← Акыда

Акыда · id 29677

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

ابن الوزير

Полный текст (3 702 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

حديث خالدٍ الحَذاء، عن أبي عثمان النَّهديَ، عن عمرو، وأوَّلَهُ (١) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَّره على جيش ذي السَّلاسل، فليس هُوَ مِنْ هذا القبيل، ويشهدُ له " لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذاً خَلِيلاً، لاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرِ خلِيلاً، ولكِنْ خُلَّة الإِسْلاَمِ أفْضَلُ " رواه البخاريُّ (٢) من حديث ابنِ عباس، ورواه مسلم، والترمذيُّ من حديث ابن مسعود، وفيه " ولكِنْ صاحِبُكُمْ خَليلُ اللهِ "، وفي رواية " وَقَدِ اتَّخَذ اللهُ صاحِبَكُم خَلِيلاً " (٣). ورواه مسلم (٤) أيضاًً عن جندب بن عبد الله نحو حديث (٥) ابن مسعود. وقد روى الحاكم (٦) على تَشَيُّعِهِ عنِ أمِّ سلمة أنَّها لما سمعتِ الصَّرخة على عائشة، قالت: واللهِ لقد كانت أحبَّ النَّاسِ إلى رسولِ الله ﷺ إلا أباها. ذكره الذَّهبيُّ، وقال: إسنادهُ صالح. والحاكم لا يُتَّهَمُ في ذلك، فإنَّه شيعيٌّ، وأمُّ سلمة فأبعدُ مِنَ التُّهمة، فإنَّها ضَرَّةُ عائشة، ولكن ذلكَ في أحبِّ الناس إليه، لا في أحبِّ أهلِه إليه الَّذين هم أحبُّ الناس إليه. وقد روى التِّرمذيُّ (٧) من حديث عائشة أنَّه قيل لها: أيُّ الناس كان أحبُّ إلى رسول الله ﷺ ؟ قالت: فاطمة مِنْ قِبل النِّساء، ومِنَ الرِّجال زوجُها، وإن كان ما علمتُ صوَّاماً قوَّاماً، وكذلك فليكُنِ الإنصافُ ﵃.

стр. 1087

وكذلك روى التِّرمذيُّ (١) مثلَه من حديث بُريدة، وذكر الترمذي نحو الجمع الذي ذكرتُه عن إبراهيم -يعني النَّخعي-. والكلام فيما شجر بين الصحابة ممَّا (٢) كثُرَ فيه المِرَاءُ والعصبِيَةُ مع قِلَّة الفائدة في كثيرٍ منه، وفي الحديث " مَنْ تَرَكَ المِرَاءَ، وَهُوَ مُحِقٌّ، بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتاً في رَبَضِ الجَنَّةِ " (٣)، وقَدِ اقتصرتُ لأجل ذلك عَنْ كثيرٍ منه رغبةً فيما أعدَّ (٤) اللهُ لمنْ تركَ المِرَاءَ بنِيَّةٍ صالحةٍ مَع القطع بأنَّ الحَقَّ مع أميرِ المؤمنينِ عليٍّ ﵇، وأنَّ مُحَارِبَه بَاغٍ عليه، مُباحُ الدَّم، خارجٌ عَنِ الطَّاعة والجماعة، وقد تقدَّم أو سيأتي أنَّ هذا إجماعُ الأُمَّةِ من رواية أئِمَّة (٥) أهل السُّنَّةِ، دَعْ عَنْكَ الشِّيعة. على أنَّ أحاديثَ هؤلاء الجماعة متميِّزةٌ عن غيرها، فلو قدَّرنا أنَّ حديثَهم نِصْفُ حديثِ الصَّحاح أو أكثره، لم يكن مانعاً من طلب ما في الصِّحاح من حديث الثقات المجمَعِ عليهم، ولا مُسْقِطَاً لوجوب ذلك، بل لو علم المكلَّفُ أنَّ فيها حديثاً واحداً (٦) صحيحاًً عن رسول الله ﷺ فيه عليه تكليفٌ، وبقيَّتُها أكاذيبُ وأباطيل، لوجب طلبُ (٧) ذلك الحديث

стр. 1088

الصحيح، وقد سافر جابر بن عبد الله شهراً في طلب حديثٍ واحدٍ (١)، ولولا (٢) عنايةُ أئِمَّة الحديث في حفظ الأسانيد والمتون، ما تميَّز حديثُ هؤلاء من غيره هذا التميُّز (٣)، وعُرِفَ ما فيه ممَّا فيه نكارة، وما فيه ممَّا لا نكارَةَ فيه، فكيفَ يُتهمون بالعصبيَّة والإِضلال مع بيانهم لِمَا يتمكَّنُ الخصمُ به مِن الرد على بصيرة، أو القبول على بصيرة؟ وإنَّما يُتَّهمون بالإِضلالِ والغَرَرِ لو كتموا الأسانيدَ، وخَلَطُوا أحاديث (٤) المختَلَفِ فيهم بأحاديث المُجْمَع عليهم، كما يصنعُ من يحذف (٥) الأسانيد، ولا يذكر صحابيّاً ولا

стр. 1089

غيره، فتأمَّل ذلك. واعلمْ أنَّ هذه الجملة كافيةٌ في الجواب على ما ذكره السيدُ في الموضع الثَّاني مِنَ المسألة الثَّانية، وتتبُّعِ كلامِهِ لفظةً لفظةً كما صنعتُ في جميع أوَّلِ رسالته يَطُولُ من غير طائلٍ، وليس فيه (١) أكثرُ مِنْ بيان ما يردُّ عليه مِنَ الإشكالات، وما في كلامه مِن المناقضات، ومجرَّدُ التَّتبُّعِ للعثرات ليس بمقصودٍ ما لم يكن فيه إيضاحٌ لِحَقِّ، أو دَلَالَةُ على هُدَىً، ولكن (٢) لا بُدَّ من التَّنبيه على ما عَظُمَ مِنْ أوهامه أيده الله لأجل ما في معرفتها مِنَ النَّفع والفائده، لا لمجرَّدِ الاعتراض، فلو أردتُ الاستكثار مِنْ ذلِكَ، لاستوفيتُ الجواب على كتابه، وتتبَّعتُ (٣) كُلَّ لفظةٍ من خطابه، لكنِّي كرهتُ ذلك لِمَا فيه من تضييعِ الوقت، وقِلَّةِ الجدوى، فلنقتَصِرْ على ذكرِ ما يُفيدُ من أوهامه أيَّدهُ الله. الوهمُ الأول: قال أيَّده الله: إنَّ المحدِّثين يذهبونَ إلى أنَّ الصحابة لا يجوزُ عليهمُ الكبائِرُ، وأنَّهم إذا فعلوا المعصية الظَّاهرة، عَدُّوها صغِيرَةً. لكِنِ السَّيِّدُ سمَّاهم بغير اسمهم (٤)، وهذا وهمٌ فاحش، فإنَّه قد قَدَّمَ أنَّ الصَّحابي عندهم هو مَنْ رأي النَّبِيَّ ﷺ ، والقولُ بعصمة مَنْ رأي النَّبِيَّ ﷺ لم يُنْقَلْ عن أحدٍ مِنَ الأُمَّة أبداً، بل ما نُقِل عن أحدٍ من العُقلاء، وهذه كتبُ المِلَلِ والنِّحَلِ موجودةٌ، والسَّيِّدُ مُطالَبٌ بنقل ذلك عن (٥) ألفاظهم ونُصوصهم، وفي أيِّ كُتبهم قالوا ذلك، فأمَّا الذي وجدناه في

стр. 1090

كتبهم، فغيرُ ذلك، ولكنَّ بعضَهم قد يُطْلِقُ القولَ بعدالة الصَّحابة عموماً، لعُمومِ الثَّناء عليهم في القرآن والسُّنَّة، ثمَّ يَخُصُّون هذا العموم عند ذكر المجاريح المصرّحين مِنَ الصَّحابة، مثل الوليد بن عقبة (١)، وبُسْرِ بن أرطاة (٢) كما سيأتي، كما خصَّه الله تعالى ورسولُه ﷺ وأصحابه، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور: ١١]، وحدَّ رسولُ الله ﷺ مِسْطَحاً (٣) وغَيرِه على الإفْكِ، مع أنَّ مِسْطَحَاً بدريٌّ مِنْ خيرِ الصَّحابة، وكذلك حَدَّ عُمَرُ أبا بَكْرَةَ وصاحبيه على قَذْفِهِم للمغيرة، وجرَّحهم في الشَّهادة والرِّواية، وأقرَّته الصَّحابَةُ (٤)، وحدَّ منهم جماعة في

стр. 1091

معاصي التَّصريح مِنْ شُرب الخمر، والزِّنى والسَّرِقة، وهِيَ منْ معاصي التَّصريح والخِسَّةِ.

стр. 1092

فكيف يقولُ عاقِلٌ مع ذلِكَ: إنَّ عُموم الثَّناء غَيْرُ مخصوص؟ ولكنه خصوص (١) نادِرٌ، فهو فيهم كالشَّعرة السَّوداء في الثَّور الأبيض، فلذا تُرِكَ ذكرُه، وهو معروف في " الاستيعاب " لابن عبد البر وغيرِه مِنْ كتب الصَّحابة. ولا شك في قَبُول الخُصوص وتقديمِه على العمومِ، فقد صحَّ تخصيص العموم (٢) في كلام الله تَعالى، وهو أصدقُ القائلين، ولم يكن في ذلك مناقضةٌ ولا مكاذَبةٌ، بل قد صحَّ ذلك في كتاب الله في هذه المسألة بعينها، فقد أثنى الله سبحانه في كتابه على الصحابة عُموماً، ولم (٣) يقدح في كتابِ الله بما يُوجَدُ مِن بعضهم كقوله تعالى (٤): ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وكذلك رسولُ الله ﷺ في أحاديث كثيرةٍ تَقَصَّاها أبو عمر بنُ عبد البر في كتاب " الاستيعاب " (٥)، ولم يمنع ذلك مِنَ التَّخصيص، وكذلك عموم كلامِ المحدِّثين، فكيف يجوز (٦) ذلك، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور: ١١]، والصِّحاح مشحونَةٌ بذكر مَنْ حدَّه رسول الله ﷺ ، منهم في الإِفك، والزِّنى، والسَّرِقة مع خِسَّتِهما (٧) كما تقدَّم بيانُه. وقد نصَّ الرَّازي في " محصوله " (٨) على أنَّ الصَّحابة عدولٌ

стр. 1093

عندهم في الظَّاهر ما لم يأتِ له مُعارض. هكذا لفظُه، وهو يُفِيدُ خلافَ ما ذكره السَيِّد، وأنَّ القوم يعتقدون زوالَ عدالةِ الصَّحابي عند ورود ما يَدُلُّ على الجَرْحَ. وقد حكى ابنُ عبد البر في كتاب " الاستيعاب " (١) عن جماعة: أن الوليدَ بن عُقبة (٢) كان فاسقاً، شِرِّيباً للخمر بهذا اللَّفظ، مع إجماعهم أنَّه صحابي، وقال: إنَّه مِمَّن يُقْطَعُ بسوءِ حاله، وقُبْحِ فعاله، وقال: لم يرْوِ سُنَّةً يُحْتَاج إليه فيها. وقال في بُسْرِ بنِ أرطاة: قال الدارقطني: كانت له صحبةٌ، ولم تكن له استقامةٌ بَعْدَ النَّبيِّ ﷺ ، هو الَّذي قتل طِفْلَيْنِ لعُبَيْد الله بنِ عبَّاسٍ، قال أبو عُمَرَ: وكان ابنُ معين يقولُ: إنَّه رجلُ سوءٍ، قال أبو عمر: ذلك (٣) لعظائِمَ ارتكبها في الإِسلامِ، ثمَّ حكى أنَّه أوَّل من سَبَى المسلمات (٤). وذكر أحمدُ بن حنبل أنَّ النبي ﷺ لما يَدْعُ للوليدِ بنِ عُقبة ولم يَمسََّهُ لِسابق عِلْمِهِ فيه، وأنَّه لذلك حُرِمَ بَرَكةَ النَّبِيِّ ﷺ . وكذلك الذَّهبي ذكره في " النبلاء " (٥)، وذكر شربَه للخمر، ونزولَ القرآنِ بفسقه، وروى في ذلك حديثاًً مسنداً، وقال: إسناده قويٌّ، وسيأتي بيانُ ذلك في ترجمة الوليد.

стр. 1094

وقال الذهبي في كتابه في (١) " المشتبه " (٢): إنَّ لعبدِ الرحمن بن عُدَيْس (٣) صحبة وزَلَّة، بهذا اللَّفظ. وهذا عكس ما اعتقده السيِّد، وقد ذكر المحدِّثون منِ ارتدَّ وكفر مِنَ الصَّحابة بعد إسلامه وصُحبته في كتبِ معرفة الصَّحابة، والكفرُ أعظم الكبائر بإجماعِ أهل الإسلام وسائرِ الأديان (٤) من (٥) اليهود والنَّصارى وأمثالهم. وقَدِ احتجَّ ابن عبد البر على تخصيص أدلَّةِ تعديلِ الصَّحابة بحديث: " فأَقُولُ: أَصْحَابي، فيقال: إنَّكَ لا تَدري ما أَحْدَثُوا بَعْدَكَ " (٦)، وذكر أنَّ في هذا أحاديث كثيرة تقصَّاها في " التّمهيد ". ذكر

стр. 1095

ذلك في ترجمة بُسْرِ بنِ أرطاة في " الاستيعاب " (١).

стр. 1096

والسَّبب في وَهْمِ السيدِ -أيَّده الله- في هذه المسألة: أنّه رآهم لا يُفَسِّقُون مَنْ أظهر التَّأويلَ مِمَّن حاربَ أميرَ المؤمنين ﵇ مِمَّن يَعُدُّونَه صحابِيّاً، ولا شكَّ أنَّهم يقولون ببغيِ مَنْ حاربَ عليّاً ﵇، كما رواه القرطبي عنهم الجمبع في " تذكرته " (١)، ورواه غيرهُ منهم كما سيأتي. وأمَّا قولُهم بتأويلهم، فقد مرَّ الكلامُ عليه قريباً، وممَّا يدخلُه التَّأويل بالإجماع: قتالُ المسلمين وبعضِ الأئِمَّة، والبغيُ عليهم، والدخولُ في الفتن كما فعلت الخوارج، والنواصب، والرَّوافض، ومَنْ لا يأتي عليه العَدُّ. فإذا عرفتَ هذا، فاعلم أنَّ الناس اختلفوا في مَنْ تأوَّل فيما ليس مِنَ المعلوم تحريمُه بالضَّرورة عند الجميعِ على ثلاثةِ أقوال: القول الأول: أنَّ التّأويل لا يمنع مِنَ التَّأثيم مطلقاً، وسواء كان في الظَّنيَّات أو في القطعيَّات (٢)، وهذا مذهبُ الأصَمِّ وغيره. القول الثاني: على العكس، وهو أنَّ التأويل يُسْقِط الِإثمَ والعِقَابَ، سواءٌ كان في الظَّنيَّات أو في القطعيَّات، إلاّ أنَّه (٣) فرَّق بينهما، فإن التِّأويل في القطعيَّات لا يخْرِجُ الفعل عَنِ القبح، ووجوبِ كراهَتِه، وتحريمِ الرِّضى به، ووجوبِ النَّهْي لمرتكبه، ومنعِه منه إنْ أمكنَ ذلك، والتَّأويلُ في الظَّنِّيَّات يُثَابُ فاعله، ويُرضى به، ولا يُنهى عنه، واختلفوا في التَّصويب.

стр. 1097

واعلم أنَّ المحدِّثين ما خالفونا في هذه المسألة إلاَّ في هذا، وأنَّ مذهبنا ومذهبَهم في عدالة الرُّواة واحدٌ إلاَّ (١) قدرَ أربعة أو خمسة، أو قريبٍ مِنْ ذلك، قد ذكرتهم (٢) في هذا الكلام المقدَّم. القول الثالث: مذهبُ الأكثرين مِنَ الأئِمَّة، وجماهيرِ علماءِ الأُمَّةِ، وهو التَّفصيل، والقولُ بأنَّ التَّأويل في القطعيات لا يمنعُ الكفر أو (٣) الفِسْق أوِ التَّأثيم، وأمَّا التَّأويل في الظَّنِّيَّات، فيمنع ذلك كلَّه، وُيوجِبُ التَّصويبَ أو المثُوبة، فإذا عرفتَ هذا، تبيَّنَ لك أنَّ القوم ما خالفوا إلا فيما يدخله التَّأويلُ مِنَ الكبائر، وهو ما أمكن أن يَصِحَّ دعوى بعضُ النَّاس جهله، وإنْ كان عند غيره معروفاً. والفرقُ بَيْنَ ما يدخلُه التَّأويلُ مِن الكبائر، وبَيْنَ جميع الكبائر (٤) معلومٌ بالضرورة لِكلِّ عاقلٍ، فإنَّ الشِّرك بالله، وعبادةَ اللاَّت، ونِكَاح الأخوات والأُمَّهات، وتركَ الصَّوم والصلوات من الكبائر (٥)، فإنْ كان السَّيِّدُ يعتقدُ في أهل الحديث أنَّ مذهبهُمْ عدالَةُ مَنِ ارتكبَ هذه الفواحش العظام (٦)، وكذَّبَ الرُّسلَ الكِرَامَ ﵈، لكونه رأي النَّبي ﷺ بعد الدُّخول في الإسلام، فهو أجَلُّ مِنْ أن يقولَ بهذا الكلام أو ينسبَه إلى أحدٍ مِنَ الأنام، وإن كان لا يعتقدُ ذلك فيهم، فما هذا الذي أعشى (٧) بصر

стр. 1098

بصيرته، وغَشَّى على أضواءِ معرفته، حتَّى تجاسرعلى رَمْيِهمْ بهذه الشَّناعة الَّتي لا يجترىءُ على القولِ بها إلا أهلُ الخلاعَةِ. وقد قال محمد بن منصور الكوفي (١) في كتابه المعروف " بكتاب أحمد "، يعني أحمد بن عيسى بن زيد عليهم (٢) السَّلام: أنَّ أحمدَ بن عيسى قال: فإنْ جَهِلَ الوِلايةَ رَجُلٌ، فلم يتولَّ أميرَ المؤمنين، لم تنقطع (٣) بذلك عصمتُه، وإن تبرأ وقد عَلِمَ، انقطعت عنَّا، وكان منا في حَدِّ براءةٍ، يقول: براءة (٤) ممَّا دانَ به، وأنكر مِنْ فرضِ الولاية لا براءة يخرج بها مِنْ حدِّ المناكحة، والموارَثةِ، وغير ذلك ممَّا تجري به (٥) أحكامُ المسلمين منهم بعضُهم (٦) في بعض -إلى قوله- لا (٧) على مثل البراءة منَّا مِنْ أهل الشِّرك، واليهود، والنَّصارى، والمجوس. هذا وجهُ البراءة عندنا مِمَّن خالفنا. انتهى بحروفه من آخر المجلد السَّادس من " الجامع الكافي ". ومعناه لا يَزِيدُ على ما عُلِمَ بالتَّواترِ عن علي ﵇ أنّه لم يَسِرْ في أهل صفِّين والجَمَلِ سِيرَة رسولِ الله ﷺ في المشركين، ولا حَكَمَ بسَبْيِ النِّساء والذُّرِّيَّة، ولو كانوا جَحَدُوا ما يُعْلَمُ مِنْ ضَرُورة الدِّين، كان الواجِبُ تكفيرَهم عند جميع المسلمين، فدلَّ على أنَّ فِعْلَهم ممَّا يدخله

стр. 1099

التّأويلُ بشهادة (١) سيرةِ أمير المؤمنين، وهذا هو مضمونُ ما أنكره السيد على المحدثين. الوهم الثاني: قال: إنَّهم يُجيزون الكبائر على الأنبياء ﵈. وهذا الإطلاقُ تجاهُلٌ لا جهلٌ، لأن السَّيِّد لا يزال يُقْرِىءُ مذهبَهم في هذه المسألة، وأنا أُورِدُ من كتبهم ما يشهد (٢) ببطلان هذا القولِ الذي أطلقه السيدُ، ولم يقيِّده. فمِنْ ذلك ما ذكره الرّازي في " محصوله " (٣) فإنَّه قال في هذه المسألة في حكم أفعالِ الأنبياء ﵈ (٤) ما لفظه: والَّذي نقولُ به: إنَّه لم يقع منهم ذنبٌ على سبيل القصد لا صغير ولا كبير (٥)، وأمَّا السَّهو (٦)، فقد يقع منهم بشرط (٧) أن يتذكروه (٨) في الحال، ويُنَبِّهوا غيرهم على أنَّ ذلك كان سهواً، وقد سبقت هذه المسألة في علم الكلام، ومن أرادَ الاستقصاء، فعليه بكتابنا في عصمة الأنبياء، والله أعلم. انتهى كلامه.

стр. 1100

وقال ابن الحاجب في " المنتهى " (١): الإجماع (٢) على عصمتهم بعد الرسالة من تعمد الكذب في الأحكام، والإجماع على عصمتهم من الكبائر وصغائر الخِسَّةِ. وقال الذهبي في كتاب " النبلاء " (٣)، وقد ذكر ما معناه تنزيه النَّبي ﷺ مِنَ الأكل مِمَّا ذُبحَ على النُّصُب قبل النُّبُوَّة، فقال في ترجمة سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ما لفظه: وما زال المصطفى محفوظاً محروساً قبل الوحي وبعدَه، ولو احتمل جوازُ ذلك، فبالضرورة ندري (٤) أنَّه كان يأكل [من] ذبائح قريشٍ قبلَ الوحي، وكانَ ذلك على الإباحة، وإنّما تُوصفُ ذبائحُهُم بالتَّحريم (٥) بعد نزول الآية، كما أنَّ الخمرَ كانت على الإباحة الى أن نزل (٦) تحريمها بالمدينة بعدَ يومِ أُحُدٍ، والَّذي لا ريبَ فيه أنّه كان معصُوماً قَبْلَ الوحي وبعدَه، وقبلَ الشَّرائع مِنَ الزِّنى قطعاً، ومِنَ الخيانة، والغَدْر، والكَذِبِ، والسكْرِ، والسُّجود لوثَنٍ، والاستقسام بالأزلام، ومِنَ الرذائل، والسَّفَهِ، وبذاء اللسان، وكشف العَوْرَةِ، فلم يكن يطوف عُرياناً، ولا يَقِفُ يوم عرفة مع قومه، بل كان يَقفُ بعرفة. ومن أحسنِ من تكلَّم في هذا منهم (٧) القاضي العلامة عياضُ بنُ موسى بنِ عياض اليَحْصُبي المالكي في كتابه " الشفا في شرف المصطفى "، فإنه أجاد الكلام في هذه المسألة، وليس يتَّسع هذا الجواب

стр. 1101

لذكر جملة كبيرة (١) من كلامه، فإنَّه طوَّله ونوَّعه (٢)، واحتجَّ وتأوَّل، حتَّى بلغ كلامه في ذلك ستِّين ورقة أو يزيد قليلاً، أو ينقص قليلاً بحسب اختلافه فيه. ومِنْ كلامه فيه ما لفظُه: أجمع المسلمون على عِصمة الأنبياء مِنَ الفواحش، والكبائرِ الموبقات، ومستندُ الجمهورِ في ذلك الإجماعُ، وهو مذهبُ القاضي أبي بكر، ومنعها غيرُه بدليلِ العقل مع الإجماع، وهو قولُ الكافة، واختاره (٣) الأستاذُ أبو إسحاق. وكذلك لا خلافَ أنَّهم معصومون من كِتمان الرِّسالة، والتَّقصيرِ في التَّبليغ، وذكر الإجماع على عصمتهم من الصَّغيرة الَّتي تؤدِّي إلى إزالة الحِشْمَةِ، وتُسْقِطُ المروءة، وتُوجِب الخَسَاسَة، قال: بل يلحق بهذا ما كان مِنْ قبيل المُباحِ، فأدَّى إلى مثله ممَّا يُزري بصاحبه، ويُنَفِّرُ القلوبَ عنه، ثمَّ إنَّ القاضي ذكر في المتن الاختلاف في عصمتهم قَبْلَ النُّبُوَّةِ حتى قال: والصَّحيحُ تنزيههم من كُلِّ عيب، وعصمتُهم من كلِّ ما يُوجِبُ الرَّيْبَ، فكيف والمسألة تصوُّرُها كالممتنع؟ فإنَّ المعاصي، والنَّواهي (٤) إنَّما تكون بعد تَقَرُّر (٥) الشَّرع، وذكر عصمتهم قبلَ هذا عَنِ الصَّغائر، واختاره، واحتجَّ عليه، وأطال القولَ (٦). إذا عرفتَ هذا، فَلْنَذْكُرِ الذِي أوجب الوهمَ في هذا (٧)، بَلِ الَّذِي أوجب التَّسَاهُل فيه، وذلك أمران:

стр. 1102

أحدُهما: أنَّ بعضَهم يقول: إنَّ (١) المعاصي الدَّالَّة على الخِسَّة قَبْلَ النُّبُوة يمتنع وقوعُها مِنَ الأنبياء ﵈ بدليل السَّمع فقط، ولا يمتنِعُ بدليلِ العقل، ونحن نقولُ -والجمهور منهم-: إنَّها (٢) تمتنع عقلاً وسمعاً، فهم موافقون لنا على إمتناعها، ولكن بعضهم استدلُّوا على ذلِكَ بدليلٍ واحدٍ، ونحن وجمهورُهُم استدللنا عليه بدليلين، فهذا لا يقتضي الاختلافَ في تجويزِ الكبائرِ على الإِطلاقِ البتَّة، فأمَّا ما لم يكن مِن صغائِرِ الخِسَّة المنفِّرات، فلا ينبغي أن يكونَ فيه (٣) اختلافٌ، لأنَّ وصفه بأنّه كبيرٌ قَبْلَ الشرع خطأ، بل وصفُه بأنّه حرام، ألا ترى أنَّ الخمرَ كان مباحاً؟ فإن ثبت أنَّه حرام، وأنَّهم متعبِّدون بشرع مَنْ قبلنا، فبأدلَّة ظنِّيَّة، فإن قدرنا ثبوتَ ذلكَ بأدلَّةٍ قاطعةٍ، فثبوتُ التَّحريم لا يدلُّ على أنَّ المُحَرّمَ كبيرٌ، فأمَّا الكفرُ وجميعُ ما عَدَّدهُ الذهبي، والقاضي عياض وغيرهما فيما تقدم من المعاصي الدّالة على الخِسَّةِ، وسائر الرذائل، فقد وافقونا على تنزيههم عنها، وأقصى ما في الباب أن يكونوا خالفونا في تجويزِ بعض الكبائرِ على الأنبياء قبل النُّبُوَّة، فهذا لا يُجيزُ الإِطلاقَ الَّذِي رواه السَّيِّدُ عنهم لوجهين. أَحَدُهُما: أن الخلافَ في بعض الكبائرِ ليس خلافاً في جميعها، ومَنْ لم يفَرِّقْ بينَ البعضِ والكُلِّ، فليس مِنَ العقلاء، فإنَّ العلمَ (٤) بالفرق بينهما ضروريٌّ، ومن المعلومِ بالضَّرورة عنهم أنَّهم ما خالفُوا (٥) في جميعِ الكبائر، فإنَّ الشَّركَ مِنَ الكبَائِرِ واللواطَ من الكبائر، ونحو ذلك.

стр. 1103

الوجه الثاني: أنّ الأنبياءَ ﵈ قبل النُّبُوَّةِ لا يُسَمَّوْنَ أنبياءَ على الحقيقة، ولا يُحْكمُ لهم حُكْمٌ من أحكامِ الأنبياء، ألا ترى أنّ كلامَهُم وأفعالَهم قبل النُّبُوَّةِ ليس بِحُجَّةٍ، وأمرهم قبلَها لا يُوجِبُ الطاعة، والشَّاكَّ في صدقهم قبل النُّبُوَّةِ لا يُكْفَرُ؟ فإذا نسب الفقهاءُ إلى الأنبياء جواز أمرٍ قبل النُّبُوَّة، لم يُقَلْ: إنَّ مذهبَهم جوازُه على الأنبياء هكذا على الإِطلاق، ولو كان ذلِكَ يجوز، للزم (١) أن يكون مذهبنا أنّ كلامَ الأنبياء ليس بِحُجَّةٍ، وأنّ مَنْ شَكَّ في صدقهم، فليس (٢) بكافر، وأمثال ذلِكَ مِمَّا هو مذهبنا فيهم ﵈ قبل النُّبُوُّةِ، وبالجملة فمذهبُ القوم ونصوصُهم يَدُل (٣) على بُطلان ما أطلقه السَّيِّدُ قطعاً، والله سبحانه أعلم. الوهم الثّالث: قال السيدُ أيّده الله: ومنهم مروانُ بنُ الحكم، طَرَدَهُ وَلَعَنَهُ رسولُ الله ﷺ . وهذا (٤) وهمٌ عظيمٌ، لا يخفى على مَنْ له أدنى أُنْس بِمعرفة الرِّجال أنَّ الذي طرده النبِيُّ ﷺ هو الحكمُ ابنُ أبي العاص لا مروان، وهذا معلومٌ بالضرورة (٥). وقد وهِمَ الحاكِمُ في ذلك في " شرح العيون "، وتوفي ﷺ وهو ابنُ ثمانٍ أو نحوها، فمتى (٦) استحقَّ التَّطريد، ولكن (٧) نقله أبوه يَوْمَ طُرِد معه.

стр. 1104

قال في " النبلاء " (١) في الحكم بن أبي العاص: [قيل]: نفاه النبيُّ ﷺ لكونه حكاه في مشيته، وفي بعض حركاته، فسبَّه وطرده، وروى في ترجمته عن النبي ﷺ قال: " أُريتُ (٢) بني الحَكَم (٣) يَنْزُونَ على مِنْبَري نزْوَ القِرَدَةِ ". رواه العلاء بإسناده إلى النَّبِيِّ ﷺ (٤). وذكر في " الاستيعاب " (٥) أن رسول الله ﷺ طردَه مِن المدينة، فنزل الطَّائف، وأنّه ﵇ كان إذا مشى يتكفَّأ، وكان الحكمُ يحْكِيه، فالتفت إليه النَّبِيُّ ﷺ ، فرآه يفعلُ ذلك، فقال رسول الله ﷺ : " فكذلِكَ فلتكن "، فكان الحكمُ مُتخلجاً (٦) يرتَعِشُ من يومئذ. فعيَّرَ عبدُ الرحمن بن حسان بن ثابت مروانَ بذلِكَ، فقال يهجوه: إنَّ اللّعينَ أبُوك، فارْم عِظَامَهُ ... إنْ تَرْمِ تَرْم مُخَلَّجَاً مَجْنُوناً يُمْسىِ خَميصَ البَطْنِ مِنْ عَمَلِ التُّقَى ... وَيظَلُّ مِنْ عَمَلِ الخَبِيثِ بَطيناً قال ابن عبد البر: فأمّا قوله: إن اللعين أبوك، فرُوِيَ عن عائشة من طرق ذكرها ابن [أبي] خيثمة وغيرُه، [أنها قالت لمروان إذ قال في أخيها عبد الرحمن ما قال] أما أَنْتَ يا مروان، فأشهد أنَّ رسول الله ﷺ لَعَنَ أباكَ

стр. 1105

وأنتَ في صُلْبِهِ (١). وروى بإسناده عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : " يَدْخُلُ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ لَعينٌ "، فدخل الحَكَمُ بن أبي العاص (٢). وفي هذا

стр. 1106

ما يشهدُ بمعرفة المحدِّثين بحالِ طريدِ رسُولِ الله ﷺ ، وقد وهم السَّيِّد (١) في هذا الوهم (٢) وهمين: أحدهما: أنَّ مروانَ هو الطَّريد، وليس كذلك. وثانيهما: أنَّ طريدَ رسول الله ﷺ أحدُ رجال الصحاح (٣) الثّقات، وليس كذلك أيضاً، وليس في كُتُبِ الحديث رواية عنه البتَّة، وجملةُ من فيها مِمَّنِ اِسْمُهُ الحكم ثلاثة وعشرون رجلاً ليس فيهم الحكم بن أبي العاص، فليعلم ذلِك أيده الله. الوهم الرابع: أنَّ مروان بن الحكم عند المحدثين من أهل التَّقوى والصَّلاح. وليس كذلِكَ، فإنَّهم لا يجهلون ما له مِنَ الأفعال القبيحة، والمعاصي المهلِكلة، وأنا أُورِدُ من كلامهم ما يدلُّ على ذلِكَ. قال الذهبي في كتابه " ميزان الاعتدال في نقد الرجال " (٤) ما لفظه: مروان بن الحكم له أعمال موبقة، نسأل الله السلامة، رمى طلحةَ بسهمٍ، وفعل وفعل. انتهى بلفظه في " الميزان " وذكره في " النبلاء " (٥)، وساق من أخباره حتى قال ما لفظه: وَحَضَر الوقعةَ يَوْمَ الجَمَلِ، فقتل طلحَةَ، ونجا (٦) فليتَه ما نجا (٧)، هذا لفظ الذهبي. فلو كان عنده مِنْ أهل

стр. 1107

الصَّلاح ما تَمنَّى له الهلاك، وكره له النَّجاة، وقد نَصَّ في " الميزان " على (١) أن له أعمالاً مُوبِقَة، وهذا تصريحٌ بفسقه. وذكر الذهبي في " النبلاء " (٢) في ترجمة طلحة من طرقٍ أنَّ مروانَ ابنَ الحَكَمِ قاتل طلحة، ثم قال: قاتلُ طلحة في الوِزْرِ بمنزلة قاتِلِ علي. انتهى. وروى الذهبي في " النبلاء " عن الحسين بنِ علي ﵉ أن مروان هو الذي قَتَلَ طلحةَ بنَ عُبَيْدِ الله أحدَ العشرة المشهود لهم بالجنة، ذكره في ترجمة طلحة (٣). وقال ابنُ حزم في " أسماء الخلفاء والأئمَّة " (٤)، وقد ذكر بعض مساوىء مروان، وهو أوَّلُ مَنْ شَقَّ عصا المسلمين، بلا شبهة، ولا تأويل، وقتل النُّعمان بنَ بشيرٍ أوَّلَ مولودٍ وُلدَ (٥) في الإِسلام في الأنصار صاحب رسول الله ﷺ ، وذكر (٦) أنَّه خرج على ابنِ الزُّبير بَعْدَ أن بايعه على الطَّاعة. وقال ابن حبان الحافظ في مقدمة " صحيحه " (٧) عائذاً بالله أن

стр. 1108

يحتج بمروان وذويه في شيءٍ من كتبنا. وقال ابن قدامة الحنبلي في كتابه " الكافي " (١) على مذهب أحمد ابن حنبل في باب صِفَةِ الأئِمَّةِ: في إمامة الفاسق بالأفعال روايتان، إحداهما (٢): تصح لقولِ النبي ﷺ لأبي ذر " كَيْف أنْتَ إذا كانَ عَلَيْكَ أُمَرَاءُ يُمِيتُونَ الصَّلاَةَ .. الحديث " (٣) إلى قوله في الاحتجاج على ذلِكَ: وكان الحسنُ والحسينُ يصلِّيان وراءَ مروان (٤)، انتهى، وفيه بيان معرفتهم

стр. 1109

لمقدار أهل البيت (١) ﵈ في الفضل، ولموضع أعدائهم مِنَ الفسْقِ، ونحن محتاجون من بيان الأمرين كليهما في هذا المقام. وقال أبو السعادات ابن الأثير في كتابه " النهاية " (٢) في حرف الفاء مع الضاد: قالت عائشة لمروان: وأنت فَضَضٌ مِن لعنةِ الله، أي: قطعةٌ وطائفة منها، ورواه بعضُهم فُظَاظَةٌ مِن لعنة الله بظائين، وهو من (٣) الفظيظ، وهو مَاءُ الكَرِشِ، وأنكره الخطابي (٤). وقال الزمخشري: افتضضت الكَرِشَ: اعتصرت ماءَها، كأنَّه عصارةٌ من اللعنة، أو فُعَالَة من الفظيظ: ماءِ الفحل، أي نُطْفَةٌ من اللعنة. انتهى بلفظه من " نهاية ". ابن الأثير. وممَّن ذكر مروان أبو عمر (٥) بن عبد البر في " الاستيعاب " (٦)، ولم يذكره بتقوى ولا وصَفَه بدِيَانَة، بل روى عن علي ﵇ أنَّه نظر إليه يوماً، فقال: ويلَكَ، وَويلُ أمَّةِ محمّد منك، وَمِنْ بَنيك (٧) إذا شابت

стр. 1110

ذِرَاعُكَ، وكان يُقَال له: خيطُ باطل (١)، وفيه يقول أخوه عبد الرحمن بن الحكم لمّا بُويعَ له بالإمارة: فو اللهِ ما أدْرِي وإنِّي لسائلٌ ... حليلة مَضْرُوبِ القَفَا كَيْفَ يَصْنَعُ لَحَا اللهُ قَوْمَاً مَلَّكوا خَيْطَ باطِلٍ ... على النّاس يُعْطِي من يشاء ويمنع (٢) وكان أخوه عبد الرّحمن شاعراً محسناً (٣)، وكان لا يرى رأيَ مروانَ، وإنّما قال له: مضروبُ القفا، لأنّه ضُرِبَ يوم الدّارِ على قفَاهُ، فَخَرَّ لِفِيه (٤). قلت: وذلك أيضاًً هجوٌ له بالجُبْنِ (٥)، وهي كنايةٌ حسنةٌ. وأنشد ابنُ عبدِ البَرِّ لأخيه عبدِ الرحمنِ يهجوه: وهَبْتُ نصيبي فيكَ يَا مَرْوُ (٦) كُلَّهُ ... لعمروٍ ومروانَ الطَّويلِ وخَالِدِ فكلُّ ابنِ أمٍّ زائِدٌ غيرُ ناقِصٍ ... وأنتْ ابنُ أمٍّ ناقِصٌ غيرُ زائِدِ وأنشد لغير أخيه (٧) شيئاً في هجوه تركتُه، لأنَّه أقذع فيه، وذكر أنه لم يَرَ النبيَّ ﷺ ، ورواه عن (٨) البخاري.

стр. 1111

هذه (١) الجملة تدلُّك على معرفتهم بسوء (٢) حاله وقُبح أفعاله. فإن قلت: فما الوجه في روايتهم عنه؟ فالجواب من وجهين: الوجه (٣) الأول: إنّ الرِّواية لا تدلُّ على التَّعديل كما ذكره الإمامُ يحيى بنُ حمزة في " المعيار " وابن الصلاح في " العلوم ". وقد روى زينُ العابدين، وعروةُ بن الزبير (٤) عن مروان، ولم يَدُلَّ ذلِكَ على عدالته عندهما، فكذلك روايةُ المحدثين عنه. وقد ذكر النواوي في " شرح مسلم، أن مسلماً يروي في " الصحيح " عن جماعة من الضعفاء، وبيَّن الوجه في ذلك، وقد قدَّمناه (٥)، وروي عن مسلم تنصيصاً التَّصريحُ بذلك، فدلَّ على أنَّهم قد يروون عَمَّن ليس بِثَقَةٍ عندهم (٦). فإن قلتَ: فَمَا عذْرُهُم في ذلك؟ قلت: لهم فيه عُذْرَانِ: أمّا أحدُهُما: فالرغبة في علوِّ الإسناد؛ وما فيه من التسهيلِ على طلَبَةِ هذا الشَّأن، مع كونِ الحديث معروفاً عند أهل هذا الشَّأنِ بإسنادٍ (٧)

стр. 1112

نازل من طريق الثِّقات، وقد مرَّ تقريرُ هذا، وأنّ النَّواوي روى هذا عن مسلمٍ تنصيصاً، وهو نادِرُ الوُقُوعِ. العذرُ الثَّاني: وهو كثيرُ الوقوع، أن يكونَ الحديث مرويّاً من طُرُقٍ كثيرة في كلٍّ منها ضعْفٌ، لكن بعضُها يَجْبُرُ بعضاً، ويُقَوِّيه، ويشهدُ له، مع كون بعضِ الرُّواة عدلاً في دينه، صدوقاً في قوله، كثيرَ الوهم، فلم يعتمد عليه وحدَه في التَّصحيح لولا مَا جَبَرَ ضعفَه مِنَ الشَّواهد والمتابعات الّتي يَحْصُلُ من مجموعها قوَّةٌ كبيرةٌ تُوجِبُ الحُكْمَ بِصِحَّةِ الحديث أو حُسْنِهِ، فيذكرون بعضَ طرقه الضَّعيفة، ويتركون بقيَّة الطُّرُق للاختصار والتَّقريب على طلبة العلم. ويدل على ما ذكرته أنَّ أحاديثَ مروان مشهورَةٌ عَنِ الثِّقات، وهي (١) أحاديث يسيرة، فمنها حديثُ قصة الحُدَيْبِيَة، وحديثُ وفد هَوازِن، وقِصَّةُ سهيل بنِ عمرو هذه رواها (٢) البخاري عنه مقروناً بالمِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ مع

стр. 1113

شُهرتها، أو تواتُرها عند أهلِ السِّيَر. ومنها سَبَبُ النزولِ في قوله تعالى: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ (١) [النساء: ٩٥] وقد رواه قَبِيصَةُ بنُ ذُؤيبٍ.

стр. 1114

ومنها قراءةُ النَّبيِّ ﷺ بالأعراف بالمغرب (١) وقد اعترض الدارقطني (٢) على البخاريِّ روايةَ هذا الحديثِ من طريق مروان، وقال: إنَّه لم يرو (٣) من طريقه إلا ابنُ أبي مليكة، قال: وقد رواه أبو الأسود محمد بنُ عبد الرحمن بن نوفل عن (٤) عروة، عن زيد بن ثابت، لم يذكر فيه مروانَ بن الحكم قال ذلك عمرو بنُ الحارث، وهو من الأثبات، واختلف عن هشام بن عروة، فقال القطانُ، والليثُ، وحمادُ بنُ سَلَمَةَ وغيرُهُم: إنه عن زيد (٥) بن ثابت، أنَّه قال لمروان [مرسلاً]. وقال ابنُ أبي الزِّناد، وأبو (٦) ضمرة مثلَ رواية ابن أبي مُليكة، وقد

стр. 1115

رُوي عن عائشة بإسنادٍ (١) صحيح في " النسائي " (٢). قال ابنُ حجر في " التلخيص " (٣): ورواه ابنُ السكن من حديث أبي أيوب بعد أن ذكر طريقيه عن زيد بنِ ثابت، وعن مروان، وذكر أيضاً طريق عائشة، لكن أعلَّها ولم يُبيِّنِ العِلَّة. ومنها: أثر موقوف عن عُثمانَ في فضلِ الزبير (٤)، وهذا لا بأسَ به، لأنَّهم يتسامحون في أحاديث الفضائلِ. ومنها: قِصَّةُ عثمان في النهي عن مُتْعَة الحَجِّ، ومخالفة عليٍّ (٥)،

стр. 1116

وهذا (١) مشهور. ومنها: حديث بُسرة في مس الذَّكر (٢)، ورواته بِضْعَةَ عَشَرَ. ومنها: حديثُه في صلاة الخوف (٣)، وقد رواه عُروة. ومنها: حديث " إنَّ مِنَ الشِّعْر حِكْمَةٌ " (٤) رواه البخاري، وأبو داود

стр. 1117

وابن ماجة من طريقه (١) عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيِّ بن كعب، وقد رواه يزيدُ بنُ هارون، والوليد (٢) بن محمد الموقري، عن إبراهيم بن سعد، عن الزُّهري، عن أبي بكر بن عبد الرَّحمن، أحدِ الفُقهاء السبعة، عن عبد الرحمن بن الأسود بإسقاط مروان، فالظاهر (٣) أنَّ أبا بكر سَمِعَهُ من مروان، ومن عبد الرحمن بنِ الأسود معاً؛ لأنَّه لم يُوصَمْ بالتَّدليس، (٤)، وهو مدرك لزمان عبد الرحمن بن الأسود، فإنَّه وُلدَ في زمن عمر، وروى عن عائشة وأبي هريرة، فصح الإسناد من غير حاجة إلى مروان. ومع أنَّ الحديثَ صحيحُ المعنى بالضَّرورة، وله شواهد في " الترمذي " (٥) عن ابن مسعود، وفي " أبي داود "، و" الترمذي " (٦) عن ابن عباس. وبالجملة، فلم يَرْوِ مروانُ إلا عن عليٍّ، وعثمانَ، وزيدِ بن ثابت، وأبي هريرة، وبُسرةَ، وعبدِ الرحمن بن الأسود، وقد ذكرت (٧) جميعَ ما رَوَى عنهم. وأما قوله في عبدِ الرحمن بن أبي بكر، هذا الذي أنزلت (٨) فيه ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾ [الأحقاف: ١٧]، فما أظنُّ البخاري

стр. 1118

أورده (١) إلا لِبيان كلامِ عائِشة الذي ردَّت عليه، وإلا فهذا مُرْسَلٌ لا يَصِحُّ عند البخاري مع أنَّه ليس فيه حكم شرعِيٌّ، ومع أنَّه لم يرفعه، ولا بيَّن مستنده فيه (٢). وأمَّا عبدُ الرحمن -فعلى تقدير صِحّة هذا- فقد كان مشركاً بِغَيْرِ شكٍّ، ولكنَّه أسلمَ، والإسلامُ يَجُبُّ ما قبله. الوجه الثاني: أنَّ رواية المحدِّثين عنه -مع تصريحهم بِمَا لَهُ مِنَ الأفعال القبيحةِ- تدُلُّ على ما ذكره الحافظ ابن حجر في " مقدمة شرح البخاري " (٣) أنَّ روايتهم كانت قَبْل إحداثه أيَّامَ كان عندَهم في المدينة والياً من جهةِ الخُلفاء قبل أن يَتَوَلَّى الخِلافَةَ، لأنَّ روايتَهم عنه من طريقِ عليِّ بنِ الحسين، وعُرْوَةَ وأمثالِهِما مِمَّن لم يروِ عنه بَعْدَ خلافته وخروجِه من المدينة. الوَهْمُ الخامسُ: قال السَّيِّدُ: ومنهم المغيرةُ بن شعبة زنى -هكذا رماه السَّيِّدُ بالزنى متوهِّمَاً أنَّ ذلك قد صحَّ منه (٤)، ولم يبقَ فيه شَكٌّ، وليس الأمرُ كذلك، فإنَّه لو صحَّ ذلك، لحدَّه عُمَرُ، ولو لم يَحُدَّهُ، وقد صحَّ الزِّنَى منه، لأنكر ذلك على عمرَ أصحابُ رسول الله ﷺ ، ولم

стр. 1119

يسكتوا عليه على تسليم ما ادَّعاه أنَّها قد صحَّت قِصَّتُهُ. فإنْ كانَ السيد رماه بالزنى معتقداً لجواز رمي الفَسَقَةِ بالزنى، فليس ذلك يجوزُ من غيرِ طريقٍ صحيحة، وقد عَظَّمَ اللهُ الرَّمي بهذه الفاحشة، ولم يجعل إلى ذلك سبيلاً إلاَّ بَعْدَ كمال نصاب (١) الشهادة، وقد كان الرجُلُ يأتي إلى النبي ﷺ فيُقِرُّ بالزنى، ويعترِفُ بالفاحشة فيتطلَّبُ (٢) النبي ﷺ العُذْرَ (٣) له بَعْدَ الإقرارِ والاعتراف، ويقول: " لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، لَعَلَّك لَمَسْتَ " حتَّى لا يجدَ سبيلاً إلى الشَّكِّ، ولا طريقاً إلى الاحتمال، والسيدُ أيَّدَهُ اللهُ عكس ما يلزم من الاقتداء برسول الله ﷺ ، ورمى المغيرة بالزِّنى من غير مَثْنَوِيَّةٍ (٤) ولا حكاية، مع أنَّ المغيرَة مُنْكرٌ لذلك، ومُدَّعٍ للبراءة منه، ولم يتمَّ نصابُ الشَّهادة، وكان القدح على المغيرة بمعاصيه الظَّاهرةِ مِنْ حربِ أميرِ المؤمنين أولى مِنَ الهُجوم على الأمورِ الخفيَّة المحتملة، وقد كان السَّيِّد منع مِنْ إمكان طريقٍ صحيحة إلى ثبوت ما يجب العملُ فيه بخبر الواحد، فليُخْبِرْنَا كيف تيسَّر له العلمُ بصحَّة هذه القصَّة في الجملة، ثم كيف عَلِمَ منها صِحَّةَ الزِّنى عَنِ المغيرة، وأحدُ الشهودِ الأربعة زيادُ بن أبيه، وهو فاسِقٌ تصريح. فإن قلت: إنّه شهدَ قبل ذلك، فاقْبَلْ مِن المحدثين مثل هذا في الرِّواية عن مروان ونحوه. على أنَّ القصَّةَ في الجملة لم تَثْبُتْ بطريقٍ متَّفَقٍ

стр. 1120

على صحَّتها، وإنَّما رواه سيف بن عمرو المؤرِّخ، وهو مجروحُ العدالة، وأرسلها معه (١) أبو حذيفة البخاري بغير إسناد، ولا أعرف حاله، وأسندها أبو عتَّاب الدَّلال عن أبي كعب صاحب الحرير فيما حكاه الذَّهبي في " النبلاء " (٢) وقد تقصَّى طرقها، وإليه المنتهى في هذا الفنِّ، فَأَفِدْنَا مَنْ عدَّل هؤلاء، ومن عدَّل المعدّل حتى انتهى إليك كما ألزمتنا فيما هو دُونَ هذا. الوهم السادس: قال (٣): فإن يُعْتَدَّ بشهادةِ هؤلاء في الجرح، لا في الحدِّ، فالمغيرةُ مجروحٌ، وإن لم يُعْتَدَّ بشهادتهم، فأبو بكرة قاذِفٌ وصاحباه، فلا يَروِي عن واحدٍ منهم الرُّواة. أقول: إن كان المرادُ جرحَ المغيرة بالبغي فقد مضى، وإن كان بهذا وحدَه، ف الجوابُ من وجهين معارضةٌ وتحقيق . أمَّا الوجة الأول: وهو المعارضة، فذلك بنظائرِ هذا في الشريعة مما لم يقبح أحدٌ من العلماء على أهلِ الاجتهاد شيئاً من أقوالهم فيها مثلُ المتلاعِنيْنِ، فقد وقع اللِّعان في عهدِ رسولِ الله ﷺ وأصحابِه، ولم يكن جَرحاً في المتلاعِنَيْنِ، ولو كان جَرحاً، كان حراماً، ولم يشرعْهُ اللهُ، ولا

стр. 1121

أقرَّ عليه رسولَ الله ﷺ ، وقد قال لهما بعدَ تلاعنهما: " الله يَعْلمُ أنَّ أَحَدَكُما كاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا مِنْ تَائبٍ؟ " وقال لها (١) في الخامسة: " إنَّهَا المُوجِبَةُ لِعَذابِ اللهِ " (٢)، نعوذ بالله من ذلك. وكذلك حُكْمُ المدَّعي والمنكرِ في المنازعات الشرعية، قد يُعْلَمُ كَذِبُ أحدِهِمَا قطعاً، ولا يجب جَرْحُ كُلِّ واحدٍ منهما قطعاً. الوجه الثاني: التَّحقيق، وبيانُه أنْ نقولَ: توهم السَّيِّدُ أنَّ الشهادةَ على الزِّنى إذا لم يتمَّ نِصَابُها كانت قذفاً ، فإمَّا أن يُرِيد أنَّ ذلك كذلك على سبيلِ القطع أو (٣) الظن، إن قالَ: إنَّه كذلك على سبيل الظَّنِّ، فقد أصاب؛ لأنَّه ليسَ في المسألة دليلٌ قاطعٌ، وقَدِ اختلف العلماءُ فيها، وللشافعي في المسألة قولانِ، وقال في " نهاية المجتهد " (٤) الشهودُ عند مالك إذا كانوا أقلَّ من أربعةٍ قَذَفَةٌ، وعند غيره ليسوا قَذَفَةً، فجعلَ القولَ بأنَّهم ليسوا قذفة هو قول الأكثرين من الفقهاء. وقال الحاكم في " شرح العيون " ما لفظه (٥): ألا ترى أنَّ مَنْ يشهدُ بالزِّنى لا يؤثِّرُ في حاله، ومن قُذِفَ بالزِّنى أثَّر؟ فنصَّ على الفرقِ بين الشهادة والقذفِ، وفي " الصحيحين " (٦) من حديثِ أبي هريرة، وزيدِ بنِ

стр. 1122

خَالِدٍ الجُهيني: أنَّ رجلاً من الأعراب قال للنَّبي ﷺ : إنَّ ابني كانَ عَسِيفاً على هذا، فزنى بامرأته، الحديثَ، وفيه أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يُوجِبْ على المستفتي حدّاً لرميه لامرأة خصمه، وأقره، ولم يُنْكِرْ عليه، لأنَّه لم يقْصِدِ الرَّميَ، بَلَ الفتوى. وكذلك في حديثِ ابن عَبَّاس (١): أن هلال بن أُميَّةَ قذف أمرأتَه بشريكِ بنِ سحْمَاء عِنْدَ النبيِّ ﷺ .. الحديثَ، إلى قوله: فنزلت آيةُ اللِّعان. ولم يجب على هلالٍ حدُّ القذف لشريك (٢). وكذلك (٣) في هذا الحديث ما معناه أنَّ النبي ﷺ قال: " إنْ جَاءَتْ بهِ عَلَى شبهِ شَرِيكٍ فهُو لَهُ "، فجاءت به كذلك، فقال: " لولا ما مَضى مِنْ كِتَابِ اللهِ، لكَانَ لي فيها شأْنٌ " رواه البخاري، وأبو داود والترمذي، وابنُ ماجه، وأحمد وغيرهم. وذكره في " شفاء الأوام ". وكذلك شرط ابنُ حزمٍ في الإجماع على حَدِّ القذف أن يجيءَ به صاحبه مجيء (٤) القذف، والله سبحانه أعلم. وكلام النَّبي ﷺ يدفع أن يُقال: إنَّما سقط الحدُّ لِعدم المطالبة من

стр. 1123

المقذوف؛ ولأنَّه ﷺ لا يجوزُ عليه القَذْفُ المُحَرَّمُ، ولا أقرَّ هلالا على ذلك، ولو كان قذفاً حراماً لم يُقِرَّه عليه، سواء وجب فيه الحدُّ أو لم يجب (١)، والغالبُ أنَّ السيدَ جرح بهذا لمَّا حَفِظ أنَّ مذهبنا أنَّهم قَذَفَةٌ على سبيلِ التّقليد لأهل المذهب، وظنَّ أنَّ أهلَ المذهبِ يقدحون على مَنْ قبلهم بذلك، وليس كذلك، فإنَّه لو لَزِمَ القَدْحُ بمسائلِ الخلاف، لزم الجرحُ لجميع المخالفين، بل الَّذي يذهب إليه أصحابُنا: أنَّ الشاهد قاذِفٌ، ولا يقبلونه لمذهبنا (٢) فيه، ولا يلزمُ الغير أن يَرُدَّه كما ردُّوه، ولا يُنْسَبُ إلى مَنْ قَبِلهُ أنَّه يقبل (٣) المجاريحَ، فاعرف ذلك. وإن قال السَّيِّد (٤): إنَّ الشاهد قاذِفٌ قطعاً، فذلك لا يَصِحُّ؛ لأنَّ المسألة شرعيَّةٌ لا عقليَّةٌ، وليس فيها نصٌّ قاطعٌ غيرُ محتمِل للتَّخصيص، ولم يبق إلا القياسُ على العام (٥)، ولا يصحُّ أن يكون القياسُ فيها (٦) قاطِعَاً لوجدان الفروق (٧) المانعة مِنْ ذلك، فإنَّ بين الشَّاهدِ والقاذفِ فُروقاً ظاهِرَة، ولا يصحُّ معها القياسُ القطعيُّ، ألا ترى أنَّه يُشترط في الشاهد العدالةُ، ويشترط العددُ المخصوصُ في الشُّهود، ولا يجب في القاذف أن يقذفَ معه غيره فثبت أنَّ الشَّاهدَ غيرُ القاذفِ، وإذا ثَبت أنَّ المسألة ظنيَّةٌ، لم يجز جرحُ الشُّهودِ بذلك؛ لأنَّ الجرح لا يكون إلا بأمرٍ ثبت بالقطع أنَّه

стр. 1124

معصيةٌ، ولهذا لا يُجْرحُ مَنْ شَرِبَ المُثَلَّث (١) مع أنَّ جَرْحَ القاذِف الجاهلِ بتحريم القذف أو (٢) الواثق بإقامَةِ الشَّهادة إنَّما هو بالنَّصِّ، وإلا فالقياس أنْ لا يُجَرَّحَ حتَّى يتحقق كذِبُه، لكن النَّصُ أقدمُ مِنَ القياس، فيجبُ أن نُقِرَّ النَّصَّ حيث ورد لمخالفته للقياس (٣)، ولا يُقاس الشَّاهد على القاذف. الوهم السابع: توهَّم السَّيِّد أنَّ هؤلاء الشُّهود الثَّلاثة إن لم يكونوا قاذفين، وجب جرحُ المغيرة بالزِّنى الذي أخبروا به، وظنَّ السَيِّد أنَّه لا مخرج مِنْ هذا السُّؤال، وليس كما توهَّم، بل يجوز أن لا يَصْدُقُوا فيما شَهِدُوا به، وأن (٤) لا يُجْرَحُوا لِغلطهم في الشَّهادة. فقد ذكر ابنُ النحوي في " البدر المنير ": أنَّ المغيرَة ادَّعى في تلك المرأة (٥) الّتي رمَوْهُ بها أنَّها له زوجة، قال: وكان يرى نكاح السِّرِّ. وروي

стр. 1125

أنه كان يتبسَّمُ عند شهادتهم، فقيل له في ذلك، فقال: إنِّي أَعْجَبُ مِمَّا أريدُ أن أفعلَه بَعْدَ شهادتهم (١)، قيل: وما تفعل؟ قال: أُقيم البَيِّنَة أنَّها زوجتي. ذكره في " البدر المنير "، وذكر أنَّه كان كثيرَ الزواجة وأنَّه أُحصن بثلاثِ مئةِ امرأةٍ، فهذا محتمل. وليس القصدُ تنزيه المغيرة مِنْ ذلك لأجلِ ورعه وتحرِّيه في أمر (٢) الدِّيانة، فإنَّه باغٍ بالإِجماع، وإنَّما القصدُ بيانُ الاحتمال المانع مِنَ الإلزام الَّذي ذكره السَّيِّدُ، والمانع من رمي المغيرة بالزِّنى على الإطلاق والقطع، فإنْ كان السيدُ يريدُ أنَّه مجروحٌ بالبغيِ، فذلك مسلَّمٌ، ولكن بغير الزنى على ما قدَّمنا مِنَ (٣) التَّفصيل والخلاف، وإنْ كان يُرِيدُ إثباتَ الزِّنى عنه، ففيه ما ذكرتُه مِنَ الإِشكال، والله أعلم. الوهم الثامن: أنَّه ذكر في رسالته أنَّ مَنْ قعد عن نُصرة عليٍّ ﵇، فهو مجروح، ثمَّ ذكر ها هنا أنَّ أبا بكْرَةَ كان مِنْ فُضلاء الصَّحابة، ولا شكَّ عند أهلِ الخِبرة بالسِّيرِ أنَّ أبا بكرة كان من القاعدين المتشددين في ذلك، وله كلام على المتقاتلين جميعاً فيه نكارةٌ كثيرة (٤) لكنَّه كان متأوِّلاً متديِّناً غيرَ مجترىءٍ، والسيد واهم (٥) في أحد الموضعين، واللهُ أعلم. واعلم أنَّ بعضَ الزَّيديَّة قد حاول الجزمَ بتفسيق المتوقِّفين عن عليٍّ ﵇، واحتجَّ بأمرين:
следующие страницы →