← Акыда

Акыда · id 29677

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

ابن الوزير

Полный текст (3 702 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

الخطيب البغدادي في كتاب " الفقيه والمتفقه " (١). الحديث الثالث: في فضل حِلَقِ الذِّكر والاجتماعِ عليه (٢). رواه مسلم، ومعناه مشهورٌ، وفيه: وما كان أحد بمنزلي من رسول الله ﷺ أقلَّ حديثاً مِنِّي. وهو في " البخاري " و" مسلم " عن أبي هُريرة، وفي " مسلم، و" الترمذي " عن أبي سعيد الخدري، وأبي هُريرة. الحديث الرابع: النَّهي عن الغَلوطات (٣). رواه عنه أبو داوود.

стр. 1052

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1053

وقال الخطّابي (١): صوابه الأغلوطات، ولا يصِحُّ عنه، في إسناده مجهول، وله شاهدٌ عن أبي هريرة، رواه ابن الأثير في كتاب " جامع الأصول ". وفي " صحيح البخاري " عن أنس: نُهينَا عَنِ التَّكَلُّف، وهو يشهد لمعناه، وكذلك حديث " هَلَكَ المُتنَطَّعُونَ " يشهد لمعناه (٢)، وهو متّفق عليه، وقد كره ذلِكَ أهلُ العلم، بَلْ ثَبَتَ عن كثيرٍ مِنَ الصَّحابة، والسَّلف كراهية الفتوى في المسألة قبل وقوعها، وكان زيدُ بنُ ثابت لا يُفتي حتَّى يحلِف السَّائلُ بالله تعالى أنَّ ما سأل عنه قد وقع، وممَّن ذكر ما ورد من كراهية ذلك، وتقصَّى الآثار: ابنُ السُّني (٣) في كتابه.

стр. 1054

الحديث الخامس: حديث " لَيْلةُ القدْرِ لَيْلةُ سَبْعَةٍ وعِشْرِينَ منْ رَمَضَان " (١) رواه عنه أبو داوود، وهو معروفٌ عن غيره، رواه أبو داوود ومسلمٌ، والترمذي عن أُبَيِّ بنِ كعب. الحديث السادس: فضل حُبِّ الأنصار (٢) رواه عنه النسائيُّ، وفضلُهم مشهور بل قُرآني معلوم. الحديث السابع: حديث " اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا " (٣)، وله شاهدٌ في

стр. 1055

" البخاري " ومسلم عن أبي موسى، وهو مجمع عليه، ومعناه في القرآن الكريم. الحديث الثامن: " المؤذِّنُونَ أطْولُ النَّاسِ أعنَاقَاً يوْمَ القيامَةِ " (١) رواه عنه مسلم، وهو مرويٌّ عن عليٍّ ﵇، وعن بلالٍ، وأنسٍ، وزيدِ بنِ أرقم، وعُقبةَ بنِ عامر، وأبي هريرة، وابنِ الزبير، وكُلُّهم عند الهيثمي في " مجمع الزَّوائد " إلاَّ حديثَ علي ﵇، فذكره أبو خالد في " مجموع زيد بن علي " ﵇. الحديث التاسع: حديث " مَنِ الْتَمَسَ رِضَا الله بِسَخط النَّاسِ " (٢)

стр. 1056

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1057

الحديث، رواه الترمذي، وليس من حديثه، لكِنَّه رواه عن عائِشَة، كذا وجدتُه فيمَا علَّقت، وطلبتُ روايةَ معاوية (١) عن عائشة في " أطراف "

стр. 1058

المزِّيِّ، فلم أَجِدْهَا فيه، ولعلَّ ما كتبته مِنْ ذلك وَهْمٌ، والله أعلم، وهو معنى صحيحٌ، مجمعٌ عليه، لا يحتاجُ إلى روايةٍ ولا شاهدٍ. الحديث العاشر: تحريم وصل الشعر على النساء ، وشواهده مشهورة، ولا أعلمُ فيه خِلاَفَاً على سبيلِ الجُمْلَةِ (١). الحديث الحادي عشر: " العَيْنَانِ وِكاءُ السَّه " (٢)، وهو مروِيٌّ عن عليٍّ ﵇، رواه أبو داوود عن عليٍّ ﵇، والَّذي عن معاوية هو مذهبٌ معروف عَنِ العُلماء. القسم الثالث: ما يُوَافِقُ مذهبَ المعترِضِ من حديثه ، وفيه أحاديثُ. الحديثُ الأول: حديث " لا تَنْقَطعُ الهِجْرَةُ " (٣) رواه عنه أبو داوود،

стр. 1059

ولم يَصِحَّ عنه، قال الخطَّابيُّ: في إسناده مقالٌ، وله شاهدٌ عن عبد الله بنِ السَّعدي رواه النَّسائيُّ. الحديث الثاني: النَّهْي عن لباسِ الذَّهب إلا مُقَطَّعاً (١)، رواه عنه أبو داوود، والنسائي، وله شواهدُ ذكرها النسائي، فإنَّه روى ذلك عن جَمْعٍ مِنْ أصحاب النَّبي ﷺ إلا قولُه في حديثه " إلا مُقَطَّعَاً " فرواه النسائي عن عبد الله بن عمر (٢) بن الخطاب، وهو مرويٌّ عن جَمْعٍ مِنَ الصّحابة أنَّهُم صدَّقُوا معاويةَ فيه حين رواه، ذكره أحمد في مسند معاوية، وهو

стр. 1060

الحديثُ الخامسِ من الجامع من مسنده لابنِ الجوزيِّ، وهو مذهبُ الإمام المنصورِ بالله ﵇، وقد تقدَّم الكلامُ عليه في الحديث السابعِ من القسم الأول (١). الحديثُ الثالث. عن القاسم بنِ عبدِ الرحمن أبي عبد الرحمن مولى بني أُميَّة، أو يُقال: مولى آل معاوية، ويقال: مولى معاوية، عن معاوية: كان رسول الله ﷺ يقولُ على المنبر قَبْلَ شهرِ رمضان: " الصيامُ يَوْمُ كذا وكَذا، ونَحْنُ مُتَقَدِّمُون، فَمَنْ شَاء فَلْيَتَقَدَّمَ، وَمَنْ شاءَ فليتأخر " (٢) رواه ابنُ ماجه في الصوم، قيل: إنَّه لم يسمع من صحابِيِّ إلا مِن أبي أُمامة، وكان أحمدُ بنُ حنبل (٣) يحْمِلُ عليه ويتَّهِمُه، وقال: يروي عنه عليٌّ بن يزيد عجائبَ، وما أراها إلا من قِبَلِ القاسِمِ. وقال ابنُ حبان (٤): كان يروي عن أصحاب رسولِ الله ﷺ المُعْضِلاتِ. ورُوِيَ توثيقُه عن ابنِ معين، والترمذي، وكان يُروى عنه زهدٌ وعبادة، فالله أعلم، والراوي عنه العلاءُ بنُ عبد الرحمن (٥): صالح

стр. 1061

أنكر من حديثه أشياء، وممَّا أنكروا من حديثه: حديثُ النَّهي عن الصومِ إذا انتصف شعبانُ (١)، وفيه خلافٌ وكلامٌ كثيرٌ، وشيخُ ابن ماجه فيه عباسُ بنُ الوليد الدِّمشقي صُوَيْلِحٌ، وقال أبو داوود: أُحَدِّثُ عنه. القسمُ الرابعُ: ما يتعلَّقُ بالفضائل، مما ليس بمشهور ، ولكن له شواهد عن غيرِه، وفيه أحاديثُ. الأوَّلُ: استلام الأركانِ كُلِّها (٢)، وهو مذهبُ الحسن والحسين

стр. 1062

عليهما السلامُ، وأنس، وابنِ الزبير، ورواية عن ابنِ عباس، ذكر (١) ذلِكَ أبو عمر (٢) بنُ عبدِ البر في " تمهيدِه "، ومن روى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يستلم الشَّامِيَّيْنِ، فقد علَّل ذلك بأنَّ الحجر مِنَ البيت، فَلَيْسَا رُكْنَي البيت على الحقيقة كما ورد هذا التعليلُ. الحديث الثاني (٣): حديث " طلحة مِمَّن قضى نَحْبَهُ " (٤) رواه عنه الترمذيُّ، والطّيالسيُّ، والحديثُ معروف مِنْ رواية طلحة، ومن رواية عائشة، وله شاهد في " مسلم " (٥) عن أبي هُريرة.

стр. 1063

الحديث الثالث: حديثُ الفصل بَيْنَ الجُمُعَةِ والنّافلة بعدَها بالكلام ، أَوِ الخُروجِ منَ المسجدِ (١)، رواه عنه مسلمٌ، وله شواهد (٢)، وهو في " مسند ابن أبي شيبة " عن عُمَرَ مِنْ ثلاث طُرُقٍ، وعن ابنِ مسعود من ثلاث طرق، وعن إبراهيم: كانوا يكرهون ذلك، وعن المسيَّب بنِ رافع مثله، ذكرها مخرِّجُ أحاديثِ " الهداية " منَ الحنفية، وله شاهد أيضاَّ عن ابنِ عمر مِن فعل النَّبِيِّ ﷺ ، رواه البخاريُّ، وهو من أحاديث الفضائل. الحديث الرابع: " كُلُّ ذَنْبٍ عَسَى اللهُ أنْ يَغْفِرَهُ إلا الشِّرْكَ باللهِ، وَقَتْلَ المُؤْمِنِ " (٣) رواه عنه (٤) النّسائيُّ، وله شاهدٌ مِن حديث أبي الدّرداء بنحو لفظه رواه عنه أبو داود، وأمّا بغير لفظه فشواهدُهُ لا تُحْصَى، بلِ القرآن الكريم أصدقُ شاهد لذلك، بل مُغْنٍ عن ذكر ذلِكَ، وسيأتي ما ورد

стр. 1064

في ذلك في الكلام في مسألة الإِرجاء والرَّجاءَ من آخِرِ هذا الكِتاب إنْ شاء الله تعالى. القسم الخامس: ما لا يتعلَّق به حُكْمٌ وفيه أحاديث. الحديث الأول: حديث وفاةِ رسولِ الله ﷺ وهو ابنُ ثلاثٍ وستِّين سنة (١)، رواه مسلم عنه (٢)، وقد تابعه على ذلِكَ غيرُ واحدٍ، ولذلك كان أكثرَ الأقوال وأصحّها، ذَكَرَ ما يقتضي ذلِكَ ابنُ الأثيرِ في " جامعه " (٣)، وقيل في مُدَّةِ عمره ﷺ غيرُ ذلِكَ. الثاني: ذكرُ حديثِ كعبٍ الأحبارِ عن أهلِ الكتاب (٤).

стр. 1065

الثالث: حديث " إنَّمَا أنَا خَازِنٌ، واللهُ الْمُعْطِي " (١) رواه مسلم، وله شاهِدٌ رواه عليٌّ ﵇ عن رسولِ الله ﷺ ولفظه: " لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْت، وَلاَ يَنْفَعَ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ"، رواه مسلمٌ مِن حديث عليٍّ ﵇ فيما يُقَالُ في الاعتدال مِنَ الرُّكوع، ومعناه مجمعٌ عليه، وشواهدُهُ لا تُحصى. الرابع: قولُهُ ﷺ للنّاس: " الصِّيام يَوْمُ كذا " (٢) رواه ابن ماجه، ولا ثمرةَ له إلا أنَّه يُستحب للإمام، والقاضي إذا علِمَ أوَّلَ الشَّهْرِ أنْ يُخْبِرَ النَّاسَ، وما زال النَّاسُ على هذا، وهذه سُنَّةٌ مستمرة. الخامس: حديث " الخَيْرُ عَادَةٌ والشّرُّ لَجَاجَةٌ "، رواه ابن ماجه (٣).

стр. 1066

السادس: حديث " لمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إلا بَلاَءٌ وَفِتْنَة "، رواه ابن ماجه (١). السابع: حديث " إنَّما الأعمالُ كالوِعَاءِ إذا طابَ أسْفَلُهُ، طَابَ أَعلاهُ " رواه ابن ماجه (٢). الثامن: سبب نزول قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ (٣) [التوبة: ٣٤] وفيمَ نزلت، رواه البخاريُّ، والنِّسائي مِنْ طُرُقٍ

стр. 1067

كلّها من حديث زيد بن وهب، عن أبي ذرٍ أنّه قال: نزلت فينا، وفي أهلِ الكتاب، وخالفه معاويةُ، وقال: إنَّما نزلت في أهلِ الكتاب، وهذا الحديثُ إنَّما ذُكِرَ لسياق قصَّة أبي ذرٍّ، وسبب خروجه من المدينة لمخالفة معاوية له في ذلك، واجتماع النّاس عليه، وليس يَلْتَفِتُ أحدٌ مِنْ أهلِ السُّنَّة إلى ترجيح معاوية على أبي ذرٍّ، ولا يختلفون في ترجيح أبي ذَرٍّ، سيما وقد وافقه ابنُ عباس، وابنُ عمر، وثوبانُ، وأبو هريرة كما ذكره أهلُ كتب الحديث والتَّفسير، وإن كان الواحديُّ (١) أشار إلى اختلاف المفسرين في ذلك مِنْ أجلِ أنّ الآية الّتي قبلها في أهل الكتاب، ولذلك قالوا: إنّها محتملة، وهذا أيضاً غيرُ مرفوعٍ إلى النَّبِيِّ ﷺ ، ويدلُّ على ما ذكرته أنّ البخاريَّ قال: باب قوله ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] ثمَّ بدأ فيه بحديثِ أبي هريرة عنه ﷺ " يَكُونُ كَنْزُ أحَدِكمْ يَوْمَ القيَامَةِ شُجَاعاً أقْرَعَ " (٢)، فجعلها في المسلمين، ثم قوّاه وأردفه بحديثِ أبي ذرِّ أنَّ معاوية قال: إِنَّما هِيَ فيهم، فقلت: إنَّها لَفِينا وفيهم. التاسع: وفي " المسند " من طريق قتادة عن أبي شيخ أنَّ معاوية ذكر أشياء لجَمْعٍ مِنْ أصحاب رسول الله ﷺ ، فقالوا: فقال: أتعلمون أنه نهى عن جمْعٍ بَيْنَ حَجٍّ وَعُمْرة؟ قالوا: أمَّا هذه، فلا، قال: إنَّها مَعَهُنَّ. رواه أحمدُ (٣)، وزاد: " ولكِنَّكمْ نَسِيتُمْ " ففي صحته نظرٌ، لما فيه من الاضطراب كما مضى في الحديث الثامن عشر من القسم الأول من حديث معاوية، وإن كان في ذلك النَّهْي عن القرانِ بين الحجِّ العمرة، وهو يقتضي النَّهْيَ عَنِ القِران، لا عن التَّمَتُّع، وهذا محتملٌ، وهو في القِران

стр. 1068

أظهرُ، فهذا مِنْ جملة اضطراب الرَّاوي في متن الحديث. على أنَّهُ قد رُوي له شواهد مع ضعفها عن رَجُلٍ صحابِيٍّ، وعن ابنِ المسيب، وعن بلالِ ابن الحارث، وعن أبي ذرٍّ موقوفاً عليه، وفي كُلٍّ منها مقالٌ، رواه أبو داود عن ابن المسيِّب، عن رجلٍ من أصحاب النَّبي ﷺ أنَّه أتى عُمَرَ، فَشَهِدَ عنده أنَّه سَمِعَ النَّبيَّ ﷺ في مرضه الَّذي قُبِضَ فيه ينهى عَنِ العُمرة قبْلَ الحجِّ، وعن حَيْوَةَ عن أبي عيسى الخُراساني سليمان بنِ كيسان، عن عبدِ الله بنِ القاسم، عن ابن المسيب به. وقد تقدم في الحديثِ التاسعَ في القسم الأوّل أن معاويةَ روى أنّه قَصَّرَ منْ شعر النبيِّ ﷺ في حَجَّةِ الودَاعِ بعد عُمرته، مُتَّفَقٌ على صحَّته عنه، رواه الجماعة كلُّهم عنه (١) مِن حديثِ ابنِ عباس عنه، وليس عندهم لابنِ عباس عنه سواه، وهو الحديثُ الذي كان ابنُ عباس يقوله فيه: أمّا هذه فإنَّها على معاوية لا له، لأنَّه كان ينهى عَنْ مُتْعَةِ الحجِّ، وكان ابنُ عبَّاس، وعليٌّ ﵇، وجمهورُ الصَّحابة يُفْتُونَ بها، وكان عمر يُصَرِّحُ أنَّه رَأيٌ منه. وفي حديث معاوية ذلك دِلالَةٌ على أنَّ التَّمَتُع بالعمرة إلى الحجِّ جائز، وأنَّ النَّبيَّ ﷺ كان متمتِّعاً، وقد مضى أنَّه قولُ جماعةٍ كثيرةٍ مِنَ الصَّحابة، وَمَنْ بعدهم، وفيه تضعيفٌ لحديثه هذا في النَّهْيِ عن جمعٍ بين حجٍّ وعُمرة، فهذا مُنْكَرٌ جِدّاً، مُخالِفٌ لِمَا في الصِّحاح في مُتعة الحجِّ، وأنَّها لِأبَدِ الأبَد مما ذِكْرُه يَطُولُ (٢).

стр. 1069

ولما روى الحارثُ بنُ بلال عن أبيه هلال بن الحارث أنّ فَسْخَ الحجِّ إلى العُمرة كان خاصّاً بأصحابِ النّبيِّ ﷺ ، قال أحمد بنُ حنبل، لا يُعْرَفُ الحارثُ بنُ بلال، ولو عُرف، إِلاّ أنَّ أحدَ عشرَ رجلاً من أصحابِ النَّبيِّ ﷺ يُخَالِفُونه، أين يَقَعُ الحارثُ منهم ذكره ابنُ تيمية في " المنتقى" (١). وأما حديثُ معاوية هذا لا أعلمُ أن أحداً منهم صحَّحه، ولا التفت إليه -أعنىِ مِنْ أئِمّة الحديثِ- وإنَّما خَرَّجَ مسلم (٢) شيئاً موقوفاً في هذا عن أبي ذرٍّ مِن قوله في معنى حديث بلال بن الحارث، وهو ضعيف أيضاً. وبقيةُ ما في " المسند " عنه مما لا نكارةَ فيه: منها: " الإِيمانُ قَيْدُ الفَتْكِ " (٣)، و"مَنْ كَذَبَ علَيَّ

стр. 1070

مُتَعَمِّداً" (١)، و" مَنْ مَاتَ بِغَيرِ إمَامٍ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً " (٢)، و" العَيْنانِ وِكَاءُ السَّهِ " (٣)، و" العُمرى جائزة (٤)، والنّهْي عن

стр. 1071

الإلحاف (١)، وتكفير الذُّنوب بالمصائب (٢)، ولَعَنَ مشققي

стр. 1072

الكلامُ (١)، و" النّاسُ تَبَعٌ لقريش " (٢)، و" إن وَليتَ، فاتَّقِ اللهَ وَاعْدِلْ " (٣)، و" إِنَّ هذَا الأمْرَ في قُرَيْشٍ " (٤)، وأنه ﷺ مصَّ لسانَ الحَسَنِ، وَلَنْ يَدْخُلَ النار لسانٌ مصَّه رسول الله ﷺ (٥).

стр. 1073

فهذا جميع ما لمُعَاوِيَةَ في الكتب السِّتَّةِ، و" مسند أحمد " حَسْبَ معرفتي، وجملتُها سِتُّون حديثاًً ما صَحَّ عنه وما لَمْ يصِحَّ، المتَّفق على صحَّته عنه أربعة، وهي: تحريمُ الوَصْلِ في شعور النِّساء، وأنَّها لا تزالُ طائفةٌ مِنَ الأُمَّةِ ظاهرين على الحقِّ، وأنَّ صومَ (١) عاشوراء غَيْرُ واجبٍ، وأنّه قصَّر للنَّبِيِّ ﷺ مِن شعره في حِجَّة الوَدَاع، هذا جميعُ ما اتَّفقوا على صحَّته عنه. وما سواه جميع ما رُوِيَ عنه ممّا لم يتَّفِقُوا على صحَّتِهِ، وإن سقط من ذلِكَ شيءٌ، فهو اليسيرُ، وأرجو أن لا يكونَ فاتني من ذلك شيء (٢) إن شاء اللهُ تعالى، وهو أكثرُ الجماعة المذكورين حديثاًً، وهو مُقِلٌّ جداً بالنَّظَرِ إلى طُولِ مدَّته، وكثرة مخالطته، وليس فيما صحَّ عنه بوفاق شيء يُوجِبُ الرِّيبة والتُّهمة، ولا فيما رواه غَيْرُهُ مِنْ أصحابه، فبان أنّ الأمر قريبٌ، مَنْ قبِلَ حدِيثَهم، فلم (٣) يقبل منه حديثاً منكراً، ومَنْ لم يَقْبَلْهُ، استغنى بحديثِ غيرهم مِنَ الصَّحابة الَّذين وافقوهم على رواية مثل (٤) ما رووه مِمَّنْ ذَكَرْتُ، وَمِمَّن لم أذْكُرْ، فإنِّي لم أسْتَقْصِ، ولا سبيلَ إلى الاستقصاء، فَمَنْ أحبَّ الزِّيادة على ما ذكرتُهُ من معرفة مَنْ وافقهم، فليطالِعْ ذلِكَ في مظانِّه مِن كُتُبِ الحديثِ البسيطة مثل " مجمع الزوائد " للحافظ الهيثمي، فإنه أجمعُ كتابٍ لذلك، ولم أتعرَّض لنقل ما فيه مِنْ ذلكَ، ولا أعلمُ في حديث هؤلاء شيئاً (٥) مما يُتَّهم فيه راويه (٦) إلا حديثاًً

стр. 1074

واحداً رُوِيَ عن عمرو بن العاص بغير اللفظ المعروف في الصَّحاح، ولم يصحَّ بذلكَ اللّفظ المنكر، وله به معنى صحيحٌ محتملُ، لكنه لم يصحَّ ذلِك اللفظ كما نوضِّحُه، بل تفسيرُهُ الصَّحيحُ يُنَافي ما ذكره مِن التُّهْمَةِ لَهُ في ذلِك، وذلِكَ ما أخرجه البخاريُّ في الأدب في الباب الرابع عشر منه، وهو باب تُبَلُّ (١) الرَحِمُ ببلالها، ومسلم في كتاب الإيمان، كلاهما من طريق محمد بنِ جعفر غندر، عن شعبة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيسِ بنِ أبي حازم، عن عمرو بن العاص، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقولُ جِهاراً غَيْر سِرَارٍ (٢) " آلُ أبي فُلانٍ لَيْسوا بأوليائي، إنَّما وَليي اللهُ وصَالِحُ المُؤْمِنِينَ " (٣) خرَّجَاه، قال البخاري: زاد عنبسةُ بن عبدِ الواحد، عن بيان، عن (٤) قيس، عن عمرو " لكن (٥) لهُمْ رَحِمٌ أبُلُّها بِبَلاَلِهَا " هذا لفظ البخاري، وهو الحديثُ العشرون من مسند عمرو في (٦) " جامع ابن الجوزي "، ولفظ أحمد بن حنبل في " المسند " مثل البخاري ومسلم لم يُسم أحدٌ منهم هؤلاء المذكورين، وفي " صحيح البخاري " " آلُ (٧) أبي " من غير ذكر شيءٍ بعدَه، وفيه قال عمرو بنُ عباسٍ الراوي في " صحيح البخاري ": عن محمد بنِ جعفر، في (٨) نسخة محمد بن جعفر بياض،

стр. 1075

يعني بَعْدَ " آل أبي "، وهذا هُو الّذي ذكره القاضي العلاّمة عياض المالكي في كتابه " إكمال المُعْلِم بفوائد شرح مسلم " (١)، وفسَّر ذلك بالحكمِ بن أبي العاص طريدِ رسول الله ﷺ ، وكذلك العلامةُ النَّواوي في " شرحه " لمسلم، وكذلِكَ العلاَّمة ابن حجر فسر ذلك بآلِ أبي العاص، وقد ثبت أنَّ إبهامَ هؤلاء وقع قبل اتِّصال الحديثِ بالبخاري ومسلم، إن ثبت ذلك الإبهامُ، فإنَّ في " صحيح البخاري " في رواية عمرو بن عباس شيخ البخاريِّ فيه: أنَّ في كتاب محمد بن جعفر غُندر عن (٢) شُعبة بياضاً في ذلِكَ الموضع، فيحتمل أنَّ شُعبة الّذي حذف ذلكَ عمداً، ويحتمل أنَّ الذي حذفه مَنْ قَبْلَهُ، وبيَّض لبيان ذلك حين (٣) يقع له كما هو عادة المصنِّفين (٤) التبييض لمثل ذلِك، بَلِ الظَّاهر أنَّ عمرو بنَ العاص هو

стр. 1076

الذي حذفه، فلا عَتْبَ (١) على صاحِبَيِ " الصَّحيح " في إثبات الحديث، فإنَّهما إنَّما (٢) أثبتاه لفائدةِ البراءِ من أعداءِ الله، وتخصيص الموالاة لأوليائه كما قال النَّواوي في " شرح مسلم "، وعلي بن خلف بن بطال في " شرح البخاري " على (٣) أنّ ابن بطَّال جعل الرواية: " إنَّ آلَ أبي ليْسُوا بِأوْليَائي " بإثبات ضمير المتكلِّم، وحذف " فلان " وذلكَ ظاهرُ المنصوص في " الصَّحيحين "، وهذا لفظه في شرحه، قال (٤): قال المهلب: " إنَّ آلَ أبي لَيْسُوا بأوليائي، إنَّما (٥) ولِيي الله، وَصَالِحُ المُؤمِنِين "، فأوجب ﵇ الولاية بالدِّين، ونفاها عَنْ أهلِ رَحِمِهِ إذا لم يكونوا منْ أهل دينه، فدلَّ بذلكَ أنَّ النَّسبَ محتاجٌ إلى الولاية الّتي بها (٦) تقع الولايةُ بين المتناسبين والأقارب، فإنْ لم يكُنْ دينٌ يجمعهم، لم تكن ولاية، ولا موارثة، ودلَّ هذا أن الرَّحِمَ التي تضمَّن اللهُ أن يَصِلَ مَنْ وصَلَهَا، ويقطعَ منْ قطعها، إنما ذلِكَ إذا كان في الله تعالى وفيما شرع، وأما مَنْ قطعها في الله، وفيما شرع، فقد وصل الله والشَّريعة، واستحقّ صلةَ اللهِ بقَطْعِه مَنْ قَطَعَهُ اللهُ، قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آَبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ﴾ [التوبة: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢]، فكيف بِمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ، وَقَوْله: "ولكِنْ لَهُمْ

стр. 1077

رَحِمٌ أبُلُّها بِبِلالِها"، -يعني أصِلُهَا معروفاً- إلى قوله: قال المهلَّبُ: هو الذِي أمر اللهُ به في كتابه فقال: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥]، فلمَّا عَصَوْهُ وعاندوه، دعا عليهم قال: " اللهم أَعِنِّي بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ "، فلمَّا مسَّهُمُ الجوعُ، أرسلوا إليه: فقالوا: يا مُحَمَّد، إنَّكَ أمرت بِصِلَةِ الرَّحِمِ، إنَّ أهلك قد جاعوا، فادْعُ الله لهم، فدعا لهم (١) بعد أن كان دعا عليهم، فوصلُه رَحِمَهُ فيهم بالدُّعاءِ لهم، فذلك ما (٢) لا يَقْدَحُ في دينِ الله، ألا ترى صُنْعَهُ ﵇ فيهم، إذ (٣) غَلَبَ عليهم يَوْمَ الفتح كما أطلقهم مِنَ الرِّقِّ الذي توجه إليهم، فسُمُّوا بذلِكَ الطُلقاءَ، ولم ينتهِكْ حريمهم (٤)، ولا استباحَ أموالهم، ومنَّ عليهم، فهذا كُلُّهُ مِنَ البلال. انتهى بحروفه. وقال في تفسير " البلال " مثل ما ذكره ابنُ الأثير في " الجامع " (٥) في تفسير الحديث في صِلَةِ الرَّحم من حرف الصَّاد. ويعضُد ما ذكره ابنُ بَطَّال من تصحيح هذا الرِّواية بهذا المعنى وعَدَمِ الالتفات إلى غيرها ما خرَّجه الحاكم في تفسير سورة الأنفال من حديث إسماعيل بني عُبَيْدِ بنِ رِفاعة، عن أبيه، عن جدِّه رِفاعة، قال: جمع رسول الله قريشاً، قال: " هلْ فِيكُمْ مِنْ غَيْرِكُمْ؟ "، قالوا: فينا ابنُ أختنا، وفينا حلِيفُنا، وفينا مولانا، فقال: "حَلِيفُنَا مِنَّا، وابنُ (٦) أُخْتِنَا

стр. 1078

منَّا، وَموْلانا مِنَّا إنّ أَوْليَائي مِنْكمْ المُتَّقُونَ" (١). قال الحاكم: صحيح الإسناد، فهذا الحديثُ شبيهٌ بذلك، وشاهدٌ له أو هو هو، وهو جديرٌ أن يَدْخُلَ في مناقب آل أبي طالب، فإنَّهُمْ داخلون في المتقين. وفي " مجمع الزوائد " (٢) في فضل قريش أنه رواه البزَّار، وأحمد باختصار، والطبراني بنحو البزَّار بأسانيد، ورجالُ أحمدَ، والبزَّار، وإسناد الطَّبراني ثقاتٌ وفي صالح المؤمنين بالإجماع على كلِّ تفسير، وعلى كلِّ تقدير، بل هُمْ أئمَّةُ المتَّقين ورؤوسُهما وكُبراؤهم وساداتهم. وعن أبي هُريرة مرفوعاًً نحوَ ذلك، رواه (٣) الطَّبراني في " الأوسط "، والهيثمي في كتاب " الزهد " (٤) في باب جامع في المواعظ، وعن معاذ مرفوعاًً مثلَ ذلِكَ رواه (٥) الطبراني، سنده (٦) جيد، ذكره الهيثمي (٧) بعد ذلِكَ في باب بعدَ باب التَّعرض (٨) لنفحات رحمة الله، فكيف أن يكونوا في " الصَّحيحين "

стр. 1079

هُمُ الّذين نُفِيَتْ عنهمُ الوِلَايَة في نصِّ الحديث، وأنَّهم مع نَصِّ الحديث على نفي الولاية عنهم تعمدوا تصحيحَه لذلك، وهم أعلمُ وأتقى لله من ذلِكَ؟ وقال البخاري في تفسير سورة براءة، في باب قوله: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة: ٤٠]: حدثني عَبْدُ الله بنُ محمد، قال: حدثني يحيى بنُ معين، قال: حدثنا (١) حجّاج، قال: حدثنا ابنُ جُريْج، قال لي ابنُ أبي مُليكة -وكان بينهما شيءٌ- فغدوتُ على ابن عبَّاس، فقلتُ: أتريدُ أن تُقاتِلَ ابنَ الزُّبير، فَتُحِلَّ حُرُمَ اللهِ؟ فقال: معاذَ الله؛ إنَّ الله كتبَ ابنَ الزبير، وبني أمية مُحِلِّين، وإنِّي والله لا أُحلُّهُ أبداً (٢). هكذا في " البخاري " ذم بني أمية مصرَّحٌ غيرُ مُسَتَّرٍ ولا مُأوَّلٍ، لا في " صحيحه "، ولا في " شرحه "، وكتب هذا فيه (٣) وخلَّده وأصحّه (٤)، ولم يُؤخذ له منه أنّه منصف، بل، ولا سلم (٥) معه مِنْ نسبته إلى تعمُّد ما (٦) يعلم

стр. 1080

تحريمه من بُغْضِ عليٍّ وأهل بيته، ورواية الموضوعات في مثالِبِهِم، بل ما سلم من نِسْبَةِ (١) ما لم يَرْوِه البتَّة إلى أنَّه في صحيحِهِ المشهورِ المعلومِ مع وجودِ صحيحه بين الناس، وظهور براءته عمّا رُمِيَ به، ووضوحِ السَّبيل إلى الطَّلب لذلِكَ في صحيحه، واختبار (٢) صدق مَنْ رماهُ بذلِكَ أو كَذبه، لكنَّهُ قد كَثُرَ التَّقليدُ لسهولته، وتزيين (٣) الشَّيطانِ لهُ، فَصُدِّقَ الكاذِبُ على البخاري مِنْ غيرِ أدنى بحث، ولا أقل عناية، فمِنْ ها هنا وقع الخَللُ، وفشا الجهْلُ، وعُورِضَ الحقُّ بالباطلِ (٤)، فاللهُ المستعان. وكُتب المحدِّثين مشحونةٌ بالتَّصريح بذمِّ بني أميَّة مِنْ دون تستُّر في ذلك ولا تقية، كما أنّها مشحونَةٌ بمناقِبِ العِترة الزَّكيَّة، مع أنهم في بلاد أعداءِ أهل البيت، وكفي لهم شاهداً على تحرِّي الصدق، وقوّة الأمانة بذلك، ففي " سنن الترمذي "، و" أبي داود " عن سفِينَة مولى رسولِ الله ﷺ ، أنَّه (٥) لمَّا روى حَديثَ: " الخِلَافَةُ بَعْدِي ثلاثُون سَنَّة، ثُمَّ يَكُون مُلْكُ " (٦) قيل له: إنّ بني أمية يزْعُمونَ أنَّ الخلافَةَ فيهم، فقال: كذبوا بنو (٧) الزَّرقاء، بل هُمْ ملوكٌ مِنْ شَرِّ الملوك. هذا لفظُ التّرمذي (٨)،

стр. 1081

وقال: حديث حسن، ولفظ أبي داود (١): كَذَبَتْ استاه (٢) بني الزرقاء، يعني بني مروان. وفي " الترمذي " (٣) من حديثِ الحسن بنِ عليٍّ ﵉، أنَّه ﷺ رأي بني أُمَيّة على منبره، فساءَه ذلك، فنزلت: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ

стр. 1082

الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر] يمْلِكُهَا بعْدَكَ بنُو أُمَيَّة يا محمَّد، فكانت تلك مدَّتَهُم، لم تَزِدْ، ولم تنْقُصْ. وفي " مسند أحمد بن حنبل " عن عُمَر بن الخطاب، أنَّه وُلدَ [لأخي أم سلمة زوج النبي ﷺ ] غلامٌ، فَسَمَّوْهُ (١) الوليدَ، فقال النَّبيُّ ﷺ : " سَمَّيْتُمُوه بِأسْمَاءِ فَرَاعنَتِكُمْ، لَيَكُونَنَّ في هذِهِ الأُمَّةِ رجُلٌ يُقَالُ لَهُ الوَليدُ، لَهو أَشَرُّ عَلَى هذِه الأُمَّةِ منْ فِرْعَوْن لِقَوْمهِ " (٢). ورواه الهيثمي الشافعي في " مجمع الزوائد " (٣) في باب فتنة الوليد، وقال: رجاله ثقات. وروى من هذا شيئاً كثيراً في مواضِعَ متفرقة، منها في تفسيرِ قوله

стр. 1083

تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آَدَمَ بِالْحَقِّ﴾ [المائدة: ٢٧] من حديث عبدِ الله بنِ عمرو بن العاص، عنه ﷺ : " أَشْقى النَّاسِ ثَلَاثةٌ: عاقِرُ نَاقَةِ ثَمُود، وابْنُ آدَمَ الذي قَتَلَ أَخَاه، وقاتِل عَلِيِّ ﵁ " (١). فكيف نتركُ معرفة صِدْقهم وتحرِّيهم مِنْ هذه الأشياء الجليَّة الكثيرة الطَّيِّبة، ونتكلَّف نقيضَ ذلك ممَّا لم يَكُنْ؟ وعلى تقدير ثبوتِ آل فلان في الحديث، فقد تطابقوا على تفسيرهم بآلِ أبي العاص، وهو الحَكَمُ بنُ أبي العاص طريدُ رسول الله ﷺ وولده، كما جاء صَرِيحاً كثيراً كما يأتي قريباً في هذا الكتاب، وأنَّه قولُ أهلِ السُّنَّة يُصَرِّحُون به لا يكتمونه، فمِمَّن نصَّ على ذلك القاضي عياض في كتابه " إكمال المعلم بفوائد شرح مسلم "، وهو أشهر شروح مسلم، ولم يعترضه في ذلك أحدٌ، بل قرَّره النَّواوي على ذلك (٢)، وهما إماما الطَّائفتين العظيمتين: الشَافعية والمالكية، وإماما الحديثِ النَّبوي متناً،

стр. 1084

وسنداً، وشرحَ غريبٍ، وبيان مجملٍ: وكشف مُشْكِلٍ. وكذلك ذكر ذلك العلامة أحمدُ بنُ علي العسقلاني المعروف بابن حجر في مقدمة " شرحه " للبخاري (١)، وهؤلاء وجوهُ علماءِ السُّنَّةِ وأَئِمَّتهم، وطريق معرفتهم لِذلكَ من كتب (٢) المستخرجات على " الصحيحين "، وسائر ما ورد من الأحاديث، فإن أَهْلَ المستخرجات يذكرون أحاديث الصحيح مِنْ غيرِ طريق صاحبه بزيادةِ بيانٍ، وتتمَّةِ نقصٍ، ونحوِ ذلك، وسائرُ الأحاديث تدلُّ على ذلك، فإنَّ السُّنَّة يفسِّرُ بعضُها بعضاً، كما أنَّ القرآن يفسِّرُ بعضُه بعضاً. وقد ورد في آل أبي العاص مِنَ اللَّعْنِ والذَّمِّ في الأقوال، والنَّفي والطَّرد في الأفعال ما يدلُّ على أنَّهم المتبرَّأُ منهم جهاراً غير سرارٍ (٣) كما يأتي، وإنَّما كَتَمَ الذي كتمه تقيَّةً مِنْ عظيمِ المضرَّة كما قال أبو هريرة في الوِعاءِ الذىِ كتمه من حديثِ رسول الله ﷺ ، أنَّه لو بثَّه، لقطِعَ هذا البُلعوم (٤)، وقد فسَّره شراح الحديث بنحو هذا. فأمَّا قولُ منْ قالَ: إنَّهم آلُ أبي طالب ﵈، فهذا مِنْ أسمج المقالات القبيحة، والصِّحاح مُنزَّهَةٌ وأهلُها عن تدوين مثلِ هذا، وإنَّما هذا تصحيفٌ من بعض النَّواصب، حَمَلَهُ الغيظُ على تزوير ما لا يمضي. وهَبْك تقُولُ هذا الصُّبْح لَيْلٌ ... أَيَعْمى العَالَمُونَ عَنِ الضِّيَاءِ؟

стр. 1085

وقد قال بعضُ النَّاس ما معناه: إنَّه ﵇ أرادَ: أولياؤه صالحوا المؤمنين مِنْ آل أبي طالب وغيرِهم، وأنَّه لا يقتصر على تولي آلِ أبي طالبٍ دونَ غيرهم مِنْ صالحي المؤمنين كعادَةِ الرب، وهذا معنى صحيحٌ لو كان إليه حاجةٌ، لكنْ لا حاجة إليه، وفي الحديث زيادةٌ ذكرها البخاريُّ تستلزِمُ القَطْعَ على أنَّهم ليسوا (١) آل أبي طالب، وذلك قولُه في آخره في بعض الرِّوايات " ولكِنْ لَهُمْ رَحِمٌ أبُلُّهَا ببَلاَلِها " وليس يُسْتنْكَرُ أنَّ (٢) عمرو ابن العاص يروي هذا في آل أبي العاص بن أمية، وقد صحَّ أنَّه كان يُجاهِرُ معاوية بالثَّناء على أميرِ المؤمنين، وفي " مسند أحمد " بسند صحيح أنَّه جاهر مُعاويَة بحديثِ عمَّار العظيم، وفَزِعَ مِنْ قتله، وقال له معاوية: ما أفزعك؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " تقتله (٣) الفِئَةُ الباغِيَةُ " (٤)، وكذلك ولده عبد الله قال عند معاوية لرجلين يختصمان أيُّهما قاتله: لِيطِبْ (٥) أحدُهما به نفساً، فإنَّ النبيَّ ﷺ قال: " تَقْتُلُهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ "، وردَّ على معاويةَ تأويله في ذلك (٦). وأما حديثُ عمرو أنه سأل النَّبيَّ ﷺ : أيُّ النَّاسِ أحبُّ إليك؟ قال: " عائشةُ "، قلتُ: مِنَ الرِّجال؟ قال: " أبوها " (٧)، وهو من

стр. 1086

حديث خالدٍ الحَذاء، عن أبي عثمان النَّهديَ، عن عمرو، وأوَّلَهُ (١) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَّره على جيش ذي السَّلاسل، فليس هُوَ مِنْ هذا القبيل، ويشهدُ له " لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذاً خَلِيلاً، لاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرِ خلِيلاً، ولكِنْ خُلَّة الإِسْلاَمِ أفْضَلُ " رواه البخاريُّ (٢) من حديث ابنِ عباس، ورواه مسلم، والترمذيُّ من حديث ابن مسعود، وفيه " ولكِنْ صاحِبُكُمْ خَليلُ اللهِ "، وفي رواية " وَقَدِ اتَّخَذ اللهُ صاحِبَكُم خَلِيلاً " (٣). ورواه مسلم (٤) أيضاًً عن جندب بن عبد الله نحو حديث (٥) ابن مسعود. وقد روى الحاكم (٦) على تَشَيُّعِهِ عنِ أمِّ سلمة أنَّها لما سمعتِ الصَّرخة على عائشة، قالت: واللهِ لقد كانت أحبَّ النَّاسِ إلى رسولِ الله ﷺ إلا أباها. ذكره الذَّهبيُّ، وقال: إسنادهُ صالح. والحاكم لا يُتَّهَمُ في ذلك، فإنَّه شيعيٌّ، وأمُّ سلمة فأبعدُ مِنَ التُّهمة، فإنَّها ضَرَّةُ عائشة، ولكن ذلكَ في أحبِّ الناس إليه، لا في أحبِّ أهلِه إليه الَّذين هم أحبُّ الناس إليه. وقد روى التِّرمذيُّ (٧) من حديث عائشة أنَّه قيل لها: أيُّ الناس كان أحبُّ إلى رسول الله ﷺ ؟ قالت: فاطمة مِنْ قِبل النِّساء، ومِنَ الرِّجال زوجُها، وإن كان ما علمتُ صوَّاماً قوَّاماً، وكذلك فليكُنِ الإنصافُ ﵃.

стр. 1087

وكذلك روى التِّرمذيُّ (١) مثلَه من حديث بُريدة، وذكر الترمذي نحو الجمع الذي ذكرتُه عن إبراهيم -يعني النَّخعي-. والكلام فيما شجر بين الصحابة ممَّا (٢) كثُرَ فيه المِرَاءُ والعصبِيَةُ مع قِلَّة الفائدة في كثيرٍ منه، وفي الحديث " مَنْ تَرَكَ المِرَاءَ، وَهُوَ مُحِقٌّ، بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتاً في رَبَضِ الجَنَّةِ " (٣)، وقَدِ اقتصرتُ لأجل ذلك عَنْ كثيرٍ منه رغبةً فيما أعدَّ (٤) اللهُ لمنْ تركَ المِرَاءَ بنِيَّةٍ صالحةٍ مَع القطع بأنَّ الحَقَّ مع أميرِ المؤمنينِ عليٍّ ﵇، وأنَّ مُحَارِبَه بَاغٍ عليه، مُباحُ الدَّم، خارجٌ عَنِ الطَّاعة والجماعة، وقد تقدَّم أو سيأتي أنَّ هذا إجماعُ الأُمَّةِ من رواية أئِمَّة (٥) أهل السُّنَّةِ، دَعْ عَنْكَ الشِّيعة. على أنَّ أحاديثَ هؤلاء الجماعة متميِّزةٌ عن غيرها، فلو قدَّرنا أنَّ حديثَهم نِصْفُ حديثِ الصَّحاح أو أكثره، لم يكن مانعاً من طلب ما في الصِّحاح من حديث الثقات المجمَعِ عليهم، ولا مُسْقِطَاً لوجوب ذلك، بل لو علم المكلَّفُ أنَّ فيها حديثاً واحداً (٦) صحيحاًً عن رسول الله ﷺ فيه عليه تكليفٌ، وبقيَّتُها أكاذيبُ وأباطيل، لوجب طلبُ (٧) ذلك الحديث

стр. 1088

الصحيح، وقد سافر جابر بن عبد الله شهراً في طلب حديثٍ واحدٍ (١)، ولولا (٢) عنايةُ أئِمَّة الحديث في حفظ الأسانيد والمتون، ما تميَّز حديثُ هؤلاء من غيره هذا التميُّز (٣)، وعُرِفَ ما فيه ممَّا فيه نكارة، وما فيه ممَّا لا نكارَةَ فيه، فكيفَ يُتهمون بالعصبيَّة والإِضلال مع بيانهم لِمَا يتمكَّنُ الخصمُ به مِن الرد على بصيرة، أو القبول على بصيرة؟ وإنَّما يُتَّهمون بالإِضلالِ والغَرَرِ لو كتموا الأسانيدَ، وخَلَطُوا أحاديث (٤) المختَلَفِ فيهم بأحاديث المُجْمَع عليهم، كما يصنعُ من يحذف (٥) الأسانيد، ولا يذكر صحابيّاً ولا

стр. 1089

غيره، فتأمَّل ذلك. واعلمْ أنَّ هذه الجملة كافيةٌ في الجواب على ما ذكره السيدُ في الموضع الثَّاني مِنَ المسألة الثَّانية، وتتبُّعِ كلامِهِ لفظةً لفظةً كما صنعتُ في جميع أوَّلِ رسالته يَطُولُ من غير طائلٍ، وليس فيه (١) أكثرُ مِنْ بيان ما يردُّ عليه مِنَ الإشكالات، وما في كلامه مِن المناقضات، ومجرَّدُ التَّتبُّعِ للعثرات ليس بمقصودٍ ما لم يكن فيه إيضاحٌ لِحَقِّ، أو دَلَالَةُ على هُدَىً، ولكن (٢) لا بُدَّ من التَّنبيه على ما عَظُمَ مِنْ أوهامه أيده الله لأجل ما في معرفتها مِنَ النَّفع والفائده، لا لمجرَّدِ الاعتراض، فلو أردتُ الاستكثار مِنْ ذلِكَ، لاستوفيتُ الجواب على كتابه، وتتبَّعتُ (٣) كُلَّ لفظةٍ من خطابه، لكنِّي كرهتُ ذلك لِمَا فيه من تضييعِ الوقت، وقِلَّةِ الجدوى، فلنقتَصِرْ على ذكرِ ما يُفيدُ من أوهامه أيَّدهُ الله. الوهمُ الأول: قال أيَّده الله: إنَّ المحدِّثين يذهبونَ إلى أنَّ الصحابة لا يجوزُ عليهمُ الكبائِرُ، وأنَّهم إذا فعلوا المعصية الظَّاهرة، عَدُّوها صغِيرَةً. لكِنِ السَّيِّدُ سمَّاهم بغير اسمهم (٤)، وهذا وهمٌ فاحش، فإنَّه قد قَدَّمَ أنَّ الصَّحابي عندهم هو مَنْ رأي النَّبِيَّ ﷺ ، والقولُ بعصمة مَنْ رأي النَّبِيَّ ﷺ لم يُنْقَلْ عن أحدٍ مِنَ الأُمَّة أبداً، بل ما نُقِل عن أحدٍ من العُقلاء، وهذه كتبُ المِلَلِ والنِّحَلِ موجودةٌ، والسَّيِّدُ مُطالَبٌ بنقل ذلك عن (٥) ألفاظهم ونُصوصهم، وفي أيِّ كُتبهم قالوا ذلك، فأمَّا الذي وجدناه في

стр. 1090

كتبهم، فغيرُ ذلك، ولكنَّ بعضَهم قد يُطْلِقُ القولَ بعدالة الصَّحابة عموماً، لعُمومِ الثَّناء عليهم في القرآن والسُّنَّة، ثمَّ يَخُصُّون هذا العموم عند ذكر المجاريح المصرّحين مِنَ الصَّحابة، مثل الوليد بن عقبة (١)، وبُسْرِ بن أرطاة (٢) كما سيأتي، كما خصَّه الله تعالى ورسولُه ﷺ وأصحابه، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور: ١١]، وحدَّ رسولُ الله ﷺ مِسْطَحاً (٣) وغَيرِه على الإفْكِ، مع أنَّ مِسْطَحَاً بدريٌّ مِنْ خيرِ الصَّحابة، وكذلك حَدَّ عُمَرُ أبا بَكْرَةَ وصاحبيه على قَذْفِهِم للمغيرة، وجرَّحهم في الشَّهادة والرِّواية، وأقرَّته الصَّحابَةُ (٤)، وحدَّ منهم جماعة في
следующие страницы →