← Акыда

Акыда · id 29677

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

ابن الوزير

Полный текст (3 702 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

محمد بن كَرَّام، فاختار من المذاهب أردأها، ومن الأحاديث أضعفَها، ومال إلى التشبيه وأجاز حلولَ الحوادث في ذات الله تعالى، انتهى كلام إمام الحنابلة ابن الجوزي. وقال الشيخ العالم شهاب الدين أحمد بن عمر الأنصاري الشافعي في كتابه المسمى " مُغني المُحَدِّثِ في الأسفار عن حمل الأسفارِ " ما لفظه: وثانيها ما يُنقل عن أحمدَ ﵀ مِنْ شوب عقيدته السليمة بالتجسيم، حاشاه من ذلك، ولم يصحّ ذلك عنه بطريق منَ الطُّرق، ولا نَقَلَ عنه الآخذون عنه، والمؤلِّفون في مذهبه شيئاً من ذلك، وقد روينا عَنِ الإمام أبي الفرج ابن الجوزي، والعالم ابن قُدامَة الحنبليَّين المحدثَيْنِ إنكارَ ذلك غاية الإنكار، بل لم يشتهر أحدٌ من الحنابلة بذلك (١)، ولم يُعرف عنه، إلا بعض متأخريهم يُوجدُ في بعض (٢) كلامه شيْءٌ لم يبْلُغْ رتبة التَّصريحِ، والله أعلم. وقال الذهبي في كتابه " زغَل العلوم " (٣)، وفد ذكر الحنابلَة وما يُنقم عليهم ما لفظه: والعُلمَاءُ يتكلُّمون في عقيدتهم، ويرمونهم بالتّجسيم، وبأنه يلزمُهُم، وهم بريئون من ذلك إلا النادِرَ. انتهى.

стр. 1192

وهذا في حقِّ المدَّعين أنَّهم على مذهبه، لا في حقه، فإن لم ينسِبُوا ذلك إليه على جِهة الرِّواية عنه، فلا إشكالَ، وإن نسبوا مذاهبَهم إليه على جهة الرَّواية لها عنه، فلا شكَّ أنَّ رواية الجمِّ الغفيرِ عنه للتنزيه أولى مِن رواية النادرِ للتشبيه، كما ذلك مقتضى الأدلة عقلاً وسمعاً في الظَّنيَّات الَّتي يُمْكِنُ العملُ فيها بالتَّرجيح، فأمّا التكفيرُ القطعيُّ، فلا يَلْتَفِت إليه مع مثل (١) هذا الاختلافِ في النَّقل مُميِّزٌ (٢). وقال الذهبي في آخر الطبقة الرابعة من " تذكرته " (٣)، وهي أول المئة الثانية إلى الخمسين ومئة: وفي هذا الزمان ظهر بالبصرةِ عمرو بن عُبَيْدِ العابد، وواصل بنُ عطاء الغزَّال، ودَعَوْا إلى الاعتزال، [والقول بالقدر] وظهر بخراسان الجَهْم بن صفوان، ودعا إلى تعطيل الرَّب ، وخلقِ القرآن، وظهر في خراسان في قبالته مقاتِل بنُ سليمان المفسِّر، وبالغ في إثباتِ الصِّفات حتّى جَسَّمَ، وقام على هؤلاء علماءُ التَّابعين وأئمَّةُ السلَفِ، وحذروا مِنْ بدعتهم، انتهى وله أمثالُه. ولعلماء الحديثِ، وأهلِ الجرح والتعديل منهم من (٤) التصريح بِذَمِّ المجسمة، والوَصْمِ لهم مِن الحنابلة وسواهم، وما علمتُ أحداً منهم نَسبَ إلى أحمدَ بنِ حنبل منْ ذلك شيئاً، لا مِنْ أَهْلِ السنة منهم مِن (٥) الشافعية، والحنفية، والمالكية، ولا منْ أهل علم الكلام الجامعين بين العلمين: العقلي والنقلي، وأهل الاطّلاع التَّامِّ على معرفة الرِّجال. ومن أراد

стр. 1193

معرفة براءتِهم الجميع مِنْ ذلك، فليطالِعْ كتاب " الأسماء والصفات " للبيهقي ﵀، فإنه نقل عنهم منَ التأويل لِما يوهِمُ البعضُ منه التشبيه، ما يشهد لهم بذلك (١)، ولولا خشية الإطالة، لنقلتُ منه هنا (٢) شيئاً كثيراً، وينبغي أن نذكرَ منه كلامَهم في تأويل الصُّورةِ ونَحْوها ممَّا استدل به المعترضُ على كذب الرُّواة، وبطلان الصَّحاح، ولكن نؤخِّرُ ذلك إلى وقت ذكرِ كلام المعترض في ذلك، ونُضَمِّن الجوابَ عليه إن شاء الله تعالى، ولنختم هذا الفصل بتنبيهين . أحدهما: أنَّ الحامل لِمَنْ روى التشبيه (٣) عن أحمد وغيْره مِنْ أئمة (٤) السنة (٥) هو ما يوجد في عباراتِهِمْ مِنْ تقريرِ الآيات والآثار (٦) وإمرارها (٧) مِنْ غيرِ تأويلٍ، وقد مرَّ أنَّ ذلك لا يستلزم اعتقادهم (٨) التَّشبيه، ولذلك يُوجَدُ ذلك في عبارات بعض (٩) أئمَّة الزيدية، والمعتزلة، ولا (١٠) يُكفِّرُونَّهم بذلك، ولا ينسِبُونَهم إلى صريح التَّشبيه، ولا يُعارِضُون مَنْ رَوى ذلك عنهم بنقل صحيح، و (١١) في " علوم آل محمد " المعروف عند الزَّيديّة بأمالي أحمد بن عيسى، وهو تأليفُ محمد

стр. 1194

ابن منصور: أنَّ الله لا ينتقل عَنْ مكانِه في تأويل نزول الرَّبِّ سبحانه إلى سماءِ الدُّنيا يومَ عرفة في كتاب " الحج ". وقال أبو الفرج علي بن الحسين الأصبَهاني الشِّيعي (١) في الجزء الثاني (٢) من " مقاتل الطالبيين " (٣) في أخبار أبي السرايا في ذكر من خرج مع أبي السرايا: حدثني أحمد بن سعيد، حدثني محمد بن (٤) منصور، قال: سمعتُ القاسم بن إبراهيم، ونحن في منزل الحسنيين (٥)، يقال له: الودينة يقول: انتهى إليّ نَعْيُ أخي محمد وأنا بالمغرب، فتنحَّيْت (٦)، فأرقتُ من عينَّى سجلاً أو سَجلين، ثم رثيتُه بقصيدَةٍ، على أنَّه كان يقول بشيءٍ مِنَ (٧) التشبيه، ثمَّ قرأها عليّ مِنْ رقعته، فكتبتُها، وهي: يا دارُ دَارَ غُرُورٍ (٨) لا وَفاء لها ... حَيْثُ الحَوادِثُ بالمكرُوهِ تَسْتَبِقُ أَتْرَحْتِ أَهْلَكِ منْ كدٍّ وَمنْ أَسفٍ ... بِمَشْرَع شُرْبُهُ التَّصْرِيفُ والرَّنَقُ

стр. 1195

فأيُّ عَيْشِكِ إلاَّ وَهْوَ منتقِلٌ ... وأيُّ شَمْلِكِ إلاَّ وهْوَ مُفْترِقُ إلى آخرها، وقد قال في خُطبة كتابه: إنَّه لا يذكر مَنْ عَدَل عن مذاهبِ أسلافه، وروى نحو ذلك صاحبُ كتاب " الجامع الكافي " في مذهب الزيدية عن محمد بنِ منصورٍ عَنِ القاسم ﵇ ُ كما سيأتي مبسوطاً، ويأتي تأويلُه عندهم بأنه (١) كان لا يقولُ بخلقِ القرآن، وسيأتي أن القاسِمَ ﵇ كان مع ذلك يُعَظِّمُة، ويرضى عنه، ويترحَّمُ عليه. وفي " الحدائِق الوردية في مناقب أئمة (٢) الزيدية " (٣) أن القاسِمَ كان مِنْ عُماله، وأنَّه كان يُقال: أَعْظِمْ بإمامٍ القاسم بنُ إبراهيم مِنْ عُمَّاله ﵈ أجمعين (٤). وبهذا تَعْرِفُ أنَّ الأوائِلَ مِنْ كُلِّ فرقةٍ كانوا على مذهب أئمة الأثَرِ، ولكن المتعصبين يتأوَّلون لأئِمتهم أحسن التَّأويل، ولأئِمة السُّنة أقبحَه، وبهذا تعرفُ عَصَبِية مَن فعل ذلك، فتأمَّلُه تجده كثيراً (٥)، فالله المستعانُ. التنبيه الثاني: ينبغي التأمُّلُ لَهُ، وذلك أنَّه قد يقع التَّساهلُ في نقل المذاهبِ مِنْ أهلِ كُتب المِلَلِ والنِّحَلِ ، وسببُ ذلك أنَّه قد يذهبُ بعضُ الناس إلى أنَّ الإلزامَ مذْهَبٌ، فَيُلْزِمُ خصمَه مذهباً لا يلتزمُه الخصمُ، ويعتقد لزومَه قطعاً، ويستحِلُّ بذلك (٦) نسبتَه إلى خصمه مذهباً، وروايته

стр. 1196

عنه قولاً، وقد يُفرِّع على ذلك تكفيره وتكذيبَه ونحو ذلك، وقد فعل المعترضُ شيئاً كثيراً مِنْ ذلك، مثل روايته عَنِ الأشعرية جميعاً أنَّهم يذهبُون إلى القول بأنَّ الله تعالى يُثيبُ على معصيتِه، ويُعَاقِبُ على طاعته، وقد مضى بيانُ أنَّه ما ذهبَ أحدٌ إلى ذلك مِنَ المسلمين، ولا مِنَ المشركين، وإنَّما يلزم ذلك من يقول: إنَّ أفعال اللهِ سبحانه لا تُعَلَّلُ، وإنَّه لا داعي له سبحانه إلى شَيْءٍ منها، والقولُ بهذا قولُ طائِفَةٍ مِنْ غلاة متكلميهم، وقد أوَّلُوا كلامَهم، ولم يساعدوا (١) إلى هذا الِإلزام، وقالوا: هو (٢) محال لاستلزامه المحالَ، وهو خلفُ وعدِه سبحانه (٣)، وكذبُ خبره سبحانه (٤) عن ذلك، وفي النَّاس من ينسِبُ إلى الطَّائفة العظيمةِ مذهبَ رجل مِنْ غُلاتهم، وإن رَدُّوا كلامه، وكَفَّروا قائِلَهُ كما فعل المعترضُ بنسبة تكليفِ ما لا يُطاق إلى أهلِ الحديث وطوائفِ أهل السُّنّةِ، وكما فعل في مسألة الأطفال وغيرِها، وسيأتي بيانُ ذلك. ومِنَ النَّاس من يجمع بَيْنَ الأمرين، فيُلْزِمُ بعض الطَّائفة أمراً لم تقُلْ به، ثمَّ يتقوَّى لَهُ صِحَّةُ إلزامِه، فينسبه إليه (٥) ثم ينسِبهُ إلى أهل مذهبه، وهذه جُرْأَةٌ عظيمةٌ، وذلك كما فعل ابنُ السيّد البطَلْيوسِي، فإنّه قال في كتابه " سقط الزند " (٦): إنَّ المعتزلة تذهبُ إلى أنَّ اللهَ لا يَعْلَمُ الغَيْبَ،

стр. 1197

وأصلُ هذا إلزام لأبي الحسين المعتزلي، حيث قال: بأن المعدومَ ليس بشيء، وأنَّ عِلْم الله به يتعلَّقُ بأنَّه سيوجد (١)، فألزمه الرَّازي ذلك، وذلك (٢) مِنَ البَطَلْيُوسِي وَهْمٌ فاحشٌ نشأ مِنْ سماعِه بأنَّ المعتزلة تُنْكِرُ القدر، فظنَّ (٣) أن المعتزلة تُنْكِرُ العِلْمَ السَابِقَ، وهذا بناء منه على أنهم يُفَسرُون القَدَرَ (٤) بالعلم، وليس كذلك، وإنَّما يُفَسِّرون القدر الذي ينفونه بِمَا يوجِبُ الاضطرارَ، وينفي الاختيارَ، والقدرُ المفسَّرُ بذلك مُتَّفقٌ على نفيه عِنْدَ أهل السُّنة أيضاً كما سيأتي بيانُه (٥) في الوهم الثامن والعشرين (٦). الفصل الثاني: في تحقيق مذهبِ أحمدَ بنِ حنبل وأمثالِه مِنْ أئِمَّة الحديث، وهُم طائفتان .

стр. 1198

الطائفة الأولى: أهلُ الحديث، والأثر، وأتباعُ السُّنن والسَّلف الذين (١) ينهون عَنِ الخوض في علم الكلام، ولا يحتجُّون على مذهبهم إلاَّ بما عرَفتْهُ عقولُهم مِنْ غير تقليدٍ ممَّا علَّمَهُ الله تعالى رُسُلَهُ وسائر عبادِهِ مِن الأدِلة، وكيفية الاستدلال، ولا ينظرون إلاَّ فيما أمرهم أن ينظروا فيه، كما أنَّ طلبةَ علمِ النظر يتعلمون مِنْ كُتُب (٢) شيوخهم مِنْ غير تقليد، فكذلك (٣) أهلُ الأثر ينظرون مِنْ غير تقليدٍ في كتاب الله، ويَسْتَدِلُّونَ بذلك، وبِمَا جرى مِنْ رسول الله ﷺ ، وأصحابه، وسلفِ الأمَّة المُجْمَعِ على صلاحهم منَ الاستدلال به على الله تعالى، وعلى نُبُوة أنبيائه مثلما حكى الله تعالى عن موسى ﵇ في الاستدلال على فرعونَ في مجادلتهما، قال الله تعالى: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ [الشعراء: ٣٠ - ٣٢] الآيات، وهي صريحةٌ في الاستدلال على الله سبحانه، وعلى صحّة النُّبُوَّةِ معا (٤)؛ لأنها في الردِّ على فرعون في قوله: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِين﴾ [الشعراء: ٢٣]، كما هو صريحٌ في أوَّلِ الآية، فكذلك (٥) في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٢]، وقوله سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِين﴾ [يس: ٧٧]، وقوله في الاحتجاج بمعجز القرآن الكريم: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ

стр. 1199

وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٣ - ٢٤]. قالوا: فإذا القدر منَ الأدلَّة تَطَابقَ على صِحته العَقْل (١) والسَّمعُ الَّذي هو النَّص والإجماعُ، والتمسُّك به أسلم (٢)، والتَمسُّك بالطُرق المبتدَعة على أساليب أهلِ الفلسفة تُوقِعُ في الحَيْرَةِ، وتجرُ إلى البدعة، ويتولُّدُ منه تقرير قواعد غلطية (٣) تُخَالِفُ فِطَرَ العُقول، ونُصوصَ المنقولِ. فهولاء كتابُهُمُ القرآنُ، وتفسيرُهُمُ الأخبارُ، والآثار، ولا يَكَادُ يُوجد لهم كتاب في العقيدة، فإنْ وُجِدَ، فالَّذي فيه إنما هو بمعنى الوصيَّة المحضةِ بالرُّجوع إلى الكتاب والسُنَّة، وهم لا يَعنونَ بالرُّجوع إليهما (٤) نفيَ النَّظر، وتركَ العقل، والاستدلالِ البَتّة، وقد صَرَّحوا بالنظر والاستدلال العقلي كما ذكره صاحب " الوظائف " (٥)، والزنجاني في قصيدته الرائية، وفي شرحها، وهي القصيدة الشهيرة التي أولها: تَمسَّكْ بِحَبْلِ اللهِ واتَّبع الأثَرْ كما أنَّه قد صرَّح بذم الكلام خلقٌ مِمَّن خاض في لُجَجه، وبَرَّزَ في حججه كما يأتي ذكرُه إن شاء اللهُ تعالى.

стр. 1200

وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿بَادِيَ الرَّأي﴾ [هود: ٢٧] (١): "أي بمجرد ما دعوتَهم استجابوا لك من غير نظر" (٢)، و (٣) هذا الَّذي ذمُّوهم به هو عين ما يمدحون به فإنَّ الحَقّ الظَّاهِر لا يحتاج إلى رَوِيّةٍ، ولا فكر، ولا نظر، بل يجبُ اتِّباعُه والانقيادُ إليه متى ظهر، ولِهذا قال رسول الله ﵌ مادِحَاً الصِّدِّيق (٤): " ما دعَوْتُ أَحَداً إلى الإسْلامِ إلاَّ كَانَتْ لَهُ كَبْوَة غيرَ أبي بكرٍ، فإنّه لَمْ يَتَلَعْثَمْ " (٥). وإنَّما يُنكرون مِنْ عِلْمِ النَّظَرِ أمرين: أحدهما: القولُ بأنَّ النَّظر فيما أمر اللهُ تعالى بالنظر فيه ، وجرت به عادةُ السَّلف غَيْرُ مفيدٍ للعلم، إلاَّ أنَّ يُرَدَّ إلى ما ابتدع من طريق المتكلمين، بل هو عندهم كافٍ شافٍ (٦)، وإن خالف طرائقَ المتكلمين (٧). و ثانيهما: أنَّهم يُنكرون القولَ بتعيُّنِ طرائقِ المنطقيِّين والمتكلِّمين للمعرفة ، وتجهيلِ مَنْ لم يَعْرِفَها، وتكفيرِه، فَهُمْ في إنكار عِلْمِ الكلام،

стр. 1201

وأساليبِ النُّظَّار (١) أَقَلُّ غُلُوَّاً مِنْ أهلِ المعارف الضَّروريَّة مِنْ علماء الكلام، لأنَّ هذه (٢) الطائفة (٣) من المتكلِّمين زعموا أنَّ العلمَ بالله تعالى ضروريٌّ غير محتاجٍ إلى النّظَر، وهم -مع ذلك- يُبِالغونَ في نفيِ التَّشبيه بأجمعهم. وقد تقدَّم حكايةُ النَّواوي لذلك عنهم في ذكر براءةِ أحمدَ بنِ حنبل مِنْ ذلك، وعلى هذه الطريقةِ كان أئِمَّةُ العِتْرَة القُدَماء، وأئمَّةُ الفقهاء الأربعة، وجماهيرُ حُفَّاط الحديث، وأئِمَّة الفقه، والتفسير، وعلوم الشَّريعة. ولذلك لا نجدُ لهم في علم الكلامِ ذكراً بنفيٍ ولا بإثبات (٤). فهؤلاء الإقدامُ على تكفيرهم كالإقدامِ على تكفير أصحابِ رسول الله ﷺ وتابعيهم بإحسان، إذ لا مستند لمَنْ يكفِّرُهم إلاَّ عَدَمُ خوضهم في الكلام، وعَدَمُ تصريحهم بتأويل المتشابه، وهذه العلَّة حاصلةٌ في الصحابة والتَّابعين، وذنبُ المكفر لهذه الطَّائفة من المسلمين (٥) هو ذنبُ الخوارج، بل أقبحُ، لأنَّ أصلَ مذهب الخوارج تكفيرُ المسلمين بالذنوب، وإن غَلِطُوا فيما يعتقدونه ذنباً، وأصل هولاء تكفير المسلمين بسبب الإِيمانِ الصَّادر عن غيرِ تحريرٍ لطرائقهم في الاستدلالِ، وهذا يَعُمُّ الصحابة، والتَّابعين، والصَّالحين، وقد ورد في الخوارج بسببِ تكفيرِ المسلمين مِنَ التَّشديد ما لم يرِدْ في غيرهم، فنعوذُ بالله من غضب الله. وقد نصر هذا القولَ الفقيهُ العلاَّمَة المحدِّثُ محمدُ بن منصورٍ الكوفي (٦) الشيعيُّ محبُّ آل محمدِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم،

стр. 1202

وصنَّف فيه كتابَه المعروف بكتاب " الجملة والألفة "، ونقل فيه عن قدماء أئمة أهل البيت ﵈ الذين عاصرهم، كأحمد بن عيسى، والحسن بن يحيى، والقاسم ﵈ فأطال وأطاب وأفاد وأجاد (١)، وسيأتي مِنْ ذلك قطعة وافرة في (٢) آخِرِ الكلام في مسألة القرآن، وهي خاتمةُ الكلام في الصِّفات، ويأتي بعضُه في مسألة (٣) نفوذ (٤) إرادة الله (٥) تعالى، وقد جمعتُ فيه أيضاًً كتاباً لطيفاً سميتُه " ترجيح أساليب القرآن لأهل الإيمان على أساليب اليونان في أصول الأديان وبيان أن (٦) ذلك إجماعُ الأعيان ". وممَّن نصر (٧) ذلك: الغزالي في كتابه " الكشف والتبيين في غرور الخلق أجمعين " (٨)، مع أنَّه من أئمة المتكلمين لولا أنَّه خالف السنة (٩) في نسبة الغرور إلى الخلق (١٠) أجمعين، فقال ما لفظه: وفرقةٌ أخرى اشتغلوا بعلم الكلام، والمجادلة، والردِّ على المخالفين، وتتبع مناقضاتهم، فاستكثروا منَ المقالات (١١) المختلفة، واشتغلوا بتعليم الطريق في مناظرة أولئك وإفحامهم، ولكنَّهم على فرقتين: الأولى مُضلة

стр. 1203

ضالة (١)، والأخرى مُحِقَّةٌ. أمَّا غرور الفرقة الضالة، فلغفلتها عن ضلالتِها، وظنِّها بنفسها النَّجاة، وهم فِرَقٌ كثيرة، يُكَفِّرُ بعضُهم بعضاً، وإنَّما ضلُوا من حيث إنهم لم يُحْكِمُوا (٢) شرائطَ الأدلة، ومنهاجها (٣)، فرأوا الشبهة دليلاً، والدليل شبهة (٤). وأما غُرور الفرقة المحقة فمن (٥) حيث إنهم ظنُّوا (٦) بالجدل أنَّه أَهَمُّ الأمور، وأفضلُ القربَاتِ في دين الله، وزعمت أنَّه لا يَتمُّ لأحدٍ دينُه ما لم يَفْحَصْ، ولم يبحث، وأنَّ من صَدَّقَ اللهَ من غير بحثٍ وتحريرِ دليلٍ، فليس بمؤمنٍ، أو ليس بكامل (٧)، ولا مُقرَّب عند الله، ولم يلتفتوا إلى القرن الأوَّل، وأنّ النبي ﵌ شهد لهم بأنهم خَيْرُ الخلقِ، ولم يطلب منهمُ الدَّليل، وروى أبو أمامة عن النَّبِيِّ ﵌ " ما ضَلَّ قَوْمٌ قَط إلا أُوتُوا الجَدَلَ " (٨). انتهى.

стр. 1204

وفيه إيهامُ قبح (١) الجدل مطلقاً، وليس كذلك، فإنّ الجدل عَنِ الحقِّ مما وصف اللهُ به أنبياءَه وأولياءه، وأمر به رسولَه ﷺ حيث قال: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بالحِكمَةِ والمَوْعظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلهُم بِالَّتي هِيَ أَحسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، وقال: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُون﴾ [العنكبوت: ٤٦]. إنَّما القبيح المِراءُ، وهو ما يَغْلِبُ على الظَّنِّ أنَّه يُهِيجُ الشَّرِّ، ولا يَقْصِدُ به (٢) صاحبه إلاَّ حظَّ نفسه في غلبة الخُصوم. وقد يَشْتَمِلُ الجَدَلُ على ألفاظٍ بشعة، فلا بقْبُحُ مع الحاجةِ إليها، وحسْنِ (٣) القصد فيها، كما قال تعالى: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَات﴾ [هود: ١٣]، وكما حكى من أقوالِ الكفار، كقول أهل الكتابين: إنَّ عزيراً ابنُ الله، وإنّ المسيح ابن الله، وإن الله ثالثُ ثلاثة، وإنَّ الله فقيرٌ، تعالى عمَّا يقولون عُلُوَّاً كبيراً. وقال شيخُ الإِسلام، ناصِر السنةِ، أبو إسماعيل، عبد الله بن محمد الأنصاري الحنبلي في كتابه الشهير بـ " منازلِ السائرين إلى اللهِ تعالى " (٤) في باب المعرفة: إنَّ الدرجة الأولى منها (٥) معرفةُ النعوت والصِّفات التي

стр. 1205

وردت أساميها بالرسالة، وظَهَرَتْ شواهدُها في الصَّنعة بتبصيرِ النُّورِ الدائم في السِّرِّ، وطيبِ حياة العقل لزرع الفكرِ، وحياةِ القلب: بحسن النظرِ بين التَعظيم وحسنِ الاعتبار، وهي (١) معرفةُ العامة التي لا تنعقِدُ شرائطُ اليقين إلاَّ بها، وهي على ثلاثة أركان: إثبات الصفة (٢) باسمها من غير تشبيه، ونفي التشبيه عنها (٣) من غير تعطيل، والإياسُ مِن إدراكِ كُنهها (٤)، ومن ابتغاء تأويلها (٥). وهذه جملة شرحُها في الكلامِ الآتي بعدَها في الوظائف (٦) إن شاء الله تعالى وهذا أخصر كلام وجدتُه من كلام الطائفة الأولى من المحدثين وهم جمهورهم، والظاهر أن صاحبَه (٧) أخفى نفسه، إمّا لِتَخْلُصَ له نيَّته فيه لنصيحة (٨) المسلمين أو لِيَسْلَمَ من ألسنة المتكلِّمين (٩)، وقد نقلته جميعَه بألفاظه إلا القليل (١٠)، وأنا أنَبِّهُ على ذلك (١١) القليل غالباً، كما زِدْت (١٢) فيه زيادات يسيرة قد نبهت (١٣) عليها، وإذا تأملتَه وتأملتَ ما ذكره

стр. 1206

ابنُ تيمية وسائرُ متكلمي أهل (١) السنة في مسألَتي الصِّفات والأفعال، وجدتَ الجميع كالشرح لما روي عن عليٍّ ﵇ أنَّه قال (٢): التوحيد: أن لا توهّمه، والعدل: أن لا تَتَّهِمَهُ، فيا له مِن كلامٍ ما أبلغه، وأوجزه، وأجمعَه، وأنفعَه، فإنه لا يَضُرُّ تقريرُ الظواهر معه، ولا ينفعُ التعمق (٣) في النظر والتأويل إلا به، إليه يفيء الغالي، وبه يلحق التالي، وما يَعْقِلُها إلا العالمونَ، وهو ثمرةُ شجرة الكتب المبسوطات، ودُرَّةٌ صدفِ التآليف المطولات، ولُبابُ قشرِ العبارات (٤) المختلفات، ولا يلزم معه شنَاعَاتُ الجبر والتشبيه، ولا ينفع دونَه دعاوي العدلِ والتنزيه، فشُدَّ عليه يديك (٥)، وأَلْقِمْ به الحَجَرَ كُلَّ معترضٍ عليك. قال المصنِّفُ (٦) بعد الخطبة: وها أنا أُرَتِّبُ ذلك على بابين: بابٍ في بيانِ حقيقة مذهب السَّلف في الآي والأخبار، وباب في البرهان على أنَّ الحقَّ في ذلك مذهبُ السّلَفِ. الباب الأول: اعلم أنَّ مذهب السَّلف أنّ كُلَّ من بلغه حديثٌ من أحاديث الصِّفات، يجب عليه فيه سبعةُ أمور: التَّقديسُ، ثمَّ التَّصديقُ، ثمَّ الاعترافُ بالعجز، ثمَّ السُّكوتُ، ثم الإمساكُ، ثم الكَفُّ، ثم التَّسليمُ. أمّا التقديسُ، فتنزيهُ الله تعالى عن مشابهةِ المخلوقات جميعها.

стр. 1207

وأمَّا التَّصديقُ، فهو الإيمانُ بأنَّ ما ذكره حق (١) على الوجه الذي قاله وأرادَه. وأما الاعترافُ بالعجز، فهو أن يُقِرَّ بأنّ معرفةَ (٢) مراده ﵇ ليس مِنْ شأنِهِ. وأمّا السُّكوتُ: فهو أن لا يسألَ عن معناه، ولا يخوضَ فيه، ويَعْلَمَ أنّ سؤالَه عنه بدعةٌ، وأنَّهُ في خوضه فيه مُخَاطِرٌ بِدِينِهِ، وأنه يُوشِكُ أن يكفر لو خاض فيه، وهو لا يشعُرُ. وأمّا الإِمساكُ: فلا يتصرَّفُ في تلك الألفاطِ بالتَّصريفِ، والتبديل، والزيادةِ فيه، والنُّقصانِ منه، والجمعِ والتفريق، بل لا يَنْطقُ إلاَّ بذلك اللفظ، وعلى ذلك الوجه. وأما الكَفُّ: فإنَّهُ يَكُفُّ باطِنَه عَني البحث عنه، والتَّفَكُّرِ فيه. وأمّا التَّسلِيمُ: فأن لا يَعْتَقِدَ برسولِ اللهِ ﷺ وأصحابِهِ وتابعيهم تُهْمَةً، ولا يُوَجِّهَ إليهم ظِنَّة، لقيامِ الدليل على صدقه ﷺ ، ومعرفتِهِ بما يجوزُ على الله تعالى مِمّا لا يجوز، وعدالةِ الصَّحابة وتابعيهم، وثناءِ الله تعالى عليهم في كتابه العزيز، وشهادتِهِ لهم بأنَّهم خيرُ القرون بَعْدَه. فهذه سَبْعُ وظائف اعتقد كافةُ السلفِ وجوبَها، فلنشرحها بعون الله تعالى. الوظيفة الأولى: التقديس: وهو أنَّهُ إذا سَمِعَ ذكرَ اليدِ في كتاب الله

стр. 1208

تعالى، وفي سُنَّةِ رسولِ الله ﷺ ، لم يَحْمِلْ ذلِكَ على الجارحةِ المركَّبة مِنَ اللّحْم، والدَّم، والعظم، والعَصَب في الجسم المخصوص، ولا على اليَدِ المستعارة مِنْ نحو القُدْرَةِ، والنِّعمة، وما أشبهه، وأن يعتقِدَ أنّ اليَدَ صِفَةٌ لذي الجلال والإكرام، لا تتكيَّف للمخلوق، ولا يعْلَم كنهُ حقيقتها (١)، وليس عليه في ذلِكَ تكليف أصلاً، وكذلِكَ سائر صفاتِ الله تعالى الواردة في كتابه، وعلى لسانِ رسوله ﷺ إلى قوله: فإن خَطَرَ له أنّه لم يرد هذا المعنى، فما المعنى؟ فينبغي أن يَعْلَمَ أنَّ ذلِكَ لم يُؤْمَرْ به، بل أُمِرَ أن لا يخوضَ فيه، فإنه ليس على قدر طاقته، وأنّ ذلِكَ ليس بِعُشِّكَ فادْرُجْ (٢)، واشْتَغِلْ بعبادتِكَ أو حِرْفَتِك (٣)، واسْكتْ، فقد خفَّفَ الله عنك. الوظيفة الثانية: الإِيمانُ والتصديق: وهو أن يَعْلَمَ قطعاً أنّ رسولَ الله ﷺ في وصف الله تعالى بذلك صَادِقٌ (٤) وليقل: آمنّا وَصدَّقْنَا.

стр. 1209

فإن قيل: التصديقُ لا يكونُ إلا بَعْدَ التَّفَهُّمِ، وهذه الألفاظُ إذا لم يَفْهَمِ العبْدُ معانِيَهَا، كيف يعتقِدُ صِدْقَ قائِلِهَا فيها؟ والجوابُ: أنَّ التصديقَ بالأمور الجُمْلِيَّةِ ليس بمحالٍ، كالتصديقِ بالله تعالى، وملائكَتِهِ، وكتبه، ورسلِهِ مِن غيرِ تفصيل، ويُمْكِن أن يُفْهَم مِنْ هذِهِ الألفاظِ أُمورٌ جُمْلِيَّةٌ غَيْرُ مفصَّلةٍ، كما لو قال قائل: في البيت حيوانٌ، أمكنَ أن يصدق دون (١) أن يعرفَ أنَّه إنسانٌ، أو فرس، أو غيره، بل لو قال: في البيت شيءٌ، أمكن تصديقُهُ، وإن لم يعرف ما ذلِكَ الشيءُ، فكذلِكَ الاستواءُ على العرشِ، فُهِمَ على الجملةِ، وأمكن التصديقُ به قَبْلَ أن يُعرف (٢) معنى الاستواء، يعني على التفصيل. فإن قيل: فقد قال اللهُ تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُون﴾ [النحل: ٤٣]. فالجواب: أنَّه أمر (٣) بسؤالهم فيما يُطِيقُونَهَ، وأمّا ما لا يطيقونه ولا يعلمونه، فقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]، و ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]. قلت: وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٤]. قال الشيخ: ولكن تقديسَه سبحانه ينبغي أن يكون مُفَصَّلاً، وهو نفي

стр. 1210

مشابهة المخلوقات جميعها (١). قلت: يعني أنّه لا يلزم من الوقف في تفسير آياتِ الصِّفات عَدَمُ الجزمِ بأنّ الله تعالى لا يمَاثِلُ شيئاً منَ المخلوقات، وذلِكَ لأن قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء﴾ [الشورى: ١١] من المُحْكَمَاتِ. وقد ترك الشيخ سؤالاً مشهوراً للمتكلمين، وهو: أنَّه يجب في حكمة الله أن لا يُخَاطبَنَا بما لا نَعْرِفُ معناه، وقد أُجِيبَ عن ذلك بأمورٍ كثيرة تأتي إن شاء اللهُ تعالى في آخر هذا الكتابِ عندَ الكلام على التَّأويل، فلا نطولُ بذكره ها هُنا، ومِنْ أخصرها وأحلاها أنَّهم إن أرادوا أنّ الله تعالى لا يُخَاطبُنَا بما لا نفهم منه شيئاً البتة، لا جملةً ولا تفصيلاً، فمسلَّمٌ ولا يَضُرُّ تسليمه؛ لأنّا لم نحتج إلى القولِ به، وإن أرادوا أنّه لا يجوز أن يُخَاطِبَنا بما لا نفهمه تفصيلاً، وإن فهمناه جملةً فممنوع (٢)، فإنه قد ورد في كتاب الله تعالى مِمَّا يجب علينا الإيمانُ به، ذكر ما لا يُفْهَمُ إلا جملةً، وذلِكَ أمورٌ عديدة. منها: معرفتُهُ سبحانه والإِيمانُ به، ولا يَصِحُّ إلا جملةً، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠]. ومنها: ملائكتُه، وكتُُُبه، ورسُلُه على العموم، والدار الآخرة، ولو لم يصحَّ ذلك، لم يصح إيمان العجمي ببلاغة القرآن وإعجازه، ولا إيمان (٣) العاميِّ بالمتشابه، ولوجب على عوامِّ المسلمين أن يكونوا منَ الرَّاسخين، وعلى الرَّاسخين أن لا يتوقَّفُوا في معنى شيءٍ مِنْ كتاب ربِّ

стр. 1211

العالمين، وكلُّ ذلِكَ خلافُ المعلوم. الوظيفة الثالثة: الاعتراف بالعجزِ عن معرفةِ حقيقة هذه المعاني ، فإنَّه إنِ (١) ادَّعى ذلِكَ، كذب. وهذا معنى قولِ مالكٍ ﵀: الكيفيَّةُ مجهولة، يعْني: التفصيلُ المرادُ به غير معلوم. قلت: العَجْزُ عن المعرفة التفصيلية في ذاتِ الله وصفاته (٢) ضروري؛ لأنَّ كلَّ ما لَمْ يُشَاهَدْ، ولا مثْلَ له في المشهوداتِ، استحال تصوُّره في الذَّهن، وما استحال تصوُّره، استحال أن يُعْرفَ إلاَّ على سبيل الجملة، ولو (٣) لم نعرف النُّورَ أو غيره، وسمعنا ذكرَه، ما أمكن تصوُّرُه، ولو تصوَّره متصوِّرٌ مِنْ غيرِ معرفة، وقع في الخطأ، ولذلِك لا يُمْكِنُ تعريفُ الصغير لَذَّة النَّكاح على التَّفصيل، وَمَنْ قال له: إنَّه حُلْوٌ كالسُكَّرِ على جهة التَّقريب له، أخطأ، فكيف لا يجب الاعترافُ (٤) بالعجز (٥) وهو ضروري؟ قال الشيخ: الوظيفة الرابعة: السُّكوت ؛ لأنَّهم بالسُّؤال متعرِّضُون لمَا لا يُطِيقونه، وخائِضُون فيما ليس هُمْ أهلاً له، فإنْ سأل السَّائل، جاهلاً، زاده جوابُهُ جهلاً، وربما ورَّطه (٦) في الكُفْرِ مِنْ حيث لا يشعر، وإنْ سألَ عالماًً، عَجَزَ عن تفهيمه (٧)، لِقصور فهمه هو، فالعامَّةُ والخاصَّةُ

стр. 1212

عاجزون عن معرفة كيفيَّة الأمور الإِلهية، قاصِرُونَ عن إدراكها، فَمنْ فعل ذلك، وجب على السُّلطانِ زجْرُه، ومنعُهُ، وضربه بالدِّرَّة، كما فعل عُمَرُ ﵁ بِمَنْ يسألُ عَنِ الآياتِ المتشابهة (١)، وكما فَعلَ رسول الله ﷺ في الإنكار على قوم رآهم يخوضُونَ في القدر، ويسألون عنه فقال: " أبِهذا أُمِرْتُمْ؟ " (٢) وقال ﵇: "إنَّمَا أهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكمْ كَثْرَةُ

стр. 1213

مسَائِلِهِمْ" (١). قلتُ: الحديثِ الثاني متَّفَقٌ على صحَّته، والأول جاء بأسانيد كثيرة (٢) مجموعها يقضي بقوتها (٣) كما يأتي عند ذكر القدر في مسألة أفعال العباد إن شاء الله تعالى. قال الشّيْخُ: الوظيفة الخامسة: الإمساكُ عَنِ التَّصَرُّفِ في الألفاظِ الواردة. وشرحُ ذلكَ: أنَّهُ يجبُ الجُمودُ على ألفاظِ هذِه الأخبار، والإمساكُ عَنِ التَّصَرُّفِ فيها من أربعة أوجه: التَّفسير، والتَّأويل، والتَّصرُّف، والتَّفريع.

стр. 1214

أمّا التَّفسيرُ: فأعني به تبديلَ اللّفْظِ بلغةٍ أُخرى يقوم مقامَها بالعربية (١) أو يُؤَدِّي معناها بالفارسية أو (٢) التُّركية، بل لا يجوز النطقُ إلا باللفظِ الوارِدِ، لأن منْ ألفاظ العربيّةِ ما لا يوجَد له فارسيةٌ مُطابقةٌ، ومنها ما يُوجدُ له فارسيةٌ مُطابقة، لكنْ ما جَرَتِ عادةُ الفرس باستعمالها في المعاني الّتي جَرَتْ عادةُ العرب باستعمالها فيها، ومنها ما يكون مشتركاً في العربيَّة، و (٣) لا يكون في العَجَمِيَّةِ كذلِكَ، ثمَّ إذا انقسمت هذه الأشياء إلى ما يجوز، وما لا يجوز، وليس إدراك التمييز بينها (٤)، ولا الوقوف على دقائق التّمييز بينها، ولا الوقوف على دقائق (٥) التفاوت (٦) جلياً سهلاً (٧) يسيراً، بل يَكْثُرُ فيه الإِشكالُ، ولا يتميزُ محل التَّفاوت عن مَحَلِّ التَّعادل، فَحَسْم الباب احتياطاً -إذ لا حاجَةَ ولا ضرورةَ إلى التَّأويل- أوْلى منْ فتح الباب، وإقحام (٨) الخلقِ وَرْطَةَ الخطر. فليت شعري: أيُّ الأمرين أحزمُ، وأحوط، وأسلمُ، والمتصرّف فيه ذاتُ الله وصفاته، وما عندي أنَّ عاقلاً متديِّناً يخفى عليه أنَّ هذا الأمرَ مُخْطِرٌ (٩)، وأن الخَطَرَ في الصِّفات الإلهية يجبُ اجتنابُهُ، وقد أوجبَ الشَّرعُ على الموطوءة العِدَّة لِبَراءة الرَّحم، والحذر مِنْ خلطِ الأنسابِ

стр. 1215

احتياطاً لحكم الوراثة (١)، والولاية وما يترتَّبُ على النّسَبِ، فقالوا مع ذلك: تجبُ العِدَّةُ على العقيم، والآيسة، والصَّغيرة، وعِنْدَ العَزْل؛ لأنَّ باطِنَ الأرحام إنَّما يَطَّلِعُ عليها علاَّمُ الغُيوب، فلو فتحنا بابَ النَّظر في التَّأويل، كُنَّا راكبين مَتْنَ الخطر، فكما أن إيِجابَ العِدَّةِ حُكْمٌ شرعيٌّ يَثبتُ (٢) بالاجتهاد ويترجَّح (٣) طريقُهُ بالأولى، فنعلم أن هذا الاحتياط في الخَبَر عَنِ الله تعالى، وَعَنْ صفاته أهمُّ وأوْلَى مِنَ الاحتياطِ في العِدَّةِ، و (٤) في كلِّ ما احتاط الفقهاءُ فيه مِنْ هذا القبيل. وأمّا التَّصَرُّف الثَّاني: وهو بالتَّصرف بالتَّأويل، وهو بيانُ معناه بعدَ إزالة ظاهرِه، فهذا إمّا أن يَقَعَ مِنَ العامِّيِّ مع نفسه، أو مِنَ العالِمِ مع العامِّيِّ، أو مِنَ العالِمِ مع نفسه، بينَه وبَيْنَ ربه، فهذه ثلاثةُ مواضع. الأول: تأويلُ العامِّيِّ على سبيلِ الاستقلال بنفسه، فهو حرامٌ، يُشْبِهُ خوضَ البحرِ المغرقِ (٥) مِمَّن لا يُحْسِنُ السَّباحة، فلا شكَّ في تحريمه، وبَحْرُ معرفة ذاتِ الله وصفاته أبعدُ غوراً، وأكثرُ معاطِبَ ومهالك من بحر الماء. الموضع الثاني: أن يكونَ ذلِكَ مِنَ العالِمِ مع العامِّيِّ، وهو أيضاً ممنوع، ومثاله: إنْ بحَّرَ الغواصُ (٦) مع نفسِهِ عاجزاً عَنِ السِّباحَةِ، مضطربَ القلب والبدنِ، وذلك حرامٌ، لأنَّهُ يعرِّضه لخطرِ الهلاك، فإنَّه لا

стр. 1216

يقوى على حفظه في لُجَّةِ البحر، لقلَّة علمهِ بِعُمْقِ البحر، وتماسيحه وقُروشِهِ، وإن قَدَرَ على حفظه بالقُرْبِ مِنَ السَّاحل، إلى قوله: وفي معنى العامي: الأديبُ، والنَّحويُّ، والمُفَسِّر، والفقيهُ، والمتكلم. قلت: في " صحيح البخاري " (١) عن عليٍّ رضوان الله عليه: لا تُحَدِّثوا النّاسَ بما لا تَحْتَمِلُهُ عُقُولُهُم، أتُحِبُونَ أن يُكذَّبَ اللهُ ورسولُهُ؟! وصحَّ أيضاً عن معاذ أنَّ رسول الله ﷺ نهاه أنْ يُخْبِرَ بالخبر الحقِّ الذي أخبره (٢) به ﷺ مِنْ نَجَاةِ مَنْ مات يشهدُ أن لا إله إلا الله مُخْلِصاً بها قلبُه (٣)، وجاءَ النَّهي عَنِ الخبر بمثل ذلِكَ كثيراً؛ وذلك لأجل المصلحة،

стр. 1217

فلا يمتنع كَتْمُ شيءٍ مِنَ الحقِّ الَّذي لا تَعَلَّقُ المصلحةُ بظهوره، ولا تَمَسُّ الحاجةُ إليه (١)، بل في قوله تعالى: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُم ولا يَنْفَعُهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٢]، ما يدُلُّ على أنَّ جهل بعضِ العُلوم أولى، ويدلُّ على هذا مفهومُ قوله تعالى: ﴿وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيه﴾ [الزخرف: ٦٣]، وقوله: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]، ومنه منعُ الملائكة مِمّا عُلَّمَهُ آدمُ مِنْ علم الأسماءِ، ومنعُ موسى مِمّا عُلّمَهُ الخَضِرُ مِنْ علمِ التّأويل، وفي الصحيح " أنَّ الخَضِرَ قال لموسى: إِنَّك على عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ، فلا ينبغي لي أنْ أعْلَمَهُ، وإنِّي على علمٍ من عِلْمِ الله، لا ينبغي لَكَ أنْ تعلمَهُ " (٢). قال الشيخُ: الموضعُ الثالث: تأويلُ العالِمِ مع نفسِه في سِرِّ قلبه بينَه وبَيْنَ ربِّه، وذلك لا يخلو مِنْ ثلاثةِ أوجه: إما أن يكونَ الذي انقدح في سِرَّه هو المرادُ به مقطوعاً به، أو مشكوكاً فيه، أو مظنوناً ظنّاً غالِباً، فالمقطوعُ به معدومٌ؛ لأن معرفته مِنْ

стр. 1218

قِبَل (١) الله تعالى، أو مِن رسوله ﷺ ، وذلك غيرُ موجودٍ، وإنْ كان مشكوكاً فيه، فَلْيَجْتَنِبْهُ، ولا يَحْكُمَنَّ على مرادِ الله تعالى، ومُرادِ رسوله ﷺ باحتمالِ معارضة (٢) مثلِه مِن غيرِ ترجيحٍ، بَلِ الواجبُ على الشَّاكِّ (٣) التَّوقُّفُ. وإنْ كان مظنوناً، فإنَّ الظنَّ إذا انقدح في النَّفس، فلا يَدْخُلُ تحتَ الاختيارِ دَفْعُهُ، فإنَّ للظَّنِّ أسباباً ضرورية لا يُمْكِنُ دفعُها، ولا تُكَلَّفُ النَّفسُ إلا وُسْعَهَا، لكن عليه وظيفتان: أَحَدَهُما: أن لا يدَعَ نفسَه تطمئنُّ إليه، ولا ينبغي أن يَحْكُمَ مع نفسه بموجب ظَنِّه، لنهيِ الله تعالى عَنْ ذلك فيما هو دُونَ هذا، فكيف بهذا (٤) الأمر العظيم بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنّ﴾ [الحجرات: ١٢] الآية. قلت: لو احتجَّ بالأحاديثِ المتضمِّنة للنَّهي عَنِ التَّفسير بالرَّأي، كان أصرح، وأسانيدُها تقوى بانضمامِ بعضها إلى بعضٍ، وخرج منها العملياتُ بإجماعِ الصَّحابة الظني السُّكوتيِّ التَّقريريِّ، حيث قرَّروا الصَّدِّيقَ ﵁ على قوله في الكَلاَلَة: أقول فيها برأيي (٥)، بل يمكن

стр. 1219

أن لا يكونَ كلامُ الصِّدِّيق تفسيراً، ولذلك قال: " برأيي " حتى يكون بريئاً مِنَ الخبر عَنِ الله تعالى في مُراده، وإنَّما قَصَدوا العملَ لأجل الضرورة فيه، لا الخبر عن الله تعالى، لأن الخبر عنه بالرّأي بمنزلة النُّبُوَّةِ بالرّأي، والوحيِ بالرأي، فالعمل يتفرَّع على الظن، ويترتَّبُ عليه؛ لأنَّ في مخالفة الظَّنَ بالعمل مَضَرَّةً مظنونةً، وركوبُ مثل ذلك قبيحٌ بفطرةِ العقول (١)، وشواهدِ المنقول، وفي الصَّحيح أنَّه ﷺ قال لهم: " أَرأيْتُمْ لَوْ أَنْذَرْتُكُمُ الجَيْشَ " (٢) الحديثَ، فهم (٣) عاملون بالظَّنِّ، غيرُ مخبرين عَنْ مُرادِ اللهِ، وذلك لا يتناقض، بل قد صحَّ إنّ ما سمَّاه أبو بكر رأياً هو معنى الكَلالةِ في اللُّغَةِ، وليس ذلك بِرأْيٍ على الحقيقة، لكِنَّهُ -لِشدَّةِ ورعه واحتياطه- سمَّاه رأياً، حيث تَمَسَّكَ بالظاهر مِنْ غير نصٍّ ثابت عن رسول الله ﷺ . قال الشيخ: الثانية: أنَّه إنْ ذَكَرَه، لم يطلق القول بأنَّ المراد منه كذا وكذا، لأنَّه حكم بما لا يَعلم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْم﴾ [الإسراء: ٣٦]. ولا يجوز التَّحدُّثُ به مع الخلق؛ لأنَّهُ قادرٌ على تركه، وهو في ذكره

стр. 1220

متصرِّفٌ في ذات الله تعالى بالظنِّ، أو في مراده بكلامه، وفيه حظر، وإباحةُ ذلك لا تعرف إلاَّ بالنَّصِّ أو الإجماع، ولم يَرِدْ شيءٌ من ذلك، بل ورد قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْم﴾. فإن قيل: يدلُّ على جواز الظَّنِّ ثلاثة أمورٍ: الأوَّل: الدَّليل الذي دلَّ على إباحة الصِّدق، وهو صادق، فإنَّه لا يُخْبِرُ إلا عن ظَنِّهِ، وهو ظانٌّ. الثّاني: أقاويل المفسِّرينَ في القرآن بالظَّنَ، إذ كلُّ ما قالوه غير مسموعٍ مِنْ رسول الله ﷺ ، بل مُستنبَطٌ بالاجتهاد ولذلك كَثُرتِ الأقاويلُ فيه، وتعارضت. والثَّالث: إجماعُ التابعين على نقل الأخبارِ المتشابهةِ (١) الَّتي نقلها أجِلاَّء الصَّحابة، ولم تتواتر، وما اشتملت عليه الصِّحاحُ مِنَ الذي نقله العدلُ عَنِ العدلِ، فإنَّهم جوَّزوا روايتَه، ولا يَحْصُلُ بقولِ العدلِ إلا الظَّنُّ. فالجوابُ (٢) عن الأول: أن المُباحٍ صدق لا (٣) يُخشى فيه ضررٌ، وبث هذه الظُنونِ لا يخلو عَنْ ضررٍ، لأنَّه يحكم (٤) في صفاتِ اللهِ تعالى بغير علم، وهو خطر، فالنُّفوس نافِرَةٌ عَنْ أشكال الظَّواهر، فإذا وجدتَ مستروحاً مِنَ المعنى -ولو مظنوناً- أخْلَدْت إليه، ورُبَّما يكونُ غلطاً،

стр. 1221

فيكون قد اعتقد في صفاتِ الله ما هو باطل، أو حكمَ عليه في كلامه بِمَا لم يُرِدْهُ. قلت: لو احتجَّ الشَّيخُ هنا بالنُّصوص الواردة في النَّهي عن تفسير القرآن بالرأي، لكان جيِّداً، لأنها تقتضي ظنَّ التحريم في هذا الموضع دون سائِرِ المواضع المظنُونَة، فإنْ كان الظَّنُّ حجة، كان التَّمسُّكُ بها أولى لخصوصها بهذا الموضع، ورفعها للعمومات الدالةِ على أنَّ الظن حُجَّةً، فلا مانعَ من ورود (١) السمع بمنع الظَّنِّ لمصلحةٍ، كما منع من الرجم، والحكمِ بالزنى بشهادة أقل مِنْ أربعة، مع حُصول الظَّنِّ بشهادة الواحد، وهذا الوجه جيِّدٌ في الجواب في المواضع الثَّلاثة الَّتي ذكرها الشَيخُ. قال رحمه الله تعالى: وأما الجواب على الثاني -وهو أقاويلُ المفسرين- فإنَّا لا نسلِّمُ ذلك فيما هو مِن صفات الله تعالى. قلت: أو في صفاته مِمَّنْ يستحِلُّ ذلك، ويقلُّ وجودُه في المتقدِّمين، وَيكثُرُ في المتأخِّرين، ومستحلُّ ذلك بعضُ الأُمَّة، ولا حُجةَ في قولِ البعضِ، ولا يَصِحُّ منه شيءٌ عَنِ الصَّحابة وكُبراء التَّابعين. قال الشَّيخ: بل لعلَّ ذلك في الأحكام الفقهية، أو في حكايات أحوالِ الأنبياء ﵈، والكفارِ، والمواعظِ، والأمثالِ، وما لا (٢) يُعْلَم خَطَرُ الخطأ فيه. وأمَّا الجوابُ عن إجماع التّابعين على نقل الأخبار المتشابهة الّتي نقلها أجلاَّءُ الصَّحابة ﵃، فقد قال قائلون (٣): لا يجوز أن يُعْتَمَدَ

стр. 1222

في هذا البابِ إلاَّ على ما ورد في القرآن، أو تواترَ عن رسول الله ﷺ ، فأمَّا أخبار (١) الآحاد، فلا يُشْتَغَلُ بتأويلها عند من يميلُ إلى التَّأويل، ولا روايتها عند من يعتمد على الرواية بالمظنون؛ لأنَّ ذلك حُكْم واعتمادٌ عليه، وما ذكره ليس ببعيد، لكنه مخالفٌ لظاهر ما دَرَجَ عليه السَّلَفُ ﵃، فإنَّهم قَبِلُوا هذه الأخبار مِنَ العدول، ورَوَوْهَا وصحَّحُوها. فالجواب (٢): من وجهين: أحدهما: أن التَّابعين قد عَرَفُوا مِنْ أدلَّة الشَّرع أنَّه لا يجوز اتِّهام العَدْلِ بالكذب، لا سيَّما في صفات الله تعالى. قلت: وقد يمتنع حَمْلُ الرَّاوي على السهْوِ في ذلك بقرائنَ ضروريَّةٍ لا يُمْكِنُ التعبير عنها، لا سِيَّما عند تكرُّرِ ذلك منه، أو سؤاله عنه، وعدم تردُّدِه عندَ موجباتِ التَّردُّدِ مِنْ سماعه للخوض في ذلك، والاختلافِ الشديد بسبب روايته. قال الشيخ: فإذا روى الصدِّيق ﵁ خبراً، وقال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: كذا، فَرَدُّ ذلك تكذيبٌ له، ونسبة (٣) له إلى الوضع أو السَّهو، فقَبِلُوه، وقالوا: قال أبو بكر: قال رسولُ الله ﷺ ، وكذا التَّابعون. فالآن إذا ثَبَتَ عنهم بأدلَّة الشَّرع أنّه لا سبيلَ إلى اتِّهام العدلِ التَّقِيِّ مِنَ الصَّحابة، فَمنْ أينَ يَجِبُ أن لا تُتهم ظنونُ الآحادِ، وأن يُنزل الظَّنُّ منزلةَ نقلِ العدل عن العدل، مع أنَّ بعضَ الظن إثْمٌ؟ فإذا قال لهم الرسول: ما أخْبَرَكُمُ العدلُ، فصدِّقوه، وانقُلُوه، واظهِرُوه، ولم يقل:

стр. 1223

ارْوُوا عَنْ ظُنونكم، وضمائِركم، ونفوسِكم ما قالَتْهُ، وليس هذا في معنى المنصوص (١)، فلهذا نقولُ: ما روي عن غيرِ العدل مِنْ هذا الجنسِ ينبغي أن نُعْرِضَ عنه، ولا يُروى، ونحتاط (٢) فيه أكثر مِمَّا نحتاط في المواعظ والأمثالِ، وما يجري مجراها. قلت: بل أكثر ممَّا يُحتاط في أحكام التَّحليل والتَّحريم. والفرق بينَ خبرِ الواحد وسائرِ الظنون مجمعٌ عليه، فالأمَّةُ مُجْمِعَةٌ على أنَّ النص الذي يجبُ العملُ به، ولم يُعَلَّ (٣) بما يَقْدَحُ فيه مانِعٌ مِنَ الظَّنِّ الناشىء عن الاجتهاد، ومقدَّمٌ عليه. ومنْ ها هنا وجب اعتبارُ الشهاداتِ حيث لا تُعْتَبرُ الظنون، فيحكُم الحاكمُ في الحقوق بشهادةِ عدلين، ولا يحكم بقيامِ قرينتين ظنيَتين، وفي حدِّ الزنى بشهادة أربعةٍ عدول لا بظهور (٤) أربع (٥) قرائن ظَنية. ومُنتهي الأمرِ أن الشَّرع منع بعض الظنون، وأباح بعضها، وذلك تفصيل لِمَا أشارَ إليه في قوله: ﴿إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]. ثمَّ قال الشيخُ: الجواب الثاني: أنَّ تلك الأخبارَ رواها الصَّحابة، لأنَّهم سمعوها مِنْ رسول الله ﷺ يقيناً، فما نَقَلُوا إلا ما تَيَقَّنُوه، وكذلك

стр. 1224

التابعون، فإنهم عَلِمُوا (١) أنَّ الصحابة رَوَوْا ذلك، فَرَوَوْهُ عنهم، وما قالوا: قال رسولُ الله ﷺ بل قالوا: قال فلانٌ: قال رسولُ الله ﷺ كذا وكذا، فكانوا صادقين، ولم يُهْمِلُوا روايتَه لاشتمالِ كُلِّ حديثٍ عَلَى فَوائِدَ لا نَقِفُ على حقيقتها. قلتُ: ونطلب (٢) التَّوابعَ والشَّواهد، لعلها تَوَاتَر، كما قد كان (٣) ذلك، فأنَّى يُساوي هذا حكاية الظنون المنقدحة في الأنفس. قلت: ولأنَّ العقول كما تحكم بالاحتياطِ في الخَبرِ عن ذات الله تعالى وصفاته ومرادِه في كتابه، وُيمنع (٤) إطلاق ظنونِ الخلق (٥) على كثرتها وتعارضِها لِمَا يَشْتَمِلُ ذلك عليه مِنَ المفسدة، فإنَّها -أيضاًً- تحكم بأنَّ ردَّ أخبارِ الثقات الذين لم تلحقْهُمُ التُّهمة بوجهٍ مِنَ الوُجوه أشدُّ مفسدة مِنْ ذلك، ولا سيَّما والقرآن شاهدٌ لأخبارهم في ذلك، إمَّا تفصيلاً، أو جملةً، فالتَّفصيلُ حيث تَوَارَدُ الأخبارُ والآياتُ على صِفَةٍ واحدة، والجملةُ حيث يَرِدُ الأثرُ بوصفٍ وردَ القرآن بنحوه، لا بمثلهِ، وأيضاً فمجموعُهَا يتواتر، ولو في المعنى الجُملِيِّ، كما قيل في شجاعة علي ﵇، وجودِ حاتم. قال الشَّيخ: وهذا تمامُ الكَفِّ عن التَّأويل والخوض فيه.

стр. 1225

التَّصرُّف الثالث: الذي (١) يجبُ الإِمساكُ عنه: التصريفُ، وشرحه: أنَّه إذا ورد قولُه تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ﴾ [السجدة: ٤]، فلا ينبغي أن يُقال: مستوٍ ويستوي، لأنَّ في تغيير التَصاريف ما يُؤثِّرُ في تغيير الدلالات والاحتمال (٢)، فليجتنب التصرف كما يجتنب الزيادة، فإن تحتَ الزيادة نقصاناً وزيادة. قلت: وعلى هذه القاعدة، فلا يُقال: إن الله تعالى مُرِيدٌ للقبائح، بل يُقتصر على أنَّه لو شاء ما عُصِيَ، وأنَّه (٣) لو شاء، لهدى الخلق أجمعين من غير تأويلٍ لذلك، ونحوه ممَّا ورد به السَّمعُ المعلوم، فإن مخالفةَ عبارات السَّمع تحتمِلُ أمرين: إما تغييرَ المعاني، وهو واضح ها هنا، فإنّ قولنا: " ما شاء اللهُ كان " مدحٌ عظيم لَا يَصْدُقُ إلا على ربِّ العِزة جلَّ وعَزَّ، ولا يُشارِكه فيه غيرُه البتَّة، فكيف يستلزمُ وصفه بأنه مريدٌ للقبائح، وهذه صفةٌ يشتركُ فيها جميعُ أهل العجز والنقص مِنَ الخلق، ويختصُّ بها مفردةً أهلُ الخسَّةِ مِن الخلق، وما (٤) أفحشَ ما رامت المبتدعةُ مِنْ إلزام أهلِ السُّنَّةِ مثلَ ذلك، وقطعهم بأنَّ من قال: " ما شاء الله كان " مثلُ مَنْ قال: " إنَّه (٥) مريد للقبائح " وسيأتي بيانُ بطلان ذلك في مسألة الإِرادة، فمِنْ ثمَّ منعنا مِنَ الرواية بالمعنى في القطعيَّات، وخصوصاً في الأسماء والصِّفات، وإنِ اعتقدَ المعترض أنَّها سواء، وإن قلنا: إنَّ ذلك لا يجوز إلا لعالم بما

стр. 1226

يُحيل (١) المعاني؛ لأنَّ كُلَّ واحدٍ من الخائضين حسنُ الرَّأي في نفسه، فقد يعتقد بعضُ النَّاسِ أنَّه مِنَ العارفين بذلك، وليس منهم، فيجبُ سَدُّ هذا الباب، كما اختاره مالكٌ وغَيْره في تحريمِ رواية الحديث بالمعنى (٢)، وإن لم يتعلَّق بصفاتِ الله تعالى، فكيفَ إذا تعلَّق بذلك؟ وثانيهما: سُوءُ الأدبِ على تسليم عدمِ تغيير المعنى، فقد تَحْرُمُ بعضُ العبارات، كما لا يُقال في الدعاء: يا ربَّ الكلابِ والخنازير على الإفراد، بل يَجِبُ التعظيمُ أو التَّعميمُ، فالتعظيم مثل: يا ربَّ العرش الكريم، والتَّعميم مثل: يا ربَّ كُلِّ شيء، كما ورد السَّمعُ بذلك، ولذلك ورد وصفه تعالى بأنَّ بيده الخيرَ وهُو على كُلِّ شيءٍ قدير، فدخل الشَّرُّ في التَّعميم، ولم يُذكر بالتَّخصيص، فيقال: بيدِهِ الشَّرُّ وهو على كل شيء قديرٌ (٣)، ولذلك قال العلماء: لا يُفْرَدُ (٤) الضَّارُّ عَنِ النَّافع في أسمائه الحسنى، لأنَّه تعالى نافع، بِعَيْنِ (٥) ما هو به ضار، مثالُه: مضرَّتُه

стр. 1227

للظالم، فإنَّها عَيْنُ منفعته للمظلوم، ولهذه الأسرارِ وجب الاقتصارُ على ما ورد به السمع، وحرم التَّصرف فيه، والله أعلمُ. قال الشيخ: التصرفُ الرابع الذي يجبُ الإمساكُ عنه: القياسُ والتفريع، مثل: أن يَرِدَ لفظ اليدِ، فلا يجوز (١) إثباتُ الكفِّ (٢) والساعد استدلالاً بأن هذا مِنْ لوازمِ اليَدِ. فأهمُّ المواضع بالاحتياط ما هو تصرف في ذات الله تعالى وصفاته، وأحق المواضع بإلجام اللِّسان، وتقييده (٣) عَنِ الجريان ما عَظُمَ فيه الخَطَرُ، وأيُّ خطرٍ أعظم من الكفر؟ قلتُ: والأصلُ في هذا وأمثاله ما ثبت من طريق الحسنِ بنِ علي ﵉ عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: " دع ما يَرِيبُكَ إلى ما لا يَرِيبُكَ " (٤) وما في معناه. قال الشَّيخ: الوظيفة السادسةُ في الكفِّ بعد الإمساك للِّسان، وأعني بالكفِّ: كفَّ الباطن عَنِ التفَكرِ في هذه الأمور، فذلك واجبٌ عليه، وهذه أثقلُ الوظائفِ، وهي واجبة كما وجب على العاقلِ أن لا يخوضَ غَمْرَةَ البحرِ اتِّكالاً على عادته في السِّباحة، فإنَّ معاطب البحر كثيرة، ومهالِكَه جمَّة، ويتفكَّرُ في أنَّه -وإن فاتته نفائسُ البحر وجواهرُه- فلم تفُته إلاَّ زياداتٌ وتوسعات (٥) في المعيشة، وهو مستغنٍ عنها، وإن

стр. 1228

غرِقَ أو التقمه التمساحُ، فاته (١) أصل الحياة. قلت: وللإمامِ المؤيَّدِ بالله ﵇ نَحْوُ هذا الكلامِ في آخر كتابه " الزِّيادات " (٢) ذكره في (٣) التحذير في (٤) الزِّيادة على قدرِ (٥) الحاجة في هذه الأمور. قال الشيخ: فإن قيل: فإن لم ينْصَرِفْ قَلْبُهُ عن التفكر؟ فالجواب: أنَّ طريقه أن يَشْغَلَ نفسه بعبادة اللهِ تعالى، وبالصَّلاة، والقرآن، والذكر، فإن لم يَقْدِرْ، فبعلمٍ آخر لا يُناتسِبُ هذا الجنس من فقهٍ أو غيره، فإن لم يُمْكنْه، فَبِحِرْفَةٍ أو صناعة، ولو الحِراثة أو الحياكة، فإن لم يقدر، فليحدِّثْ نفسه بهولِ القيامة، والحشرِ، والنَّشرِ، والحساب (٦)، فكلُّ ذلك خيرٌ له مِنَ الخوض في هذا البحر البعيد عُمْقُهُ، العظيم خَطَره وضَرَرُهُ، بل لو اشتغل الإنسانُ بالعادات (٧) البدنية، كان أسلم له مِنْ أنْ يخوضَ في البحث عن تأويلِ صفات الله تعالى، فإنَّ ذلك عاقِبَتُه الفسقُ، وهذا عاقبتُه الشِّرْكُ، و ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨ و١١٦]. فإنْ قيل: إنَّ (٨) الإِنسانَ لا تركَنُ نفسُه إلى الاعتقادات الدِّينيَّة إلاَّ

стр. 1229

بدليل، فهل يُجوز أنْ يُذْكَرَ له الدليلُ (١)؟ فإن جوَّزتَ ذلك، فقد رخّصت له في التَّفكُّرِ والنَّظر، وأيُّ فرق بينَ النَّظرِ وبَيْن غيره؟ وإن منعته (٢)، فكيف تمنعُهُ ولا يتِمُّ إيمانُه إلاَّ به؟ فالجواب: إنَّه يجوز له أن يسمع الدَّليلَ على معرفةِ الخالق سبحانه ووحدانيَّته، وعلى صِدقِ الرَّسول ﷺ ، وعلى اليوم الآخرِ، ولكن بشرطين: أحدُهما: أن لا يُزادَ على أدلَّة القرآن والسُّنَّةِ، ولا يُسْلَكَ به طريقةُ المتكلِّمين وتشطيحاتهم. والآخر: أن لا يُماريَ فيه إلاَّ مراءً ظاهراً، ولا يتفكَّرَ فيه إلاَّ تفكُّراً سهلاً جليَّاً، ولا يُمْعِنَ في التَّفكُّر، ولا يُوغِلَ فيه غايةَ الإِيغال، وأدلَّةُ هذه الأمور الأربعة ما ذُكِرَ في القُرآن. أمَّا الدليل على معرفة الخالق سبحانه، فمثل قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس: ٣١]. وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨) وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ [ق: ٦ - ١٠].

стр. 1230

وقوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: ٢٤ - ٣١]. وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا -إلى قوله- وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾ [النبأ: ٦ - ١٦]. وأمثال هذه الآيات -وهِيَ قريبٌ (١) من خمس مئة آية- ينبغي للخلق أن يعرفوا جلالَ الله وعظمته بقوله الصادِقِ المعجز، لا بقولِ المتكلمين: إِنَّ الأعراضَ حادثةٌ، وإنَّ الجواهر لا تخلو مِنَ الأعراض الحادثة، فهي حادثة، ثم الحادثة (٢) تفتقِرُ إلى مُحْدِثٍ، فإِنَّ تلك التقسيمات والمقدمات الرسمية تُشَوِّشُ قُلوب المؤمنين، لا سيما وهي صادرةٌ مِنْ غَيْرِ مَلِيٍّ بالدين (٣)، ولا مضطلع بحملِ شريعة سيِّد المرسلين والأولين والآخرين صلَّى الله عليه وعلى آله أجمعين. والدِّلالات الشَّرعيّةُ الصَّادرةُ عَنِ الله اللَّطيفِ الخبير، وعن رسوله البشيرِ النَّذيرِ تُقْنِعُ وتُسَكِّنُ النُّفُوسَ، وتَغْرِسُ في القلوب الاعتقاداتِ الصَّحيحةَ الجازِمةَ، ولقد بَعُدَ عَنِ التوفيق مَنْ سلك طريقة (٤) المتكلِّمين، وأعرض عن كتاب ربِّ العالمين. وأما الدليل على وحدانيته سبحانه، فيُقنع فيه بما في القرآن مِنْ قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢].
следующие страницы →