← Акыда

Акыда · id 29677

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

ابن الوزير

Полный текст (3 702 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

عن أبي سلمة، عن أبي هُريرةَ، وابنِ الأثير في " جامعه " (١)، وقصَّر في ترك رِوَايَةِ ابنِ مسعود، وابنِ عباس، ورواية ابن مسعودِ في البخاري ومسلم (٢)، وابن عباس في " الترمذي " (٣)، وقال: حسنٌ غريبٌ

стр. 982

صحيحٌ، والمعنى متقاربٌ، ورواية البخاري " السماوات " في التفسير أولى من رواية " السَّماء " في التوحيد، لأنها زيادةٌ ومطابقة للقرآن ولسائِرِ الأحاديث الصَّحيحَة. ونسب المِزِّي رواية " السماوات " بالجمع في حديث أبي هريرة إلى البخاري ومسلم معاً في ترجمة يونس، عن الزهري، عن ابن المُسيِّبِ، عن أبي هريرة، من " الأطراف " (١) وفيه تسامح، والذي في " البخاري ": " السماوات " في التفسير، وهي روايةُ عبد الرحمان بن خالد عن الزُّهري، والأخرى روايةُ يونس بن يزيد عنه في التوحيد والرِّقاق معاً، وليونس منكراتٌ دونَ عبدِ الرحمان، ويدلُّ على وهم يونس عن الزُّهري في هذا الحديث، أنَّه رواه عنه عن (٢) ابن المسيب عن أبي هريرة، وعبد الرحمان بن خالد بن مسافر رواه عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة، قال البخارِيُّ: وكذلك رواه شعيب، والزبيدي، وإسحاق بن يحيى. وقد كان يونُس يَغْلَطُ فيما يرويه مِن حفظه فدلَّ على أنَّ رِوَايَةَ عبد الرحمان: " السماوات " أصحُّ؛ لموافقَةِ القُرْآن وسائرِ الأخبارِ، ولظُهُورِ عدمِ حفظِ يونس هذا الحديث خُصُوصاً. الوجه الثاني: مِنَ الجواب أنَّ كَلامَ السيدِ حُجَّةٌ عليه لا له؛ لأنَّا قد

стр. 983

بيَّنَّا فيما تقدم أنهم قد أجمعوا على صِحة الرجُوعِ إلى هذِهِ الكُتب، وأن ذلك قد شاع فيما بينهم منْ غيْر نكيرٍ، وهذا إجماعُ ظَنَيٌّ سكوتي، وقد كنتُ علَّقْتُ إشكالاتٍ ترد على السَّيِّد في كلامهِ في هذا الموضِع وغيره في هذه المسألة، ثم إنَّي ترجَّح لي الاختصارُ وذكْر ما تَمسُّ إليه الحاجة. قال: لأن روايتهم لا تخلو مِنْ ضعفٍ، وإنما تُقْبل عنْد عدم المعارِضِ (١). أقول: هذا قَصْرٌ للعدالَةِ على الأئِمَّة ﵈، وهذا غُلُوٌّ لم يُسْبَقِ السَيِّدُ إليه (٢)، ولو كان ما ذكره صحيحاًً، لوجَبَ في الشُّهودِ أن يكونوا أئمةً، وهذا يؤدِّي إلى وجوب أربَعَةِ أئِمَّة في شهادة الزِّنى (٣)، وإمامَيْنِ في الشهادة على الأموال. فإن قال: هذا تشنيعٌ لم يَقْصِدْه. قلت: فلْيحْفَظْ لِسَانَه عمَّا يقتضي ذلِكَ، ويتنكَّبْ عن هذِهِ المسالِكِ، فإنَّ الواجبَ على العاقلِ أن يَزُمَّ لِسَانه، وَيزِنَ كلامَهُ، وقَدِ اشتمل كلامُه على ثلاثِ دعاوي: إحداها: ما تقدَّمَ منْ قصر العدالَةِ على الأئمَّةِ. الدعوى الثَّانية: أنَّ الضَّعْفَ لا يَدْخُلُ في حديث الأئِمَّة، والجوابُ عليه أنَّ حديث الأئِمَّة مشحونٌ بحديثِ مَنْ ضعفتَ (٤)، فلَزِمَ أن يدْخُلَه الضَّعيف بالضَّرورة والمقدِّمتان (٥) ضرورِيَّتان عنْدَ البَحْث.

стр. 984

الدعوى الثالثة: أنَّ الضعيفَ مقبولٌ عنْدَ عَدَمِ المعارِض، وهذا مُجرَّدُ دَعوى مِنْ غيرِ دليل، وهو مكثرٍ مِنْ أمثال هذا، حتى كِدتُ لا أستنكرُهُ منه. قال: لأنَّها روايةٌ عَمَّنْ لا تُعْلَمُ عدالَتُه ولا نزاهَتُه عَنْ فِسْقِ التَّأويلِ. أقول: هذه دعوى على الأمَّةِ بالجهلِ بذلكَ، وهي غيرُ مقبولَةٍ، فإن ادَّعى أنَّهُ جاهِلٌ بذلِكَ، ولم يَدَّعِ ذلكَ على غيرِه، فهذا مُسَلمٌ ولا يَضُرُّ تسليمُه، وقد تقدَّم منه مثلُ هذا في المسأَلَه الأولى، وتقدَّم الجوابُ عليه، فخذهُ مِن هناك. قال: هذا إذا كان النَّاظِرُ في الحديث مجتهداً، أمَّا إذا كان غير بالِغٍ رُتْبَةَ الاجتهاد، فليس له أن يُرَجِّح بهذا الحديثِ قولاً، ويجعَلَهُ مختارَهُ، وإنْ كان الخبرُ نَصَّاً في ظاهِرِ الحال، لأنَّ التَّرجيحَ بالخبر إنَّما يكونُ بعد معْرِفَةِ كَوْنهِ صحيحاًًعنِ الرَّسُولِ، ولا يكونُ صحيحاً حتى يكونَ رَاوِيهِ عَدْلاً، والعدالَةُ غيرُ حاصلَةٍ كما سنذكره. أقول: هذا الكلام كلُه (١) قِشْرٌ ليس فيه لُبابٌ، ومجرَّدُ دعوى لا تفْتَقِرُ إلى جوابٍ، لأنَّه بناه على دعْوى عدَمِ العدالةِ وجعل الاستدلالَ عليها حَوَالَة، فالواجبُ (٢) تأخيرُ الجوَابِ حتَّى يأتيَ ما وعد به منَ الدّلالَةِ. قال: ولأنه لا يُرجّحُ بالخَبرِ حتَّى يعلمَ أنَّه غيرُ (٣) منسوخ، ولا مُخَصص، ولا مُعارَضٍ بمَا هُوَ أقوى مِنْ إجماعٍ أو غَيْرِهِ. أقول: هذا الذي ذكره لا يجبُ على المجتهدِ عنْدَ أحدٍ مِن أهلِ

стр. 985

البيت ﵈، ولا عِنْدَ أحدٍ من جماهيرِ أهل (١) الإسلام، وهو مذهبٌ شاذٌّ مهجورٌ، قَدْ رَدَّ عليه العلماء الجمهور، وقد مَرَّ تقريرُ الدليل على بُطلانه، وأنه لا سبيلَ إلى العلم بعدم الناسخ والمُعارِض والمُخَصص، وإنما اختلَفَ العُلَماءُ في وُجُوب الظن لعدم تِلْك الأمور في حقِّ المجتهدِ فقط، ولا أعلمُ أن أحداً شرط ذلِكَ فيٍ ترجيح المُقَلِّدِ، ولا سبق السَّيِّد أحد إلى ذِكْر هذا، وإنما اختلفَ العُلَمَاءُ، هل يجب الترجيح على المقلدِ فيما يفيد الظَّن؟ ولم يختلفوا في جوازِ ذلِك وحسنه، وإنما اختلفوا في وجوبه معَ اتِّفاقهم على أنَّه زيادَةُ في التحري، فلا يخلو السيد إما أنْ يُقِرَّ بأن (٢) الترجيح به يفيد الظن. أو لا إنْ قال: إنَّه لا يفيد الظن فذلك مدفوع، لأنَّ الظنَ يحْصُلُ بخبر الثقةِ منْ غيرِ تَوَقُّفٍ على العِلم بفقدِ المعارِض والنَاسخ والمخَصَصِ، ووجودُ (٣) الظنّ عِنْد خَبَرِ الثِّقَةِ ضَرُورِي، ولو كان ظن مدلولِ الخبَر النبَوي يتوقفُ على ذلكَ، لتوقف (٤) الظَنُّ على ذلِكَ في سائر الأخبار، فكانَ يجبُ إذا أَخْبَرَنَا ثقة بوقوعِ مَطرٍ، أو قُدُومِ غائِب، أو نفْعِ دَوَاءٍ، أَلاَّ نَظنَ صِحتهُ حَتَّى نَطْلُب المعَارِضَ والمُخَصِّصَ، بل يلزمُ إذا أفتى المفتي، ألاَّ تُقْبَلَ فتواهُ حتَّى نَطْلب معارِضَها مِنْ غَيْرِه، وكذلِكَ إذا سمعنا المؤذِّنَ أنا لا نَظُنُّ صدقَهُ، ولا نأْخُذ بخبَرِه حَتَّى نطلبَ المُعارِضَ، وكذلِكَ إذا شَهِدَ الشَّاهدانِ. وإما أنْ يُسَلِّمَ السيِّدُ أن الظنُّ يحصُلُ بالخَبرِ الصحيح، فالدليل على وُجوبِ الترجيح به وجهان:

стр. 986

الوجهُ الأولُ: أنَّ مخالَفتَهُ قبل طَلبَ المعارِض وغيرِه تقتضي المضرَّة المظنونَة، ودفْعُها واجِبٌ، والطلَب يحتاجُ إلى مُهْلةٍ، ففي تلك المهلَةِ إمَّا أنْ يُوجبَ مخالفَتَهُ، أو يُوجبَ العَمَلَ به، الثاني: هُو المطلوبُ، والأول يقتضي تحريمَ دفعِ المضَرةِ المظنُونَةِ (١) عَنِ النَفْسِ، وهذا عكسُ المعقول، وقبيح بالضَّرُورة. وبعد، فإن الدليل على وُجُوبِ العمل بخبرِ الواحد قائِم قَبْلَ الطلبِ لهذِه الأمور، وقبل الظنِّ لعدمها، كما هو قائِمٌ بَعْدَ ذلِكَ. فإنْ قلتَ: فَهذا يقتضي عَدمَ إيجابِ البَحْثِ عَنِ المُعَارِضِ والنَّاسخِ والمخصِّصِ في حقِّ المجتهدِ. قلت: هو كذلِكَ، وفي المسأَلةِ خلافٌ مشهورٌ، وظاهرُ حديثِ معاذٍ يقتضي عدَم إيجابِ الطَّلَبِ، وقد مَرَّ كلام الشيخ أبي الحسين في ذلك حين ذكرتُ حديث معاذٍ (٢)، والاستدلال به على أنَّ الإحاطَةَ بالأخبار لا تجبُ على المجتهد، وذلِك في المسألة الأولى، فإنْ دل الدليل على تخصيص المجتَهِدِ بِوُجُوبِ الطلَبِ، فهو خاصٌّ به، وإن لَمْ يدُل دليل على ذلِكَ، فالمسألَةُ نَظَريَّةٌ ولا اعتراضَ فيها على مَنِ (٣) اختارَ أحدَ المذهَبَيْنِ. قال: ولأن الترجيح بالأخبار اجتهاد؛ لَأنَّه يَفْتقِرُ إلى أصعبِ عُلُومِ الاجتهادِ، وهو معرِفَةُ الناسخِ والمنسوخ وغيرِ ذلِكَ، والفَرْضُ أنَّ هذا الناظِرَ مقلدٌ. أقول: هذا الاحتجاج ضعيف بمَرَّةٍ، لأنَّه لا رابطَةَ عقلية بَيْنَ

стр. 987

الاجتهاد وبيْنَ بعض علومِهِ، سواءٌ كان أصعبَها أو أيسرَها، فليسَ بعضُ شرائط الشيْء إذا تَصَعبَ، كان ذلك الشيْءُ المشروطُ، ألا تَرى أنه لا يُقال: إن الطهور في الماء الشديدٍ البَرْدِ هوَ الصَّلاةُ، لأنَّه أصعبُ شروطِها، ولا يُقالُ: المشي إلى مَكة المشرفَةِ هوَ الحَجُ، وكَذلِك مَعْرِفَةُ الأخبار لا يقال فيها: إنَّها اجتهاد، لأنَّها أصعبُ علومِ الاجتهاد (١)؟ وهذِهِ الحُجَّةُ غلطية أو غِلاطية؛ لَأنَّ الاجتهادَ المذكورَ في الدَّعوى إمَّا أَنْ يرادَ بِه الاجتهادُ في العِلْم العرْفي، فذلِكَ غلَطٌ واضِحٌ، والدَّليل على ذلِكَ أنَّ مُجَرَّدَ التَّرجيحِ بالأخبار (٢) معْ فَرْضِ التَقليد، إما أنْ يكونَ صحيحاًً كما نَصَّ عليه المُؤَيَّدُ بالله، فلا شُبْهَة في (٣) أنه لَيْسَ باجتهاد، لَأن الفرضَ وقُوعُه مِنْ غيرِ مجتهدٍ، والاجتهادُ لا يَقعُ منْ غيرِ مجتهدٍ. وأما إنْ كان الترجيحُ بالأخبار باطلاً مِنْ غير المجتهدٍ كما زعمَ السَّيدُ، فإن الترجيح حينئذٍ يكونُ اجتهاداً حقيقيّاً، لكنَ الترجيح الصحيح إذا لم يَكُنِ اجْتِهاداً، فالترجيح الباطِلُ أولى وأحرى أن لا يكونَ اجتهاداً. وأمَّا إنْ أرادَ بالاجتهاد المذكور في الدعوى الاجتهادَ اللغَوِيٌ، فمُسَلمٌ أنَّ الترجيحَ بالأخبارِ اجتهادٌ لُغَوِيٌّ، كما أن الصَّلاةَ اجتهادٌ لُغوي، لكن الاستدلال به في هذه المسألة يوهِم أن المُتَكلمَ به أراد الاجتهادَ الاصطلاحِي، وهذه مغالطَةٌ ظاهِرَة. قال: فهل يستنتج العَقِيمُ، ويُسْتَفْتَى مَنْ ليس بعليمٍ؟ أقول: الجواب على هذا مِنْ وجوهٍ .

стр. 988

الوجه الأول: أن كلامَ السيد في المسألة الأولى دالٌّ دِلَالَة واضِحَة على أنَّه يَدَّعِي أنَّه غير مجتهِدٍ، بل يدعي أنَّه لا مجتهدَ في الزَّمان ، ثُمَّ إنَّهُ لما بلغَ في كتابه إلى الجَهْرِ والإِخفات بالتسْمِيَةِ إلى (١) التَّأمين، ووضع اليمنى على اليُسرى، أَخذ يُرَجِّحُ بالأخبار، ويسبحُ في بحرِها الزَّخَّارِ، مع اعترافِهِ أنه منَ المقلِّدين، وغُلُوِّه في القَوْلِ بعدمِ المجتهدين، فما بَالُهُ -أيَّدَهُ اللهُ- أنتج وهو عقيمٌ، وأفتى وليس بعليم، وقد قال الحكيم (٢): لا تَنْهَ عَنْ خُلُق وتَأْتِيَ مِثْلَهُ ... عارٌ عليْكَ إذا فَعَلْتَ عَظِيمُ الوجه الثاني: أن نَقول: ما مُرَادك بهذا الإنتاج ، هل إنتاجُ الاستدلال الذي لا يَصِحُّ إلا مِنَ المجتهدين، أو ادعاءُ الترجيحِ الذي ادعى خَصْمُك أنَّه يَصحُ مِنَ المقلدين إنْ كانَ الأول، فليسَ فيه نزاع، وإنْ كان الثاني، فليس يَبْطل بِمُجَرد الإسجاع، فَهَلُمَّ الدليل، وتَنَحَّ عَن (٣) التَّعويلِ على مُجَرَّدِ التَّهويلِ.

стр. 989

الوجه الثالث: أنْ نقولَ: ما قصدُك " ويُستفتى مَنْ ليْس بعَلِيم "؟ هل قصدُكَ السجْعُ في الكلام، أو (١) الإفحامُ للخصمِ والإلْزَامُ؟ إنْ كانَ الأول، فالبُلَغَاءُ لا يستطيبون مِنَ الأسجاع مواردَها إذا كانت تنْقُضُ مِن المذاهب قواعِدَها، فهي تصلُحُ زينَةً للحُجَجِ الصحيحة، فمتى أفسدَتْها، كانت عِنْدَ البُلغاء قبيحةً، لكن سَجْعَ السيِّدِ هذا يهْدِمُ قواعدَه، ويخالِفُ مقاصِدَه، لأنَّه هُوَ الذي أجاز للْمُقَلِّدِ العقيمِ أنْ يُفْتِىِ وليس بعليم، وفي نُصْرَةِ هذا المَذْهبِ أنشأ هذِهِ الرِّسَالَة، وأعادَ وأبدا في نُصْرَةِ هذِهِ المقالَةِ وإنْ كان السَّيِّدُ قال ذلِكَ الكَلاَمُ عَلَى سبيلِ الإفحام لِخَصْمه والإلزام، فقد عادَ الإلزامُ أيضَاً إِلَيْه، وخَرَجَ الاحتجاجُ مِنْ يديه؛ لأنَّه الَّذي قضى بفقد المُجْتَهِدِينَ، وحَكَمَ بمرتَبَةِ الفتْيَا للمُقلِّدِينَ، واقتبس النَّارَ مِنَ الماءِ، والأنوارَ مِنَ الظَّلْمَاءِ، وأنتج العقيمَ، واستغنى عنِ العُلماءِ بمَنْ ليس بعليمٍ، وخَبَطَ مِنَ المناقَضَةِ في ليلٍ بهيم، وسَلَكَ مِنَ المماراة في صراط غير مستقيم، فبطلت حُجَّتُهُ واضْمَحَلَّتْ، وجاء المثَلُ: " رَمَتْني بِدَائِهَا وانْسَلَّتْ " (٢)، وقد أجمعَ العلماءُ قديماً وحديثاًً أنَّ التَّقليدَ ليس بِعِلْم، والمقلِّد ليس بعالِمٍ، فكيف تصدَّرَ السَّيِّدُ للتَّدريس والفتوى والمناظَرَةِ والتَّصنيف، وأنْكر على محمد بن إبراهيم التَّرجيح بالأخبار؟ زاعماً أنَّ ذلِكَ يؤدِّي إلى أنْ ينتجَ العقيم، ويُفتي مَنْ ليس بعلمٍ، مُصَدِّرَاً

стр. 990

لكلامه بـ " كيف " الإنكارية، مُصَوِّراً لِذلِك في أبعد المجالاتِ العادِيَّةِ، وهو وِلادَة العقيم الذي لا تَصِحُ ولا تستقيمُ، وهذا يقتضي أنَّه هُوَ العَقِيمُ الولود والظِّئْرُ الودود، فليت هذا المجالَ صَدَرَ مِنْهُ في نادرٍ مِنَ الأحوالِ، وما ذاك إلاَّ أنَّه لما غفَلَ أن هذا منْ عُيوبِهِ، وتوهَّم أنَّ هذا مِنْ عُيوبِ صديقِه، أكثَرَ عليه مِنَ الصِّياح، وناحَ بِهِ أشَدَّ النُّواح، وزَيَّنَ الكلامَ في عيْبِ الصَّدِيقِ وَسَجَعَهُ، وما أدري ما جرَّأةُ على ذَلِكَ وَشَجَّعه: وَلمْ تَزَلْ قِلَّةُ الإنْصَافِ قَاطِعَةً ... بَيْنَ الرِّجَال (١) وَلَوْ كَانُوا ذَوِي رِحمِ قال: وأنَا أضْرِبُ لهذا مثالاً بعَوْنِ اللهِ تعالى، فأقول: أمَّا كلامُ المؤيد بالله، فمرادُه: إذا قدَّرنا مقلداً عارِفَاً بالتَّرجيح في خبرين صحيحَيْنِ قد ظهر عدالَةُ رُوَاتِهِمَا واستواؤهم، أو في آيتين، فيرجَّحُ بينهما، إلى آخر كلامه. أقول: في كلام السيدِ هذا أنظار . النظر الأول: أنه تعرَّض لتفسير كلامِ المؤيَّد باللهِ مِنْ غيرِ غَرَابَةٍ في ألفاظِهِ ولا تَجَوُّز ولا اشتراك، ولا قصورٍ في عبارته، فنقول للسيِّدِ: ما مرادُك بتفسير كلام المؤّيدِ؟ هل تقريره أو تأويله؟ إنْ كان الَأوَّلُ، فحبَّذا، ومَنْ لَنَا بِذَا؟ وإنْ كانَ الثَّاني، فَلِكلامِ المؤيّدِ دُهورٌ طويلَةٌ، وقرونٌ عديدَةٌ، وقد مَرَّ عليه مَنْ هُوَ أَغضُّ مِنَ السيِّد بالنواجِذِ على الحقائق، وأغوصُ منْهُ على جواهِرِ اللَّطائف في بحار الدَّقائق، فلم يُنْقَلْ عَنْ أحدٍ أنَّه تعرَّض لذلِك، وأقربُ من فيه للسَّيِّدِ قدوَة، وَلَهُ بِهِ أُسْوَة القاضي شرفُ الدِّين، فإنَّه ذكر كلامَ المؤيّدِ في تعليقه على الزِّيادات، وقرَّره على

стр. 991

ظاهِرِهِ، وقال: هذا مذهبُ المؤيد بالله ﵇، مع أنَّه ﵀ كان في هذا الفَنِّ أرسخَ قَدَماً، وأَشْمخَ عِلْمَاً، وأنا أورِدُ كلامَ المُؤيَّد بالله في الزِّيادات، لِتَعْلَمَ أنَّه ظاهرٌ، ولا يحتاج إلى شرحٍ وتأويلٍ صحيحٍ لا يفتقر إلى تمريض وتعليل. قال ﵇ ما لفظه: فصل فيما يجبُ على العامي المستفتي، وما يكون الاشتغال به أولى مِنَ العلوم عندي أنَّ التَّنقير والبحث واجبٌ على العاميِّ، فإنْ كانَ مِمَّنْ لهُ رُشْد، وثبت له وجهُ القُوَّة بين المسألَتَيْنِ، أَخَذَ بأقواهما عنده، وإن لم يكن له رشد، فلا بُدَّ أنْ يَنْظُرَ في الترجيج بين العُلماء، ويطلُبَ ذلِكَ، إلى آخرِ كلامِهِ ﵇ في هذا الفصل، وهذا (١) هُوَ الَّذي ذهبتُ إليه قد نَصَّ المؤيَّد بالله ﵇، وكذلِكَ نصَّ عليه الإمامُ الدَّاعي يحيى بنُ المُحْسِنِ (٢)، فقال ما لفظه: مَن انتهى في العلْمِ إلى حالةٍ (٣) تُمَكِّنُهُ الترجيحَ بين الأقوال، وجبَ عليه استعمالَ نَظَرِهِ في التَرجيح، وإنْ لَمْ يبْلُغْ دَرَجَةَ الاجتهاد. تمَّ كلامُ الإمامَ الدَّاعي بلفظِهِ. والعجبُ مِنَ السيدِ أنَّه يحتالُ على مُخَالَفَتي للَأئِمَّة، وإن وافَقْتُ النُّصوصَ، ويتمحَّلُ ما يُخرجُني إلى أطراف العامَّة، وإن توسطتُ في عقد الخُصوص، وقد ظهر أنِّي موافِقٌ للمؤيَّد بالله والداعي إلى الله في مذهَبِهِمَا، وكفى بِهِمَا سلفاً صالحاً، مع أنه قد وافَقَهُما على ذَلِكَ غيرُهما

стр. 992

مِنَ العُلماءِ، منهم النَّواوي، وابن الصلاح وغَيْرُهما، وقد ذكر ذلك النواوي في " شرح المهذب " (١)، وذكره شيخ النواوي العلامةُ عِزُّ الدينِ بنِ عَبْدِ السَلام في كتابه " قواعد الأحكام في مصالح الأنام " (٢)، وتعجَّبَ مِنْ مُنْكِرِهِ مِنْ أهل التَّقليد بكلِّ عَجَبٍ، ولا حاجة إلى نقل كلامِهِم مع وُجودِ كلامِ المؤيَّد والدَّاعي ﵉. والسيِّدُ مُدَّعٍ في ظاهرِ حالِهِ أنَّه موافِقٌ للجمهورِ، وأنَّ مذهبَ خَصْمِهِ شاذٌ مهجورٌ، فيجبُ منه أن يُرِيَنَا مَنْ وافَقَه على قوله بتحريمِ الترجيح بالأخبار (٣)، وَلَوْ مِنَ الجُمهورِ واحداً، ومن العالَم (٤) عالِمَاً. النظر الثاني: أنَّ السيدَ في كلامه هذا قد أجاز التَّرجيح بالأخبار لبعضِ المُقَلِّدين بعد أنْ كان قال: إنَّ ذلِكَ يُوجِبُ كونَ المُرَجِّح بها مِن المجتهدين، وهذِه مناقَضَةٌ ظاهِرَة. النَّظر الثالث: أنِّي لَمْ أُوجِبِ الترجيح بالأخبار على جميع المكلَّفين مِنَ العامَة مِنَ العبيد والنِّساء والزُّراع والصُّنَّاع والبُلَدَاءِ، وإنَّما أصل (٥) كلامي في كتابي الذي أجابَه السَّيِّدُ أنَّه يِجوز لي العملُ بالحديث الَّذي

стр. 993

عرفتُ صِحَّتهُ، وغَلَبَ عَلَى ظَنِّي قوَّةُ المذهبِ الذي هو نصَّ فيه، ثم أتبعتُه بِذِكْرِ التَّرجيح في المذاهب، وأنَّ مذهبنا جوازه، وذكرتٌ ما فيه منَ الاحتياط للإجماعِ على حُسْنِ فِعْلِهِ، والاختلافِ في حُسْنِ تَرْكهِ، وهذا يدُلُّ على أنَّ مُرادي بالترجيح بالأخبار الترجيحُ مِنَ المميِّزين الذين يُمْكِنُهم ذلك، لأنَّ السَّامِعَ للحديث بعد معْرفَةِ الاختلاف بين العُلماء في الحادِثَةِ، إمَّا أنْ يفيدَه سماعُ الحديث ظنَّاً لقوَّة أحدِ (١) المذاهب أو لا، إنْ لم يحصل لَهُ ظَنٌّ، فليس سماعُه للحديث ترجيحاً بالإجماعِ، ولا عمَلُه (٢) بمقتضاه مِنْ غَيْرِ ظَنٍّ لقوَّته ترجيح، وكلامي إنَّما هو في التَّرجيح بالحديث، لا في العمل عِنْدَ سماعِهِ على جهة الاتِّفاقِ والشَّهْوة. وأمَّا إنْ حصل له عند سماعه ظنٌّ قويٌّ يفيدُهُ أنَّ بعضُ المذاهب قويٌّ وبعضُها ضعيفٌ، فإنَّ ذلكَ يُوجِبُ التَّرجيح لمَا تقَدَّمَ. النَّظر الرابع: أنْ نَقُولَ للسيد: أخبرنا عَنْ هذه المسأَلَةِ، هل هِيَ عندك قطعيّة أو ظنِّيَّةٌ؟ وإن كانت ظنِّيَةً، فما معنى التَّرسُّلِ على من قال بها، والتَّشنيع في ذلك؟ وإنْ كانت قطعيَّةً، فأين الأدلَّة ُ القاطِعَةُ، والبراهين السَّاطِعةُ؟ وما بالكَ تُورِدُ الكلامَ مكشوفَ العَوْرَةِ من لِبَاسِ الأدلة ِ، عاطِلَ العُنُقِ مِنْ حِلْيَةِ الحُجَّةِ؟ ثُمَّ إنَّها إنْ كانت عنذك قطعيَّةً، لَزِمَكَ تأثيمُ المؤيَّدِ باللهِ، وتأثيمُ المخالِفين لكَ من سائِرِ عُلماءِ الإسلام. النظر الخامس: أنَّه وعد بضربِ مَثَلٍ، ولم يأتِ بما يَصْلُحُ أن يُسَمَّى مثلاً مضروباً عِنْدَ البُلغاءِ ، والله أعلمُ.

стр. 994

قال: فأمَّا (١) أن يكون لَهُ في كُل مسأَلَةٍ أن يُرَجَّحَ ويخْرُجَ عَنْ مَذْهَبِ مَنْ كان قلَّده، فالصَّحيحُ أنَّ عليه التزامَ مذهبِ إمامٍ مُعَيَّنٍ، ذَكرَهُ المنصورُ بالله، والشيخ الحسن، والشيخُ أحمد بن محمد، واحتجَّ لهم بوجوه. أحدُها: بالإجماع وهو أنَّه لا يُعْلَمُ أحد مِنَ المقلِّدين يَتَردَّدُ بَيْنَ مذاهِبِ عُلمَاءِ الإِسلام المتقدِّمين منهُم والمتأخِّرين، ففي مسألة يقلِّدُ أبا بكرٍ، وفي أُخرى عمر، وفي ثالِثَةٍ ابنَ عبَّاس، وفي رابعة ابنَ مسعودٍ، وهَلُمَّ جَرَّاً، ولا منْ يكون مقلِّداً لطاووس، وعطاء، وللحَسَن، والشّعبي، ولابن المسيِّب، ولغيرهم مِمَّن وراءَهم، فقلَّد في كُلِّ مسألة إماماً في أبوابِ الفقهِ ومسائِلِهِ جميعاً، ولا مَنْ يكون حَنَفِيَّاً في مسألة، شافِعِيَّاً في أخرى، مالكيَّاً حنبليَّاً هادويَّاً ناصرِيَّاً في مسألة مسألة هذا ما وَقعَ ولا عُلِمَ به، ولو وقع في زماننا، لأنكرَهُ النَّاسُ. أقول: ضَعْفُ كلامِ السيِّدِ في هذا يتبيَّنُ بأنظار . النظر الأول: أنَّه مَنَعَ مِنْ جوازِ التَّرجيح للمقلِّدِ في كُلِّ مسألة ، وظنَّ أن المنصور، والشَّيخ الحَسَنَ منعا مِنْ ذلك لإيجابِهِمَا التزامَ مذهبِ إمامٍ مُعَيَّنٍ، وليس كما توهَّم السيدُ، فبينَ المسألتيْنِ فرقٌ واضحٌ، لَأنَّ المنصور ﵇ إنَّما أوجب التزامَ مذهبِ الأعلمِ الأفضلِ، لَأنَّ الظَّنَّ بِصِحَّةِ قولهِ أقوى، قال المنصور (٢) ﵇ ما لفظه: ومتى اتَّفق أهل العلمِ والاجتهادِ في الفتوى، وَجَبَ على المستفتي قَبُولها بلا خلافٍ في ذلِكَ، وَإِن اختلفوا، وجبَ عليه عندَنا الاجتهادُ في أعلمِهِم وأديَنِهِمْ، وطلبُ الأمارَاتِ على ذلِكَ، لأنَّ ذلِكَ يُمْكِنُه وَهُو مُقَوٍّ لظنِّه، وقد تقرَّر وجوبُ

стр. 995

طَلَبِ الظن الأقوى لِمَنْ يمكنُهُ العلمُ، وأنَّه لا يجوز العدولُ عنه إلى الظن الأضعفِ مع التَّمَكُّنِ منَ الظن الأقوى، إلى آخِرِ كلامِه ﵇. ومَنْ نَظرَ في كلامِهِ هذا، ظهرَ لَه أنَّه أكثرُ مناسبةً لكلامي؛ لَأني تمسَّكْتُ بما نصَّ على وُجوبه من اتِّباع الظَّنُّ الأقوى، وتحريم العمل بالظن الضَّعيفِ، وأنا وافقتُ المنصورَ ﵇ في المعنى، والسَّيِّدُ وافقه في الصُّورَةِ، وتوهَّم أنَّ الموافقَةَ في الصُّورَةِ أرجحُ مِنَ الموافَقَةِ في المعنى، وهذا غلط واضِحٌ، فإنَّ المُوافَقةَ الصُّوريَّة لم يَردِ التَّعبُّدُ بها إلا مُتابَعَةً للموافقةِ المعنَويَّة، والموافَقةُ المعنويَّةُ هي المقصودَةُ، ومثالُ ذلِك أنَّ الواحِدَ مِنَّا لو تزوَّج تِسْعَ نساءٍ على الجمع، لكانَ مُوافِقَاً للنَّبِيِّ ﷺ في الصُّورة، ولكنَّه لمَّا كانَ مُخالِفَاً في المعنى، حَرُمَ ذلِكَ، وكذلكَ المرأةُ لو سترت مِنَ السُّرَّةِ إلى الرُّكْبَة، وكَشَفَتْ ما عدا ذلك، لكانت موافقةً للنَّبِي ﵇ في الصُورَة؛ لكِنها مخالِفَةٌ له في المعنى، وأمثالُ هذا كثيرةٌ (١)، وقد يغترُّ كثيرٌ مِنَ المقلِّدين بالصُّورة. النَّظر الثاني: أنَّا نُبَيِّنُ أنَّ مذهبَ المنصُورِ بالله ﵇ هوَ مَا ذكرنا بطريقة التَّخريج (٢) الصَّحيحَةِ الواضِحَةِ التي نَصَّ على صِحَّتِها الأئِمَّةُ. فنقول: قَدْ بَيَنَّا الدَّليلَ فيما تقدَّم، على أنَّ السَّامِعَ للحديثِ الصَّحيح مِنَ الثِّقة المُرْضِيِّ إنْ لم يَحْصُلْ لَهُ به ظَنٌ، لم يجب عليه التَّرجيحُ به، وإنْ حَصَلَ لَهُ مِنْه (٣) ظَنٌّ راجِحٌ، وجب عليه العمَلُ به. وقد

стр. 996

نَصَّ المنصورُ بالله ﵇ على أن العَمَلَ بالظن الرَّاجِحِ واجبٌ، والعمل بالظن الضَّعيفِ حرامٌ، فدلَّ على ما قلناهُ بعُمومِ قوله وظاهرِ لفظِه، والتَّخريج مِن العموم هو أرفَعُ درجاتِ التَّخريج وأصحُّها. فإن قلتَ: عمومُ كلامِه يقتضىِ وُجوبَ الالتزام (١) أيضاً. قُلْتُ: هذا لا يَصِحُّ لوجهين. أحَدُهما: أنه مُعَلَّلٌ بعلَّةٍ تقتضي تخصيصَه في هذه المسألة، وتُوجبُ فسادَ التَّمسُّكِ به في هذه الصُّورة، والتخريجُ على هذه الصورَةِ لا يجوز. الثاني: أنَّا لو سلَّمنا أنَّه عمومٌ سالِمٌ مِنْ هذه السَّائِبَةِ، لم يصحّ التَّخريج (٢) منه مع وُجودِ العُموم الذي تمسكنا به، لأنَّهما تعارضا، وأحدُهما معلَّلٌ بِمَا يقتضي عدمَ التَّخصيص، والثاني غيرُ مُعَلَّلٍ، والمعلَّلُ أرجحُ، ومَع الرُّجحانِ لا يبقى ظَنٌ لمذهب العالِمِ، فلا يَحِلُّ نسبةُ المذهب إليه مِنْ غيرِ عِلْمٍ ولا ظَنٍّ، والله أعلمُ. النظر الثالث: أنِّي أذهبُ إلى ما ذهب إليه المنصُورُ بالله ﵇ مِنْ وُجوب التزامِ مذهبِ إمامٍ مُعَيَّنٍ في مسائِلِ الخلافِ متى غَلَبَ على ظَنِّ المقلِّدِ أنَّه أعلمُ وأورَعُ، ولا أرى خلافَ ذلِكَ، وليس قولي يناقِضُ هذِهِ الجُمْلَةَ؛ لَأنَّهَا عمومٌ معلَّلٌ بالرُّجحان، وخصِّصَت منها صورَة حَتَّى يظلَّ ذلِكَ الرُّجْحَان، بل حين انعكس، فصارَ الرَّاجِحُ مِنْ ذلِكَ مرجوحاً، والقويُّ ضعيفاً، وتخصيصُ العموم ليس بمناقَضَةٍ، فبانَ لكَ بهذا أنِّي قد وافقتُ المنصورَ والجمهورَ أوَّلاً وآخِراً، ودُرْت مع الحق

стр. 997

كيفما (١) دار، وعملتُ بما يُوافِق نُصوصَ الأئمَّة الأطهار، وأدلَّةِ النُّقَّاد مِنَ النُّظَّارِ. النَّظر الرابع: أن السيد أراد أن يَنْصُرَ الإِمامَ المنصور بالله ﵇ ويحتجَّ لَهُ، فاحتجَّ له بما يتنزَّهُ المنصورُعليه السلامُ منْ بناءِ مذهَبهِ عليه، واستنادِ أخبارِهِ (٢) إليه، واتِّهامُ السَّيِّدِ أنَّ ذلِك هُوَ حُجَّةُ المنصور كالجناية على عُلومهِ الزَّاخِرَةِ، وأنظارِه الثَّاقِبَةِ، ولو أنَّ السيدَ أورد حُجَّةَ المنصور بنفسه التي ارتضاها لدليله، واختارها لمذهبه، كان أليقَ بالَأدَبِ، وأوفقَ عِنْدَ ذَوي الَأرَبِ، والمنصورُ ﵇ غَنِيٌّ عنِ احتجاج الغَيْرِ لمذهبه بالحجَجِ الواهِيَةِ وبيانُ هذِهِ الجُمْلَةِ (٣) يحصلُ بإيراد كلامِ السَّيِّد وبيانِ جوابه. قال السَّيَد أيَّده الله في الاحتجاج للمنصُورِ على وجوبِ الالتزامِ، ويحتجُّ لهم بوجوهٍ أحدها: بالإجماعِ، وهُو أنَّه لا يعلم أحداً مِنَ المقلِّدين يتردَّدُ بين علماءِ الإِسلام المتقدِّمين منهم والمتأخِّرين. فأقولُ: الاغترارُ بهذِه الشُّبْهَةِ، وادِّعاءُ الإِجماع في هذِهِ الصُّورة هَفْوَةٌ عظيمَةٌ، وزلَّة كبيرةٌ، وقد وَهِمَ السيد فيها ثلاثَةَ أوهامٍ. الوهم الأول: أنَّه عَوَّلَ على إجماعِ العامَّة المقلِّدين ، وليس يُعْتَبَرُ بهم مع المجتهدين، فكيف بهم منفردين؟ وفي الحديث الصحيح المتَّفَقِ عليه أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إنَّ اللهَ لا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعَاً يَنْتَزِعُهُ،

стр. 998

ولكِنْ يَقْبضُ العلْمَ بِقَبْضِ (١) العُلَمَاءِ، حَتَّى إذا لَمْ يُبْقِ عَالِمَاً اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤوسَاً جُهَّالاً، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا" (٢)، فهذا الحديثُ يقضي (٣) بأنَّ العامَّة قَدْ يجتمعونَ على الضَّلالَةِ والإضلالِ. الوهم الثاني: أنا لو سلَّمنا أنَّ إجماعُهم صحيحٌ، لما دلَّ على مذهبه بفحوى ولا تصريحٍ، فإنَّ فِعْلَ الأمة دليلٌ على الجواز، لا على الوجوب (٤)، وإنَّما يُسْتدَلُّ على الوجوب بأقوالهم، وكذلِك فِعْلُ النَّبِيِّ ﵇ على القول المنصور في الأصول، وإنَّما وقع فيه خلافٌ لمَّا أَمَرَ اللهُ تعالى بالتَّأسِّي به واتَّباعِه في مُحْكَمِ القرآن، فأمَّا الأمة، فلا قائلَ بأنَّ إجماعَها على الفِعْلِ يَدُلُّ على وُجوبه، ومَنْ قال بذلك، احتاجَ إلى دليلٍ، وإنَّما جاء الدَّليلُ بعصمة الأمة عَنْ فِعْلِ الحرام، لا بعصمتها مِنْ فعلِ المُباح، فَمَا المانِعُ مِنْ إباحة ما فَعَلَتْ، كما أنَّ تركَها للشَّيْءِ لا يَدُلُّ على تحريمه، ولا يمنع مِنْ إباحَة ما تَرَكَتْ. الوهم الثالث: وَهم أنَّ المقَلِّدِينَ مُجمعون على الالتزام ، وذلِكَ

стр. 999

غَيْرُ صحيحٍ، بَلِ الأكثرُ منهم غيرُ ملتزم (١)، إن لم يكونوا كلُّهم غيرَ ملتزمين، وسيأتي بيانُ هذا قريباً. تنبيه: فلو أنَّ السيدَ احتجَّ بتقريرِ عُلماءِ الأمَّةِ للمقلِّدين على ذلِك، لَكَانَ أقرب، وإنْ كان لا يَسْلَمُ من هذين الوهمين الأخيرين، فوهمانِ خيرٌ مِنْ ثلاثَةٍ، وبعضُ الشرِّ أهونُ مِنْ بعض، وحينئذٍ يتبيَّنُ ضعْفُ ما توهَّمَ السَّيِّدُ مِنَ الاحتجاجِ بِهذا الإجماعِ على وجوبِ الالتزام. النظر الخامس: أنَّ السيدَ ادَّعى أنَّ التَّنَقُّلَ في المذاهب (٢) ما وقع البتَّة (٣)، ولا عَلِمَ بِهِ، وأنَّ أحداً مِنَ المقلِّدينَ ما عَلِمَ أنَّه كان هادويّاً في مسألة، ناصريّاً في مسألة، ولا شافعيَّاً في مسألةٍ، حنفيَّاً في مسألة، وهذا منَ السَّيِّدِ إمَّا غفلَة كبيرَة، وإمَّا جَحْدٌ للضَّرُورةِ، فإنَّ أكثرَ أَهْلِ الزَمَانِ غيْرُ ملتزمِينَ لمذهب إمامٍ مُعيَّنٍ، وَقَدِ اشْتهر مذهبُ النَّاصِرِ في طلاقِ البِدْعةِ في بلاد الزَّيْدِيَّة اليمنيَّة، مع اشتهارهم بعدم التزامِ مذهبِ النَّاصِر، والعملُ بهذا ظاهِرٌ مِنْ كثيرٍ من المفتين والمستفتين، وكذلك العَمَلُ بمذهَبِ المؤيَّدِ بالله في كثيرٍ من البُيوع مشهورٌ عِنْدَ كثيرٍ مِنْ أَهْلِ التَّمييزِ ليس بِمُلْتَزِمٍ لمذهب المؤيَّد ِ. والشَّافِعيَّةُ كذلِكَ لا يَقِفُونَ على مذهبِ الشَّافعيِّ في كثيرٍ من المسائلِ، حتَّى إنَّهم على غير مذهبه في الَأذان المتكرِّرِ كُلَّ يومٍ، فإنَّ مذهَبَهُ الجديد أنَّه لا يقال (٤) فيه: الصَّلاة ُ خير مِن النَّوْمِ، والقولُ القديمُ

стр. 1000

عندهُم لا يجوز العملُ به (١)، وإنَّما عَمِلُوا في هذه المسألة بقول غيرهِ، ترجيحاً لمذهَبِ غيره لموافقة الحديث الوارد في ذلِكَ (٢)، وهكذا عَمِلَتِ الشَّافِعِيَّةُ في مسائِلَ كثيرَةٍ خالف الشَّافِعِيُّ فيها (٣) النصوص النبوية (٤)، وقد

стр. 1001

ذكر ذلك النَّواوي في " شرح المهذب " وغيره. وقد يَعْملُونَ بغيرِ مَذْهبهِ لغيرِ ترجيحٍ، فيُصلُّونَ الجُمُعَةِ قبل بُلوغِ عددهم إلى الأربعين، ذكر هذا المعنى أبو بكر بن الخياط في فتاويه التي سأله عنها حيُّ الفقيهُ علي بن عبد الله ﵀. وكذلك الحنفيةُ لا يقفون على مذهب أبي حنيفة في المياه، ولا يكادُ يتهيَّأُ ذلك لهم في أسفارهم وكثير من أحوالهم، ولم نعلمْ أحداً في هذه الأعصار محافظاً على مذهب الهادي ﵇، ملتزمَاً له في جميع رُخَصه وشدائده. وبعدُ، فالقطعُ بأنَّ ذلك ما كان مِنْ قبيل دعوى علمِ الغيب، فليس يعلم جميع أفعال (١) العامة مِنَ الأمَة إلاَّ الله، ثمَّ إن فيهم مَنْ يفعلُ الكبائر، فَمِنْ أينَ عَلِمَ نزاهَتهم عن ذلك؟ فقولُ السَّيِّدِ: إنَّه ما وقع التَّنقُّل في المذاهب مِنْ أحدٍ مِنَ المقلِّدين، هكذا على الإِطلاق من غير استثناء لأحدٍ مِنَ العامَّة، ولا منْ أهل التَّساهد، ولا مِن المتقدِّمين، ولا منَ المتأخِّرين، خَلْعٌ لعُرْوَة (٢) المراعاة كعادات أهل العناد، وغلوٌّ لم (٣) يبلغه أحدٌ مِنْ أهل اللَّجاج. النظر السادس: قول السَّيِّد: إنَّ هذا لو وقع في زماننا، لأنكره النَّاس، عجيب أيضاً ، لأنَّه إمَّا أن (٤) يريدَ أنَّ هذه حُجَّة إجماعيَّةٌ، وهو الظَّاهر مِنْ كلامه، فهذا لا يصحُّ لأمور.

стр. 1002

أحدها: أنَّ المعلومَ أنَّه واقعٌ، وما أنكره النَّاس، بل هُو الذي عليه الناس. وثانيها: أنَّه لو كان غيرَ واقع، لكان قوله: " لو وقع (١)، لأنكره النَّاسُ " دعوى على النَّاس. وثالثها: أنَّه في عُلالةٍ مِنْ كيفيَّة العلم بإجماعِ العُلماء، فكيف بإجماع الناس؟ ورابعها: أنَّه ادَّعى جهْل أهلِ زمانِنَا، ثم احتجَّ بإجماعهم، وإنَّما يحتج بإجماعِ المجتهدين. النظر السابع: أنَّ السيِّدَ جاوزَ حدَّ العادة في الغُلُوِّ ، حتَّى ادَّعى على الإجماعِ على ما المعلومُ انعقادُ الإجماع على نقيضه، وذلك أنَّه ادَّعى الإجماعَ على الالتزام في زمن الصحابة والتَّابعين، واحتجَّ على ذلك بأنَّه لم يعلم أنَّ أحداً كان يقلد أبا (٢) بكر في مسألةٍ، وعُمَرَ في مسألة، وابنَ عبَّس في مسألة، وابنَ مسعود في مسألة. فأقول: بَلِ المعلومُ بالضرورة أنه ما كانت العامة في زمن الصَّحابة متحزِّبَةً أحزاباً، متفرِّقةً فرقاً عَلَوِيَّة، وبكريَّة، وعمريَّة (٣)، وعثمانيَّة، وعمَّارية ومُعاذية، نسبة إلى عليٍّ، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعمار، ومعاذ، ونقول للسيِّد: أخْبِرْنَا عَنِ العامة وقت الصحابة، هل كانوا ملتزمين لمذهبِ إمام واحد لا يستفتون سواه، ولا يَرْجِعُونَ إلى غيره؟ فهذا يقتضي أنَّه ما كان في الصَّحابة إلا مفتٍ واحد.

стр. 1003

فإن قلت: إنَّ العامَّة كانوا متفرِّقين فِرَقَاً، مثل افتراق النَّاس في هذه الأعصار الأخيرة، فأيُّ البواطل تَرْتَكبُ على هذا؟ أتقول (١) بأنَّ كُلَّ مفتٍ مِنَ الصحابة كان له أتباعٌ؟ فهذا يُفْضي في تشعُّب مذاهبهم إلى غاية الاتِّساع، فقد نُقِلَتِ الفُتيا عن أكثرَ من مئة نفسٍ من الصحابة قد ذكرهم غيرُ واحدٍ من العلماء، ولولا خشيةُ الإطالة لذكرتهم بأسمائهم على الاستقصاء، أو ترتكِبُ القولَ بالتزام العامة لمذهب جماعة مخصوصين بغير دليل على التخصيص، وكل هذا لا مُلْجِىءَ إليه ولا حامِلَ عليه، وقد عُلِمَ بالضرورة أنَّ العامِّيّ في زمنهم كان يَفْزَعُ في الفتوى إلى مَنْ أَحَبَّ منهم مِن غير نكيرِ في ذلك، وهذا من الأمورِ المعلومة، وقد احتج الشَّيخُ أبو الحسين بهذا على أنه لا يجب الالتزامُ، وادَّعى أنَّه إجماعُ مِنَ الصحابة، ذكر ذلك المنصورُ بالله في كتاب " الصفوة "، وكذلك ذكره ابنُ عبدِ السلام في " قواعده " (٢)، واحتجَّ به على جواز تقليدِ المفضولِ، وجوَّد تحريرَه، وليس يُناقضُ ما ذهبتُ إليه من إيجاب الترجيح عند اختلاف العلماء، وقوَّة الظنِّ أن قولَ أحدِهم أصحُّ، لأنه لم يظهرِ الإجماع على (٣) هذه الصورة الخاصة. قال: الوجه الثاني: أنَّه لا يتميَّزُ على هذا الوجهِ المجتهدُ مِنَ المقلِّدِ، فإنَّه إذا رجح في كل مسألة، وعمل بما (٤) يترجح له، فهذا شأن المجتهدين، وكونُه قد قال به قائل شرطٌ في حقِّ المجتهد أيضاً. أقول: هذا الوجه أضعفُ مِما قبله، وهو لا يؤدِّي إلى ما ذكره،

стр. 1004

والفرق بينهما واضحٌ، وهو أنَّ المقلِّدَ ليس له أن (١) يستقلَّ بالقول، وإنَّما هو تبَعٌ لغيره، فلو لم يكن لغيره قولٌ البتَّة، لم يعمل بما (٢) ترجح (٣) له، وقد رام السَّيدُ أنْ يُبْطِلَ هذا الفرقَ، فركب الصعبَ والذَّلولَ، وخالف المنقول والمقبول، والتزم أنَّه لا يَحِلُّ الاجتهادُ لمجتهدٍ حتى يسبقَه غيرُه إلى اجتهاده، وهذا معلومُ البطلان لوجوه. أحدها: أنَّه يلزمه ألاَّ يصحَّ اجتهادُ خير الأمَّةِ مِنَ الصَّدر الأوَّلِ الذين ابتكروا الكلام في الحوادث، وسبقوا إلى الاجتهاد في المسائل. وثانيها: أنَّ الأمَّة مجمعةُ قديماً وحديثاًً على عدم اشتراط هذا، وإنَّما الشرط أنْ لا يكونَ في المسألة إجماعٌ ثابتٌ مِنْ طريقٍ صحيحةٍ قطعيَّةٍ أو ظنية غيرِ معارضة بما هو أرجحُ منها، ومِنَ العلماء من لم يقبل الإجماع حتى تكونَ طريقُ نقله معلومةً متواترةً، فأمَا إذا لم يكن في المسألة إجماعٌ ولا خلافٌ، فلا قائلَ بتحريمِ الاجتهاد فيها. وثالثها: أنَّه يلزم السيِّدُ أنَّ الحادثة إذا حدثت، وليس فيها نصٌّ لمن تقدم سقط (٤) عَنِ الأُمَّة التَّكليف فيها، ولم يجب عليهم في ذلك اجتهادٌ ولا تقليدٌ، لأنَّه لا نصَّ لمن تقدَّم، فيجوزُ تقَليدُه عند من يستجيزُ ذلك، ولا يجوز الاجتهادُ أيضاًً على رأي السيد، فلزم من ذلك العملُ بالإِباحة من غير اجتهادٍ ولا تقليدٍ، وتكليفُ ما لا يُطاقُ مِن معرفة مرادِ الله من غير اجتهادٍ ولا تقليد، وكلُّ هذا خلافُ الإجماع، فهذه هي الحُجَّةُ الثَّانية التي

стр. 1005

أَنتصرُ بها لمذهب المنصورِ بالله ﵇. قال: الثالثة أنَّه يلزم مِنْ ذلك التَّناقض كما لو كان مجتهدٌ يحملُ الأمر على الوجوب، فيُوجب العمرة بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ويوجب ركعتي المَقَام بقوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] وكان مجتهدٌ آخر يَحْملُ الأمرَ على النَّدب، ويقضي في هاتين المسألتين بالنَّدب وعدم الوجوب، فيأتي مقلِّدٌ فيقولُ: أنا أرجِّح (١) مذهبَ أحدهما في مسألة وأختاره، وأرجِّحُ مذهبَ الآخر في الأخرى وأختاره، فيكون هذا قائلاً: إنَّ الأمر يقتضي الوجوب، وإنَّ الأمر لا يقتضي الوجوبَ، اللهُمَّ إلاَّ أنْ يحصُلَ مرجِّح ظاهرُ القوَّة يُصْرَفُ به الأمرُ من (٢) حقيقته إلى مجازه، وهذا يحتاج إلى اطِّلاعٍ في العلوم، وعضٍّ عليها بالنَّواجذِ، وركوبِ أخطارٍ، وارتحالٍ، وتنقُّلٍ في الأقطار. أقول: الجوابُ عليه في هذا يَتمُّ إن شاء الله تعالى بذكر أنظار. النَّظر الأول: أنَّ السيدَ استدلَّ، ثم استثنى ، والاستثناءُ لا يصح في البرهانِ والإسلام، وكلُّ ما لا يتجزَّأ ولا ينقسم، ولا خلافَ في هذا بين العُقلاء، وإنَّما يصحُّ الاستثناءُ في ذواتِ الأجزاء، كقول القائل: عليَّ لفلانٍ عشرةٌ إلا درهماً، وقام القومُ إلا زيداً، وأمَّا القول بأنَّ الأمر صحيحٌ أو باطلٌ بدليل كذا وكذا، إلا أن يكونَ كذا وكذا، فهذا فاسدٌ قطعاً، لأنَّه بمنزلة أن يقول: هو صحيحٌ إلاَّ أنْ لا يصحَّ، وباطلُ إلاَّ أن لا يبْطُل، بدليلِ أنَّ الاستثناءَ ممَّا لا جُزْءَ له لا يكون معناه إلا التردُّدَ والاحتمال، ولا

стр. 1006

شكَّ أنَّ الاحتمال يمنع الاحتجاجَ والاستدلالَ، ولهذا قال العلماء: لا يصحُّ استثناءُ الكُلِّ من الكُلِّ، كقولك: له عليَّ عشرةٌ إلاَّ عشرة؛ لأنَّه مناقضةٌ، فكذلك الاستثناء في البُرهان مناقضة. النظر الثاني: أنَّ ما جاز في ذلك على المقلِّدِ جاز على المجتهد ؛ لأنَّهما مكلّفان عاقلان، والمناقَضَةُ لا تَحِلُّ لمكلف، مجتهداً كان أو مقلداً، ولا يُعْصَمُ منها مكلَّفٌ أيضاًً، فهي محرَمة عليهما، مجوزة فيهما، فما الفرقُ بينهما. النظرُ الثالثُ: أنَّه (١) جعلَ القرينةَ الدَّالة على صرف الأمرِ مِنَ الحقيقةِ إلى المجاز ممَّا يحتاج إلى اطِّلاع في العلوم، وعضٍّ عليها بالنَّواجذ، والأمرُ أهون ممَّا ذكره؛ وذلك لأنَّ النَّاظر في المسألة الَّتي ذكرها السيدُ إنْ كان ليس له معرفة بأنَّ الأمر يقتضي الوجوبَ أو النَّدبَ، ولا مذهبَ له في ذلك، لم يكن لَهُ أن يرجِّحَ بذلك، وكيف يرجِّحُ بما لا يَعْرِفُ، وإن كانَ مِمَّنْ يعرف هذه المسألة، ويختار فيها أحد القولين، فالعدولُ عَنِ الظَّاهر في الأمر إلى المجاز أمرٌ قريب تُغني فيه الإشارة عَنِ التَّهويل بتلك العبارة، وإنَّما هو معرفة القرينة الدالَّة على الوجوب أو الندب، فقرينةُ الوجوبِ الوعيدُ على ترك المأمور به، وقرينةُ النَّدبِ الإذنُ في تركه، ونحو ذلك مِنْ خصائصِ الوجوب والنَّدْبِ الواضحة. فما هذا (٢) التَّهويلُ بذكر الأخطار، والتِّجوال في الأقطار!!

стр. 1007

النَّظر الرابع: أنَّ كلامَه في هذا الفصل يستلزِمُ اشتراطَ السَّفرِ والخطرِ في صِحَّة الاجتهاد ؛ لَأنَّه إذا وجب ذلك في معرفة القرينة الصَّارِفةِ للأمر مِن الحقيقة إِلى المجاز، فكيف بالاجتهادِ في جميع العُلوم كُلِّها (١) دِقِّها وجِلِّها؟ بل كلامُه يستلزمُ أنَّ كُلَّ مسألة اجتهادِيةً تحتاج إلى السَّفر، وتفتقر إلى الخَطرِ، وهذا يُفْضِي (٢) إلى أن يشترط في الاجتهادِ منْ طَيِّ المراحل والمجاهل، والتَّطوافِ على المفاوزِ والمناهل ما لا يكادُ يُمكِنُ إلا مع القدرة على الطَّيران، أوِ (٣) الركوب على بساطِ سليمان، وما زال أهلُ العلم يذكرون شروطَ الاجتهاد، فما ذكر أحدٌ (٤) مِنْهُمْ تطوافَ البلاد، ولا ركوبَ الأخطار في تَقَحُّمِ الأغوار والأنجاد، كيفَ إلا مسألة ظنِّيَّة وأمَارة فروعية، فما الحاملُ على هذا الغلوِّ (٥) الفظيع والتَّحامل الشَّنيع؟ النظر الخامس: أنَّ السَّيِّد أيَّده الله إما أنْ يكونَ يَعْرِفُ هذه القرينةَ الَّتي هَوَّلَ معرفتها أوْ لا، إن لم يكن يعرِفها، فكيف يحكم على ما لا يَعْرِفُ؟! والحكمُ على الشَّيْء بالسُّهولة أو الصُّعوبة فرعٌ على معرفته، وإن كان يعرف هذه القرينة، فكلامُه يدلُّ على أنَّه مِنْ أهلِ الاطِّلاع على العلوم، والعضِّ عليها بالنواجذ، لأنَّه قد نصَّ على أن معرفة هذه القرينة يحتاجُ إلى ذلك، لكِنِ السَّيِّدُ قدْ وَعَّرَ مسالِكَ العلوم (٦)، وبعَّدَها، وتوقَّف في إمكانها، ومَنْ كان مِنْ أهل العلوم والعضِّ عليها بالنَّواجذ، فهو مجتهدٌ

стр. 1008

بغير شَكٍّ وأيضاًً فما علمنا -مع المجاورة- أنَّه قَدِ ارتكب الأخطار، ولا طاف الأقطار. وبالجملة، فقد قدَّمْتُ قريباً أنَّ البُلغاء لا يسترحون إلى الأسجاع إلاَّ إذا حَلَّوْا بجواهرها لباتِ الحقائقِ وصدورَها، وسيَّرُوا في أفلاكِ قوارعها شموسَ الدَّلائل وبُدورَها، فأمَّا إذا لم تُصاحِبْ صِدْقَاً ولا حقَّاً، فما هي إلا كبقلة الحمقا (١)، لا تُثْمِرُ ولا تَبقى، ولا تستَحِقُّ أن تُزْرَعَ، ولا أن تُسقى. قال: الموضع الثَّاني في الدَّليلِ (٢) على أنَّ في أخبار هذه الكتب المسمَّاة بالصِّحاح ما هو غيرُ صحيحٍ إلى آخر كلامه في هذا الفصل، وهو مشتمل على الطَّعن في كتب الحديث بذكر ما فيها من حديث المحاربين أميرَ المؤمنين عليَّاً ﵇، وإنَّما لم أُورِدْهُ كلَّه هنا؛ لأنَّه قد تقدَّم جوابُ أكثرِه في مسألة قبول أنواعِ أهل التَّأويل، وتقدَّم هُناك نصوصُ كثيرٍ مِنْ أهلِ البيت على قَبُولهِمْ، بل على دعوى الإجماع منهم، ومِنْ غيرهم على ذلك، ولم أعلم أحداً قبلي بَسَطَ في هذه المسألة ما (٣) بسطتُ، فراجعه فيما تقدَّم، ولم يبقَ هنا إلا تَتِمَّةً يسيرة، وأنا أتتبَّعُ ما لم يتقدَّم جوابُه وأبيَنُه إن شاء الله تعالى.

стр. 1009

فأقولُ: الجواب على ما ذكره من وجوه: الوجه الأول: أنَّا قد بيَّنَّا مِنْ نَصِّ أهل البيت ﵈ على قبولِ الخوارج، بل مَنِ ادعى معرفة الإجماع على ذلك مِنَ العِترة والأمَّة مِمَّن لا سبيل إلى تكذبيه، كالإمامِ المنصور بالله، والمؤيَّد ِ بالله، ويحيى بنِ حمزة، والأميرِ الحسين بنِ محمدٍ، وغيرهم منْ عُلماء الشِّيعة. والخوارج شَرُّ من عادى أمير المؤمنين ﵇؛ لأنَّهم كفَّرُوه وأخرجوه من الإسلام، صانه اللهُ عن ذلكَ، فينبغي أن يعلم أنَّهم إنما قدَحُوا في أحاديث جماعةٍ قليلةٍ منَ البُغاة عليه (١) لأمرٍ آخرَ غيرِ بغيهم المعلوم الذي شاركهم فيه الخوارج، وذلك أجنبي (٢) مِن القدحِ بالأمر المشتَرك بينهم وبين الخوارِج، فافهمه، وافْهَمْ أنَّ المخالفين لعليٍّ ﵇ ثلاثةِ أصناف كما ورد في وصفه ﵇ بقتال (٣) المارقين والنَّاكثينَ والقاسِطين، فقد صرَّح أئمةُ الزَّيديَّةَ بقَبولِ المارقينَ والنَّاكثين، بَلِ ادعوا الإجماع على ذلك، وصرَّح الأميرُ الحسين في " شفاء الأوام " بدعوى الإجماع على قبول البُغاة على عليٍّ ﵇ وَهُمْ عبارةٌ عَنِ القاسطينَ معاوية وأصحابه، والَّذي ذكره الأميرُ الحسين عن أهل البيت هو مذهبُ المحدِّثين، لكنِ الزَّيديَّةُ استثنَوْا مِنْ هذا الإطلاقِ قدرَ أربعةٍ أو خمسةٍ لا سوى، لأمرٍ وَقَعَ النِّزاعُ فيه بينَهم وبَيْن المحدِّثين، وهو قرائِنُ رُوِيتْ عنهم مِنَ الأقوالِ والأفعال تُعارِضُ ما ادَّعوْهُ وأظهروه منَ التَّأويل في البغي، ويدلُّ على تعمُّد البغي مع العلم بقُبْحِهِ وتحريمه، وهذا القدرُ ممَّا

стр. 1010

يمكِنُ وقوعُ اختلاف الظُّنون فيه، وفي أنَّ صاحِبَه مظنونُ الصدق أو مظنونُ الكَذِبِ، أو أنَّا متعبِّدون بردِّه وإن لم نظنَّ كَذِبَهُ، أو بقبوله وإن لم نَظُنَّ صدقه. وقد اعترف أهلُ الحديث بأجمعهم أنَّ المحاربين لعليٍّ ﵇ معاويةَ وجميع مَنْ تَبِعهُ بُغَاةٌ عليه، وأنَّه صاحبُ الحَقِّ، نقل ذلك عنهم غيرُ واحد منهم مثل القرطبي (١) في " تذكرته " (٢) كما سيأتي في الوهم الثالثِ والثلاثين مِنَ المجلَّدِ الرَّابعِ، ولم يَبْقَ الخلافُ بينهم وبَيْنَ غيرهم إلاَّ في أمرين. أحدهما: أنَّ مدار الرِّواية على ظنِّ الصِّدق، لا على الموافقة في العقائد ونحوها، أو على الموافقة في العقائد (٣)، وإن لم يحصل ظَنُّ الصِّدق، وهذا الأمرُ قد تقدَّم مستوفى في مسألة المتأوِّلين. وثانيهما: في أيِّ الأمرين أرجح: العملُ بظاهرِ دعوى التَّأويل، أو الحكمُ بالتعمُّد للقرائن الخاصة؟ وفي تراجم معاوية، وعمرو، والمغيرة من " النبلاء " (٤) شيءٌ كثير، موضعُه معروف، فلا حاجةَ إلى نقله، وإنَّما ذكَرْتُ تراجمهم في " النبلاء "، لأنَّه مِن تصانيف أهل السُّنَّةِ، وهم لا يُتَّهمون في ذلك، وَمِنْ أعظمه أحاديثُ " تَقْتُلُكَ يا عَمَّارُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ " (٥)

стр. 1011

فإنَّه حديثٌ متَّفقٌ على صحَّته وشهرته في ذلك العصر، وإنَّه ما قدح فيه مِنَ القُدماء أحدٌ، بل قال الذَّهبي في ترجمة عمار مِنَ " النُّبلاء " (١): إنَّه حديثٌ متواتر، فأمَّا معاويَةُ، فتأوّله بتأويلِ باطلٍ أنَّ علياً وأصحابه هُمُ الَّذين قتلوه وجاءوا به حتى ألقَوهُ بين رماحنا، رواه أحمد في مسند عمرو بن العاص (٢)، وقد أجاب عبدُ الله بنُ عمرو بأنَّه يلزمُ أنَّ رسول الله ﷺ قاتلُ عمِّه حَمْزَةَ، وشهداء بَدْرٍ وأحد، فَأَفْحَمَهُ (٣). وأمَّا عمرو، فلم يتأوَّلْهُ، وفزِعَ فزعاً شديداً كما فَزِعَ عندَ موته (٤). فمَن نظر إلى القرائن الخاصَّة المقوِّية لِعدم التَّأويل رجَّحها، وأقواها

стр. 1012

قتلُ عمار، وتَقَوَّى بِمَا اشتهر عَنِ الصحابة وغيرهم مِنَ الرَّدِّ عند أدنى ريبة. فَمنْ ذَلك (١) أن أبا بكر وعمرَ ﵄ لم يقبلا حديثي المغيرة في سهم الجَدَّة، ودِيَة الجنين (٢) حتى شهد له محمد بن مسلمة فيهما معاً، وذلك أيضاً قبل إحداث المغيرة، ولم ينكر أحدٌ عليهما. وأمَّا عُمَرُ ﵁، فقد أكثر مِنْ ذلك، حتى توقَّف في حديثِ عمَّار بنِ ياسر في التَّيَمُّم (٣)، ولم يعمل بهِ لنسيانِهِ لهُ، وكان حاضراً، وقلّتِ الرِّواية في أيَّامه خوفاً من عقوبته (٤).

стр. 1013

ومن نظر في سيرةِ أميرِ المؤمنين علي ﵇، عَلِمَ أنَّه لم يَسِرْ فيهم سِيرَةَ الكُفَّار، ولولا تأويلُهم عنده لكفَّرهم حين كذَّبوا ما عَلِموا منَ الدين، وهي مِنْ أقوى ما تمسَّكوا به، وهي من أقوى أدلَّة الزَيديَّة على من قال: إن النَّصَّ جليٌّ في إمامة عليٍّ ﵇، فتأمل ذلك. وكذا مَنْ نظر إلى ظواهر من الأحاديث النَّبوية في لزوم الظَّاهر وترك العمل بالظَّنِّ فيما يتعلَّق بالسَّرائر، رجح القبول في بعضِ الأحاديث، مثل حديث أبي سعيد الخدري، قال بَعَثَ عليٌّ ﵇ بِذُهَيْبَةٍ مِنَ اليمنِ إلى رسولِ الله ﷺ ، فقسمها بَيْنَ أربعةٍ، فقال رجلٌ: يا رسول الله اتَّقِ اللهَ، فقال: " ويلك، أَو (١) لَسْتُ أَحَقَّ أَهْلِ الأرْضِ أنْ يتَّقِي الله؟ " ثم ولَّى الرَّجُلُ، فقال خالدُ بنُ الوليد: ألا أضرِبُ عنقه يا رسولَ الله؟ قال: لا، لَعَلَّهُ أَنْ يَكونَ يُصَلِّي "، قال خالدٌ: وكم من مصلٍ يقولُ بلسانه ما ليسَ في قلبه، فقال رسول الله ﷺ : " إنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أُنَقِّبَ عَنْ (٢) قُلُوبِ النَّاسِ، ولا أَشُقَّ بُطُونَهُمْ " (٣). رواه البخاري ومسلمٌ وله شواهدُ كثيرةٌ في معناه. منها أنَّ مَنْ أقرَّ بالزِّنى، ثم أنكر، قُبِلَ منه (٤)، وفي كثيرٍ مِن

стр. 1014

الأخبار لا يُقْبَلُ إقرارُه حَتَّى يُقِرَّ أربعَ مَرَّات (١). ومنها سؤال النبي ﷺ عن ماعزٍ، هَلْ بِهِ جنونٌ لرفعِ الاحتمال البعيد (٢). ومنها حُكْمُ اللهِ تعالى على القَذَفَةِ، وإنْ كثُروا (٣) بالفسقِ وجرح العدالة (٤). ومنها حُكْمُ عُمَرَ بذلك، وتقريرُ الصَّحابة على قَذَفةِ المغيرة مع قوَّة الظن بصدقهم (٥)، وقَبِل دعواه لِنِكَاحِ السِّرِّ. فَمَنْ قَبلهُمْ، نَظَرَ إلى هذه الأمور وإلى أنَّ التَّعمُّدَ والتأويل مِنْ أعمالِ القلوب وخفِّيات السَّرائر، فَعَمِلَ بما ظهر منهم من دعوى التَّأويلِ، وإنْ لم يَصدُقوا في الباطنِ، كما هو ظاهرُ سيرةِ عليٍّ ﵇ فيهم، وتقوَّى على ذلك في الرواية أنَّ مدارَها على ظَنِّ الصِّدق، وتقوّى على ظَنِّ

стр. 1015

الصِّدق فيهم بأنَّهم لم يَرْووا حديثاً منكراً حتى ما رُوِيَ أنَّ أحداً منهم روى (١) شيئاً من أحاديث الرَّجاء (٢)، ولم ينفردوا بشيءٍ، وأقلُّوا الرِّوايةَ، ولم يُكثروا مع طولِ مُدَّتهم ومخالطتهم وتمكُّنهم، ولم يرووا حديثاًً واحداً فيه نَصٌّ نبويٌّ على إصابتهم في حربهم، وفي دعاويهم، ولا على خطأ عليٍّ ﵇ في شيءٍ من الأشياء، مع توفُّر الدواعي إلى ذلك، وطول المدَّة. فأمَّا ما رواهُ بعضُ البغدادية مِنَ المعتزلة عنهم، وعن أبي هُريرة، وأنسٍ وغيرِهما مِنَ الكِبار والتَّابعين منْ تعمد الكذب، فذلك ما لم يَصِحَّ ولا يُقارِبُ الصحة، ولا يَشْتَغِلُ بمثله أهلُ التَّحصيلِ مِنْ أئِمَّة النَّقل، هذا مع ما رَوَوْهُ مِنْ عموماتِ الثَّناء على أهلِ ذلك العصرِ من الكِتاب والسُّنَّة وقبولِ النَّبيِّ ﷺ لِمَنْ أسلم في عصره قَبْلَ اختباره، ولم يكتفوا بهذا غيرَ ناظرين إلى قرائنِ الصِّدقِ الخاصة (٣)، ولذلك قال أبو داود في " سننه " (٤) وقد روى حديثاًً عن معاوية، ثم قال: ولم يكن معاويةُ يُتَّهَم في الحديث، ولم يُنْكِرْ هذا القولَ عليه أحدٌ مِنْ أئمة الحديث، ولا رفعوه عن مثل هذا

стр. 1016

القول، بل حكم أهلُ الحديث بالتَّتبُّع التّام، والبحثِ الطويل، والنَّظرِ في الشَّواهد والتوابع والقرائن، وجمعِ الطرق أنَّ أهلَ العصرِ النَّبويِّ وتابعيهم وتابعي تابعيهم لم يكن فيهم من تَعَمَّد وَضْعَ الحديثِ زوراً إلى أيَّام بني العَبَّاس، وظهر ذلِكَ وظهر أهلُه، وقد نصَّ المنصورُ بالله ﵇ على مثل كلامهم في أنَّه لا يُسألُ عن عدالة الثَّلاثَة القُرونِ الأُوَل، وأنَّ ذلك معلومٌ عندَ العلماء، بل صحَّت الأحاديثُ الكثيرةُ في ذلك بلفظ: " خَيْرُكُم القَرْنُ الَّذينَ بُعِثْتُ فيهِمْ، ثُم الذين يَلُونَهُمْ، ثمَّ الذين يَلُونهُمْ، ثُمَّ يَفْشُو الكذِبُ مِنْ بَعْدُ " (١)، واعتضَدَ هذا بِخِبْرة أهلِ الحديث لذلك وتتبُّعِهم (٢) لِمَا صحت روايتهُ عَنْ أهلِ ذلك العصرِ محقِّهم ومبطِلِهم، والنظر فيما رَووْهُ وفي شواهده، وكُلُّ أهلِ فنٍّ أعرفُ بفنِّهم كما ذكرته فيما تقدَّم منْ هذا الكتاب. ولهذه الأمورُ ترى كثيراً مِنْ أئمَّة العِترة وشيعتهم والسَّلَفِ يروون أحاديث هؤلاء كما يرويها أهلُ الحديث، منهم أبو عبد الرحمان النسائي في " سُننه " مع بغضه لمعاوية (٣)، وكلامه عليه، حتَّى قُتِلَ في دمشق بسبب كلامهِ عليه، ومع ذلِكَ روى عنه في " سننه " غيْرَ حديثٍ، وكذا

стр. 1017

الحاكمُ، وابنُ منده وغيرهم مِنَ الشِّيعة، وأظهرُ مِنْ ذلِك روايةُ الأميرِ (١) الحسينِ بن محمد الحسني الهادوي إمامِ الزَّيْدِيَّة في علم الحديث فإنَّه افتتح كتابه " شفاء الأوام " بحديثين من رواية المغيرة، ولم يَرْوِ أوَّلَ منهما، ولم يذكر لهما شاهداً مِنْ غير طريق المغيرة، وصرَّح بأنَّهما من رواية المغيرة، ولم يعتَذِرْ عن ذلِكَ، ولا أنكره عليه أحدٌ من أهله، ولا أهلَ مذهبه. وروى محمدُ بن منصورٍ الكوفيُّ محبُّ أهل البيتِ، ومصنِّفُ علومِهم في كتابه " علوم آل محمد " وتُعْرَفُ بأمالي أحمد بن عيسى بن زيد ﵈ حديثَ وائلِ بنِ حُجر في وضعِ الأكُفِّ على الأكُفِّ (٢). ذكره في حق الصلاة، والتَّغليس بالفجر بَعْدَ أوقات الصلاة، ولم يضَعِّفْه، ولا تأوَّلَهُ، ولا ذكر له معارضاً، ولا أنَّه حُجَّةُ منْ لا خلاَقَ (٣) لَهُ مِنْ أعداءِ العِترة، بل أدخله في كتابه الذي سَمَّاه " علوم آل محمد "، ولم يُدْخِلْ فيه إلاَّ أدلَّتهم الصَّحيحة عندَهم وعلى أصولهم، ولذلك قال الأميرُ الحسين في كتاب الوصايا من " شفاء الأوام " ما لفظه: فأمَّا الفاسق من جهة التأويل، فلسنا نُبْطِلُ كفاءتَه في النكاح كما تقدَّم، ونقْبَلُ خَبَرهُ الذي نجعلُه أصلاً في الأحكام الشرعيَّة لإجماع الصَّحابة ﵃ على قبول البُغاة على أمير المؤمنين وإجماعهم حجة. انتهي بحروفه.

стр. 1018

وقد روى الإمامانِ المنصورُ بالله، والمؤيَّد (١) يحيى بن حمزة حديث معاوية في " الأربعين الودعانية " (٢)، وشرحاه، وهو (٣٢) منها، وقبلا الودعاني مصنِّف الأربعين مع تخريجه (٣) لحديث معاوية فيما اختاره للأُمَّة في خُطَبِها ومواعِظها، ولم يستخرجا له من روايته حديثَ معاوية أنَّه ناصِبِيُّ منافق، بَلِ اعتمدا (٤) عليه في قبولِ الخطب الأربعين.

стр. 1019

فأما الإمامُ (١) يحيى بنُ حمزة فنص (٢) على صِحَّتها في خطبةِ شرحه لها، ولم يستثنِ حديثَ معاوية في خطبة شرحه (٣)، ولا في شرح حديث معاوية، وذكر -مع مبالغته في تصحيحها- أنَّه اعتمد في ذلك على مصنِّفها، فهذا أكثرُ تساهلاً في التصحيح من المحدثين بالضرورة التي يعلمها أهلُ هذا الشَّأْنِ. ومنَ المشهور في كتب الحديث أنَّ عليَّ بن الحسين ﵇ روى عن مروانِ بنِ الحكم، وابنُ عباسٍ، وأبو سعيدٍ، وابنُ المسيِّب رَوَوْا عن معاويةَ وأمثالهم، ولو لم يرْوُوا عنهم، لم يتَّصِل السَّندُ إليهم. وكذلك روى الهادي يحيى بن الحسين ﵇ (٤) في كتابه " المنتخب " حديثَ عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جَدِّه، وهو عمرو بنُ شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، وقد اختلف في الضمير في " جَدِّهِ " على من يعود (٥). وقد قال أحمد في " المسند ": حدثنا يزيد، حدثنا همَّامٌ، عن قتادة، أو عن ابن سيرين، عن عبد الله بن عمرو بنِ العاص، قال: كنتُ مع رسولِ الله ﷺ ، فجاء أبو بكر، فقال: " بَشِّرْهُ (٦) بالجنة "، ثمَّ عمر، ثمَّ، عثمان كذلك، فقلت: وأَيْنَ أنا؟ قال: " مَعَ أبِيكَ " (٧)،

стр. 1020

رجالُه رجال البخاريِّ ومسلم لولا أنّ قتادة مُدَلِّسٌ، ويُرجى لعمرو التَّوبة، لقوله عند موته كما نُوَضِّحهُ. الوجهُ الثاني من الجواب: وذلكَ أنَّ حُفَّاظ الحديث، وأَئِمَّةَ النَّقل لم يقتصِروا على تدوينِ الصحيح المُجْمعِ على صحته عند جميع فِرَق الإسلام بحيث يقطعون على تخطئة المخالف فيه، بل قصدوا إلى تدوين القسمين معاً، أحدهما: المقطوعُ بصحَّته، وثانيهما: الصَّحيحُ المبنيُّ على اجتهادهم الذي يُمْكِنُ الخلافُ فيه، بل دوَّنوا قسمين آخرين أضعف مِنْ هذا القسم المختَلَفِ في صِحَّته. أحدهما: الأحاديثُ الحسانُ التي تَقْوى بكثرةِ رواتِها، ولا تقوى ما انفرد به أحدُهم. وثانيها: الشَّواذُ، والمنكراتُ، وأحاديثُ المجاهيل والضُّعفاء، ليستفادَ مِن روايتها إمَّا تواترٌ أو ظنٌّ فيما لم يُعَارِضْه حديثٌ صحيحٌ، ثمَّ اعتبروا في الجميع ظنَّ الصِّدق حتَّى كان الحافظ الرَّقيقُ الدِّين المُجرَّب الصِّدق أقوى عندَهم مِنَ العابِدِ الزَّاهد السَّيئ الحفظِ المجرَّب الوهم، الفاحشِ الخطأ، الكثيرِ الغفلة، حتى ذكروا أنَّ الكَذِبَ في الحديث أكثرُ قدحاً في الرِّواية من الكُفر، ولذلك وَثِقَ رسولُ الله ﷺ بدليله الدِّيلي يَوْمَ هاجَرَ، وكان دليلُه كافراً (١).
следующие страницы →