذا المقام مِنْ ضرورات الطَّبائع الذي استمرَّت به العوائد والشَّرائع (١) حتَّى حكاه الله، فقال عَنِ الملائكة المقرَّبين والأنبياء المعصومين، أمَّا الملائكة، فقد قال تعالى حاكياً عن رسوله ﷺ : ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ (٢) [ص: ٦٩]، وصَحَّ في الحديث اختصامُهم في حُكْمِ الذي قتل مئةَ نفسٍ، ثمَّ سأل أعلمَ أَهْلِ الأرضِ، فأمره بالتَّوبة والهجرة عن أرضه، الحديث (٣)، وغير ذلك. واختلف أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَينَهُم بِالحَقِّ﴾ [الزمر: ٦٩] هَلْ هُمُ الملائكةُ؟ لأنهم أقربُ مذكور (٤). ونزل: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ [الحجرات: ٧] في خيرِ النَّاسِ. وأمَّا الأنبياءُ، فحكى الله تعالى الخلافَ بَيْنَ داود وسليمانَ في حكم

стр. 1029

الغَنَمِ الَّتي نفشت في الحرث (١)، وبيْنَ موسى والخَضِرِ في سورة الكهف [٦٠ - ٨٢]، وصحَّ في الحديث ذكر الاختلاف بين موسى وآدم ﵉ (٢)، وذلك اختلافٌ مِنْ غيرِ تعادٍ، ولا تكاذُبٌ، بل مثل اختلاف أهلِ البيت ﵈، وكذلك اختلافُ علماء الحديث فيما بينَهم، واختلافُهُم هم وغيرهم في أنّ هذا الحديثَ صحيح أم لا، أو (٣) هذا الرَّجُلُ ثقةٌ أو حافظٌ أم لا. وبَعْدَ هذه القواعدِ أذكرُ لك ما يُصدِّقُها مِنْ بيانِ أحاديثِ معاوية الَّتي في الكتب السِّتَّة لِتَعْرِفَ ثلاثة أشياء: عَدَمَ انفراده فيما روى، وقلَّةَ ذلِك، وَعَدَم نكارته. فأقول: جملةُ ما في الجامعين " البخاري " و" مسلم " من حديثه ثلاثةَ عشرَ حديثاً، اتَّفقا منها على أربعةٍ، وانفرد البخاريُّ بأربعةٍ، ومسلمٌ بخمسةٍ، وجملةُ ما رُوِيَ فيهما (٤) وفي السُّنَنِ الأربع من حديثه خمسةُ أقسام. القسمُ الأول: ما يتعلَّقُ بأحكامِ التَّحليل والتَّحريم المشهورة مِنْ روايةِ الثِّقات ، ومذاهبِ (٥) الجماهيرِ، وفي هذا القِسْم أحاديث. الحديث الأول: تحريمُ الوَصْلِ في شعور النِّساء (٦)، رواه عنه

стр. 1030

البخاريُّ ومسلم وغيرهُما، وهو مشهورٌ من روايةِ الثقات، رواه مسلمٌ عن جابر، ورواه البخاريُّ ومسلمٌ عن أسماءَ بنتِ أبي بكر، ورَوَوْهُ كلُّهم عن عاثِشَة، وهو مذهبُ جماهيرِ العلماء. الحديث الثاني: "لا تَزَالُ طائفَةٌ منْ أُمَّتِي ظَاهِرينَ عَلى الحَقِّ " (١) رواه البخاريُّ ومسلمٌ عنه، وهو حديثٌ مشهورٌ عَنِ الثِّقات، رواه مسلم عن

стр. 1031

سعد بنِ أبي وقَّاص، ومسلم، وأبو داوود، والترمذي عن ثوبان، والترمذيُّ عن معاوية بن قُرَّة، وأبو داوود عن عِمْرانَ بنِ حُصين، ومعناه مجمعٌ عليه. الحديثُ الثالث: النَّهي عن الركعتين بَعْدَ العصر (١)، رواه البخاريُّ عنه، والنَّهي عن التنَفُّلِ بَعْدَ العصرِ مشهورٌ عَنِ الثقات، رواه البخاري، ومسلم وأبو داوود، والنسائيُّ عن أم سلمة في النَّهي عَنِ الرَّكعتين بعد العصر (٢)، وفي مسلم عن عُمَرَ أنَّه كان يضرب على ذلِكَ، وهو مذهبُ جماعةِ العلماء.

стр. 1032

الحديثُ الرابع: النَّهي عن الإلحافِ في المسألة (١)، رواه مسلم

стр. 1033

عنه، وهو مشهورٌ مِنْ رواية الثِّقات مُجْمَعٌ على صحة (١) معناه، رواه مسلم، والبخاري والنَّسائيُّ عَنِ ابنِ عُمَرَ، وأبو داوود، والنَّسائيُّ، والتّرمذيُّ عَنْ سَمُرَه، والنَّسائي عن عائذِ بنِ عمرو، والبخاريُّ عن الزبير، والبخاريُّ، ومسلمٌ ومالكٌ، والتّرمذي، والنَّسائي عن أبي هريرة، وأبو داوود، والنّسائي عن ثوبان، ومالك في "الموطَّأ" عن عبد الله بن أبي بكر، والبخاريُّ، ومسلمٌ والتِّرمذىُ، والنَّسائيُّ عن حكيمِ بنِ حزام، وأبو داوود، والنّسائيُّ عن ابن الفراسي، عن أبيه. الحديثُ الخامس: "إنَّ هذا الأمْرَ لا يزالُ في قُرَيْشٍ " (٢) رواه

стр. 1034

البخاري عنه، ومعناه ثابتٌ من رواية الثِّقات، ومعناه صحيحٌ، فَعَنِ ابنِ عمر مثل ذلك رواه البخاريُّ، ومسلم، وعن جابرٍ، وأبي هريرة نحوه، رواه مسلم عن جابر، والبخاري، ومسلم عن أبي هُريرة. الحديثُ السادس: حدُّ شارب الخمر (١) وهو ظاهِرٌ مِنْ رواية غيره، مُجْمَعٌ عليه عند الجماهيرِ، لكِنْ فيه زيادة قتله في الرَّابعة، رواه أبو داوود والتِّرمذي، وابن ماجة، وهذه الزِّيادة معروفةٌ مشهورةٌ، وقد رواها (٢)

стр. 1035

الهادي ﵇ في كتابه "الأحكام"، وممَّن روى ذلك غيرُ معاوية: أبو هريرة، وعَبْدُ الله بنُ عُمَرَ بن الخطاب، وقَبيصَةُ بنُ ذُؤيب، وجابرُ بنُ عبد الله، وعبدُ الله بنُ عمرو بنِ العاص، وشُرحْبيلِ بنُ أوس، وعمرو بنُ الشَّريد مِمَّن سَرَدَهُمُ ابنُ كثيرِ البَصْروِي (١) في "إرشاده" في حدِّ الخمر، وقال: كُلُّها عندَ الإِمام أحمد إلاَّ حديث قَبيصَة، وجابرِ. قلت: وحديثُ قَبِيصَةَ عند أبي داوود، وحديثُ جابرٍ عند الترمذي، وحديثُ أبي هريرة عند أبي داوود، والترمذي، وابن ماجة، وأحمد، وحكمه منسوخٌ عند الأكثرِ (٢). الحديث السابع: النَّهي عن لباس الحرير، والذَّهب، وجلودِ السِّباع (٣) وله شواهدُ، منها ما رواه النَّسائيُّ في هذا الحديثِ، أنَّه قال

стр. 1036

وعنده جمعٌ مِنْ أصحابِ رسولِ الله ﷺ : أتعلمونَ أنَّ نَبِيَّ الله ﷺ نَهَى عَنْ لُبْسِ الذَّهب إلا مقطَّعَاً (١)؟ قالوا: اللَّهُمَّ نَعَم، وفي أخرى أنَّه جمعهم، فقال: أَنْشُدُكُم (٢)، هل نَهى رسولُ الله ﷺ عن لُبْسِ الذَّهب؟ قالوا: نَعَمْ، قال: وأنا أشهدُ، وفي روايةٍ أنَّه جمع نفراً مِنَ الأنصارِ، وفي رواية: منَ المهاجرين والأنصارِ، وكُلُّها عند النَّسائي. وأمَّا النَّهْيُ عَنِ الحرير، فله شواهدُ كثيرةٌ، منها: عن علي ﵇، ومنها: عن البراءِ، وهما في الصَّحيح، ومنها عن عِمْرَانَ عند أبي داوود، وعن أبي هريرة عند النسائي (٣)، والمُرادُ بهذه الشَّواهد في النَّهي عَنِ الذَّهب والحرير مُطلقاً مِنْ غير تقييد بالرِّجال، أمَّا تحريمُه على الرجالِ دُونَ النِّساء، ففيه أحاديثُ أُخَرُ، وبقيَّة حديثه في جلود السِّباع، وله شاهِدٌ في جلودِ السِّباعِ عن أبي (٤) المَلِيحِ رواه أبو داوود، والترمذي والنسائيُّ، وفي بعضِه بغيرِ لفظه. الحديثُ الثامن: حديثُ افتراق الأمَّةِ إلى نَيِّفٍ وسبعين فِرقة ، كلُّها في النَّار إلا فِرْقَة واحدة (٥)، وفي سنده أيضاً ناصِبِيٌّ، فلم يَصِحَّ عنه.

стр. 1037

وروى التِّرمذيُّ مثلَه من حديث عبد الله بنِ عمرو بن العاص وقال: حديثٌ غريب، ذكره في الإيمان من طريق الإفريقي، واسمُه عبد الرحمن بن زياد عن (١) عبد الله بن يزيد عنه، وروى ابنُ ماجةَ مثله عن عوفِ بنِ مالكٍ، وأنس، وليس فيها شيْءٌ على شرطِ الصَّحيح، ولذلك

стр. 1038

لم يخرِّجِ الشيخان شيئاً (١) منها، وصحَّح الترمذيُّ منها حديثَ أبي هريرة من طريق محمد بن عمرو بن علقمة، وليس فيه (٢) "كلُّها في النَّار إلا فِرْقَةً واحدةً"، وعن ابن حزمٍ أنَّ هذه الزِّيادة موضوعة، ذكر ذلك صاحبُ "البدر المنير". الحديث التَّاسع: النَّهي عن سبق الإمام بالرُّكوع والسُّجود (٣) رواه عنه أبو داوود، وابن ماجة وهو مُجْمَعٌ عليه، مشهورٌ عَنِ الثِّقات، رواه البخاري ومسلم، وأبو داوود، والترمذي، والنسائي عن أبي هريرة، ورواه مالك في "الموطأ" عنه أيضاً، ورواه مسلم، والنسائي عن أنس. الحديث العاشر: النَّهي عن نِكَاح الشِّغارِ (٤) رواه عنه أبو داوود

стр. 1039

وهو مشهورٌ متَّفَقٌ على صِحَّته من حديث ابن عمر، وهو عن غيرِ واحدٍ، وهو قولُ الجمهور. الحديث الحادي عشر: أنَّه توضَّأَ وَضُوءَ النَّبيِّ ﷺ ، ووصف الوضوءَ المعروفَ، وفيه زيادةُ صَبِّ الماءِ على النَّاصِيَةِ. رواه أبو داوود (١)، وقد رواه أبو داوود من حديث أميرِ المؤمنين عليٍّ ﵇. الحديث الثاني عشر: حُكْمُ مَنْ سَهَا في الصلاة (٢). رواه النَّسائي

стр. 1040

عنه، وقد رواه أبو داوود مِن حديث ثوبانَ. الحديث الثالثَ عشر. النَّهيُ عَنِ النِّيَاحة (١). رواه عنه ابن ماجه وهو أشهر من أن تُعَدَّ شواهِدُه. الحديث الرابعَ عشر: النَّهي عَنِ التَّمادح (٢). رواه عنه ابنُ ماجة أيضاًً، وهو مشهورٌ، رواه البخاريُّ، ومسلم، وأبو داوود عن أبي بكرة، والبخاريُّ، ومسلم عن أبي موسى، والبخاريُّ، ومسلمٌ، وأبو داوود، والترمذيُّ عن المقداد.

стр. 1041

الحديث الخامسَ عشر: النَّهي عن كُلِّ مسكر (١). رواه عنه ابنُ

стр. 1042

ماجة، وهو متواتِرٌ، لا معنى لِذكر شواهده. الحديثُ السادسَ عشر: كراهةُ رضى الدَّاخِل على القوم بقيامهم له (١). رواه عنه الترمذي، وأبو داوود، وله شواهد عن أنسٍ عندَ

стр. 1043

الترمذي، وعن أبي أمامَةَ عند أبي داوود، وعن أبي بكرةَ، ذكرهن النَّواوي في كتابه " الترخيص في القيام " (١)، فحديث أنس صحيح وفيه كفاية، وحديثُ أبي أمامة في سنده أبو العنبس فيه جهالةٌ، وأبو غالب مُخْتلَفٌ فيه (٢)، وحديثُ أبي بكرةَ في سنده مولى آل أبي بُردة، قال

стр. 1044

النواوي: هو مجهول. الحديث السابعَ عشر: النهي عن تتبع عوراتِ الناس (١). رواه أبو داوود ويشهد لمعناه النهي عن التَّجسُّس، وهو في كتاب الله ، ومعناه مُجْمَعٌ عليه، وله شواهدُ في التِّرمذي حسناً غريباً، وفي " سُنن أبي داوود " عن أبي بَرْزَةَ الَأسلمي، وعُقْبةَ بن عامر، وزيدٍ بن وهبٍ، وفي " مسلم " عن أبي هريرة. الحديث الثامنَ عشر: النَّهي عَنِ القِران بَيْنَ الحجِّ والعُمرة (٢) رواه

стр. 1045

عنه أبو داوود، وأحمدُ، ومَدَارُه على أبي شيخ الهُنائي، وفيه اضطراب كثيرٌ في متنه، وسندُه أوضَحَهُ النَّسائي في " سننه "، لأنَّه روى طرفاً من الحديثِ -وهو النَّهي عن لباس الذهب إلا مُقَطَّعَاً- ومنهم من قال: عن أبي شيخ، عن مُعاوية، ومنهم من قال: عنه، عن أبي حيَّان، عن معاوية، وقيل عنه، عن حيَّان، عن معاوية، وقيل فيه: عن ابن عمر بدلاً مِن (١) معاوية ذكره النسائي في " سُننه " (٢)، والمِزي في " أطرافه " (٣)، وله شواهِدُ عن ابن عمر رواه مالك في " الموطأ " مرفوعاً (٤)، وعن عمر، وعثمان رواه مسلم موقوفاًً عليهما (٥).

стр. 1046

الحديث التاسعَ عشر: من رواية ابن عباس عنه (١) -ليس له عنه في الكُتُبِ السِّتَّة سواه-: أنَّه قَصَّرَ مِنْ شَعْرِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِشْقَصٍ بَعْدَ عُمرته ﷺ ، وقيل: حجَّه (٢)، رواه الجماعة إلا التِّرمذي وابن ماجة وهو مشهور.

стр. 1047

ومعناه: جوازُ مُتعة الحجِّ، وهو مُعارِضٌ للحديثِ الأوَّلِ أعني الذي قبله كما يأتي عن ابن عباس، وأيضاً هو سالِمٌ مِنْ عِلَّهَ الاضطراب. وقد رُوِيَ عن عليٍّ ﵇ ُ نحوُه (١) رواه مسلمٌ، وعن عثمان في " مسلم، أيضاًً، وعن سعدِ بنِ أبي وقاص رواه مالك في " الموطأ "، والنّسائي، والترمذي وصحّحه، وعن ابن عباسٍ عن عُمَر رواه النّسائي، وعن ابنِ عمر رواه التِّرمذيُّ، وعن عِمران بنِ حُصين رواه البخاريُّ ومسلم (٢). ولمَّا روى معاويةُ هذا الحديثَ قال ابنُ عباس: هذه على معاوية، يعني: لأنَّه كان ينهى عن مُتْعةِ الحَجِّ، كذا في " سنن التِّرمذي "، و" النسائي " (٣). الحديث الموفي عشرين: روى عن أخته أمِّ حبيبةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يُصَلِّي في الثَّوب الذي يُجَامِعُها فيه ما لم يَرَ فيه أذىً (٤). رواه أبو داوود،

стр. 1048

والنسائي، وهذا من مسند أخته أم حبيبة، لا مِن مسنده، ويشهدُ له أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يصلِّي في نعليه ما لم يَرَ فيهما (١) أذىً. رواه أبو داوود عن أبي سعيدٍ الخدري، ورواه البخاري، ومسلم عن سعيد بن يزيد (٢)، وحديث " لا يَنْصَرِف منْ صَلاَتِه حَتَّى يَسْمَعَ صوْتَاً أو يَجِدَ رِيحَاً " متَّفق عليه من حديث أبي هريرة، وهو مذهبُ الهادي ﵇ أنَّ الطَّهارة المتيقَّنةَ لا تزولُ إلاَّ بحدَثٍ متيقَّنٍ، ولا تزول بالظَّنِّ القويِّ المقاربِ للعلم. الحديث الحادي والعشرون: روى عن أبيهِ (٣) النَّهي لمن أكل الثُّومَ والبَصَلَ عن دخولِ مسجِدِ النَّبِيِّ ﷺ ، وشواهِدُه أكثر وأشهر مِنْ أن تُذْكَرَ (٤).

стр. 1049

الحديثُ الثَّاني والعشرون: حديث: " هذا يَوْمُ عاشُورَاء لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكُمْ صَوْمُهُ "، وفي " البخاري "، و" مسلم " عن ابنِ عباس ما يَشْهَدُ لمعناه، حيث قال النَّبيُّ ﷺ : " فَنَحْنُ نَصُومُهُ تَعْظِيماً لَهُ "، وقال: " فَأَنا أحَقُّ بمُوسى " بَعد سؤال اليهودِ عن سبب صومِهم له (١). القسم الثاني: من أحاديثه ما ورد في الفضائل المشهورة عن غَيْرِهِ، وفيه أحاديث. الحديثُ الأول: فَضْل إجابة المُؤَذِّنِ ، والقولُ كما يقول (٢)، رواه

стр. 1050

عنه البخاري وهو مشهور، رواه مسلم عن عُمَرَ بنِ الخطاب، والبخاري، ومسلم، ومالك في " الموطأ "، وأبو داوود، والترمذي، والنسائي عن أبي سعيد الخدري، ومسلم، وأبو داوود، والترمذي، والنسائي عن عبد الله بن عمرو. الحديثُ الثاني: " مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرَاً يُفَقِّهْهُ في الذينِ " (١). رواه عنه البخاري ومسلم، وهو حديث مشهور رواه الترمذي عن ابن عباس بسند صحيح، ورواه أبو هريرة فيما ذكره الترمذي، ورواه عمر بن الخطاب، وابنُه عبد الله، وعبد الله بن مسعود، وأنس. ذكره عنهم

стр. 1051

الخطيب البغدادي في كتاب " الفقيه والمتفقه " (١). الحديث الثالث: في فضل حِلَقِ الذِّكر والاجتماعِ عليه (٢). رواه مسلم، ومعناه مشهورٌ، وفيه: وما كان أحد بمنزلي من رسول الله ﷺ أقلَّ حديثاً مِنِّي. وهو في " البخاري " و" مسلم " عن أبي هُريرة، وفي " مسلم، و" الترمذي " عن أبي سعيد الخدري، وأبي هُريرة. الحديث الرابع: النَّهي عن الغَلوطات (٣). رواه عنه أبو داوود.

стр. 1052

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1053

وقال الخطّابي (١): صوابه الأغلوطات، ولا يصِحُّ عنه، في إسناده مجهول، وله شاهدٌ عن أبي هريرة، رواه ابن الأثير في كتاب " جامع الأصول ". وفي " صحيح البخاري " عن أنس: نُهينَا عَنِ التَّكَلُّف، وهو يشهد لمعناه، وكذلك حديث " هَلَكَ المُتنَطَّعُونَ " يشهد لمعناه (٢)، وهو متّفق عليه، وقد كره ذلِكَ أهلُ العلم، بَلْ ثَبَتَ عن كثيرٍ مِنَ الصَّحابة، والسَّلف كراهية الفتوى في المسألة قبل وقوعها، وكان زيدُ بنُ ثابت لا يُفتي حتَّى يحلِف السَّائلُ بالله تعالى أنَّ ما سأل عنه قد وقع، وممَّن ذكر ما ورد من كراهية ذلك، وتقصَّى الآثار: ابنُ السُّني (٣) في كتابه.

стр. 1054

الحديث الخامس: حديث " لَيْلةُ القدْرِ لَيْلةُ سَبْعَةٍ وعِشْرِينَ منْ رَمَضَان " (١) رواه عنه أبو داوود، وهو معروفٌ عن غيره، رواه أبو داوود ومسلمٌ، والترمذي عن أُبَيِّ بنِ كعب. الحديث السادس: فضل حُبِّ الأنصار (٢) رواه عنه النسائيُّ، وفضلُهم مشهور بل قُرآني معلوم. الحديث السابع: حديث " اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا " (٣)، وله شاهدٌ في

стр. 1055

" البخاري " ومسلم عن أبي موسى، وهو مجمع عليه، ومعناه في القرآن الكريم. الحديث الثامن: " المؤذِّنُونَ أطْولُ النَّاسِ أعنَاقَاً يوْمَ القيامَةِ " (١) رواه عنه مسلم، وهو مرويٌّ عن عليٍّ ﵇، وعن بلالٍ، وأنسٍ، وزيدِ بنِ أرقم، وعُقبةَ بنِ عامر، وأبي هريرة، وابنِ الزبير، وكُلُّهم عند الهيثمي في " مجمع الزَّوائد " إلاَّ حديثَ علي ﵇، فذكره أبو خالد في " مجموع زيد بن علي " ﵇. الحديث التاسع: حديث " مَنِ الْتَمَسَ رِضَا الله بِسَخط النَّاسِ " (٢)
следующие страницы →