← Акыда

Акыда · id 29677

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

ابن الوزير

Полный текст (3 702 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

الإِسلام في الخوارج، وكثير (١) من أهل البدع؛ لأنَّ مبنى الرِّواية على ظنِّ الصِّدق، وعدم التُّهمة بتعمُّدِ الكَذِبِ ونحو ذلك. وممَّا يُعْرَفُ به صدقُه وُيمْتَحَنُ به حالُه: تتَبُّع أحاديثه كلِّها، والنَّظرُ فيما فيها كما مرَّ في أحاديثِ معاوية، وهل هي منكراتٌ مشتمِلة على ما لم يَرْوِه غيرُه مِنَ الثِّقات أم لا؟، كما هو عادةُ المحدثين، فاعتبرْ ذلك إنْ شئت، والله الموفق. ولكن لا يَصْلُحُ لذلك إلا أئِمَّةُ الحديث الَّذين يعرفون ما انفرد به ممَّا رواه غيرُه، فإنْ كنتَ منهم، فانتقد واجتهد، وإن لَمْ تكُنْ منهم، فتعلَّم وتفهَّم تَسْتَفِدْ، وهذا مِنْ علوم الحديث هو النَّوعُ المسمى بالتَّتبُّع والاعتبار، ومِنْ مواضع الغلطِ فيه أن يقدح على الرَّجل بما رُوي عنه ممَّا لم تتحقَّقْ صحَّتُه عنه (٢). فاعْرِفْ ذلك. ولمَّا قَرُبَ موتُه، اجتهد في العبادة اجتهاداً شديداً، فقيل له: لو أمسكتَ ورفقت بنفسك؟ فقال: إنَّ الخيل إذا أُرْسِلَتْ، فَقَارَبَتْ رأسَ مجراها، أخرجت جَميعَ ما عندها، والَّذي بَقِيَ مِنْ أجلي أقلُّ مِنْ ذلك (٣). وبالجملة، فلم نعلم (٤) أحداً من المنافقين استمرَّ على الإِسلام مِنْ

стр. 1157

أوَّلِ النُّبُوَّة إلى عام أوطاس (١)، فالمنافقُ يَنجُمُ نفاقُه أيَّامَ ضعفِ الإِسلام، وإنَّما كان كما رُوِيَ عن عليٍّ ﵇: صُبغَ في العِلْمِ صبغة، ثمَّ خرج منه، رواه عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن عليٍّ ﵇ (٢)، فخُروجه مِنَ العلم بِمَا فعل مِنْ خلعه لأميرِ المؤمنين، فإنه لا يخلع أمير المؤمنين عالِمٌ. نسألُ اللهَ السلامة والعافية، وربَّما أرادَ حذيفةُ نفاقاً دونَ نفاقٍ، فقد ثبت في " صحيح البخاري " من حديث ابن عمر أنَّ ناساً قالُوا: إنَّا ندخُلُ على سلطاننا (٣)، فنقول لهم بخلاف ما نتكلَّمُ به إذا خرجنا مِن عندهم، قال ابنُ عمر: كنَّا نَعُدُّ هذا نفاقاً على عهد رسولِ الله ﷺ (٤). ويَعْضُدُه (٥) ما رواه البخاري أيضاً من حديث أنسٍ: إنَّكم لتعملون

стр. 1158

أعمالاً هي أَدَقُّ في أعينكم مِنَ الشَّعر كُنَّا نَعُدُّها على عهد رسول الله ﷺ مِنَ المُوبِقاتِ (١). وروى أحمدُ في " المسند " (٢) مثلَه عن أبي سعيد الخدري. وروى الحاكم في آخر التوبة مثله عن عبادة (٣)، وفي الفتن نحو ذلك عن ابن مسعود (٤) فهذا ونحوُه يدخله احتمالُ التَّأويل بالتقية ونحو ذلك، وتقع فيه الهفوة مع النَّدم والاستغفار مِنَ الأكثرين، والله سبحانه أعلم. وأمَّا رواية أبي موسى، فمن جملة رواية (٥) غيره من أهل التَّأويل، وقد رُوِيَ أنَّه تاب بعد ذلك، ورضي عنه ﵇، ونرجو صحَّة ذلك ببركةِ صُحْبَةِ رسول الله ﷺ . الوهم الرابع عشر: أنَّه قدح على أهل الحديث بقول رسول الله

стр. 1159

- ﷺ : " يُؤْتَى بِقَوْمٍ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيُذْهَبُ بِهِمْ ذاتَ الشِّمَالِ، فَأَقُول: أَصْحَابِي أَصْحَابي " (١)، وبقوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُم﴾ [التوبة: ١٠١]، دلَّتِ الآيةُ على أنَّ فيمن (٢) يَعُدُّونَه صحابِيَّاً عدلاًً مَنْ هُوَ كافر مجروح. انتهى كلامه. أقول: مرادُ السَّيِّد بهذا لا يخلو مِنْ قسمين. القسم الأول: أنْ يريدَ أنَّ الحديثَ والآيةَ دلاَّ على أنَّ في منْ ظاهِرُهُ العدالة مِنَ الصَّحابة مَنْ هُوَ منافِقٌ مجروحٌ، ولا طريقَ إلى العلم بهِ، فيجبُ تركُ حديث الصَّحابةِ كلِّهم، لَأنَّ فيهم مجروحاً غيرَ معلومٍ، وهذا غيرُ مقصودٍ للسَّيِّد، فإنَّ هذه منْ شُبَهِ الزَّنادقة صان اللهُ السيدَ عن ذكرهم. القسم الثَّاني: أنْ نقول للسيدِ بما (٣) أجمع عليه أهلُ الإسلام مِنَ الرُّجوع إِلى من ظهر صِدْقُه، وإسلامه، وعدالته، وسواء كان في الباطن مسلماً أو كافراً، فإنَّ التكفير (٤) بالباطن غيرُ حَسَنٍ، ولا واقع، ولا يجب إلا جرحُ مَنْ ظَهَر جَرْحُه، وتبيَّن عِصيانه، على أنَّ مَنْ أضمر شيئاً، ظهرت عليه لوائحه (٥)، وفاحت منه روائحه كما يأتي مبسوطاً بسطاً شافياً في الوهم الثالث والثلاثين في أوَّل المجلّد الرَّابع في الكلام على يزيدِ بن معاوية، وذكر علامات المنافقين، وظهورِ نفاقهم للمؤمنين، وأن مثلَ ذلِكَ لم يخْفَ على الصحابة والتابعين، وقد قال اللهُ تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ

стр. 1160

الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠]، وأخبرَ رسول اللهِ ﷺ بعلاماتِهم مِنَ الغَدْرِ، والكَذِبِ، والحَلِفِ، وبُِغضِ عليٍّ ﵇، وبُغضِ الأنصار، وأنَّهم خُشُبٌ باللَّيل، صُخُبٌ بالنَّهار، لا يَقْرَبُونَ المَسَاجِدَ إلا هَجْراً، ولا يأتون الصَّلاة إلا دَبْراً، مستكبرين، لا يَألفون ولا يُؤلفون (١)، وقد عَرَفت هذا العربُ قبل مجيء العلوم والشَّرائعِ، وقال (٢) في ذلك قائلُهم (٣):

стр. 1161

وَمَهْمَا تَكُنْ عِنْدَ امرىءٍ مِنْ خَلِيقَةٍ ... وإنْ خَالَهَا تخْفَى عَلَى النَّاس تُعْلَمِ وإنِّما أخبر ﷺ بما حَدَثَ بعدَه، فما معنى قولِ السيّد: إنَّ ذلك يدلُّ على أنَّ في مَنْ يعدُّونه صحابيَّاً عدلاً مَنْ هو منَ المجروحين، فهذا السُّؤالُ -على زعمه- يتوجَّه على مذهب الزَّيديَّة والمعتزلة، وجميعِ الطَّوائف، فإنَّ الآية والحديث يدلان على تجويزِ أنْ يكون في من يعده المعتزلةُ، والزَّيديَّةُ صحابيّاً عدلاً مَنْ هو مجروحٌ، بل هذا يتوجَّهُ على الصحابةِ، حيث قَبِلَ بعضُهم بعضاً قبل قيام القيامة، وقبل تبيُّن هؤلاء الذين يَظْهرُ يوم القيامة جرحُهم، وقد وقع اللِّعان على عهده ﷺ ، وقال للمتلاعِنيْنِ: " الله يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كاذِبٌ " (١)، فلم يلزم منْ ذلك إشكالٌ في الإِسلام، ولا تكلَّمَ في حكمهما أئِمَّة السَّلف الأعلام؛ لِسُهولَةِ الأمر في هذه المباحث الظَّنِّيَّةِ، وكذلك المدعي مع المنكر، وسائر المتنازعين المعلوم كذب بعضهم، وإذا كان كلامُه هذا في الصحابة مع أَنَّهم خَيْرُ القرون، فَمَنْ بعدهم أولى بأنْ يظهر يوم القيامة في كُلِّ أهل

стр. 1162

قرن (١) مجاريحُ كانوا (٢) مستورين، فيحرم على كلام السَّيد هذا التَّمسُّك بالظاهر في العدالة (٣)، وقد أراد السَّيِّد أن يُجِيبَ عن هذا السُّؤال، فأورد معناه، ثمَّ قال: الجوابُ أنَّه قد ظهر فِسْقُ من ذكرنا وكفرُه، فرجع هذا التَّهويل الكثير إلى الكلام في حديث ثلاثةٍ مُعيَّنين، وكان قد فرغ مِنْ ذكرهم، وكنَّا قد فرغنا منَ الكلام على حديثهم، وبيَّنَّا أنَّ المحدِّثين لم يُدَلِّسُوهم، ولا رَوَوْا عنهم ما يُنْكَرُ في الشَّريعة، ولا يُعْرَفُ إلاَّ منهم، ولا قصدوا في كتبهم الاقتصارَعلى حفظ الحديث المُجمع على صِحَّته بَيْنَ جميعِ طوائفِ الإسلام، ولا حرَّجُوا على أهلِ العلم أن يُخالفوهم في بعضِ ما صحَّحوه بِحُجَّةٍ صحيحةٍ على طرائقِ أهل (٤) الاجتهاد، والإنصافِ، وأنَّهم قصدوا حفظَ جميعِ حديثِ رسول الله ﷺ على أهل الإسلام، ثم بيَّنوا شروطَ الصِّحَّة عندهم، وعند غيرهم في كُتب علوم الحديث، ثمَّ صحَّحُوا كثيراً مِنَ الحديث على قواعِدَ لهم (٥) قد قرَّروها (٦) في علوم الحديث، وأصولِ الفقه، وكان فيما صحَّحوه ما عرفوا صِحَّته بمجموع (٧) شواهد، وقرائن يعرفُها أهلُ الفِراسة في الفَنِّ دُونَ غيرهم، وكان (٨) فيما ضعَّفُوه ما عرفوا ضعفَه بِمِثْلِ ذلك، وإنْ كان إسنادُ الَأوَّلِ في ظاهره ضعيفاً، وإسنادُ الثَّاني في ظاهره صحيحاً، وصنَّفُوا في ذلك علمَ العِلَلِ، وظهرت نصيحتُهم للإسلام وأهلِه ببيان الإسنادِ، وتركِ التَّدليس،

стр. 1163

وتضعيفِ ما وافق مذاهبهم (١) مِنَ الأحاديث الضعيفة، وتصحيحِ ما وافق مذاهب (٢) خصومهم مِنَ الأحاديث الصَّحيحة، وتوثيقِ خلائِقَ لا يُحْصَوْنَ مِنْ خصومهم، وجرح مثلهم في الكثرة أو أكثرَ منهم مِنْ أهل مذهبهم، حتَّى تكلَّمَ أبو داوود على ولده، وقال: هو كذَّابٌ (٣)، مع أنَّه لم يُعْرَفْ بشيْءٍ مِنْ ذلك، حتَّى قيل: إنَّه أراد في غيرِ الحديث، وكتبُوا قولَه هذا، ولم يكتُموه، ومَنْ حكم عليهم بالتُّهمة لهم قبل الإمكان في النَّظر في مصنَّفاتهم في الجرح والتَّعديل، وكيفيَّة التَّصحيح، فقد ظلمهم، والله يُحِبُّ الإنصافَ، ولقدِ اجتمعت كلمتُهم على تعظيم النََّسائي، وهو من أكابِرِ الشِّيعة، حتَّى قال الذّهبي في كتابه " النُّبلاء " (٤): إنَّه أعرفُ بالحديثِ من أبي داوود، والتِّرمذي، ومسلم، وإنَّه جارٍ في مِضمار البخاري، وأبي زرعة. وأعجبُ مِنْ هذا: اعتمادُهم على كتاب " النَّسائي " في الجرح والتعديل، وقَبولُهم منه لجرح جماعةٍ مِنْ أهل مذهبهم، ما ذلك (٥) إلا لإِنصافهم حين عرفوا مِنَ النَّسائي ﵀ المعرفة التَّامَّةَ بالفن (٦)، وأنَّه في جرحه وتعديله مستقيمٌ على صراط العارفين، غيرُ عامل بالأهواء في رُواة حديث سيَّد المرسلين. وكذلك قد شحنوا الصِّحاح بحديث أهلِ الصِّدق مِنَ الشِّيعة، والمعتزلة كما تقدَّم بيانُه، وذِكْرِ عدد كثيرٍ بأسمائهم مِمَّنْ وثَّقوه مِنْ

стр. 1164

خُصومهم، ومِمَّن جرَّحوه مِنْ أهل مذهبهم، ولأمْرٍ ما سارت بتصانيفهمُ الرُّكبان، وتلقَّاها بالقَبول أهلُ الإسلام، وقد قدَّمتُ في صدر هذا الكتاب ذكرَ خصيصتين إضافيتين (١)، إحداهما: تقديم (٢) كلامِ أهلِ الفُنون في فنونهم، وإجماع الأمَّة على ذلك، وهذا موضعٌ له أيضاًً، فانظره في موضعه. واللهُ يُحِبُّ الإنصافَ والعدلَ على المُوافق والمُخالف، وما يَضُرُّ المتعصِّبُ إلا نفسَهُ، فإنَّه يسُدُّ (٣) على نفسه أبوابَ المعارف الَّتي هي أبوابُ الخيرِ كلِّه، " ومَا دَخَلَ الرِّفْقُ في شَيْءٍ إلاَّ زَانَهُ، ولا دَخَلَ العُنْفُ في شَيْءٍ إلا شانَهُ " كما قال رسولُ الله ﷺ (٤).

стр. 1165

ولذلك أثنى عليهم مَنِ اتَّصفَ بالإِمامَة في علم الحديث مِنَ الشِّيعة، والمعتزلة كالحاكم أبي عبد الله، والنّسائي، وابن عقدة (١)، والسَّمَّان (٢)، ومَنْ لا يحصى مِنْ هذا الضَّرب، واستمدُّوا مِنْ معارفهم، وسلكوا مسالِكَهُم، وصاروا تلامِذَةً لِمَنْ تقدَّمهم مِنْ عُلماءِ أهلِ السُّنَّة (٣) في الحديث، وشيوخاً لمَنْ بعدهم، فعليك أيُّها المنصفُ (٤) بمطالعة " علوم الحديث " للحاكم صاحب " المستدرك " على أنَّه منْ كبارِ الشِّيعة، ولا سيما النوع (٥) الموفي عشرين منه، والنوع التاسع والأربعين منه أيضاًً. ومِنَ العجب أنَّ منْ ذمَّ الحديثَ وأهلَه منَ المعتزلةِ، وأهلِ الكلام لم يَسْتَغْنِ عنهم، وإن حَاد عَنِ التَّصريح بالرِّواية عنهم، نزل إلى من يستمدُّ منهم، فأخذ عنه، وعن من لا يقاربهم في الإتقان، وما أَحْسَنَ قولَ القائلِ في نحو هذا: أقِلُّوا عليهم لا أبا لأبيكم ... مِنَ اللَّوْمِ أو سُدُّوا المَكَانَ (٦) الَّذي سَدُّوا (٧)

стр. 1166

الوهمُ الخامس عشر (١): قال: إنّ التشبيهَ مُستفيضٌ عنْ أحمدَ بنِ حَنبل، وقَصَدَ بذلك القَدحَ في كتبِ الحديثِ بكونِهِ من رجالِهم، كما قَدَح فيها بكونِ الشافعيِّ، والبخاريِّ من رجالِهم، فما أفحشَ هذا الجهلَ، وأزراه، وأخسَّهُ، وأجرأَهُ! فيا هذا ليتَكَ عَرَفْتَ عن من يروي أئمتُنا وأئمةُ المُسلمينَ أجمعين مِن أهل البيت المُطَهَّرين الذين خالفتَهم في كلامِك هذا، مع اعتقادِك بجهلٍ (٢) أَنَّكَ فيه لهم (٣) ناصرٌ، وتابعٌ، ومُوافقٌ، ومُشايعٌ، حتَّى تَعْرِفَ أنَّهم قَدْ أثْنَوْا على من ذَمَمْتَه، ورووا عمن جَرَّحته. فهذا السيدُ الإمامُ أبو طالبٍ ﵇ قد روى عن أحمدَ بنِ حنبل في " أماليه "، وكذلكَ روَى عنه الإمامُ المنصورُ باللهِ ﵇، وغيرُه من أهلِ البيتِ وشيعتِهم، ولا سيَّما علماءُ الحديثِ من شيعةِ أهلِ البيتِ ﵈، كالحاكم أبي عبدِ اللهِ صاحبِ " المُستدركِ " على " الصحيحينِ " وأبي عبدِ الرحمن النَّسَائي صاحب " السُّنن "، وابنِ عُقْدَةَ وأمثالهم. وكذلك رَوَى أهلُ البيتِ في مُصنفاتهم الحديثَ الكثيرَ عن من مذهبُه مذهبُ هؤلاء، فروى السَّيدُ أبو طالبٍ في " أماليه " حديثَ أبي داود (٤)

стр. 1167

صاحبِ " السننِ " عن محمدِ بن عبد الله الأسَديِّ، عن عليِّ بنِ الحسن بن العبد (١)، عن أبي داود. وخرَّجَ حديثَ ابنِ السُّنِّي (٢) عن محمدِ بن عمر الدِّينَوَري، عنه. وخرَّجَ حديث ابنِ ماجةَ عن أبي الحسنِ علي (٣) بن إبراهيم القطَّان عنه. وحديثَ ابنِ أبي حاتِمٍ عَنِ السيدِ الإمامِ أبي العباسِ، عنه قليلاً، وعن أحمدَ بنِ عبدِ الله الأصْبَهاني عنه كثيراً. وخَرَّجَ حديثَ عليِّ بنِ موسى الرِّضَى (٤) ﵇ من طريقِ

стр. 1168

عليِّ بن محمد بن مَهْرُوَيه، وهو مِن رجالِهم. وخَرَّجَ حديثَ الحسنِ بنِ سُفيانَ النَّسَوي عن محمد بن بَشَّار بُندار عنه. وخرَّج حديثَ الحارثِ بن محمد بن (١) أبي (٢) أُسامةَ (٣)، عن محمد بن علي العَبْدَكي، عن محمد بن يَزْدَاد عنه، وعن عبد الله (٤) بن محمد بن بدرِ الكَرْخي، عن أحمدَ بنِ يوسُفَ بن خلاَّد عنه. وخرَّجَ حديثَ شيخِهِ الحافظ أبي أحمدَ عبدِ الله بن عديٍّ بغير (٥) واسطة وأكثرَ عنه، وهو أحدُ رجال السُّنةِ حديثاً ومذهباً، وهو صاحب كتابِ

стр. 1169

" الكاملِ في الجرحِ والتعديل " (١). وخرَّجَ حديثَ الذُّهْليِّ عن أبي العَبَّاس، عن أحمد بن سعيد الثَّقَفي، عنه. وخرَّجَ حديثَ المَحَامِلي (٢) عن عبد الله بن محمد الأسَدي عنه. وَخَرَّجَ حديت يَحيى القَطَّان عن الأسَدي عن المَحَامِلي (٣) عنه. وخرَّجَ حديثَ الأنْبَارِي (٤)، عن مُحمدِ بني الحسنِ بن الفضل بن المَأمونِ عنه. وَخَرَّجَ حديثَ الكُدَيْمي (٥) عن محمدِ بن الحسنِ، عن الأنْبَاري، عنه.

стр. 1170

وكلُّ هؤلاءِ إلى أمثالٍ لهم كثيرٍ مِنْ حُفَّاطِ الحديثِ، وأئمةِ أهله حِفْظاً واعتقاداً. لكنَّ أحمدَ بن حَنبل بإجماعهم مع طائفةٍ من الشيعةِ وافرةٍ أحفظُهم (١) للحديثِ، وأوثَقُهم فيهِ. فإنْ كنتَ تَظُنُّ أنَّ جميعُ رجالِ أسانيدِ " أمالي " السادةِ أبي طالبٍ، والمؤيَّد، وأحمدَ بنِ عيسى، وأبي عبد الله الدَّاعي، والمرشدِ بالله، ورجال تفسيرِ المعترضِ الذي جَمَعَ فيه عنْ كُلِّ مَنْ دَبَّ وَدَرَج، أوْثَقُ وأحفظُ من أحمدَ بنِ حنبلٍ، والشافعيِّ، والبُخاريِّ، وأنّهُ ليس فيها إِلاَّ مَنْ هُو أنبلُ مِنْ هؤلاءِ، وأحفظُ، وأعرفُ بالحديثِ، وأوثق فما أحقَّكَ بقولِ المتنبي (٢): ومِثْلُك يُؤْتَى منْ بِلَادٍ بَعِيدَةٍ ... لِيُضْحِكَ رَبَّاتِ الحجال البَوَاكِيَا وكيف وقد خَرَّجَ هؤلاء الأئمةُ حديثَ جماعةٍ مُتَكَلَّمٍ فيهم كما هو عادةُ حُفَّاظ الحديثِ، فقد خَرَّجَ مالكٌ حديثَ ابن أبي (٣) المُخَارق،

стр. 1171

والشافعيُّ حديثَ ابن أبي يَحيى (١)، والزَّنْجي (٢)، وأحمد حديثَ عامرِ بنِ صالحٍ (٣) وغيرِهِ، وقُدِح (٤) في كثيرٍ مِنْ رُواةِ (٥) البُخاريِّ ومُسلمٍ. وكذلِكَ قد رَوَى بعضُ أئمةِ الزَّيدية ﵈ عن محمد بن محمدِ بن الأشْعثِ الكُوفي (٦) المتأخرِ، لا التابعيِّ الثائرِ بدم الحُسين عليه

стр. 1172

السَّلامُ، وحديثَ داودَ بنِ سُليمان الغازي (١)، وحُسينِ بن علوان الكلْبي (٢) وأبي خالدٍ الوَاسِطي (٣) ............

стр. 1173

...... إلى أمثالٍ لَهُم (١) كثيرين نَظَمَهم (٢) أمالي السادةِ المذكورينَ. وخَرَّجَ الهادي ﵇ في الأحكامِ حديثَ حُسينِ بنِ عبدِ الله بن ضمَيْرة فأكثرَ، وحديث أبي هارونَ العَبْدي، واسمُه عُمارةُ بن جُوَين. وكذلك روى القاسمُ عن هذين. ورَوَى الهادي ﵇ في " المنتخب " عن كادحِ بن جعفرٍ (٣)، وأبي بكرِ بن أبي شَيبة، وعن عَمرو بنِ شعيب، عن أبيهِ، عن جَدِّه، وعن حُسينِ بنِ عبدِ الله بن عُبَيْدِ الله (٤) بنِ العباس وصَحَّحَ حديثَهُ، وعن أبي الزّبيرِ التَّابعي. وَرَوى الناصر ﵇ عن محمد بن عليِّ بن خلف العَطَّار. وَرَوَى القاسمُ ﵇ عن ابنِ أبي أُويس (٥) عن حُسينِ بن عبد اللهِ بن ضُميرة وأكثر (٦).

стр. 1174

وقد أثنى الإِمامُ المنصورُ باللهِ ﵇ على أحمدَ بنِ حنبل في " المجموعِ المَنْصوري " في الدعوة العامة إلى جيلان ودَيْلَمَان، وعلى سائرِ أئمةِ الفقهاءِ الأربعةِ، وصرَّحَ الإِمامُ المنصورُ (١) ﵇ فيها بصحةِ مُوالاتِه لأهلِ البيتِ ﵈، وليسَ تَصِحُّ موالاتُه لَهم مع صحةِ تكفيرِهم لَه وتكفيره لَهُم، فهذا أعظمُ العداوةِ وأشدُّ المُبَاينةِ، وسيأتي لهذا مَزيدُ بيانٍ. والعجبُ من المعترضِ أنَّه كَفَّرَ الرازيَّ، وقال: إنَّهُ وأصحابَه كُفَّارُ عَمْدٍ وتصريحٍ لا خَطأ ولا تأويلٍ، وبعد ذكرِ (٢) ذلكَ أكثرَ من تفسيرِ كلام (٣) الله تعالى بكلامِه، وشَحَنَ تفسيره بنقلِه، وتَجَاسَرَ على روايةِ فضائلِ السُّوَرِ الموضوعةِ مع اتفاقِ عُلماء الأثرِ على وضعِها، ومعرفتِه بذلك، فإنَّه ممَّنْ يعرِفُ ما ذكرَ (٤) ابن الصَّلاحِ في ذلك (٥). ثم مع هذا

стр. 1175

كلِّهِ يَعيبُ على المُحَدِّثينَ قبولَ مثلِ الشافعيِّ، ومالكٍ، وأحمدَ، والبُخاريِّ، وما أعَلَمُ أفحشَ من هذه العصبيةِ، ولا أكثرَ غَفْلةً مِمَّنْ صَدَرَ عَنْهُ، فاللهُ يُلْهِمُه إلى الرجوعِ من ذلكَ، والإنابةِ عَنه، وقد بَلَغني ذلك (١)، والمرجوُّ صحتُه، حَقَّقَهُ الله تعالى، وخَتَم لنا معاً بالحُسنى والموافقةِ على ما يُحِبُّهُ (٢) ويرضاه (٣). وقد تحامَلَ هذا المعترِضُ على أئمةِ الفُقهاءِ الأربعةِ، فأثارَ نشاطي إلى بَذلِ الجُهدِ في بيانِ نزاهتِهم عمّا وَصَمَهُم به، ولا سيَّما أحمدُ بنُ حنبل، فإنَّه تَجاسَرَ على تكفيرِه، فأبتدِىءُ بالذبِّ عَنْهُ مع التنبيهِ على عُلُوِّ (٤) محلِّه في الإسلامِ، وصِحَّة موالاتِه لأهلِ البيتِ ﵈، وأنه (٥) جديرٌ بالذَّبِّ عنه والاحترامِ، وذلكَ يَتبينُ بذكرِ أربعةِ فُصولٍ. الفصلُ الأولُ: في ردِّ كلامِ المعترِضِ على قواعدِ أهل مذهبِهِ خاصةً، وغيرِهم مِنْ عُلماءِ الإسلامِ عامةً. فأقولُ: إنْ كانَ يُريدُ بما ذَكَرَه القَدْح في روايتِه، فقدْ تَقَدَّمَ القولُ أنَّ ذلك لَا يَقْدَحُ على تقديرِ صحتِه، وأن (٦) الصحيح -خاصَّةً على مذاهبِ الزيديةِ- قَبُولُ أهلِ التأويلِ، وإنَّ علماءَ الزيديةِ رَوَوُا الإجماعَ على ذلكَ، وأنَّ مُنتهي القولِ في ذلك أنَّها مسألةٌ ظَنيَّةٌ لا يُعْترَضُ بها أحدٌ، فراجعْ في ذلك ما تَقَدَّمَ، وإِنْ كان يُريدُ القَطْعَ بتكفيرِ هذا الإِمامِ، فذلك لا يَتِمُّ له إلاَّ

стр. 1176

بعدَ تواتُرِ ذلك عنه تَواتُراً صَحيحاً في الطَّرفين والوسط غيرَ قابلٍ للمُعارضةِ، والتشكيكِ، بنقلِ ألفاظٍ صَريحةٍ ضروريةِ المَعْنى، لا يُمكِنُ احتمالُها لغيرِ ذلك، وكلُّ هذا ممنوعٌ لعدمِ النقلِ القاطعِ و (١) ثبوتِ المُعارضةِ الراجحةِ. أما عدمُ النقلِ؛ فلأنَّ الخصم إنَّما ادَّعى الاستفاضةَ فيما بينَ علماءِ (٢) الشيعةِ، والجبريةِ، والاستفاضةُ ظنيةٌ لا قطعية، وقد يَستَنِدُ إلى واحدٍ في أوَّلِ الأمرِ كما أَنَّ أحاديثَ الصحاحِ مستفيضةٌ، وشرطُ (٣) التواترِ عزيزٌ. وقد اجتمعتِ (٤) المعتزلةُ وغيرُهم على نقلِ إجماعِ الصحابةِ والقرابةِ على إمامة الخُلفاءِ الثلاثةِ فَكَذّبَتْهُمُ (٥) الشيعةُ في نقلِهم، ونسبَتْهُم إلى الغَلَطِ، والمعتزلة ومَنْ معَهُم على ذلك على (٦) عددٍ يَزيدُ على التواترِ. فيَجُوزُ أنْ يكونَ نقلُ أهلِ المقالات عن أحمدَ كنقل المُعتزلةِ ومَن وَافَقَهُم عن القرابةِ والصحابةِ عندَ الشيعةِ، ومَعَ التجويزِ يبْطُلُ القطعُ، والوجهُ في وقوعِ الغَلَطِ من الجمعِ الكثيرِ في نقلِ المذاهبِ أنَّها قَدْ تُنْقلُ بالإلزامِ وبالموآخذةِ ببعضِ الظواهرِ وبالسكوتِ، فلا يحصُلُ بها التواترُ؛ لأنَّ شرطَ التواترِ استنادُ المخبرينَ إلى العِلْمِ الضروريِّ، ونَزيدُ على هذا وجوهاً (٧):

стр. 1177

الوجهُ الأولُ: بيانُ القَدْح في أصلِ هذه الروايةِ ، وذلك أنَّ أهلَ العلمِ بمذهبِ أحمدَ بنِ حنبل بَيَّنُوا أنَّ ذلكَ لا يُوجَدُ عَنْهُ إلاَّ في رسالةِ أحمدَ بنِ جعفرٍ الإصْطَخري (١). وقد رواها الذهبيُّ في ترجمةِ أحمدَ من " النبلاء " (٢) فقال: أنبؤُونا عن محمدِ بن إسماعيلَ، عن يَحيى بن منْدَه الحافظِ، أخبرنا أبو الوليد الدَّرْبَنْدِيُّ (٣) سنةَ أربعينَ وأربعِ مئةٍ، أخبرَنا أبو

стр. 1178

بكرٍ محمدُ بن عُبيد (١) اللهِ بن الأسود بدمشقَ، أخبرنا عبدُ الله بنُ محمد بن جعفر النُّهَاوَنْدِيُّ، أخبرنا أبو بكرِ بنُ محمدِ بنِ إبراهيمَ بن زوران لفظاً، حدثنا أحمدُ بن جعفر الإصْطَخْري، قال: قالَ أبو عبد الله أحمدُ (٢) بنُ حنبلٍ: هذا مذهبُ أهلِ العلمِ والأثرِ، فمَنْ خالَفَ شَيئاً مِنْ ذلكَ أوْ عَابَ أهَلَها، فهو مبتدعٌ، وساقَ عقيدةً قبيحةً فيها (٣): أنَّ الله تعالى على العرشِ، وهو مَوْضِعُ قدميه، وأنه كلَّم موسى تكليماً مِن فيه. قالَ الذهبيُّ: إلى أنْ ذكرَ شيئاً مِنْ هذا الأُنْموذج المُنْكَرِ، والأشياء التي واللهِ ما قَالَها الإمامُ أحمدُ، فقاتَلَ الله وَاضِعَها ... ثم (٤) قالَ الذهبيُّ: فانظرْ إلى جهلِ المحدثينَ كَيْفَ يَروون (٥) مثلَ هذهِ الخُرَافةَ وَيسْكُتون عَنْها (٦). قلتُ: في إسنادِها جماعة، ما عَرَفْتُهم، وعنعنةٌ في مواضعَ تحتمِلُ

стр. 1179

سقوطَ بعضِ المجاريح، وفي إسنادِها عبدُ الله بن محمد بن جعفر، في (١) الرُّواةِ ثلاثةُ كَذَبةٍ مجاريحُ، كلُّهم يُسَمَّى عبدَ اللهِ بن محمد بن جعفر أحدُهم قاضي كنيتُه أبو القاسم. قال الذهبيُّ في " الميزانِ " (٢) في ترجمتِهِ: قالَ ابن المُقرىء: رَأيْتُهم يُضَعِّفُونهُ ويُنكرونَ عليه أشياءَ، وقال ابن (٣) يونُس: كانَ فَقيهاً على مذهبِ الشافعيِّ، وكانَ يُملي ويجتمع عليهِ الخلقُ، فَخَلَطَ في الآخر (٤)، و (٥) وضَعَ أحاديثَ على متونٍ معروفةٍ وزادَ في نُسَخٍ مَشهورة، فافتُضِحَ وحُرِقَتِ الكتبُ في وجهِهِ، وقال الحاكمُ، عن (٦) الدارقطنيّ: كذابٌ، ألَّفَ كتابَ " سننِ الشافعيّ "، وفيها نحوُ مِئَتَيْ حديثٍ لم يُحَدِّثْ بها الشافعيُّ، قال ابنُ زَبْر ماتَ سنةَ ٣١٥. ومنهم عبدُ اللهِ بنُ محمد بن جعفر بن شَاذَان، شيخٌ لا يُعرَفُ، كَذَّبَهُ ابن الجَوْزيّ. ومنهُم عبدُ اللهِ بن محمد بن جعفر المخَرَّميّ كَذَّبَهُ الدارَقُطنيُّ والكبارُ، انتهى كلامُ الذهبي في " الميزانِ ". قلتُ: وقد رُوِيتْ هذه العقيدةُ المنكرةُ عن (٧) أهلِ الحديثِ والسنةِ، لا عن أحمدَ، بطريقينِ غيرِ هذه الطريقِ، وكلا الطريقينِ غيرُ صحيحٍ.

стр. 1180

أحدُهما: طريقُ الأشعريِّ عنهم، ذكرَها ابنُ قيْمِ الجَوْزيةِ عَنْهُ في البابِ الأولَ من " حادي الأرواح " (١). وقالَ الذهبيُّ في ترجمةِ زكريا بن يَحيى المعروفِ بالسَّاجي في الطبقة العاشرةِ من " التذكرة " (٢): إن الأشعريَّ أخَذَ عن السَّاجي تحريرَ (٣) مقالةِ أهلِ الحديثِ والسلفِ، قالَ الذهبيُّ: قال ابن بَطَّة: حدثنا أحمدُ بن زكريا بن يحيى السَّاجي، قال (٤): قال أبي: القولُ في السنةِ الَّتي رأيتُ عَلَيها أهلَ الحديثِ الَّذِين لَقِيتُهم: أنَّ اللهَ عَلَى عرْشِهِ في سمائِهِ يَقْرُبُ (٥) من خلقِه كيفَ شَاءَ، وذكرَ سائرَ الاعتقادِ. انتهى. قال الذهبيُّ في " الميزانِ " (٦) في ترجمةِ زكريا بن يحيى السَّاجي راوي (٧) هذا الاعتقاد: قال أبو الحسنِ القطان: مختلفٌ فيهِ في الحديثِ، وثَّقه قومٌ وضَعَّفَهُ آخرونَ. قلت: فسقَطَ الاحتجاجُ بهِ (٨)، أمَّا إنْ قُلنا بتقديمِ الجَرحِ فواضحٌ،

стр. 1181

وإنْ قُلنا بتقديمِ الراجحِ، فلِعدم وضوحِ الراجح معَ أنَّه ليسَ في روايته إِلاَّ عَمَّن رأي وأدْرَك، وهذهِ عبارهٌ مُحتَمَلةٌ، وقد يكونُ له جماعةُ شيوخٍ مبتدعةٌ، فيُطلِقُ عنهمْ مثلَ هذا، وإنَّما هُوَ عنهم لا سيَّما مع ضعفِه وكم في دَعاوي الإجماعِ نحوُ هذا؟. الطريقُ الثانيةُ: أَشارَ إليها في البابِ السبعين (١) من هذا الكتابِ المذكورِ (٢) لابنِ قَيمِ الجَوزيةِ ذكَرَها عن حرب (٣)، و (٤) هو ابنُ إسماعيلَ الكِرْماني من أصحاب أحمدَ، ذكره الذهبيُّ في " التذكرة " (٥)، فلَمْ يذكرْ

стр. 1182

أنَّ أحداً وثَّقَه، ولو ظَهَرَ الإِسنادُ إليه لظهر من فيهِ من الضعفاءِ، ومَنْ لا يُوثَقُ بهِ. ويُعارِضُ هذينِ الروايتينِ عن أهلِ السنةِ ما رواه الإمامُ الثقةُ الحجةُ المتفقُ على ثقتِه وأمانتِه (١) يحيى بنُ شرفِ الدين النواوي في " شرحِ مسلمٍ " (٢) في تفسيرِ قولهِ تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢]، كما يأتي قَريباً في الوجهِ الثالثِ، ومَا اشتملَ عليهِ كتابُ " الأسماءِ والصفاتِ " للبيهقي (٣)، وهو أنفسُ كتابٍ في هذا المعنى، فَلَوْ صَحَّ التمسكُ في تكفيرِ أئمةِ الإِسلامِ ولَطْخِهم بالرذائلِ بمثل هذه (٤) الطريقةِ، لَزِمَ المعترضَ طَرْدُ هذه القاعدةِ الفاسدةِ، وقبولُ ما وجد في كتابِ " الكاملِ المنيرِ " (٥) من أنَّ القاسمَ يقولُ: بأنَّ الإمامَ يجِبُ أن يكونَ يعلَمُ

стр. 1183

الغيبَ، ومَا نُسِبَ إلى بعضِ كبارِ الأئمةِ من القولِ بأنَّ العرشَ هو الله، لأنَّه عبارةٌ عن الملكِ، والمُلكُ صفةٌ لله، والصفةُ هي الموصوفُ، وأمثالُ ذلك ممَّا لا تَحِلُّ نسبتُه إلى مسلمٍ من المسلمينَ، كيفَ إلى أئمةِ المسلمينَ، وأركانِ الدينِ؟ سلامُ الله عليهم. وبهذا ظَهَر الطعنُ عند أصحابِ أحمدَ بنِ حنبل وغيرِهم في أصلِ هذهِ الروايةِ عن أحمد، ثم عن أهلِ الحديثِ، والحمدُ لله (١). الوجهُ الثاني: المعارضةُ لذلك بثناءِ الإمام المنصورِ بالله على أحمدَ بنِ حنبل كما تقدَّمَ نصُّه ﵇ على صحة (٢) ولايتِه لهم، وذلكَ يَمْنَعُ من (٣) أن يُكَفِّروة، ويُكَفِّرَهم، لأنَّ التكفيرَ أعظمُ العداوةِ، ويُؤيِّدُ ذلك ذكرُ أهلِ البيتِ لمذاهبِه (٤)، وكذلكَ سائرُ العلماء، واعتدادُهم بخلافِهِ، وعدمُ انعقادٍ الإجماعِ دونَه. ولو كانَ عندَهم كافراً كما ذكرَ المُعْترِضُ، ما حفِظُوا مذاهبَهُ، وألْقَوْها في الدروسِ، كما لم يَفْعَلُوا ذلك

стр. 1184

في مذاهبِ الباطنيةِ ونحوِهم، وقد صرَّح بتنزيهِهِ من ذلكَ علاّمةُ المعتزلةِ عبدُ الحميدِ بنُ أبي الحديدِ في شرحِهِ " لنهجِ البلاغة " (١) فقال ما لفظُه: أمَّا (٢) أحمدُ بنُ حنبل -رحمه اللهُ تعالى- فلَمْ يَثْبُتْ عَنه (٣) تَشبيهٌ ولا تَجسيمٌ أصلاً، وإِنَّما كانَ يقولُ بتركِ التأويلِ فَقَط، ويُطْلِق ما أطلَقة الكِتابُ والسنةُ، ولا يَخُوضُ في تأويلهِ، ويقفُ على قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّه﴾ [آل عمران: ٧]، وأَكثرُ المحققينَ من أصحابِهِ على هذا القول، انتهى بحروفه. وفيه الترحمُ عليه وتنزيهُ المحققينَ من أصحابِه أيضاًً عن ذلك. وهذه أصدقُ شَهادةٍ، وأبعدُ روايةٍ عن كلِّ رِيْبَةٍ، ذكرَهُ في النوعِ الثاني في الفصلِ الرابعِ من شَرحِ خُطبةِ عليٍّ ﵇ التي (٤) أولُها: " الحمدُ لله الذي بَطَنَ (٥) خَفِيَّاتِ الأُمورِ، ودَلَّتْ عليهِ أعلامُ الظُّهورِ "، إلى قوله ﵇: " فَهُوَ الَّذِي يَشْهَدُ له أعلامُ الوجودِ على إِقْرارِ قلبِ ذي الجُحُودِ، تعالَى اللهُ عمَّا يقول المشَبِّهُونَ بهِ والجاحدونَ لَهُ عُلُوّاً كبيراً ". وكذلك ذكر الشيخُ مختارٌ المعتزليُّ -في كتابِه " المُجتبى " في الكلامِ (٦) في التكفيرِ-: أنَّ تكفيرَ المشبهةِ قولُ شيوخِ المعتزلة، إِلَّا أبا الحُسينِ، وأنَّ تكفيرَهُم قول أكثرِ أهلِ السنةِ والأشْعَريَّةِ، وهذا (٧) معَ

стр. 1185

العلمِ بتعظيمهِم (١) لأحمدَ بنِ حنبلٍ، واختصاصهم به يدُلُّ على أَنَّهُ عِندَهُم غيرُ مُجَسِّمٍ ولا (٢) مشبّهٍ، ولله الحمدُ. ومنَ العجبِ أنَّ المعترِضَ لا يزالُ يُقْرِىء (٣) مذاهبَه، فكيف استحَلَّ ذلكَ مع اعتقاده لكفرِه، وإذا كانت الروايةُ عنه مُحَرَّمةً، فكذلكَ تقليدُه والاعتدادُ بِهِ في الإجماع، وذِكْرُ خلافِه معَ العلماءِ في الفروعِ يُوهِمُ ذلكَ، فبانَ بهذا أنَّ المعترِضَ مُمارٍ غيرُ متدينٍ ولا طالبٍ معرفةَ حقٍّ ولا تَعريفَه، نسألُ الله السلامةَ. فهذا الوجهُ ممَّا يدُلُّ على تنزيهِ أحمَد عنِ الكُفْرِ من نقل أئمةِ الزيديةِ (٤) وعلمائِهم. الوجهُ الثالثُ: المعارضةُ لذلكَ من روايةِ الحنابلةِ وأهلِ الحديثِ ، فمنْ ذلكَ -وهو أوضحُهُ-: أنَّ الذهبيَّ عَدَّ مصنفاتِ أحمدَ في " النبلاء " (٥) فذكرَ منها كتابَ " نفي التشبيه " مجلد، ومنها مسألةُ الإِيمانِ، صنَّف فيها، قال أبو داودَ: سمعتُه يقول: الإيمانُ يَزيدُ وينقُصُ، البرُّ كلُّه من الإِيمانِ. ومن ذلكَ أنَّ النواويَّ ذكرَ حديثَ: " يَومَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ " في " شرحِ مُسلمٍ " (٦)، فقالَ ما لفظُهُ: اعلمْ أنَّ لأهلِ العلمِ في أحاديثِ الصفاتِ وآياتِ الصفاتِ قولينِ: أحدُهما - وهوَ مذهَبُ معظمِ السلفِ أو كُلِّهم: أنَّهُ لا يُتَكلَّمُ في

стр. 1186

معناها، بل يقولُونَ: يَجِبُ علينا أنْ نؤمِنَ بها ونعتقدَ لها معنى يَليقُ بجلالِ اللهِ تَعالَى مع اعتقادِنا الجازِم أنَّهُ ليس كمثلِهِ شيءٌ، وأنَّهُ (١) مُنَزَّهٌ عنِ التجسيم، وعن سائرِ صفاتِ المخلوقِ، وهذا القولُ هو مذهبُ جماعةٍ منَ المتكلمينَ، واختارَه جماعةٌ من محققيهم، وهو أسلمُ. القولُ الثاني -وهو مذهبُ (٢) مُعظمِ المتكلمين-: أنَّها تُتأوَّلُ، وإنَّما يَسوغُ تأويلُها لِعارفٍ بلسانِ العربِ وقواعدِ الأصولِ والفروعِ، ذي رياضةٍ في العلمِ. انتهى. وفيهِ الشهادةُ ببراءةِ (٣) أحمدَ والمحدثينَ ممَّا في " رسالةِ الإِصْطَخري " التي نصَّ الذهبيُّ أنَّها خُرافةٌ موضوعةٌ، وقال (٤): قاتلَ اللهُ واضعَها، وبراءةِ (٥) المحدثينَ ممَّا لَطَّخَهُم به الأشعريُّ والسَّاجي. ومما يُقَوِّي ذلك غايةَ القُوةِ ما يأتي (٦) إِنْ شاءَ اللهُ في ترجمةِ أحمدَ في أمرِ المِحْنَةِ وأنَّه (٧) حُبِسَ وامتُحِنَ، فضُرِبَ (٨) بسببِ امتناعِه من القولِ بخلقِ القرآنِ وكان المأمونُ والمعتصمُ والواثقُ -وهم خلفاءُ عصرهِ- على رأي المُعتزلةِ فَلَوْ كَانَ مُجَسِّماً، لأظهرَ ذلك كما أظهرَ القول بأنَّ القرآنَ غَيْرُ مخلوقٍ مَع تكفيرِهم لَهُ بذلك، ولو أظهرَ التجسيمَ لذُكِرَ ذلك، وضُرِبَ

стр. 1187

عَلَيهِ، فإنَّهُ أعظمُ من مسألةِ القرآنِ. وأيضاً قد (١) كانُوا في مناظرتِهم لَهُ يُلْزِمُونه التجسيمَ والتشبيهَ، وهو لا يَلْتَزِمُه. كما يأتي في المِحنةِ، فلو كانَ مُتظاهراً به، لَمَا احتاجُوا إلى إلزامِه، ولصَرَّحَ به (٢) كما صَرَّحَ بأنَّ القرآنَ غَيرُ مخلوقٍ، وناظرَ عَلَيْهِ معَ التعذيبِ الذي هُوَ أشدُّ من القَتل وفي (٣) هذا أعظمُ براءةٍ لَهُ ولأئمةِ الحديث من التُّهمة (٤) بالتشبيهِ، فتأمَّلْهُ (٥). وقالَ شيخ الحنابلةِ بالاتفاقِ (٦) أبو محمدٍ عبدُ الله بن أحمد بن محمد بن قُدامة المقدسيُّ في خطبة كتابه " الكافي " (٧) الذي جَمَعَهُ على مذهبِ أحمدَ ما لفظه: " الحمدُ للهِ الواحدِ القَهَّارِ "، إلى قوله: " الذِي امتنعَ عَنْ تمثيلِ الأفكارِ، وارتفعَ عَنِ الوصفِ بالحدِّ والمقدارِ " إلى آخر كلامه، وهذا الكتابُ من أجلِّ كتبِ الحنابلةِ المعتَمدة عندَهم، فكيفَ تَرَاهم يَفْتَتحونَه بنَقِيضِ (٨) مذهبِهم ومذهبِ إمامِهِم. وفي شرحِ " جمعِ الجوامع ": ونقلَ صاحبُ الخصالِ من الحنابلةِ عن أحمدَ، أنَّهُ قالَ: من قالَ: جسمٌ لا كالأجسامِ كَفَرَ، مع اختلافِ أئمةِ الزيدية والمعتزلة في تكفيرِ منْ قالَ بهذه المقالةِ كما سيأتي (٩) حتى قال ابن

стр. 1188

أبي الحديد في " شرحه " (١): إِن أمر المخالفين في ذلك سهلٌ، لأنَّهُ (٢) خلافٌ في (٣) عِبارةٍ، ذكرَهُ في شرحِ الخُطبةِ المذكورةِ قبلُ، وأجْلَي من هذا ما (٤) في خُطَبِ ابنِ الجَوْزي منَ التنْزِيهِ ونفيِ التشبيهِ، وابنُ الجوزيِّ من أئمةِ الحنابلة بالاتفاق، وخطبُه ومواعظُه (٥) عُمدَتُهم في جُمُعاتِهِم ومَحَافِلِهم، وأنَا أُورِدُ مِنها ما يَشْهَدُ بصحةِ ما ذكرتُه، فمِنْ ذلك قوله في كتابِ " المُدْهِشِ " (٦) في قولهِ تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ﴾: أول: لَيس لَهُ مبتدأ، آخر: جلَّ عن مُنتهي [ظاهر بالدليل باطن بالحجاب] يُثْبِتُهُ العقلُ، ولا يُدرِكُه الحِسُّ، كلُّ مخلوقٍ محصورٌ بحدٍّ، مأسورٌ في سُورِ قُطْرٍ (٧)، والخالقُ بائنٌ مبايِنٌ يُعْرَفُ بعدمِ مألوفِ التعريفِ، ارتفَعَتْ لعدمِ الشِّبْهِ (٨) الشُّبَه، إنَّما يَقَعُ الإشكَالُ في وصفِ مَنْ لَه أشكالٌ، وإنَّما تُضْرَبُ الأمثالُ لِمَنْ لَه أمثالٌ، فأمَّا مَنْ لَم يَزَلْ وَلاَ يزالُ (٩)، فما للحِسِّ معه مجالٌ، عظَمَتُه عَظُمَتْ عَن نيلِ كفِّ الخيالِ، كيفَ يُقَالُ: كَيْفَ والكَيْف في حَقِّهِ مُحالٌ؟ أنَّى تَتَخايَلُهُ الأوْهَامُ وهي

стр. 1189

صنعتُه؟ كيف تحدُّهُ العقولُ وهي فِعْلُه؟ كيف تَحويهِ الأماكِن وهي وَضْعُه؟ انقطَع سيرُ الفِكْرِ، وقفَ سُلوكُ الذِّهن، بَطَلَتْ إشارة الوَهمِ، عَجز لطفُ الوصفِ، غشِيَتْ عين (١) العَقْلِ، خَرِسَ لسانُ الحِسّ، لا طَوْرَ للقدَمِ في طَورِ القِدَمِ، عَزَّ المَرْقَى (٢)، فَيئِسَ المُرْتَقَى (٣)، بَحرٌ لا يَتَمكَّنُ مِنْهُ غَائِصُ، ليلٌ لا يَبِصُّ (٤) للعينِ (٥) فيه كوكبٌ. مَرامٌ شَطٌّ مَرمَى العَقْلِ فِيهِ ... فدُون مَدَاهُ بِيدٌ لَا تبيدُ جادَّةُ التَّسليمِ سليمةٌ، وادي النٌقْلِ بلاقِعُ، انْزِلْ عَنْ عُلُوّ علوّ الشبيه، ولا تعل قُلَلَ أباطيلِ التَّعْطِيلِ، فالوادي بينَ الجبلينِ. ما عَرَفَهُ مَنْ كَيَّفَه، ولا وحَّدَهُ مَنْ مَثَّلَه، ولا عَبَدَهُ من شَبَّهَة، المشبِّه أعْشى، والمُعَطِّل أَعْمى، مما يتنزه عنه مم؟ فيما (٦) يجبُ نَفْيُهُ فيمَ؟ جَلَّ وجوبُ وجودِهِ عن رجمِ " لَعَلَّ "، سبقَ الزمانُ، فلا يُقالُ: " كان "، أبرزَ عرائسَ الموجوداتِ من كِنِّ " كُنْ "، بثَّ الحكمَ، فلَمْ يعارَضْ بـ " لِمْ "، تَعالى عن بَعْضيَّهِ " من "، وتقدّسَ عن ظرفيَّة " في "، وتنزَّه عن شِبِه (٧) " كأنَّ "، ويعَظُّم عن نقصِ " لَوْ أن "، وعَزَّ (٨) عَنْ عَيبِ " إلَّا أَنْ "، وسمَا كمالُه عَنْ تَدَارُكِ " لكنّ ".

стр. 1190

وقال في كتاب " اللطف ": لا بِصفَةِ الأول علم له مبتدأ، ولا بالآخر (١) صار له مُنتهى، ولا مِنَ الظَّاهِرِ فهم له شبح، ولا مِنَ الباطن تعطَّل له وصفٌ، خرست في حظيرة القُدس صولة " لِمْ "، وكفَّتْ لِهَيْبَةِ الحقِّ كفٌّ " كيف "، وعَشِيَت لجلال العزِّ عين الفكر، فأقدام الطَّلَبِ واقفةٌ على جمر التَّسليم، جل عن أشباهٍ وأمثال، وتقدَّس أن تُضرب له الأمثال (٢)، فإِنَّما يقع الاشتباه (٣) والإشكال في حقِّ مَنْ له أشكال، المشبِّهُ مُلَوَّثٌ بدم التَّجسيم، والمعطِّلُ نجس بسرجين الجُحود، و (٤) نصيبُ المُحِق لبن خالصٌ هو التَنزيه، لا يقال: " لِمَ " لفعله، ولا " متى " لِكونه، ولا " قيم " لِذاته، ولا " كيف " لوصفه، ولا " ممَّ " مما يدخل في وحدانيَّته. من طَالَعَ مِرآةَ صمديَّتهُ (٥)، دلَّتْه صقالتها على التنزيه، وعلمَ أنَّه لا ينطبع فيها شَبَحُ التشريك (٦)، ولا خيال التشبيه تفكَّروا في آلاء الله، ولا تتفكَّرُوا في الله، إذا استقبل الرَّمِد الرَّيح، فقد تعرَّض لزيادة الرَّمَدِ. وقال في كتاب (٧) " تلبيس إبليس " (٨) ما لفظه: ونبغ أبو عبدِ الله

стр. 1191

محمد بن كَرَّام، فاختار من المذاهب أردأها، ومن الأحاديث أضعفَها، ومال إلى التشبيه وأجاز حلولَ الحوادث في ذات الله تعالى، انتهى كلام إمام الحنابلة ابن الجوزي. وقال الشيخ العالم شهاب الدين أحمد بن عمر الأنصاري الشافعي في كتابه المسمى " مُغني المُحَدِّثِ في الأسفار عن حمل الأسفارِ " ما لفظه: وثانيها ما يُنقل عن أحمدَ ﵀ مِنْ شوب عقيدته السليمة بالتجسيم، حاشاه من ذلك، ولم يصحّ ذلك عنه بطريق منَ الطُّرق، ولا نَقَلَ عنه الآخذون عنه، والمؤلِّفون في مذهبه شيئاً من ذلك، وقد روينا عَنِ الإمام أبي الفرج ابن الجوزي، والعالم ابن قُدامَة الحنبليَّين المحدثَيْنِ إنكارَ ذلك غاية الإنكار، بل لم يشتهر أحدٌ من الحنابلة بذلك (١)، ولم يُعرف عنه، إلا بعض متأخريهم يُوجدُ في بعض (٢) كلامه شيْءٌ لم يبْلُغْ رتبة التَّصريحِ، والله أعلم. وقال الذهبي في كتابه " زغَل العلوم " (٣)، وفد ذكر الحنابلَة وما يُنقم عليهم ما لفظه: والعُلمَاءُ يتكلُّمون في عقيدتهم، ويرمونهم بالتّجسيم، وبأنه يلزمُهُم، وهم بريئون من ذلك إلا النادِرَ. انتهى.

стр. 1192

وهذا في حقِّ المدَّعين أنَّهم على مذهبه، لا في حقه، فإن لم ينسِبُوا ذلك إليه على جِهة الرِّواية عنه، فلا إشكالَ، وإن نسبوا مذاهبَهم إليه على جهة الرَّواية لها عنه، فلا شكَّ أنَّ رواية الجمِّ الغفيرِ عنه للتنزيه أولى مِن رواية النادرِ للتشبيه، كما ذلك مقتضى الأدلة عقلاً وسمعاً في الظَّنيَّات الَّتي يُمْكِنُ العملُ فيها بالتَّرجيح، فأمّا التكفيرُ القطعيُّ، فلا يَلْتَفِت إليه مع مثل (١) هذا الاختلافِ في النَّقل مُميِّزٌ (٢). وقال الذهبي في آخر الطبقة الرابعة من " تذكرته " (٣)، وهي أول المئة الثانية إلى الخمسين ومئة: وفي هذا الزمان ظهر بالبصرةِ عمرو بن عُبَيْدِ العابد، وواصل بنُ عطاء الغزَّال، ودَعَوْا إلى الاعتزال، [والقول بالقدر] وظهر بخراسان الجَهْم بن صفوان، ودعا إلى تعطيل الرَّب ، وخلقِ القرآن، وظهر في خراسان في قبالته مقاتِل بنُ سليمان المفسِّر، وبالغ في إثباتِ الصِّفات حتّى جَسَّمَ، وقام على هؤلاء علماءُ التَّابعين وأئمَّةُ السلَفِ، وحذروا مِنْ بدعتهم، انتهى وله أمثالُه. ولعلماء الحديثِ، وأهلِ الجرح والتعديل منهم من (٤) التصريح بِذَمِّ المجسمة، والوَصْمِ لهم مِن الحنابلة وسواهم، وما علمتُ أحداً منهم نَسبَ إلى أحمدَ بنِ حنبل منْ ذلك شيئاً، لا مِنْ أَهْلِ السنة منهم مِن (٥) الشافعية، والحنفية، والمالكية، ولا منْ أهل علم الكلام الجامعين بين العلمين: العقلي والنقلي، وأهل الاطّلاع التَّامِّ على معرفة الرِّجال. ومن أراد

стр. 1193

معرفة براءتِهم الجميع مِنْ ذلك، فليطالِعْ كتاب " الأسماء والصفات " للبيهقي ﵀، فإنه نقل عنهم منَ التأويل لِما يوهِمُ البعضُ منه التشبيه، ما يشهد لهم بذلك (١)، ولولا خشية الإطالة، لنقلتُ منه هنا (٢) شيئاً كثيراً، وينبغي أن نذكرَ منه كلامَهم في تأويل الصُّورةِ ونَحْوها ممَّا استدل به المعترضُ على كذب الرُّواة، وبطلان الصَّحاح، ولكن نؤخِّرُ ذلك إلى وقت ذكرِ كلام المعترض في ذلك، ونُضَمِّن الجوابَ عليه إن شاء الله تعالى، ولنختم هذا الفصل بتنبيهين . أحدهما: أنَّ الحامل لِمَنْ روى التشبيه (٣) عن أحمد وغيْره مِنْ أئمة (٤) السنة (٥) هو ما يوجد في عباراتِهِمْ مِنْ تقريرِ الآيات والآثار (٦) وإمرارها (٧) مِنْ غيرِ تأويلٍ، وقد مرَّ أنَّ ذلك لا يستلزم اعتقادهم (٨) التَّشبيه، ولذلك يُوجَدُ ذلك في عبارات بعض (٩) أئمَّة الزيدية، والمعتزلة، ولا (١٠) يُكفِّرُونَّهم بذلك، ولا ينسِبُونَهم إلى صريح التَّشبيه، ولا يُعارِضُون مَنْ رَوى ذلك عنهم بنقل صحيح، و (١١) في " علوم آل محمد " المعروف عند الزَّيديّة بأمالي أحمد بن عيسى، وهو تأليفُ محمد

стр. 1194

ابن منصور: أنَّ الله لا ينتقل عَنْ مكانِه في تأويل نزول الرَّبِّ سبحانه إلى سماءِ الدُّنيا يومَ عرفة في كتاب " الحج ". وقال أبو الفرج علي بن الحسين الأصبَهاني الشِّيعي (١) في الجزء الثاني (٢) من " مقاتل الطالبيين " (٣) في أخبار أبي السرايا في ذكر من خرج مع أبي السرايا: حدثني أحمد بن سعيد، حدثني محمد بن (٤) منصور، قال: سمعتُ القاسم بن إبراهيم، ونحن في منزل الحسنيين (٥)، يقال له: الودينة يقول: انتهى إليّ نَعْيُ أخي محمد وأنا بالمغرب، فتنحَّيْت (٦)، فأرقتُ من عينَّى سجلاً أو سَجلين، ثم رثيتُه بقصيدَةٍ، على أنَّه كان يقول بشيءٍ مِنَ (٧) التشبيه، ثمَّ قرأها عليّ مِنْ رقعته، فكتبتُها، وهي: يا دارُ دَارَ غُرُورٍ (٨) لا وَفاء لها ... حَيْثُ الحَوادِثُ بالمكرُوهِ تَسْتَبِقُ أَتْرَحْتِ أَهْلَكِ منْ كدٍّ وَمنْ أَسفٍ ... بِمَشْرَع شُرْبُهُ التَّصْرِيفُ والرَّنَقُ

стр. 1195

فأيُّ عَيْشِكِ إلاَّ وَهْوَ منتقِلٌ ... وأيُّ شَمْلِكِ إلاَّ وهْوَ مُفْترِقُ إلى آخرها، وقد قال في خُطبة كتابه: إنَّه لا يذكر مَنْ عَدَل عن مذاهبِ أسلافه، وروى نحو ذلك صاحبُ كتاب " الجامع الكافي " في مذهب الزيدية عن محمد بنِ منصورٍ عَنِ القاسم ﵇ ُ كما سيأتي مبسوطاً، ويأتي تأويلُه عندهم بأنه (١) كان لا يقولُ بخلقِ القرآن، وسيأتي أن القاسِمَ ﵇ كان مع ذلك يُعَظِّمُة، ويرضى عنه، ويترحَّمُ عليه. وفي " الحدائِق الوردية في مناقب أئمة (٢) الزيدية " (٣) أن القاسِمَ كان مِنْ عُماله، وأنَّه كان يُقال: أَعْظِمْ بإمامٍ القاسم بنُ إبراهيم مِنْ عُمَّاله ﵈ أجمعين (٤). وبهذا تَعْرِفُ أنَّ الأوائِلَ مِنْ كُلِّ فرقةٍ كانوا على مذهب أئمة الأثَرِ، ولكن المتعصبين يتأوَّلون لأئِمتهم أحسن التَّأويل، ولأئِمة السُّنة أقبحَه، وبهذا تعرفُ عَصَبِية مَن فعل ذلك، فتأمَّلُه تجده كثيراً (٥)، فالله المستعانُ. التنبيه الثاني: ينبغي التأمُّلُ لَهُ، وذلك أنَّه قد يقع التَّساهلُ في نقل المذاهبِ مِنْ أهلِ كُتب المِلَلِ والنِّحَلِ ، وسببُ ذلك أنَّه قد يذهبُ بعضُ الناس إلى أنَّ الإلزامَ مذْهَبٌ، فَيُلْزِمُ خصمَه مذهباً لا يلتزمُه الخصمُ، ويعتقد لزومَه قطعاً، ويستحِلُّ بذلك (٦) نسبتَه إلى خصمه مذهباً، وروايته
следующие страницы →