← Акыда

Акыда · id 29677

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

ابن الوزير

Полный текст (3 702 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

أقرَّ عليه رسولَ الله ﷺ ، وقد قال لهما بعدَ تلاعنهما: " الله يَعْلمُ أنَّ أَحَدَكُما كاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا مِنْ تَائبٍ؟ " وقال لها (١) في الخامسة: " إنَّهَا المُوجِبَةُ لِعَذابِ اللهِ " (٢)، نعوذ بالله من ذلك. وكذلك حُكْمُ المدَّعي والمنكرِ في المنازعات الشرعية، قد يُعْلَمُ كَذِبُ أحدِهِمَا قطعاً، ولا يجب جَرْحُ كُلِّ واحدٍ منهما قطعاً. الوجه الثاني: التَّحقيق، وبيانُه أنْ نقولَ: توهم السَّيِّدُ أنَّ الشهادةَ على الزِّنى إذا لم يتمَّ نِصَابُها كانت قذفاً ، فإمَّا أن يُرِيد أنَّ ذلك كذلك على سبيلِ القطع أو (٣) الظن، إن قالَ: إنَّه كذلك على سبيل الظَّنِّ، فقد أصاب؛ لأنَّه ليسَ في المسألة دليلٌ قاطعٌ، وقَدِ اختلف العلماءُ فيها، وللشافعي في المسألة قولانِ، وقال في " نهاية المجتهد " (٤) الشهودُ عند مالك إذا كانوا أقلَّ من أربعةٍ قَذَفَةٌ، وعند غيره ليسوا قَذَفَةً، فجعلَ القولَ بأنَّهم ليسوا قذفة هو قول الأكثرين من الفقهاء. وقال الحاكم في " شرح العيون " ما لفظه (٥): ألا ترى أنَّ مَنْ يشهدُ بالزِّنى لا يؤثِّرُ في حاله، ومن قُذِفَ بالزِّنى أثَّر؟ فنصَّ على الفرقِ بين الشهادة والقذفِ، وفي " الصحيحين " (٦) من حديثِ أبي هريرة، وزيدِ بنِ

стр. 1122

خَالِدٍ الجُهيني: أنَّ رجلاً من الأعراب قال للنَّبي ﷺ : إنَّ ابني كانَ عَسِيفاً على هذا، فزنى بامرأته، الحديثَ، وفيه أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يُوجِبْ على المستفتي حدّاً لرميه لامرأة خصمه، وأقره، ولم يُنْكِرْ عليه، لأنَّه لم يقْصِدِ الرَّميَ، بَلَ الفتوى. وكذلك في حديثِ ابن عَبَّاس (١): أن هلال بن أُميَّةَ قذف أمرأتَه بشريكِ بنِ سحْمَاء عِنْدَ النبيِّ ﷺ .. الحديثَ، إلى قوله: فنزلت آيةُ اللِّعان. ولم يجب على هلالٍ حدُّ القذف لشريك (٢). وكذلك (٣) في هذا الحديث ما معناه أنَّ النبي ﷺ قال: " إنْ جَاءَتْ بهِ عَلَى شبهِ شَرِيكٍ فهُو لَهُ "، فجاءت به كذلك، فقال: " لولا ما مَضى مِنْ كِتَابِ اللهِ، لكَانَ لي فيها شأْنٌ " رواه البخاري، وأبو داود والترمذي، وابنُ ماجه، وأحمد وغيرهم. وذكره في " شفاء الأوام ". وكذلك شرط ابنُ حزمٍ في الإجماع على حَدِّ القذف أن يجيءَ به صاحبه مجيء (٤) القذف، والله سبحانه أعلم. وكلام النَّبي ﷺ يدفع أن يُقال: إنَّما سقط الحدُّ لِعدم المطالبة من

стр. 1123

المقذوف؛ ولأنَّه ﷺ لا يجوزُ عليه القَذْفُ المُحَرَّمُ، ولا أقرَّ هلالا على ذلك، ولو كان قذفاً حراماً لم يُقِرَّه عليه، سواء وجب فيه الحدُّ أو لم يجب (١)، والغالبُ أنَّ السيدَ جرح بهذا لمَّا حَفِظ أنَّ مذهبنا أنَّهم قَذَفَةٌ على سبيلِ التّقليد لأهل المذهب، وظنَّ أنَّ أهلَ المذهبِ يقدحون على مَنْ قبلهم بذلك، وليس كذلك، فإنَّه لو لَزِمَ القَدْحُ بمسائلِ الخلاف، لزم الجرحُ لجميع المخالفين، بل الَّذي يذهب إليه أصحابُنا: أنَّ الشاهد قاذِفٌ، ولا يقبلونه لمذهبنا (٢) فيه، ولا يلزمُ الغير أن يَرُدَّه كما ردُّوه، ولا يُنْسَبُ إلى مَنْ قَبِلهُ أنَّه يقبل (٣) المجاريحَ، فاعرف ذلك. وإن قال السَّيِّد (٤): إنَّ الشاهد قاذِفٌ قطعاً، فذلك لا يَصِحُّ؛ لأنَّ المسألة شرعيَّةٌ لا عقليَّةٌ، وليس فيها نصٌّ قاطعٌ غيرُ محتمِل للتَّخصيص، ولم يبق إلا القياسُ على العام (٥)، ولا يصحُّ أن يكون القياسُ فيها (٦) قاطِعَاً لوجدان الفروق (٧) المانعة مِنْ ذلك، فإنَّ بين الشَّاهدِ والقاذفِ فُروقاً ظاهِرَة، ولا يصحُّ معها القياسُ القطعيُّ، ألا ترى أنَّه يُشترط في الشاهد العدالةُ، ويشترط العددُ المخصوصُ في الشُّهود، ولا يجب في القاذف أن يقذفَ معه غيره فثبت أنَّ الشَّاهدَ غيرُ القاذفِ، وإذا ثَبت أنَّ المسألة ظنيَّةٌ، لم يجز جرحُ الشُّهودِ بذلك؛ لأنَّ الجرح لا يكون إلا بأمرٍ ثبت بالقطع أنَّه

стр. 1124

معصيةٌ، ولهذا لا يُجْرحُ مَنْ شَرِبَ المُثَلَّث (١) مع أنَّ جَرْحَ القاذِف الجاهلِ بتحريم القذف أو (٢) الواثق بإقامَةِ الشَّهادة إنَّما هو بالنَّصِّ، وإلا فالقياس أنْ لا يُجَرَّحَ حتَّى يتحقق كذِبُه، لكن النَّصُ أقدمُ مِنَ القياس، فيجبُ أن نُقِرَّ النَّصَّ حيث ورد لمخالفته للقياس (٣)، ولا يُقاس الشَّاهد على القاذف. الوهم السابع: توهَّم السَّيِّد أنَّ هؤلاء الشُّهود الثَّلاثة إن لم يكونوا قاذفين، وجب جرحُ المغيرة بالزِّنى الذي أخبروا به، وظنَّ السَيِّد أنَّه لا مخرج مِنْ هذا السُّؤال، وليس كما توهَّم، بل يجوز أن لا يَصْدُقُوا فيما شَهِدُوا به، وأن (٤) لا يُجْرَحُوا لِغلطهم في الشَّهادة. فقد ذكر ابنُ النحوي في " البدر المنير ": أنَّ المغيرَة ادَّعى في تلك المرأة (٥) الّتي رمَوْهُ بها أنَّها له زوجة، قال: وكان يرى نكاح السِّرِّ. وروي

стр. 1125

أنه كان يتبسَّمُ عند شهادتهم، فقيل له في ذلك، فقال: إنِّي أَعْجَبُ مِمَّا أريدُ أن أفعلَه بَعْدَ شهادتهم (١)، قيل: وما تفعل؟ قال: أُقيم البَيِّنَة أنَّها زوجتي. ذكره في " البدر المنير "، وذكر أنَّه كان كثيرَ الزواجة وأنَّه أُحصن بثلاثِ مئةِ امرأةٍ، فهذا محتمل. وليس القصدُ تنزيه المغيرة مِنْ ذلك لأجلِ ورعه وتحرِّيه في أمر (٢) الدِّيانة، فإنَّه باغٍ بالإِجماع، وإنَّما القصدُ بيانُ الاحتمال المانع مِنَ الإلزام الَّذي ذكره السَّيِّدُ، والمانع من رمي المغيرة بالزِّنى على الإطلاق والقطع، فإنْ كان السيدُ يريدُ أنَّه مجروحٌ بالبغيِ، فذلك مسلَّمٌ، ولكن بغير الزنى على ما قدَّمنا مِنَ (٣) التَّفصيل والخلاف، وإنْ كان يُرِيدُ إثباتَ الزِّنى عنه، ففيه ما ذكرتُه مِنَ الإِشكال، والله أعلم. الوهم الثامن: أنَّه ذكر في رسالته أنَّ مَنْ قعد عن نُصرة عليٍّ ﵇، فهو مجروح، ثمَّ ذكر ها هنا أنَّ أبا بكْرَةَ كان مِنْ فُضلاء الصَّحابة، ولا شكَّ عند أهلِ الخِبرة بالسِّيرِ أنَّ أبا بكرة كان من القاعدين المتشددين في ذلك، وله كلام على المتقاتلين جميعاً فيه نكارةٌ كثيرة (٤) لكنَّه كان متأوِّلاً متديِّناً غيرَ مجترىءٍ، والسيد واهم (٥) في أحد الموضعين، واللهُ أعلم. واعلم أنَّ بعضَ الزَّيديَّة قد حاول الجزمَ بتفسيق المتوقِّفين عن عليٍّ ﵇، واحتجَّ بأمرين:

стр. 1126

أحدُهما: ما رواه السَّيد أبو طالب من طريق الحارث بن حوط، أنَّه سأل عليّاً ﵇ عن ابنِ عُمَرَ، فأنشده: واثُكْلَها قَدْ ثَكِلَتْهُ أَرْوَعَا ... أَبْيَضَ يحمي السّرْبَ أنْ يُرَوَّعا واستنبط مِنَ الحُكمِ بِثُكْلِهِ الحُكْمَ بِهلاكِه، وَمِنَ الحُكْمِ (١) بهلاكه أنَّه هلاكُ الدِّين والآخرة، والجوابُ من وجهين: أَحَدُهُما: النِّزاع في صحَّته، فإنَّ الحارثَ بنَ حوطٍ غَيْرُ مَذكور في كتب الرُّواة، ولا عُرِفَ السندُ إليه أيضاًً. وثانيهما: أنَّه لو صحَّ الإسنادُ في ذلك، لم يَحْسُنْ قبولُه، ولا يحِلُّ، لأنَّ التَّفسيقَ لا يجوز إلاَّ بدليلٍ قاطع، ولا قاطعَ في النقل إلا التواترُ الضروري، وما دونه ظنِّيُّ إلا ما تواتر الإجماعُ القاطعُ على صحَّته مِمَّا دونَ المتواتر، فاختلف فيه: هل يكون قاطعاً؟ والصَّحيح أنَّه لا يكونُ قاطعاً كما قُرِّر (٢) في موضعه مِنْ هذا الكتاب، ومن علوم الحديث الذي جمعته. الوجه الثاني: أنَّه معارَضٌ بالثَّناء مِنَ النَّبِيَّ ﷺ ، ومن عليٍّ ﵇ على ابنِ عمر، ومحمَّدِ بن مسلمة وغيرِهما من المتوقِّفين، لكن عادةُ المخالفين أن لا يقبلوا ما خالفهم. الثالث: أنَّه غيرُ بَيِّن المعنى (٣)، وشرطُ القاطع أن يكونَ غيرَ

стр. 1127

محتمل، وبيان الاحتمال فيه من وجهين. أحدهما -وهو أضعفُهما- أنَّه لا يجب صرفُ الهلاك المستنبط منه إلى الهلاكِ في حُكم الآخره إلاَّ متى تواتر أنَّ (١) هذا السُّؤال لعليٍّ ﵇، والجواب منه كان في حياة ابنِ عمر، أمَّا إذا أمكن ولو تجويزاً بعيداً أنَّه (٢) بعدَ موته جازَ أن يكون (٣) أراد ما أراد به قائله الأول مِنَ الثَّناء على الهالك بالموت، والتَّأسُّف عليه. ولسنا نجهلُ أنَّه قد نقل (٤) تأخر موتِ ابن عمر (٥)، ولكنَّ ذلك غيرُ متواتر ضروري، ولا يَنْفَعُ نقلُ الآحاد في هذا المقام، ولو كان متَّفقاً على صحَّته وشهرته، ومن أجل ذلك النَّقل المشهور قلنا: إنَّ هذا الوجه أضعفُ الوجهين. وثانيهما: أنَّ هذا القول غيرُ نَصٍّ على فسقه بالضَّرورة، فيجوز حينئذٍ أنَّه نَزَّلَ وَقْفَهُ مَنْزِلَةَ مَوْتِهِ في عدم انتفاعه به (٦)، لأنَّه لو مات، لم يزد على أنَّه (٧) يفقد منه نصر الحَقِّ، وخِذلان الباطل، فبيَّن ﵇ أنّه في فقده له في وقفه مستحِقٌّ أنْ يحزنَ عليه صديقُه، ويثكَلهُ إخوانُه كما قيل ذلك في مثله بعدَ الموت الحقيقيِّ، بَل الموتُ المجازيُّ أحقُّ كما قال الله تعالى في العمى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]، فجعل العمى المجازِيَّ أشدَّ، ولذلك نَدِمَ وتاب ﵀.

стр. 1128

وأمَّا احتجاجُهم على فِسْقِ الواقفيَّة بقول النَّبيِّ ﷺ : " واخْذُلْ منْ خَذَلَهُ " (١)، فجوابه من الوجهين (٢) معاً، أمَّا (٣) عَدَم تواتره فظاهر، وأمَّا معناه (٤) فقد وَضُحَ (٥) في قول عليٍّ ﵇ الَّذي رواه الخُصوم أنّ الواقفين لم ينصروا الحقَّ، ولم يخذُلوا الباطلَ، وذلك أنَّه جعل وقفهم عَن الباطل غيرَ خِذلانٍ له، فكذلك وقفُهم عَنِ الحَقِّ، ولأنّ ذلك هو القدر المتحقِّقُ في معنى الخذل، وما دونَه ظنٌّ، ولا يجوز التَّفسيقُ بالظَّنِّ، والله سبحانه أعلم. ثم إن الواقفة مِنَ المتأوِّلين، وقد تقدَّم أنَّ فِسْقَ التَّأويل لا يقدح عند العِترة وغيرِهم في باب الرواية. الوهم التاسع: قال: ومنهم الوليد بنُ عقبة . توهَّم السَّيِّد أنَّه من جملةِ مَنْ لا يجوزُ عليه الكبائرُ مِنَ الصّحابة عند المحدِّثين، وأنَّه عن (٦) الفسوق (٧) عندهم من المعصومين، وأنه (٨) مِنَ المقبولين عند المحدثين، وأنَّه في البراءة عَنِ المعاصي أرفَعُ مرتبة مِنْ سَيِّدِ المرسلين، وهذا وهمٌ ومجازَفَةٌ، وأنا أذكر من كلامهم ما يُمِيطُ هذا الوهمَ إن شاء الله تعالى. فأقول: قال أبو عمر (٩) بن عبد البر في كتاب " الاستيعاب " (١٠) -وقد

стр. 1129

ذكر الوليد-: لَهُ أخبارٌ فيها نَكَارَةٌ وشَنَاعة تقطعُ على سُوءِ حاله وقُبْحِ فعاله، وحكي عن أبي عُبيدة، والأصمعي، وابن الكلبي وغيرهم أنَّهم كانوا يقولون: إنَّه (١) كان فاسِقاً، شِرِّيبَ خَمْر، شاعراً كريماً، وأخبارُه في شربه الخمر، ومنادَمته لأهله مشهورةٌ يَسْمُجُ بنا ذكرُها ها هنا. انتهى. وقال أحمد بن حنبل في الحديث الذي فيه أنَّ رسول الله ﷺ لم يمسح على رأسه في صغَرِه: إنَّ ذلك لِسَابِقِ علمه فيه، وسيأتي ذكر الحديِث. وذكر غَيْرُ واحد من شارحي " كتاب الرافعي الكبير" (٢)، منهم الحافظ ابن حجر أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قتل عُقْبَةَ بنَ أبي معيط صبراً يَوْمَ بدرٍ بَعْدَ أسرِه كما ذكره الرافعي. وقال ابن حجر: رواه البيهقيُّ من طريق محمد بن سهل بن أبي خيثمة عن أبيه، عن جَدِّه، عنه ﷺ ، وفيه أنَّ عقبة قال: مَنْ للصِّبْيَةِ يا محمد؟ قال: " النَّار ". ورواه الدارقطني في " الافراد "، وزاد فقال: " النَّارُ لَهُمْ ولأبِيهِمْ ". وفي " المراسيل " لأبي داود عن سعيد بن جبير مثلُ كلام الرافعي. وخرّجه ابن أبي شيبة، ووصله الطبراني في " الأوسط " بذكر ابن عباس (٣).

стр. 1130

قال الذهبي في " النبلاء " (١) في ترجمة الوليد: كان يشربُ الخمرَ، وحُدَّ على شربها، وروى من شعره في شُرْبِها، قال: وهو الذي صلَّى بأصحابه الفجرَ أربعاً وهو سكرانُ، ثمَّ التفت إليهم، وقال: أزيدُكم (٢)؟ وقال لأميرِ المؤمنين عليٍّ ﵁: أنا أَحَد منك سِناناً، وأَذْرَبُ لِساناً، وأشجع جَنَاناً، فقال (٣): اسكت، فإنَّما أنت فاسقٌ، فنزلت: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨]، قال الذَّهبي: إسناده قوي (٤)، انتهى كلامه. وذكر الواحدي في كتاب " أسباب النزول " (٥) في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]، ولم يذكر غيره، وروى حديثين في أنَّه الوليد، ومثله ذكر في " وسيط " (٦) الواحدي أنَّه الوليد، ولم يذكروا (٧) سواه، وكذا في " عين المعاني "،

стр. 1131

و" تفسير القرطبي "، لم (١) يذكرا سواه مع توسُّعهما في النَّقل، لا سِيمَّا القرطبي، وكذا في " تفسير عبد الصمد الحنفي "، و" تفسير الرازي " لم يذكرا سواه. وقال أبو عمر بن عبد البر في كتاب " الاستيعاب ": ولا خلاف بين أهلِ العلمِ بتأويل القرآن فيما علمت أنَّ هذه الآية نزلت في الوليد (٢) أفاد ذلكَ كُلَّه شيخُنا النَّفيسُ العلوي أعاد اللهُ من علومه. وأفاد السَّيِّد أيَّده الله أنَّ ابنَ الجوزي ذكر مِثْلَ ذلك، قال: وهو مِنَ القوم. أقول: فإذا كان من القوم، فكيف ادَّعيت عليهمُ القولَ بأنَّ الكبائرَ لا تجوزُ على الصحابة؟ فلو كانوا -كما زعمتَ- يعتقدون هذه العقيدة، وكما زعمت في أنَّهم كُفَّارُ تصريحٍ، دأبُهم التَّعمد للأكاذيب في نُصْرَةِ مذاهبهم ما تطابقوا على هذا، فَدَعْ عنك الدَّعاوي الباطلة، والاسترواحَ إلى الأقاويل الواهية. الوهم العاشر: توهَّم السَّيّدُ أنّ الوليد منَ الرُّواة المعتمدين في الصِّحاح في الحديث عند أبي داود ، وليس كما توهَّم أيَّدَهُ اللهُ، وقد ذكر أنّه مذكور في " سنن أبي داود "، ولا أدري: هل قصد السيّدُ أنَّه في " سنن أبي داود " مُعْتَمَدٌ على حديثه، فهذا غلطٌ على الرَّجل إذا (٣) اعتقد أنّ مجرّد الرواية عَنِ الفاسق على سبيل التَّقوِّي مع الاعتماد على غيره مِنَ الثِّقات حرامٌ لا تجوز لأحد، فهذه أقبحُ مِنَ الأولى، وقد ذكرنا فيما تقدَّم

стр. 1132

ثبوتَ الرِّواية عن المجروحين في كتب أهلِ البيت ﵈، ونصَّ الإمام يحيى بن حمزة، وابنُ الصَّلاح وغيرُهما على أنَّ الرِّوايةَ ليست بتعديلٍ. إذا عرفتَ هذا، فاعلم أنَّ أبا داود روى حديثاًً عن جماعة مِن الثِّقات من طُرُقٍ كثيرة، ثمَّ ذكر الوليد بعدَهم على سبيل المتابعة في هذا الحديث الواحد (١) المرويِّ عنِ الثِّقات، وأنا أذكر الحديث الذي رواه أبو داود عن الوليد، وأبيِّن الطُّرُقَ التي اعتمد أبو داود عليها، وأذكر السَّبَبَ في تقوِّي أبي داود برواية الوليد بعد روايةِ الحديث من طرق الثقات. فأقول: بَوَّبَ أبو داود في " سننه " (٢) باباً في كراهة الخَلُوقِ للرجال، وذكر ما ورد في ذلك، واستوفي الطُّرُقَ، ولم يقتصِرْ على الطرق (٣) الصَّحيحة. فروى عن عمار بنِ ياسر أنَّه قال: قَدِمْتُ على أهلي [ليلاً]، وقد تَشَقَّقَتْ يداي، فَخَلَّقوني بزعفران، فَغَدَوْت على النَّبيّ ﷺ ، فسَلَّمتُ عليه، فلم يَرُدَّ عليَّ، ولم يُرَحِّبْ بي، وقال: " اذْهبْ فَاغْسِلْ هذَا عَنْكَ "، فذهبتُ فغسلتُهُ، ثم جئتُ، [وقد بقي علي منه رَدْعٌ، فسلمتُ، فلم يَرُدَّ علي، ولم يُرَحِّبْ بي، وقال: " اذْهَب فاغْسِلْ هذا عنك "، فذهبتُ فغسلتُهُ، ثم جئتُ]، فسلمت عليه، فسلَّم عليَّ، ورحَّبَ بي، وقال: "إنَّ الملائِكةَ لا تحْضُرُ جنازَةَ الكافِرِ (٤) لخَيْرٍ (٥)، ولا المُتَضمِّخِ

стр. 1133

بالزَّعْفَرَانِ، ولا الجُنُب"، ورخَّص للجنب إذا نام أو أكَلَ أو شَرِبَ أن يتوضَّأ (١). وروى عن أبي موسى أنّه قال [قال رسول الله ﷺ ] " لاَ يَقْبَلُ الله [تعالى] صلاةَ رَجُل في جَسَدهِ شَيْءٌ مِنْ خَلُوقٍ " (٢). وروى عن أنس ﵁ أنّه قال: نهى رسول الله ﷺ عَن التَّزَعْفُرِ للرجال (٣)، وهذا حديثٌ صحيح أخرجه مسلم في " صحيحه " والترمذي، والنسائي. وروى عن أنس أيضاًً من طريقٍ أخرى أنَّ رجلاً دخل على النبيِّ ﷺ ، وعليه أثَرُ صُفْرَةٍ، وكان النَّبِي ﷺ قلَّما يُوَاجِهُ (٤) رجلاً في وجهه بشيءٍ يكرهه، فلمّا خرج، قال: " لَوْ أمْرْتُمْ هذا أنْ يَغْسِلَ هذا عنه " (٥) وهذا الحديثُ

стр. 1134

أخرجه الترمذي، والنسائي أيضاًً. وروى عن عمار ﵁ من طريق غير الطريق الأولى أنّ رسول الله ﷺ قال: " ثَلاثَةٌ لا تَقْرَبُهُمُ المَلائِكَةُ: جِيفَةُ الكَافِرِ، والمُتَضَمِّخُ بالخَلُوقِ، والجُنُبُ إلّا أنْ يَتَوضَّأ " رواه عنه من طريق الحسن البصري ﵁ (١). ثمّ بعدَ هذه الطُّرق إلّا طريقَ أنسٍ الثانية، روى عن الوليد أنّه لمّا فتح نَبِيُّ الله ﷺ مكَّةَ، جعل أهل مكة يأتونه بصبيانهم، فيدعو لهم بالبركة، ويمسح رؤوسهم (٢)، قال: فجيء بي (٣) إليه، وأنا مُخَلَّقٌ، فلم يمَسَّني من أجل الخَلُوق، هكذا رواه أبو داود (٤).

стр. 1135

وقد رُوِيَ عن أحمد بنِ حنبل أنَّ رسول الله ﷺ لم يَمَسَّهُ (١)، ولم يَدْعُ له بالبركة، ومُنِعَ بركةَ رسولِ الله ﷺ لسابق علمه فيه. وأقول: إنّ النُّقاد من علماء الأثر قد قدحوا في هذا الحديث مع ما فيه مِنَ القدح الظَّاهر بفسقِ الوليد، وقال: إنَّه لا يَصِحُّ لوجوه: الأول: أنّه قد ثبت أن رسولَ الله ﷺ بعث الوليدَ ساعِيَاً إلى بني المُصْطَلِقِ في القصَّة المشهورة، وليس يَصِحُّ فيمن بُعث رسولاً إلى بني المصطلِقِ أن يكون يَوْمَ الفتحِ صبيّاً صغيراً. الوجه الثاني: أنَّ زوجتَه شكته إلى النَّبِيِّ ﷺ ، ولم يَعِشْ رسولُ الله ﷺ بعد الفتحِ إلاّ يسيراً، فمتى كانت هذه الزوجة. الوجه الثالث: أنَّه فدى من أُسِرَ يوْمَ بدر. الوجه الرابعُ: أنّ الزبير وغيره ذكروا أنَّ الوليدَ وعُمارة ابني عُقبة خرجا لِيَرُدَّا أختهما أمَّ كلثوم عَنِ الهجرة، قالوا: وهجرتها كانت في الهُدنَةِ بين رسول الله ﷺ وَبَيْنَ أهل مكة.

стр. 1136

فإن قلتَ: كيف غَفَل أبو داود عن هذا؟ قلتُ: هذا فيه احتمالان: الأول: أن يكون أُنْسِيَ هذه الأمورَ، وَغَفَلَ عنها على سبيلِ السَّهْوِ دونَ الجهل، وقد يسهو الإنسانُ عمّا يعلم، كما يسهو في صلاته، وغير ذلك، فَطَاحَ تقوِّيه بهذا الحديث، وراجت عليه كما يجري مثلُ ذلِكَ لكثيرٍ مِنْ كبار الحُفَّاظ، والنُّحاة، والمتكلِّمين في كثيرٍ مِنَ المسائل، وكم مِنْ إمامٍ في الفن يَغْلَطُ في مسألة واضحة، وقد (١) تقدمت الإشارة إلى ذلك في المسألة الأولى. الاحتمال الثاني (٢): أن يكون رأي في الحديث أمرين: أحدهما: أن قريشاً كانوا يأتون بصبيانهم إليه ﵇، فيمسح رؤوسهم (٣)، ويدعو لهم، وأنّه أُتِيَ بالوليد، فلم يمسَّهُ، ولم يَدْعُ له (٤) هكذا من غير ذكر مكّةَ، وهذا محتمل لا دلالة على بطلانه. والأمر الثّاني: ما في الحديثِ أنَّ هذه القصة كانت يومَ الفتح، وهذا باطل، لكن ليس يلزمُ من القطع ببطلان هذا أنْ نُبْطلَ الحديثَ كلّه، فَمِن الجائز أن يكونَ الحديثُ مُمْكِنَ الصدق، ولكن الرَّاوي وَهِمَ في ذكر يوم الفتح، وليس الوهمُ في تاريخ القصة يدلُّ على بطلان القصة (٥) قطعاً؛ ألا ترى أنّ كثيراً مِنَ المؤرخين يَغْلَطُ في تاريخ القَصَصِ والوفياتِ، فيقول:

стр. 1137

إنّ قتلَ فلان وحربَه (١) كان يومَ فلان، وينكشِفُ غلطُه في التَّاريخ، ولا يَلْزَمُ مِنْ ذلِكَ أنَّ ذلِكَ الرَّجُلَ ما قُتِلَ أصلاً، ولا كان له حربُ البتة. ويقوِّي هذا الاحتمالَ وجوهٌ: - أحَدُهَا: أنَّ أحمدَ بن حنبل ذكر هذا الحديث مع إجماعهم على أنّه مِنْ أعرف النّاس بعلم الأثر وعِلَلِهِ، وما يتعلَّقُ به، وتكلَّم (٢) في وجه امتتاع النَّبِي ﷺ مِنَ المسح على رأس الوليد. وروى أحمد بن حنبل أنَّ الوليدَ سلخ يومئذ، وأن رسول الله ﷺ تَقَذَّرَه، وأن الوليد مُنِعَ بركتَه ﵇. الوجه الثاني: أنّ هذا الحديث من مَثَالِبِ الوليد، ومناقِصِهِ الدَّالةِ على خِسَّتهِ، فهو يَبْعُدُ أنْ يكون كذبه، لأنّه عليه لا له، بل يَبْعُدُ أن يكون مَا رَوَاهُ إلا وهو معروفٌ عند غيره، ولو استطاع كَتْمَهُ لكتمه، ألا ترى أنَّ أحمد بن حنبل روى أنّه سَلَخَ يومئذ وَتَقَذَّره رسول الله ﷺ ؟ وهذا لم يروه الوليد، فدلَّ على أنَّ الحديث مرويٌّ مِنْ غيرِ طريقه، وأظنُّ الوليد إنَّما ذكر هذا الحديث ليعتذر من (٣) ذلكَ بما زعمه مِنْ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ما ترك المسحَ عليه إلاّ مِنْ أجل الخَلُوقِ الّذي كان فيه، وهذا العذرُ تمويه لا يمضي لأمرين: أحدهما: أنَّ الخلوق لم يكن في جسده كلّه، وهو صغيرٌ لا ذنبَ عليه، فيزجره ﵇ بذلِكَ كما فعل مع عمار. وثانيهما: أنّه امتنعَ مِنَ الدُّعاء له، كما امتنع مِنْ لَمْسِ جَسَدِهِ،

стр. 1138

والدُّعاء للصَّبي المُخَلَّقِ لا كراهة فيه (١)، ولا مانِعَ منه. الوجه الثالث: أنّ راوي الحديثِ عَنِ الوليدِ كان ضعيف الحفظِ، قليلَ الإتقان للحديث، فلعلَّه الذي وَهمَ في ذكر يومِ الفتح، وهذا الراوي هو (٢) عبد الله الهَمْدَاني، وفيه كلامٌ مِنَ وجهين: أَحَدُهُما: أنَّهم تكلّموا فيه، فقال جعفرُ بنُ برقان عن ثابت بنِ الحجاج: لا يَصِحُّ حديثه. وقال الحاكم أبو أحمد الكرابيسي (٣): وليس يُعرف أبو موسى الهمداني ولا عبدُ الله الهمداني، وقد خُولفَ في هذا الإِسنادِ، وهذا حديث مضطرب الإسناد. وقال الحافظ عبدُ العظيم (٤) ما لفظه: قالوا (٥): وأبو موسى هذا مجهول.

стр. 1139

وثانيهما: أنّ هذا الحديث مرويٌّ عن عبد الله الهَمْدَاني، وعن أبي موسى الهَمْدَاني، وقد اختلفوا، فقيل: هو رجل واحد اسمُهُ عبدُ الله، وكنيتُهُ أبو موسى، قال ذلك أبو القاسم الدِّمشقي الحافظ (١). وقال ابنُ أبي خيثمة: أبو موسى الهَمْدَاني اسمُهُ عبد الله، وقيل: هما اثنان، قاله البخاري. قال البخاري: وعبد الله الهمداني روى الحديثَ عن أبي موسى الهمداني (٢) وهذا هو (٣) الظَّاهرُ، لتقدُّم البخاري في الحفظ، ولأنّه مثبت، ولأنّ احتجاج ابن (٤) أبي خيثمة بأنّ اسم أبي موسى عبدُ الله لا يمنعُ من ذلك، ولعلّ ذلك هو الّذي غرّ أبا القاسم الدِّمشقي، ورواية عبد الله عن أبي موسى ترفعُ الإِشكال، والله أعلم. فإن قلت: فَلِمَ تَقوَّى أبو داود بهذا الحديث مع ما فيه من المطاعن؟ قلت: لأنّه أورد الحديث بإسنادٍ صحيح، وذكر معه ما جاء في الباب مِنْ كُلِّ ضرب مِنْ غَثٍّ وسمين كما هو عادةُ الحُفَّاظ، وأهلِ المسانيد، وقد ثبت أنَّ روايةَ الكافرِ المصرح قد تُفيد الظَّنَّ، فهي تقوى لا محالة، فكأنَّه أراد استقصاء ما يحفظ في الباب من الطرق (٥) لذلك، ألا ترى أنّه

стр. 1140

أورد أحاديثَ البابِ مِنْ عدَّة طرق في (١) كُلٍّ منها كلام، لكنها إذا اجتمعت أخذت حَظّاً منَ القُوَّة. الطريق الأولىَ: فيها عطاء الخراساني، وقد أخرج له مسلمٌ متابعة، ووثَّقه يحيى (٢) بن معين، وقال أبو حاتِم الرازيُّ: لا بأس به صدوق يُحتج به، ووثقه أحمد والعِجلي، ويعقوبُ بن أبي شيبة وغيرهم، وقال الذهبي: كان مِنْ خيار العلماء، وذكر في " الميزان " (٣) أنّه كان يَهِمُ، فروى عن ابن المسيِّبِ حديث الّذي وقع بأهله في رمضان على ما رواه ابنُ المسَيِّبِ، فسُئِلَ ابنُ المسيب عمّا روى، فكذَّبه فيه، فذكره لهذا (٤) العقيلي في " الضعفاء " (٥)، وكذا ضعَّفه لأجلِ الوَهْمِ البخاريُّ، وكان من عبادِ الله الصالحين، والصَّحيح أنّه ثِقَةٌ، وفي حفظَه لين محتمل، ولكن جرحه غيرُهم، فكذَّبه سعيدُ بن المسيّب على جلالته، وقال (٦): [ابن حبان] (٧): كان رديءَ الحفظ ولا يَعْلَمُ، فبطل الاحتجاج به، قال الذَّهبي: هذا القول من ابن حبان، فيه (٨) نظر.

стр. 1141

الطريق الثانية: عن يحيى بن يعمر (١) عن رجلٍ، عن عمّار، وفي هذه الطَّريق هذا الرَّجل المجهول. الطريق الثالثة: عَنِ الحسن البصري عن عمار، وهي مُعلَّةٌ بالانقطاع بين الحسن وبين عمار، لأنَّ الحسن لم يَسْمَعْ مِن عمار. الطريق الرابعة: طريق أبي موسى، وفيها أبو جعفر الرَّازي عيسى ابنُ عبد الله بنِ ماهان، وقد اختلف فيه قولُ علي بن المديني، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، فقال ابن (٢) المديني مرة: ثقة، وقال مرة: كان يخلط، وقال أحمدُ بنُ حنبل مرةً: ليس بالقوي، وقال مرّة: صالحُ الحديث (٣)، وقال يحيى بن معين مرة: ثقة، وقال مرة: يُكتب حديثُه، إلاّ أنّه يخطىء، وقال أبو زُرعة الرازي، يَهِمُ كثيراً، وقال الفَلاَّس: سيئ الحفظ، وحَكَى (٤) الذهبي الاختلاف فيه، وقال: هو صالح الحديث (٥).

стр. 1142

فإن قلت: كيف يَصِحُّ اختلاف كلام (١) هؤلاء في الجرج والتّعديل؟ قلت: لأنَّه عندهم لا يتعمَّد الكذب، ولكنه يخطىء (٢)، والمخطىء إنَّما يُجرح بالتَّحري والاجتهاد (٣)، والاجتهادُ في ذلِكَ يقف على النظر في كثرة خطئه: هل بلغ إلى حدٍّ يُوجب طَرْحَ حديثِهِ الّذي لم ينكشِفْ أنَّه خطأٌ أو لا؟ وما (٤) الحدُّ الذي إذا بلغه بَطَلَ حديثُهُ؟ فقال علماء الأصول: إذا كان خطؤُه أكثر مِنْ صوابه، أو مُساوياً له، وقال المنصور بالله، وعبد الله بن زيد: إذا كان أكثر فقط، وإذا كان مساوياً، لم يجب طرْحُ حديثِهِ، وهذا دقيقٌ ضامضٌ يحتمل التَّردُّدَ، وتصحيح العبارة. فاختلاف (٥) أئمَّة الجرحِ مثلُ اجتهاد الفقهاء في دقيق الفقه، فيكون لابن معين قولانِ في الجرح مثل ما يكون للمؤيَّد قولانِ في الفقه. الطريق الخامسة: عن أنسٍ، وفيها سلم (٦) العلوي، وفيه كلام كثير. قال أبو داود: وليس هو علوياً (٧)، كان ينظر في النُّجوم، وَشَهِدَ عند عديِّ بن أرطاة (٨) على رؤية الهلال، فلم يُجز شهادته، وقال يحيى بن معين: ثقة، وقال مرة: ضعيف.

стр. 1143

وقال ابن عدي (١): لم يكن من أولاد عليِّ بن أبي طالب ﵁، إلاّ أنَّ فريقاً بالبصرة (٢) كانوا يُسَمَّوْنَ بني علي، فَنُسِبَ هذا إليه. وقال ابن حبان (٣): كان شُعبة يحمل عليه، فيقول: كان سلْمٌ (٤) العلويُّ يرى الهلال قَبْل الناس بيومين، منكر الحديث على قِلته، لا يُحْتَجُّ به إذا وافَقَ الثقات، فكيف إذا انفرد؟! قلتُ: قولُ ابن حبان: كان شعبةُ يَحْمِلُ عليه يَدُلُّ على أنَّهُ فوق هذه المنزلة الّتي قالها شعبة، وَيَدُلُّ على ذلِكَ تردُّدُ يحيى بن معين في توثيقه، وكأنّه كان صدوقاً في نفسه، لكنّه كان ينظر في النجوم، وكان (٥) كثير الخطأ، فَقُدِحَ فيه بهما، واختلفتِ العبارات في القدح فيه، واللهُ أعلم. الطريق السادسة: طريق الوليد المقدمة، وقد تقدَّم الكلام على ما فيها من الاختلال (٦) والاعتدال في أصلها وفرعها. فذكرُ أبي داود لجميع هذه الطرق المعلولةِ يدل على أنَّه استقصى ما يحْفَظُ في الباب، واعتمد على الطَّريق الصَّحيحة السَّالمة مِنْ هذه المطاعن، وهي الطَّريقُ السابعة الّتي روى فيها حديث أنسٍ الثّابتِ الصَّحيحِ في " مسلمٍ " وغيره. إذا عَرَفْت هذا، فهذا هو الحديثُ الَّذِي رواه أبو داود عن الوليد لم

стр. 1144

يروِ عنه سواه، فقد (١) ثبت أنّه روى معناه مِن سِتِّ طُرُقٍ غيرِ طريق الوليد، وقد ذكرتُ فيما تقدّمَ أن الحُفَّاظَ يروون عن بعض الضُّعفاء والمجاريح على جهة المتابعة، فرُبَّما يرى من لا يعرف مَذْهَبَهُمْ وطريقَتَهم ذكر أولئك المجاريح في كتبهم فيظنُّ (٢) أنَّ القوم يرون عدالةَ الفُسَّاقِ المصرحين، وأمانَةَ العُصَاة الّذين يعلمون (٣) أنَّهم غيرُ مُتَأوِّلين، وليس الأمر كذلك. وما على الحُفَّاط إذا جَهِلَ بعضُ النّاس ما عرفوا، فالمرء عدوُّ (٤) ما جهله، والّذي يقتضي الأدبَ والتَّمييز أنْ يتواضَعَ الإِنسانُ لِمَنْ هو أعرفُ منه بالفَنِّ، ولا يتجاسرَ على القدحِ عليه، فإنْ لاح له وجهٌ في القدح، وتبيَّن أنه لازمٌ، تكلّم بما يعلم، ولا حَرَجَ والله أعلم. الوهم الحادي عشر: ذكر السيِّد أنَّ الوليد مذكورٌ في غير " سُننِ أبي داود " من كتب الحديث، وهذا الوهم أفحشُ مِنَ الذي قبلَه ، فإنْ كانَ السيِّدُ يُرِيدُ أنّهُ مذكور في سائر الصحاح بالرِّواية عنه، وتصحيح (٥) الحديث مِنْ طريقه، فقد قال بِمَا لا يعلم، ولو توقَّر حتّى يدري، وقدَّر قبل أن يَفْرِيَ، لَعَلِمَ (٦) أنّ القومَ ما رَوَوْا عنه حديثاًً واحداً لا أصلاً ولا شاهداً، فإن كان يُريد أنّهُ مذكورٌ فيها غير مروي عنه، فَنَعَمٌ، هو مذكورٌ فيها بأنَّه شَرِبَ الخمر، وحُدَّ في شُربها، وليس مذكوراً (٧) فيها بالعدالة، والاستناد إليه

стр. 1145

في الرواية، وأيُّ ذنبٍ له في مجرَّد ذكره، وما وجهُ الاعتراضِ بسطره (١)، وقد ذكر اللهُ في كتابه الكريم أبا لهبٍ وأمرأتَهُ حَمَّالة الحطب. وقد قال إمامُ أهلِ (٢) الحديث ابنُ عبد البر في ترجمة الوليد في كتاب " الاستيعاب " (٣) بعد جرحه له: إنَّه لم يَرْوِ سُنَّةً يُحتاجُ فيها إليه بهذا اللفظ، وهو نَصٌّ في موضعِ النِّزاع، وللهِ الحمدُ والمِنَّةُ. الوهم الثّاني عشر: أنَّ عبدَ الله بنَ عمرٍو كان مع معاوية حتى قُتِلَ عمار، فَلَزِمَ نفسَه من غير توبة. أقول: أمّا أنْ يُريدَ السيدُ من غير توبةٍ في معلوم اللهِ، ويقطع أنّهُ ما تابَ لا باطناً ولا ظاهراً، فهذا يحتاجُ إلى وحيٍ وتنزيل، أو يُريد من غير أن يتلفَّظ بالتَّوبة ويقول: اللَّهُمَّ إنِّي إليك منَ التَّائبين النَّادمين في الماضي، العازمين على التَّرك في المستقبل، ونحو ذلك مِنَ العبارات، فلا يخلو: إمَّا أن يعتقِدَ أن التَّلَفُّظَ بذلِك مِنْ أركان التَّوبة، فهذا غفلة (٤) عظيمة، أو يعتقد أنَّ ذلك واجبٌ على كُلِّ عاصٍ، فهذا أعظم، فما زال النّاسُ يَرْجِعُونَ مِنَ الكُفر إلى الإسلام في زمانِ رسول الله ﷺ ، فلا يأمُرُهُمْ بالتَّلفُّطِ بالتَّوبة، وإنَّما الواجبٌ على العاصي أن يُظْهِرَ قرينةً ظَنِّيِّة تَدُلُّ على ندمِهِ على ما كان منه، وعزمِهِ على مجانبته، وقد تكون تلك (٥) القرينةُ مِنْ قوله، وتكون مِنْ فعله، فأمّا التَّوبة نفسُها، فمحلُّها القلبُ، وهي مجموع

стр. 1146

النَّدم والعزم، وليس يصحُّ ظهُورها في نفسها، إنَّما يجب إظهارُ قرينة ظَنِّيّة تَدُلُّ عليها، وإنَّما قلنا: إنّها تكون ظَنِّيَّةً؛ لأنَّه لا سبيل إلى العلم بتوبته، وإن صرح بذلك، لأنّ التَّوبة مِنْ أفعالِ القُلُوبِ، ومِنَ الجائِزِ أنْ يُظْهِرَ التَّوبة، ويصرِّحَ بها، وليس كذلِكَ عندَ نفسه، وفي باطن أمره، وإذا (١) كان القولُ الصَّريحُ لا يُفيدُ إلا الظَّنَّ، فالفعلُ مع القرائن يُفِيدُ ظنَّ التَّوبة أيضاًً. مثالُ ذلك رجوع الزبير عن حربِ علي ﵇ حين سَمِعَ الحديثَ " لَتُقَاتِلَنَّهُ وأنْتَ لَهُ ظَالِمٌ " (٢) فإنَّهُ (٣) لمّا سمعه (٤)، ترك الحربَ، ولم يتلفَّظ بالتَّوبةِ (٥) والاعتذارِ، فحَكَمَ الأئمَّةُ والعلماءُ بتوبته مِنْ غير أنْ يُنْقَلَ عنه تلفُّظ بالتَّوبة (٦) والاستغفار.

стр. 1147

وكَذلِكَ عبدُ الله بنُ عمرو تَرَكَ ما كان عليه حين قُتِلَ عمّارُ بن ياسر ﵁ (١)، فظهر أنَّه كان متأوِّلاً شاكّاً، فلمَّا استيقن أنّهم بُغَاةٌ عُصاةٌ، رجع مختاراً إلى الله تعالى مِنْ غير اضطرارٍ، ولا إكراهٍ. وكذلك عائشة وطلحة قد تمسَّكُوا في توبتهم بما ليس بصريح (٢) في التوبة، أمّا طلحةُ فيقول (٣): ما رأيت مصرعَ شيخٍ قرشِيٍّ أضلَّ مِنْ مصرعي هذا، وأمّا عائشة، فإنَّها كانت (٤) إذا ذكرت ذلك بكت حتى تَبُلَّ خِمَارَهَا (٥)، ونحو ذلِكَ، وهذا كُلُّه محتمل، فليس اعترافُ طلحةُ بقُبح فعله يَدُلُّ على صريح التَّوبة، ولا بكاءُ عائِشَةَ بنفسه يدلُّ على أنَّه كان لأجل قبحِ (٦) المعصية. وكذلك أسامَةُ بنُ زيدٍ، فإنّهُ لمَّا قَتَلَ الرجل المسلم، وجاء إلى النَّبِيِّ ﷺ وأخبره بذلِك، وَعَظَّمَ (٧) ذلِكَ عليه رَسُولُ الله ﷺ ، فلم يَزِدْ أسامةُ على أنْ حلف لا قَتَلَ بَعْدَ ذلِكَ مَنْ قال: لا إلهَ إلا اللهُ (٨). وهذا

стр. 1148

إخبارٌ بالعزم، ولم يُخْبِرْ بالنَّدم، ولا بأنَّه فعل ذلِكَ لأجل قبْحِ المعصية، فَمِنَ الجائز أنَّه فعل ذلِكَ لئَلاَّ يغْضَبَ عليه رسُولُ الله ﷺ ، فهذا وأمثالُه مِنَ التَّجويزات الباردة الّتي لا تقبلُها قُلُوبُ الفُضَلاء، ولا تتمكَّنُ في نفوسِ أهلِ التَّقوى ممّا لا يقدح في توبَةِ التّائبين، فإنّا لو فتحنا هذا البابَ، لم نَحْكُمْ بتوبَةِ أكثَرِ الصَّحابَةِ مِنْ محضِ الكُفر. وعبد الله بن عمرو كانَ من عُبَّادِ الصَّحابة، وقد كان يقوم اللَّيْل كُلَّه، ويصومُ الدَّهر، ويَخْتِمُ في كُلِّ يومٍ ختمةً حتَّى نهاهُ رسول الله ﷺ عن ذلك، وأمره بالرِّفْقِ بنفسه، وقال (١). " صُمْ منْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثاً " (٢)، فقال: أنا أقوى مِنْ ذلِك، فما زال يُنَازِلُهُ حتى قال له: "صُمْ يَوْماً وَأفْطِرْ

стр. 1149

يَوْماً"، فقال (١): أنا أقوى مِنْ ذلِك، فلم يأذن له ﵊ في أكثرَ مِنْ ذلِك، وقال: " لا أفْضَلَ مِنْ ذلِكَ " (٢). وأمره ﵇ أن يختم في الشَّهر خَتمة، فقال: أنا أقوى مِنْ ذلك، فما زال ينَازِلُهُ حتَّى أمره أن يختم في كُلِّ ثلاثة أيّام ختمة، فقال: أنا أقوى منْ ذلك، فلم يأذن له ﵇ أن يختم في أقل مِنْ ذلِكَ (٣)، وقد مدحه رسول الله ﷺ وقال: " نِعْمَ الرَّجُل عَبْد اللهِ " (٤)، ولم يكن عبدُ اللهِ مِنْ طرازِ معاوية وأتباعِهِ من الدُّنْيَوِيين، وإنَّما كانت مِنْهُ تلك الهفْوَة بسبب البِر بأبيه، فإنّ أباه ذَكَّره أنّ رسول الله ﷺ أمره أن يُطِيعَهُ (٥)، فذكر ذلك، فقال له أبُوه: فأطعني، فأطاعه في مُجَرَّدِ المسايرة لهم من غير أن يُريق دماً، ولا يَسُلَّ سيفاً، ثُمَّ عصمه اللهُ تعالى مِنْ ذلِك، وتداركه بالتَّوبة، فمَنْ

стр. 1150

هذِهِ حالُهُ إذا قارف ذنباً على جهة التّأويل، ثم عَلِمَ قُبْحَهُ، فأسرع إلى مفارقة ذنبه، فاستمرَّ على نحيبه حتَّى ماتَ، كيف (١) يقال إنَّه مُصِرٌّ على محضِ الفُسوقِ (٢)، خارجٌ من ولاية الله تعالى، ولو قدَّرنا أنّها لم تصحّ توبتُه، بل إنَّه استمرَّ على المعصية، لكان مقبولاً في الرِّواية، فإنّه من المتديِّنين المتأوِّلين، وهو نظيرُ السَّجَّاد ابن طلحة بنِ عُبَيْدِ الله الذي قال فيه عليٌّ ﵇: قتله بِرُّهُ بأبيه (٣). الوهم الثالث عشر: قال: ومنهم أبو موسى الأشعري نَزَعَ علياً الّذي ولّاه الله ورسوله ، إنَّه على الله لجريءٌ، وأقام معاوية بن أبي سفيان القدري. أقول: أمّا نزعُهُ لعليٍّ ﵇ فصحيحٌ عنه، وقبيحٌ منه. وأمَّا قوله: إنَّه أقام معاوية، فوهمٌ فاحشٌ، لا يجهلُه مَنْ لَهُ أدنى

стр. 1151

تمييزٍ بعلمِ التَّاريخ، فإنَّه خَلَعَ معاويةَ أيضاًً، وكان غرضُه أن يُقيم عَبْدَ الله بنَ عمر بن الخطاب، وقد كان تواطأ على هذا هو وعمرو بن العاص، فغدره عمرو، فلم يَخْلَعْ معاوية وعلياً كما خلعهما أبو موسى، بل قرَّر معاوية، فسبَّه أبو موسى، فقال له: إنَّما مَثلُكَ كمثل (١) الكلب. وقد اشتهر في التَّاريخ أنَّ علياً ﵇ لمَّا حكم أبا موسى كتب إليه معاوية: أما بعد، فإنَّ عمرو بن العاص قد بايعني على ما أُرِيدُ، وأُقْسِمُ بالله لئن بايعتني على ما أُريد (٢) لأستعملنَّ أحدَ ابْنَيْكَ على البصرة، والآخرَ على الكوفة، ولا يُغْلقُ دونَك بابٌ، ولا تُقضى دونك حاجة، وقد كتبتُ إليك بخطِّي، فاكتب إليَّ بخط يدك (٣)، فكتب إليه: أمَّا بعدُ، فإنَّك كتبت إليَّ في جسيمِ أمرِ الأمَّة، فماذا أقول لربِّي إذا قَدِمْتُ عليه؟ وليس لي فيما عرضتَ عليَّ حاجة (٤). إذا عرفت هذا، فأبو موسى من جملة المتأوِّلين بغير شَكٍّ، وذنبه في هذا دون ذنوب (٥) الخوارج لا يمنع مِنْ قبول الرِّواية، فقد كان متعبِّداً متزهِّداً قواماً صوَّاماً، وقد تولَّى البصرة، فلم يخرج منها إلا بستِّ مئة درهم، وكان خراجُها عشرةَ آلافِ ألفٍ وأربعَ مئةِ ألفٍ، وحديثُه في " علوم آل محمد "، مِنْ ذلك في باب الكفّارات في أواخره.

стр. 1152

وقد روي عن حذيفة أنَّه تكلَّم في نفاقه. رواه الشِّعبي، وقال: حدثناهم بغضب أصحاب محمد فاتخذوه ديناً (١). وعندي أنَّ هذا لا يقدح في روايته، فحذيفةُ -وإن كان صاحبَ العِلْمِ بالمنافقين- إلا أنَّه -من غير شكٍّ- ما أخذ العلم بالمنافقين إلاَّ مِنْ رسول الله ﷺ ، ورسولُ الله ﷺ قد (٢) قال في أبي موسى: " إنَّهُ مسلمٌ منيبٌ " رواه مالك بن مغول وغيرُه عن ابنِ (٣) بريدة، عن أبيه بريدة (٤) عنه ﷺ (٥).

стр. 1153

ومن أوضح (١) الأدلَّةِ على هذا (٢): أنَّه كان يُفتي، و (٣) يقضي في مسجد رسول الله ﷺ وبلدتِه في حياته، وبَعْدَ وفاته، وقد ولاَّه رسولُ الله ﷺ اليَمَنَ، وولَّاه على (٤) القضاءِ في اليمن، ولو كان منافقاً لم يُوَلِّه ذلك، ولا يتركُه يُفتي، فقد كانت حال (٥) المنافقين معروفةً في زمانه ﵇، وكانوا أحقرَ منْ أنَّ يُؤتَمَنُوا على قضاء المسلمين، وفتياهم، وولايتهم (٦). ولو كان منافقاً، لاغتنم الفُرصة حين حكَّمه عليٌّ ﵇، ولبايع معاويةَ على ما شاء، وقبِلَ (٧) منه ذلك العطاء، ولو كان كذلك، لما اختار عبدَ الله بن عمر للخلافة، فعبدُ الله بن عمر كان من أهل التَّحرِّي، والمنافقُ لا يحبُّ إلاَّ أهل الفُسوق والجُرأة. وقد روى ابن بطَّال في " شرح البخاري " في الكلام على الخوارج: أنَّ عليَّاً ﵇ سُئل عنهم: أكفَّارٌ هم؟ فقال: مِنَ الكُفر فرُّوا، قيل له: فمُنافِقُون؟ قال: المنافقون لا يذكرون اللهَ إلاَّ قليلاً، وهم يذكرون

стр. 1154

الله ذِكراً كثيراً (١). وقد ذكر الفقيه حميد (٢) في " عمدة المسترشدين ": أن هذا أشهرُ

стр. 1155

الرِّوايتين عنه ﵇ في عدم تكفير الخوارج. وذكر ابنُ بطال: أنَّه مرويٌّ عنه مِنْ طُرُقٍ. وذكر البيهقي (١): أنَّه ردَّ عليهم أموالهم مِنْ طرق، ولم يذكرا (٢) قط (٣) الرواية الأخرى. وهذا غايةُ الورع والإنصاف مِنْ أميرِ المؤمنين ﵇، وكذلك فلتكُن المَنَاقِبُ، فإذا تقرَّر نفيُ أميرِ المؤمنين النِّفاق عنهم، فأبو موسى أحقُّ بذلك منهم، فإنَّه لم يُشاركهم في عظائمهم الفاحشة مِنْ حربِ أميرِ المؤمنين، وتكفيرهِ (٤)، والإعلانِ بالبراءة منه، والإصرارِ على ذلك، والدُّعاء إليه، وكان مِنَ حُفَّاظ كتاب الله، والذَّاكرين الله كثيراً مع قُبْحِ ما صنع، وكراهتِنا لِمَا صنع، ووُجوب البراءة ممَّا صنع، ولكن ليسَ منْ أساء وأحسن كَمَنْ أساء ولم يُحْسِنْ، وقد مَيَّزَ الله تعالى في كتابه الخالطين (٥) بِحُكْمٍ مفردٍ، واختلف أهلُ تفسير القرآن فيهم، بل قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَات﴾ [هود: ١١٤]، وليس كلامُنا في تحسينِ ذنبه، وإنَّما كلامُنا في أنَّه مِمَّنْ تُقْبَلُ رِوايتُه مع ذَنْبِهِ لظهور تأويله، وكَثرة حسناتِه مع ذلك الذَّنب، كما ذكره الأئِمَّةُ مِنْ أهلِ البيت، وسائِرِ علماء

стр. 1156

الإِسلام في الخوارج، وكثير (١) من أهل البدع؛ لأنَّ مبنى الرِّواية على ظنِّ الصِّدق، وعدم التُّهمة بتعمُّدِ الكَذِبِ ونحو ذلك. وممَّا يُعْرَفُ به صدقُه وُيمْتَحَنُ به حالُه: تتَبُّع أحاديثه كلِّها، والنَّظرُ فيما فيها كما مرَّ في أحاديثِ معاوية، وهل هي منكراتٌ مشتمِلة على ما لم يَرْوِه غيرُه مِنَ الثِّقات أم لا؟، كما هو عادةُ المحدثين، فاعتبرْ ذلك إنْ شئت، والله الموفق. ولكن لا يَصْلُحُ لذلك إلا أئِمَّةُ الحديث الَّذين يعرفون ما انفرد به ممَّا رواه غيرُه، فإنْ كنتَ منهم، فانتقد واجتهد، وإن لَمْ تكُنْ منهم، فتعلَّم وتفهَّم تَسْتَفِدْ، وهذا مِنْ علوم الحديث هو النَّوعُ المسمى بالتَّتبُّع والاعتبار، ومِنْ مواضع الغلطِ فيه أن يقدح على الرَّجل بما رُوي عنه ممَّا لم تتحقَّقْ صحَّتُه عنه (٢). فاعْرِفْ ذلك. ولمَّا قَرُبَ موتُه، اجتهد في العبادة اجتهاداً شديداً، فقيل له: لو أمسكتَ ورفقت بنفسك؟ فقال: إنَّ الخيل إذا أُرْسِلَتْ، فَقَارَبَتْ رأسَ مجراها، أخرجت جَميعَ ما عندها، والَّذي بَقِيَ مِنْ أجلي أقلُّ مِنْ ذلك (٣). وبالجملة، فلم نعلم (٤) أحداً من المنافقين استمرَّ على الإِسلام مِنْ

стр. 1157

أوَّلِ النُّبُوَّة إلى عام أوطاس (١)، فالمنافقُ يَنجُمُ نفاقُه أيَّامَ ضعفِ الإِسلام، وإنَّما كان كما رُوِيَ عن عليٍّ ﵇: صُبغَ في العِلْمِ صبغة، ثمَّ خرج منه، رواه عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن عليٍّ ﵇ (٢)، فخُروجه مِنَ العلم بِمَا فعل مِنْ خلعه لأميرِ المؤمنين، فإنه لا يخلع أمير المؤمنين عالِمٌ. نسألُ اللهَ السلامة والعافية، وربَّما أرادَ حذيفةُ نفاقاً دونَ نفاقٍ، فقد ثبت في " صحيح البخاري " من حديث ابن عمر أنَّ ناساً قالُوا: إنَّا ندخُلُ على سلطاننا (٣)، فنقول لهم بخلاف ما نتكلَّمُ به إذا خرجنا مِن عندهم، قال ابنُ عمر: كنَّا نَعُدُّ هذا نفاقاً على عهد رسولِ الله ﷺ (٤). ويَعْضُدُه (٥) ما رواه البخاري أيضاً من حديث أنسٍ: إنَّكم لتعملون

стр. 1158

أعمالاً هي أَدَقُّ في أعينكم مِنَ الشَّعر كُنَّا نَعُدُّها على عهد رسول الله ﷺ مِنَ المُوبِقاتِ (١). وروى أحمدُ في " المسند " (٢) مثلَه عن أبي سعيد الخدري. وروى الحاكم في آخر التوبة مثله عن عبادة (٣)، وفي الفتن نحو ذلك عن ابن مسعود (٤) فهذا ونحوُه يدخله احتمالُ التَّأويل بالتقية ونحو ذلك، وتقع فيه الهفوة مع النَّدم والاستغفار مِنَ الأكثرين، والله سبحانه أعلم. وأمَّا رواية أبي موسى، فمن جملة رواية (٥) غيره من أهل التَّأويل، وقد رُوِيَ أنَّه تاب بعد ذلك، ورضي عنه ﵇، ونرجو صحَّة ذلك ببركةِ صُحْبَةِ رسول الله ﷺ . الوهم الرابع عشر: أنَّه قدح على أهل الحديث بقول رسول الله

стр. 1159

- ﷺ : " يُؤْتَى بِقَوْمٍ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيُذْهَبُ بِهِمْ ذاتَ الشِّمَالِ، فَأَقُول: أَصْحَابِي أَصْحَابي " (١)، وبقوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُم﴾ [التوبة: ١٠١]، دلَّتِ الآيةُ على أنَّ فيمن (٢) يَعُدُّونَه صحابِيَّاً عدلاًً مَنْ هُوَ كافر مجروح. انتهى كلامه. أقول: مرادُ السَّيِّد بهذا لا يخلو مِنْ قسمين. القسم الأول: أنْ يريدَ أنَّ الحديثَ والآيةَ دلاَّ على أنَّ في منْ ظاهِرُهُ العدالة مِنَ الصَّحابة مَنْ هُوَ منافِقٌ مجروحٌ، ولا طريقَ إلى العلم بهِ، فيجبُ تركُ حديث الصَّحابةِ كلِّهم، لَأنَّ فيهم مجروحاً غيرَ معلومٍ، وهذا غيرُ مقصودٍ للسَّيِّد، فإنَّ هذه منْ شُبَهِ الزَّنادقة صان اللهُ السيدَ عن ذكرهم. القسم الثَّاني: أنْ نقول للسيدِ بما (٣) أجمع عليه أهلُ الإسلام مِنَ الرُّجوع إِلى من ظهر صِدْقُه، وإسلامه، وعدالته، وسواء كان في الباطن مسلماً أو كافراً، فإنَّ التكفير (٤) بالباطن غيرُ حَسَنٍ، ولا واقع، ولا يجب إلا جرحُ مَنْ ظَهَر جَرْحُه، وتبيَّن عِصيانه، على أنَّ مَنْ أضمر شيئاً، ظهرت عليه لوائحه (٥)، وفاحت منه روائحه كما يأتي مبسوطاً بسطاً شافياً في الوهم الثالث والثلاثين في أوَّل المجلّد الرَّابع في الكلام على يزيدِ بن معاوية، وذكر علامات المنافقين، وظهورِ نفاقهم للمؤمنين، وأن مثلَ ذلِكَ لم يخْفَ على الصحابة والتابعين، وقد قال اللهُ تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ

стр. 1160

الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠]، وأخبرَ رسول اللهِ ﷺ بعلاماتِهم مِنَ الغَدْرِ، والكَذِبِ، والحَلِفِ، وبُِغضِ عليٍّ ﵇، وبُغضِ الأنصار، وأنَّهم خُشُبٌ باللَّيل، صُخُبٌ بالنَّهار، لا يَقْرَبُونَ المَسَاجِدَ إلا هَجْراً، ولا يأتون الصَّلاة إلا دَبْراً، مستكبرين، لا يَألفون ولا يُؤلفون (١)، وقد عَرَفت هذا العربُ قبل مجيء العلوم والشَّرائعِ، وقال (٢) في ذلك قائلُهم (٣):
следующие страницы →